← Адаб

Адаб · id 6909

ديوان المعاني

أبو هلال العسكري

Полный текст (608 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فاحفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يأووا إلى ركن وثيق يا كميل العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق، يا كميل محبة العلم دين تدان به تكتسب به الطاعة في حياتك وجميل الأحدوثة بعد وفاتك والعلم حاكم والمال محكوم عليه، يا كميل مات خزان المال والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة هاه إن ههنا لعلماً جماً لو أصبت له حملة بلى أصبت لقناً غير مأمون يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا فيستظهر بحجج الله على أوليائه، أو منقاداً لحملة الحق لا بصيرة له في أجنائة فيقدح الشك في قلبه عند أول عارض من شبهه، أو لا ذا ولاذا فمنهم باللذات سلس القياد للشهوات ومغرم بالجمع والادخار ليس من رعاة الدين أقرب شبهاً بهم الأنعام السائمة اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة إما ظاهر وإما خائف لئلا تبطل حجة الله وتبيانه وكم وأين أولئك الأقلون عدداً الأعظمون قدراً بهم يحفظ الله تعالى حججه حتى يودعوها أسماع نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقائق الأمور فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعده المترفون وآنسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى، يا كميل أولئك أولياء الله من خلقه وعماله في أرضه والدعاة إلى دينه هاه شوقاً إلى رؤيتهم. ومما حث به على تحفظ العلوم قول بعض الأوائل: خير العلم ما إذا غرقت بسفينتك سبح معك، وقال الخليل: (افخر وكاثر بالقريحة ... إنها فخرُ المكاثر) (وأعلم بأنَّ العلمَ ما ... أوعيتَ في صحف الضمائر) وقال أبو هلال رحمه الله تعالى لو قال (ما ضمنته صحف الضمائر) كان

стр. 142

أجود، وقال غيره: (استودعَ العلم قرطاساً فضيعهُ ... وبئس مستودعُ العلمِ القراطيسُ) وقلت: (تقل غناء عن جهولٍ مغمر ... دفاتر تلقى في الظروفِ وترفع) (تروح وتغدو عنده لا في مضيعةٍ ... وكائن رأينا من نفيسٍ يضيع) ومن المختار في طلاقة اللسان قول الآخر: (إذا قال لم يترك مقالا ولم يقف ... لعيّ ولم يثن اللسانَ على هُجر) (يصرفُ بالقولِ اللسانَ كما انتحى ... وينظرُ في اعطافهِ نظرَ الصقر) ونحوه: (لا خيرَ في حشوِ الكلام ... إذا اهتديتَ إلى عيوبه) وأجود ما قيل في إقامة الإعراب وترك التغيير ما أنشدناه أبو أحمد عن الصولي: (ويعجبني زيُّ الفتى وجمالهُ ... ويسقط من عينيَّ ساعةَ يلحنُ) (على أن للأعرابِ حداً ورُبما ... سمعت من الأعراب ما ليس يحسنُ) (ولا خيرَ في اللفظ الكريه استماعه ... ولا في قبيح اللحن والقصدُ أزينُ) سمعت أبا أحمد يقول أحسن ما سمعت في السؤال قول عبد الله بن العباس وقد سئل بم أدركت هذا العلم قال بلسان سؤول وقلب وعقول. ثم أخبرنا قال أخبرنا الحسن بن علي بن عاصم ثنا الهيثم بن عبد الله حدثنا علي بن موسى الرضى حدثني أبي حدثني أبو جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسن رضي الله تعالى عنهم قال قال رسول الله & (العلم خزائن مفتاحها السؤال فاسألوا فإنه يؤجر فيه أربعة السائل والمستمع والعالم والمحب لهم) وأجود ما جاء في السؤال من الشعر ما أنشدناه أبو أحمد أنشدنا ابن الأنباري عن أبيه: (شفاء العيِّ في طولِ السؤالِ ... وعدلك في المقالِ وفي الفعالِ) (وبحثك في الأمورِ عن المعاني ... وتخريج المقالِ من المقالِ) (وقولك بالصواب إذا أنارت ... شواهدهُ ورفضك للجدال) (وصمُتك حينَ تسمعُ من حكيم ... ليفهمك الصحيحَ من المحال)

