← Адаб

Адаб · id 6896

ثمار القلوب في المضاف والمنسوب

أبو منصور الثعالبي

Полный текст (706 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَقَالَ بعض أهل الْفضل فى وصف فَتى حسن الصُّورَة مسترخى التكة (قد حرت فى وصف صديق لنا ... مطرز التكه بالعسجد) (فى الْحسن طَاوس وَلكنه ... أَسجد فى الْخلْوَة من هدهد) ٧٨٩ - (عَذَاب الهدهد) يضْرب مثلا لمن يسام سوء الْعَذَاب لِأَن الله تَعَالَى حكى عَن سُلَيْمَان قَوْله فى الهدهد ﴿لأعذبنه عذَابا شَدِيدا أَو لأذبحنه﴾ وَعَن بعض الْمُفَسّرين أى لأنتفن ريشه وألقينه فى مدارج النَّمْل وَعَن بَعضهم لأفرقن بَينه وَبَين إلفه وَعَن آخر لأحشرنه مَعَ غير ابناء جنسه ٧٩٠ - (نَتن الهدهد) الهدهد طير منتن الْبدن من جوهره وذاته وَرب حَيَوَان يكون منتنا من نَفسه من غير عرض كالتيوس والحيات والظربان قَالَ الشَّاعِر (تشاغلت عَنَّا أَبَا الطّيب ... بِغَيْر شهى وَلَا طيب) (بأنتن من هدهد ميت ... أُصِيب فَكفن فى جورب) فَجعله نِهَايَة فى النتن لِأَن الهدهد منتن فى حَال حَيَاته فَإِذا مَاتَ أزداد نَتنًا بمماته فَإِذا كفن فى الجورب الذى سَار الْمثل بنتن رَائِحَته ازْدَادَ نَتنًا على نَتنه قَالَ الشَّاعِر (أثنى عَلَيْك بِمَا علمت فإننى ... أثنى عَلَيْك بِمثل ريح الجورب) وَمَا على ذَلِك مزِيد فى النتن ولعمرى إِن هَذَا لَهو الْمُبَالغَة فى التَّشْبِيه

стр. 492

٧٩ - (كَلَام الببغاء) يضْرب مثلا لمن يَقُول مَا يَقُول بِغَيْر علم وَلَا معرفَة وَإِنَّمَا يُؤدى شَيْئا سَمعه ويحكى مَا يلقنه وَلما غلب وصيف وبغا على أَمر المستعين كُله حَتَّى كَانَ لَا يصدر إِلَّا عَن رأيهما قَالَ فى ذَلِك جنبذ الْكَاتِب (خلَافَة جائرة ... فَاسِدَة مَا تبتغى) (صَاحبهَا محتجب ... يفرق من حر الوغى) (مقتسم معتبد ... بَين وصيف وبغا) (يَقُول مَا قَالَا لَهُ ... كَمَا تَقول الببغا) وَمن ملح أَوْصَاف الببغاء (أنعتها صَبِيحَة مليحة ... ناطقة باللغة الفصيحة) (عدت من الأطيار وَاللِّسَان ... يوهمنى بِأَنَّهَا إِنْسَان) (تنْهى إِلَى صَاحبهَا الأخبارا ... وَتكشف الأستار والأسرارا) (سكاء إِلَّا أَنَّهَا سميعة ... تعيد مَا تسمعه مطيعه) ٧٩ - (قهقهة القمرى) لم أسمع من ضرب بهَا الْمثل إِلَّا أَبَا عبد الله ابْن الْحجَّاج فَإِنَّهُ ظرف وملح حَيْثُ قَالَ (وقينة تنغيمها فى الفنا ... أَمْلَح من قهقهة القمرى) (غنَاؤُهَا الْمَمْدُود بى فَاعل ... فعل الْغنى الْمَقْصُور بالعسر)

стр. 493

٧٩٣ - (غناء العندليب) يضْرب بِهِ الْمثل فى الملاحة وَالطّيب قَالَ بعض العصريين (سَمَاء كصدر الباز وَالْأَرْض تَحْتَهُ ... كأجنحة الطاوس فَاشْرَبْ أَبَا نصر) (عقارا كعين الديك تحلو بمسمع ... يُؤدى غناء العندليب على قدر) وَقَالَ أَيْضا فى غُلَام (فديتك يَا أتم النَّاس ظرفا ... وأصلحهم لمتخذ حبيبا) (فوجهك نزهة الألحاظ حسنا ... وصوتك مُتْعَة الأسماع طيبا) (وسائلة تسائل عَنْك قُلْنَا ... لَهَا فى وصفك العجيبا) (رنا ظَبْيًا وغنى عندليبا ... ولاح شقائقا وَمضى قَضِيبًا) وفى الْكتاب الْمُبْهِج لَيْسَ للبلابل كخمر بابل ٧٩٤ - (بَيْضَة الديك) يضْرب بهَا الْمثل للشىء يَقع نَادرا وَيحدث مرّة فَيُقَال هَذَا بَيْضَة الديك أى لم يجر أَكثر من مرّة قَالَ الشَّاعِر وَقد تلطف وبر بمحبوبته (يَا أحسن النَّاس ريقا غير مختبر ... إِلَّا شَهَادَة أَطْرَاف المساويك) (قد زرتنى مرّة فى الْعُمر وَاحِدَة ... ثنى وَلَا تجعليها بَيْضَة الديك) وَقد تقدم فى غير هَذَا الْبَاب ضمنا وَإِن كَانَ أخص بِهِ الْبَاب الآتى ٧٩٥ - (مشْيَة القبج) تشبه بهَا كل مشْيَة ظريفة قَالَ الشَّاعِر (وَكم عقعق قد رام مشْيَة قبجة ... فأنسى ممشاه وَلم يمش كالحجل)

стр. 494

وَقَالَ بعض أهل الْعَصْر (لقاؤك يحْكى قَضَاء الْحَوَائِج ... ووجهك للغم والهم فارج) (وفيك لنا فتن أَربع ... تسل علينا سيوف الْخَوَارِج) (لحاظ الظباء وَمَشى القباج ... وطوق الْحمام وزى التدارج) ٧٩٦ - (كذب الفاختة) يضْرب بهَا الْمثل كَمَا قَالَ الشَّاعِر (أكذب من فَاخِتَة ... تَقول وسط الكرب) (والطلع لم يبد لَهَا ... هَذَا أَوَان الرطب) وكما قَالَ الشَّاعِر (وَقَول أَبى جَعْفَر كُله ... كَقَوْل الفواخت جَاءَ الرطب) (وَهن وَإِن كن أشبهنه ... فلسن يدانينه فى الْكَذِب) وكما قَالَ آخر (وَقد كنت تصدق صدق القطا ... فَأَصْبَحت أكذب من فاخته) ٧٩٧ - (حلم العصفور) قَالَ الجاحظ الْعَرَب تضرب الْمثل بحلم العصفور لأحلام السخفاء قَالَ دُرَيْد بن الصمَّة (يَا آل شَيبَان مَا بالى وبالكم ... أَنْتُم كَثِيرُونَ فى أَحْلَام عُصْفُور) وَقَالَ حسان بن ثَابت (لَا بَأْس بالقوم من طول وَمن قصر ... جسم البغال وأحلام العصافير)

стр. 495

وَقَالَ ابْن الرومى (أرى رجَالًا قد خولوا نعما ... فى خفَّة الْحلم كالعصافير) (تبَارك الله كَيفَ يرزقهم ... لكنه رَازِق الْخَنَازِير) ٧٩٨ - (سفاد العصفور لَيْسَ فى الطير أَكثر سفادا من العصافير وَلذَلِك قَالُوا إِنَّهَا أقصر الطير أعمارا وَيُقَال إِنَّه لَيْسَ شىء مِمَّا يألف النَّاس ويعايشهم فى دُورهمْ أقصر عمرا مِنْهَا يعنون الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير وَالْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وَالْكلاب والسنانير والخطاطيف وَالْحمام والدجاج وَيُقَال فى الْمثل أسفد من عُصْفُور قَالَ بعض أهل الْعَصْر (سقيا لأيام الصِّبَا إِذْ أَنا ... فى طلب اللَّذَّة عفريت) (أصيد كالبازى ولكننى ... أسفد كالعصفور ماشيت) (شُؤْم البوم) البوم يضْرب بِهِ الْمثل فى النكد والشؤم لِأَنَّهُ يأوى الخراب وَلَا يأنس باشكاله من ذَوَات الأجنحة وإياه عَنى أَبُو الطّيب بقوله فى المصراع الثانى (خير الطُّيُور على الْقُصُور وشرها ... يأوى الخراب ويسكن الناووسا) وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الخالدى (ولى صَاحب نحس على كل صَاحب ... هُوَ الدَّاء أعيا أَن يُصِيب دَوَاء) (أخف الورى عقلا وأثقل طلعة ... وأقحم إِلَّا أَن يَقُول خطاء) ٧٩٩ - (شُؤْم القز) قَالَ ابْن الْحجَّاج القز طَائِر يتشاءم مِنْهُ

стр. 496

وَإِذا رَآهُ أهل السَّفِينَة لم يشكو فى الْغَرق وَكَثِيرًا مَا يذكرهُ ابْن حجاج متمثلا بِهِ كَقَوْلِه (يَا سيدى دَعْوَة ذى حرقة ... أقدم فى الشؤم من القز) (عمامتى كَانَت أميرية ... مليحة الشربش والطرز) (وَلست بالباكى على فقدها ... فالخزى أولى بى من الْخَزّ) ٨٠٠ - (حزم القرلى وخطف القرلى) قَالَ حَمْزَة بن الْحسن الأصفهانى القرلى طير من بَنَات المَاء صَغِير الجرم شَدِيد الغوص سريع الخطف لَا يرى إِلَّا مرفرفا على وَجه المَاء على جَانب كطيران الحدأة يهوى بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ إِلَى قَعْر المَاء طَمَعا وَيرْفَع الْأُخْرَى إِلَى الْهَوَاء حذرا فَإِن أبْصر فى المَاء مَا يسْتَقلّ بِحمْلِهِ من سمك وَغَيره انقض عَلَيْهِ كالسهم الْمُرْسل فَأخْرجهُ من قَعْر المَاء وَإِن أبْصر فى الْهَوَاء جارحا أَهْوى إِلَى الأَرْض فَضربُوا بِهِ الْمثل فى الخطف وَكَذَلِكَ ضربوا بِهِ الْمثل فى الحزم والحذر وفى أسجاع ابْن الْحسن كن حذرا كالقرلى إِن رأى خيرا تدلى وَإِن رأى شرا تولى وَقد خَالف هَذَا رُوَاة النّسَب فَقَالُوا قرلى هُوَ اسْم رجل من الْعَرَب كَانَ لَا يتَخَلَّف عَن طَعَام أحد وَلَا يتْرك موضعا إِلَّا قصد إِلَيْهِ فَإِن صَادف فى طَرِيق يسلكه خُصُومَة ترك ذَلِك الطَّرِيق وَلم يمر فِيهِ فَقَالُوا أطمع من قرلى وَأَقُول أَنا خليق أَن يكون هَذَا الرجل شبه بذلك الطير وسمى باسمه قَالَ الشَّاعِر

