ألبان البقر
وفي السنن من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِأَلْبَانِ الْبَقَرِ، فَإِنَّهَا تَرُمُّ مِنْ كُلِّ الشَّجَرِ، وَهُوَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» (١).
واللبن هنا هو الحليب الذي يستخرج بالحلب من ضروع الأبقار، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]. ومن هذا الحليب يستخرج اللبن المخيض والزبد والسمن وغيرها، وقد بين ﷺ سبب الانتفاع بهذه الأنواع، وهو أن هذه الأبقار تأكل المراعي الطيبة من جميع الأشجار والأعشاب، وعليه فلا تتحقق هذه المنافع في حال كونها لا ترعى هذه الأشجار.
стр. 142
الماء
روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إنَّمَا الْحُمَّى- أَوْ شِدَّةُ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ» (١).
«الماء: مادة الحياة وسيّد الشراب، وأحد أركان العالم، بل ركنُه الأصلي، فإن السّموات خلقت من بخاره، والأرض من زبده، وقد جعل اللَّه تعالى منه كُلَّ شيء حي.
وهو بارد رطب، يقمع الحرارة، و يحفظ على البدن رطوباته، ويرد عليه بدلَ ما تحلَّل منه و يُرقِّق الغذاء ويُنفذه فى العروق.
وتعبر جودة الماء من عشرة طرق:
أحدها: من لونه بأن يكون صافيًا.
الثاني: من رائحته بأن لا تكون له رائحه البتة.
стр. 143
الثالث: من طعمه بأن يكون عذب الطعم حلوه كماء النيل والفرات.
الرابع: من وزنه بأن يكون خفيفًا رقيق القوام.
الخامس: من مجراه بأن يكون طيب المجرى و المسلك.
السادس: من منبعه بأن يكون بعيد المنبع.
السابع: من بروزه للشمس و الريح بأن لا يكون مختفيًا تحت الارض فلا تتمكن الشمس و الريح من قصارته.
الثامن: من حركته بأن يكون سريع الجري و الحركة.
التاسع: من كثرته بأن يكون له كثرة تدفع الفضلاتِ المخالطة له.
العاشر: من مصبه بأن يكون آخذًا من الشمال إلى الجنوب أو من المغرب إلى المشرق.
و اذا اعتبرت هذه الأوصاف لم تجدها بكمالها إلا في الأنهار الأربعة: النيل، والفرات، وسيحون، وجيحون.
وفي صحيح مسلم: من حديث أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «سَيْحَانُ، وَجَيْحَانُ، وَالْفُرَاتُ، وَالنِّيلُ، كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» (١).
стр. 144
وتعتبر خفه الماء من عدة أوجه:
أحدها: سرعة قبوله للحر و البرد. قال ابقراط: الماء الذي يسخُن سريعًا، ويبرُد سريعًا أخف الماء. الثاني: بالميزان (١).
стр. 145
السَّنَا
فقد روى ابن ماجه في سننه من حديث أَبي أُبي ابن أم حرام ﵁ - وكان قد صلى مع رسول اللَّه ﷺ القبلتين، يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «عَلَيْكُمْ بِالسَّنَى وَالسَّنُّوتِ، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلَّا السَّامَ»، قيل: يا رسول اللَّهِ! وَمَا السَّامُ؟ قال: «المَوْتُ» (١).
قال ابن القيم ﵀: «السنا نبت حجازي أفضله المكي، وهو دواء شريف مأمون الغائلة، قريب من الاعتدال، حار يابس في الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء، ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة فيه، وخاصيته النفع من الوسواس السوداوي، ومن الشقاق العارض في البدن، ومن القمل والصداع العتيق، والجرب، والبثور، والحكة، والصرع ...
وأما السنوت (٢) ففيه ثمانية أقوال ... الثامن: أنه العسل
стр. 146
الذي يكون في زقاق السمن، حكاه عبداللطيف البغدادي. قال بعض الأطباء: وهذا أجدر بالمعنى وأقرب إلى الصواب، أي يخلط السناء مدقوقًا بالعسل المخالط للسمن، ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله مفردًا لما في العسل والسمن من إصلاح السنا وإعانته له على الإسهال. أهـ (١)
وفي الطب الحديث تعتمد شركات الأدوية على السنا وتنتج كثيرًا من مستحضراته، وقد ذكروا له فوائد طبية كثيرة (٢).
