← Адаб

Адаб · id 6909

ديوان المعاني

أبو هلال العسكري

Полный текст (608 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقال إبراهيم بن إسماعيل النسوي: (لو أنَ موتى تميم كلهم نُشِروا ... وأثبتوك لقيل الأمرُ مصنوعُ) (إنَّ الجديدَ إذا ما زيدَ في خَلقٍ ... تبينَ الناسُ أنَ الثوبَ مرقوعُ) وقالوا أهجى بيت قاله محدث قول الآخر: (قبحتْ مناظرُهمْ فحينَ خبرتهم ... حسنتْ مناظرهم لقبح المخبرِ) ولست أعرف أبلغ في الهجاء من قول الأول: (إن يفجروا أو يغدروا ... أو يبخلوا لم يحظلوا) (وغدوا عليك مرجلينَ ... كأنهم لم يفعلوا) هذا أبلغ من ذكر الفروج والقول الفاحش المقذع في الأمهات والأخوات. ومن البليغ قول حسان: (أبناء طارف لنْ تلقي لهم شهباً ... إلا التيوس على أقفائها الشعرُ) (إن نافروا نفروا أو كاثروا كثروا ... أو قامروا الزنجَ عن أحسابهم قمروا) (كأنَ ريحهمُ في الناس إذ خرجوا ... ريحُ الكلابِ إذا ما مسها المطرُ) قد استوفى المعنى عند قوله (ريح الكلاب) ثم قال (إذا ما مسها المطر) فجاء بتتميم حسن. وقالوا قول جرير (نُتِفَتْ شواربُهُم على الأبوابِ) وقالوا قول حسان: (أبوك أبو سُوءٍ وخالك مثلهُ ... ولستَ بخيرٍ من أبيك وخالِكا) (وإنَّ أحقَ الناسِ أنْ لا تلومهُ ... على اللؤمِ من ألفى أباهُ كذلِكا) ومن الأفراط في صفة البخل قول ابن الرومي في سليمان بن عبد الله بن طاهر: (تجنب سليمان قفل الندَى ... فقد يئسَ الناسُ من فتحهِ) (فلو كانَ يملكُ أمرَ أستهِ ... لما طمعَ الحشُ في سلحهِ)

стр. 177

وأبلغ ما قيل في الهجاء باللؤم قول الفرزدق: (ولو تُرمي بلؤم بني كليبٍ ... نجومُ الليل ما وضحتْ لسارِ) (ولو لبسَ النهارُ بني كليبٍ ... لدنسَ لؤمهم وضحَ النهارِ) (وما يغدو عَزيزُ بني كليبٍ ... ليطلبَ حاجةً إلا بجارِ) وقد مر البيتان الأولان فيما تقدم. ومن الافراط في الهجاء قول الآخر: (لو اطَلعَ الغرابُ على تميم ... وما فيها من السوآتِ شابا) وقول الآخر: (سَل اللهَ ذا المنَ من فضلهِ ... ولا تسألنَ أبا وائلهْ) (فما سألَ الله عبدٌ لهُ ... فخابَ ولو كانَ من باهلْه) وقال الآخر: (ولو قيلَ للكلبِ يا باهلي ... لأعولَ من قبح هذا النسبْ) وأنشدني أبو أحمد أنشدني أبو مسلم بن بحر لإبراهيم بن العباس وهي أبيات مشهورة أوردتها لأني لست أجد مثلها في معناها: (ولما رأيتك لا فاسقاً ... تهابُ ولا أنتَ بالزاهدِ) (وليسَ عَدُوك بالمتقي ... وليس صديقك بالحامدِ) (أتيتُ بك السوقَ سوقَ الرقيقِِ ... فناديتُ هل فيك من زائد) (على رجلٍ غادرٍ بالصديقِ ... كفورٍ لنعمائهِ جاحد) (فما جاءني رجلٌ واحدٌ ... يزيدُ على درهم واحد) (سوى رجلٍ حار منه الشقا ... وحلتْ به دعوةُ الوالد) (فبعتك منهُ بلا شاهدٍ ... مخافةَ أدرك بالشاهدِ) (وأبتُ إلى منزلي سالماً وحَلَ البلاءُ على الناقدِ) وقد أحسن التصرف فيها فما قاربه في معانيها أحد. وأبلغ ما قيل في البخل قول ابن الرومي:

стр. 178

(يقترُ عيسى على نفسهِ ... وليسَ بباقٍ ولا خالدِ) (فلو يستطيعُ لتقتيرهِ ... تنفس من منخر واحد) (رضيتُ لتشتيت أمواله ... يدي وأرثٍ ليسَ بالحامدِ) والناس يظنون أن ابن الرومي ابتكر هذا المعنى وإنما أخذه مما رواه الجاحظ أن فلاناً كان يقير أحدى عينيه ويقول إن النظر بهما في زمن واحد من السرف. ومن الفرد الذي لا شبيه له قول بعضهم: (إلى اللهِ أشكو أنني بتُ طاهراً ... فجاءَ سلوليٌ فبالَ على رجلي) (فقلتُ اقطعوها باركَ اللهُ فيكمُ ... فإني كريمٌ غير مدخلها رحلي) وقلت: (وقفت لديكمْ للسلام عليكُم ... وقوفي على أطلالِ سلمى وعاتكهْ) (يرومك تسليم العفاة كأنه ... بوادرُ طعنٍ في الضلوع مواشكهْ) (وما فيكمُ حرٌ يكرمُ ضيفهُ ... ولكن إذا ما ساء أكرم نائلَهْ) (وإن كنتمُ ناسا وما أنتمُ بهِ ... فإن القرودَ والكلابَ ملائكةْ) وليس في هذا الباب أبلغ من هذا ولا أعرفني سبقت إليه. وقال بعضهم: (سمعت المديح أناساً دون مالهم ... رد قبيح وقول ليسَ بالحسنِ) (فلمْ أفز منهمُ إلا بما حملتْ ... رجلُ البعوضةِ من فخارةِ اللبن) وهذا كما تراه بليغ جداً. وقال الآخر (يعطيك ما تعطيك مكحلة ... ) وأنشدنا أبو أحمد عن أبيه عن أبي طاهر لدعبل: (أتقفلُ مطبخاً لا شئ فيهِ ... من الدُّنيا تخافُ عليه أكلُ) (فهذا المطبخ استوثقتَ منه ... فما بالُ الكنيفِ عليهِ قفلُ) (ولكن قد بخلتَ بكلَ شئٍ ... فحتى السلح منكَ عليك بخل) وأنشدنا: (وإنَ لهُ لطباخاً وخبزاً ... وأنواعَ الفواكهِ والشرابِ) (ولكن دونهُ حبسٌ وضربٌ ... وأبوابٌ تطابقُ دونَ بابِ)

стр. 179

(يذودونَ الذُبابَ يمرُ عنه ... كأمثالِ الملائكةِ الغضابِ) وقال الخليل بن أحمد: (لا تعجبنَ لخيرٍ زلَ عن يدهِ ... فالكوكبُ النحسُ يسقي الأرضَ أحيانا) وقال أبو تمام: (صدقَ أليتهُ إن قال مُجهداً (لا والرغيفِ) فذاك البِر من قَسَمِهْ) (وإن هممتَ به فاقتك بخبزتهِ ... فإن موقعها من لحمهِ ودمهِ) (قد كانَ يعجبني لو أنَ غيرتهُ ... على جرادقةٍ كانتْ على حرمه) وقال الآخر: (يَزدادُ لؤماً على المديح كما ... يَزدادُ نتنُ الكلابِ بالمطرِ) وقلت: (خُبزُ الأميرِ عشيَّةً ... يغدُو عليهِ يُلاعبُهْ) (وإذا بَدَا لجليسهِ ... أفضى إليه يعاتبُهْ) (وتحوطُهُ أحراسُهُ ... وَتذبُ عنهُ كتائبه) (فالزورُ يُصفعُ عندهُ ... والضيفُ ينتفُ شاربه) وقال آخر: (فتى لرغيفهِ فرط وشغف ... واكليلانِ من دُرٍ وشذرِ) (إذا كسر الرَّغيف بكى عليهِ ... بكا الخنساء إذ فجعتْ بصخر) (ودونَ رغيفهِ قلعُ الثنايا ... وحربٌ مثل وقعةِ يوم بدرِ) وقال آخر: (إنَّ هذا الفتى يصون رغيفاً ... ما إليه لآكلٍ من سبيلِ) (هو في سفرتين من أدمِ الطائف ... في سلتين في منديل) (خُتمتْ كلُ سلةٍ برصاصٍ ... وسيورٍ قُددن من جلدِ فيلِ) (في جرابٍ في جوفِ تابوتِ موسى ... والمفاتيحُ عندَ ميكائيلِ) وقلت: (لنا سيدٌ واحدٌ ماجدٌ ... يقتل في الجود آباءهُ) (لئيمٌ إذا جاءهُ طارقٌ ... فقد جاءَه كلُ ما ساءَهُ)

стр. 180

(وهل يطمعُ الناسُ في خبزه ... إذا كان يمنعهم ماءَه) (فما ولغ الكلب في لؤمه ... لما زال يقذفُ أمعاءَه) وسمعت عن أبي حفص يقول قال جعفر بن محمد العسكري أبلغ ما قاله محدث في البخل قول بعضهم: (الحابس الرَوثَ في أعفاج بغلته ... خوفاً على الحبَ من لقطِ العصافيرِ) وأجود ما قيل في البخل قول بعضهم: (وعدت فأكدت المواعيد بيننا ... وأقلعت إقلاع الجهام بلا وبلِ) (وأجررت لي حبلا طويلا تبعته ... ولم أدر أنَ اليأسَ في طرف الحبلِ) وقال أبو نواس: (رأيتُ قُدور الناس سوداً من الصَّلى ... وقِدر الرَقاشين زهراء كالبدرِ) (يُبيتهُا للمعتفي بفنائهمْ ... ثلاثا كنقط الثاء من نُقَط الحِبرِ) (إذا ما تنادَوا للرَّحيل سعى بها ... أمامهمُ الحوليّ من ولد الذّر) (ولو جئتها ملأى عبيطاً مجزراً ... لأخرجت ما فيها على طرف الظفر) غيره: (يحصنُ زَاده عن كلَ ضرس ... ويعمل ضرسه في كلِّ زادِ) (ولا يَروي من الآداب شيئاً ... سوى بيتٍ لأبَرهةَ الأيادي) (قليلُ المالِ تُصلحهُ فيبقى ... ولا يبقى الكثيرُ مع الفسادِ) وقلت في مثلهِ: (يطعمُ دُونَ الشبع أولادَهُ ... ويختمُ البُرمَةَ والجفنَه) (لم يَروٍ إلَاّ خبراً واحداً ... قد تذهبُ البطنةُ بالفطنة) وقال آخر: (ظلمتك إذ سألتك ماءَ كرم ... وماءُ الكرم للرجلِ الكريمِ) وقلت: (لك بُرمةٌ نَزَّهتها ... من أن تدنسَ بالدَّسَمْ) (بيضاءَ يُشرقُ نورُها ... كالبدرِ في غسقِ الظلم)

