Полный текст (706 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
(وَإِذا الْتَقَيْنَا ذاد شعرى شعره ... ونزا على شَيْطَانه شيطانى)
(إِن ابْن جهم لَيْسَ يرحم أمه ... لَو كَانَ يرحمها لما عادانى)
وَكَانَ الفرزدق يَقُول شَيْطَان جرير هُوَ شيطانى إِلَّا أَنه من فمى أَخبث
وَقيل لجَعْفَر بن يحيى لَو قلت الشّعْر فَقَالَ شَيْطَانه أَخبث من أَن أسلطه على عقلى
٩٥ - (صديق إِبْلِيس) هُوَ عبد الله بن هِلَال الذى يُقَال لَهُ السَّاحر وَكَانَ فى زمن الْحجَّاج وَكَانَ صَاحب شعبذة ونيرنجات يدعى أَن إِبْلِيس يتَرَاءَى لَهُ ويصادقه ويكاتبه ويطلعه على أسراره وَلما قَالَ الْحجَّاج ليحيى بن سعيد بن الْعَاصِ أخبرنى عبد الله بن هِلَال صديق إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة أَنَّك تشبه إِبْلِيس قَالَ وَمَا يُنكر الْأَمِير أَن يكون سيد الْإِنْس يشبه سيد الْجِنّ فَعجب من قُوَّة جَوَابه
٩٦ - (قبح الشَّيْطَان) بلغنى عَن الصاحب أَنه كَانَ يستملح قَول أَبى على الْبَصِير فى أبي هفان ويستطرفه وَكَثِيرًا مَا كَانَ ينشده ويردده
(لى صديق فى خلقَة الشَّيْطَان ... وعقول النِّسَاء وَالصبيان)
(من تظنونه فَقَالُوا جَمِيعًا ... لَيْسَ هَذَا إِلَّا أَبَا هفان)
قَالَ الجاحظ إِنَّا وَإِن كُنَّا لم نر شَيْطَانا قطّ وَلَا صُورَة لنا صَادِق ففى إِجْمَاع الْعَرَب وَالْمُسْلِمين وكل من لقيناه على ضرب الْمثل بقبح الشَّيْطَان
стр. 72
دَلِيل على أَنه فى الْحَقِيقَة أقبح من كل قَبِيح وَالْكتاب إِنَّمَا نزل على الَّذين ثَبت هَذَا فى طبائعهم غَايَة الثَّبَات قَالَ وَرُبمَا قَالُوا فلَان شَيْطَان على معنى الشهامة والنفاذ لذَلِك قَالُوا لأبى حنيفَة شَيْطَان خرج من الْبَحْر
قَالَ مؤلف الْكتاب قلت فى كتاب يتيمة الدَّهْر فى أَبى الْحسن اللحام هُوَ من شياطين الْإِنْس ورياحين الْأنس
٩٧ - (خطوَات الشَّيْطَان) قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ قَالَ الزّجاج خطوَات الشَّيْطَان طرقه الَّتِى يسلكها أى لَا تسلكوا الطّرق الَّتِى يدعوكم الشَّيْطَان إِلَيْهَا وَقَالَ غَيره أَرَادَ لَا تقتفوا آثاره قَالَ الشَّاعِر
(يَا نابذا لوصايا ... إلهه خلف ظَهره)
(وتابعا خطوَات الشَّيْطَان ... فى كل أمره)
(أَرَاك لم تَرَ مَيتا ... يهوى إِلَى قَعْر قَبره)
٩٨ - (أَصَابِع الشَّيْطَان) كَانَ يُقَال من وَالَاهُ السُّلْطَان صبعه الشَّيْطَان قَالَ الشَّاعِر
(قد كنت أكْرم صَاحب وأبره ... حَتَّى دهتك أَصَابِع الشَّيْطَان)
(جذ الْإِلَه بنانها وأباءها ... كم غيرت خلقا من الْإِنْسَان)
٩٩ - (رقى الشَّيْطَان) هى الشّعْر قَالَ جرير لما مدح عمر بن عبد الْعَزِيز فَلم يُعْطه
стр. 73
(رَأَيْت رقى الشَّيْطَان لَا تستفزه ... وَقد كَانَ شيطانى من الشّعْر راقيا)
وَأما قَول الشَّاعِر
(مَاذَا يضر سليمى أَن يلم بهَا ... مرجل الرَّأْس ذُو بردين وضاح)
(خَز عمَامَته حُلْو فكاهته ... فى كَفه من رقى إِبْلِيس مِفْتَاح)
فَإِنَّهُ عَنى ب رقى إِبْلِيس كَلِمَات التغزل والخلابة والتجميش وَمَا يجرى مجْراهَا فى معاشرة النِّسَاء
١٠٠ - (مكيال الشَّيْطَان) قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْعدْل ميزَان البارىء والجور مكيال الشَّيْطَان كَأَنَّهُ أَرَادَ مَا يجرى فى الْكَيْل من المجازفة عِنْد الْأَخْذ وَمن التطفيف لَدَى الْأَدَاء فنسب ذَلِك إِلَى الشَّيْطَان
١٠ - (ظلّ الشَّيْطَان) الْعَرَب تَقول للمتكبر الضخم ظلّ الشَّيْطَان قَالَ الْحجَّاج لمُحَمد بن سعد بن أَبى وَقاص بَينا أَنْت ياظل الشَّيْطَان أَشد النَّاس كبرا إِذْ صرت مُؤذنًا لفُلَان
١٠ - (لطيم الشَّيْطَان) يُقَال لمن بِهِ لقُوَّة أوشتر يالطيم الشَّيْطَان وَكَانَ عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ يلقب بذلك
وَلما بلغ عبد الله بن الزبير خبر فتك عبد الْملك بن مَرْوَان بِعَمْرو بن سعيد قَالَ فى خطبَته بلغنَا أَن أَبَا الذبان قتل لطيم الشَّيْطَان ﴿وَكَذَلِكَ نولي بعض الظَّالِمين بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وَكَانَ عبد الْملك يكنى أَبَا الذبان لشدَّة بخره وَمَوْت الذبان إِذا دنت من فَمه
стр. 74
١٠٣ - (مخاط الشَّيْطَان) الخيوط الَّتِى تتراءى فى الْهَوَاء عِنْد شدَّة الْحر يُقَال لَهَا مخاط الشَّيْطَان ولعاب الشَّمْس وخيط بَاطِل وَيُشبه بِهِ مَالا حَاصِل لَهُ وَمَا لَا طائل فِيهِ
وَكَانَ مَرْوَان بن الحكم يُقَال لَهُ خيط بَاطِل لِأَنَّهُ كَانَ طَويلا مضطربا قَالَ الشَّاعِر
(لحا الله قوما أمروا خيط بَاطِل ... على النَّاس يعْطى من يَشَاء وَيمْنَع)
١٠٤ - (بريد الشَّيْطَان) الوزغ ذكر الجاحظ عَن شريك النخعى عَن جرير عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قَالَ الوزغ بريد الشَّيْطَان
وفى بعض الْأَخْبَار من قتل وزغة حط الله عَنهُ بهَا سبعين خَطِيئَة وَمن قتل سبعا كَانَ كمن أعتق رَقَبَة
١٠٥ - (وكر الشَّيْطَان) قَالَ النَّبِي ﷺ (إيَّاكُمْ والأسواق فَإِن الشَّيْطَان قد باض فِيهَا وفرخ) على سَبِيل الِاسْتِعَارَة والتمثيل وَقد حذا الصاحب على تشبيهه فَقَالَ فى وصف بعض مَوَاطِن الشَّرّ عش من أعشاش الْعدوان ووكر من أوكار الشَّيْطَان
١٠٦ - (حبائل الشَّيْطَان) قَالَ بعض السّلف احْذَرُوا النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ حبائل الشَّيْطَان
стр. 75
وَجَاء فى بعض الْأَشْعَار
(إِن النِّسَاء حبائل الشَّيْطَان ... )
١٠٧ - (خمر الشَّيْطَان) قَالَ يحيى بن معَاذ الرازى الدُّنْيَا خمر الشَّيْطَان فَمن شرب مِنْهَا لم يفق من سكرتها إِلَّا وَهُوَ فى عَسْكَر الْمَوْتَى خاسرا نَادِما وَالله أعلم
١٠٨ - (رُءُوس الشَّيَاطِين) يشبه بهَا مَا يستقبح ويستهول قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّهَا شَجَرَة تخرج فِي أصل الْجَحِيم طلعها كَأَنَّهُ رُؤُوس الشَّيَاطِين﴾ قَالَ الجاحظ لَيْسَ من النَّاس من رأى شَيْطَانا قطّ على صورته وَلَكِن لما كَانَ الله قد جعل فى طبائع جَمِيع الْأُمَم استقباح صُورَة الشَّيْطَان واستسماجه وكراهته وأجرى هَذَا على أَلْسِنَة جَمِيعهم ضرب الْمثل بِهِ فى ذَلِك رَجَعَ بالإيحاش والتنفير وبالإخافة وَالتَّفْزِيع إِلَى مَا جعله فى طبائع الْأَوَّلين والآخرين والشيوخ وَالصبيان وَالرِّجَال وَالنِّسَاء
وَهَذَا التَّأْوِيل أشبه من قَول من زعم من الْمُفَسّرين أَن رُءُوس الشَّيَاطِين نَبَات ينْبت بِالْيمن وَقَول بَعضهم إِن الشَّيَاطِين هَا هُنَا الْحَيَّات
وَحدث الصولى بِإِسْنَاد لَهُ عَن أَبى عُبَيْدَة أَنه قَالَ لما قدمت من الْبَصْرَة وصلت إِلَى الْفضل بن الرّبيع فَسلمت عَلَيْهِ بالوزارة فَضَحِك إِلَى واستدنانى حَتَّى جَلَست بَين يَدي فرشه ثمَّ سألنى وَلَا طفنى واستنشدنى فَأَنْشَدته عُيُون أشعار أحفظها جَاهِلِيَّة فَقَالَ قد عرفت أَكثر هَذِه وَأُرِيد من مليح
стр. 76