стр. 497

(يَا من جفانى وملا ... أنسيت أَهلا وسهلا) (وَمَات مرحب لما ... رَأَيْت مالى قلا) (إنى أَظُنك تحكى ... بِمَا فعلت قرلى) ٨٠ - (اختطاف الخطاف) يضْرب الْمثل باختطاف الخطاف كَمَا يضْرب باستلاب الحدأة وَفِيه يَقُول الصنوبرى (ومؤاتى الْعتاق غير مؤات ... مُطِيع اللحظ مؤنس اللفظات) (لَا ينيل التَّقْبِيل إِلَّا اختطافا ... كاختطاف الخطاف مَاء الْفُرَات)

стр. 498

الْبَاب الحادى وَالْأَرْبَعُونَ فى الْبيض بيض الأنوق بيض السماسم بيض النعام بَيْضَة الْبَلَد بَيْضَة الْعقر بَيْضَة الديك بَيْضَة الْإِسْلَام بَيْضَة البقيلة بَيْضَة الذَّهَب الاستشهاد ٨٠ - (بيض الأنوق) الْعَرَب تضرب الْمثل ببيض الأنوق فى الشىء الذى لَا يُوجد فَتَقول أعز من بيض الأنوق وَأبْعد من بيض الأنوق والأنوق الرخم الذّكر وَإِنَّمَا الْبَيْضَة للْأُنْثَى هَذَا قَول أَبى عَمْرو وَأما غَيره من اللغويين والمعنويين فَإِنَّهُم أَجمعُوا على أَن الأنوق تلتمس لبيضها الأوكار الْبَعِيدَة والأماكن الوحشية وَالْجِبَال الشامخة وصدوع الصخر الغامضة فَلَا يصل إِلَيْهَا سبع وَلَا آدمى كَمَا قَالَ الشَّاعِر (وَكنت إِذا اسْتوْدعت سرا كتمته ... كبيض أنوق لَا ينَال لَهُ وكر) ويروى أَن رجلا من أهل الشَّام طلب إِلَى مُعَاوِيَة حَاجَة فَأبى وَسَأَلَهُ أُخْرَى فتمثل مُعَاوِيَة بِهَذَا الْبَيْت (طلب الأبلق العقوق فَلَمَّا ... فَاتَهُ ذَاك رام بيض الأنوق) وَقَالَ بعض ولد عُيَيْنَة بن حصن لعمر بن عبد الْعَزِيز (إِن أولى بِالْحَقِّ فى كل حق ... ثمَّ أَحْرَى بِأَن يكون حَقِيقا) (من ابوه عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان ... وَمن كَانَ جده الفاروقا)

стр. 499

(رد أَمْوَالنَا علينا وَكَانَت ... فى ذرا شَاهِق يفوق الأنوقا) وأنشدنى الخوارزمى لنَفسِهِ (تغربت أسأَل من عَن لى ... من النَّاس هَل من صديق صَدُوق) (فَقَالُوا عزيزان لَا يوجدان ... صديق صَدُوق وبيض الأنوق) وقرأت للصاحب من رِسَالَة لَهُ إِلَى أَبى سعيد بن ابى بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الْفَصْل وَهل غَايَة من أفنى الطوامير واستقصى الأضايير وَكتب الْكتب الطوَال وشحن الصُّحُف العراض يحاول أَن يدل على حالك حَتَّى يخْطر بِبَالِهِ أَن يكْشف عَن بلبالك إِلَّا أَن يُقَال لَهُ أردْت بيض الأنوق كلا بل بيض النوق وَقد أبعد النجعة وَلم يطبق الْمفصل وَأَرَادَ أَن يجىء بعائدة فجَاء بآبدة وَلكُل جواد كبوة كَمَا أَن لكل صارم نبوة ٨٠٣ - (بيض السماسم) من أَمْثَال الْعَرَب عَن اللحيانى كلفنى بيض السماسم وَوَاحِدَة السمائم سماحة والسمائم طير مثل الخطاف لَا يقدر على بيضه ٨٠٤ - (بيض النعام) قد تقدم القَوْل فى أَن الْعَرَب تضرب الْمثل للعذارى بِهِ فى الصِّحَّة والسلامة كَمَا قَالَ الفرزدق (وَهن أصح من بيض النعام ... ) ٨٠٥ - (بَيْضَة الْبَلَد) من أَمْثَال الْعَرَب فلَان بَيْضَة الْبَلَد فيضعونها مرّة فى مَوضِع الْمَدْح وَتارَة فى مَوضِع الذَّم فَأَما الَّتِى يُرَاد بهَا الْمَدْح فَكَمَا قَالَ

стр. 500

على ابْن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ أَنا بَيْضَة الْبَلَد وكما قَالَت عمْرَة ابْنة عَمْرو ابْن عبد ود ترثى أَبَاهَا وتذكر قتل على إِيَّاه (لَو كَانَ قَاتل عَمْرو غير قَاتله ... بكيته مَا أَقَامَ الرّوح فى جسدى) (لَكِن قَاتله من لَا يعاب بِهِ ... وَكَانَ يدعى قَدِيما بَيْضَة الْبَلَد) وَإِنَّمَا يُرَاد ببيضة الْبَلَد وَاحِدهَا الذى تَجْتَمِع إِلَيْهِ وَتقبل قَوْله وَأما الَّتِى يُرَاد بهَا الذَّم فهى كَمَا قَالَ الراعى (تأبى قضاعة لم تعرف لكم نسبا ... وابنا نزار فَأنْتم بَيْضَة الْبَلَد) وَإِنَّمَا نسبهم إِلَى غير نسب وشبههم بَيْضَة النعام الَّتِى يحضنها غير صَاحبهَا فقد يُرَاد ببيضة الْبَلَد الِانْفِرَاد والذل والضياع لِأَن النعامة تقوم عَنْهَا وتتركها مُنْفَرِدَة بدار مضيعة كَمَا تقدم ذكره وَلِهَذَا الْمَعْنى أَرَادَ من قَالَ (لكنه حَوْض من أودى بإخوته ... ريب الْمنون فأمسى بَيْضَة الْبَلَد) ٨٠٦ - (بَيْضَة الديك) يضْرب الْمثل ببيضة الديك فى الشىء يكون مرّة وَاحِدَة لَا ثَانِيَة لَهَا والذى يعْطى عَطِيَّة لَا يعود لمثلهَا وَذَلِكَ أَن الديك يبيض فى عمره مرّة وَاحِدَة لَا يكون لَهَا أُخْت وَقد تمثل بهَا بشار حَيْثُ قَالَ (قد زرتنا مرّة فى الدَّهْر وَاحِدَة ... ثنى وَلَا تجعليها بَيْضَة الديك) ٨٠٧ - (بَيْضَة الْعقر) اخْتلفُوا فِيهَا فَمن قَائِل إِنَّهَا الْبَيْضَة الَّتِى تستبرأ بهَا الْمَرْأَة أبكر هى أم ثيب وَمن قَائِل إِنَّهَا بَيْضَة الديك وَلَا ثَانِيَة لَهَا قطّ

стр. 501

وَمن قَائِل إِنَّهَا آخر بَيْضَة للدجاجة وَلَا بَيْضَة لَهَا بعْدهَا فَتضْرب مثلا للشىء لَا يكون بعده شىء من جنسه وَهَذَا أَسد الْأَقَاوِيل وأقربها من الصَّوَاب ويحكى أَن رجلا أَخذ من بَين يدى بعض الْمُلُوك البخلاء بَيْضَة فَقَالَ خُذْهَا فَإِنَّهَا بَيْضَة الْعقر ثمَّ لم يَدعه بعد ذَلِك إِلَى مائدته ٨٠٨ - (بَيْضَة البقيلة) تذكر فى عُيُون الْأَطْعِمَة وَلَا يستحسن الْمُبَادرَة إِلَيْهَا وهجا الحمدونى طفيليا فَقَالَ (ويبدرهم إِلَى بيض البقيله ... ) وَيُقَال ثَلَاثَة ينتهى الْحمق إِلَيْهَا وهى أَن يستظل الرجل بمظلته وَهُوَ فى الظل وَأَن يسابق إِلَى بَيْضَة البقلة وَأَن يحتجم فى غير دَاره وَحكى الجاحظ عَن الحارثى أَنه قَالَ الْوحدَة خير من جليس السوء وجليس السوء خير من أكيل السوء وكل أكيل جليس وَلَيْسَ كل جليس أكيلا فَإِن كَانَ لَا بُد من المؤاكلة فَمَعَ من لَا يستأثر بالمخ وَلَا ينتهز بَيْضَة البقيلة وَلَا يلتهم كبد الدَّجَاجَة وَلَا يُبَادر إِلَى دماغ وَلَا يختطف كلى الجدى وَلَا ينْزع خاصرة الْحمل وَلَا يزدرد قانصة الكركى وَلَا يتَعَرَّض لعيون الرُّءُوس وَلَا يستولى على صُدُور الدراج وَلَا يسابق إِلَى أسقاط الْفِرَاخ وَحكى عَن مُحَمَّد بن أَبى المؤمل أَنه قَالَ فى كَلَام وَلَقَد كَانُوا متحامين بَيْضَة البقيلة ويدفعها كل امرىء لصَاحبه وَأَنت الْيَوْم إِن لَو أردْت أَن تمتّع عَيْنَيْك بنظرة وَاحِدَة إِلَيْهَا لم تقدر عَلَيْهَا