стр. 181

(لو كانَ عرضُك مثلها ... كنتَ المَمدح في الأمم) (أو كانَ فعلك مثلَ قولك ... كنتَ تاريخَ الكرم) ومن أبخل بيت قيل: (وما رَوَحتنا لتذبَ عنا ... ولكنْ خَفتَ مرزئةَ الذباب) وقال أبو نواس يصف قدراً: (يغصُ بحلقومِ الجرادةِ صدرها ... وينضحُ ما فيها بعودِ خلالِ) (وتغلى بذكرِ النارِ من غير حرها ... وتنزلها عفواً بغير جمال) (هي القدرُ قدرُ الشيخِ بكرِ بنِ وائلٍ ... ربيعِ اليتامى عامَ كلِّ هزالِ) وقال ابن الرومي: (رأى البخلَ طباً فهو يحمي ويحتمي ... فلستَ ترى في بيته غيرَ جائعِ) ومن أجود ما قيل في زيادة البخل والشح مع زيادة المال قول ابن الرومي: (إذا غمرَ المالُ البخيلَ وجدتهُ ... يزيد به يَبساً وإن ظنّ يرطُب) (وليس عجيباً ذاك منهُ فأنهُ ... إذا غمرَ الماءُ الحجارةَ تصلبُ) وهو مأخوذ من قول بعض حكماء الهند. وأنشدنا أبو أحمد عن أبيه عن أبي طاهر: (رغيفك في الحجابِ عليه قفلٌ ... وحراسٌ وأبوابٌ منيعَهْ) (رأوا في بيتهِ يوماً رغيفاً ... فقالَ لضيفه هذا وديعة) وأنشدنا عنه: (له حاجبٌ دُونهُ حاجبٌ ... وحاجبُ حاجبهِ مُحتجبُ) وقال أبو تمام: (لا تكلفنَ وأرضُ وجهك صخرةٌ ... في غيرِ منفعةٍ مؤونةَ حاجبِ)

стр. 182

وقال آخر: (لا تتخذْ باباً ولا حاجباً ... عليك من وجهك حُجابُ) وأنشدنا: (أعجبت أن ركب ابن حزم بغلة ... فركوبُه ظهرَ المنابرِ أعجبُ) (وعجبت أن جعل ابن حزم حاجبا ... سُبحانَ من جعلَ ابنَ حزم يحجب) وقال آخر: (إحتجب الكاتب في دَهْرِنا ... وكان لا يحتجبُ الحاجب) (القومُ يخلون بحجابهم ... فينكحُ المحجوبُ الحاجب) وقال آخر وأحسن: (وصاحبٌ أسرفتُ في مدحه ... وبخلهُ يُسرعُ تكذيبي) (وحجابهُ ألزمني منزلي ... وبخلهُ أحسنَ تأديبي) وقلت في معناه: (مدحت فلم تصدق ولم تك مُذنبا ... ولكنَ دهراً لم يساعدك مذنب) (وما الجهلُ إلا أن تقرظَ معشراً ... خلائقهم يشهدنَ أنك تكذبُ) وأنشدنا أبو أحمد: (لا خيرَ في صاعدٍ فأذكرهُ ... والخيرُ يأتيك من يدي عمرِ) (ليسَ لهُ ما خلا أسمهِ نسبٌ ... كأنهُ آدمٌ أبو البشر) ومن أظرف ما قيل في هذا الباب قول ابن الرومي: (لك وجهٌ كآخر الصكَ فيهِ ... لمحاتٌ كثيرة من رجالِ) (كخطوطِ الشهودِ مشتبهاتٍ ... معلماتٍ أن لستَ بابن حلالِ) وقلت: (إن كانَ شكلك غيرُ مُتفق ... فكذا خلالك غيرُ مؤتلفة) (من عصبةٍ شتى إذا اجتمعوا ... شبهت داركم بع عرفه) (صورت من نطف قد اختلفت ... فأتتْ خلالُك وهي مختلفهْ) (فورِثتَ من ذا قبحَ منظرهِ ... وورثت ذاك خناه أو صلفه) (عريتني أنْ رُحتُ في سَمل ... والدُرُ لا تزري به الصدفة)

стр. 183

وأجود ما قيل في عظم الجسم مع قلة العقل من الشعر القديم قول حسان: (جِسُمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ) ٥ وقال ابن الرومي: (طولٌ وعَرضٌ بلا عقلٍ ولا أدبٍ ... فليسَ يحسنُ إلا وهو مَصلوبُ) وقال وأحسن: (إذا فقتَ الذميمَ بحسن جسمٍ ... فلا يسبقك بالشيمَ الشريفة) (فيصبح أفضلَ الرجلين نفساً ... وتصبحُ أعظمَ الرجلينِ جيفه) وأنشدنا أبو أحمد أنشدني ابن لنكك لنفسه: (إثنان لم ينكرهما منكرٌ ... بغضُ أبي إسحاقَ والموتُ) (ويدعي العلمَ على أنهُ ... قد طارَ بالجهلِ لهُ الصوتُ) (لا يلتقي والعلم في مجلس ... أو يلتقي الإدراكُ والفوتُ) وكتب ابن العميد وليت شعري بأي حلي تصديت له وأنت لو توجت بالثريا وتمنطقت بالجوزاء وتوشحت بالمجرة وتقلدت قلادة الفكة ما كنت إلا عطلاً ولو توضحت بأنوار الربيع الزاهر وشدخت في جبينك غرة البدر الباهر واستعرت من الصباح ثوباً وخضت أوضاح النهار خوضاً ما كنت إلا غفلا. وأبلغ ما قيل في صفة ثقيل ما أنشدناه ابن أبي حفص عن جعفر: (وثقيل أشدّ من غصص الموت ... ومن زفرةِ العذابِ الأليمِ) (لو عصتْ ربَّها الجحيمُ لما كان ... سواهُ عقوبةً للجحيمِ) وأبدع ما قيل في هذا المعنى قول بشار: (ربما يثقلُ الجليسُ وإن كانَ ... خفيفاً في كفهِ الميزانِ) (ولقد قلتُ حين طل على القوم ... ثقيلٌ أرني على ثهلان)

стр. 184

(كيف لم تحملِ الأمانةَ أرضٌ ... حملتْ فوقها أبا سفيانِ) أخذه ابن الرومي فقال: (أنتَ فضلٌ وفضلةُ الشئ لغوٌ ... ثم أردفتَ ذلةَ التصغيرِ) (حُقرَ الفضلُ ثم صُغرتَ عنهُ ... زادك اللهُ يا صغيرَ الحقيرِ) (ثمَ عَرجتَ فاحتواكِ انتقاصٌ ... في اسمِ سوء وجسمِ سوءٍ ضريرِ) (ثم بردتَ فانتصفتَ من النار ... ببردٍ يربى على الزمهريرِ) (فقبولُ النفوس إياكَ عندي ... آيةٌ فيك للطيفِ الخبيرِ) (إنَ قوماً أصبحتَ تنفقُ فيهم ... لعلى غاية من التسخيرِ) (أو أناس غدوا وارحوا من الطرفِ ... على حالةِ الفقير الوقيرَ) (فمتى ظفروا بزور ظريفٍ ... أعجبتهم زخارفُ التزوير) (كالأعاريب لم يروا درمك البرَ ... فهم يعظمونَ خبزَ الشعير) (وكذا القومُ لم يروا لجة ... البحر فهم يكبرونَ ماء الغدير) (يا ثقيلا على القلوب خفيفاً ... في الموازين دونَ وزن النقير) (طر سخيفاً وقع مقيتاً فطوراً ... كسفاة وتارةً كثبير) وله: (وثقيل سبحانهُ من ثقيل ... وتعالى عن كلَ مثلٍ وندَ) (حمل الله أرضه ثقليها ... وعلاها بثالث من أد) وأجود ما قيل في تباعد الأشباه من الأقرباء ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي قال سمعت المبرد يقول لم يقل في تباعد الأشباه من الأقرباء أجود من قول ابن أبي عيينه يهجو خالد بن يزيد المهلبي ويمدح أباه في كلمة: (أبوكَ لنا غيثٌ نعيشُ بفضله ... وأنتَ جرادٌ ليس يبقى ولا يَذَرْ) (له أثرٌ في المكرماتِ يسرُّنا ... وأنت تعفي دائماً ذلك الأثر)

стр. 185

(لقد قنعتْ قحطانُ خزياً بخالد ... فهل لك فيه يخزيك اللهُ يا مُضرُ) فسمع المهدي بيته هذا فقال بل تكرمون وتؤثرون. وله في مثل ذلك يقول في قبيصة بن روح بن حاتم يفضل عليه ابن عمه داود بن يزيد بن حاتم: (أقبيصُ لستَ وإن جهدتَ ببالغ ... سعىَ ابن عمك في الندى داودِ) (شتانَ بينك يا قبيصُ وبينه ... إنَّ المذَممُ ليس كالمحمود) (داودُ محمودٌ وأنتَ مُذممٌ ... عجباً لذاك وأنتما من عودِ) (ولربَ عود قد يشقُ لمسجد ... نصفاً وسائرهُ لحشَ يهود) وقلت في خلاف ذلك: (كم حاجةٍ أزلَتها ... بكريمِ قومٍ أو لئيم) (فإذا الكريمُ من اللئيم ... أو اللئيم من الكريمِ) (سبحانَ ربِ قادرٍ ... قدرَ البريةَ من أديم) (فشريفهم ووضعيهم ... سيان في شرفٍ ولومِ) (قد قلَّ خيرُ غنيهم ... فغنيهمْ مثلُ العديمِ) (وإذا اختبرتَ حميدَهم ... الفَيته مثلَ الذميم) لا (نفعَ فيهِ) للصغير ... من الأمورِ ولا العظيمِ) (أنظر إلى كبرِ الجسوم ... ولا تسلْ رفعَ الجسيمِ) وقالوا أنصف بيت قيل في الهجاء قول حسان: (هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه ... وعندَ اللهِ في ذاك الجزاءُ) (أتهجوهُ ولستَ لهُ بكفءٍ ... فشركما لخيرِكما الفداءُ)