الشّعْر فَأَنْشَدته مِنْهَا فطرب لَهَا وَضحك وَزَاد نشاطه ثمَّ دخل رجل فى زى الْكتاب لَهُ هَيْئَة فأقعده إِلَى جانبى وَقَالَ لَهُ أتعرف هَذَا قَالَ لَا قَالَ هَذَا عَلامَة أهل الْبَصْرَة أَبُو عُبَيْدَة أقدمناه لنستفيد مِنْهُ وَمن علمه فَدَعَا لَهُ الرجل وقرظه لفعله هَذَا وَقَالَ لى وَالله إنى كنت مشتاقا إِلَيْك وَقد سُئِلت عَن مَسْأَلَة أفتأذن لى أَن أعرفك إِيَّاهَا قلت هَات قَالَ قَالَ الله ﴿طلعها كَأَنَّهُ رُؤُوس الشَّيَاطِين﴾ وَإِنَّمَا يَقع الْوَعْد والإيعاد بِمَا عرف مثله وَهَذَا لم يعرف فَقلت إِنَّمَا كَلمهمْ الله تَعَالَى بِمَا يعْرفُونَ وعَلى كَلَام الْعَرَب أما سَمِعت قَول أمرى الْقَيْس
(أيقتلنى والمشرفى مضاجعى ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال)
وهم لم يرَوا الغول وَلَكِن لما كَانَ أَمر الغول يهولهم أوعدوا بِهِ فَاسْتحْسن الْفضل ذَلِك وَاسْتَحْسنهُ السَّائِل فعزمت مُنْذُ ذَلِك الْوَقْت أَن أَضَع كتابا لمثل هَذَا وأشباهه فَلَمَّا رجعت إِلَى الْبَصْرَة عملت كتابى الذى سميته كتاب الْمجَاز وَسَأَلت عَن الرجل فَقيل هُوَ من كتاب الْوَزير وجلسائه يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن دَاوُد الْكَاتِب العبرتانى
стр. 77
الْبَاب الرَّابِع فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الْقُرُون الأولى
أَحْلَام عَاد
ريح عَاد
أَحْمَر ثَمُود
صَاعِقَة ثَمُود
أكل لُقْمَان
نخوة فِرْعَوْن
صرح هامان
كنوز قَارون
سد الْإِسْكَنْدَر
نوم أَصْحَاب الْكَهْف
جور سدوم
جَوف حمَار
الاستشهاد
١٠٩ - (أَحْلَام عَاد) الْعَرَب تضرب الْمثل بأحلام عَاد لما تتَصَوَّر من عَظِيم خلقهَا وتزعم أَن أحلامها على مقادير أجسامها قَالَ الشَّاعِر يمدح قوما
(وأحلام عَاد لَا يخَاف جليسهم ... وَإِن نطقوا العوراء غرب لِسَان)
وَقَالَ آخر
(كَأَنَّمَا ورثوا لُقْمَان حكمته ... علما كَمَا ورثوا الأحلام عَن عَاد)
١١٠ - (ريح عَاد) تضرب مثلا فى الإهلاك والإفناء لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأما عَاد فأهلكوا برِيح صَرْصَر عَاتِيَة﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَفِي عَاد إِذْ أرسلنَا عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم﴾
١١ - (أَحْمَر ثَمُود) هُوَ قدار بن سالف عَاقِر نَاقَة الله يضْرب بِهِ الْمثل فى الشؤم والشقوة وَقد غلط زُهَيْر فى قَوْله
стр. 78
(فتنتج لكم غلْمَان أشأم كلهم ... كأحمر عَاد ثمَّ ترْضع فتفطم)
وَكَأَنَّهُ سمع بعاد وَثَمُود فنسب الْأَحْمَر إِلَى عَاد على مَا توهم وَهُوَ من ثَمُود وَكَانَ قدار أَحْمَر أَزْرَق وَهُوَ الذى ذكره الله تَعَالَى فَقَالَ ﴿إِذْ انْبَعَثَ أشقاها﴾
وَعَن عمار بن يَاسر قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فى غَزْوَة ذَات الْعَشِيرَة فَلَمَّا قَفَلْنَا نزلنَا منزلا فَخرجت أَنا وعَلى بن أَبى طَالب نَنْظُر إِلَى قوم يعتملون فنعسنا فسفت علينا التُّرَاب فَمَا نبهنا إِلَّا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لعلى رضى الله عَنهُ يَا ابا تُرَاب لما عَلَيْهِ من التُّرَاب أتعلم من أَشْقَى النَّاس فَقَالَ خبرنى يَا رَسُول الله فَقَالَ (أَشْقَى النَّاس أَحْمَر ثَمُود الذى عقر نَاقَة الله وأشقاها الذى يخضب هَذِه وَوضع يَده على لحيته من هَذَا وَوضع يَده على قرنه) فَكَانَ على رضى الله عَنهُ كثيرا مَا يَقُول عِنْد الضجر بِأَصْحَابِهِ مَا يمْنَع أشقاها أَن يخضب هَذِه من هَذَا
١١ - (صَاعِقَة ثَمُود) هى الصَّيْحَة الَّتِى أخذتهم فَأَصْبحُوا فى دَارهم جاثمين وَإِنَّهَا كَانَت صَيْحَة جِبْرِيل تضرب مثلا فى الإبادة والإفناء كريح عَاد
وَلما قيل إِن الْحجَّاج من بَقِيَّة ثَمُود قَالَ فى خطْبَة لَهُ أتزعمون أَنى من بَقِيَّة ثَمُود وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَثَمُود فَمَا أبقى﴾ صدق الله الْعَظِيم وكذبتم أَنْتُم
ودعا أَبُو الْفرج الببغاء على القرامطة فَقَالَ صب الله عَلَيْهِم طوفان نوح وحجارة لوط وريح عَاد وصاعقة ثَمُود
стр. 79
١١٣ - (أكل لُقْمَان) هُوَ لُقْمَان العادى صَاحب النسور تضرب بِهِ الْعَرَب الْمثل فى الْأكل فَنَقُول آكل من لُقْمَان وتزعم أَنه كَانَ يتغدى بجزور ويتعشى بِمثلِهِ
١١٤ - (نخوة فِرْعَوْن) أنشدنى الخوارزمى لنَفسِهِ فى اللحام
(رَأَيْت للحام فى حلقه ... للشعر تطبيقا وتجنيسا)
(نخوة فِرْعَوْن وَلكنه ... جانس فى حمل الْعَصَا مُوسَى)
(وغش إِبْلِيس وَلكنه ... خَالف فى السَّجْدَة إبليسا)
١١٥ - (صرح هامان) بناه لفرعون من الْآجر وَهُوَ أول من اسْتَعْملهُ كَمَا حكى الله تَعَالَى عَن فِرْعَوْن إِذْ قَالَ ﴿مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي فَأوقد لي يَا هامان على الطين فَاجْعَلْ لي صرحا لعَلي أطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه من الْكَاذِبين﴾
وَيُقَال إِنَّه جلب الفعلة لبِنَاء الصرح من الْآفَاق وَأَكْثَرهم من الخوز حَتَّى بنوا مَا يضْرب بِهِ الْمثل للأبنية الشاهقة الحصينة
وَمن أحسن مَا يحاضر بِهِ من ذَلِك قَول أَبى الْقَاسِم الزعفرانى فى تهنئة الصاحب بداره الجديدة من قصيدة أَولهَا
стр. 80
(سرك الله بِالْبِنَاءِ الْجَدِيد ... نلْت حَال الشكُور لَا المستزيد)
(هَذِه الدَّار جنَّة الْخلد فى الدُّنْيَا ... فاغتنمها وَأُخْتهَا فى الخلود)
وَمِنْهَا أَيْضا
(ألزم الْإِنْس كل جَاف شَدِيد ... عمل الْجِنّ كل جَاف مُرِيد)
(فابتنوا مَا لَو أَن هامان يدنو ... مِنْهُ لم يرض صرحه للصعود)
أى للصعود إِلَى السَّمَاء فى زَعمه لظُهُور حقارته عِنْده
وقرأت فى كتاب الجوابات المسكتة لِابْنِ أَبى عون أَن عبد الله بن خازم قَالَ يَوْمًا لقهرمانه إِلَى أَيْن تمضى يَا هامان قَالَ أبنى لَك صرحا فَعجب من جَوَابه لِأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنه فِرْعَوْن إِن كَانَ هُوَ هامان
١١٦ - (كنوز قَارون) يضْرب بهَا الْمثل فِيمَا يستعظم قدره من نفائس الْأَمْوَال لقَوْله تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوز مَا إِن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي الْقُوَّة﴾
وقرأت فصلا للخوارزمى من رسائله الْقَدِيمَة لَو كُنَّا نعمل على قدر النِّيَّة لحملنا إِلَيْك خراج فَارس وَعشر الأهواز وَدخل الْبَصْرَة وتاج كسْرَى وإكليل شيرين وكنوز قَارون وعرش بلقيس
١١٧ - (سد الْإِسْكَنْدَر) هُوَ سد يَأْجُوج الذى جَاءَ ذكره فى الْقُرْآن
стр. 81
وَتَوَلَّى بناءه ذُو القرنين وَهُوَ الْإِسْكَنْدَر عِنْد أَكثر النَّاس يضْرب بِهِ الْمثل فى الحصانة والوثاقة قَالَ المتنبى
(كأنى دحوت الأَرْض من خبرتى بهَا ... كأنى بنى الْإِسْكَنْدَر السد من عزمى)
وَقد ضرب بِهِ الْمثل ابْن طَبَاطَبَا العلوى أَيْضا فَقَالَ وَهُوَ يهجو ابا على بن رستم وَيذكر بناءه سور أَصْبَهَان ويرمى حرته بآزريون غُلَامه
(يَا رستمى اسْتعْمل الجدا ... وكدنا فى حظنا كدا)
(فَإنَّك المأمول والمرتجى ... تهون الْخطب إِذا اشتدا)
(أحكمت من ذَا السُّور مالم تَجِد ... وَالله من إحكامه بدا)
(فخلفه نسل كثير لمن ... أصفت لآزريونها الودا)
(وهم كيأجوج وَمَأْجُوج إِن ... عددتهم لم تحصهم عدا)