стр. 502

وَسمعت السَّيِّد أَبَا جَعْفَر الموسوى يَقُول عَاتب بعض النَّاس صديقا لَهُ على إخلاله بإضافته بعد أَن كَانَ يَدعُوهُ كثيرا فَقَالَ مَا الذى أنْكرت منى هَل نبشت وِسَادَتك هَل قلبت حملك هَل بعثرت أبزارك هَل أكلت بَيْضَة بقيلتك هَل تفلت فى طستك ٨٠٩ - (بَيْضَة الْإِسْلَام) هى مجتمعه وحوزته وَيُقَال للجند حماة الْحَوْزَة ورعاة الْبَيْضَة قَالَ الشَّاعِر يهجو بعض الْحُكَّام (ابكى وأندب بَيْضَة الْإِسْلَام ... إِذْ صرت تقعد مقْعد الْحُكَّام) (إِن الْحَوَادِث مَا علمت كَثِيرَة ... وأراك بعض حوادث الْأَيَّام) وَيُقَال أَيْضا بَيْضَة الْعَشِيرَة وَمِنْهَا قَول أَبى بكر الصّديق رضى الله تَعَالَى عَنهُ نَحن عشيرة رَسُول الله وبيضتها الَّتِى انفقأت عَنْهَا وَإِنَّمَا دارت الْعَرَب عَنْهَا كَمَا دارت الرحا عَن قطبها وَمن الْبَيْضَة المستعارة بَيْضَة الْحَدِيد وبيضة العنبر ٨١٠ - (بَيْضَة الذَّهَب) تضرب للشىء النفيس تَنْقَطِع مادته بعد أَن تكون الْعَادة جَارِيَة بهَا وَأَصلهَا أَن الرّوم كَانُوا ينفذون إِلَى الأكاسرة فى الإتاوة كل عَام ألف بَيْضَة ذهب كل وَاحِدَة زنتها مائَة مِثْقَال فَلَمَّا ولى الْإِسْكَنْدَر أَتَاهُ من قبل دَارا بن دَارا من يتقاضاه الإتاوة فَقَالَ قل لَهُ إِن الدَّجَاجَة الَّتِى كَانَت تبيض الذَّهَب قد مَاتَت فَسَار قَوْله مثلا وَكَانَ ذَلِك سَببا لالتحام الشَّرّ بَين دَارا والإسكندر حَتَّى قتل دَارا وفى هَذَا الْمثل قَالَ الشَّاعِر يهجو بعض الْحُكَّام

стр. 503

(من كَانَ يَنْفَعهُ الْأَدَب ... ويحله أَعلَى الرتب) (فَلَقَد خسرت عَلَيْهِ مَا ... ورثت من أم وَأب) (كم ضَيْعَة كَانَت تصون ... الْوَجْه عَن ذل الطّلب) (أتلفتها لَا فى القيان ... وَلَا هوى بنت الْعِنَب) (بل فى الْحَوَادِث والجوائح ... والشوائب والنوب) (كم قلت لما بعتها ... وحصلت فى أسر الكرب) (ضَاعَت دجاجتنا الَّتِى ... كَانَت تبيض لنا الذَّهَب)

стр. 504

الْبَاب الثانى وَالْأَرْبَعُونَ فى الذُّبَاب والبعوض طيش الذُّبَاب جرْأَة الذُّبَاب زهو الذُّبَاب لجاج الذُّبَاب طنين الذُّبَاب أير الذُّبَاب منجى الذُّبَاب بق البطائح ضعف البقة مخ البعوض فرَاش النَّار جهل الفراشة خفَّة الفراشة حلم الفراشة لعاب النَّحْل كيس النَّحْل إبر النَّحْل آنِية النَّحْل نحل السكر خصر زنبور الاستشهاد ٨١ - (طيش الذُّبَاب) يضْرب مثلا فَيُقَال أطيش من ذُبَاب وَأنْشد الأصمعى (ولأنت أطيش حِين تَغْدُو شاردا ... رعش الْجنان من القدوح الأقرح) قَالَ وكل ذُبَاب أقدح يقْدَح بيدَيْهِ كَمَا قَالَ عنترة (هزجا يحك ذراعه بذراعه ... حك المكب على الزِّنَاد الأجذم) ٨١ - (جرْأَة الذُّبَاب) يضْرب بهَا الْمثل لِأَن الذُّبَاب يَقع على فَم الْأسد وَهُوَ لَا يبْقى شَيْئا وَهُوَ مَعَ ذَلِك يذاد وَيعود ٨١٣ - (زهو الذُّبَاب) قَالَ الجاحظ يُقَال أزهى من ذُبَاب لِأَنَّهُ يسْقط على أنف الْملك الْجَبَّار وعَلى موق عَيْنَيْهِ ليأكله ثمَّ يطرد فَلَا ينطرد

стр. 505

وَحكى أَن ذبابا وَقع على أنف الْمَنْصُور وَهُوَ يخْطب فحرك رَأسه ليطرده وَكَانَ الْخُلَفَاء لَا يحركون أَيْديهم على المنابر فطار حَتَّى سقط على رَأسه فحركها فطار حَتَّى وَقع على عينه فحرك رَأسه فطار حَتَّى وَقع على عينه الْأُخْرَى حَتَّى أضجره فذبه بِيَدِهِ فَلَمَّا نزل سَأَلَ عَمْرو بن عبيد لم خلق الله الذُّبَاب فَقَالَ ليذل بِهِ الْجَبَابِرَة ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن يسلبهم الذُّبَاب شَيْئا لَا يستنقذوه مِنْهُ ضعف الطَّالِب وَالْمَطْلُوب﴾ ٨١٤ - (لجاج الذُّبَاب) حكى الجاحظ فى لجاج الذُّبَاب مَا هُوَ نِهَايَة الفصاحة والاتساع قَالَ كَانَ عندنَا بِالْبَصْرَةِ قَاض يُقَال لَهُ عبد الله بن سوار لم ير النَّاس حَاكما ذكيا وَلَا وقورا رزينا ضبط من نَفسه وَملك من حركته مثل الذى ضبط وَملك وَكَانَ يصلى الْغَدَاة فى منزله وداره قريبَة من مَسْجده ثمَّ يأتى مَجْلِسه فيحتبى وَلَا يتكى وَيبقى منتصبا لَا يَتَحَرَّك لَهُ عُضْو وَلَا يلْتَفت وَلَا يحل حبوته وَلَا يحول رجلا عَن رجل وَلَا يعْتَمد على أحد شقيه حَتَّى كَأَنَّهُ بِنَاء مبْنى وصخرة مَنْصُوبَة فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يقوم لصَلَاة الظّهْر ثمَّ يعود إِلَى مَجْلِسه فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يقوم إِلَى صَلَاة الْعَصْر ثمَّ يرجع إِلَى مَجْلِسه فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يقوم لصَلَاة الْمغرب ثمَّ رُبمَا عَاد إِلَى مَجْلِسه بل كثيرا مَا يكون ذَلِك إِذا بقى عَلَيْهِ شىء من قِرَاءَة العهود والسجلات ثمَّ يصلى الْعشَاء الْأَخِيرَة وينصرف فَالْحق يُقَال لم يقم طول تِلْكَ الْمدَّة وَالْولَايَة مرّة وَاحِدَة من مَجْلِسه إِلَى وضوء وَلَا احْتَاجَ إِلَيْهِ وَلَا شرب مَاء وَلَا غَيره من الشَّرَاب كَذَلِك كَانَ شَأْنه فى

стр. 506

طوال الْأَيَّام وقصارها وصيفها وشتائها وَكَانَ مَعَ ذَلِك لَا يُحَرك لَهُ يدا وَلَا عضوا وَلَا يُشِير بِرَأْسِهِ وَلَيْسَ إِلَّا أَن يتَكَلَّم ثمَّ يوجز ويبلغ باليسير من الْكَلَام إِلَى الْمعَانى الْكَثِيرَة فَبَيْنَمَا هُوَ ذَات يَوْم فى مَجْلِسه وَأَصْحَابه حواليه والسماط بَين يَدَيْهِ إِذْ سقط على أَنفه ذُبَاب فَأطَال الْمكْث ثمَّ تحول إِلَى مؤق عينه فرام الصَّبْر فى سُقُوطه على المؤق وصبر على عضته ونفاذ خرطومه كَمَا رام الصَّبْر على سُقُوطه على أَنفه من غير أَن يُحَرك أرنبته أَو بعض وَجهه اَوْ يذب بأصابعه فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ من الذُّبَاب وشغله وأوجعه وَأحرقهُ وَقصد مَكَانا لَا يحْتَمل التغافل أطبق جفْنه الْأَعْلَى على جفْنه الْأَسْفَل فَلم ينْهض فَدَعَاهُ ذَلِك إِلَى أَن والى بَين الإطباق وَالْفَتْح فَتنحّى فَلَمَّا سكن جفْنه عَاد إِلَى مؤقه بأشد من مرته الأولى فَغمسَ خرطومه فى مَكَان كَانَ قد آذاه فِيهِ قبل ذَلِك وَكَانَ احْتِمَاله أقل وعجزه عَن الصَّبْر على الثَّانِيَة أقوى فحرك أجفانه وَزَاد فى شدَّة الْحَرَكَة وفى فتح الْعين ومتابعة الْفَتْح والإطباق فَتنحّى عَنهُ بِقدر مَا سكنت حركته ثمَّ عَاد إِلَى مَوْضِعه فَمَا زَالَ يلح عَلَيْهِ حَتَّى استفرغ صبره وَبلغ مجهوده فَلم يجد بدا من أَن يذب عَن عينه بِيَدِهِ فَفعل وعيون الْقَوْم ترمقه وَكَأَنَّهُم لَا يرونه فَتنحّى عَنهُ بِقدر مَا سكنت حركته ثمَّ عَاد إِلَى مَوْضِعه فألجأه إِلَى أَن ذب على وَجهه بِطرف كمه ثمَّ أَلْجَأَهُ إِلَى أَن تَابع ذَلِك وَعلم أَنه كَانَ بِعَين من حضر من أمنائه وجلسائه فَلَمَّا نظرُوا إِلَيْهِ قَالُوا نشْهد أَن الذُّبَاب ألج من الخنفساء وأزهى من الْغُرَاب قَالَ اسْتغْفر الله فَمَا أَكثر من أَعْجَبته نَفسه فَأَرَادَ الله أَن يعرفهُ من ضعفه مَا كَانَ مَسْتُورا عَنهُ قد علمْتُم أَنى

