الرياضة
لها دور كبير في حفظ صحة الأبدان والعقول، والمقصود بالرياضة: الحركة والسكون، وقد كانت الرياضة قبل الحضارة الحديثة يمارسها الناس وفق الفطرة كجزء من حياتهم الذي لا ينفكون عنه.
أما خصوص المسلمين فيضمون إلى ذلك العمل بتشريعات الإسلام، وتوجيهات النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ: ١٠ - ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾ [الروم: ٢٣].
قال ابن القيم ﵀: «ووقت الرياضة بعد انحدار الغذاء وكمال الهضم، والرياضة المعتدلة هي التي تحمر فيها البشرة وتربو، وينتدي بها البدن، فأما التي يلزمها سيلان العرق فمفرطة، وأي عضو كثرت رياضته قوي، وخصوصًا على نوع تلك الرياضة، بل كل قوة فهذا شأنها، فإن من استكثر من الحفظ
стр. 72
قويت حافظته، ومن استكثر من الفكر قويت قوته المفكرة، ولكل عضو رياضة تخصه» (١).
برنامج يومي للمسلم وفق الآداب الشرعية يتعلق بالرياضة:
ويبدأ هذا البرنامج من صلاة الفجر، فيتوجه المسلم إلى بيت اللَّه ماشيًا على قدميه، قال النبي ﷺ : «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).
وقال النبي ﷺ : أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ» (٣).
وقال النبي ﷺ : «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» (٤).
وبعد الفجر يمارس أعماله، وفيها الحركة ورياضة الجسد، وهذا الوقت مبارك، روى الإمام أحمد في مسنده من
стр. 73
حديث صخر الغامدي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»، قال: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً بَعَثَهَا أَوَّلَ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا، وَكَانَ لَا يَبْعَثُ غِلْمَانَهُ إِلَّا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَكَثُرَ مَالُهُ حَتَّى كَانَ لَا يَدْرِيَ أَيْنَ يَضَعُ مَالَهُ (١).
قال ابن القيم ﵀: «ومن المكروه عندهم - أي الصالحين - النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، فإنه وقت غنيمة، وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس، فإنه أول النهار ومفتاحه، ووقت نزول الأرزاق وحصول القسم وحلول البركة، ومنه ينشأ النهار، وينسحب حكم جميعه على حكم تلك الحصة، فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطر» (٢).
ثم يستمر في أعماله سواء كانت أعماله دنيوية من تجارة أو زراعة أو قضاء حوائج، أو أخروية من زيارة مريض، أو صلاة نفل .. أو غير ذلك، إلى قرب صلاة الظهر، ثم ينام قبلها أو بعد صلاة الظهر قيلولة قصيرة.
وقد عَرَّف أهل اللغة القيلولة بأنها الاستراحة نصف النهار،
стр. 74
وإن لم يكن معها نوم (١).
روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ، وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، ونِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَا، وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فقَالَ: «إنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فاسْتَيْقَظتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتاً، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ، ثلاثًا»، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ (٢).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ (٣).
وفي حديث آخر: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم تكون القائلة (٤).
وفي حديث سهل بن سعد ﵁ قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول اللَّه ﷺ (٥).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث فاطمة بنت
стр. 75
قيس ﵂ قالت: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ فَصَلَّى صَلَاةَ الْهَاجِرَةِ، ثُمَّ قَعَدَ، فَفَزِعَ النَّاسُ، فَقَالَ: «اجْلِسُوا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنِّي لَمْ أَقُمْ مَقَامِي هَذَا لِفَزَعٍ، وَلَكِنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي خَبَرًا مَنَعَنِي الْقَيْلُولَةَ مِنَ الْفَرَحِ وَقُرَّةِ الْعَيْنِ ... » الحديث (١).
وروى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵄ قال: حدثتني أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم: أن رسول اللَّه ﷺ قال - أي من القيلولة - عندهم فاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ ... » الحديث (٢).
والقيلولة تعطي النفس حظها من الراحة في النهار لتستقبل ذلك بقوة ونشاط وانبساط، فيقوي ذلك على الطاعة في الليل بالتهجد والمذاكرة ونحو ذلك (٣).
وبعد القيلولة ينطلق لصلاة العصر ماشيًا، فإذا انتهى من صلاته رجع إلى أعماله، وقضاء حوائجه، فإن تخلل ذلك شيء من الرياضة بأي نوع من أنواعها فهو طيب، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: سابقني النبي ﷺ فسبقته، فلبثنا حتى إذا رهقني اللحم سابقني
стр. 76
فسبقني، فقال: «هذه بتلك» (١).
وروى ابن خزيمة في صحيحه من حديث جابر ﵁ قال: شكا ناس إلى رسول اللَّه ﷺ المشي، فدعا بهم وقال: «عَلَيْكُمْ بِالنَّسْلَانِ» (٢)، فنسلنا فوجدناه أخف علينا (٣).
والنوم يكون مبكرًا بعد صلاة العشاء وهذه هي السنة، فقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي برزة الأسلمي: أن النبي ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها (٤).