(وَأَنت ذُو القرنين فى عصرنا ... جعلته مَا بَينهم سدا)
١١٨ - (نوم أَصْحَاب الْكَهْف) يضْرب مثلا للنوم الْكثير لِأَن الله تَعَالَى يَقُول فى قصتهم ﴿فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف سِنِين عددا﴾ قَالَ ابْن الْحجَّاج
(قومُوا فَأهل الْكَهْف مَعَ ... عبود عنْدكُمْ صراصر)
وقصة عبود ستمر فى مَكَانهَا من الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
١١٩ - (جور سدوم) سدوم كَانَ ملكا فى الزَّمن الأول جائرا وَله
стр. 82
قَاض أجور مِنْهُ يضْرب بِهِ الْمثل فَيُقَال أجور من قاضى سدوم
قَالَ أَبُو اللَّيْث فى مُوسَى بن خلف صَاحب ابْن الْفُرَات
(أُفٍّ من دولة بمُوسَى تقوم ... مَا نرَاهَا مَعَ الْبلَاء تدوم)
(مَا قضى مثل مَا بِهِ النذل يقْضى ... فى جَمِيع الْأُمُور قطّ سدوم) وَقَالَ آخر
(لَا تبع عقدَة مَال ... خيفة الْجَار الغشوم)
(واصطبر للفلك الجارى ... على كل ظلوم)
(فَهُوَ الدائر بِالْأَمر ... على آل سدوم)
١٢٠ - (جَوف حمَار) من أَمْثَال الْعَرَب هُوَ أكفر من حمَار وأخلى من جَوف حمَار وَهُوَ رجل من عَاد يُقَال لَهُ حمَار بن مويلع وجوفه وَاد لَهُ طَوِيل عريض لم يكن بِبِلَاد الْعَرَب أخصب مِنْهُ وَفِيه من كل الثمرات فَخرج بنوه يتصيدون فَأَصَابَتْهُمْ صَاعِقَة فهلكوا فَكفر وَقَالَ لَا أعبد من فعل هَذَا ببنى ودعا قومه إِلَى الْكفْر فَمن عَصَاهُ قَتله فَأَهْلَكَهُ الله تَعَالَى وأخرب واديه فَضرب الْعَرَب بِهِ الْمثل فى الخراب والخلاء قَالَ الأفوه الأودى
(وبشؤم البغى والغشم قَدِيما ... قد خلا جَوف وَلم يبْق حمَار)
وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(وواد كجوف العير قفر قطعته ... بِهِ الذِّئْب يعوى كالخليع المعيل)
стр. 83
الْبَاب الْخَامِس فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رضى الله عَنْهُم
سيرة العمرين
درة عمر
قَمِيص عُثْمَان
فَضَائِل على
صدق أَبى ذَر
مشْيَة أَبى دُجَانَة
دهاء مُعَاوِيَة
فقه العبادلة
وَلِيمَة الْأَشْعَث
حلم الْأَحْنَف
زكن إِيَاس
زهد الْحسن
ورع ابْن سِيرِين
سجع الْمُخْتَار
شجة عبد الحميد
الاستشهاد
١٢ - (سيرة العمرين) هما أَبُو بكر وَعمر رضى الله عَنْهُمَا يضْرب بسيرتهما الْمثل إِذْ لاعهد بمثلهما بعد النَّبِي ﷺ وَكَانَ عبد الْملك ابْن مَرْوَان يَقُول أنصفونا يَا معشر الرّعية تُرِيدُونَ منا سيرة أَبى بكر وَعمر وَلَا تسيرون فِينَا وَلَا فى أَنفسكُم بسيرة رعية أَبى بكر وَعمر نسْأَل الله أَن يعين كلا على كل
وَقَالَ البحترى
(إِن الرّعية لم تزل فى سيرة ... عمرية مذ ساسها المتَوَكل)
وَقَالَ بعض البلغاء وَقد ذكر بعض الْمُلُوك رَأَيْت صُورَة قمرية وسيرة عمرية
وَقَالَ آخر رَأَيْت بفلان نور القمرين وَعدل العمرين
١٢ - (درة عمر) قَالَ الشعبى كَانَت درة عمر أهيب من سيف الْحجَّاج
стр. 84
وَلما جىء بالهر مزان ملك خوزستان أَسِيرًا إِلَى عمر رضى الله عَنهُ وَافق ذَلِك غيبته عَن منزلَة فَمَا زَالَ الْمُوكل بالهرمزان يقتفى أثر عمر حَتَّى عثر عَلَيْهِ فى بعض الْمَسَاجِد نَائِما متوسدا درته فَلَمَّا رَآهُ الهرمزان قَالَ هَذَا وَالله الْملك الهنىء عدلت فأمنت فَنمت وَالله إنى قد خدمت أَرْبَعَة من مُلُوك الأكاسرة أَصْحَاب التيجان فَمَا هبت أحد مِنْهُم هيبتى لصَاحب هَذِه الدرة
١٢٣ - (قَمِيص عُثْمَان) هُوَ قَمِيصه المضرج بِالدَّمِ الذى قتل فِيهِ يضْرب بِهِ الْمثل للشَّيْء يكون سَببا للتحريش وَذَلِكَ أَن عَمْرو بن الْعَاصِ رضى الله عَنهُ لما أحس من عَسْكَر مُعَاوِيَة بصفين فتورا فى الْمُحَاربَة أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن يبرز لَهُم قَمِيص عُثْمَان ليستأنفوا جدا جَدِيدا فى الانتقاض والمنازعة فَفعل ذَلِك مُعَاوِيَة فحين وَقعت أعين الْقَوْم على الْقَمِيص ارْتَفَعت ضجتهم بالبكاء والنحيب وتحرك مِنْهُم السَّاكِن وثار من حقودهم الكامن فَعندهَا قَالَ عَمْرو حرك لَهَا حوارها تحن
وعَلى ذكر هَذَا الْقَمِيص فَإِن المتَوَكل لما قَتله الأتراك بمواطأة الْمُنْتَصر وأفضى الْأَمر بعده وَبعد الْمُنْتَصر والمستعين إِلَى المعتز لم تزل أمه قبيحة تحرضه على الْإِيقَاع بقتلة أَبِيه وتلومه على ميله لَهُم دون طلب الثأر مِنْهُم وَكَانَ المعتز يعدها ويمنيها وَهُوَ يعلم أَنه لَا يقوى عَلَيْهِم مَعَ كَثْرَة عَددهمْ وَشدَّة شوكتهم وغلبتهم على أُمُور الْخلَافَة فأبرزت قبيحة يَوْمًا للمعتز قَمِيص المتَوَكل الذى قتل فِيهِ وَهُوَ مضرج بِالدَّمِ وَجعلت تبكى وتبالغ فى التقريع والتحريض كل الْمُبَالغَة فَلَمَّا طَال ذَلِك مِنْهَا قَالَ لَهَا المعتز يَا أمى ارفعى الْقَمِيص وَإِلَّا صَار قميصين فَعندهَا أَمْسَكت وَلم تعد لعادتها
стр. 85
١٢٤ - (فَضَائِل على) يضْرب بهَا الْمثل فى الْكَثْرَة كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن مكرم لأبى على الْبَصِير فضولك وَالله أَكثر من فَضَائِل على
وَقَالَ الجاحظ لَا يعلم رجل فِي الأَرْض مَتى ذكر السَّبق فِي الْإِسْلَام والتقدم فِيهِ وَمَتى ذكرت النجدة والذب عَن الْإِسْلَام وَمَتى ذكر الْفِقْه فِي الدّين وَمَتى ذكر الزّهْد فِي الْأَمْوَال الَّتِي تتناجز النَّاس عَلَيْهَا وَمَتى ذكر الْإِعْطَاء فِي الماعون كَانَ مَذْكُورا فِي هَذِه الْخلال كلهَا إِلَّا على ﵁ وَكَانَ الْحسن يَقُول قد يكون الرجل عَالما وَلَيْسَ بعابد وعابدا وَلَيْسَ بعالم وعالما عابدا وَلَيْسَ بعاقل وَسليمَان بن يسَار عَالم عَابِد عَاقل فَانْظُر أَيْن تقع خلال سُلَيْمَان من خِصَال عَليّ
١٢٥ - (صدق أَبى ذَر) يضْرب بِهِ الْمثل ويروى أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول (مَا أظلت الخضراء وَلَا أقلت الغبراء بعد النَّبِيين أصدق لهجة من أَبى ذَر)
وَمن أَمْلَح مَا سَمِعت فى ضرب الْمثل بِهِ قَول الصاحب فى إِنْسَان كذوب الفاختة عِنْده أَبُو ذَر لِأَن الفاختة يضْرب بهَا الْمثل فى الْكَذِب وَأَبُو ذَر يضْرب بِهِ الْمثل فى الصدْق
١٢٦ - (مشْيَة أَبى دُجَانَة) هُوَ سماك بن خَرشَة الأنصارى
стр. 86
رضى الله عَنهُ كَانَ شجاعا بطلا قد تعود الْإِقْدَام حَيْثُ تزل الْأَقْدَام وَله آثَار جميلَة فى الْإِسْلَام وَكَانَت لَهُ مشْيَة عَجِيبَة فى الْخُيَلَاء وَنظر ﷺ إِلَيْهِ فى المعركة وَهُوَ يتبختر بَين الصفين فَقَالَ (إِن هَذِه مشْيَة يبغضها الله إِلَّا فى هَذَا الْمَكَان)
وَكَانَ يُقَال لَهُ ذُو المشهرة لِأَنَّهُ كَانَت لَهُ مشهرة إِذا لبسهَا فِي الْحَرْب لَا يبْقى وَلَا يذر
١٢٧ - (دهاء مُعَاوِيَة) ذَلِك مِمَّا اشْتهر أمره وَسَار ذكره وَكَثُرت الرِّوَايَات والحكايات فِيهِ وَوَقع الْإِجْمَاع على أَن الدهاة أَرْبَعَة مُعَاوِيَة وَعَمْرو ابْن الْعَاصِ والمغيرة بن شُعْبَة وَزِيَاد بن أَبِيه رضى الله عَنْهُم فَلَمَّا كَانَ مُعَاوِيَة بِحَيْثُ هُوَ من الدهاء وَبعد الْغَوْر وانضم إِلَيْهِ الدهاة الثَّلَاثَة الَّذين يرَوْنَ بِأول آرائهم أَوَاخِر الْأُمُور فَكَانَ لَا يقطع أمرا حَتَّى يشهدوه وَلَا يستضىء فى ظلم الخطوب إِلَّا بمصابيح آرائهم سلم لَهُ أَمر الْملك وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ الدُّنْيَا أزمتها وَصَارَ دهاؤه ودهاء أَصْحَابه الثَّلَاثَة مثلا وَلم يذكر مَعَهم فى الدهاء إِلَّا قيس بن سعد بن عبَادَة وَعبد الله بن بديل بن وَرْقَاء الخزاعى
