← Общие книги

Общие книги · id 689

عناية الإسلام بصحة الإنسان

أمين الشقاوي

Полный текст (165 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الكبد والمعدة ومن بردهما، ومن حمى الدور والربع، وقطعا وجع الجنب، ونفعا من السموم، وإذا طلي به الوجه معجونًا بالماء والعسل قلع الكلف، وقال جالينوس: ينفع من الكُزاز، ووجع الجنبين، ويقتل حب القرع. وقد خفي على جهال الأطباء نفعه من وجع ذات الجنب، فأنكروه، ولو ظفر هذا الجاهل بهذا النقل عن جالينوس لنزله منزلة النص، كيف وقد نص كثير من الأطباء المتقدمين على أن القسط يصلح للنوع البلغمي من ذات الجنب - ذكره الخطابي عن محمد بن الجهم. وقد تقدم أن طب الأطباء بالنسبة إلى طب الأنبياء أقل من نسبة الطُرقية والعجائز إلى طب الأطباء، وأن بين ما يُلَقَّى بالوحي وبين ما يُلقى بالتجربة والقياس من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق (١). ولو أن هؤلاء الجهال وجدوا دواء منصوصًا عن بعض اليهود والنصارى والمشركين من الأطباء لتلقوه بالقبول والتسليم، ولم يتوقفوا على تجربته. نعم نحن لا ننكر أن للعادة تأثيرًا في الانتفاع بالدواء وعدمه، فمن اعتاد دواء وغذاء كان أنفع له، وأوفق ممن لم يعتده، بل ربما لم ينتفع به من لم يعتده.

стр. 107

وكلام فضلاء الأطباء وإن كان مطلقًا، فهو بحسب الأمزجة والأزمنة والأماكن والعوائد، وإذا كان التقييد بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم، فكيف يقدح في كلام الصادق المصدوق، ولكن نفوس البشر مركبة على الجهل والظلم، إلا من أيده اللَّه بروح الإيمان، ونور بصيرته بنور الهدى» (١). قال ابن حجر ﵀: «وقد ذكر الأطباء من منافع القسط أنه يدر الطمث والبول، ويقتل ديدان الأمعاء ويدفع السم وحمى الربع والورد، ويسخن المعدة، ويحرك شهوة الجماع، ويذهب الكلف طلاء، فذكروا أكثر من سبعة، وأجاب بعض الشراح بأن السبعة علمت بالوحي، وما زاد عليها بالتجربة. فاقتصر على ما هو بالوحي لتحققه، وقيل: ذكر ما يحتاج إليه دون غيره؛ لأنه لم يبعث بتفاصيل ذلك. قلت: ويحتمل أن تكون السبعة أصول صفة التداوي بها؛ لأنها إما طلاء، أو شرب، أو تكميد، أو تنطيل، أو تبخير، أو سعوط، أو لدود، فالطلاء يدخل في المراهم ويحلى بالزيت ويلطخ، وكذا التكبيد، والشرب يسحق ويجعل في عسل أو ماء أو غيرهما، وكذا التنطيل والسعوط يسحق في زيت ويقطر في الأنف، وكذا الدهن والتبخير واضح، وتحت كل واحدة من السبعة منافع

стр. 108

لأدواء مختلفة، ولا يستغرب ذلك ممن أُوتي جوامع الكلم، وأما العذرة فهي بضم المهملة وسكون المعجمة، وجع في الحلق يعتري الصبيان غالبًا، وقيل: هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق أو في الخرم الذي بين الأنف والحلق. قيل: سميت بذلك لأنها تخرج غالبًا عند طلوع العذرة، وهي خمسة كواكب تحت الشعرى العبور، ويقال لها أيضًا العذارى، وطلوعها يقع وسط الحر، وقد استشكل معالجتها بالقسط مع كونه حارًّا، والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان وأمزجتهم حارة، ولا سيما وقطر الحجاز حار، وأُجيب بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط تخفيف للرطوبة، وقد يكون نفعه في هذا الدواء بالخاصية، وأيضًا فالأدوية الحارة قد تنفع في الأمراض الحارة بالعرض كثيرًا، بل وبالذات أيضًا، وقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللَّهاة القسط مع الشب اليماني وغيره، على أننا لو لم نجد شيئًا من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجًا عن القواعد الطبية» (١).