стр. 186

يقوله في أبي سفيان بن الحارث، وفيه يقول أيضاً: (أبوك أبٌ حرٌ وأمُّك حُرةٌ ... وقد يلدُ الحرانِ غيرَ نجيبِ) (فلا يعجبنَ الناسُ منك ومنهما ... فما خَبثٌ من فضةٍ بعجيب) وأخبرنا أبو علي بن أبي حفص أخبرنا جعفر بن محمد قال أهجى ما قالت العرب قول الشاعر: (فصبراً على ذلّ ربيع بن مالك ... وكلُ ذليل خَير عادته الصبرُ) (تحالفكم فقرٌ قديمٌ وذلة ... وبئسَ الحليفان المذلةُ والفقرُ) ومن غير هذا الفن ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبيه عن عسل قال قال أبو سرج سمعني أبو دلف أنشد: (لا يمنعنك خفضُ العيشِ في دعًةٍ ... نزوعُ نفسٍ إلى أهلٍ وأوطانِ) (تلقى بكلِّ بلادٍ إنْ حللتَ بها ... أهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيرانِ) فقال هذا الأم بيت قالته العرب. والنزوع ههنا ردئ والجيد النزاع، وإنما جعل هذا البيت أبو دلف ألأم بيت قالته العرب لأنه يدل على قلة رعاية وشدة قساوة، وحنين الرجل إلى وطنه من المناقب التي يعتد بها ويمدح لأجلها لما فيه من الدلائل على كرم الطينة ووفور العقل، وقد قالت الحكماء: حنين الرجل إلى وطنه من علامات الرشدة. وقال بزرجمهر: من علامات العاقل بره بإخوانه وحنينه إلى أوطانه ومداراته لأهل زمانه، وقال أعرابي: لا تشك بلداً فيه قبائلك ولا تجف أرضاً فيها قوابلك وقالت العرب: أكرم الخيل أشدها جزعاً من السوط وأكيس الصبيان أشدهم بغضاً للمكتب وأكرم الصفايا أشدها حنيناً إلى أوطانها وأكرم المهارة أشدها ملازمة لأمهاتها وأكرم الناس آلفهم للناس. وقلت: (إذا أنا لا أشتاقُ أرضَ عشيرتي ... فليسَ مكاني في النهى بمكينِ) (من العقل أن أشتاقَ أولَ منزل ... غنيتُ بخفضٍ في ذراه ولين) (وروض رعاهُ بالأصائلٍ ناظري ... وغصن ثناهُ بالغداةِ يميني)

стр. 187

(وإني لا أنس العهودَ إذا أتتْ ... بنات النوى دونَ الخليطِ ودوني) (إذا أنا لم أرعَ العهودَ على النوى ... فلست بمأمون ولا بأمينِ) وسنذكر من هذا الباب طرفاً فيما بعد إن شاء الله تعالى. ومما لا تكاد تجد أجود منه في معناه ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي قال دخل بعض الشعراء على بعض الأمراء ببرقعيد فجعل ينشده وجعل الأمير يعاتب جارية بين يديه ولا يسمع منه فخرج وهو يقول: (أدبٌ لعمركَ فاسدٌ ... مما تُؤدبُ بَرْقعيدُ) (مَنْ ليس يعرف ما يريد ... فكيفَ يعرفُ ما نريدُ) (منْ ليسَ يضبطهُ الحديد ... فكيفَ يضبطهُ القصيد) (مالي رأيتك مرسلاً ... أينَ السلاسلُ والقيود) (أغلا الحديدُ بأرضكم ... أم ليسَ يصطك الحديدُ) وقلت في المعنى الذي تقدم: (قلَ خيرُ ابن قاسم ... فغناهُ كعدمهِ) (كادَ منْ خشية القرى ... يختبي في حِرامهِ) (جازَ في اللؤم حَدَهُ ... كأبيه وعمهِ) (كادَ يعديك لؤمهِ ... لو تسميتَ باسمه) وقلت: (قرانا بُقولاً إذ أنخنا ببابهِ ... فأصبحَ فينا ظالماً للبهائمِ) (وقفنا عليهِ الركبَ نسألهُ القرى ... ونحن على أعناق أغبر قائم)

стр. 188

(فصامَ وصوم الليلِ ليس بجائزٍ ... وإن جازَ في فقهِ اللئام إلا شائم) (أجازَ صيامَ الليلِ حين استفزهُ ... تعاورُ ضيفٍ في دُجى الليلِ عائمِ) (فبتنا أديمَ الليلِ نطوي على الطوى ... كأنا على غبراءَ من ظهر واشم) (وأطمعنا لما مرقنا من الدُّجى ... دحاريجَ لا تنساقُ في حلقِ طاعم) (مُدورةً سودَ المتون كأنها ... خصى الزَّنج لاحت تحت فِيَش قوائمِ) (فأبشارها تحكي بطونَ عقاربٍ ... وأرؤسها تحكي أنوفَ محاجم) ومن أعجب الهجاء هجو الرجل نفسه وهو ما رويناه للحطيئة ثم قال ديك الجن: (أيها السائلُ عني ... لستَ بي أخبرَ منّي) (أنا إنسانٌ براني الله ... في صورةِ جني) (بل أنا الأسمج في العين فدع عنك التظى) (أنا لا أسلم من نفسي فمن يسلمَ مِنّي) وهجا أبو نواس نفسه من حيث لا يعلم فقال في رجل وعده أبو نواس وعداً ثم مطله: (وأحوس ولاجٌ علىَ روائحٌ ... رجاءَ نوال لو أعين بجودِ) (زويتُ له وجهاً قطوباً عن الندى ... وأيأستهُ من وعدهِ بوعيد) (فان كنتَ لاعن سوء فعلك ... مقلعاً ... فدونك فاستظهر بنعلِ حديدِ) (فعندي مطلٌ لا يطير غرابُه ... مطير ولا يدعى له بوليد) ومن خبيث الهجاء قول ابن الرومي: (مني الهجاء ومنك الصبر فاصطبرِ ... لشرَ منتظر يا شرَ منتظر)

стр. 189

(أنتَ اللئيم فان تصبر فمن قحة ... على الهوان وإن تجزع فمن خورِ) (رأيت عيبك شعري حين تالمه ... شبيه عضَ أخيك الكلب للحجر) (فانظر إلى الكلب مرمياً لتعلم أن ... لم تترك شبهاً منه ولم تذر) وقال ابن الزمكدم: (وليلٍ كوجهِ البر قعيدي ظلمة ... وبرد أغانيه وطول قرونِهْ) (سريت ونومي فيه نومٌ مشردٌ ... كعقل ابن هارون ورقة دينه) (على أولق فيه اختبالٌ كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونِهْ) ومن أبلغ ما قيل في الجبن من الشعر القديم قول الشاعر: (ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومةً تدعوا عبيداً وأزلماً) أي لو رأيت عصفورة لحسبتها من جنبك خيلاً مسومة، ومثله قول عروة بن الورد: (وأشجع قد أدركتهم فوجدتهم ... يخافون خطف الطير من كلِّ جانبِ) ومثله قول الآخر: (ما زلت تحسب كل شئ بعدهم ... خيلاً تكرُّ عليهم ورجالا) وقال أبو تمام: (موكل بفضاءِ الأرضِ يشرفه ... من خفة الخوف لا من خفة الطربِ) وأبلغ ما قاله محدث في ذلك قول ابن الرومي: (وفارس أجبن من صفره ... يحول أو يعور من صفره) (لو صاح في اليل به صائحٌ ... لكانت الأرض له طفره) (يرحمه الرحمن من جنبه ... فيرزق الجندية النصره) وقال في سليمان بن عبد الله بن طاهر: (قرنُ سليمان قد أضرَ به ... شوقٌ إلى وجههِ سيدنفهْ) (لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخ فيعرفه)

стр. 190

وقال فيه: (هو الأسدُ الوردُ في قصرِهِ ... ولكنه ثعلبُ المعركة) ومن ظريف ما جاء في ذلك قول أبي الغمر هارون بن محمد من أهل آمل خرج عليه اللصوص فسلم إليهم متاعه وهرب: أنشدناه أبو أحمد عن الأنباري: (طلتَ تشجعني ضلاً بتضليل ... وللشجاعة خطبٌ غير مجهولِ) (هاتي شجاعاً بغير القتل مصرعه ... أو جدك ألف جبان غير مقتولِ) (والله لو أن جبريلاً تكفل لي ... بالنصر ما خاطرت نفسي لجبريل) (إسمع أحدثك عن بذي شكر ... خلاف بأس المساعير البهاليل) (لما بدت منهم نجوى جميعة ... تسرع الذ عرضي وفي طولي) (حتى اتقيتهم طُوعاً بذات يدي ... وانصعت أطوى ألفا ميلا إلى ميل) (الله خلصني منهم و؟ ... حتى تخلصت مخضوب السراويلِ) وهذا خلاف ما قاله المتنبي: (وإذا لم يكنْ من الموت بدٌ ... فمن العجزِ أن تموتَ جبانا) وقال سعيد بن العاصي حين هرب مروان بن محمد: (لجَ الفرارُ بمروانٍ فقلتُ لهُ ... عادَ الظلومُ ظليماً همُّهُ الهربُ) (أنى الفرار وترك الحربِ إذ كشفت ... عنك الهوينا فلا دينٌ ولا حسبُ) (فراسه الحلم فرعون العذاب وان ... تطلبْ نداه فكلبٌ دونهُ كلبُ) فشبهه بالنعامة في الجبن وهو من أنفر الحيوان. وقال بعض العرب: (نفرجةٌ ينفرُ من ظلَ الشجرْ ... فؤادهُ أنثى وضرسهُ ذكرُ) والنفرجة الجبان. ومن جيد ما قيل في التطير قول بعضهم: (الكوكب الذنبي يخبر ... بالعجائبِ بعد سبعة) (خلعوا عليه وبجلوه ... وصار في عزٍ ومنعه) (وكذاك يفعل بالجذور ... لنحرها في يوم جمعه) وقريب منه: (وزارة العباس منكوسةٌ ... تقتلع الدَّولة من أسّها)