«ومن تدبر نومه ويقظته ﷺ وجده أعدل نوم وأنفعه للبدن والأعضاء والقوى، فإنه كان ينام أوَّلَ الليل، ويستيقظ فى أول النصف الثاني، فيقومُ ويَستاك، ويتوضأ ويُصَلِّي ما كتبَ اللَّهُ له، فيأخذُ البدن والأعضاء والقُوَى حظَّها من النوم والراحة، وحظَّها من الرياضة مع وُفورِ الأجر، وهذا غايةُ صلاح القلب والبدن، في الدنيا والآخرة. ولم يكن يأخذ من النوم فوقَ القدر المحتاج إليه، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه، وكان يفعلُه على أكمل الوجوه، فينامُ إذا دعتْه الحاجةُ إلى النوم على شِقِّه الأيمن، ذاكراً اللَّه حتى تغلبه عيناه، غيرَ ممتلئ البدنِ من الطعام
стр. 77
والشراب، ولا مباشرٍ بجنبه الأرضَ، ولا متخذٍ للفُرش المرتفعة، بل له ضِجَاع من أُدم حشوهُ ليف، وكان يَضطجع على الوِسادة، ويضع يده تحت خدِّه أحياناً.
وللنوم فائدتان جليلتان، إحداهما: سكونُ الجوارح وراحتُها مما يَعرض لها من التعب، فيُريح الحواسَّ مِن نَصَب اليقظة، وتزيل الإعياء والكَلال والثانية: هضم الغذاء، ونُضج الأخلاط.
وأردأُ النومِ: النومُ على الظَّهر، ولا يَضرُّ الاستلقاء عليه للراحة من غير نوم، وأردأُ منه أن ينامَ منبطحاً على وجهه. قال «أبقراطٌ» في كتاب «التَّقدِمة»: وأما نومُ المريض على بطنه من غير أن تكون عادتُه فى صحته جرتْ بذلك، فذلك يدلُّ على اختلاط عقل، وعلى ألمٍ في نواحي البطن، قال الشُرَّاح لكتابه: لأنه خالف العادة الجيدة إلى هيئة رديئة من غير سبب ظاهر ولا باطن.
والنومُ المعتدل ممكِّنٌ للقُوَى الطبيعية من أفعالها، مريحٌ للقوة النفسانية، مُكْثرٌ من جوهر حاملها، حتى إنه ربَّما عاد بإرخائه مانعاً من تحلُّل الأرواح.
ونومُ النهار رديءٌ يُكسل ويُضعف الشهوة، إلاَّ في الصَّيفِ وقتَ الهاجِرة، وأردؤه نومُ أول النهار، وأردأُ منه النومُ آخره بعدَ العصر.
ورأى عبد اللَّه بن عباس ﵄ ابناً له نائماً نومة الصُّبْحَةِ،
стр. 78
فقال له: قم، أتنام فى الساعة التى تُقسَّمُ فيها الأرزاق؟
وقيل: نوم النهار ثلاثة: خُلقٌ، وخُرق، وحُمق. فالخُلق: نومة الهاجرة، وهى خُلق رسول اللَّه ﷺ . والخُرق: نومة الضحى، تُشغل عن أمر الدنيا والآخرة. والحُمق: نومة العصر.
ونوم الصُّبحة يمنع الرزق، لأن ذلك وقتٌ تطلبُ فيه الخليقةُ أرزاقَها، وهو وقتُ قسمة الأرزاق، فنومُه حرمانٌ إلا لعارض أو ضرورة، وهو مضر جدًّا بالبدن لإرخائه البدن، وإفسادِه للفضلات التى ينبغى تحليلُها بالرياضة، فيُحدث تكسُّراً وَإِعْيَاءً وضَعفاً. وإن كان قبل التبرُّز والحركة والرياضة وإشغالِ المَعِدَة بشيء، فذلك الداء العُضال المولِّد لأنواع من الأدواء.
ونومُ الإنسان بعضُه فى الشمس، وبعضُه فى الظل رديء، فقد روى أبو داود فى «سننه» من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «إذا كان أحدكم فى الشَّمْسِ فَقَلَصَ عنه الظِّلُّ، فصار بَعْضُهُ فى الشَّمْسِ وبَعْضُهُ فى الظِّل، فَلْيَقُمْ» (١).
وفى «سنن ابن ماجه» وغيره من حديث بُريدَةَ بن الحُصَيب ﵁: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نهى أنْ يقعُدَ الرَّجُلُ
стр. 79
بين الظِّلِّ والشمس (١)، وهذا تنبيه على منع النوم بينهما.
وفى «الصحيحين» عن البَرَاء بن عازِبٍ ﵁، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَّجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأْلَجَأْتُ ظَهْري إِلَيْكَ، رَغْبَةً ورَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ ولَاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ. وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ كَلَامِكَ، فِإَنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، مِتَّ عَلَى الفِطْرةِ» (٢).
وفى صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ : كان النبيُّ ﷺ إذا صلَّى ركعتي الفجرِ - يعنى سُنَّتَها - اضْطَّجَعَ على شِقِّه الأيمنِ (٣).
وقد قيل: إنَّ الحكمة فى النوم على الجانب الأيمن أن لا يستغرقَ النائم فى نومه، لأن القلب فيه ميلٌ إلى جهة اليسار، فإذا نام على جنبه الأيمن، طلب القلبُ مُستقَرَّه من الجانب الأيسر، وذلك يمنع من استقرار النائم واستثقاله فى نومه، بخلاف قراره
стр. 80
فى النوم على اليسار، فإنه مُستقَرُّه، فيحصُل بذلك الدَّعةُ التامة، فيستغرق الإنسان فى نومه، ويَستثقِل، فيفوتُه مصالح دينه ودنياه» (١).