стр. 109

الحبة السوداء روى الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ» والسَّامُ الْمَوْتُ (١). قال الخطابي: قوله: «مِنْ كُلِّ دَاء»، هو من العام الذي يراد به الخاص؛ لأنه ليس في طبع شيء من النبات ما يجمع جميع الأمور التي تقابل الطبائع في معالجة الأدواء بمقابلها، وإنما المراد أنها شفاء من كل داء يحدث من الرطوبة، وقال أبو بكر بن العربي: العسل عند الأطباء أقرب إلى أن يكون دواء من كل داء من الحبة السوداء، ومع ذلك فإن من الأمراض ما لو شرب صاحبه العسل لتأذى به، فإن كان المراد بقوله في العسل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ الأكثر الأغلب، فحمل الحبة السوداء على ذلك أولى. وقال غيره: كان النبي ﷺ يصف الدواء بحسب ما يشاهده من حال المريض، فلعل قوله في الحبة السوداء وافق مرض من

стр. 110

مزاجه بارد، فيكون معنى قوله: شفاء من كل داء، أي من هذا الجنس الذي وقع القول فيه، والتخصيص بالحيثية كثير شائع .. واللَّه أعلم. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: «تكلم الناس في هذا الحديث وخصوا عمومه وردوه إلى قول أهل الطب والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل ذلك لأنا إذا صدقنا أهل الطب - ومدار علمهم غالبًا إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب - فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم. أ. هـ وقد تقدم توجيه حمله على عمومه بأن يكون المراد بذلك ما هو أعم من الإفراد والتركيب، ولا محذور في ذلك ولا خروج عن ظاهر الحديث. واللَّه أعلم (١). أ. هـ «كما أن لبعض الأدوية شروطًا لاستعمالها يجب أن تتحقق بالنسبة للمريض، كسلامة كبده أو كلاه أو قلبه أو معدته، وقد يرد مانع من الاستمرار في استعمال دواء معين، كحدوث حساسية، أو حدوث اختلاط، أو عراقيل مرضية توجب ذلك المنع، فمريضان بذات المرض قد تتخذ في كل منهما خطة علاجية مختلفة عن الأخرى» (٢).

стр. 111

«والحبة السوداء: هي الشُّونيز في لغة الفرس، وهي الكمون الأسود، وتسمى الكمون الهندي، قال الحربي عن الحسن: إنها الخردل، وحكى الهروي: أنها الحبة الخضراء ثمرة البطم، وكلاهما وهم، والصواب: أنها الشُّونيز. وهي كثيرة المنافع جدًّا. وقوله: شفاء من كل داء، مثل قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]. أي: كل شيء يقبل التدمير ونظائره، وهي نافعة من جميع الأمراض الباردة، وتدخل في الأمراض الحارة اليابسة بالعَرَض، فتوصل قوى الأدوية الباردة الرطبة إليها بسرعة تنفيذها إذا أخذ يسيرها. وقد نص صاحب القانون وغيره على الزعفران في قرص الكافور لسرعة تنفيذه وإيصاله قوته، وله نظائر يعرفها حذاق الصناعة، ولا تستبعد منفعة الحار في أمراض حارة بالخاصية، فإنك تجد ذلك في أدوية كثيرة، منها: الانزروت وما يُركب معه من أدوية الرمد، كالسكر وغيره من المفردات الحارة، والرمد ورم حار باتفاق الأطباء، وكذلك نفع الكبريت الحار جدًّا من الجرب. والشونيز حار يابس في الثالثة، مذهب للنفخ، مخرج لحب القرع، نافع من البرص وحمى الربع (١): والبلغمية مفتح للسدد،

стр. 112

ومحلل للرياح، مجفف لبلَّة المعدة ورطوبتها، وإن دُق وعجن بالعسل، وشُرب بالماء الحار، أذاب الحصاة التي تكون في الكليتين والمثانة، ويُدر البول والحيض واللبن إذا أُديم شُربه أيامًا، وإن سخن بالخل، وطلي على البطن، قتل حب القرع، فإن عجن بماء الحنظل الرطب، أو المطبوخ، كان فعله في إخراج الدود أقوى، ويجلو ويقطع، ويحلل، ويشفي من الزكام البارد إذا دق وصُيِّر في خرقة، واشتم دائمًا، أذهبه. ودهنه نافع لداء الحية، ومن الثآليل والخيلان (١)، وإذا شُرب منه مثقال بماء، نفع من البهر وضيق النفس، والضماد به ينفع من الصداع البارد، وإذا نُقِعَ منه سبع حبات عددًا في لبن امرأة، وسُعِط به صاحب اليَرقَان، نفعه نفعًا بليغًا. وإذا طُبخ بخل، وتُمضمض به، نفع من وجع الأسنان عن برد، وإذا اُستعِطَ به مسحوقًا نفع من ابتداء الماء العارض في العين، وإن ضُمِّد به مع الخل، قلع البُثُور والجرب المتقرح، وحلل الأورام البلغمية المزمنة، والأورام الصلبة، وينفع من اللقوة إذا تُسعِّط بدهنه، وإذا شُرب منه مقدار نصف مثقال إلى مثقال، نفع من لسع الرُّتيلاء (٢)، وإن سحق ناعمًا وخُلط بدهن