١٢٨ - (فقه العبادلة) هم عبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فَهَؤُلَاءِ من فُقَهَاء الصَّحَابَة وأثباتهم وعلمائهم وَمن أنبههم
وَمن عبادلتهم أَيْضا عبد الله بن جَعْفَر بن أَبى طَالب وَعبد الله بن أَبى بكر الصّديق رضى الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ
١٢٩ - (وَلِيمَة الْأَشْعَث) كَانَ الْأَشْعَث بن قيس بن معدى كرب
стр. 87
الكندى ارْتَدَّ فى جملَة أهل الرِّدَّة فَلَمَّا أَتَى بِهِ لأبى بكر رضى الله عَنهُ أَسِيرًا استتابه وَأطْلقهُ وزوجه أُخْته أم فَرْوَة بنت أَبى قُحَافَة فَأصْبح صَبِيحَة الْبناء وَخرج شاهرا سَيْفه فَلم يلق ذَات أَربع مِمَّا يُؤْكَل لَحْمه إِلَّا عقرهَا فَقَالَ النَّاس هَذَا الْأَشْعَث قد ارْتَدَّ ثَانِيَة ثمَّ إِنَّه قَالَ يَا أهل الْمَدِينَة إِنَّا وَالله لَو كُنَّا ببلادنا لأولمنا فاجتزروا من هَذِه اللحمان وتصادقوا فى الْأَثْمَان فَلم يبْق دَار من دور الْمَدِينَة إِلَّا دَخلهَا من تِلْكَ اللحوم وَلم ير يَوْم أشبه بِيَوْم الْأَضْحَى من ذَلِك فَضرب أهل الْمَدِينَة الْمثل بوليمة الْأَشْعَث فَقَالُوا وَلِيمَة الْأَشْعَث وَأَوْلَمَ من الْأَشْعَث
١٣٠ - (حلم الْأَحْنَف) قَالَ الجاحظ قد ذكرُوا فى الْأَشْعَار حلم لُقْمَان ولقيم بن لُقْمَان وَذكروا قيس بن عَاصِم وَمُعَاوِيَة بن أَبى سُفْيَان ورجالا كثيرا مَا رَأينَا هَذَا الِاسْم التزق بِأحد والتحم بِإِنْسَان وَظهر على الْأَلْسِنَة كَمَا رَأَيْنَاهُ تهَيَّأ للأحنف بن قيس ثمَّ كَانَ مَعَ ذَلِك رَئِيسا فى أَكثر تِلْكَ الْفِتَن فَلم ير حَاله عِنْد الْخَاصَّة والعامة وَعند النساك والفتاك وَعند الْخُلَفَاء الرَّاشِدين والملوك المتغلبين وَلَا حَاله فى حَيَاته وَلَا حَاله بعد مَوته إِلَّا مستويا فينبغى أَن يكون قد سبقت لَهُ من النَّبِي ﷺ دَعْوَة وَقَالَ فِيهِ كَمَا رَوَوْهُ وذكروه أَو يكون قد كَانَ يضمر من حسن النِّيَّة وَمن شدَّة الْإِخْلَاص مَا لم يكن عَلَيْهِ أحد من نظرائه فَإِن قَالَ قَائِل تَزْعُمُونَ أَن عبد الْمطلب كَانَ أحلم النَّاس وَكَذَلِكَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب قُلْنَا إِن الْأَحْنَف كَانَ الْحلم سيد عمله فَبَان حلمه من سَائِر أَعماله ومحاسن عبد الْمطلب وخصال الْعَبَّاس فى الْمجد والشرف كَانَت متكافئة مُتَسَاوِيَة كل خصْلَة مِنْهَا تنتصف من أُخْتهَا فَكَانَت كَمَا قَالَ الشَّاعِر
стр. 88
(إنى غرضت إِلَى تناصف وَجههَا ... غَرَض الْمُحب إِلَى الحبيب الْغَائِب)
وَإِذا كَانَت الْخِصَال كَذَلِك لم يغلب على صَاحبهَا اسْم دون اسْم وَرجع الْأَمر إِلَى أَن يُسمى سيدا وَمَا أشبه ذَلِك من الْأَسْمَاء الْخَاصَّة
١٣ - (زهد الْحسن) قَالَ الجاحظ كَانَ الْحسن رضى الله تَعَالَى عَنهُ يسْتَثْنى من كل غَايَة وَقَالُوا أزهد النَّاس إِلَّا الْحسن وأفقه النَّاس إِلَّا الْحسن وأفصح النَّاس إِلَّا الْحسن وأخطب النَّاس إِلَّا الْحسن وعَلى هَذَا كَانَ جَمِيع كَلَامهم
١٣ - (ورع ابْن سِيرِين) قَالَ الجاحظ كَانَ يُقَال زهد الْحسن وورع ابْن سِيرِين وعقل مطرف وَحفظ قَتَادَة وَكلهمْ من الْبَصْرَة قَالَ الشَّاعِر
(فَأَنت بِاللَّيْلِ ذِئْب لَا حَرِيم لَهُ ... وبالنهار على سمت ابْن سِيرِين)
لما لم يستقم لَهُ أَن يَقُول على ورع ابْن سِيرِين أَقَامَ السمت مقَامه وَأحسن وَهَذَا من لطائف الشّعْر
١٣٣ - (سجع الْمُخْتَار) كَانَ الْمُخْتَار بن أَبى عبيد الثقفى لَا يُوقف لَهُ على مَذْهَب كَانَ خارجيا ثمَّ صَار زبيريا ثمَّ صَار رَافِضِيًّا يَدْعُو إِلَى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَيطْلب بِدَم الْحُسَيْن رضى الله عَنهُ وتغلب على الْكُوفَة وَفعل الأفاعيل فَقيل لَهُ يَا أَبَا إِسْحَاق كَيفَ خرجت تَدْعُو إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَلم تعرف بالتشيع لَهُم فَقَالَ إنى رَأَيْت مَرْوَان وثب على الشَّام وَابْن الزبير على مَكَّة ونجدة على الْيَمَامَة وَابْن خازم على خُرَاسَان وَوَاللَّه مَا أَنا دونهم
стр. 89
وَكَانَ يدعى أَنه يلهم ضربا من السجع لأمور تكون ثمَّ يحتال فيوقعها فَيَقُول للنَّاس هَذَا من عِنْد الله
وَلما قيل لِابْنِ عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا إِن الْمُخْتَار يزْعم أَنه يُوحى إِلَيْهِ قَالَ صدق الْمُخْتَار يعْنى قَول الله عز ذكره ﴿وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾
وَقيل للمختار إِنَّك تَقول أَشْيَاء فَلَا تكون فَقَالَ ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب﴾
فَمن أسجاعه أَنه قَالَ ذَات يَوْم لتنزلن من السَّمَاء نَار دهماء ولتحرقن دَار أَسمَاء فَذكر ذَلِك لأسماء بن خَارِجَة فَقَالَ أوقد سجع بى أَبُو إِسْحَاق هُوَ وَالله محرق دارى فَتَركه وَالدَّار وهرب من الْكُوفَة
وَقَالَ فى بعض سجعه أما والذى شرع الْأَدْيَان وحبب الْإِيمَان وَكره الْعِصْيَان لأقتلن ازدعمان وَجل قيس عيلان وتميما أَوْلِيَاء الشَّيْطَان حاشا النجيب ظبْيَان فَكَانَ ظبْيَان يَقُول لم أزل فى عصر الْمُخْتَار أتقلب آمنا
ويروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن لثقيف كذابا ومبيرا) فَقيل هما الْمُخْتَار وَالْحجاج
وفى الْمُخْتَار يَقُول أَبُو تَمام متمثلا
(والهاشميون اسْتَقَلت عبرهم ... من كربلاء بأعظم الأوتار)
(فشفاهم الْمُخْتَار مِنْهُ وَلم يكن ... فى دينه الْمُخْتَار بالمختار)
وَقَالَ أعشى هَمدَان فى أَيَّام ابْن الْأَشْعَث للحجاج
(إِن ثقيفا مِنْهُم الكذابان ... كذابها الماضى وَكَذَّاب ثَان)
стр. 90
وَمن ظريف مَا يحْكى من حيل الْمُخْتَار أَنه كَانَ عِنْده كرسى قديم الْعَهْد فغشاه بالديباج وَقَالَ هَذَا الكرسى من ذخائر أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أَبى طَالب فضعوه فى حومة الْقِتَال وقاتلوا عَنهُ فَإِن مَحَله فِيكُم مَحل السكينَة فِي بني إِسْرَائِيل وَيُقَال إِنَّه كَانَ اشْتَرَاهُ من نجار بِدِرْهَمَيْنِ
وَلما وَجه الْمُخْتَار إِبْرَاهِيم الأشتر إِلَى حَرْب عبيد الله بن زِيَاد خرج يشيعه مَاشِيا فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم اركب يَا أَبَا إِسْحَاق فَقَالَ لَهُ إنى أحب أَن تغبر قدماى فى نصْرَة آل مُحَمَّد ﷺ فشيعه فرسخين وَدفع إِلَى قوم من خاصته حمائم بيضًا ضخاما وَقَالَ لَهُم إِن رَأَيْتُمْ الْأَمر علينا فأرسلوها فى المعركة وَقَالَ للنَّاس إنى أجد فى مُحكم الْكتاب وفى الْيَقِين وَالصَّوَاب أَن الله مُمِدكُمْ بملائكة غضاب تأتى فى صور الْحمام دون السَّحَاب فَلَمَّا الْتَقت الفئتان وكادت الدبرة تكون على عَسْكَر ابْن الأشتر أرْسلت الحمائم الْبيض فتصايح النَّاس الْمَلَائِكَة الْمَلَائِكَة فتراجعوا فاسرع الْقَتْل فى أَصْحَاب عبيد الله ثمَّ انكشفوا وَوَضَعُوا السيوف فيهم حَتَّى أفنوهم فَقَالَ ابْن الأشتر لقد ضربت رجلا على شاطىء النَّهر وَرجع إِلَى سيفى تنفح مِنْهُ رَائِحَة الْمسك وَرَأَيْت لَهُ إقداما وجرأة فصرعته فشرقت يَدَاهُ وغربت رِجْلَاهُ فانظروا من هُوَ فنظروا فَإِذا هُوَ عبيد الله بن زِيَاد