قال ابن القيم ﵀: «وذكر أبو نعيم عنه (٢) أنه كان ينهى عن النوم على الأكل ويذكر أنه يقسي القلب، ولهذا في وصايا الأطباء لمن أراد حفظ الصحة أن يمشي بعد العشاء ولو مائة خطوة، ولا ينام عقبه، فإنه مضر جدًّا، وقال مسلموهم: أو يصلي عقبه، ليستقر الغذاء بقعر المعدة، فيسهل هضمه ويجود بذلك» (٣).
стр. 81
النظافة
مما لا يخفى على أحد أن نظافة البدن والثوب والمكان مما يدخل السرور على القلب، فيقوى وينشط، فإذا قوي ونشط عاد على الجسم بالصحة والعافية، فقويت فيه أجهزة المناعة التي تدفع العلل والأسقام عنه. وجاءت الشريعة الإسلامية بالحث على النظافة والطهارة، فالوضوء لا يقل عن خمس مرات يوميًّا، وهو نظافة وطهارة للأعضاء التي يكثر ظهورها، قال النبي ﷺ : «وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» (١)، وقال النبي ﷺ : «أَلا أَدلكم عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟»، قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ... » الحديث (٢).
أما الغسل فهو تعميم البدن بالماء، فلا أقل من مرة في الأسبوع، وإذا ظهرت من الجسم رائحة العرق المستكرهة، فمطلوب من المسلم تنظيفه بالماء، سواء كان في البدن أو
стр. 82
الثياب، وبهذا جاءت الشريعة، روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في الغبار، يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسول اللَّه ﷺ إنسان منهم وهو عندي، فقال النبي ﷺ : «لَوْ أنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» (١)، وفي رواية «لَوِ اغتَسَلتُمْ» (٢).
وروى أبو داود في سننه من حديث محمد بن يحيى بن حبان أن رسول اللَّه ﷺ قال: «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ -أَوْ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» (٣).
ومن كان له شعر لزمه العناية به من النظافة وما يتبعها، قال النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» (٤)، وفي الحديث الآخر: «مَن غَسَّلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ، وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ؛ كَاَنَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ: أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» (٥).
стр. 83
ومما جاءت به الشريعة الإسلامية المحافظة على خصال الفطرة، وفيها من النظافة والطهارة لمن حافظ عليها من صحة الأبدان والعقول ما لا يحصى كثرة، فضلاً عما يكسبه من الأجور في الدنيا والآخرة.
روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ المَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ البَرَاجِمِ (١)، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ العَانَةِ، وَانْتِقَاصُ المَاءِ»، قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. زاد قتيبة: وقال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء (٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» (٣).
وكان النبي ﷺ يهتم بنظافة البدن ورائحته، وحث أمته على ذلك، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ عَلَى النَّاسِ -
стр. 84
لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» (١). وكان النبيُّ ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك (٢). وقال ﷺ : «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (٣)
وقد قام باحثون بعمل أبحاث وتوصلوا إلى أن عصارة السواك تحتوي على مضادات طبيعية للبكتيريا المسببة لتسوس الأسنان وأمراض اللثة، وأن الذين يستخدمون السواك أقل عرضة للإصابة بتسوس الأسنان وأمراض اللثة من الذين لا يستخدمونه .. وغيرها من الفوائد (٤).
أما نظافة الثياب فإن اللَّه تعالى قال: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]، قال محمد بن سيرين: أي اغسلها بالماء.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر ﵁ قال: أتانا رسول اللَّه ﷺ زائرًا في منزلنا، فرأى رجلًا شعثًا فقال: «أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ رَأْسَهُ»، ورأى رجلًا عليه ثياب وسخة فقال: «أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثِيَابَهُ». (٥)
وأما نظافة المكان، فإن الشريعة الإسلامية اشترطت طهارة
стр. 85
المكان لصحة الصلاة، قال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥].
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: «أمرنا رسول اللَّه ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأمر بها أن تنظف وتطيب» (١).
وحث النبي ﷺ على تنظيف أفنية البيوت وتطهيرها، حيث قال ﷺ : «طَهِّرُوا أَفْنِيَتَكُمْ، فَإِنَّ الْيَهُودَ لَا تُطَهِّرُ أَفْنِيَتَهَا» (٢).
ومما يتبع النظافة والطهارة استعمال الطيب، فقد كان النبي ﷺ يحب استعماله ويحث عليه.
فقد روى النسائي في سننه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حُبِّبَ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (٣).
وروى أبو داود في سننه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كانت للنبيِّ ﷺ سكة (٤) يتطيب منها (٥).
стр. 86
وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁: أنه كان لا يرد الطيب، وزعم أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب (١).
وروى مسلم في صحيحه عن نافع قال: كان ابن عمر ﵄ إذا استجمر استجمر بالألوة (٢) غير مطراة (٣) وبكافور بطرحه مع الألوة، ثم قال: هكذا كان يستجمر رسول اللَّه ﷺ (٤).
قال ابن مفلح: وللرائحة الطيبة أثر في حفظ الصحة، فإنها غذاء الروح، والروح مطية القوى، والقوى تزداد بالطيب، وهو ينفع الأعضاء الباطنة كالدماغ والقلب، ويسر النفس، وهو أصدق شيء للروح وأشده ملاءمة (٥).