стр. 113

الحبة الخضراء، وقُطِر منه في الأذن ثلاث قطرات، نفع من البرد العارض فيها والريح والسُّدد. وإن قُلي، ثم دق ناعمًا، ثم نُقع في زيت، وقطر في الأنف ثلاث قطرات أو أربع، نفع من الزكام العارض معه عطاس كثير. وإذا أُحرق وخُلِط بشمع مذاب بدهن السَّوسن، أو دُهن الحناء، وطُلي به القروح الخارجية من الساقين بعد غسلها بالخل، نفعها وأزال القروح. وإذا سُحق بخل، وطلي به البرص والبهق الأسود، والحزاز (١) الغليظ، نفعها وأبرأها. وإذا سُحق ناعمًا، واستف منه كل يوم درهمين بماء بارد من عضه كَلْبٌ كَلِبٌ قبل أن يفرغ من الماء، نفعه نفعًا بليغًا، وأمن على نفسه من الهلاك، وإذا استعط بدهنه، نفع من الفالج والكُزاز (٢)، وقطع موادهما، وإذا دخن به، طرد الهوام. وإذا أذيب الأنزروت بماء، ولُطخ على داخل الحلقة، ثم ذُرَّ عليها الشونيز، كان من الذرورات الجيدة العجيبة النفع من البواسير، ومنافعه أضعاف ما ذكرنا، والشربة منه درهمان، وزعم

стр. 114

قوم أن الإكثار منه قاتل» (١). تنبيه: ذكر بعض الأطباء أنه بعد تحليل الحبة السوداء وجد بها زيوت ومواد تقوي جهاز المناعة، فإذا ثبت ما ذكر كان ذلك تأييدًا لمن قال بعموم الحديث بالشفاء من كل داء، ويكون هذا جوابًا على الإشكالات المتقدم ذكرها. واللَّه أعلم

стр. 115

التلبينة روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلاَّ أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ، فَطُبِخَتْ ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ، فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تُذْهِبُ بَعْضَ الْحُزْنِ» (١). وروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أنها كانت تأمر بالتلبينة وتقول: هُوَ الْبَغِيضُ النَّافِعُ (٢). «والتلبين: هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن، ومنه اشتق اسمه، قال الهروي: سميت تلبينة لشبهها باللبن لبياضها ورقتها، وهذا الغذاء هو النافع للعليل، وهو الرقيق النضيج لا الغليظ النيِّئ، وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة، فاعرف فضل ماء الشعير، بل هي ماء الشعير لهم، فإنها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته، والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحًا،

стр. 116

والتلبينة تطبخ منه مطحونًا، وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن، وقد تقدم أن للعادات تأثيرًا في الانتفاع بالأدوية والأغذية، وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحونًا لا صحاحًا، وهو أكثر تغذية، وأقوى فعلاً، وأعظم جلاء، وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحًا ليكون أرق وألطف، فلا يثقل على طبيعة المريض، وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها، وثقل ماء الشعير المطحون عليها. والمقصود: أن ماء الشعير مطبوخًا صحاحًا ينفذ سريعًا، ويجلو جلاء ظاهرًا، ويغذي غذاءً لطيفًا، وإذا شرب حارًّا كان جلاؤه أقوى، ونفوذه أسرع، وإنماؤه للحرارة الغريزية أكثر، وتلميسه لسطوح المعدة أوفق. وقوله ﷺ فيها: «مجمة لفؤاد المريض» يروى بوجهين: بفتح الميم والجيم، وبضم الميم، وكسر الجيم، والأول أشهر، ومعناه: أنها مريحة له، أي تريحه وتسكنه من الإجمام، وهو الراحة. وقوله: «تذهب ببعض الحزن» هذا - واللَّه أعلم - لأن الغم والحزن يبردان المزاج، ويضعفان الحرارة الغريزية لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها، وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها، فتزيل أكثر ما عرض له من الغم والحزن. وقد يقال - وهو أقرب - إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية المفرحة، فإن من الأغذية ما يفرح

стр. 117

بالخاصية. واللَّه أعلم. وقد يقال: إن قُوى الحزين تضعف باستيلاء اليُبس على أعضائه، وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء، وهذا الحساء يرطبها، ويقويها، ويغذيها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكن المريض كثيرًا ما يجتمع في معدته خطل مراري، أو بلغمي، أو صديدي، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة ويسروه، ويَحْدرُه، ويُميعُه، ويُعدِّل كيفيته، ويكسر سَوْرَته، فيُريحها ولا سيما لمن عادتُه الاغتذاءُ بخبز الشعير، وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك، وكان هو غالب قوتهم، وكانت الحنطة عزيزة عندهم. واللَّه أعلم (١). أهـ

стр. 118

الحجامة روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةٍ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» (١). قوله ﷺ : «وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ» وردت في الحجامة أحاديث، من ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁: أنه سُئل عن كسب الحجام؟ فقال: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَكَلَّمَ أَهْلَهُ، فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وَقَالَ: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ - أَوْ هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ» (٢). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ : احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أُجْرَةً (٣). «وأما منافع الحجامة، فإنها تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدم

стр. 119

من نواحي الجلد. والتحقيق في أمرها وأمر الفصد، أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والأسنان والأمزجة، فالبلاد الحارة والأزمنة الحارة، والأمزجة الحارة التي دم أصحابها في غاية النضج، الحجامة فيها أنفع من الفصد بكثير، فإن الدم ينضج ويرق ويخرج إلى سطح الجسد الداخل، فتخرج الحجامة ما لا يخرجه الفصد؛ ولذلك كانت أنفع للصبيان من الفصد، ولمن لا يقوى على الفصد، وقد نص الفقهاء على أن البلاد الحارة الحجامة فيها أنفع وأفضل من الفصد، وتستحب في وسط الشهر وبعد وسطه، وبالجملة في الربع الثالث من أرباع الشهر؛ لأن الدم في أول الشهر لم يكن بعد قد هاج وتبيغ، وفي آخره يكون قد سكن، وأما في وسطه وبعيده فيكون في نهاية التزيد. وقوله ﷺ : «خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ» (١): إشارة إلى أهل الحجاز، والبلاد الحارة، لأن دماءهم رقيقة، وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد، واجتماعها في نواحي الجلد، ولأن مسام أبدانهم واسعة، وقواهم متخلخلة، ففي الفصد لهم خطر، والحجامة تفرق اتصالي إرادي يتبعه استفراغ كُلي من العروق، وخاصة العروق التي لا تُفصد

стр. 120

كثيرًا، ولفصد كل واحد منها نفع خاص، ففصد الباسليق (١): ينفع من حرارة الكبد والطحال والأورام الكائنة فيهما من الدم وينفع من أورام الرئة، وينفع من الشوصة (٢) وذات الجنب وجميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك. وفصد الأكحل (٣): ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويًّا، وكذلك إذا كان الدم قد فسد في جميع البدن. وفصد القيفال (٤): ينفع من العلل العارضة في الرأس والرقبة من كثرة الدم أو فساده. وفصد الودجين: ينفع من وجع الطحال، والربو، والبهر، ووجع الجبين. والحجامة على الكاهل (٥): تنفع من وجع المنكب والحلق. والحجامة على الأخدعين: تنفع من أمراض الرأس، وأجزائه، كالوجه، والأسنان، والأذنين، والعينين، والأنف، والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدم أو فساده، أو عنهما جميعًا. قال أنس ﵁: كان رسول اللَّه ﷺ يحتجم في

стр. 121

الأخدعين (١) والكاهل» (٢) (٣). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ قال: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ، وَكَانَ يَحْتَجِمُ فِي الأَخْدَعَيْنِ، وَبَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، وَكَانَ يَحْجُمُهُ عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ، وَكَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ مُدٌّ وَنِصْفٌ، فَشَفَعَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَهْلِهِ، فَجُعِلَ مُدًّا (٤). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: احْتَجَمَ النَّبِي ﷺ فِي رَأْسِه وَهُوَ مُحْرِمٌ، مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ، بِمَاءٍ يُقَالُ له: لَحْيُ جَمَلٍ (٥). وروى أبو داود في سننه من حديث جابر ﵁ أَنَّ النَّبِي ﷺ احْتَجَمَ عَلَى وركِهِ مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ (٦). وقد وردت أحاديث في تحديد الأوقات التي تستعمل فيها الحجامة:

стр. 122

ففي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، كَانَ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ (١). قال ابن حجر ﵀ في فتح الباري معلقًا على حديث: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ» (٢). «وورد في الأوقات اللائقة بالحجامة أحاديث ليس فيها شيء على شرطه - يعني البخاري- فكأنه أشار إلى أنها تصنع عند الاحتياج، ولا تقيد بوقت دون وقت؛ لأنه ذكر الاحتجام ليلاً، وذكر حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، وهو يقتضي كون ذلك وقع منه نهارًا، وعند الأطباء أن أنفع الحجامة ما يقع في الساعة الثانية أو الثالثة، وأن لا يقع عقب استفراغ عن جماع أو حمام أو غيرهما، ولا عقب شبع ولا جوع. ثم ذكر بعض الأحاديث الواردة في تحديد الأيام التي يستعمل فيها الحجامة، منها حديث ابن عمر ﵄ عند ابن ماجه رفعه أثناء حديثه، وفيه: « ... فاحْتَجِمُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَاجْتَنِبُوا الْحِجَامَةَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ وَالْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ وَيَوْمَ الأَحَدِ تَحَرِّيًا، وَاحْتَجِمُوا يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالثُّلاثَاءِ» (٣). أخرجه

стр. 123

من طريقين ضعيفين، وله طريق ثالثة ضعيفة أيضًا عند الدارقطني في «الأفراد»، وأخرجه بسند جيد عند ابن عمر موقوفًا، ونقل الخلال عن أحمد أنه كره الحجامة في الأيام المذكورة، وإن كان الحديث لم يثبت، وحكى أن رجلاً احتجم يوم الأربعاء فأصابه برص لكونه تهاون بالحديث. وأخرج أبو داود من حديث أبي بكرة ﵁ أنه كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء، ويزعم عن رسول اللَّه ﷺ : «أَنَّ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ يَوْمُ الدَّمِ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لا يَرْقَأُ» (١). ثم قال: ولكون هذه الأحاديث لم يصح منها شيء، قال حنبل بن إسحاق: كان أحمد يحتجم في أي وقت هاج به الدم، وأي ساعة كانت، وقد اتفق الأطباء على أن الحجامة في النصف الثاني من الشهر ثم في الربع الثالث من أرباعه أنفع من الحجامة في أوله وآخره. قال الموفق البغدادي: «وذلك أن الأخلاط في أول الشهر تهيج وفي آخره تسكن، فأولى ما يكون الاستفراغ في أثنائه» (٢). أ. هـ وقال ابن القيم ﵀: «واختيار هذه الأوقات للحجامة