стр. 191

(كأنه حين غدا راكباً ... في خلعة يعجزُ عنْ لبسها) (جاريةُ السوء إذا جربت ... ثيابَ مولاها على نفسِها) وأكسل ما سمعناه ما أنشدناه أبو أحمد عن ابن عماد عن سليمان عن يحيى بن سعيد الأموي لبعضهم: (سألت الله أن يأتي بسلمى ... وكان الله يفعل ما يشاءُ) (فيأخذها ويطرَحُها بجنبي ... ويرقدها وقد كشف الغطاء) (ويأخذني ويطرَحُني عليها ... ويرقدها وقد قضَى القضاءُ) (ويرسل ديمةً سحا علينا ... فيغسلنا ولا يلقى عَناءُ) أخبرنا أبو أحمد عن أبي عمر عن ثعلب قال قلت لابن الأعرابي من أحمق الأعراب؟ قال أعرابي سبق الناس إلى الموسم وجعل يدعو الله لحاله وشأنه ويقول: اللهم اقض حاجاتي قبل أن يدهمك الوفد. قال ثعلب أفلا أدلك على أحمق منه الذي يقول: (خلقَ السماءَ وأرضهُ في ستة ... وأبوك يمدد حوضه في عام) وسألني بعض الأدباء من أهل البصرة فقال أي الشعراء أشد حمقاً؟ قلت الذي يقول: (أتيهُ على إنسِ البلادِ وجنّها ... ولو لم أجدْ خلقاً لتهتُ على نفسي) (أتيه فلا أدري من التيهِ من أنا ... سوى ما يقول الناسُ فيَّ وفي جنسي) (فإن صدقوا أني من الإنس مثلهم ... فما فيَّ عيبٌ غيرَ أني من الإنسِ) فقال ما عدوت ما في نفسي. وقال بعضهم لابنه إياك والكبر وكيف الكبر مع النطفة التي منها خلقت والرحم التي فيها حملت والغذاء الذي به غذيت. ومن بليغ ما جاء في ذم الكبر قول بعضهم: التواضع مع السخافة والبخل أحمد من السخاء والأدب مع الكبر والعجب. وقلت في مثل هذا: (وعندَهُمْ مُذنِبٌ مُنيبٌ ... أحمدُ من محسنٍ مدلّ) وأبلغ ما قيل في صلابة الوجه قول الأعرابي: لو دق بوجهه الحجارة لرضها

стр. 192

ولو خلا بالكعبة لسرقها. ومن المنظوم قول بعضهم: (لو كنت من شئ خلافك لم تكن ... لتكون إلا مشجباً في مشجب) (يا ليتَ لي من جلد وجهك رقعة ... فأقدّ منها حافراً للأشهب) والبيت الأول مأخوذ من قول بعضهم: فلان يشجب من حيث رأيته وجدت (لا) . (وقد أحسن ابن أبي العتاهية في قوله: (قتلتْ (لا) فإنها ... خلعت خلعةَ العدم) (فهي تستهلك الجميل وتأتي على الكرمِ) وقول أبي تمام: (وسابحٍ هطلِ التعداءِ هّتانِ ... على الجزاء أمين غير خوانِ) (أظمى الفصوصَ ولم تظمأ قوائمه ... فخل عينيك في ظمآن ريانِ) (فلو تراه مسيحاً في الحصى ريم ... تحت السنابكِ من مثنى ووحدان) (أيقنت ان لم تثبت أن حافرهُ ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان) وقال في معناه يمدح رجلاً ويهجو عثمان هذا: (عثمان لا تلهج بذكر محمد ... يرضيك طول المجد عنك وعرضه) (بذلك كله امساكه ... ويفوتُ بسطكَ في المكارم قبضه) (وكأن عرضَك في السهولةِ وجهه ... وكأنَّ وجهَك في الحزونِة عرضهُ) وقال أبو الشمقمق: (صلابةُ الوجهِ سلاحُ الفتى ... ورقةُ الوجهِ من الحرفهْ) (من كانَ صلباً وجههُ محكماً ... فأنت منه الدّهر في طرفه) ومن أبخل ما قاله محدث قول ابن طباطبا الأصبهاني يخاطب غلامه: (إجعل الزَّوج من سراجك فردا ... واقتصد يا غلامُ والقصد أجدى)

стр. 193

(إن يكنْ فقدك الضياء رديئاً ... فاقتصادي للزر أردى وأردى) وقد غير هذا البيت في وجوه الأبيات المقولة في البخل. ومن أملح ما قيل في مخالفة ظاهر الرجل باطنة قول بعضهم: (إذا ما جئتَ أحمدَ مستميحا ... فلا يغررك منظرهُ الأنيقُ) (لهُ خلقٌ وليس عليهِ خلقٌ ... كبارقةٍ تروق ولا تريق) وممن ملح في الدعوة رزين العروضي: (لقد جئت يا ابن أبي تبّع ... بأمِّ الدَّواهي لدى المجمعِ) (حلفت بأنك من حميرٍ ... وليس اليمين على المدَّعي) وملح أيضاً في قوله: (إنْ فخرَ الناسُ بآبائهم ... أتيتهمْ بالعجب العاجبِ) (قلتَ وأدغمت أباً خاملاً ... أنا ابن أخت الحسن الحاجبِ) ومن أملح ما قيل في إفشاء السر قول بعضهم: (أوْدَعْتُهُ السرِّ فألفيتهُ ... انمَّ منْ كأسٍ على راح) وقال السري: (تثنى عنك فاستشعرتَ هجرا ... خلالٌ فيك لست لها براضِ) (وإنك كلما استودِعْتَ سرّا ... أنمّ من النسيم على الرِّياضِ) وقد أحسن كعب بن زهير غاية الإحسان في قوله: (ولا تمسك بالعهدِ الذي عهدتْ ... إلّاُ كما يمسك الماءَ الغرابيلُ) وأخذه الحطيئة فقال: (أغربالاً إذا استُودِعت سِراً ... وكانوناً على المتحدِّثينا) والكانون: الرجل الثقيل، قال الشاعر: (ليتَ الكوانينَ في زبل معلقة ... تحتَ الثريا بحبل ثم ينقطع)

стр. 194

وقد مر فيما تقدم بيت الحطيئة: ومدح ابن الرومي ابن المدبر فرد مديحه فقال فيه: (رددتَ علىَ مدحي بعدَ مطلٍ ... وقد دَنَستْ ملبسه الجديدا) (وقلت امدح بِه من شئتَ غيري ... ومن ذا يقبل المدحَ الرَّدِ يدا) (ولاسيما وقد أعلقتَ فيهِ ... مخازيك اللواتي لن تبيدا) ثم أخنى عليه بالهجاء حتى قال فيه وقد ضربه الريح بالأهواز ضربة في وجهه مدحه بها البحتري مدحاً كثيراً فمن ذلك قوله: (ووجهٌ ضمان البشر فيه موقفٌ ... على النجح والحاجاتُ تترى عجالُها) (به من صفيح الهند وشمٌ تبينهُ ... صفيحةُ وضَّاح يروق جمالُها) (متى ربدتها عزةٌ أو حفيظةٌ ... أعيد إليها بالسؤالِ صقالها) (متى ترَها يوماً عليها دليلها ... تعجبك من شمسٍ عليها هلالُها) وذكرها ابن الرومي فأفحش في قوله: (بوجهِ أبي إسحاق صدعٌ كعرضةٍ ... له قصةٌ غير الذي هو يظهرُ) (يخبر عنه أنه أثرُ ضَربة ... ببعضِ سيوفِ الزَّنجِ حينَ يخبر) (وما ضربتهُ الزَّنجُ في الوجهِ بل رأى ... أبورهم فانشق في وجههِ حرُ) في أبيات سخفية فطلبه ابن المدبر أشد الطلب فلما ظفر به وأراد قتله أنشأ يقول: (حقكَ الصفحُ عن ذُنوبي وحقي ... أنَ قتلي مُحللٌ لكَ طلقَ) (فاعفُ عن عبدكَ المسئِ ولا تبطل ... بما يستحقُ ما تستحقُّ) فعفا عنه وأجازه. وقال يهجو بخيلاً: (نعماك عندي التي أقرُ بها ... أنك أصبحتَ لي من الغيرِ) (وحبك الذمَ لائقٌ بك ما ... أشبهَ خطم الخنزير بالقذر) (أبديتَ في أولياتِ لؤمك ما ... قذرتَ في أخرياتهِ الآخرِ)

стр. 195

(كالقطرانِ الذي يرى أبداً ... في رأسهِ ما اقتني من العكر) وهو من قول الناس أول الدن دردي. وقالت العلماء البلاغة أن تجعل المعنى الدنئ رفيعاً والمعنى الرفيع وضيعاً. ومثل قول ابن الرومي قول الديملي: (في أوانِ الشبابِ عاجلني الشيبُ ... وهذا من أوَّل الدنَ دُردي) وليس هذا بالمختار لا بتذال لفظه. وقلت في بخيل: (قفعَ البردُ ضيف عمرو فأضحى ... مثلَ من فيهِ يا أخي زمانه) (باتَ للبرد في طهارةِ سوءٍ ... ومن الجوع والطوى في بطانه) (وهو قدماً للضيف جُوعٌ وقرٌ ... ولمولاهُ ذِلةٌ ومهانه) (جمع الرأس بين رأسه ورجلي ... فكأني في بيته أرسانه؟) وقلت: (ضفت عمراً فجاءني برغيف ... زادني أكلهُ على الجوع جوعا) (ثمَّ ولّى يقولُ وهو كئيبٌ ... لهف نفسي على رغيف أضيعا) (كانَ خداعةَ الضيوفِ ولكنْ ... رُبما أصبحَ الخدوعُ خديعا) (كنتُ أنزلته محلاً رفيعاً ... فغدا ذلك الرفيعُ وضيعا) (عجباً منه إذ أتيحَ هجاهُ ... كيفَ لم يمتنع وكان منيعا) (اتفاق الأسماء والألقاب وتباعد ما بينها في الأخلاق) قال الأول في ذلك: (يزيد الخير إنَ يزيد قومي ... سميك لا يزيدُ ولا تزيدُ) (يقودُ عصابةً وتقودُ أخرى ... فيرزق من يقودُ ومن تقودُ) (شبيهك في الولادةَ والتسمي ... ولكن لا يجودُ كما تجودُ) ومثله: (عليٌ وعَبدُ الله بينهما أبٌ ... وشتانَ ما بين الطبائعِ والفعلِ) (ألم ترَ عبد الله يلحى على الندى ... عليّاً ويلحاهُ عليٌّ على البخلِ) ومثله: (فإن يك مجرانا " لى جمع نسبةٍ ... ففي الرأي والأخلاقِ مختلفانِ) (وما أنتَ مثلي في مقام أقومُهُ ... لدى البأسِ إلاّ أننا أخَوَانٍ)