стр. 147
الكمأة
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سعيد ابن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» (١).
قال ابن القيم ﵀: «والكمأة تكون في الأرض من غير أن تزرع ... وهي مما يوجد في الربيع، ويؤكل نيئًا ومطبوخًا، وتسميها العرب «نبات الرعد»؛ لأنها تكثر بكثرته، وتنفطر عنها الأرض، وهي من أطعمه أهل البوادي، وتكثر بأرض العرب. وأجودها ما كانت أرضها رملية قليلة الماء ...
ثم قال ﵀: وقوله ﷺ في الكمأة: «وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ماءها يُخلط في الأدوية التي يعالج بها العين، لا أنه يستعمل وحده، ذكره أبو عبيد.
الثاني: أنه يُستعمل بحتًا بعد شيِّها واستقطار مائها؛ لأن
стр. 148
النار تلطفه وتُنضجه، وتذيب فضلاته ورطوبته المُؤذية، وتبقي المنافع.
الثالث: أن المراد بمائها الماء الذي يحدث به من المطر، وهو أول قطر ينزل إلى الأرض، فتكون الإضافة إضافة اقترانٍ، لا إضافة جزء. ذكره ابن الجوزي، وهو أبعد الوجوه وأضعفها.
وقيل: إن استعمل ماؤها لتبريد ما في العين، فماؤها مجردًا شفاء. وإن كان لغير ذلك فمركبٌ مع غيره (١).
وقال الغافقي: ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عُجن به الإثمد واكتحل به، ويقوِّي أجفانها، ويزيد الروح الباصرة قوة وحِدَّة، ويدفع عنها نزول النوازل» (٢).
стр. 149
الملح
روى الطبراني في المعجم الصغير من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَعَنَ اللّهُ الْعَقْرَبَ لَا تَدَعُ مُصَلِّيًا، وَلَا غَيْرَهُ»، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ وَمِلْحٍ وَجَعَلَ يَمْسَحُ عَلَيْهَا وَيَقْرَأُ بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ (١).
قال ابن القيم ﵀: «فإن في الملح نفعًا لكثير من السموم، ولا سيما لدغة العقرب، قال صاحب «القانون»: يضمد به مع بذر الكتان للسع العقرب، وذكره غيره أيضًا.
وفي الملح من القوة الجاذبة المحللة ما يجذب السموم ويحللها، ولما كان في لسعها قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب وإخراج جمع بين الماء والمبرد لنار اللسعة، والملح الذي فيه جذب وإخراج، وهذا أتم ما يكون من العلاج وأيسره وأسهله، وفيه تنبيه على أن علاج هذا الداء بالتبريد والجذب والإخراج .. واللَّه أعلم» (٢).
стр. 150
الكباث
روى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ نجني الكباث، وإن رسول اللَّه ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ»، قَالُوا: أَكُنْتَ تَرْعَى الغَنَمَ؟ قَالَ: «وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا» (١).
قال ابن القيم ﵀: «الكباث بفتح الكاف والباء الموحدة المخففة والثاء المثلثة، ثمر الأراك وهو بأرض الحجاز، وطبعه حار يابس، ومنافعه كمنافع الأراك: يقوي المعدة ويجيد الهضم ويجلو البلغم، وينفع من أوجاع الظهر وكثير من الأدواء، وقال ابن جلجل: إذا شرب طبيخه أدر البول ونقى المثانة» (٢).
стр. 151
الصبر
روى مسلم في صحيحه من حديث نبيه بن وهب قال: خرجنا مع أبان بن عثمان حتى إذا كنا بملل اشتكى عمر بن عبيد اللَّه عينيه، فلما كنا بالروحاء اشتد وجعه، فأرسل إلى أبان ابن عثمان يسأله، فأرسل إليه أن اضمدهما بالصبر، فإن عثمان حدث عن رسول اللَّه ﷺ في الرجل إذا اشتكى وهو محرم: ضَمَّدهما بالصبر (١).