стр. 124

فيما إذا كانت على سبيل الاحتياط، والتحرز من الأذى، وحفظًا للصحة، وأما في مداواة الأمراض فحيثما وجد الاحتياج إليها وجب استعمالها» (١).

стр. 125

الكي فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ (١). وعن جابر ﵁ قال: رمي سعد بن معاذ في أكحله - قال - فحسمه النبي ﷺ بيده بمشقص ثم ورمت، فحسمه الثانية (٢)، والحسم الكي. قال الخطابي: إنما كوى سعدًا ليرقأ الدم من جرحه، وخاف عليه أن ينزف فيهلك، والكي مستعمل في هذا الباب، كما يُكوى من تُقطع يده أو رجله. وأما النهي عن الكي، فهو أن يكتوي طلبًا للشفاء، وكانوا يعتقدون أنه متى لم يكتو هلك، فنهاهم عنه لأجل هذه النية. وقيل: إنما نهى عنه عمران بن حصين خاصة؛ لأنه كان به ناصور، وكان موضعه خطرًا، فنهاه عن كيه، فيُشبه أن يكون النهي

стр. 126

منصرفًا إلى الموضع المخوف منه. واللَّه أعلم. وقال ابن قتيبة: الكي جنسان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى؛ لأنه يريد أن يدفع القدر عن نفسه. والثاني: كي الجرح إذا نغل، والعضو إذا قطع، ففي هذا الشفاء. وأما إذا كان الكي للتداوي الذي يجوز أن ينجع، ويجوز أن لا ينجع، فإنه إلى الكراهة أقرب. انتهى. وثبت في الصحيحين في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم الذين «لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (١). فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع، أحدها: فعله؛ والثاني: عدم محبته له؛ والثالث: الثناء على من تركه؛ والرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينها بحمد اللَّه تعالى. فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفًا من حدوث الداء. واللَّه أعلم» (٢).

стр. 127

ماء زمزم روى ابن ماجه في سننه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (١). وقال ﷺ : «إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» (٢)، وفي رواية: «وَشِفَاءُ سُقْمٍ» (٣). قال ابن القيم ﵀: وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض، فبرئت بإذن اللَّه، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريبًا من نصف الشهر أو أكثر، ولا يجد جوعًا، ويطوف مع الناس كأحدهم، وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يومًا، وكان له قوة يجامع بها أهله، ويصوم ويطوف مرارًا (٤). وكان ابن عباس ﵄ إذا شرب ماء زمزم قال: اللَّهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء (٥).

стр. 128

زيت الزيتون قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وهذه الشجرة هي شجرة الزيتون التي أقسم اللَّه بها في كتابه فقال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾. وزيتها هو الذي ضرب اللَّه به المثل فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥]، ولهذه الشجرة المباركة من الفوائد ما لا يحصى كثرة. روى الترمذي في سننه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» (١).

стр. 129

قال ابن القيم ﵀: الزيت حار رطب في الأولى، وغلط من قال: يابس، والزيت بحسب زيتونه، فالمعتصر من النضيج أعدله وأجوده، ومن الفج فيه برودة ويبوسة، ومن الزيتون الأحمر متوسط بين الزيتين، ومن الأسود يسخن ويرطب باعتدال، وينفع من السموم، ويطلق البطن، ويخرج الدود، والعتيق منه أشد تسخيناً وتحليلًا، وما استخرج منه بالماء، فهو أقل حرارة، وألطف وأبلغ في النفع، وجميع أصنافه ملينة للبشرة، وتبطئ الشيب. وماء الزيتون المالح يمنع من تنفط حرق النار، ويشد اللثة، وورقه ينفع من الحمرة، والنملة، والقروح الوسخة، والشرى، ويمنع العرق، وينفع من الداحس (١).

стр. 130

أبوال الإبل وألبانها روى البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ قال: قَدمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا. فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعثَ فِي آثَارِهِمْ فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسُمِرَت أَعْيُنُهُمْ وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إِنَّ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا شِفَاءً لِلذَّرِبَةِ (٢) بُطُونُهُمْ» (٣). قال ابن القيم ﵀: قال صاحب القانون: «واعلم أن لبن النوق دواء نافع لما فيه من الجلاء برفق، ولما فيه من خاصية ... وأن هذا اللبن شديد المنفعة، فلو أن إنسانًا أقام عليه بدل الماء

стр. 131

والطعام شُفي به، وقد جُرب ذلك في قوم دفعوا إلى بلاد العرب فقادتهم الضرورة إلى ذلك، فعُوفوا» (١) (٢). واعلم أنه لا يتم الانتفاع بألبان الإبل وأبوالها إلا بأن تكون في البادية مطلقة غير مشبوكة ترعى من أشجارها وأعشابها، كالطلح، والسمر والشيح والقيصوم وغيرها. وقد تناقل الناس قصصًا عن الاستشفاء بألبان الإبل وأبوالها من أمراض خطيرة كالسرطان والسكري وغيرها.