стр. 507

عِنْد النَّاس من أرزن النَّاس فقد غلبنى وفضحنى أَضْعَف خلق الله ثمَّ تَلا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن يسلبهم الذُّبَاب شَيْئا لَا يستنقذوه مِنْهُ ضعف الطَّالِب وَالْمَطْلُوب﴾ ٨١٥ - (طنين الذُّبَاب) يضْرب الْمثل بِهِ للْكَلَام يستهان وَلَا يبالى بِهِ قَالَ حضرمى بن عَامر (مَا زَالَ إهداء القصائد بَيْننَا ... شتم الصّديق وَكَثْرَة الألقاب) (حَتَّى تركت كَأَن أَمرك بَينهم ... فى كل مُجْتَمع طنين ذُبَاب) وَقَالَ ابْن عروس (يَا من يروعه طنين ذُبَاب ... ويفل عزمته صرير الْبَاب) فَجعله يرتاع مِمَّا لَا يرتاع مِنْهُ ٨١٦ - (منجى الذُّبَاب) يضْرب مثلا للئيم الذَّلِيل يكون عَلَيْهِ واقية من لؤمه وذله كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس (كن كَيفَ شِئْت وَقل مَا تشا ... وأبرق يَمِينا وأرعد شمالا) (نجابك لؤمك منحى الذُّبَاب ... حمته مقاذيره أَن ينالا) وَقَالَ مُسلم بن الْوَلِيد

стр. 508

(فَاذْهَبْ فَأَنت طليق عرضك إِنَّه ... عرض عززت بِهِ وَأَنت ذليل) ٨١٧ - (أير الذُّبَاب) يضْرب مثلا لما قل وذل وأنشدالجاحظ (لما رَأَيْت الْقصر أغلق بَابه ... وتعلقت هَمدَان بالأسباب) (أيقنت أَن إِمَارَة ابْن مقرب ... لم يبْق مِنْهَا قيس أير ذُبَاب) قَالُوا وَلم يرد مِقْدَار أيره إِنَّمَا ذهب إِلَى مثل قَول ابْن أَحْمَر فى مخ البعوض وَقد تقدم ذكره وسيأتى قَرِيبا ٨١٨ - (بق البطائح) يضْرب بِهِ الْمثل فى الْكَثْرَة وَسُوء الْأَثر يذكر مَعَ جرارات الأهواز وعقارب شهر زور وبلغنى أَنَّهَا رُبمَا ظَفرت بالإنسان السَّكْرَان النَّائِم فَأكلت لَحْمه وشربت دَمه وَلم تبْق مِنْهُ إِلَّا عظاما عَارِية ٨١٩ - (ضعف بقة) يضْرب بِهِ الْمثل كَمَا قَالَ الشَّاعِر فى رجل اسْمه لَيْث (أيا من إسمه لَيْث ... وَهُوَ أَضْعَف من بقة) (لقد باعد رب النَّاس ... بَين الإسم والخلقه) وَيضْرب الْمثل بصغر البقة قَالَ الخوارزمى

стр. 509

(ضنيت فَلَو ادخلت فى حلق بقة ... خريفية من دقتى لم تغص بى) (وَأصْبح قلبى فى يَد الْهم واغتدت ... أمانى فى أظفار عنقاء مغرب) ٨٢٠ - (جنَاح بعوضة) يضْرب بِهِ الْمثل فى الْقلَّة والصغر والخفة كَمَا يضْرب بمثقال ذرة وفى الحَدِيث (لَو كَانَت الدُّنْيَا تعدل عِنْد الله جنَاح بعوضة مَا سقى كَافِرًا مِنْهَا شربة مَاء) ٨٢ - (مخ البعوض) من أَمْثَال الْعَرَب كلفتنى مخ الْبَعُوضَة أى كلفتنى مَالا أُطِيق وَلَا يُوجد وَلَا يكون وَلم يذكر ذَلِك أحد من الشُّعَرَاء إِلَّا ابْن أَحْمَر إِذْ قَالَ (كلفتنى مخ البعوض فقد ... أقصرت لَا نجح وَلَا عذر) ثمَّ تبعه ابْن عروس فَقَالَ (وَلَو أيقنت أَن سيموت قلبى ... صَغِير السن كالرشإ الغضيض) (أبحتك كل مَا يحويه كفى ... وَلَو كلفتنى مخ البعوض) ٨٢ - (فرَاش النَّار) قَالَ الجاحظ يُقَال فى مَوضِع الذَّم والهجاء بالطيش وَالْجهل والتهور مَا هُوَ إِلَّا فرَاش نَار وذباب طمع كَمَا قَالَ الشَّاعِر (كَأَن بنى طهية رَهْط سلمى ... فرَاش حول نَار مصطلينا) (يطفن بحرها ويقعن فِيهَا ... وَلَا يدرين مَاذَا يتقينا) قَالَ والفراش وأصناف الذُّبَاب أَجْهَل خلق الله لِأَنَّهَا تغشى النَّار من ذَوَات أَنْفسهَا حَتَّى تحترق وَقَالَ الشَّاعِر

стр. 510

(ختمت الْفُؤَاد على حبها ... كَذَاك الصَّحِيفَة بالخاتم) (هوت بى إِلَى حبها نظرة ... هوى الفراشة فى الجاحم) ٨٢٣ - (جهل الفراشة) يضْرب بهَا الْمثل لِأَن الفراشة تطلب النَّار لتلقى نَفسهَا فِيهَا قَالَ الشَّاعِر (إِذا مَا دنا حنف الفراشة أَقبلت ... إِلَى وهجان النَّار تطلب مخلصا) وَهَذَا كَمَا يُقَال إِذا جَاءَ أجل الْبَعِير حام حول البير وَكتب أَبُو إِسْحَاق الصابى تهافت الْفراش فى الشهَاب وولوع الذُّبَاب بِالشرابِ وَكتب مثله فى مُخَالفَة طرائق الحصفاء وخلائق الحزماء مثل الْفراش المتهافت فى الشهَاب والنقد المتهجم على لُيُوث الغاب ٨٢٤ - (خفَّة الفراشة) يضْرب بهَا الْمثل لِأَن الفراشة أكبر من الذُّبَاب الضخم فَإِذا أَخَذتهَا بِيَدِك صَارَت بَين أصابعك كالدقيق وَتقول الْعَامَّة لمن تستخف روحه مَا أَنْت إِلَّا من فرَاش الْجنَّة ٨٢٥ - (حلم الفراشة) يُقَال ذَلِك كَمَا يُقَال حلم عُصْفُور قَالَ الشَّاعِر (سفاهة سنور وحلم فراشة ... وَإنَّك من كلب المهارش أَجْهَل) ٨٢٦ - (لعاب النَّحْل) هُوَ الْعَسَل يضْرب الْمثل بحلاوته وَيُقَال أَيْضا ريق النَّحْل وَعَابَ بعض الْقُرَّاء الفالوذج عِنْد الْحسن فَقَالَ الْحسن

стр. 511

لعاب النَّحْل بلباب الْبر بخالص السّمن مَا عَابَ هَذَا مُسلم ﴿قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق﴾ وَمن كَلَام السَّيِّد الْأَمِير أدام الله تأييده فى تَشْبِيه الْكَلَام بريق النَّحْل وصل كتابك فأذعنت الْقُلُوب لفضله بالاعتراف وَاخْتلفت الألسن فى تشبيهه ببديع الْأَوْصَاف فَمن مُدع أَنه رقية الْفضل وريق النَّحْل ومنتحل أَنه سلاف العنقود ونظم الْعُقُود وَقَائِل إِنَّه نظم خمائل وسحر بابل فَأَما أَنا فَتركت التَّمْثِيل وَتركت التَّحْصِيل وَقلت هُوَ سَمَاء فضل جَادَتْ بصوب الحكم ووشى طبع حاكته سنّ الْقَلَم ونسيم خلق تنفست عَنهُ رَوْضَة الْكَرم ٨٢٧ - (كيس النَّحْل) قَالَ الجاحظ من يقدر على نعت النَّحْل وكيسها وَوصف مَا فِيهَا من غَرِيب الحكم وَعَجِيب التَّدْبِير وَمن التَّقَدُّم فِيمَا مَا يقوتها والادخار ليَوْم الْعَجز عَن كسبها وشمها مَالا يشم ورؤيتها مَالا يرى وَحسن هدايتها وَالتَّدْبِير والتأمير عَلَيْهَا وَطَاعَة سادتها وتقسيط أَجنَاس الْأَعْمَال على أقدار معارفها وَقُوَّة أبدانها ﴿فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾ وَكتب أَبُو الْفرج يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم إِلَى ابْنه أَبى سعيد مَعَ غُلَام تركى بعث بِهِ إِلَيْهِ من بُخَارى قد أهديت إِلَيْك غُلَاما يجمع أشغال النَّاس وكيس النَّحْل ونمو الْهلَال بورك لَك فِيهِ ٨٢٨ - (إبر النَّحْل) تضرب مثلا فى الْوَصْل إِلَى المحبوب بمقاساة الْمَكْرُوه وَهُوَ يجرى مجْرى شوك التَّمْر قَالَ أَبُو تَمام (ذرينى أنل مَالا ينَال من الْعلَا ... فصعب الْعلَا فى الصعب والسهل فى السهل) (تريدين تَحْصِيل المعالى رخيصة ... وَلَا بُد دون الشهد من أبر النَّحْل)