«الصبر كثير المنافع، ولا سيما الهندي منه، ينقي الفضول الصفراوية التي في الدماغ وأعصاب البصر، وإذا طلي على الجبهة والصدغ بدهن الورد نفع من الصداع، وينفع من قروح الأنف والفم، ويسهل السوداء والماليخوليا. والصبر الفارسي يذكي العقل، ويمدُّ الفؤاد، وينقي الفضول الصفراوية والبلغمية من المعدة إذا شرب منه ملعقتان بماء، ويرد الشهوة الباطلة والفاسدة، وإذا شرب في البرد خيف أن يسهل دمًا» (٢).
стр. 152
اللَّدُّ
روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: لددنا النبي ﷺ في مرضه فقال: «لَا تُلِدُّونِي»، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ، غَيْرَ العَبَّاسِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ» (١).
«قال أبو عبيد: عن الأصمعي: اللدود ما يسقى به الإنسان في أحد شقي الفم، أخذ من لديدي الوادي وهما جانباه، وأما الوجور فهو في وسط الفم» (٢).
قال ابن القيم ﵀: «واللدود بالفتح: هو الدواء الذي يُلد به» (٣).
стр. 153
السَّعُوطُ
قال ابن القيم ﵀: «وقد مدح النبي ﷺ التداوي بالسَّعوط فيما يُحتاج إليه فيه روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، واسْتَعَطَ (١).
والسعوط ما يصب في الأنف، وقد يكون بأدوية مفردة ومركبة تدق وتنخل وتُعجن وتجفف، ثم تحلُّ عند الحاجة، ويُسعط بها في أنف الإنسان وهو مستلق على ظهره، وبين كتفيه ما يرفعهما لينخفض رأسه فيتمكن السعوط من الوصول إلى دماغه، ويستخرج ما فيه من الداء بالعطاس» (٢).
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر ﵁ قال: دخل رسول اللَّه ﷺ على أم سلمة - قال ابن أبي غنية: دخل على عائشة - بصبي يسيل منخراه دمًا - قال أبو معاوية في حديثه: وعندها صبي يثعب منخراه دمًا - قال: فقال: «مَا لِهَذَا؟» قال: فقالوا: به العذرة، قال: فقال: «عَلَامَ تُعَذِّبْنَ
стр. 154
أَوْلَادَكُنَّ، إِنَّمَا يَكْفِي إِحْداكُنَّ أَنْ تَأْخُذَ قِسْطًا هِنْدِيًّا فَتَحُكَّهُ بِمَاءٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تُوْجِرَهُ إِيَّاهُ - قال ابن أبي غنية: ثُمَّ تُسْعِطَهُ إِيَاهُ»، قال: ففعلوا، فبرأ (١).
قال ابن القيم ﵀: «والقسط البحري المذكور في الحديث هو العود الهندي، وهو الأبيض منه، وهو حلو وفيه منافع عديدة، وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللَّهاة، وبالعلاق - وهو شيء يعلقونه على الصبيان - فنهاهم ﷺ عن ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم» (٢).
стр. 155
الحناء
روى ابن ماجه في سننه من حديث علي بن عبيد اللَّه عن جدته ﵂ وكانت تخدم النبي ﷺ قالت: ما كان يكون برسول اللَّه ﷺ قرحة ولا نكبة إلا أمرني رسول اللَّه ﷺ أن أضع عليها الحناء (١).
قال المباركفوري ﵀: «والقرحة بفتح القاف ويضم جراحة من سيف وسكين ونحوه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. وقد قرئ فيه بالوجهين والأكثر على الفتح. «ولا نكبة» بفتح النون جراحه من حجر أو شوك «أن أضع عليه الحناء» لأنه ببرودته يخفف حرارة الجراحة وألم الدم» (٢).
«والحناء بارد في الأولى، يابس في الثانية، وقوة شجر الحناء وأغصانها مركبة من قوة محللة اكتسبتها من جوهر فيها مائي حار باعتدال، ومن قوة قابضة اكتسبتها من جوهر فيها أرضي بارد.