стр. 132

الدواء بتمر عجوة المدينة للسحر وغيره روى البخاري ومسلم من حديث عامر بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ في ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» (١). وفي رواية «إلى الليل» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ (٣) شِفَاءً - أَوْ إِنَّهَا تِرْيَاقٌ أَوَّلَ الْبُكْرَةِ» (٤). قال ابن حجر ﵀: والترياق بكسر المثناة وقد تضم وقد تبدل المثناة دالًا أو طاء بالإهمال فيهما، وهو داء مركب معروف يعالج به المسموم، فأطلق على العجوة اسم الترياق تشبيها لها به، وأما الغاية في قوله: «إلى الليل» فمفهومه أن السر الذي في العجوة من دفع ضرر السحر والسم يرتفع إذا دخل الليل في حق من تناوله أول النهار، ويستفاد منه إطلاق

стр. 133

اليوم على ما بين طلوع الفجر أو الشمس إلى غروب الشمس، ولا يستلزم دخول الليل (١). ومنها تمر البرني، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث شهاب بن عباد ﵁ في قصة وفد عبدالقيس: أن النبي ﷺ أومأ إلى صبرة فقال: «أَتُسَمُّونَ هَذَا البَرْنِيَّ؟» قلنا: نعم، فقال رسول اللَّه ﷺ : «أَمَا إِنَّهُ خَيْرُ تَمْرِكُمْ وَأَنْفَعُهُ لَكُمْ»، قال: فرجعنا من وفادتنا تلك، فأكثرنا الغرز منه، وعظمت رغبتنا فيه حتى صار عظم نخلنا وتمرنا البرني (٢). وفي رواية أخرى: «إِنَّ أَرْضَكُمْ رُفِعَتْ لِي مُنْذُ قَعَدْتُمْ إِلَيَّ، فَنَظَرْتُ مِنْ أَدْنَاهَا إِلَى أَقْصَاهَا فَخَيْرُ تَمَرَاتِكُمُ الْبَرْنِيُّ، يُذْهِبُ الدَّاءَ، وَلَا دَاءَ فِيهِ» (٣). قال المناوي ﵀: «خير تمركم» وفي نسخة «تمراتكم البرني، يذهب الداء ولا داء فيه»، أي فهو خير من غيره من الأنواع، وإن كان التمر كله خيرًا. قال ابن الأثير: وهو ضرب من التمر أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد، وهو مما غرسه النبي ﷺ بيده الشريفة

стр. 134

بالمدينة. قال: وأنواع تمر المدينة كثيرة استقصيناها فبلغت مائة وبضعة وثلاثين نوعًا، وزاد: «وَلَا دَاءَ فِيهِ»؛ لأن الشيء قد يكون نافعًا من وجه، ضارًّا من آخر» (١). وقد قص اللَّه علينا قصة مريم ﵍، قال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٥ - ٢٦]. وذكر الأطباء أن الرطب - وعند عدمه التمر- من أنفع الأغذية للحامل، لا سيما قبل الولادة وبعدها. قال الربيع بن خثيم: «ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية، ولو علم اللَّه شيئًا هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم؛ ولذلك قالوا: التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت، وكذلك التحنيك، وقيل: إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل» (٢). من فوائد التمر: «له دور مهم في الدعم التغذوي لنمو العضلات، ويُعد محتوى التمر من النيكوتينيك فيتامين B ٢ مفيدًا لعلاج

стр. 135

الاضطرابات المعوية، حيث إن تناول كمية كافية من التمور يُساعد الشخص على الحفاظ على مراقبة نمو الكائنات الحية الممرضة، وبذلك يفيد تناول التمر في تنشيط ظهور الجراثيم الصديقة أو المفيدة في الأمعاء، وهو يُزود الجسم المتعب بطاقة إضافية خلال نصف ساعة بعد تناوله. وبما أن التمر يحتوي على البوتاسيوم، وعلى ٢٠ نوعًا مختلفًا من الأحماض الأمينية، فهو يُساعد على السيطرة على الإسهال، لأنه يُسهل عملية الهضم. وتُشير الأبحاث إلى أن تناول كمية مرتفعة من البوتاسيوم تصل إلى حوالي ٤٠٠ ملغ يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالسكتات الدماغية بنسبة ٤٠%، كما أن تناول التمر عند الإفطار بعد الصيام يساعد على تجنب الإفراط في تناول الطعام؛ فعندما يمتص الجسم القيمة الغذائية للتمر، يختفي الشعور بالجوع. ويمكن الاستفادة من منافع التمر بتناوله كما هو، أو بشرب منقوعه بعد ٢٤ ساعة من النقع في الماء، أو بأكل التمر المهروس. كما يُفيد تناول التمر المرأة الحامل في تسهيل الولادة؛ لأنه يقوي عضلات الرحم، مما يجعلها تتمدد بسلاسة عند الولادة، وليس تناول التمر شيئًا مهمًّا لتسهيل الولادة فقط، بل هو مهم للرضاعة الطبيعية بعد الولادة، حيث يزود حليب الأم بالعناصر الغذائية المفيدة لصحة طفلها.