стр. 512

٨٢٩ - (آنِية النَّحْل) ذكر الزبير بن بكار بِإِسْنَاد لَهُ أَن مُصعب ابْن الزبير كَانَ يُقَال لَهُ آنِية النَّحْل من كرمه وجوده وَكَانَ من أجمل النَّاس وأشجعهم وأجودهم وَذكره عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ كَانَ رَئِيسا نفيسا وَقَالَ بعض الْأَشْرَاف فى قَتله (فَلَا تحسب السُّلْطَان عارا عِقَابه ... وَلَا ذله عِنْد الحفائظ وَالْأَصْل) (فقد قتل السُّلْطَان عمرا ومصعبا ... قريعى قُرَيْش واللذين هما مثلى) (عماد بنى الْعَاصِ الرفيع عماده ... وقرم بنى الْعَوام آنِية النَّحْل) ٨٣٠ - (نحل السكر) سَمِعت أَبَا الْفَتْح البستى يَقُول الْحر كنحل السكر إِن أجناه الْمَرْء من بره شكرا أجناه من شكره شَهدا ثمَّ أنشدنى لنَفسِهِ (لَا نحقر الْمَرْء إِن رَأَيْت بِهِ ... دمامة أَو رثاثة الْحلَل) (فالنحل لَا شىء فى طبولته ... ينَال مِنْهُ الْفَتى جنى الْعَسَل) ٨٣ - (خصر زنبور) يشبه بِهِ خصر المعشوق من الجوارى والغلمان كَمَا قَالَ عمر بن أَبى ربيعَة (وَثَلَاث لقِيت فى الْحَج يَوْمًا ... كظباء المها ملاح ظراف) (يتقابلن كالبدور على الأغصان ... فى مثقل من الأرداف) (بخصور تحكى خصور الزنابير ... دقاق هممن للإنتصاف)

стр. 513

الْبَاب الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ فِي الأَرْض وَمَا يُضَاف إِلَيْهَا خبايا الأَرْض شحمة الأَرْض سمع الأَرْض وبصرها دَابَّة الأَرْض جنَّة الأَرْض أَمَانَة الأَرْض كتمان الأَرْض أوتاد الأَرْض حلية الأَرْض نَبَات الأَرْض أَدِيم الأَرْض خد الأَرْض سرة الأَرْض ظهر الأَرْض وبطنها ابْن الأَرْض جدرى الأَرْض بعل الأَرْض سَنَام الأَرْض حَيَّة الأَرْض الاستشهاد ٨٣ - (خبايا الأَرْض) هى الزَّرْع يرْوى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (التمسوا الرزق فى خبايا الأَرْض) وَعَن مُصعب بن الزبير عَن عبيد بن شهَاب قَالَ كَانَ عُرْوَة بن الزبير يَقُول لى ازرع أمالك أَرض أما سَمِعت قَول الشَّاعِر (أَقُول لعبد الله لما لَقيته ... يسير بِأَعْلَى الرقمتين مشرقا) (تتبع خبايا الأَرْض وادع مليكها ... لَعَلَّك يَوْمًا أَن تجاب فترزقا) ٨٣٣ - (شحمة الأَرْض) هى الْموضع المريع مِنْهَا قيل لعمر رضى الله عَنهُ إِن نازلة الْبَصْرَة اتَّخذُوا الضّيَاع وعمروا الأَرْض فَكتب إِلَيْهِم لَا تنهكوا وَجه الأَرْض فَإِن شحمتها فى وَجههَا قَالَ الجاحظ شحمة الأَرْض هى مَا يغوص فى الرمل ويسبح فِيهَا سباحة السّمك فى المَاء وهى دود صغَار يشبه بهَا كف الْمَرْأَة قَالَ ذُو الرمة فى تَشْبِيه بنان النِّسَاء بهَا

стр. 514

(كواعب أملود كَأَن بنانها ... بَنَات النقا تخفى مرَارًا وَتظهر) قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الغنوى هى أعرض من العظاية بَيْضَاء حَسَنَة متقطعة بحمرة وصفرة وهى أحسن دَوَاب الأَرْض ٨٣٤ - (سمع الأَرْض وبصرها) من أَمْثَال الْعَرَب لَقيته بَين سمع الأَرْض وبصرها قَالَ الأصمعى كَأَن ذَلِك بالفلاة بِموضع لَا أحد فِيهِ وَقَالَ غَيره أى بَين طول الأَرْض وعرضها وَقَالَ وَوجه ذَلِك أَنه فى مَوضِع لَا يرَاهُ أحد وَلَا يسمع كَلَامه إِلَّا الأَرْض وَكتب الصاحب فى وصف مُنْهَزِم طَار بَين سمع الأَرْض وبصرها لَا يدرى مَا يطَأ من حجرها ومدرها ٨٣٥ - (دَابَّة الأَرْض) هى الَّتِى ذكرهَا الله تَعَالَى فى قصَّة سُلَيْمَان ﵇ فى قَوْله ﴿مَا دلهم على مَوته إِلَّا دَابَّة الأَرْض تَأْكُل منسأته﴾ وَإِيَّاهَا عَنى ابْن المعتز بقوله وَهُوَ يشكرها ويذمها ويصف إفسادها (كنت امْرأ دون الْأَنَام معتزل ... على ستر دون دينى منسدل) (لَا راجيا لدولة من الدول ... وَلَا أَخَاف آجلا على أمل) (شغلى إِذا مَا كَانَ للنَّاس شغل ... دفتر فقه أَو حَدِيث أَو غزل) (لَا عائبى وَلَا يرى منى زلل ... فَإِن ملك قربه منى اعتزل)

стр. 515

(أرقط ذُو لون كثيب المكتهل ... رَاكب كف أَيْنَمَا شِئْت رَحل) (وَلَا أحل موضعا حَتَّى يحل ... وَلَا يمل صاحبا حَتَّى يمل) (فدب فِيهِنَّ دَبِيب قد أكل ... عَصا سُلَيْمَان فظل ينجدل) (يبْنى أنابيب لَهُ فِيهَا سبل ... بِالْمَاءِ والطين وَمَا فِيهَا بَلل) (مثل الْعُرُوق لَا يرى فِيهَا خلل ... يَأْكُل أثمار الْقُلُوب لَا أكل) (حَتَّى يرى الْعَالم مَجْهُول الْمحل ... يعود وفَاقا وَقد كَانَ بَطل) وَشتم رجل الأرضة فى مجْلِس بكر بن عبد الله المزنى فَقَالَ بكر مَه هى الَّتِى أكلت الصَّحِيفَة الَّتِى تعاقد الْمُشْركُونَ فِيهَا على رَسُول الله ﷺ أكلتها إِلَّا ذكر رَسُول الله ﷺ وَبهَا ﴿تبينت الْجِنّ أَن لَو كَانُوا يعلمُونَ الْغَيْب مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَاب المهين﴾ فبها كشف أَمرهم عِنْد الْعَوام بعد الْفِتْنَة الْعَظِيمَة عَلَيْهِم وَكَانَت على الْخَاصَّة مِنْهُم أعظم المحن فَهَذِهِ دَابَّة الأَرْض الَّتِى هى الأرضة وَأما دَابَّة الأَرْض الَّتِى ذكرهَا الله تَعَالَى فَقَالَ ﴿وَإِذا وَقع القَوْل عَلَيْهِم أخرجنَا لَهُم دَابَّة من الأَرْض تكلمهم أَن النَّاس كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يوقنون﴾ فهى تضرب مثلا للمنتظر البطىء الْحُضُور وتذكر مَعَ ظُهُور مهدى الشِّيعَة ونزول عِيسَى وطلوع الشَّمْس من مغْرِبهَا وَقد ذكرهَا أَبُو الْفَتْح البستى فى معنى آخر فَقَالَ وَهُوَ يذم بعض الْحُكَّام (صَحَّ بالحاكم مَا أَو ... عده الله يَقِينا) (وَقع القَوْل علينا ... إِذْ تولى الحكم فِينَا)

стр. 516

غل ... دفتر فقه أَو حَدِيث أَو غزل) (لَا عائبى وَلَا يرى منى زلل ... فَإِن ملك قربه منى اعتزل)

стр. 517

(أرقط ذُو لون كئيب المكتهل ... رَاكب كف أَيْنَمَا شِئْت رَحل) (وَلَا أحل موضعا حَتَّى يحل ... وَلَا يمل صاحبا حَتَّى يمل) (فدب فِيهِنَّ دَبِيب قد أكل ... عَصا سُلَيْمَان فظل ينجدل) (يبْنى أنابيب لَهُ فِيهَا سبل ... بِالْمَاءِ والطين وَمَا فِيهَا بَلل) (مثل الْعُرُوق لَا يرى فِيهَا خلل ... يَأْكُل أثمار الْقُلُوب لَا أكل) (حَتَّى يرى الْعَالم مَجْهُول الْمحل ... يعود وفَاقا وَقد كَانَ بَطل) وَشتم رجل الأرضة فى مجْلِس بكر بن عبد الله المزنى فَقَالَ بكر مَه هى الَّتِى أكلت الصَّحِيفَة الَّتِى تعاقد الْمُشْركُونَ فِيهَا على رَسُول الله ﷺ أكلتها إِلَّا ذكر رَسُول الله ﷺ وَبهَا ﴿تبينت الْجِنّ أَن لَو كَانُوا يعلمُونَ الْغَيْب مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَاب المهين﴾ فبها كشف أَمرهم عِنْد الْعَوام بعد الْفِتْنَة الْعَظِيمَة عَلَيْهِم وَكَانَت على الْخَاصَّة مِنْهُم أعظم المحن فَهَذِهِ دَابَّة الأَرْض الَّتِى هى الأرضة وَأما دَابَّة الأَرْض الَّتِى ذكرهَا الله تَعَالَى فَقَالَ ﴿وَإِذا وَقع القَوْل عَلَيْهِم أخرجنَا لَهُم دَابَّة من الأَرْض تكلمهم أَن النَّاس كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يوقنون﴾ فهى تضرب مثلا للمنتظر البطىء الْحُضُور وتذكر مَعَ ظُهُور مهدى الشِّيعَة ونزول عِيسَى وطلوع الشَّمْس من مغْرِبهَا وَقد ذكرهَا أَبُو الْفَتْح البستى فى معنى آخر فَقَالَ وَهُوَ يذم بعض الْحُكَّام (صَحَّ بالحاكم مَا أَو ... عده الله يَقِينا) (وَقع القَوْل علينا ... إِذْ تولى الحكم فِينَا)