стр. 143

وأجود ما قيل في صفة اللسان وأتمه ما أخبرنا به أبو أحمد أخبرنا أبو بكر بن دريد قال أحمد بن عيسى العكلي حدثنا الخليل عن عبد الله بن صالح بن مسلم القاضي قال قال بعض الحكماء لابنه يا بني اللسان أداة يظهر بها البيان وشاهد يخبر عن الضمير وحاكم يفصل به الخطاب وناطق يرد به الجواب وشافع تدرك به الحاجة ومعز يرد الأحزان وواعظ ينهى عن القبيح ومزين يدعو إلى الحسن وزارع يحرث المودة وحاصد يذهب بالضغين وملهٍ يوقف الأسماع ألا ترى أن الله تعالى رفع درجة اللسان بأن أنطقه بالتوحيد وليس شئ من الجوارح ينطق به غيره. ومن أجود ما أحتج به للكلام ما أخبرنا به أبو أحمد حدثني أبي حدثنا أحمد ابن أبي طاهر حدثنا أبو تمام قال تذاكرنا الكلام في مجلس سعيد بن عبد العزيز التنوخي وحسنه والصمت ونبله فقال سعيد ليس النجم كالقمر إنك إنما تمدح السكوت بالكلام ولا تمدح الكلام بالسكوت وما أنبأ عن شئ فهو أكبر منه. ومثله ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبيه عن أحمد حدثنا أبو تمام حدثنا أبو عبد الرحمن الأموي قال ذكر الكلام في مجلس سليمان بن عبد الملك فذمه أهل المجلس فقال سليمان كلا إن من تكلم فأحسن قدر أن يسكت فيحسن وليس كل من سكت فأحسن قدر أن يتكلم فيحسن. ومن أجود ما أحتج به للصمت ما أخبرنا به أبو أحمد أخبرنا أبي أخبرنا أحمد بن أبي طاهر حدثنا حبيب بن أوس حدثني عمرو بن هاشم البيروتي قال تحدثنا بباب الأوزاعي وفينا أعرابي من بني عليم بن جناب لا يتكلم فقيل له بحق ما سميتم خرس العرب ألا تتحدث مع القوم فقال إن الحظ للمرء في أذنه وإن الحظ في لسانه لغيره وإنما جعل للمرء أذنان ولسان ليكون استماعه ضعف كلامه. قال فحدثنا الأوزاعي فقال والله لقد حدثكم فأحسن. وقد سوى بعضهم بين الصمت والكلام فحدثني أبو أحمد عن أبيه عن أحمد بن أبي طاهر عن أبي تمام حدثني يحيى بن إسماعيل الأموي حدثني إسماعيل