١٣٤ - (زكن إِيَاس) هُوَ أَبُو وَاثِلَة إِيَاس بن مُعَاوِيَة وَكَانَ قَاضِيا فائقا زكنا يضْرب بزكنه الْمثل وَلما أَرَادَ ابو تَمام أَن يتَمَثَّل بِهِ فى شعر لَهُ وَلم يستوله الْوَزْن أَن يذكر زكنه فى الْبَيْت أَقَامَ الذكاء مقَام الزكن فَقَالَ
(إقدام عَمْرو فى سماحة حَاتِم ... فى حلم أحنف فى ذكاء إِيَاس)
ولأبى الْحسن المدائنى كتاب مَقْصُور على زكن إِيَاس وإبراز نوادره
стр. 91
وَحكى الجاحظ عَنهُ قَالَ كَانَ إِيَاس وَهُوَ صَغِير ضَعِيفا ضئيلا وَكَانَ لَهُ أَخ أَشد حَرَكَة مِنْهُ وَأقوى فَكَانَ مُعَاوِيَة أَبوهُ يقدمهُ على إِيَاس فَقَالَ لَهُ إِيَاس يَوْمًا يَا أَبَت إِنَّك تقدم أخى على وسأضرب لَك مثله ومثلى فَهُوَ مثل الْفروج حِين تنفلق عَنهُ الْبَيْضَة يخرج كاسيا كَافِيا نَفسه فيلقط ويستخفه النَّاس فَكلما كبر انْتقصَ حَتَّى إِذا تمّ فَصَارَ دجَاجَة لم يصلح إِلَّا للذبح وَأَنا مثل فرخ الْحمام تنفلق عَنهُ الْبَيْضَة عَن شىء سَاقِط لَا يقدر على حَرَكَة وَأَبَوَاهُ يغذيانه حَتَّى يقوى وَيثبت ريشه ثمَّ يحسن بعد ذَلِك ويطير ويتخذه النَّاس ويرسلونه من الْمَوَاضِع الْبَعِيدَة فيجىء فيصان لذَلِك وَيكرم ويشترى بالأثمان الغالية فَقَالَ لَهُ أَبوهُ لقد أَحْسَنت الْمثل فقدمه على أَخِيه فَوجدَ عِنْده أَكثر مِمَّا ظن مِنْهُ بِهِ وَخرج إِيَاس باقعة مُنْقَطع النظير
وَزعم الأصمعى أَن إياسا نظر إِلَى رجل من ثَقِيف أَبيض بض فَقَالَ لَهُ أهندية أمك قَالَ لَا وَالله مَا ضربت فى هندية وَلَا هندى قطّ بعرق قَالَ بلَى وَالله وَإِن جهلت وإنى لأرى فِيك آثَار ذَلِك قَالَ لَا وَالله إِلَّا اللَّبن والحضانة فَإِن خادمه هندية كَانَت لأمى أرضعتنى مُدَّة مديدة قَالَ فَمن ذَلِك
وَقَالَ المدائنى حج إِيَاس فَسمع نباح كلب فَقَالَ هَذَا كلب مشدود ثمَّ سمع نباحه فَقَالَ قد أرسل فَلَمَّا انْتَهوا من المَاء سَأَلُوا أَهله فَكَانَ كَمَا قَالَ فَقيل لَهُ كَيفَ علمت أَنه موثق وَأَنه قد أطلق فَقَالَ كَانَ نباحه
стр. 92
وَهُوَ موثق يسمع من مَكَان وَاحِد فَلَمَّا أطلق سمعته يقرب مرّة وَيبعد أُخْرَى ويتصرف فى ذَلِك
وَمر ذَات لَيْلَة بِمَاء فَقَالَ أسمع صَوت كلب غَرِيب فَقيل لَهُ كَيفَ عرفت ذَلِك قَالَ بخضوع صَوته وَشدَّة نباح الآخر فسألوا عَنهُ فَإِذا كلب غَرِيب وَإِذا كلب ينبحه
وَقَالَ رجل لإياس أَنا أصنع مثل مَا تصنع فَنظر إِيَاس إِلَى صدع فى الأَرْض فَقَالَ مَا فى هَذَا الصدع قَالَ لَا أدرى وَمَا أرى شَيْئا قَالَ إِيَاس فِيهِ دَابَّة فنظروا فَإِذا فِيهِ دَابَّة فَقَالَ إِيَاس إِن الأَرْض لَا تنصدع إِلَّا عَن دَابَّة أَو نَبَات
وَنظر يَوْمًا بواسط فى الرحبة إِلَى آجرة فَقَالَ تَحت هَذِه الآجرة دَابَّة فتزعوها فَإِذا تحتهاحية مطوقة فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ إنى رَأَيْت مَا بَين الآجرتين نديا من بَين جَمِيع الرحبة فَعلمت أَن تحتهَا شَيْئا يتنفس
وَرَأى أثر رعى بعير فَقَالَ هَذَا بعير أَعور فنظروا فَكَانَ كَمَا قَالَ فَقيل لَهُ من أَيْن علمت هَذَا فَقَالَ لأنى وجدت رعيه من جِهَة وَاحِدَة
стр. 93
١٣٥ - (شجة عبد الحميد) تضرب مثلا للعورة تصيب الْإِنْسَان الْجَمِيل فَلَا تشينه بل تزيده حسنا فَكَانَ عبد الحميد بن عبد الله بن عمر ابْن الْخطاب من أجمل أهل دهره فاصابته شجة فى وَجهه فَلم تشنه بل استحسنها النَّاس وَكَانَ النِّسَاء يخططن فى وجوههن شجة عبد الحميد وَالله أعلم
стр. 94
الْبَاب السَّادِس فى ذكر رجالات الْعَرَب فى الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام مختلفى الألقاب والمراتب مضافين إِلَى أَشْيَاء مُخْتَلفَة يضْرب بأكثرهم الْأَمْثَال
قُرَيْش الأباطح
شيبَة الْحَمد
حَاتِم طَيء
كُلَيْب وَائِل
زيد الْخَيل
ملاعب الأسنة
سحبان وَائِل
أزواد الركب
عُرْوَة الصعاليك
أَبُو عُرْوَة السبَاع
سعد الْعَشِيرَة
سعد الْمَطَر
دعيميص الرمل
سليك المقانب
عراف الْيَمَامَة
شيخ مهو
حنيف الحناتم
وَافد البراجم
يسَار الكواعب
طفيل العرائس
سعد القرقرة
وضاح الْيمن
مَجْنُون بنى عَامر
شيخ المضيرة
أَمِين الْأمة
حوارى النَّبِي
ربانى الْأمة
أشج بنى أُميَّة
جَبَّار بنى الْعَبَّاس
الاستشهاد
١٣٦ - (قُرَيْش الأباطح) يُقَال لَهُم أَيْضا قُرَيْش البطاح لأَنهم لباب قُرَيْش وصميمها الَّذين اختطوا بطحاء مَكَّة وهى سرتها فنزلوها وهم بَنو عبد منَاف وَبَنُو عبد الدَّار وَبَنُو عبد الْعُزَّى وَبَنُو زهرَة وَبَنُو تَمِيم ابْن مرّة وَبَنُو مَخْزُوم وَبَنُو سهم وجمح وَبَنُو عدى بن كَعْب وَبَنُو عَامر ابْن لؤى وَبَنُو هِلَال بن أهيب بن ضبة بن الْحَارِث بن فهر وَيُقَال لَهُم الأبطحيون أَيْضا قَالَ خلف بن خَليفَة حِين ذكر الْأَشْرَاف الَّذين يدْخلُونَ على ابْن هُبَيْرَة
(وَقَامَت قُرَيْش قُرَيْش البطاح ... مَعَ العصب الأول الداخله)
стр. 95
وَمَا أحسن مَا قَالَ البحترى يمدح المتَوَكل
(يَا بن الأباطح من أَرض أباطحها ... فى ذرْوَة الْمجد أَعلَى من روابيها)
(مَا ضيع الله فى بَدو وَلَا حضر ... رعية أَنْت بِالْإِحْسَانِ راعيها)
فَهَؤُلَاءِ قُرَيْش الأباطح وَأما قُرَيْش الظَّوَاهِر فهم الَّذين لم تسعهم الأباطح فنزلوا ظواهر مَكَّة وهم معيص بن عَامر بن لؤى وتيم بن غَالب بن فهر ومحارب والْحَارث ابْنا فهر
١٣٧ - (شيبَة الْحَمد) كَانَ يُقَال لعبد الْمطلب بن هَاشم شيبَة الْحَمد لنُور وَجهه وَذَلِكَ أَنه كَانَت فى ذؤابته شَعْرَة بَيْضَاء حِين ولد فَسمى شيبَة الْحَمد وَفِيه يَقُول حذافة بن غَانِم
(بَنو شيبَة الْحَمد الذى كَانَ وَجهه ... يضىء ظلام اللَّيْل كَالْقَمَرِ الْبَدْر)
١٣٨ - (حَاتِم طَيء) جواد الْعَرَب الْمَضْرُوب بِهِ فى الْجُود الْمثل أنْشد الجاحظ لأبى الشمقمق
(لما سَأَلتك شَيْئا ... أبدلت رشدا بغى)
(مِمَّن تعلمت هَذَا ... أَلا تجود بشى)
(أما مَرَرْت بِعَبْد ... لعبد حَاتِم طى)
وَقَالَ آخر
(الْجُود حَاتِم طى ... وحاتم الْبُخْل عون)
(لَهُ مطابخ بيض ... وَالْعرض أسود جون)
وَنظر أَصْرَم بن حميد الطوسى إِلَى رجل يَقُول أَنا مسلوب الْغنى فَنزل
стр. 96
عَن برذونه وَأَعْطَاهُ إِيَّاه فَأَنْشَأَ يَقُول أبياتا مِنْهَا
(إِلَى مسلوب الْغنى إِلَى ... حَاتِم طى وَحميد طى)
(مدَار أَحيَاء الْعلَا على ... )
وَقَالَ الصاحب لِابْنِ العميد
(وَهُوَ إِن جاد ذمّ حَاتِم طى ... وَهُوَ إِن قَالَ قل قس إياد)
وأخباره فى الْجُود أَكثر من أَن تحصى وَأشهر من أَن يُنَبه عَلَيْهَا وَمن أحاسنها أَنه قسم مَاله بضع عشرَة مرّة وَمر فى سفر لَهُ على بنى عنزة وَلَهُم أَسِير فى الْقد فاستغاث بِهِ وَلم يحضرهُ فكاكه ففاداه وخلاه وَأقَام مقَامه فى الْقد حَتَّى أدّى فداؤه