стр. 518

٨٣٦ - (جنَّة الأَرْض) يُقَال لبغداد جنَّة الأَرْض ومجتمع الرافدين دجلة والفرات وواسطة الدُّنْيَا ومدينة السَّلَام وقبة الْإِسْلَام لِأَنَّهَا غرَّة الْبِلَاد وَدَار الْخلَافَة وَمجمع المحاسن والطيبات ومعدن الظرائف واللطائف وَبهَا أَرْبَاب النهايات فى كل فن وآحاد الدَّهْر فى كل نوع وَكَانَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج يَقُول بَغْدَاد حَاضِرَة الدُّنْيَا وَمَا عَداهَا بادية وَكَانَ أَبُو الْفرج الببغاء يَقُول هى مَدِينَة السَّلَام بل مَدِينَة الْإِسْلَام فَإِن الدولة النَّبَوِيَّة والخلافة الإسلامية بهَا عششتا وفرختا وضربتا بعروقها وسمتا بفروعها وَإِن هواءها أعدل من كل هَوَاء وماءها أعذب من كل مَاء ونسيمها أرق من كل نسيم وهى من الإقليم الاعتدالى بِمَنْزِلَة المركز من الدائرة وَلم تزل موطن الأكاسرة فى سالف الْأَزْمَان ومنزل الْخُلَفَاء فى دولة الْإِسْلَام وَكَانَ أَبُو الْفضل بن العميد إِذا طَرَأَ عَلَيْهِ أحد من منتحلى الْعلم وَأَرَادَ امتحان عقله سَأَلَهُ عَن بَغْدَاد فَإِن فطن عَن خواصها وَنبهَ على محاسنها وَأثْنى عَلَيْهَا خيرا جعل ذَلِك مُقَدّمَة فَضله وعنوان عقله ثمَّ سَأَلَهُ عَن الجاحظ فَإِن وجد عِنْده أثرا بمطالعة كتبه والاقتباس من أَلْفَاظه وَبَعض الْقيَاس بمسائله قضى بِأَنَّهُ غرَّة شادخة فى الْعلم وَإِن وجده ذاما لبغداد غافلا عَمَّا يجب أَن يكون موسوما بِهِ من الانتساب إِلَى المعارف الَّتِى يخْتَص بهَا الجاحظ لم ينْتَفع بعد ذَلِك عِنْده بشىء من المحاسن وَلما رَجَعَ الصاحب من بَغْدَاد وَسَأَلَهُ ابْن العميد عَنْهَا قَالَ بَغْدَاد فى الْبِلَاد كالأستاذ فِي الْعباد فَجَعلهَا مثلا فى الْغَايَة من الْفضل والكمال وأنشدنى ابْن زُرَيْق الكوفى الْكَاتِب (سَافَرت أبغى لبغداد وساكنها ... مثلا قد اخْتَرْت شَيْئا دونه الياس)

стр. 519

(هَيْهَات بَغْدَاد الدُّنْيَا بأجمعها ... عندى وسكان بَغْدَاد هم النَّاس) قَالَ وأنشدنى لغيره (سقى الله بَغْدَاد من جنَّة ... حوت كل مَا تشْتَهى الْأَنْفس) (على أَنَّهَا جنَّة الموسرين ... وَلكنهَا حسرة الْمُفلس) وَمن عَجِيب شَأْنهَا على أَنَّهَا كَونهَا الحضرة الْكُبْرَى لاستيطان الْخُلَفَاء إِيَّاهَا لَا يَمُوت بهَا خَليفَة كَمَا قَالَ عمَارَة بن عقيل بن جرير بن بِلَال (أعاينت فى طول من الأَرْض وَالْعرض ... كبغداد دَارا إِنَّهَا جنَّة الأَرْض) (قضى رَبهَا أَلا يَمُوت خَليفَة ... بهَا إِنَّه مَا شَاءَ فى خلقه يقْضى) وَلما فرغ الْمَنْصُور من بنائها فى سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ أَمر نوبخت المنجم وَكَانَ مُتَقَدما فى علم النُّجُوم بِأَن يَأْخُذ الْمطَالع ويتعرف أحوالها فَفعل وَوجد الْمُشْتَرى فى الْقوس والقوس طالعها فَأخْبرهُ بِمَا تدل عَلَيْهِ النُّجُوم من طول ثباتها وَكَثْرَة عمارتها وانصباب الدُّنْيَا عَلَيْهَا وفقر الْمُلُوك والسوقة إِلَيْهَا فسر الْمَنْصُور وَقَرَأَ ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾ ثمَّ قَالَ لَهُ نوبخت وخصلة أُخْرَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هى من أعجب خصائصها قَالَ مَا هى قَالَ لَا يَمُوت بهَا خَليفَة أبدا فَجرى الْأَمر فِيهِ على حكمه إِلَى زَمَاننَا هَذَا بِإِذن الله تَعَالَى وَذَلِكَ أَن الْمَنْصُور مَاتَ بِمَكَّة والمهدى بِمَا سبذان والهادى بعيسا آباد والرشيد بطوس وَقتل الْأمين وَمَات الْمَأْمُون بطرسوس والمعتصم بسر من رأى والواثق بهَا وَقتل المتَوَكل وَمَات الْمُنْتَصر بسر من رأى وخلع المستعين وَكَذَلِكَ المعتز وَقتل المهتدى وَمَات الْمُعْتَمد بالحسنية وَكَذَلِكَ المعتضد والمكتفى وَقتل المقتدر

стр. 520

وَقتل القاهر وَمَات الراضى بالحسنية وَقتل المتقى والمستكفى وَمَات الْمُطِيع بدير العاقول وخلع الطائع ٨٣٧ - (عرض الأَرْض) من أمثالهم أوسع من عرض الأَرْض وَالْعرب إِذا ذكرت عرض الشىء أَرَادَت بِهِ الطول وَالْعرض كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فَأَرَادَ الطول وَالْعرض وَقَالَ الشَّاعِر (كَأَن بِلَاد الله وهى عريضة ... على الْخَائِف المذعور كَفه حايل) ٨٣٨ - (أَمَانَة الأَرْض) يتَمَثَّل بهَا فَيُقَال آمن من الأَرْض لِأَنَّهَا تُؤَدّى مَا تستودع ٨٣٩ - (كتمان الأَرْض) يضْرب بِهِ الْمثل كَمَا قَالَ ابْن المعتز فى الْفُصُول الْقصار لَا تذكر الْمَيِّت بِسوء فَتكون الأَرْض أكتم عَلَيْهِ مِنْك ٨٤٠ - (أوتاد الأَرْض) هى الْجبَال من قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْجِبَال أوتادا﴾ وفى الْخَبَر إِن الله لما خلق الأَرْض مادت فأوتدها بالجبال فسكنت قَالَ الفرزدق يمدح سُلَيْمَان بن عبد الْملك (وَمَا أَصبَحت فى الأَرْض نفس فقيرة ... وَلَا غَيرهَا إِلَّا سُلَيْمَان مَالهَا) (وجدنَا بنى مَرْوَان أوتاد ديننَا ... كَمَا الأَرْض أوتادا عَلَيْهَا جبالها)

стр. 521

٨٤ - (حلية الأَرْض) ذكر أَبُو عبد الله المرزبانى بِإِسْنَاد لَهُ عَن بعض الروَاة أَنه قَالَ أدْركْت طبقَة بِالْكُوفَةِ يُقَال لَهُم حلية الأَرْض وَنقش الزَّمَان وهم حَمَّاد عجرد ووالبة بن الْحباب ومطيع بن إِيَاس وَيحيى بن زِيَاد وشراعة بن الزندبود ٨٤ - (نَبَات الأَرْض) يضْرب بِهِ الْمثل فى الْكَثْرَة كَمَا قَالَ ابْن المعتز فى فصوله الْقصار مصائب الدُّنْيَا أَكثر من نَبَات الأَرْض ٨٤٣ - (أَدِيم الأَرْض) يدْخل من بَاب الِاسْتِعَارَة كَمَا يُقَال أَدِيم السَّمَاء وأديم الأَرْض لما حسن وَذكر الْأَعْشَى فى أَدِيم الأَرْض قَوْله (وَالْأَرْض حمالَة لما حمل الله ... وَمَا إِن ترد مَا فعلا) (يَوْمًا ترَاهَا اكتست بأردية العصب ... وَيَوْما أديمها نغلا) وفى اسْتِعَارَة الْأَدِيم لغير الأَرْض يَقُول بعض الْكتاب كَثْرَة العتاب قنغل أَدِيم الْمَوَدَّة ٨٤٤ - (خد الأَرْض) لما استعير لَهَا الْوَجْه اسْتعَار لَهَا الخد ابْن المعتز حَيْثُ قَالَ (ومزنة حَار فى أجفانها الْمَطَر ... فالروض مُنْتَظم والقطر منتشر) (مَا زَالَ يلطم وَجه الأَرْض وابلها ... حَتَّى وَقت خدها الغدران وَالْخضر) ٨٤٥ - (سرة الأَرْض) يُقَال للإقليم الرَّابِع وفارسية إيران شهر وَهُوَ مَا بَين نهر بَلخ إِلَى مُنْتَهى أذربيجان وأرمينية إِلَى الْقَادِسِيَّة إِلَى الْفُرَات