قال القاضي عياض: وفيه جواز استعمال البخور للرجال، واستعمال الأرايج الطيبة من جميع وجوهها وأنواع الطيب، وذلك مندوب إليه فى الشريعة لمن قصد به مقاصده، من امتثال أمر نبيه ﵇ بذلك ليوم الجمعة، والأعياد، ومجامع الناس، ليدفع عن نفسه ما يكره من الروائح، وليدخل على المؤمنين راحة ويدفع عنهم مضرة، وما يوافق الملائكة
стр. 87
من ذلك فى المساجد، ومظان حلق الذكر وغيرها، وليقوى دماغه، ويصلح خاطره، ويطيب نفسه؛ لتأثير الطيب فى تقوية هذه الأعضاء، وليعينه على ما يحتاج إليه من أمور النساء، فله فى ذلك من التأثير ما لا ينكر، ولتطيب رائحته عند أهله وإخوانه المؤمنين، وتظهر مروءته ونظافته؛ وقد بنى الإسلام على النظافة.
ولا يفعل هذا فخراً أو رياءً واختيالاً بدنياه ومباهاة بوجده، فاللَّه لا يحب كل مختالٍ فخور (١).
стр. 88
الفصل الثاني
ما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء بعد وقوعه وفيه قواعد
نذكر في مقدمة هذا الفصل قواعد ومسائل هامة:
الأولى: ما يتناوله الإنسان من طعام وشراب على ثلاثة أقسام:
١ - الغذاء الصرف: كالحبوب، والثمار واللحوم والخضروات.
٢ - الدواء الصرف: كالقسط والحبة السوداء.
٣ - ما اجتمع فيه الغذاء والدواء: كالعسل والتمر.
الثانية: مراتب الدواء وهي ثلاث مراتب:
١ - التداوي بالغذاء من طعام وشراب.
٢ - التداوي بالأدوية المفردة (١).
٣ - التداوي بالأدوية المركبة (٢).
وقد اتفق حذاق الأطباء على أنهم لا ينتقلون إلى
стр. 89
المرتبة الثانية إلا بعد عجز الأولى، ولا إلى الثالثة إلا بعد عجز الثانية.
كما نبهوا على أن من كانت أغذيته مفردة كأهل البوادي يكتفى في علاجهم بالدواء المفرد، وأما الدواء المركب فإنما يصار إليه عند الحاجة لمن كانت أغذيتهم مركبة كأهل المدن.
الثالثة: الطبائع الأربع:
تجد في كتب الأطباء عند ذكر الدواء قولهم: حار في الأولى أو بارد في الثانية أو الثالثة أو الرابعة (١)، ويقصدون بذلك أن الأشياء لها أربعة طبائع، وهي الحرارة ويقابلها البرودة، ويصاحبهما الرطوبة واليبوسة، وكل واحد من هذه الأربعة يقع في إحدى الدرجات من حيث الضعف والقوة، فأضعفها الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة، وما زاد على ذلك لا يصلح التداوي به ولا استعماله لقوته وضعف الأبدان عن احتماله.
والأطباء القدامى يشخصون المرض على هذه الطبائع الأربعة وعلى درجته منها ثم يداوونه بما يقابله، فإن كان حارًّا - أي المرض- أعطوه دواء باردًا، وإن كان باردًا أعطوه دواء حارًّا، مع مراعاة الدرجة، فإن لم يجدوا إلا ما درجته أعلى أو أقل خففوا الدواء أو زادوا فيه ليتناسب مع درجة المرض، وذلك
стр. 90
كله بعد معرفة الجسم المراد علاجه، ومكانه من هذه الطبائع الأربعة ودرجته منها. وفي الطب النبوي روى أبو داود في سننه عن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ فَيَقُولُ: «نَكْسِرُحَرَّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا، وَبَرْدَ هَذَا بِحَرِّ هَذَا» (١)(٢).
راجع ما تقدّم ص ٥٧ لزامًا.
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أرشد إلى دواء الحمى وهي حارة، فقال: «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ» (٣).
الرابعة: التشخيص:
كل مرض له أعراض وأسباب، أما الأعراض فظاهرة، وأما الأسباب فإنها تختلف مع كون المرض واحدًا، فقد يشتكي اثنان من ألم واحد، وسبب أحدهما غير سبب الآخر، ومن هنا تكمن أهمية التشخيص، فإنه يترتب عليه الدواء، وإذا لم يكن الدواء مناسبًا للسبب ضر ولم ينفع، فكم سمعنا عن حالات مرضية ساءت بعد العلاج، وربما بلغ حد الموت، ويرجع ذلك إلى أن التشخيص غير صحيح، أو قاصر، ولذلك فإن كبار الأطباء القدامى لا يهمهم كثيرًا أمر الدواء؛ لأنه من اختصاص الصيدلاني، أما
стр. 91
الطبيب فاختصاصه أعظم وهو تشخيص المرض، ومعرفة أسبابه الحقيقية، والفرق بين الأسباب والأعراض المتشابهة.