стр. 156
ومن منافعه: أنه محلل نافع من حرق النار، وفيه قوة موافقة للعصب إذا ضمد به، وينفع إذا مُضغ من قروح الفم والسُّلاق (١) العارض فيه، ويبرئ القُلاع (٢) الحادث في أفواه الصبيان، والضماد به ينفع من الأورام الحارة الملهبة، ويفعل في الجراحات فعل دم الأخوين (٣)، وإذا خُلط نوره مع الشمع المصفى ودهن الورد ينفع من أوجاع الجنب.
ومن خواصه: أنه إذا بدأ الجُدري يخرج بصبي، فخُضبت أسافل رجليه بحناء، فإنه يؤمن على عينيه أن يخرج فيها شيء منه. وهذا صحيح مجرب لا شك فيه، وإذا جُعل نوره بين طي ثياب الصُّوف طيبها ومنع السوس عنها، وإذا نُقِع ورقه في ماء عذب يغمره، ثم عُصر وشُرب من صفوه أربعين يومًا كل يوم - عشرون درهمًا - مع عشرة دراهم سكر، ويُغذى عليه بلحم الضأن الصغير، فإنه ينفع من ابتداء الجذام بخاصية فيه عجيبة.
وحكي أن رجلاً تعقفت أظافير أصابع يديه، وأنه بذل لمن يبرئه مالاً فلم يجد، فوصفت له امرأةٌ أن يشرب عشرة
стр. 157
أيام حناء، فلم يُقدم عليه، ثم نقعه بماءٍ وشربه، فبرأ، ورجعت أظافيره إلى حسنها.
والحناء إذا ألزمت به الأظفار معجونًا حسنها ونفعها، وإذا عُجن بالسمن وضُمد به بقايا الأورام الحارة التي ترشح ماء أصفر نفعها، ونفع من الجرب المتقرح المزمن منفعة بليغة، وهو يُنبت الشعر ويقويه ويحسنه، ويقوي الرأس، وينفع من النفاطات (١) والبثور العارضة في الساقين والرجلين وسائر البدن» (٢).
стр. 158
ألية الكبش العربي لمن به عرق النساء
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَاَنَ يَصِفُ مِنْ عِرْقِ النَّسَا: أَلْيَةَ كَبْشٍ عَرَبِيٍّ أَسْوَدَ، لَيْسَ بِالْعَظِيمِ وَلَا بِالصَّغِيرِ، يُجَزَّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَيُذَابُ فَيُشْرَبُ كُلَّ يَوْمٍ جُزْءًا» (١).
قال ابن القيم ﵀: «عرق النساء: وجع يبتدئ من مفصل الورك، وينزل من خلف على الفخذ وربما امتد على الكعب، وكلما طالت مدته زاد نزوله، وتهزل معه الرجل والفخذ ...
وهذا العرق ممتد من مفصل الورك، وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب من الجانب الوحشي فيما بين عظم الساق والوتر.
وقد تقدم أن كلام الرسول ﷺ نوعان:
أحدهما: عام بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال.
والثاني: خاص بحسب هذه الأمور أو بعضها، وهذا
стр. 159
من هذا القسم، فإن هذا خطاب للعرب وأهل الحجاز ومن جاورهم، ولا سيما أعراب البوادي، فإن هذا العلاج من أنفع العلاج لهم، فإن هذا المرض يحدث من يُبس، وقد يحدث من مادة غليظة لزجة؛ فعلاجها بالإسهال، والألية فيها الخاصيتان: الإنضاج والتليين؛ ففيها الإنضاج والإخراج. وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين، وفي تعيين الشاة الأعرابية لقلة فضولها، وصغر مقدارها، ولطف جوهرها، وخاصية مرعاها؛ لأنها ترعى أعشاب البر الحارة كالشيح والقيصوم ونحوهما، وهذه النباتات إذا تغذى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها بعد أن يلطفها تغذيه بها ويُكسبها مزاجًا ألطف منها، ولا سيما الألية، وظهور فعل هذه النباتات في اللبن أقوى منه في اللحم، ولكن الخاصية التي في الألية من الإنضاج والتليين لا توجد في اللبن.