стр. 522

إِلَى بَحر الْيمن وبحر فَارس إِلَى مكران إِلَى كابل وطبرستان سرة الأَرْض إِذْ هى وَاسِطَة الأَرْض وفى خطّ الِاعْتِدَال مِنْهَا لاعتدال أَهلهَا واستواء أجسامهم أما تراهم قد سلمُوا من شقرة الرّوم والصقالبة وَسَوَاد الْحَبَشَة واحتراق الزنج وقطافة التّرْك وَقصر الصين قَالَ الجاحظ إقليم بابل مَوضِع التميمة وواسطة القلادة وَمَكَان السُّرَّة من الْجَسَد واللبة من الْمَرْأَة وَمَكَان العذار من خد الْفرس والمحة من لبيضة والغرة من القرطاس ٨٤٦ - (ظهر الأَرْض وبطنها) هما من الاستعارات الْمَشْهُورَة قَالَ ابْن الرومى لأبى الصَّقْر (لاقيت أكْرم من خب المطى بِهِ ... وَمن مَشى فَوق ظهر الأَرْض مذ سطحا) وَكتب الصاحب فى وصف قَتْلَى معركة بطُون الأَرْض أعمر بهم من ظُهُورهَا وبطون السبَاع وَالطير أحْصر من قبورها ٨٤٧ - (جدرى الأَرْض) عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ خرج على الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم وهم يذكرُونَ الكمأة وَبَعْضهمْ يَقُول هى جدرى الأَرْض فَقَالَ الكمأة من الْمَنّ وماؤها شِفَاء الْعين والعجوة من الْجنَّة وهى شِفَاء من السم ٨٤٨ - (بعل الأَرْض) هُوَ الْمَطَر قَالَ ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا الْمَطَر بعل الأَرْض أى يلقحها قَالَ ابْن المعتز (ومزنة مشعلة البارق ... تبكى على الأَرْض بكاء العاشق) (تلقح بالقطر بطُون الثرى ... والقطر بعل التربة العاتق)

стр. 523

٨٤٩ - (سَنَام الأَرْض) يستعار لما ارْتَفع مِنْهَا أنشدنى أَبُو الْفضل بديع الزَّمَان الهمذانى لأبى الْقَاسِم عبد الصَّمد بن بابك (ألام وَأتقى ولع الملام ... بحلم شَاب فى بردى غُلَام) (أجر على لِسَان الأَرْض ذيلى ... وأعقد بردتى على شمام) ٨٥٠ - (حَيَّة الأَرْض) الْعَرَب تَقول للرجل المنيع الْجَانِب حَيَّة الأَرْض كَمَا تَقول حَيَّة الوادى وَقد تقدم ذكرهَا قَالَ ذُو الإصبع العدوانى (عذير الحى من عدوان ... كَانُوا حَيَّة الأَرْض)

стр. 524

الْبَاب الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ فى الدّور والأبنية والأمكنة دَار الندوة دَار سُفْيَان دَار الْبِطِّيخ حصن تيماء كعبة نَجْرَان قصر غمدان قبَّة أزدشير إيوَان كسْرَى أهرام مصر مَنَارَة الْإسْكَنْدَريَّة كَنِيسَة الرها مَسْجِد دمشق غوطة دمشق وادى الْقصر دير هزقل جانبا هرشى قنطرة سنجة الاستشهاد ٨٥ - (دَار الندوة) مُشْتَقَّة من الندى والنادى وَهُوَ الْمجْلس يضْرب بهَا الْمثل فى انتياب النَّاس إِيَّاهَا واجتماعهم بهَا وهى دَار قصى ابْن كلاب بِمَكَّة كَانَت تُوضَع فِيهَا الرفادة وَلَا تزوج قرشية وَلَا قرشى إِلَّا بهَا وَلَا يعْقد لِوَاء الْحَرْب إِلَّا فِيهَا ثمَّ تنقلت بهَا الْأَمْلَاك بعده حَتَّى صَارَت فى يَد أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصى وَولده وَآخر من وَليهَا مِنْهُم حَكِيم بن حزَام وَكَانَ ولد فى الْكَعْبَة وَذَلِكَ أَن أمه دخلت الْكَعْبَة مَعَ نسْوَة من قُرَيْش وهى حَامِل بِهِ فضربها الْمَخَاض فى الْكَعْبَة وأعجلها عَن الْخُرُوج فَأتيت بنطع فَوضع تحتهَا فَوضعت حكيما على النطع وَلم يكن يدْخل دَار الندوة أحد من قُرَيْش لمشورة حَتَّى يبلغ أَرْبَعِينَ سنة إِلَّا حَكِيم بن حزَام فَإِنَّهُ دَخلهَا وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة وَجَاء الْإِسْلَام وَدَار الندوة بيد حَكِيم فَبَاعَهَا بعد من مُعَاوِيَة بِمِائَة ألف دِرْهَم فَقَالَ لَهُ عبد الله بن الزبير بِعْت مكرمه قُرَيْش فَقَالَ حَكِيم ذهبت المكارم إِلَّا من التَّقْوَى يَا بن أخى إنى اشْتريت بهَا بَيْتا فى الْجنَّة أشهدك أَنى جعلت ثمنهَا فى سَبِيل الله

стр. 525

وَكَانَ حَكِيم أحد الْأَرْبَعَة الَّذين قَالَ فيهم رَسُول الله ﷺ إِن بِمَكَّة أَرْبَعَة من قُرَيْش أَرغب بهم عَن الشّرك وأرغب لَهُم فى الْإِسْلَام قيل وَمن هم يَا رَسُول الله قَالَ عتاب بن أسيد وَجبير بن مطعم وَحَكِيم ابْن حزَام وَسُهيْل بن عَمْرو فرزقوا كلهم الْإِسْلَام وَكَانَ حَكِيم يفعل الْمَعْرُوف ويصل الرَّحِم ويحض على الْبر عَاشَ فى الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ سنة وفى الْإِسْلَام سِتِّينَ سنة ٨٥ - (دَار أَبى سُفْيَان) يضْرب بهَا الْمثل فى الْأَمْن والأمان وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ لما فتح مَكَّة وَدخل دَار أَبى سُفْيَان أحب أَن يتألف أَبَا سُفْيَان ويريه كرم الْقُدْرَة فَقَالَ (من دخل دَار أَبى سُفْيَان فَهُوَ آمن) فَقَالَ أَبُو سُفْيَان أدارى يَا رَسُول الله أدارى يَا رَسُول الله قَالَ نعم دَارك يَا أَبَا سُفْيَان فاستمر الْأَمر على ذَلِك وَلما فتح الْأَمِير الْجَلِيل صَاحب الْجَيْش أَبُو المظفر نصر بن نَاصِر الدّين أدام الله تأييده سرخس ودخلها قَالَ من دخل دَار أَبى سُفْيَان فَهُوَ آمن يعْنى دَار أَبى سُفْيَان السرخسى القاضى فَاسْتحْسن النَّاس هَذِه الْمقَالة ٨٥٣ - (دَار الْبِطِّيخ) يُبَاع فِيهَا جَمِيع الْفَوَاكِه والرياحين وتنسب إِلَى الْبِطِّيخ وَحده وَقد ضرب بهَا ابْن لنكك مثلا فَأحْسن حَيْثُ قَالَ يهجو أَبَا الهندام كلاب بن حَمْزَة الشَّاعِر الْمُقِيم بديار ربيعَة (أَنْت ابْن كل البرايا لَكِن اقتصروا ... على ابْن حَمْزَة وَصفا غير تشميخ) (كدار بطيخ تحوى كل فَاكِهَة ... وَمَا اسْمهَا الدَّهْر إِلَّا دَار بطيخ) قَالَ الجاحظ فى كتاب الْأَمْصَار أَكثر الدّور غلَّة ثَلَاث دَار الْبِطِّيخ بسر من رأى وَدَار الزبير بِالْبَصْرَةِ وَدَار الْقطن بِبَغْدَاد وَقَالَ الصولى كنت يَوْمًا عِنْد عبد الله بن طَاهِر فَجرى بَين يَدَيْهِ ذكر

стр. 526

قصيدة ابْن الرومى النونية الَّتِى فى أَبى الصَّقْر فَقَالَ عبد الله هى دَار الْبِطِّيخ فَضَحِك الْجَمَاعَة فَقَالَ اقْرَءُوا نسيبها فانظروا أهى كَمَا قلت أم لَا وَقد ظرف عبيد الله فَإِن نسيبها قَوْله (أجنت لَك الوجد أَغْصَان وكثبان ... فهن نَوْعَانِ تفاح ورمان) (وَفَوق ذَيْنك أعناب مهدلة ... سود لَهُنَّ من الظلماء ألوان) (وَتَحْت هاتيك عناب تلوح بِهِ ... أطرافهن قُلُوب الْقَوْم قنوان) (غصون بَان عَلَيْهَا الدَّهْر فَاكِهَة ... وَمَا الْفَوَاكِه مِمَّا يحمل البان) (ونرجس يات كسر الطل يضْربهُ ... وأقحوان مُنِير النُّور رَيَّان) (الْفَنّ من كل شىء طيب حسن ... فهن فَاكِهَة شَتَّى وَرَيْحَان) (ثمار صدق إِذا عَايَنت ظَاهرهَا ... لَكِنَّهَا حِين تبلو الطّعْم خطان) (بل حلوة مرّة طورا يُقَال لَهَا ... أرى وطورا يَقُول النَّاس ذيفان) وَذكر أَبُو نصر سهل بن الْمَرْزُبَان فى كِتَابه كتاب أَخْبَار الوزراء أَن ابْن الرومى عمل قصيدته فى أَبى الصَّقْر الَّتِى أَولهَا (أجنت لَك الوجد أَغْصَان وكثبان ... ) فبلغت الْأَخْفَش فَقَالَ إِذا يكون الْوَزير ملازما لدار الْبِطِّيخ فحكيت كَلمته لِابْنِ الرومى فهجاه بقصيدة ثمَّ عاود رعونته فمزق عرضه بالهجاء فى عدَّة قصائد ٨٥٤ - (حصن تيماء) بَلْدَة بَين الشَّام والحجاز لَهَا حصن يتَمَثَّل بِهِ فى الحصانة يُقَال إِن سُلَيْمَان ﵇ بناه بِالْحِجَارَةِ والكلس فَسَمتْهُ الْعَرَب الأبلق لما يشوبه من الْبيَاض والسواد وَكَانَ ملكه عاديا اليهودى ثمَّ ابْنه السموءل وَفِيه يَقُول الْأَعْمَش