ولهذا ننصح بأن لا يستعجل أحد في في تناول الأدوية، لا سيما المركب منها إلا بعد التشخيص الصحيح، وذلك بمراجعة الطبيب الحاذق الأمين الذي يبذل غاية الجهد في الوصول إلى التشخيص الصحيح، فإن لم يتبين له قال: لا أدري، ولم يتظاهر بالعلم كبعض جهلة الأطباء، فإن لم يجد الطبيب الحاذق فليقتصر على الأغذية مع استعمال الحمية حتى يتيسر له طبيبًا حاذقًا أمينًا يجد عنده بغيته.
الخامسة: الأدوية المفردة والمركبة:
الدواء المفرد هو النوع الواحد الذي لا يضاف إليه شيء كالقسط والحبة والسوداء والصَّبْر، فإذا جمع من هذه الثلاثة دواء واحدًا فهو المركب، وغالب الأدوية الحديثة إن لم يكن كلها من النوع الثاني.
السادسة: المناعة:
وهب اللَّه تعالى الإنسان والحيوان من القوى ما يدفع به كثيراً من الأمراض، ولذلك فإن بعض حذاق الأطباء يستعملون في الدواء ترك التداوي، وذلك حين يعلمون أن المريض مناعته
стр. 92
قوية تكفي في دفع المرض وتقويته، والمناعة مما يوليها الأطباء عناية فائقة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن كثيرًا من المرضى أو أكثر المرضى يشفون بلا تداوي، لا سيما في أهل الوبر، والقرى، والساكنين في نواحي الأرض، يشفيهم اللَّه بما خلق فيهم من القوى المطبوعة في أبدانهم الرافعة للمرض، وفيما ييسره لهم نوع حركة وعمل أو دعوة مستجابة، أو رقية نافعة، أو قوة للقلب وحسن التوكل .. إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة غير الدواء» (١).
ومن أدوية الطب النبوي التي يحفظ بها الصحة، ويدفع بها الداء بعد وقوعه من الأدوية المادية (٢):
стр. 93
الحمية
قال ابن القيم ﵀ في هديه ﷺ في الحمية: «الدواء كله شيئان: حمية، وحفظ صحة، فإذا وقع التخليط احتيج إلى الاستفراغ الموافق، وكذلك مدار الطب كله على هذه القواعد الثلاثة.
والحمية حميتان: حمية عما يجلب المرض، وحمية عما يزيده فيقف على حاله، فالأولى: حمية الأصحاء، والثانية: حمية المرضى، فإن المريض إذا احتمى وقف مرضه عن التزايد، وأخذت القوى في دفعه.
والأصل في الحمية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. فحمى المريض من استعمال الماء لأنه يضره.
وفي سنن ابن ماجه (١) وغيره عن أم المنذر بنت قيس
стр. 94
الأنصارية ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ ومعه علي، وعليٌّ ناقهٌ من مرض، ولنا دوالي (١) معلقة، فقام النبي ﷺ يأكل منها، وقام علي يأكل منها، فطفق رسول اللَّه ﷺ يقول لعلي: «مَهْ إِنَّكَ نَاقِهٌ» حتى كف، قالت: وصنعت شعيرًا وسِلقًا (٢)، فجئت به، فقال النبي ﷺ لعلي: «مِنْ هذَا أَصِبْ. فَإِنَّهُ أَنَفَعُ لَكَ»، وفي لفظ (٣) فقال: «مِنْ هذَا أَصِبْ. فَإِنَّهُ أَوْفَقُ لَكَ».
وفي سنن ابن ماجه (٤) أيضًا عن صهيب ﵁ قال: قدمت على النبي ﷺ وبين يديه خبزٌ وتمرٌ، فقال النبي ﷺ : «ادْنُ فَكُلْ»، فأخذت تمرًا، فأكلت، فقال: «تَأْكُلُ تَمْرًا وَبِكَ رَمَدٌ؟»، فقلت: يا رسول اللَّه أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم رسول اللَّه ﷺ .
وفي حديث محفوظ عنه ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ إذا أحبَّ عبدًا حماه الدُّنيا، كما يَحْمِي أحَدُكُم مريضَه عَنِ الطَّعَامِ
стр. 95
والشَّرابِ» (١)، وفي لفظ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيَا ... » الحديث (٢).
وأما الحديث الدائر على ألسنة كثير من الناس: «الحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء، وعودوا كل جسد ما اعتاد»، فهذا الحديث إنما هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب، ولا يصح رفعه إلى النبي ﷺ ؛ قاله غير واحد من أئمة الحديث.
ويذكر عن النبي ﷺ : «أَنّ الْمَعِدَةَ حَوْضُ الْبَدَنِ، وَالْعُرُوقُ إلَيْهَا وَارِدَةٌ، فَإِذَا صَحّتْ الْمَعِدَةُ صَدَرَتْ الْعُرُوقُ بِالصّحّةِ، وَإِذَا سَقِمَتْ الْمَعِدَةُ صَدَرَت الْعُرُوقُ بِالسَّقَمِ» (٣).
стр. 96
وقال الحارث: رأس الطب الحمية، والحمية عندهم للصحيح في المضرة بمنزلة التخليط للمريض والنَّاقه، وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض، فإن طبيعته لم ترجع بعد إلى قوتها، والقوة الهاضمة ضعيفة، والطبيعة قابلة، والأعضاء مستعدة؛ فتخليطه يوجب انتكاسها، وهو أصعب من ابتداء مرضه.