стр. 196

آخر: (لئن وصلتْ أبُوتنا انتساباً ... لقد قطعتْ مرارتنا العقولُ) (أبوكَ أبي وأنت أخي ولكنْ ... تباينت الطبائعُ والشكولُ) أخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال قال لنا المكتفي بالله يوماً ما أهتك بيت من الشعر وأفجر قائل أتعرفونه؟ فقال يحيى بن علي المنجم قول أبي نواس: (ألا فاسقني خمراً وقلْ لي هي الخمرُ ... ولا تسقني سِرّاً إذا أمكن الجهرُ) فقلت له إن المأمون أمر أن يخطب بهذا البيت على منابر خراسان وقال من عيوب محمد أنه استجلس رجلاً يقول ألا اسقني خمراً، ولكن الحسين بن الضحاك الخليع قد قال ما هو أهتك من هذا قال وما هو؟ فأنشدته: (أتبعتُ سُكراً بسكر ... وابتعتُ خمراً بقمرِ) فقال هذا لعمري أهتك من ذاك. قال أبو هلال رحمه الله تعالى: وأبلغ الهجاء ما يكون بسلب الصفات المستسحنة التي تخص النفس من الحلم والعلم والعقل وما يجري مجرى ذلك وليس الهجاء بقبح الوجه وضؤولة الجسم وقصر القامة وما في معنى ذلك بليغاً مرضياً، وينبغي أيضاً أن يتضمن الهجاء والمديح من نعوت المهجو والممدوح وأسمائهما وصفاتهما ما هما مشهوران به فإذا ذكر لم يخفيا. أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن عثمان بن عفان فحرمه فقال: (سيروا فقد جُن الظلامُ عليكمُ ... فبئس امرؤ يرجو القرَى عندَ عاصمِ) (دفعنا إليه وهو كالذَّيخ خاطباً ... فشدَ على أكبادنا بالعمائم) (وماليَ من ذنبِ إليه علمتهُ ... سوى أنني قد جئتهُ غير صائم) (فلولا يدُ الفارُوقَ عندي رميتهُ ... بقافيةٍ يُحدى بها في المواسمِ)

стр. 197

(فليتك من جرم بن زيان أو بني ... نعيم أو النوكى أبان بن دارمِ) (أناسٌ إذا ما الضيفُ حلَ بدارهم ... غدا جائعاً غرثان ليس بناعمِ) فلما بلغ ذلك عاصماً قال ما أكثر من يسمى عاصماً حتى يقول: عاصم بن عمرو بن عثمان بن عفان فبلغه ذلك فقال: (جنبتها عاصماً منْ أنْ تلمَ به ... أعني ابنَ عمرو بن عثمان بن عفانا) (إذا أناختْ بهِ الضيفانُ طارقة ... جاءت بنوهُ إلى الضيفان ضيفانا) فبلغه ذلك فقال: الآن طوقني بها طوق الحمامة لعنة الله تعالى. وقال بعضهم: (أرى ضيفك في الدار وكربُ الموت يغشاهُ ... على خبزك مكتوبٌ سيكفيكهمُ الله) وقال بشار: (وضيفُ عمرو وعمروٌ يسهران معاً ... عمرو لبطنته والضيفُ للجوعِ) آخر: (نوالك دونهُ خرطُ القتاد ... وخبزك كالثريا في البعادِ) (ولو أبصرتَ ضيفاً في المنام ... لحرمتَ المنامَ إلى التناد) (أرى عمرَ الرغيفِ يطولُ جدّاً ... لديك كأنهُ من قوم عاد) (وما أهجوك أنك كفء شعري ... ولكني هجوتك للكسادِ) وقال آخر: (رأى الصيفَ مكتوباً فظنَّ لبخلهِ ... وتصحيفهِ ضيفاً فقامَ يواثبه) ورأيت في ألفاظ هذا البيت زيادة فقلت: (قد كانَ للمال ربا ... فصار في البخل عبده) (وصحف الصيفَ ضيفاً ... فقام يلطمُ خده) وقال أبو نواس: (على خبز إسماعيل واقيةُ البخل ... ) أخبرنا أبو أحمد أخبرنا أحمد بن عماد أخبرنا ابن مهرويه حدثني محمد بن عمران بن مطر الشامي حدثني خالي الحسن ابن محمد قال نصب إسماعيل بن نوبخت طارمة في صحن داره فاصطحبنا أربعين يوماً ومعنا أبو نواس فبلغت نفقته أربعين ألف درهم فقال أبو نواس بعد ذلك فيه: (خبزُ إسماعيل كالوشى إذا ما شقَّ يُرفا ... )

стр. 198

(عجباً من أثر الصنعةِ ... فيه كيفَ يخفى) (إنَّ رفاءك هذا ... ألطفُ الأمة كفا) (فإذا ألصق بالنصف ... من الحروف نصفا) (ألطف الصنعة حتى ... ما ترى مطعن أشفى) (مثل ما جاء من التنور ... ما غادر حرفا) (ولهُ في الماء أيضاً ... عمل أبدع ظرفاً) (مزجهُ العذب بماء البئر ... كي يزداد ضعفا) (فهو لا يسقيك منهُ ... مثل ما يشرب صرفا) فلم يسبق أبو نواس إلى هذه المعاني وهي كما تراها غاية. قال وقال فيه أيضاً: (على خبز إسماعيل واقيهُ البخل ... فقد حلَ في دار الأمان من الأكلِ) (وما خبزهُ إلا كعنقاء مغربٍ ... تصورُ في بسطِ الملوك وفي المثُلِ) (يحدّث عنها الناسُ من غير رؤيةٍ ... سوى صورةٍ ما إن تمرّ ولا تحلي) (وما خبزهُ إلا كآوى يرى ابنهُ ... ولم ير آوى في الحزونِ وفي السهل) (وما خبزه إلا كليبُ بن وائلٍ ... لياليَ يحمى عزه منبت البقل) (وإذ هو لا يستبُّ خصمان عندهُ ... ولا الصوت مرفوعٌ بجدٍ ولا هزل) (فإنْ خبزُ اسماعيل حلَ به الذي ... أصابَ كليباً لم يكنْ ذاك عن ذلَ) (ولكن قضاءٌ ليسَ يسطاعُ ردهُ ... بحيلة ذي مكرٍ ولا دهي ذي عقل) وكان الجاحظ يفضل قوله (وإذ هو لايستب خصمان عندهُ) على قول مهلهل (واستبَّ بعدك يا كليب المنزل ... ) وغير ذلك قال ابن الرومي:

стр. 199

(وقينةٍ أبرَد من ثلجة ... تظلُ منها النفسُ في ضجّةْ) (كأنها من نتنها ثومةٌ ... لكنها في اللونِ أترجَّه) (تفاوتتْ خلقُتها فاغتدتْ ... لكلّ مَن عطّلَ محتجه) (كأنها والوشمُ في جلدِها ... زرنيخةٌ شيبتْ بليلنجه) (خراجةٌ للفسق دخالةُ ... تعجبها الدخلةُ والخرجه) (كأنما فقحتها فحمةٌ ... فتّ عليها عابث ثلجة) وهي أبيات سخيفة تركت أكثرها لسخفه. ونقل قوله (فهي لمن عطل محتجه) إلى موضع آخر فقال في إسماعيل بن بلبل: (لا سيقتُ نعمى تسربلتها ... كم حجةٍ فيها لزنديقِ) وقد أبدع أبو نواس في قوله يهجو جعفر بن يحيى: (قولوا امتدحتَ فماذا اعتضت قلتُ لهم ... خرقَ النعالِ وإخلاق السراويلِ) (ذاك الأميرُ الذي طالتْ علاوتهُ ... كأنهُ ناظرٌ في السيفِ بالطولِ) وكان جعفر طويل الوجه والقفا. وقال فيه أيضاً (قفا ملك يقضي الهموم على بثق) وقلت: (سوداء يَذرفُ دمعها ... مثلَ الأتونِ إذا وكفْ) (وكأنها منْ قبحها ... سلحُ العليلِ على الخزفْ) وقال أبو تمام: (فأشهدُ ما جسرتَ عليّ إلا ... وزيدُ الخيلِ دونك في الشجاعهْ) (ووجهك إذ رضيت به نديما ... فأنتَ نسيجُ وحدك في القناعه) (ولو بدلتهُ وجهاً إذا لم ... أصلَ به نهاراً في جماعه) ومن أعجب ما قيل في كبر الأنف قول كشاجم: (لقد مرَ عبدُ اللهِ في السوق راكباً ... لهُ حاجبٌ من أنفه وهو مطرقُ) (رعيت له من جانب السوق مخطة ... توَّهمت أنَ السوق منها سيغرقُ)

стр. 200

(فأقذر به أنفاً وأقذر بربِّه ... على وجههِ منه كنيفٌ معلقُ) وقال غيره: (أنتَ في البيت وعرنينك في الدار يطوفُ) ومن أقبح ما جاء في قبح الأسنان قول جرير: (إذا ضحكت شبهت أنيابها العلى ... خنافس سودا في صراة قليبِ) وإنما خص الأنياب العلى دون السفلى لأنها تبدو في التبسم والتكلم وعند التثاؤب، وهو كقول الآخر: (إذا كان يهدي بردُ أنيابها العلى ... لأفقرَ مني إنني لفقيرُ) فشبه أسنانها بالخنافس وسعة فمها بالقليب، والصراة: الماء الفاسد فشبه به فساد نكهتها. وأخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر عن الرياشي عن ابن سلام قال دخلت ديباجة المدنية على امرأة فقيل لها كيف رأيتها قالت لعنها الله كأن بطنها قربة وكأن ثديها دبة وكأن استها رقعة وكأن وجهها وجه ديك قد نفش عرفه يقاتل ديكاً. ومن بديع الهجاء بالتبزق والتمخط والبخر قول ابن الورمي: (تحسبُ مزكوماً وإن لم تزكم ... منْ سدةٍ في أنفك المورمِ) (مُحشرجَ الصدر بِرَطليْ بلغم ... إنْ لم تنخّع مَرَّةً تنخّم) (نخامةً كالضفدعِ الموشم ... دكناء رقطاء بقيح أو دم ... ) (ممتخطاً بالكوع أو بالمعصم ... تضرطُ من أنفٍ وتفسو من فم) (ذا نكهةٍ من لم تمتهُ يصدَم ... حتى دعاك الملأ ارحم تُرحم) وقال جحظة في البخر: (تنفسَ في وجهي فكدتُ أموتُ ... وأعرضَ عني جانباً فحييتُ) (فتنتني حتى حسبتُ بأنني ... وربكما يا صاحبيَ خريتُ) وقال بعضهم في سرعة الكلام: (كأنَ بني رالانَ إذ جاءَ جمعهمْ ... فراريجُ يلقى بينهنَّ سويقُ)