стр. 136

تأثير استهلاك التمر في أواخر شهر الحمل على المخاض والولادة: أجريت دراسة استقصائية ما بين ١ فبراير/ شباط ٢٠٠٧ م إلى ٣١ يناير/ كانون الثاني ٢٠٠٨ م في جامعة الأردن للعلوم والتكنولوجيا لمعرفة أثر تناول التمر في أواخر أشهر الحمل على المخاض والولادة، قارنت هذه الدراسة ما بين ٦٩ امرأة تناولن ستَّ حباتٍ من التمر بشكل يومي قبل موعد ولادتهن المتوقع بأربعة أسابيع، و ٤٥ امرأة لم يتناولن ذلك. لوحظ من الدراسة أن النساء اللاتي تناولن التمر أظهرن توسع عنق الرحم لديهن أكثر من المجموعة الأخرى بنسبة مرة ونصف، كما كانت نسبة بقاء الأغشية الجنينية سليمة أكثر من المجموعة الثانية بنسبة مرة وثلث. بلغت نسبة الولادة الطبيعية في المجموعة الأولى - أي من تناولن التمر- ٩٦%، أما في المجموعة الثانية فقد بلغت ٧٩%، وانخفض استخدام المجموعة الأولى للأوكسيتوسين المحرض للولادة إلى النصف تقريبًا. كما أظهرت الدراسة أن مرحلة ما قبل الولادة كانت أقصر لدى مجموعة النساء الأولى مقارنة بالمجموعة الثانية؛ فقد استغرقت المجموعة الأولى ٥١٠ دقيقة، والمجموعة الثانية ٩٠٦ دقيقة إلى النصف تقريبًا. وخلُصت الدراسة إلى أن

стр. 137

تناول التمور قبل الولادة بأربعة أسابيع يقلل بشكل كبير حاجة الحامل إلى عملية تحريض الولادة، كما يؤدي ذلك إلى ولادة أفضل» (١).

стр. 138

ما أنزله الله في الأرض من ترابها ومياهها، وأشجارها وثمارها .. وغير ذلك مما خص اللَّه بعلمه من شاء من عباده روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂: أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال النبي ﷺ بإصبعه هكذا - ووضع سفيان سبابته بالأرض، ثم رفعها-: «بِاسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيْقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» (١). «هذا من العلاج السهل الميسر النافع المركب، وهي معالجة لطيفة تعالج بها القروح والجراحات الطرية، لا سيما عند عدم غيرها من الأدوية، إذ كانت موجودة بكل أرضٍ، وقد عُلم أن طبيعة التراب الخالص باردة يابسة مجففة لرطوبات القروح والجراحات، لا سيما في البلاد الحارة، وأصحاب الأمزجة الحارة، فإن القروح والجراحات يتبعها في أكثر الأمر سوء مزاج حار، فتجتمع حرارة البلد والمزاج والجراح، وطبيعة التراب الخالص باردة يابسة أشد من برودة جميع

стр. 139

الأدوية المفردة الباردة فتقابل برودة التراب حرارة المرض، لا سيما إن كان التراب قد غُسل وجُفف، ويتبعها أيضًا كثرة الرطوبات الردية والسَّيلان، والتراب مجفف لها، مزيل بشدة يبسه وتجفيفه للرطوبة الردية المانعة من برئها، ويحصل به مع ذلك تعديل مزاج العضو العليل، ومتى اعتدل مزاج العضو قويت قواه المدبرة، ودفعت عنه الألم بإذن اللَّه. ومعنى الحديث: أنه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب، فيعلق بها منه شيء، فيمسح به على الجرح، ويقول هذا الكلام، لما فيه من بركة ذكر اسم اللَّه، وتفويض الأمر إليه، والتوكل عليه، فينضم أحد العلاجين إلى الآخر، فيقوى التأثير. وهل المراد بقوله: «تربة أرضنا» جميع الأرض، أو أرض المدينة خاصة؟ فيه قولان، ولا ريب أن من التربة ما يكون فيه خاصية، ينفع بخاصيته من أدواء كثيرة، ويشفي به أسقامًا رديئة. قال جالينوس: رأيت بالإسكندرية مطحولين ومُستسقين، كثيرًا يستعملون طين مصر، ويطلون به على سوقهم وأفخاذهم وسواعدهم وظهورهم وأضلاعهم، فينتفعون به منفعة بينة، قال: وعلى هذا النحو فقد ينفع هذا الطلاء للأورام العفنة والمترهلة الرخوة. قال: وإني لأعرف قومًا ترهلت أبدانهم كلها من كثرة