وروت الروَاة بِالْأَسَانِيدِ عَن ملْحَان ابْن أخى ماوية امْرَأَة حَاتِم قَالَ قلت لَهَا يَا عمتى حدثينى بِبَعْض عجائب حَاتِم فَقَالَت كل أمره عَجِيب فَعَن أَيَّة تسْأَل قلت حدثينى بِمَا شِئْت قَالَت أَصَابَت النَّاس سنة أذهبت الْخُف والظلف وأكلت النُّفُوس فبتنا ذَات لَيْلَة وَقد أسهرنا الْجُوع فَأخذ هُوَ عديا وَأخذت أَنا سفانة وَجَعَلنَا نعللهما حَتَّى نَامَا ثمَّ أقبل على يعللنى بِالْحَدِيثِ حَتَّى أَنَام قرقفت لما بِهِ من الْجهد وَأَمْسَكت عَن كَلَامه لينام فَقَالَ لى أنمت وكررها مرَارًا فَلم أجبه فَسكت ثمَّ نظر من فتق الخباء فَإِذا بشخص قد أقبل فَرفع رَأسه فَإِذا امْرَأَة تَقول يَا أَبَا سفانة أَتَيْتُك من عِنْد صبية يتعاوون من الْجُوع كالذباب فَقَالَ أحضريهم فو الله لأشبعنهم قَالَت فَقُمْت سَرِيعا وَقلت بِمَاذَا فوَاللَّه مَا نَام صبيانك من الْجُوع إِلَّا بِالتَّعْلِيلِ فَقَالَ وَالله لأشبعن صبيانك مَعَ
стр. 97
صبيانها فَلَمَّا جَاءَت الصبية قَامَ حَاتِم إِلَى فرسه فذبحه ثمَّ قدح نَارا وأججها وَدفع إِلَيْهَا شفرة وَقَالَ لَهَا اشوى وكلى ثمَّ قَالَ لى أيقظى صبييك فأيقظتهما ثمَّ قَالَ وَالله إِن هَذَا للؤم أَن تَأْكُلُوا وَأهل الحى جِيَاع فَجعل يأتى بَيْتا بَيْتا وَيَقُول انهضوا عَلَيْكُم بالنَّار فَاجْتمعُوا حول الْفرس وتقنع هُوَ بكسائه وَجلسَ نَاحيَة فَمَا أَصْبحُوا وَمن الْفرس على الأَرْض قَلِيل وَلَا كثير إِلَّا حَوَافِرِهِ وَإنَّهُ لأشد جوعا مِنْهُم وَمَا ذاقه
١٣٩ - (كُلَيْب وَائِل) كَانَ سيد ربيعَة فى زَمَانه قاد نزارا كلهَا وَالْعرب تضرب بِهِ الْمثل فى الْعِزّ وَالْقُوَّة وَالظُّلم وَكَانَ لَا يظلم إِلَّا القوى وَبلغ من عزة وظلمه أَنه كَانَ يحمى الْكلأ فَلَا يقرب أحد حماه وَيُجِير الصَّيْد فَلَا يهاج وَكَانَ النَّاس إِذا وردوا المَاء لم يسْبق أحد مِنْهُم إِلَّا بأَمْره وَإِن أَصَابَهُم مطر وَقد ظمئوا لَا يَخُوض إِنْسَان حوضا إِلَّا على مَا فضل عَنهُ وَكَانَ إِذا أَتَى المَاء وَقد سبق إِلَيْهِ أحد ألْقى عَلَيْهِ الْكلاب فتنهشه وَكَانَ يعمد إِلَى الرَّوْضَة تعجبه فيأمر بِأَن يُؤْخَذ كلب وتشد قوائمه فَيلقى فى وَسطهَا فَحَيْثُ بلغ عواؤه كَانَ حمى لَا يرْعَى وَكَانَ لَا يمر بَين يَدَيْهِ أحد إِذا جلس وَلَا يحتبى فى مَجْلِسه غَيره وَلَا يرفع الصَّوْت عِنْده وَلما قَتله من يمر ذكره فى مَكَانَهُ من هَذَا الْكتاب رثاه مهلهل بقوله
(نبئت أَن النَّار بعْدك أوقدت ... واستب بعْدك يَا كُلَيْب الْمجْلس)
стр. 98
(وَتَكَلَّمُوا فى أَمر كل عَظِيمَة ... لَو كنت شاهدهم بهَا لم ينبسوا)
وَقَالَ أَبُو نواس يهجو إِسْمَاعِيل نيبخت وَيضْرب الْمثل بكليب وَائِل
(على خبز إِسْمَاعِيل واقية الْبُخْل ... فقد حل فى دَار الْأمان من الْأكل)
(وَمَا خبزه إِلَّا كآوى يرْوى ابْنهَا ... وَلم تَرَ آوى فى الحزون وَلَا السهل)
(وَمَا خبزه إِلَّا كعنقاء مغرب ... يصور فى بسط الْمُلُوك وفى الْمثل)
(يحدث عَنْهَا النَّاس من غير رُؤْيَة ... سوى صُورَة مَا أَن تمر وَلَا تحلى)
(وَمَا خبزه إِلَّا كُلَيْب بن وَائِل ... ليالى يحمى عزه منبت البقل)
(وَإِذ هُوَ لَا يستب خصمان عِنْده ... وَلَا الصَّوْت مَرْفُوع بجد وَلَا هزل)
(فَإِن خبز إِسْمَاعِيل حل بِهِ الذى ... أصَاب كليبا لم يكن ذَاك عَن ذل)
(وَلَكِن قَضَاء لَيْسَ يسطاع رده ... بحيلة ذى مكر وَلَا فكر ذى عقل)
قَالَ الجاحظ وأبيات أَبى نواس على أَنه مولد شاطر اشعر من شعر مهلهل فى إطراق النَّاس فى مجْلِس كُلَيْب
قَالَ مؤلف الْكتاب وَمن أَلْفَاظ الْأَمِير أَبى الْفضل عبيد الله بن أَحْمد الميكالى أدام الله أَيَّامه الْجَارِيَة مجْرى الْأَمْثَال قَوْله لست منى بوائل وَلَو كنت كُلَيْب وَائِل
стр. 99
١٤٠ - (زيد الْخَلِيل) هُوَ زيد بن مهلهل الطائى قيل لَهُ زيد الْخَيل لطول طراده بهَا وقيادته لَهَا وَكَانَ جسيما وسيما يقبل الْمَرْأَة على الهودج ويخط رجله على الأَرْض إِذا ركب وَكَانَ شَاعِرًا ووفد على النَّبِي ﷺ فَسَماهُ زيد الْخَيْر وَقَالَ لَهُ (يَا زيد مَا وصف لي أحد فِي الْجَاهِلِيَّة فرأيته فِي الْإِسْلَام إِلَّا كَانَ دون الصّفة ليسك) \ ح \ يُرِيد غَيْرك وأقطعه أَرضًا وَكَانَت الْمَدِينَة وبيئة فَقَالَ لما خرج من عِنْده ﷺ (إِن ينج زيد من أم ملدم) \ ح \ فَلَمَّا بلغ بَلَده مَاتَ
١٤ - (ملاعب الأسنة) هُوَ عَامر بن الطُّفَيْل بن مَالك أحد فرسَان الْعَرَب الْمَذْكُورين قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فرسَان الْعَرَب ثَلَاثَة فَارس تَمِيم عتيبة بن الْحَارِث بن شهَاب وَكَانَ يُقَال لَهُ صياد الفوارس وسم الفوارس وَفَارِس ربيعَة بسطَام بن قيس بن مَسْعُود وَفَارِس قيس عَامر بن الطُّفَيْل ملاعب الأسنة فَأَما ملاعب الرماح فَأَبُو برَاء عَامر بن مَالك بن جَعْفَر وَكَانَ بعث إِلَى رَسُول الله ﷺ يسْأَله أَن يُوَجه إِلَيْهِم قوما يفقهونهم فِي الدّين فَبعث إِلَيْهِم قوما من أَصْحَابه فَعرض لَهُم عَامر بن الطُّفَيْل فَقَتلهُمْ يَوْم بِئْر مَعُونَة فَلم يفلت مِنْهُم إِلَّا رجل وَاحِد فَاغْتَمَّ أَبُو برَاء لذَلِك وقلق لإخفار عَامر بن الطُّفَيْل بِقَتْلِهِم ذمَّته وَبلغ بني عَامر موت عَامر بن الطُّفَيْل وَهُوَ منصرف من عِنْد رَسُول الله ﷺ وَأَرَادُوا النجعة فَجعلُوا يرتحلون فَقَالَ أَبُو برَاء مَا يصنع الْقَوْم فَقَالُوا يرتحلون لهَذَا الْأَمر الذى حدث قَالَ
стр. 100
أبغير إذني فَقَالَ بعض بني أَخِيه يَزْعمُونَ أَنه قد عرض لَك فِي عقلك شَيْء مُنْذُ ساءك أَمر هَذَا الرجل فَدَعَا لبيدا واستدعى قينتين لَهُ فَشرب وغنتاه فَقَالَ يَا لبيد ارأيت إِن حدث بعمك حدث مَا كنت قَائِلا فَإِن قَوْمك يَزْعمُونَ أَن عقلى قد ذهب وَالْمَوْت خير من عزوب الْعقل فَقَالَ لبيد
(قوما تنوحان مَعَ النواح)
(وأبنا ملاعب الرماح)
(ياعامرا يَا عَامر القداح)
(ومدره الكتيبة الرداح)
(لَو كَانَ حى مدرك الْفَلاح)
(أدْركهُ ملاعب الرماح) فَلَمَّا أثقله الشَّرَاب اتكأ على سَيْفه حَتَّى فاضت نَفسه وَهُوَ يَقُول لَا خير فِي الْعَيْش وَقد عصتنى بَنو عَامر
١٤ - (سحبان وَائِل) رجل من باهلة خطيب بليغ يضْرب بِهِ الْمثل فِي الخطابة والبلاغة وَهُوَ الْقَائِل
(لقد علم الحى اليمانون أننى ... إِذا قلت أما بعد أَنى خطيبها)
وَقَالَ حميد الأرقط وَهُوَ يهجو ضيفا لَهُ وَيضْرب الْمثل فِي الْبَيَان بسحبان وفى العى بباقل
(أَتَانَا وَمَا داناه سحبان وَائِل ... بَيَانا وعلما بالذى هُوَ قَائِل)
стр. 101
(فَمَا زَالَ مِنْهُ اللقم حَتَّى كَأَنَّهُ ... من العى لما أَن تكلم بَاقِل)
وَقَالَ بعض الْمُحدثين
(وعاشق تَحت رواق الدجى ... أغرى بِهِ الْحيرَة فقدان)
(أعرب عَن مَكْنُون أسراره ... أحوى لطيف الكشح خمصان) (كَأَنَّمَا يسحب فِي إثره ... ذيلا من الْحِكْمَة سحبان)
١٤٣ - (أزواد الركب) هُوَ ثَلَاثَة نفر من قُرَيْش مُسَافر بن أَبى عَمْرو ابْن أُميَّة وَزَمعَة بن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصى وَأَبُو أُميَّة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم سموا بذلك لِأَنَّهُ لم يكن يتزود مَعَهم أحد فِي سفر وَكَانُوا يطْعمُون كل من يصحبهم ويكفونه الزَّاد وَكَانَ ذَلِك خلقا من أَخْلَاق أَشْرَاف قُرَيْش وَلَكِن لم يسم بِهَذَا الأسم إِلَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة
١٤٤ - (عُرْوَة الصعاليك) هُوَ عُرْوَة بن الْورْد الذى يَقُول
(وَمن يَك مثلى ذَا عِيَال ومقترا ... من المَال يطْرَح نَفسه كل مطرح)
(ليبلغ عذرا أَو يُصِيب رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح)
قَالَ الْمبرد إِنَّمَا سمى عُرْوَة الصعاليك لإنه كَانَ إِذا شكا إِلَيْهِ فَتى من فتيَان قومه الْفقر أعطَاهُ فرسا ورمحا وَقَالَ لَهُ إِن لم تستغن بهما فَلَا أَغْنَاك الله
١٤٥ - (أَبُو عُرْوَة السبَاع) يضْرب بِهِ الْمثل فِي جهارة الصَّوْت وشدته قَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَ أَبُو عُرْوَة يَصِيح بالسبع وَقد احْتمل الشَّاة فيخليها وَيسْقط فَيَمُوت فَيشق بَطْنه فيوجد فُؤَاده قد انخلع قَالَ الشَّاعِر
стр. 102
(زجر أَبى عُرْوَة السبَاع إِذا ... اشفق أَن يلتبسن بالغنم)
١٤٦ - (سعد الْعَشِيرَة) إِنَّمَا قيل لَهُ سعد الْعَشِيرَة لِأَنَّهُ كَانَ يركب فى عشرَة من أَوْلَاده الذُّكُور فَكَأَنَّهُ مِنْهُم فِي عشيرة فَصَارَ مثلا للرجل يستكثر بأبنائه وعشيرته ويتعزز بهم
١٤٧ - (سعد الْمَطَر) قَالَ الجاحظ إِنَّمَا قيل سعد الْمَطَر لِأَنَّهُ كَانَ يرى ملقى فِي الْمَطَر وَهُوَ الذى يَقُول فى ذَلِك
(دع المواعيد لَا تعرض لوجهتها ... إِن المواعيد مقرون بهَا الْمَطَر)
(إِن المواعيد والأعياد قد منيا ... مِنْهُ بأنكد مَا يمنى بِهِ الْبشر)
(أما الثِّيَاب فَلَا يغررك إِن غسلت ... صحو يَدُوم وَلَا شمس وَلَا قمر)
(وفى الشخوص لَهُ نوء وبارقة ... وَإِن يبيت فَذَاك الفالج الذّكر)
قَالَ والفالج الذّكر هُوَ الذى يهجم على الْجوف قَالَ وَلما دها الْمَطَر المحلول مولى آل سُلَيْمَان جلس على طَرِيق النَّاس وَقد رجعُوا من الاستمطار وَقد سقوا فهم ضاحكون مستبشرون فَأقبل على صَاحب لَهُ وَقَالَ لَيْسَ بى إِلَّا سرورهم بالإجابة وَإِنَّمَا مُطِرُوا لأنى غسلت ثيابى الْيَوْم وَلم أغسل ثيابى قطّ إِلَّا جَاءَ الْغَيْم والمطر فليخرجوا غَدا فَإِن سقوا فإنى ظَالِم
ولبعضهم فِي مَعْنَاهُ
(وَمَا خفت إنى غسلت ثيابى ... سوى أَن يومى يعود مطيرا)
١٤٨ - (دعيميص الرمل) هُوَ أهْدى أدلاء الْعَرَب للطرق يضْرب
стр. 103
بِهِ الْمثل فَيُقَال أهْدى من دعيميص الرمل وَيُقَال إِنَّه دخل وبار وهى بَلْدَة تزْعم الْعَرَب أَنَّهَا بَلْدَة الْجِنّ وَلم يدخلهَا إنسى غَيره فرمته الْجِنّ بالرمل حَتَّى عمى ثمَّ مَاتَ وَلما اشْتهر ذَلِك عَنهُ غلب عَلَيْهِ هَذَا الأسم
وَيُقَال هُوَ دعيميص هَذَا الْأَمر أى الْعَالم بِهِ قَالَ الشَّاعِر
(دعموص أَبْوَاب الْمُلُوك ... وراتق للخرق فَاتق)
١٤٩ - (سليك المقانب) هُوَ سليك بن السلكة وهى أمه وَكَانَت أمة سَوْدَاء وسليك ايضا أسود وَهُوَ أحد أغربة الْعَرَب وأعدى النَّاس لَا يشق غباره وأخباره فِي الْعَدو والغارة مَشْهُورَة مَعْرُوفَة وَكَانَ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي لَو كنت ضَعِيفا كنت عبدا وَلَو كنت امْرَأَة كنت أمة اللَّهُمَّ فَهِيَ مَا شِئْت اللَّهُمَّ إنى أعوذ بك من الخيبة وَأما الهيبة فَلَا هَيْبَة
وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بِهِ أَبُو تَمام فِي قَوْله
(مفازة صدر لَو تطرق لم يكن ... ليسلكها فَردا سليك المقانب) وَقَالَ
(يمشى رويدا فَأَما حِين يطلبنا ... فَلَا السليك يدانيه وَلَا رجل)
١٥٠ - (عراف الْيَمَامَة) أحد كهان الْعَرَب المعروفين مثل أخباريه جُهَيْنَة وكاهنية باهلة وَمثل شقّ وسطيح فَأَما عراف الْيَمَامَة فَهُوَ ريَاح بن
стр. 104
كحيلة وَفِيه يَقُول الشَّاعِر
(اقول لعراف الْيَمَامَة داونى ... فَإنَّك إِن ابرأتنى لطبيب)
١٥ - (شيخ مهو) يضْرب بِهِ الْمثل فِي الخسران فَيُقَال أخسر صَفْقَة من شيخ مهو ومهو حى من عبد الْقَيْس وَكَانَت إياد تسب بالفسو وَتعير بِهِ فَقَامَ رجل من إياد بسوق عكاظ وَمَعَهُ بردا حبرَة فَقَالَ من يشترى منى عَار الفسو بِهَذَيْنِ البردين فَقَامَ عبد الله بن بيدرة أحد مهو فَقَالَ هاتهما واشهدوا إنى اشْتريت عَار الفسو من إياد لعبد الْقَيْس بالبردين فَلَمَّا أَتَى رَحْله وَسُئِلَ عَن البردين قَالَ اشْتريت لكم بهما عَار الدَّهْر فَوَثَبت عبد الْقَيْس وَقَالَت
(إِن الفساة قبلنَا إياد ... وَنحن لَا نفسو وَلَا نكاد)
وتفرق النَّاس عَن عكاظ بابتياع عبد الْقَيْس عَار الفسو حَتَّى قَالَ الشَّاعِر
(يَا من رأى كصفقة ابْن بيدرة ... من صَفْقَة خاسرة مخسرة)
(الْمُشْتَرى الفسو ببردى حبرَة ... شلت يَمِين صافق مَا أخسره)
وَقَالَ ابْن دارة فِي وقْعَة مَسْعُود بن عَمْرو
стр. 105
(وإنى إِن ضربت جبال قيس ... وحالفت المزون على تَمِيم)
(لأخسر صَفْقَة من شيخ مهو ... وأجور فِي الْحُكُومَة من سدوم)
ثمَّ إِن هَذَا الْعَار زَالَ عَن إياد ولصق بِعَبْد الْقَيْس فهجوا بِهِ كثيرا
وَمر إِنْسَان بالجماز فَقَالَ يَا شيخ كَيفَ آخذ إِلَى عبد الْقَيْس قَالَ امْضِ قدما واشتم فَإِن كرهت الرَّائِحَة فثم
وَمن هَذَا أَخذ الحمدوني قَوْله فِي قينة ذَات صنان
(من كَانَ لَا يدرى لَهَا منزلا ... فَقل لَهُ يمشى ويستنشق)
١٥ - (حنيف الحناتم) هُوَ رجل من تيم اللات بن ثَعْلَبَة تضرب الْعَرَب بِهِ الْمثل فِي الإبالة وهى مصدر لأبل وَهُوَ الْبَصِير برعية الْإِبِل وَمَا يصلحها فَيُقَال آبل من حنيف الحناتم
وَمن كَلَامه الدَّال على إبالته قَوْله من قاظ الشّرف وتربع الْحزن وتشتى الصمان فقد أصَاب المرعى
١٥٣ - (وَافد البراجم) يضْرب بِهِ الْمثل فِي الشَّقَاء والجبن وَذَلِكَ أَن أسعد بن الْمُنْذر أَخا عَمْرو بن هِنْد انْصَرف ذَات لَيْلَة من مجْلِس صفائه وَهُوَ ثمل فَرمى رجلا من بنى دارم بِسَهْم فَقتله فَوَثَبَ عَلَيْهِ بَنو دارم فَقَتَلُوهُ فغزاهم عَمْرو بن هِنْد وَقتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة ثمَّ أقسم ليحرقن مِنْهُم مائَة فبذلك سمى محرقا وَأخذ تِسْعَة وَتِسْعين رجلا مِنْهُم فقذفهم فِي النَّار واراد ان يبر قسمه بِمن تكمل بِهِ الْعدة فَمر رجل يُقَال لَهُ عمار من بنى مَالك بن حَنْظَلَة فتشمم رَائِحَة اللَّحْم فَظن أَن الْملك قد اتخذ طَعَاما للأضياف فعرج إِلَيْهِ
стр. 106
فَأتى بِهِ فَقَالَ لَهُ من أَنْت فَقَالَ أَبيت اللَّعْن أَنا وَافد البراجم فَقَالَ عَمْرو إِن الشقى وَافد البراجم فَصَارَ مثلا للشقى يسْعَى بقدمه إِلَى مراق دَمه ثمَّ أَمر بِهِ فقذف فِي النَّار تَحِلَّة لقسمه قَالَ الطرماح فِي إحراق عَمْرو بني دارم
(ودارم قد قتلنَا مِنْهُم مائَة ... فِي جاحم النَّار إِذْ ينزون بالخدد)
(ينزون بالمشتوى مِنْهَا ويوقدها ... عَمْرو وَلَوْلَا شحوم الْقَوْم لم تقد)
وَقَالَ جرير يعير الفرزدق
(أَيْن اللَّذين بِنَار عَمْرو أحرقوا ... أم أَيْن أسعد فِيكُم المسترضع)