стр. 201

وقال دعبل في قصر الشعر: (فوهاءُ شوهاءُ لها شعرةٌ ... كأنها خملٌ على مسحِ) وقال ابن المعتز في أمرد ينتف: (وخدهُ مشوكٌ مزورُ التلويز ... كأنهُ فرنيةٌ كثيرةُ الشونيزِ) (وأنفهُ كسترةٍ مشترق الأفريز ... تحسبهُ إذا بدا سماجة النوروزِ) وقلت: (لعبَ الزمانُ بحسن وجه محمدٍ ... لعبَ الصبا بالربع حتى أفقر) (قد كانَ معروفَ الجمالِ فلمَ يَزلْ ... ينتابهُ الحدَثان حتى أنكرا) (عهدي بهِ متكفرٌ متعصفرٌ ... ثم اغتدى متصندلاً متزعفرا) (وكأنما صدغاهُ في وجناتهِ ... جعلانِ ينتابان سلحاً أصغرا) وقال ابن الرومي في غير هذا المعنى يحكي عن امرأة: (أنا كعبة النبك التي نصبتْ له ... فتلقّ مني حيث شئتَ وكبرِ) (فتبيتُ بينَ مقابلٍ ومدابرٍ ... مثلَ الطريقِ لمقبلٍ أو مدبرِ) (كأجيري المنشارِ يجتذبانهِ ... متنازعينِ في فليجِ صنوبرِ) ولا أعرفه سبق إلى هذا المعنى وهو من أظرف معنى وأعجبه وقال أيضاً وهو من ظريف المعاني (رأيتُ في دارِ حُسين مَشرَعه ... وامرأةً قاعدة مربعة) (لها بظورٌ في استِها مجمعه ... كأنها أترجةٌ مفقعة) وقال في خصي أراد أن يتزوج بامرأة: (قلِ لنجح أخطأتَ بابَ النجاحِ ... إذ تعاطيتهُ بلا مفتاحِ) (لستَ بالسابح المجيدِ فدع عنك ... ركوبَ البحارِ للسباحِ)

стр. 202

(فظع الحبّ بالخصيَ كما ... يفظع فقدُ المُرديِّ بالملاّحِ) (ليتَ شعري بما تظنك تصبي ... قلب ودان يا كسيرَ الجناح) (أبوجهٍ كأنه وجهُ قردٍ ... حائل اللونِ حامد المصباح) (نمشةٌ فوقَ صُفرةٍ فتراه ... كونيمِ الذُّبابِ في اللقاحِ) (إنما أنتمُ فقاحٌ فمهلاً ... ما غناءُ الفِقاحِ في الأحراحِ) (إنَ من يعشق النساء بلا أبر ... كمثل الغازي بغير سلاحِ) (لنْ يكونَ الطعانُ إلا برمح ... فدعوا الطعن للطوال الرّماحِ) ثم قال: (معشراً شبهوا القرودَ ولكن ... خالفوها في خِفّةِ الأرواحِ) وهي طويلة. ومن أعجب ما قيل في البخر قول الخالدي في رجل حلق سباله بعد أن أطاله: (حلقتَ سبالك جهلاً بما ... يواري من النكرات القباحِ) (فعذبت صحبك حتى المساء ... وعذبتَ عرسك حتى الصباحِ) (فلا أبعد اللهُ ذاك السبال ... فقد كانَ ستراً على مستراحِ) وقال ابن السكن: (رجلٌ يعقُ الكأس كلَ عشية ... ويعاقب المسواك كلَ صباحِ) وقلت: (قال لي صاحبي وقد صفقته ... نفحات الكروّس من في وصيفِ) (لعنَ اللهُ ليلة بتُ فيها ... مع رفيقي كأننا في الكنيف) وقد أبدع ابن الرومي في وقوله: (فسا على القوم فقالوا له ... إنْ لم تقم من بيننا قمنا) (فقال لا عدتُ فقالوا له ... من يف فيهِ ذا كما كنا) وقال أيضاً يذكر قينة: (مسموة الرَّيق إذا قبلتْ ... صحفت التقبيل تقتيلا)

стр. 203

(قبلها جلمود عُرارة ... يحسنُ للبخراءِ تقبيلا) (فاحشةُ النقصانِ لكنها ... قد كُمَّلَتْ بالبظرِ تكميلا) (أزرى بها اللهُ فلم يعطِها ... إلا بطولِ البظرِ تفضيلا) (إذا بدا الفيلُ وخرطومهُ ... قلنا أعارَتْ بِظَرها الفيلا) (غول يبيت الشرب من قبحها ... يرونَ في النومِ التهاويلا) (ما أحسنَ الأرقمَ طوقاً لها ... وأحسنَ الأسودَ إكليلا) (قد عذبَ اللهُ أمرأً نالها ... طورينِ تعجيلاً وتأجيلا) (لها ضراطٌ ريحهُ عاصفٌ ... يطفئ في الليلِ القناديلا) (حَلّت سراويلي على واسعٍ ... ما خلُته إلا سراويلا) (أحللتُ تنكيلي ببابِ استِها ... فكان للتنكيلِ تنكيلا) (لو رامت التوبةَ لم تستطعْ ... لسنّةِ الشيطانِ تبديلا) (يابسةُ العودِ وقد ذْللَتْ ... قطوفُها للنيلِ تذليلا) وهي طويلة عجيبة ليس لأحد في ملاحتها وعلو جودتها وكثرة معانيها شئ. ومما قيل في طول اللحية قول ابن الرومي: (ولحيةٍ لو شاءَ ذو المعارج ... أغنى بها كواسد النواسجِ) (ينسج مسحين بخان الدّراج ... وفَرّق الباقي على الكواسجِ) ومن ذلك قول بعضهم وهو مشهور: (ألم ترَ أنَ الله أعطاك لحيةً ... كأنك منها قاعدٌ في جوالقِ) وقال الآخر: ألم ترَ أنَ اللَّهَ أعطاك لحيةً ... كأنك منها بين تيسين قاعدٌ) وكان العوني إذا كتب كتاباً أخذ لحيته تحت إبطه وإذا كلمه انسان من الجانب الآخر التفت إليه فخلصت لحيته من تحت إبطه فمرت على الكتاب

стр. 204

فطمست جميع ما كتبه فيقول اللهم غفرا، فقال فيه بعضهم أوفى غيره: (لحيةُ قاضي القضاةِ لو جهدتْ ... مجهودَها لم تكنْ كعنفقته) (إذا أرادَ الكرَى توسَدها ... فقد كفتهُ مكانَ مرفقته) وقال رقبة بن مصقلة لأبي شيبة القاضي: لو كانت لحيتك هذه من الذنوب لكانت من الكبائر. وقد قيل من تدلت لحيته فقد تقلص عقله. وقلتُ: (قلْ للمدلَ بلحية موفورةٍ ... وسماد لحيةُ كلَ ألحى جهلهُ) (لا يعجبنك طولُ نبذك إنَّه ... من طال لحيتهُ تكوسج عقلهُ) وقد أجاد ابن الرومي وأبلغ وجمع في أبيات من المعاني ما لم يجمعه أحد في هذا الباب وهو قوله: (إن تطلْ لحيةٌ عليك وتعرضْ ... فالمخالي معروفةٌ للحميرِ) (علقَ اللهُ في عذرايك مخلاةً ... ولكنها بغيرِ شعيرِ) (لو غدا حكمها عليَّ لطارتْ ... في مهبِّ الرِّياح كلَ مطير) (ارع منها الموسى فإنك منها ... شهدَ اللهُ في أثام كبير) (أيما كوسج رآها فيلقى ... ربهُ بعدها صحيحَ الضمي) (هو أحرىَ بأنْ يشكَ ويغرى ... باتهام الحكيم في التقدير) (ما تلقاك كوسجٌ قطُ إلا ... جَورَ اللهَ أيما تجوير) (لحيةٌ أهملتْ فطالتْ وفاضتْ ... فإليها تشيرُ كفُ المشير) (ما رأتها عينُ امرئ ما رأتها ... قطُ إلا أهلَ بالتكبير) (روعةٌ تستخفهُ لم يرعها ... من رأى وجهَ منكر ونكير) (فاتقَ الله ذا الجلال وغير ... منكراً منك ممكن التغير) (أو فقصر منها فحسبك منها ... قيد شبرٍ علامة التذكير) (لو رآها النبي يوماً لأحدى ... في لحى النَّاس سُنةَ التقصيرِ) (واستحبَ الاحفاءَ فيهن والحلقَ ... مكانَ الاعفاءِ والتوفير)

стр. 205

أراد قول النبي & (أحفوا الشواربَ واعفوا عن اللحى) وقلت: (إن أبا عمرو له لحيةٌ ... بعيدَةُ البعضِ منَ البعضِ) (مضى إلى السوق وعُثنونه ... أقامَ في البيتِ فلم يمضِ) (وهو إذا ما مَر في سكةٍ ... يملأها بالطولِ والعرضِ) (يَدُوسُها الناسُ بأقدامهم ... كأنها أرضٌ على الأرضِ) وأخبرنا أبو أحمد عن أبيه قال قال الجماز اللبن لبعض كان أصحابنا في الظاهرة تل تراب فأتاه غلامه برجل يضرب له اللبِن وقد حمل في عنقه قالباً وإذا لحيته مل القالب فقلت له ليس في قالبك فضل يدخل فيه الطين مع لحيتك فقال إني سأخرجها من القالب قبل ضرب اللبن وإنما أردت أن أدفئها فيه قليلا، قال فلما رأيت حمقه قلت يحتاج أن يضرب في كل يوم ألف لبنة. قال خريم أنا أقدر على ذلك. وقال الناجي: (لابن شاهينَ لحيةٌ ... طوُلهُ شطرُ طولِها) (فهو الدهرَ كلهُ ... عاثرٌ في فضولها) ولولا القصد لجمع أعيان المعاني والشرط المتقدم لتركت التشنيع الملفوظ من المنظوم والمنثور على أن العلماء لو تركوا رواية سخيف الشعر لسقطت عنهم فوائد كثيرة ومحاسن جمة موفورة في مثل شعر الفرزدق وجرير والبعيث والأخطل وغيرهم ولو لم يصلح ذكر الفروج بتصريح أسمائها لكان تسمية أهل اللغة إياها بذلك خطأ وهذا محال ومما قيل في الذمامة وقصر القامة ما ينسب لأبي نواس وهو لغيره: (إذا استنَ في قوهية متَبخترا ... فقل جرذٌ يستنُ في لبنٍ محضِ)