стр. 527

(وَلَا عاديا لم يمْنَع الْمَوْت مَاله ... وفرد بتيماء اليهودى أبلق) (بناه سُلَيْمَان بن دَاوُد حقبة ... لَهُ أَزجّ صم وطىء موثق) (يوازى كبيداء السَّمَاء ودونه ... ملاط ودارات وكلس وَخَنْدَق) قَوْله أَزجّ صم كَمَا يُقَال دَار بَلَاقِع أى مكبوسة الجوانب بِالْحِجَارَةِ وَغَيرهَا حَتَّى اسْتَوَت بالسطوح وَإِنَّمَا قَالَ أَزجّ صم كَمَا يُقَال دَار بَلَاقِع وبرمة أعشار وثوب أسمال وَمن أَمْثَال الْعَرَب فى الْعِزّ والمنعة تمرد مارد وَعز الأبلق يعْنى حضن تيماء وَيُقَال لَهُ الأبلق والفرد كَمَا مر ذكره فى شعر الْأَعْشَى ٨٥٥ - (كعبة نَجْرَان) نَجْرَان أقدم بِلَاد الْيمن وَكَانَت لَهَا كعبة تحج فخربت وَضرب بهَا الْمثل فى الخراب وَزَوَال الدولة قَالَ الجاحظ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة أحبت الْعَرَب أَن تشارك الْعَجم بالبنيان وتنفرد بالشعر فبنوا غمدان وكعبة نَجْرَان وحصن مارد والأبلق الْفَرد وَغير ذَلِك من الْبُنيان ٨٥٦ - (قصر غمدان) أحد الْأَبْنِيَة الْوَثِيقَة للْعَرَب يتَمَثَّل بِهِ فى الحصانة والوثاقة وَكَانَ بِصَنْعَاء الْيمن تسكنه مُلُوك حمير ثمَّ تنقلت بِهِ أَحْوَال أدَّت إِلَى خرابه وتحول الْملك عَنهُ إِلَى قلعة كحلان وَيُقَال إِنَّه بنى قبل غمدان وَأول بِنَاء بنى بعد الطوفان قَالَ الشَّاعِر لعبد الله بن طَاهِر (اشرب هَنِيئًا عَلَيْك التَّاج مرتفعا ... بشاذ مهر ودع غمدان لليمن) (فَأَنت أولى بتاج الْملك تلبسه ... من هَوْذَة بن على وَابْن ذى يزن) ٨٥٧ - (قبَّة أزدشير) بجوار فَارس قبَّة عَظِيمَة مشرفة على سَائِر

стр. 528

الْبِلَاد يتَمَثَّل بهَا فى الْعُلُوّ والإشراف والوثاقة بناها أزدشير من الْحِجَارَة وَقدر فِيهَا من الصخر مَا تجَاوز الْحَد فى الْعد وفى الصَّخْرَة مِنْهَا نَحْو ألفى من وأرجح ويحكى أَن أزدشير بعث بعد الْفَرَاغ من بنائها من يَأْتِيهِ بخبرها فَأخْبرهُ أَن فِيهَا صبيانا يتلاعبون ويتحاربون ويتضاربون فتطير من ذَلِك وَقَالَ اجْعَلُوهَا دَار الاستخراج فَبَقيت على ذَلِك إِلَى الْيَوْم ٨٥٨ - (أهرام مصر) زعم أَبُو معشر المنجم البلخى أَن الْأَوَائِل من الْأُمَم السالفة قبل الطوفان لما علمُوا أَن آفَة سَمَاوِيَّة تصيب النَّاس من الْغَرق والنيران فتأتى على كل شىء من الْحَيَوَان والنبات بنوا فى نَاحيَة صَعِيد مصر أهراما كَثِيرَة بِالْحِجَارَةِ على رُءُوس الْجبَال والمواضع المرتفعة يتحرزون بهَا من المَاء وَالنَّار وَجعلُوا هرمين مِنْهَا أرفعها كل هرم مِنْهَا ارتفاعه أَرْبَعمِائَة ذِرَاع فى الْهَوَاء مبْنى بحجارة المرمر والرخام غلظ كل حجر وَطوله وَعرضه مَا بَين عشرَة أَذْرع إِلَى ثَمَان مهندم لَا يتَبَيَّن هندامه إِلَّا الحاد الْبَصَر عَلَيْهِ منقور فى الْحجر بِالْكِتَابَةِ الْمسند يَقْرَؤُهُ كل من يقْرَأ الْقَلَم الْمسند فَيقْرَأ كل سحر وكل عجب وقرىء على بعض الهرمين إنى بنيتهما فَمن كَانَ يدعى قُوَّة فى ملكه فليهدمهما فَإِن الْهدم أيسر من الْبناء فَأَرَادَ الْمَأْمُون هدمهما فَإِذا خراج الدُّنْيَا لَا يقوم بِهِ فَتَركهُمَا ويروى أَن الطَّعَام كَانَ يجمع فيهمَا أَيَّام يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 529

وَقد خرج الْمثل فى هرمى مصر فى الثَّبَات والقدم والحصانة وذكرهما أعرابى مَعَ جبلى طىء فَقَالَ وَهُوَ يهجو امْرَأَته بالقبح والبرودة والثقل (ألام على بغضى لما بَين حَيَّة ... وضبع وتمساح أَتَاك من الْبَحْر) (تحاكى نعيما زَالَ من قبح وَجههَا ... وصفحتها لما بَدَت سطوة الدَّهْر) (هى الضربان فى المفاصل دائبا ... وَشعْبَة برسام ضممت إِلَى صدرى) (إِذا سفرت كَانَت لعينك محنة ... وَإِن برقتْ فالفقر فى غَايَة الْفقر) (حَدِيث كقلع الضرس أَو نتف شَارِب ... وغنج كهشم الْأنف عيل بِهِ صبرى) (وتفتر عَن ثلج عدمت حَدِيثهَا ... وَعَن جبلى طى وَعَن هرمى مصر) ٨٥٩ - (مَنَارَة الْإسْكَنْدَريَّة) إِحْدَى عجائب الدُّنْيَا وَأَصلهَا مبْنى على زجاج والزجاج مَنْصُوب فى ظهر سرطان من نُحَاس فى بطن أَرض الْبَحْر وَبَين المنارة إِلَى يَابِس الأَرْض قناطر من زجاج وفى المنارة ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتُّونَ بَيْتا وَكَانَ فى أَعْلَاهَا مرْآة كَبِيرَة ينظر النَّاظر فِيهَا فيبصر مراكب الرّوم إِذا أَرَادَ ملكهم أَن يُجهز جَيْشًا فِيهَا إِلَى مصر فَإِذا دفعت تِلْكَ المراكب فى الْبَحْر وَرفع الشراع أبصرهَا هَذَا النَّاظر فى الْمرْآة فينذر الْمُسلمين حَتَّى يستعدوا ويأخذوا حذرهم فَاشْتَدَّ ذَلِك على ملك الرّوم فَلَمَّا صَار بعض الْخُلَفَاء إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَجه إِلَيْهِ ملك الرّوم جاسوسا يُعلمهُ أَن فى تِلْكَ المنارة كنوزا لذى القرنين فَأمر بهدمها فَلَمَّا هدمت وقلعت الْمرْآة بَطل الطلسم وَلم يَجدوا الْكُنُوز فتقرر عِنْدهم أَنَّهَا حِيلَة لقلع الْمرْآة وَطلب الجاسوس فَلم يُوجد فَأمر الْخَلِيفَة بِبِنَاء مَا هدم بالجص والآجر وَهُوَ ثلث المنارة وَكَانَ طول هَذِه المنارة ثَلَاثمِائَة ذِرَاع بِذِرَاع الملكى فَيكون أَرْبَعمِائَة وَخمسين ذِرَاعا وهى غَايَة مَا يرفع فى الْهَوَاء من الْبناء

стр. 530

وَكَانَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ يَقُول عجائب الدُّنْيَا أَربع مَنَارَة الْإسْكَنْدَريَّة عَلَيْهَا مرْآة إِذا جلس الْجَالِس تحتهَا رأى من بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَبَينهمَا عرض الْبَحْر وَفرس من نُحَاس بارض الأندلس عَلَيْهِ رجل من نُحَاس قَائِلا بيدَيْهِ كَذَا باسطا يَدَيْهِ أى لَيْسَ خلفى مَسْلَك فَلَا يطَأ مَا خَلفه أحد إِلَّا ابتلعه الرمل ومنارة من نُحَاس عَلَيْهَا فَارس بِأَرْض عَاد فَإِذا كَانَت الْأَشْهر الْحرم هطل مِنْهَا المَاء فَشرب مِنْهُ النَّاس وَسقوا دوابهم وَصبُّوا فى الْحِيَاض فَإِذا انْقَضتْ الْأَشْهر الْحرم انْقَطع ذَلِك المَاء وشجرة من نُحَاس عَلَيْهَا زرزورة من نُحَاس بِأَرْض أرمينية رُومِية إِذا كَانَ أَوَان الزَّيْتُون صفرت الزرزورة النّحاس فتجىء كل زرزورة من الطيارات بِثَلَاث زيتونات ثِنْتَانِ فى رِجْلَيْهَا وَوَاحِدَة فى منقارها فتلقيها عِنْد تِلْكَ الزرزورة فيجتمع من الزَّيْتُون مَا يعصر أهل الرّوم فيكفيهم لإدامهم وسرجهم إِلَى قَابل وَمن الشَّائِع المستفيض أَن عجائب الدُّنْيَا أَربع مَنَارَة الْإسْكَنْدَريَّة وكنيسة الرها وَمَسْجِد دمشق وقنطرة سنجة وَقد ضرب الصاحب الْمثل بمنارة الْإسْكَنْدَريَّة حَيْثُ قَالَ (زَادَت قرونك يَا عُمَيْر ... على مساويك الجلية) (وَأَقل قرن حُزْته ... كمنارة الإسكندريه) ٨٦٠ - (كَنِيسَة الرها) إِحْدَى عجائب الدُّنْيَا الْأَرْبَع والرها بلد من عمل حران والكنيسة منسوبة إِلَيْهِ وهى فى جربان من الأَرْض متخذة على رُءُوس أعمدة أَرْبَعَة من الرخام بطيقان معقودة بَينهَا وفيهَا من الْعَجَائِب والتصاوير والتزاويق والطلسمات والقناديل الَّتِى تتقد من غير اتقاد مَا يطول ذكره وَقد تقدم كَلَام الجاحظ فى تِلْكَ الْقَنَادِيل
следующие страницы →