١٥٤ - (يسَار الكواعب) وَهُوَ عبد تعرض لبِنْت مَوْلَاهُ وراودها عَن نَفسهَا فنهته فعاودها فامتنعت عَلَيْهِ فَعَاد لعادته فَقَالَت إِن كَانَ لَا بُد فإنى مبخرتك ببخور فَإِن صبرت على حرارته صرت إِلَى مَا تُرِيدُ فعمدت إِلَى مجمر فأدخلته تَحْتَهُ واشتملت على سكين حَدِيد فجبت بِهِ مذا كيره فصاح فَقَالَت صبرا على مجامر الْكِرَام
ثمَّ لم يلبث أَن مَاتَ فَصَارَ مثلا لكل جَان على نَفسه ومتعرض لما يجل عَن قدره وَفِيه يَقُول الفرزدق لجرير
(وَهل أَنْت إِن مَاتَت أتانك رَاكب ... إِلَى آل بسطَام بن قيس بخاطب)
(وإنى لأخشى إِن خطبت إِلَيْهِم ... عَلَيْك الذى لَاقَى يسَار الكواعب)
١٥٥ - (طفيل العرائس) وَيُقَال لَهُ طفيل الأعراس أَيْضا وَهُوَ من غطفان وَيُقَال إِنَّه من موالى عُثْمَان بن عَفَّان رضى الله تَعَالَى عَنهُ وَكَانَ
стр. 107
يتتبع الأعراس فيأتيها من غير أَن يدعى إِلَيْهَا وَهُوَ أول من فعل ذَلِك وَإِلَيْهِ ينْسب الطفيليون وَكَانَ يَقُول وددت أَن الْكُوفَة بركَة مصهرجة فَلَا يخفى على من أعراسها شئ
وَسُئِلَ عَن أشرف الأعواد فَقَالَ عَصا مُوسَى ومنبر الرَّسُول ﷺ وخوان الْعرس وَفِيه يَقُول ذَاهِب فِي طَرِيقه
(وَكُنَّا بالمطالب قد شقينا ... ففزنا بالسعادة عَن طفيل)
وَفِيه يَقُول عملاق العثماني الذى كَانَ نزل بنيسابور وَهُوَ الْآن حى يرْزق
(تلبس عملاق بن غيلَان للشقا ... وللخرق والإخفاق أَثوَاب حارس)
(يطوف بنيسابور فِي كل سكَّة ... خَليفَة مَوْلَاهُ طفيل العرائس)
١٥٦ - (سعد القرقرة) مضحك النُّعْمَان يعد فِي المستأكلين والمتطفلين قيل لَهُ مَا رَأَيْنَاك إِلَّا وَأَنت تزيد شحما وتقطر دَمًا فَقَالَ لأنى آخذ وَلَا أعْطى وأخطئ وَلَا ألام فَأَنا طول الدَّهْر مسرور ضَاحِك
١٥٧ - (وضاح الْيمن) قَالَ الجاحظ ثَلَاثَة من العبيد قتلوا بِسَبَب الْعِشْق مِنْهُم يسَار الكواعب وَمِنْهُم عبد بنى الحسحاس وَمِنْهُم وضاح الْيمن فَأَما يسَار الكواعب فقد مرت قصَّته وَأما عبد بنى الحسحاس فَإِنَّهُ كَانَ شَاعِرًا يشبب ببنات موَالِيه وَيُصَرح بالفاحشة مَعَهُنَّ كَقَوْلِه
(وَأشْهد بالرحمن أَنى تركتهَا ... وَعشْرين مِنْهَا إصبعا من ورائيا)
وَلما عرض على السَّيْف ضحك مِنْهُ بَعضهنَّ فَقَالَ
(فَإِن تضحكى منى فيارب لَيْلَة ... تركتك فِيهَا كالقباء المفرج)
стр. 108
وَأما وضاح الْيمن فَإِنَّهُ كَانَ شَاعِرًا من أجمل النَّاس وأظرفهم وأخفهم شعرًا وَهُوَ الْقَائِل
(ضحك النَّاس وَقَالُوا ... شعر وضاح الْيَمَانِيّ)
(إِنَّمَا شعرى قند ... خلطت بالجلجلان)
وَعَن الْهَيْثَم بن عدى قَالَ سَمِعت صَالح بن حسان يَقُول أفقه النَّاس وضاح الْيمن فِي قَوْله
(إِذا قلت هاتى نولينى تبسمت ... وَقَالَت معَاذ الله من فعل مَا حرم)
(فَمَا نولت حَتَّى تضرعت عِنْدهَا ... وأنبأتها مَا رخص االله فِي اللمم)
ويحكى أَن أم الْبَنِينَ بنت عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان كَانَت تصادقه وتستخصه وَكَانَت عِنْد الْوَلِيد بن عبد الْملك وَكَانَت قد جعلت للوضاح هَذَا صندوقا تَجْعَلهُ فِيهِ فَإِذا وجدت من الرقباء فرْصَة وغفلة أخرجته وخلت بِهِ فَحمل إِلَى الْوَلِيد جَوْهَر نَفِيس فَأمر خَادِمًا لَهُ يحملهُ إِلَى أم الْبَنِينَ فَدخل الْخَادِم إِلَيْهَا فَوَجَدَهَا قد خلت بوضاح فَلَمَّا أحست بالخادم جعلته فِي الصندوق وَلم تعلم أَن الْخَادِم قد بصر بِهِ فَسَأَلَهَا الْخَادِم أَن تهب لَهُ جَوْهَرَة مِنْهُ فزجرته وَأنْكرت عَلَيْهِ تهكمه فَخرج الْخَادِم وَأخْبر الْوَلِيد فَدخل عَلَيْهَا وَقعد على بعض الصناديق وَقَالَ لَهَا يَا ابْنة عمى هبى لى صندوقا من صناديقك هَذِه قَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هى بأسرها لَك قَالَ لَا بل أُرِيد وَاحِدًا مِنْهَا قَالَت خُذ مِنْهَا مَا شِئْت وَكَانَ الْخَادِم وصف لَهُ الصندوق الذى فِيهِ وضاح وأعلمه بمكانه فَأَخذه فَأمر بِحمْلِهِ واحتفار مَوضِع يبلغ المَاء بِهِ وأدلى الصندوق بِمَا فِيهِ إِلَيْهِ وهما ينْظرَانِ فَلم ير وَاحِد من الْوَلِيد وَأم الْبَنِينَ أثر ذَلِك فِي وَجه صَاحبه وَلَا أجريا حَدِيثه إِلَى أَن فرق بَينهمَا الْمَوْت
стр. 109
١٥٨ - (مَجْنُون بنى عَامر) هُوَ قيس بن الملوح صَاحب ليلى يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْحبّ وَهُوَ أشهر من أَن يذكر وشعره أَسِير من أَن يُنَبه عَلَيْهِ وَمن أحسن مَا يرْوى لَهُ قَوْله
(وأدنيتتي حَتَّى إِذا مَا سبيتنى ... بقول يحل العصم سهل الأباطح)
(تجافيت عَنى حِين مَا لى حِيلَة ... وغادرت مَا غادرت بَين الجوانح)
وَقَوله (وداع دَعَا إِذْ نَحن بالخيف من منى ... فهيج أحزان الْفُؤَاد وَمَا يدرى)
(دَعَا باسم ليلى غَيرهَا فَكَأَنَّمَا ... أطار بليلى طائرا كَانَ فِي صدرى) ويروى لليلى
(لم يكن الْمَجْنُون فِي حَالَة ... إِلَّا وَقد كنت كَمَا كَانَا)
(لكنه باح بسر الْهوى ... وأننى قد ذبت كتمانا)
١٥٩ - (شيخ المضيرة) كَانَ أَبُو هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ على فَضله وأختصاصه بالنبى ﷺ مزاحا أكولا وَكَانَ مَرْوَان بن الحكم يستخلفه على الْمَدِينَة فيركب حمارا قد شدّ عَلَيْهِ برذعة فَيلقى الرجل فَيَقُول الطَّرِيق الطَّرِيق قد جَاءَ الْأَمِير
وَعَن أَبى رَافع قَالَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ رُبمَا دعانى إِلَى عشائه فَيَقُول دع الْعرَاق للأمير فانتظرنا فَإِذا هُوَ ثريد بِزَيْت وَكَانَ يدعى الطِّبّ فَيَقُول أكل التَّمْر أَمَان من القولنج وَشرب الْعَسَل على الرِّيق أَمَان من الفالج وَأكل السفرجل يحسن الْوَلَد وَأكل الرُّمَّان يصلح الكبد
стр. 110
وَالزَّبِيب يشد العصب وَيذْهب الوصب وَالنّصب والكرفس يقوى الْمعدة ويطيب النكهة والعدس يرق الْقلب ويذرف الدمعة والقرع يزِيد فِي اللب ويرق الْبشرَة وَأطيب اللَّحْم الْكَتف وحواشى فقار الْعُنُق وَالظّهْر وَكَانَ يديم أكل الهريسة والفالوذج وَيَقُول هما مَادَّة الْوَلَد وَكَانَ يُعجبهُ المضيرة جدا فيأكل مَعَ مُعَاوِيَة فَإِذا حضرت الصَّلَاة صلى خلف على رضى الله عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ فِي ذَلِك قَالَ مضيرة مُعَاوِيَة أدسم وَأطيب وَالصَّلَاة خلف على أفضل
وَكَانَ يُقَال لَهُ شيخ المضيرة وَقيل فِيهِ
(وَتَوَلَّى أَبُو هُرَيْرَة عَن نصر ... على ليستفيد الثريدا)
(ولعمرى إِن الثَّرِيد كثير ... للذى لَيْسَ يسْتَحق الهبيدا)
١٦٠ - (أَمِين الْأمة) هُوَ أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَكَانَ من عُظَمَاء أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَكَانَ ﵇ يَقُول
(لكل أمة أَمِين وَأمين هَذِه الْأمة ابو عُبَيْدَة بن الْجراح) \ ح \ وروى أَنه أَتَى بِطَعَام فَقَالَ يسْتَحبّ أَن يبْدَأ رجل صَالح فابدأ يَا أَبَا عُبَيْدَة
١٦ - (حوارى النبى) هُوَ الزبير بن الْعَوام لِأَن النبى ﷺ كَانَ يَقُول (لكل نبى حوارى وحوارى الزبير) \ ح \ وَكَانَ أحد الْعشْرَة الَّذين بشروا بِالْجنَّةِ وَأحد أَصْحَاب الشورى
وَلما قتل أَتَى إِلَى على بِسَيْفِهِ فَنظر إِلَيْهِ وَقَالَ هَذَا هُوَ السَّيْف الذى
следующие страницы →