واعلم أن في منع النبي ﷺ لعلي من الأكل من الدوالي وهو ناقهٌ أحسن التدبير، فإن الدوالي أقناءٌ من الرطب تعلق في البيت للأكل بمنزلة عناقيد العنب، والفاكهة تضر بالناقه من المرض لسرعة استحالتها، وضعف الطبيعة عن دفعها، فإنها بعد لم تتمكن قوتها، وهي مشغولة بدفع آثار العلة وإزالتها من البدن.
وفي الرطب خاصة نوع ثقل على المعدة، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عما هي بصدده من إزالة بقية المرض وآثاره، فإما أن تقف تلك البقية، وإما أن تتزايد، فلما وُضع بين يديه السِّلق والشعير أمره أن يصيب منه، فإنه من أنفع الأغذية للناقه، فإن في ماء الشعير من التبريد والتغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة ما هو أصلح للناقه، ولا سيما إذا طُبخ بأصول السلق، فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعفٌ، ولا يتولد عنه من الأخلاط ما يخاف منه.
стр. 97
وقال زيد بن أسلم: حمى عمر مريضًا له، حتى إنه من شدة ما حماه كان يمصُّ النوى (١).
وبالجملة: فالحمية من أكبر الأدوية قبل الداء فتمنع حصوله، وإذا حصل فتمنع تزايده وانتشاره.
ومما ينبغي أن يُعلم أن كثيرًا مما يُحمى عنه العليل والناقه والصحيح، إذا اشتدت الشهوة إليه، ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة والمعدة تتلقيانه بالقبول والمحبة، فيصلحان ما يُخشى من ضرره، وقد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطبيعة وتدفعه من الدواء.
ولهذا أقر النبي ﷺ صهيبًا - وهو أرمد - على تناول التمرات اليسيرة، وعلم أنها لا تضره (٢). ومن هذا ما يروى عن علي ﵁ أنه دخل على رسول اللَّه ﷺ ، وهو أرمد، وبين يدي النبي ﷺ تمرٌ يأكله، فقال: «يَا عَلِيُّ، تَشْتَهِيهِ؟»، ورمى إليه بتمرة، ثم بأخرى حتى رمى إليه سبعًا، ثم قال: «حَسْبُكَ يَا عَلِيُّ» (٣).
стр. 98
ومن هذا ما رواه ابن ماجه في سننه (١) من حديث عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ عاد رجلًا فقال له: «مَا تَشْتَهِي؟» فقال: أشتهي خبز بُر، وفي لفظ: أشتهي كعكًا، فقال النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ خُبْزُ بُرٍّ، فَلْيَبْعَثْ إِلَى أَخِيهِ»، ثم قال: «إِذَا اشْتَهَى مَرِيضُ أَحَدِكُمْ شَيْئًا فَلْيُطْعِمْهُ».
ففي هذا الحديث سرٌّ طبي لطيف (٢)، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوعٍ صادقٍ طبيعي، وكان فيه ضررٌ ما، كان أنفع
стр. 99
وأقل ضررًا مما لا يشتهيه، وإن كان نافعًا في نفسه؛ فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة له تدفع ضرره، وبغض الطبيعة وكراهتها للنفع قد يجلب لها منه ضررًا.
وبالجملة، فاللذيذ المشتهى تقبل الطبيعة عليه بعناية، فتهضمه على أحمد الوجوه، سيما عند انبعاث النفس إليه بصدق الشهوة وصحة القوة، واللَّه أعلم» (١).
стр. 100
العسل
قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩].
روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ، وَالْعَسَلُ (١).
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: «اسْقِهِ عَسَلًا»، ثم أتاه الثانية فقال: «اسْقِهِ عَسَلًا»، ثم أتاه الثالثة فقال: «اسْقِهِ عَسَلًا»، ثم أتاه فقال: قد فعلت، فقال: «صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلًا»، فسقاه فبرأ (٢).
«قال ابن القيم ﵀: والعسل فيه منافع عظيمة، فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء وغيرها، محلل للرطوبات أكلاً وطلاء، نافع للمشايخ وأصحاب البلغم، ومن كان مزاجه
стр. 101
باردًا رطبًا، وهو مغذ ملين للطبيعة، حافظ لقوى المعاجين، ولما استودع فيه، مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة، منق للكبد والصدر، مدر للبول، موافق السعال الكائن عن البلغم، وإذا شُرب حارًّا بدهن الورد نفع من نهش الهوام وشرب الأفيون، وإن شُرب وحده ممزوجًا بماء نفع من عضة الكَلْب الكَلِب، وأكل الفُطُرِ (١) القتال، وإذا جعل فيه اللحم الطري، حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك إن جعل فيه القثاء، والخيار، والقرع، والباذنجان، ويحفظ كثيرًا من الفاكهة ستة أشهر، ويحفظ جثة الموتى، ويُسمى الحافظ الأمين، وإذا لطخ به البدن المقمل والشعر، قتل قمله وصئبانه، وطوَّل الشعر، وحسنه، ونعمه، وإن اكحتل به جلا ظلمة البصر، وإن استن به بيض الأسنان وصقلها، وحفظ صحتها، وصحة اللثة، ويفتح أفواه العروق، ويُدر الطمث، ولعقُه على الريق يذهب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويدفع الفضلات عنها، ويسخنها تسخينًا معتدلاً، ويفتح سُددها، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة، وهو أقل ضررًا لسُدد الكبد والطحال من كل حلو.