стр. 140

استفراغ الدم من أسفل، انتفعوا بهذا الطين نفعًا بيِّنًا؛ وقومًا آخرين شفوا به أوجاعًا مزمنة كانت متمكنة في بعض الأعضاء تمكنًا شديدًا، فبرئت وذهبت أصلاً. وقال صاحب الكتاب المسيحي (١): قوة الطين المجلوب من كنوس - وهي جزيرة المصطكي - قوة تجلو وتغسل، وتُنبت اللحم في القروح، وتختم القروح. انتهى. وإذا كان هذا في هذه التُّربات، فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها، وقد خالطت ريق رسول اللَّه ﷺ وقارنت رقيته باسم ربه وتفويض الأمر إليه! وقد تقدم أن قوى الرقية وتأثيرها بحسب الراقي وانفعال المرقي عن رقيته، وهذا أمرٌ لا ينكره طبيب فاضل عاقل مسلم، فإن انتفى أحد الأوصاف فليقل ما شاء» (٢).

стр. 141

ألبان البقر وفي السنن من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِأَلْبَانِ الْبَقَرِ، فَإِنَّهَا تَرُمُّ مِنْ كُلِّ الشَّجَرِ، وَهُوَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» (١). واللبن هنا هو الحليب الذي يستخرج بالحلب من ضروع الأبقار، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]. ومن هذا الحليب يستخرج اللبن المخيض والزبد والسمن وغيرها، وقد بين ﷺ سبب الانتفاع بهذه الأنواع، وهو أن هذه الأبقار تأكل المراعي الطيبة من جميع الأشجار والأعشاب، وعليه فلا تتحقق هذه المنافع في حال كونها لا ترعى هذه الأشجار.

стр. 142

الماء روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إنَّمَا الْحُمَّى- أَوْ شِدَّةُ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ» (١). «الماء: مادة الحياة وسيّد الشراب، وأحد أركان العالم، بل ركنُه الأصلي، فإن السّموات خلقت من بخاره، والأرض من زبده، وقد جعل اللَّه تعالى منه كُلَّ شيء حي. وهو بارد رطب، يقمع الحرارة، و يحفظ على البدن رطوباته، ويرد عليه بدلَ ما تحلَّل منه و يُرقِّق الغذاء ويُنفذه فى العروق. وتعبر جودة الماء من عشرة طرق: أحدها: من لونه بأن يكون صافيًا. الثاني: من رائحته بأن لا تكون له رائحه البتة.

стр. 143

الثالث: من طعمه بأن يكون عذب الطعم حلوه كماء النيل والفرات. الرابع: من وزنه بأن يكون خفيفًا رقيق القوام. الخامس: من مجراه بأن يكون طيب المجرى و المسلك. السادس: من منبعه بأن يكون بعيد المنبع. السابع: من بروزه للشمس و الريح بأن لا يكون مختفيًا تحت الارض فلا تتمكن الشمس و الريح من قصارته. الثامن: من حركته بأن يكون سريع الجري و الحركة. التاسع: من كثرته بأن يكون له كثرة تدفع الفضلاتِ المخالطة له. العاشر: من مصبه بأن يكون آخذًا من الشمال إلى الجنوب أو من المغرب إلى المشرق. و اذا اعتبرت هذه الأوصاف لم تجدها بكمالها إلا في الأنهار الأربعة: النيل، والفرات، وسيحون، وجيحون. وفي صحيح مسلم: من حديث أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «سَيْحَانُ، وَجَيْحَانُ، وَالْفُرَاتُ، وَالنِّيلُ، كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» (١).

стр. 144

وتعتبر خفه الماء من عدة أوجه: أحدها: سرعة قبوله للحر و البرد. قال ابقراط: الماء الذي يسخُن سريعًا، ويبرُد سريعًا أخف الماء. الثاني: بالميزان (١).

стр. 145

السَّنَا فقد روى ابن ماجه في سننه من حديث أَبي أُبي ابن أم حرام ﵁ - وكان قد صلى مع رسول اللَّه ﷺ القبلتين، يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «عَلَيْكُمْ بِالسَّنَى وَالسَّنُّوتِ، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلَّا السَّامَ»، قيل: يا رسول اللَّهِ! وَمَا السَّامُ؟ قال: «المَوْتُ» (١). قال ابن القيم ﵀: «السنا نبت حجازي أفضله المكي، وهو دواء شريف مأمون الغائلة، قريب من الاعتدال، حار يابس في الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء، ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة فيه، وخاصيته النفع من الوسواس السوداوي، ومن الشقاق العارض في البدن، ومن القمل والصداع العتيق، والجرب، والبثور، والحكة، والصرع ... وأما السنوت (٢) ففيه ثمانية أقوال ... الثامن: أنه العسل
следующие страницы →