стр. 206

(فأقسمُ لُوخَرتْ من استك بيضةٌ ... لما انكسرتْ من قربِ بعضك من بعضِ) وقال غيره: (ألا يا بيدقَ الشطرنج ... في القيمةِ والقامهْ) وقال آخر: (يعثر الناس في الطريقِ ... به من دمامتِهْ) وقال آخر: فقامَ إلى الغلام أسى وغيظاً ... بقدٍ لم يزد فيهِ القيامُ) (وقال ابن الرومي: (أأنت تشتمُ عرضي ... وأنتَ في طول أبري) وقال الناجم: (ينقص الأحرارِ من شأنهِ ... وهو أخو القلةِ والنقصِ) (كأنهُ البرغوثُ لم يخطه ... في صِغَر الجثمانِ والقرصِ) وقال: (وعازبُ الرأي ضعيفٌ مغرورٌ ... مكاثرٌ في العلم وهو مكثور) (في جسم عصفور وحلم عصفور) وقال آخر: (كأنه كلي غنم الأضاحي ... إذا قاموا حسبتهمُ قعودا) وفي غير هذا المعنى قول الآخر: (إذا لبسَ البياضَ فعدل قطن ... وان لبسَ السوادَ فعدل فحمِ) وقال ابن الرومي في القبح والسواد: (وجهكَ يا جعفر من قبحه ... أولى من العورةِ بالسترِ) (كأنما تأوي إليه الدُجى ... إذا هي انقضت عن الفجرِ) وقال ابن طباطبا في مجدور: (ذو جُدريٍ وجههُ ... يحكيه جلدُ السمكهْ) (أو جلدُ أفعى سلخت ... أو قطعةٌ من شبكه) (أو حلقُ الدّرع إذا ... أبصرتها مشتبكه) (أو سفر محبب ... أو كرشٌ منفركة) (أو منخلٌ أو عرضٌ ... رقعته منهتكه) (أو حجرُ الحما كم ... من وسخ قد دلكه) (أو كورُ زنبور إذا ... فرخَ فيه تركه)

стр. 207

(أو كدر الماءِ إذا ... أظهر فيه حبكه) (أو سلحةٌ جامدةٌ ... تنقرُ فيها الدَّيكَهْ) (يبغضه من قبحه ... كلُّ طريق سلكَهْ) وقد أبدع ابن الرومي: (جُدريٌ ما شأنها وهي شينُ ... كلُ أثر في ذلك الوجهِ نقشُ) (بدلتْ من ظفائر وقرونٍ ... حملَ أنفٍ فيهٍ لفرخين عشٌ) وقلت في غير هذا المعنى: (قد حسن ظاهرهُ وباطنهُ ... وأمرَ مخبرهُ ومنظرهُ) (شعرُ تجددَ في عوارضهِ ... مثل المكا الرطبِ تسفرهُ) وقال ابن طباطبا في أسودين: أخبرنا أبو بكر أحمد أخبرني عبد الله بن أبي عامر قال كان أبو الحسن العلوي المعروف بابن طباطبا قصد يوماً أبا علي بن رستم فصادف على بابه عثمانيين أسودين كالفحم متعممين بعمامتين حمراوين فامتحنهما فوجدهما من الأدب خاليين فدخل مجلس ابن رستم وكتب في درج: (رأيتُ بباب الدَّار أسودينِ ... ذَوَيْ عمامتينِ حَمْرَاوَيْنِ) (كجمرتينِ فوقَ فحمتينِ ... قد غادرا الروض قرير العين) (جدَ كما عثمانُ ذُو النورينِ ... فمالهُ أنسلَ ظُلمتين) (يا قبحَ شينٍ صادرٍ عن زَيْن ... حدائد تطبعُ من لجين) (ما أنتما إلا غُرابا بينَ ... طيرا فقد وقعتما للحين) (زورا ذوي السنة بالمصرين ... المظهرين الحبَ للشيخين) (وخليا الشيعةَ للسبطين لا تبرما إبرامَ ربَ الدينِ) (ستعطيانِ في مدى عامين ... صكاً بخفينِ إلى حنُين) وقال أبو تمام يهجو عياشاً بعد ما مات:

стр. 208

(كرت على اللؤم بما ساده ... وساءه كرَّتك الخاسرَهْ) (أسهرتَ عينَ اللؤم منذ انطوتْ ... عليك أثوابُك بالساهرَهْ) (قد كانت الدنُيا شفتْ لوعتي ... منك ولكن لذتَ بالآخرهْ) (يا أسدَ الموت تخلصتهُ ... من بين لحي أسدِ القاهرهْ) (أجارك المكروهُ من مثله ... فاقرة نجتك من فاقره) وقال فيه: (وتضوَّر القبرُ الذي ضمنته ... حتى ظننا أنهُ المقبورُ) فأتيح لأبي تمام مخلد الموصلي فهجاه بعد موته فقال: (سقى حمارك يا طائيُ غاديةُ ... من المنى وقطعان من الكمرِ) (حر الحُلاقِ وبردٌ الشعرِ اتلفه ... فجاءهُ الموتُ من حرٍ ومن حصر) ومما قيل في البرد أيضاً قول بعضهم في المبرد: (ويوم كنار الشَّوق في القلب والحشا ... على أنهُ منها أحرُ وأومدُ) (ظللتُ به عند المبرِّد قائلا ... فما زلتُ في ألفاظِه أتبردُ) وفلج أحد الشعراء فسئل عنه رجل فقيل له ما كان سبب فالجه؟ قال أكل بيتين من شعره. ومن جيد ما قيل في برد الغناء قول بعضهم: (كاد من بردهِ يجمد روحي ... ضَرَبَ اللهُ شقّه بغنائه) وقال غيره: (غنى لنا نصرٌ فقلنا له ... مصعبُ جرام على السبعِ) (وحركَ العودَ بأطرافهِ ... فكان يحتاجُ إلى الصفع) (فقمت من مجلسه هارباً ... أدعو على كفيه بالقطعِ) وقال كشاجم: (ومغنٍ بارد النغمة ... مختلّ اليدين) (ما رآه أحدُ في ... دارِ قوم مرتين) (صوته أقطع للذات ... من صيحة بينِ)

стр. 209

وقلت: (قد أسمعتنا غناءً لا خلاقَ به ... كما تعرّكِ آذانِ السنانيرِ) (حتى إذا ارتفعت في الصوت لا ارتفعت ... أهدت لسمعيَ تهديرَ الخنازيرِ) (وكلما انخفضتْ فيه مزمزمة ... خلت الزنابيرَ تشدو في القواريرِ) (لا تَخْدعنَّهُ بأثوابٍ مُصَبَّغةٍ ... نصبتهنَ شراكاً للمدابيرِ) وقال ابن الرومي: (وإذا غنت ترى في حلقها ... كلّ عرقٍ مثلَ بيت الأرضة) وقال الناجم: (وقنية شتمها قنوتُ ... أحسن أصواتها السكوتُ) (مفقودة الكلَ غير بطن ... مثقل فهي عنكبوتُ) وقال غيره: (كأن أبا الحسين إذا تغنى يحاكي عاطساً في عين شمسِ) (يلوك لسانه طوراً وطوراً ... كأنَّ بضرسه ضربانَ ضِرسِ) وقال المصيصي: (وتحسب الندمان في حلقه ... دجاجةً يخنقها ثعلبُ) (ما عجبي منه ولكنني ... من الذي يعجبه أعجبُ) وقلت في عواد (يقول لنا غيرما يضرب ... ويضربُ غير الذي نحسبُ) (ككيسان يكتبُ غيرَ الذي ... يقول المحدِّثُ والمكتب) (فيكتبُ غيرَ الذي قاله ... ويقرأ غير الذي يكتب) (فصمتاً إذا شئتَ اطرابنا ... فنحن إذا قلتَ لا نطربُ) (ولا تأتيني إذا جئتني ... فإني إذا جئتني أذهب) وقلت: (تغنى لنا فجعلنا عليه ... عمائم تنزع جلدَ القفا) (جعلنا اللطامَ لها لحمةً ... ونتفَ الشوارب فيها سدى) ومن جيد ما قيل في تغير وجوه الأحداث عند خروج اللحى قول البسامي: (قالوا تغيرَ عن ملاحته ... قلتُ الزمانَ يريكمُ العبرا) (يا زهرةَ ومحاسناً مُسخت ... ماذا لحاه الشعر لو شعرا) (قد كانت الأبصارُ تجرحه ... واليوم يجرحها إذا حصرا)

стр. 210

وقال سعيد بن حميد: (فالآن حينَ بدتْ بخدِّك لحيةٌ ... ذهبت بملحك ملء كفَ القابضِ) وقال ابن طباطبا: (يا من يزيل خلقة الرحمن ... عما خلقتْ) (تب وخفِ اللهَ على ... كفك مما اجترحتْ) (هل لك عذرُ عندهُ ... إذا الوحوشُ حشرت) (بلحيةٍ إن سُئلت ... بأيِّ ذنب نتفتْ) وقلت: (حصلت في بيتي ذا غلظة ... كأنني مشطُ ابنِ منصورِ) (يا لحيةً هتك أستارها ... بأصبع منه وأظفور) (فخذه من سح؟ تارةً ... وتارة من قشر بلور) (فاترة كالمسك في لونه ... وتارة في لون كافورِ) (يعجبه المردُ فيحكيهمُ ... حكاية زور من الزورِ) (يقول ما أحسنَ رب الورى ... إذ غرسَ الظلمةَ في النورِ) وقلت: (من شقوةِ المردِ أن تبدو شوارابهم ... مسودةُ قبلَ أن تبدوا عوارضهم) (يا ويحهم من لحى جدَّت مناقشهم ... فيهنَّ أو لعبتْ فيها مقارضهم) قد أتيت في هذا الفصل على مافيه مقنع وبالله التوفيق. (الفصل الثالث في الاعتذار) الإعتذار أيدك الله ذلة ولا بد منه لأن الإصرار على الذنب فيما بينك وبين خالقك هلكة وفيما بينك وبين صديقك فرقة وعند سائر الناس مثلبة وهجنة فعليك به إذا واقعت الذنب وقارفت الجرم ولا تستنكف من خضوعك وتذللك فيه فربما استثير العز من تحت الذلة واجتنى الشرف من شجرة الندلة ورب محبوب في مكروه (والمجد شهد يجتني من حنظل) ومما خص به الإعتذار أن الحق لايثبت لباطله والحقيقة لا تقوم مع تخييله وتمويهه وإن رده لايسمع مع الكذب اللائح في