وهو مع هذا كله مأمون الغائلة، قليل المضار، مضر بالعرض للصفراويين، ودفعها بالخل ونحوه، فيعود حينئذ نافعًا له جدًّا.
стр. 102
وهو غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع الحلوى، وطلاء مع الأطلية، ومُفرح مع المفرحات، فما خُلق لنا شيء في معناه أفضل منه، ولا مثله، ولا قريبًا منه، ولم يكن معول القدماء إلا عليه، وأكثر كتب القدماء لا ذكر فيها للسكر البتة، ولا يعرفونه، فإنه حديث العهد حدث قريبًا، وكان النبي ﷺ يشربه بالماء على الريق، وفي ذلك سر بديع في حفظ الصحة لا يُدركه إلا الفطن الفاضل، وسنذكر ذلك إن شاء اللَّه عند ذكر هديه في حفظ الصحة.
وفي أثر آخر: «عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن» (١)، فجمع بين الطب البشري والإلهي، وبين طب الأبدان وطب الأرواح، وبين الدواء الأرضي والدواء السمائي.
إذا عُرف هذا، فهذا الذي وصف له النبي ﷺ العسل، كان استطلاق بطنه عن تُخمة أصابته عن امتلاء، فأمره بشرب العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء، فإن العسل فيه جلاء، ودفع للفضول، وكان قد أصاب المعدة أخلاط لزجة، تمنع استقرار الغذاء فيها للزوجتها، فإن المعدة لها خمل كخمل القطيفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة، أفسدتها وأفسدت
стр. 103
الغذاء، فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط، والعسل جلاء، والعسل من أحسن ما عولج به هذا الداء، لا سيما إن مزج بالماء الحار.
وفي تكرار سقيه العسل معنى طبي بديع، وهو أن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب حال الداء، إن قصر عنه لم يزله بالكلية، وإن جاوزه أوهى القوى، فأحدث ضررًا آخر، فلما أمره أن يسقيه العسل، سقاه مقدارًا لا يفي بمقاومة الداء، ولا يبلغ الغرض، فلما أخبره علم أن الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة، فلما تكرر ترداده إلى النبي ﷺ أكد عليه المعاودة ليصل إلى المقدار المقاوم للداء، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء، برأ بإذن اللَّه. واعتبار مقادير الأدوية وكيفياتها، ومقدار قوة المرض من أكبر قواعد الطب.
وفي قوله ﷺ : «صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ» إشارة إلى تحقيق نفع هذا الدواء، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه، ولكن لكذب البطن، وكثرة المادة الفاسدة فيه، فأمره بتكرار الدواء لكثرة المادة.
وليس طبه ﷺ كطب الأطباء، فإن طب النبي ﷺ متيقن قطعي إلهي، صادر عن الوحي، ومشكاة النبوة، وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدس وظنون، وتجارب، ولا ينكر عدم انتفاع
стр. 104
كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول، واعتقاد الشفاء به، وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان، فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور - إن لم يتلق هذا التلقي - لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها، بل لا يزيد المنافقين إلا رجسًا إلى رجسهم، ومرضًا إلى مرضهم، وأين يقع طب الأبدان منه، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية، فإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع، وليس ذلك لقصور في الدواء، ولكن لخُبث الطبيعة، وفساد المحل، وعدم قبوله، واللَّه الموفق» (١).
стр. 105
القسط
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ابن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَفَضِلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الحِجَامَةُ، وَالقُسْطُ البَحْرِيُّ» (١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أم قيس بنت محصن ﵂، قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «عَلَيْكُمْ بِهَذَا العُودِ الهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ: يُسْتَعَطُ بِهِ مِنَ العُذْرَةِ، وَيُلَدُّ بِهِ مِنْ ذَاتِ الجَنْبِ» (٢).
قال ابن القيم ﵀ (٣): «والقسط نوعان، أحدهما: الأبيض الذي يُقال له البحري، والآخر الهندي وهو أشدهما حرًّا، والأبيض ألينهما. ومنافعهما كثيرة جدًّا، وهما حاران يابسان في الثالثة، ينشفان البلغم، قاطعان للزكام، وإذا شُربا نفعا من ضعف
стр. 106
الكبد والمعدة ومن بردهما، ومن حمى الدور والربع، وقطعا وجع الجنب، ونفعا من السموم، وإذا طلي به الوجه معجونًا بالماء والعسل قلع الكلف، وقال جالينوس: ينفع من الكُزاز، ووجع الجنبين، ويقتل حب القرع. وقد خفي على جهال الأطباء نفعه من وجع ذات الجنب، فأنكروه، ولو ظفر هذا الجاهل بهذا النقل عن جالينوس لنزله منزلة النص، كيف وقد نص كثير من الأطباء المتقدمين على أن القسط يصلح للنوع البلغمي من ذات الجنب - ذكره الخطابي عن محمد بن الجهم.
وقد تقدم أن طب الأطباء بالنسبة إلى طب الأنبياء أقل من نسبة الطُرقية والعجائز إلى طب الأطباء، وأن بين ما يُلَقَّى بالوحي وبين ما يُلقى بالتجربة والقياس من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق (١).