وهذا كما تقدم أن أدوية غالب الأمم والبوادي بالأدوية المفردة، وعليه أطباء الهند، وأما الروم واليونان فيعتنون بالمركبة، وهم متفقون كلهم على أن من سعادة الطبيب أن يداوي بالغذاء، فإن عجز فبالمفرد، فإن عجز فبما كان أقل تركيبًا.
وقد تقدم أن غالب عادات العرب وأهل البوادي الأمراض
стр. 160
البسيطة، فالأدوية البسيطة تناسبها، وهذا لبساطة أغذيتهم في الغالب، وأما الأمراض المركبة فغالبًا يحدث عن تركيب الأغذية وتنوعها واختلافها، فاختيرت لها الأدوية المركبة. واللَّه تعالى أعلم» (١).
стр. 161
العلاج بالرماد
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سهل بن سعد ﵁: أنه سُئل عن جرح رسول اللَّه ﷺ فقال: جرح وجه رسول اللَّه ﷺ ، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ تغسل الدم، وكان علي بن أبي طالب ﵁ يسكب عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادًا، ثم ألصقته بالجرح، فاستمسك الدم (١).
«قال ابن بطال: قد زعم أهل الطب أن الحصير كلها إذا أُحرقت تبطل زيادة الدم، بل الرماد كله كذلك، لأن الرماد من شأنه القبض، ولهذا ترجم الترمذي لهذا الحديث «التداوي بالرماد». وقال المهلب: فيه أن قطع الدم بالرماد كان معلومًا عندهم، لا سيما إن كان الحصير من ديس السعد (٢) فهي معلومة بالقبض وطيب الرائحة، فالقبض يسد أفواه الجرح، وطيب الرائحة يذهب بزهم الدم، وأما غسل الدم أولاً فينبغي
стр. 162
أن يكون إذا كان الجرح غير غائر، أما لو كان غائرًا فلا يؤمن معه ضرر الماء إذا صب فيه. وقال الموفق عبداللطيف: الرماد فيه تجفيف وقلة لذع، والمجفف إذا كان فيه قوة لذع ربما هيج الدم وجلب الورم. ووقع عند ابن ماجه من وجه آخر عن سهل بن سعد: أحرقت له - حين لم يرقأ - قطعة حصير خلق فوضعت رماده عليه» (١).
стр. 163
جناح الذباب
فإنه يُداوى به الداء الذي في جناحه الآخر حين يقع في الإناء.
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً» (١).
وقد سبق الكلام على هذا الحديث (٢).
стр. 164
الخاتمة
وفي ختام هذه الرسالة نلخص بعض فوائدها بعد إعادة التنويه على أن المقصود منها واضح في عنوانها حتى لايفهم أحد خلاف هذا ويلاحظ علينا القصور وعدم الاستيفاء، ومن أهم ماجاء فيها:
أولا: شمول الدين الإسلامي لجميع مناحي الحياة صغيرها وكبيرها وجلها ودقيقها، وعليه فإنه لايكاد أحد يطلب شيئًا من أمور الدين والدنيا إلا ويجده في نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة.
ثانيا: كثرة النصوص الواردة في الطب والتداوي وهذا يدل على أهمية هذا الجانب في حياة المسلم.
ثالثا: أن التداوي منه البسيط الذي يعرفه عموم الناس، ومنه مايحتاج إلى الطبيب الحاذق الذي يستطيع التشخيص الصحيح ليُفرق بين المتشابهات.
رابعا: أن للطب قواعد وأحكامًا، منها مراعاة اختلاف الأجسام، والأماكن ومقادير الأدوية، واختلافها بدقة تراكيبها.
стр. 165
خامسا: أن بعض النصوص الواردة في الطب جاءت بمثابة القواعد التي يندرج تحتها مسائل وفروع كثيرة فمثلًا: الاعتدال في الأمور جاء في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]، كما جاءت الموازنة في قوله ﷺ : «ثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» وغير ذلك مما اشتملت عليه النصوص الشرعية.
سادسا: أن التشخيص السليم هو أساس التداوي، وبناءً عليه يُعرف ما يُعطى المريض وما يُمنع منه نوعًا وكمًّا.
سابعا: أن التجارب الطبية لاحرج منها إذا أُمن الضرر.