стр. 211

صفحاته، وقالوا المعاذير مكاذب، ويقولون مع ذلك لا عذر في رد الاعتذار والمعتذر من الذنب كمن لا ذنب له. وهذه خصلة لا يشركه فيها غيره، ولم يرو عن أحد قبل النابغة الذبياني في الاعتذار شعر فيه أجود منه، ومما نرويه له فيه قوله حين سعى به المنخل اليشكري إلى النعمان وزعم أنه غشي المتجردة حظية النعمان وذلك حين وصفها النابغة فقال: (وإذا لمستَ لمستَ أخثم جاثما ... متحيزاً بمكانه ملءَ اليدِ) (وإذا طعنتَ طعنتَ في مستهدفٍ ... رابي المجسةِ بالعبيرِ مقرمدِ) (وإذا نزعتَ نزعت عن مستحصفٍ ... نزعَ الحزَوَّر بالرشاء المحصد) فقال المنخل للنعمان هذا وصف من ذاقها. فوقر في نفس النعمان ثم وفد عليه رهط من بني سعد بن زيد مناة من بني قريع فأبلغوه أن النابغة ما زال يذكرها ويصف منها فأجمع النعمان على الإيقاع بالنابغة فعرفه ذلك عصام حاجب النعمان وهو الذي قيل فيه (نفس عصام سَودَتْ عصاما ... ) فصار يتمثل به فيقال عصامي ليس بعظامي إذا كان يكسب المآثر لنفسه ولا يتكل على مآثر الأموات من أسلافه، ويقولون كن عصامياً لاعظامياً. فانطلق النابغة إلى آل غسان وكانوا قتلوا المنذر ولد النعمان فزادهم لحاق النابغة بهم حشمة ثم اتصلت به كثرة مدائح النابغة لهم فحسدهم عليه فأمنه وراسله في المصير إليه فصار وجعل يعتذر مما قرف به ومن مدحه لآل غسان في قوله: (حلفتُ فلمْ أتركْ لنفسكَ ربيةً ... وليسَ وراءَ اللهِ للمرءِ مذهبُ) (لئنْ كنتَ قد بلغتَ عني خيانَةً ... لمبْلغُك الواشي أغشُ وأكذب) (ولستَ بمستبق أخاً لا تلمهُ ... على شعثٍ أيُ الرجالِ المهذبُ) وقد ذكرنا هذا في أول الكتاب، وقوله: (وعيدُ أبي قابوسَ في غيرِ كُنهه ... أتاني ودوني راكسٌ فالضواجع)

стр. 212

(فبتُ كأني ساورتني ضئيلةٌ ... من الرُّقش في أنيابها السمُ ناقعُ) (أتاني أبيتَ اللعنَ أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامعُ) إلى أن قال: (فإن كنت لاذو الضغن عني مكذبٌ ... ولا حَلفي على البراءة نافعُ) (ولا أنا مأمونٌ بشئ أقولهُ ... وأنت بأمر لا محالةَ واقعُ) (فإنك كالليل الذي هو مُدْركي ... وإنِ خلتُ أنَ المنتأى عنك واسعٌ) وقال: (أنبئت أنَ أبا قابوس أوْعدَني ... ولا قرار على زأرٍ من الأسدِ) (مهلاً فِداءٌ لكَ الأقوام كلهم ... وما أثمرُ من مال ومن ولد) (لا تقذفَنِي بركن لا كفاءَ له ... وإن تأثفكَ الأعداء بالرِّفَدِ) (ما قلت من سئ مما أتيت به ... إذاً فلا رفعتْ سوطي إليَّ يدي) (ها إنَّ ذي عذرة إلا تكن نفعتْ ... فأنَ صاحبها قد تاه في البلد) فخلع عليه النعمان خلع الرضا وكن حبرات خضرا مطرفة بالجواهر، وقد ذكرنا الحديث بطوله فيما تقدم. وما سلك أحد طريقته هذه فأحسن فيها كاحسان البحتري: أخبرنا أبو أحمد أخبرنا الصولي سمعت عبد الله بن المعتز يقول: لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته السينية في وصف إيوان كسرى فليس للعرب مثلها وقصيدته في صفة البركة (ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها ... ) واعتذاراته في قصائده إلى الفتح التي ليس للعرب بعد اعتذارات النابغة مثلها، وقصيدته في دينار التي وصف فيها ما لم يصفه أحد قبله وهي التي أولها (ألم تر تغليس الربيع المبكر ... ) وصفة حرب المراكب في البحر لكان أشعر الناس في زمانه فكيف وقد انضاف إلى هذا صفاء مدحه ورقة تشبيهه في قصائده. فمن اعتذاراته قوله في قصيدته التي أولها (لوت بالسلام بناناً خضيبا ... ) فقال فيها:

стр. 213

(فدْيناكَ من أيَ خطب عرا ... ونائبة أوشكتْ أن تنوبا) (وإن كانَ رأيك قد حالَ في ... فلقيتني بعد بشرٍ قطوبا) (يريبني الشئ تأتي به ... وأكبر قدرك أن أستريبا) (وأكرهُ أن أتمادى على ... سبيل اغترار فألقى شعوبا) (أكذِّب نفسي بأن قد جنيت ... وما كنت أعهد ظني كذوبا) (ولو لمْ تكنْ ساخطاً لم أكنْ ... أذمُ الزمانَ وأشكو الخطوبا) (أيصبحُ وردىَ في ساحتيك ... طرقاً ومراعاي محلاً جديبا) (وما كانَ سخطُك إلا الفراق ... أفاضِ الدموعَ وأشجى القلوبا) (ولو كنتُ أعرف ذنباً لما ... تخالجني الشكُ في أن أتوبا) (سأصبرُ حتى ألاقي رضاك ... إما بعيداً وإما قريبا) (أراقبُ رأيكَ حتى يصحَ ... وأنظرُ عطفك حتى يثوبا) وقوله: (عذيري من الأيام رنقنٍ مشربي ... ولقينني نحساً من الطيرِ أشأما) (وأكسبنني سخط امرئ بتُ موهناً ... أرى سخطه ليلاً مع الليل مُظلما) (تبلجَ عن بعض الرِّضا وانطوى على ... بقية عتب شارفتْ أن تصرَّما) (إذا قلت يوماً قد تجاوزَ حدّها ... تلبثَ في أعقابها وتلوَّما) (وأصيد إن نازعتهُ الطرفَ ردهُ ... كليلاً وإن راجعتهُ القولَ جمجما) (ثناه العدى عني فأصبح معرضاً ... وأوهمه الواشون حتى توهما) (وقد كان سهلاً واضحاً فتوَّعرت ... رُباه وطلقاً ضاحكاً فتجهما) (أمتخذُ عندي الاساءة محسنٌ ... ومنتقم مني امرؤٌ كان منعما) (ومكتسبٌ فيَّ الملامةَ ماجدٌ ... يرى الحمدَ غنماً والملاحةَ مغرما) (يخوفني من سوءِ رأيك معشرٌ ... ولا خوف إلا أن تجورَ وتظلما)

стр. 214

(أعيذك أن أخشاك منغير حادث ... تبينَ أو جرم إليك تقدَّما) (ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادتْ مع الليل أنجما) (أعِدْ نظراً فيما تسخطتْ هلْ ترى ... مقالاً دنيئاً أو فعالاً مُذمما) (رأيت العراق ناكرتني وأقسمتْ ... عليَّ صروف الدَّهر أنْ أتشأما) (وكان رجائي أن أؤوبَ مملكا ... فصار رجائي أن أؤوب مسلما) (حياء فلم يذهب بي الغيُ مذهبا ... بعيداً ولم أركبْ من الأمر معظما) (ولم اعرف الذَّنْب الذي سؤتني له ... فأقتل نفسي حسرةً وتندما) (ولو كان ما خبرتهُ أو ظننته ... لما كان غرواً أن ألومَ وتكرما) (أذكرك العهد الذي ليس سؤدداً ... تناسيه والودَ الصحيحَ المسلما) (وما حمل الركبان شرقاً ومغرباً ... وأنجدَ في أعلى البلادِ وأتهما) (أقرُ بما لم أجنهِ متنصلاً ... إليك على أني أخالكَ ألوما) (ليَ الذَِّنبُ معروفاً وإن كنتَ جاهلا ... به فلك العتبى عليَّ وأنعما) (ومثلك من أبدي الفعالَ اعادةً ... وإن صنعَ المعروف زاد وتمما) ونحن نقول إن لكل شئ ثمناً وثمن خضوع المعتذر قبوله. وكتبت وسيلتي إليك الثقة بكرم أخلاقك وشرف أعراقك وقد طلبت المسامحة منك بك وجعلت كرمك أقوى أسبابي إليك وقد خفضت لك جناح الذل في التنصل مما فرط فتفضل علي بالقبول لئلا يلحقني هجنتان هجنة تذللي لك وأخرى ردك لي وقد قيل: ارض لطالب الخضوع وللقارق ذنباً مذلة الإعتذار. وفي هذا المعنى ما كتب بعضهم: لما تعذر علي العذر جعلت معولي على فضلك أبلغ عذر أقدمه وأقوى سبب أؤكده. وأخبرنا أبو أحمد عن أبي روق عن السكري عن إبراهيم الندى قال قلت لرجل: ما حملك على بذلك وجهك في حوائج الناس؟ قال إني لم أسمع شيئاً أحسن من بناء حسن على رجل أحسن ومن شكر حر وشفاعة شفيع لطالب شاكر ولأني لا أبلغ

стр. 215

المجهود ولا أسأل من لا يجود وليس صدق العذر عندي بدون إنجاز الوعد ولا إكداء السائل بأغلظ من الأجحاف بالمسؤول ولا أرى الراغب إلي بالمسألة بحسن ظنه بي أوجب حقاً علي من المرغوب إليه الذي يتحمله من لدي والعرب تقول إن مع الهيبة الخيبة والفرصة خلسة فثب عند صدور الأمور ولا تتبع اعجازها. وقال ابن المعتز العذر مع التعذر واجب. ومن أعجب الأعتذار في التقاضي قول بعضهم: (هزَزتك لا أني ظننتك ناسياً ... لوعدٍ ولا أني أردتُ التقاضيا) (ولكن رأيتُ السيفَ في حالِ سله ... إلى الهزَ محتاجاً وإن كان ماضيا) ومن مليح ما يجري في هذا الباب ما أخبرنا به أبو أحمد عن ابن دريد عن أبي حاتم عن العتبي عن أبيه عن شيخ من قريش قال قال رجل لسليمان بن عبد الملك: إن القدرة تمنع الحفيظة وأنت تجل عن العقوبة وإن تعف فأهل ذلك أنت وإن تعاقب فأهل ذلك أنا، فعفا عنه، فأخذه بعض المحدثين فقال: (فإن عاقبتني فبسوءِ فعلي ... وما ظلمتْ عقوبةُ مستفيدِ) (وإن تغفر فإحسانٌ جديدٌ ... دعوتَ به إلى الشكر جديدِ) تم الباب والحمد لله وحده بسم الله الرحمن الرحيم اللهم عونك. جمع الله شملك ووصل حبلك ومتعك بأحبتك وأعطاك مأمولك في نفسك وأعزتك وأعذاك من قطيعة أحبابك وجنبك تجنب أودائك ولا جعل للهجر عليك سبيلا ولا للفراق عليك دليلاً لينعم باللذة جسمك ويعمر بالسرور قلبك فتعيش في ضمان الفرح ويبوء حاسدك باعباء الترح إنه حميد مجيد فعال لما يريد. العشق أدام الله توفيقك منشرائف أخلاق الفتيان وكرائم سجايا الشبان
следующие страницы →