ولو أن هؤلاء الجهال وجدوا دواء منصوصًا عن بعض اليهود والنصارى والمشركين من الأطباء لتلقوه بالقبول والتسليم، ولم يتوقفوا على تجربته.
نعم نحن لا ننكر أن للعادة تأثيرًا في الانتفاع بالدواء وعدمه، فمن اعتاد دواء وغذاء كان أنفع له، وأوفق ممن لم يعتده، بل ربما لم ينتفع به من لم يعتده.
стр. 107
وكلام فضلاء الأطباء وإن كان مطلقًا، فهو بحسب الأمزجة والأزمنة والأماكن والعوائد، وإذا كان التقييد بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم، فكيف يقدح في كلام الصادق المصدوق، ولكن نفوس البشر مركبة على الجهل والظلم، إلا من أيده اللَّه بروح الإيمان، ونور بصيرته بنور الهدى» (١).
قال ابن حجر ﵀: «وقد ذكر الأطباء من منافع القسط أنه يدر الطمث والبول، ويقتل ديدان الأمعاء ويدفع السم وحمى الربع والورد، ويسخن المعدة، ويحرك شهوة الجماع، ويذهب الكلف طلاء، فذكروا أكثر من سبعة، وأجاب بعض الشراح بأن السبعة علمت بالوحي، وما زاد عليها بالتجربة.
فاقتصر على ما هو بالوحي لتحققه، وقيل: ذكر ما يحتاج إليه دون غيره؛ لأنه لم يبعث بتفاصيل ذلك. قلت: ويحتمل أن تكون السبعة أصول صفة التداوي بها؛ لأنها إما طلاء، أو شرب، أو تكميد، أو تنطيل، أو تبخير، أو سعوط، أو لدود، فالطلاء يدخل في المراهم ويحلى بالزيت ويلطخ، وكذا التكبيد، والشرب يسحق ويجعل في عسل أو ماء أو غيرهما، وكذا التنطيل والسعوط يسحق في زيت ويقطر في الأنف، وكذا الدهن والتبخير واضح، وتحت كل واحدة من السبعة منافع
стр. 108
لأدواء مختلفة، ولا يستغرب ذلك ممن أُوتي جوامع الكلم، وأما العذرة فهي بضم المهملة وسكون المعجمة، وجع في الحلق يعتري الصبيان غالبًا، وقيل: هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق أو في الخرم الذي بين الأنف والحلق. قيل: سميت بذلك لأنها تخرج غالبًا عند طلوع العذرة، وهي خمسة كواكب تحت الشعرى العبور، ويقال لها أيضًا العذارى، وطلوعها يقع وسط الحر، وقد استشكل معالجتها بالقسط مع كونه حارًّا، والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان وأمزجتهم حارة، ولا سيما وقطر الحجاز حار، وأُجيب بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط تخفيف للرطوبة، وقد يكون نفعه في هذا الدواء بالخاصية، وأيضًا فالأدوية الحارة قد تنفع في الأمراض الحارة بالعرض كثيرًا، بل وبالذات أيضًا، وقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللَّهاة القسط مع الشب اليماني وغيره، على أننا لو لم نجد شيئًا من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجًا عن القواعد الطبية» (١).
стр. 109
الحبة السوداء
روى الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ» والسَّامُ الْمَوْتُ (١).
قال الخطابي: قوله: «مِنْ كُلِّ دَاء»، هو من العام الذي يراد به الخاص؛ لأنه ليس في طبع شيء من النبات ما يجمع جميع الأمور التي تقابل الطبائع في معالجة الأدواء بمقابلها، وإنما المراد أنها شفاء من كل داء يحدث من الرطوبة، وقال أبو بكر بن العربي: العسل عند الأطباء أقرب إلى أن يكون دواء من كل داء من الحبة السوداء، ومع ذلك فإن من الأمراض ما لو شرب صاحبه العسل لتأذى به، فإن كان المراد بقوله في العسل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ الأكثر الأغلب، فحمل الحبة السوداء على ذلك أولى.
وقال غيره: كان النبي ﷺ يصف الدواء بحسب ما يشاهده من حال المريض، فلعل قوله في الحبة السوداء وافق مرض من
стр. 110
مزاجه بارد، فيكون معنى قوله: شفاء من كل داء، أي من هذا الجنس الذي وقع القول فيه، والتخصيص بالحيثية كثير شائع .. واللَّه أعلم.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: «تكلم الناس في هذا الحديث وخصوا عمومه وردوه إلى قول أهل الطب والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل ذلك لأنا إذا صدقنا أهل الطب - ومدار علمهم غالبًا إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب - فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم. أ. هـ
وقد تقدم توجيه حمله على عمومه بأن يكون المراد بذلك ما هو أعم من الإفراد والتركيب، ولا محذور في ذلك ولا خروج عن ظاهر الحديث. واللَّه أعلم (١). أ. هـ
«كما أن لبعض الأدوية شروطًا لاستعمالها يجب أن تتحقق بالنسبة للمريض، كسلامة كبده أو كلاه أو قلبه أو معدته، وقد يرد مانع من الاستمرار في استعمال دواء معين، كحدوث حساسية، أو حدوث اختلاط، أو عراقيل مرضية توجب ذلك المنع، فمريضان بذات المرض قد تتخذ في كل منهما خطة علاجية مختلفة عن الأخرى» (٢).