стр. 144

ابن عبيد الله قال قال جدي: الصمت منام العاقل والنطق يقظته ولا منام إلا بيقظة ولا يقظة إلا بمنام. قال أبو هلال: وأنا أقول الصمت يورث الحبسة والحصر وإن اللسان كلما قلب وأدير بالقول كان أطلق له: أخبرني بعض أصحابنا قال ناطقت فتى من بعض أهل القرى فوجدته ذليق اللسان فقلت له من أين لك هذه الذلاقة قال كنت أعمد كل يوم إلى خمسين ورقة من كتب الجاحظ فأقرأها برفع صوت فلم أجر على ذلك مدة حتى صرت إلى ما ترى. وسمى البيان سحراً لدقة مسلكه وأول من نطق به رسول الله وهو من أجمع ما مدح به البيان: حدثنا أبو القاسم عبد الوهاب بن إبراهيم أخبرنا أبو بكر أحمد بن حماد العقدي أخبرنا أبو جعفر أحمد بن الحارث الخزاز أخبرنا المدائني قال قال أبو الحسن بن مسلم بن محارب بن مسلم بن زياد عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه أن رسول الله قال لعمرو بن الأهتم أخبرني عن الزبرقان بن بدر فقال مطاع في أذنيه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: إنه ليعلم مني أكثر من هذا ولكنه حسدني. فقال عمرو أما والله يا رسول الله إنه لزمر المروءة ضيق العطن أحمق الوالد لئيم الخال وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى رضيت فقلت أحسن ما أعلم وسخطت فقلت أسوأ ما أعلم فقال رسول الله إن من البيان لسحرا وان من الشعر لحكمة وانما تعجب رسول الله من نقضه وإبرامه في حال واحدة ومثل هذا من البلاغة أصعب مراماً وأعجز مطلباً وقد أشبعنا القول فيه في كتاب صنعة الكلام. ومما يدخل في بابه ما أخبرنا به أبو أحمد أخبرنا الصولي حدثني الطيب بن محمد الباهلي قال موسى بن سعيد بن مسلم عن أحمد بن يوسف الكاتب قال دخل خالد بن صفوان التميمي على أبي العباس السفاح وعنده أخواله من بني الحارث بن كعب فقال له ما تقول في أخوالي قال هم هامة الشرف وخرطوم الكرم وغرس الجود إن فيهم لخصالاً ما اجتمعت في غيرهم من قومهم إنهم لأطولهم أمماً وأكرمهم

стр. 145

شيماً وأطعمهم طعماً وأوفاهم ذمماً وأبعدهم همماً هم الجمرة في الحرب والرفد في الجدب والرأس في الخطب وغيرهم بمنزلة العجب. فقال لقد وصفت أبا صفوان فأحسنت فزاد أخواله في الفخر فغضب أبو العباس لأعمامه فقال أفخر يا خالد فقال أعلى أخوال أمير المؤمنين فقال نعم وأنت من أعمامه فقال وكيف أفاخر أقواماً هم من بين ناسج برد وسائس قرد ودابغ جلد دل عليهم الهدهد وغرقتهم الفأرة وملكتهم امرأة. فأشرق وجه أبي العباس وجعل يضحك. قال وحدثني ابن المزرع قال سمعت عمرو بن بحر الجاحظ وقد ذكر كلام خالد هذا يقول والله لو نفكر في جمع معايبهم واختصار اللفظ في مثاليهم بعد ذلك المدح المهذب سنة لكان قليلاً فكيف على بديهٍ لم يرض فكراً. وأجود ما قيل في كراهة المزاح قولهم إن المزاح هو السباب الأصغر، وقيل المزاح سباب النوكى. وأجود ما قيل في تخوف عاقبته قول أبي نواس: (إنه نار وقدحُ القادحِ وأيّ جدٍ بلغ المازحُ) ومثله: (صارَ جداً ما فرحت به ... ربَ جدٍ جرهُ لعبُ) وقلت: (عضبت للمزح ولم تنظر في موقعهِ ... المزح في موضعهِ كالجدِّ في موضعهِ) أجود ما قيل في التضافر والتعاون قول قيس بن عاصم المنقري يوصي ولده وقومه وجدت في كتاب غير مسموع لما حضر عبد الملك بن مروان الوفاة وعاينته وقال يا بني أوصيكم بتقوى الله وليعطف الكبير منكم على الصغير ولا يجهل الصغير حق الكبير وأكرموا مسلمة بن عبد الملك فإنه نابكم الذي عنه تعبرون ومجنكم الذي به تستجيرون ولا تقطعوا من دونه رأياً ولا تعصوا له أمراً، وأكرموا الحجاج بن يوسف فإنه الذي وطأ لكم المغابر وذلل لكم قارب العرب وعليكم بالتعاون والتضافر وإياكم والتقاطع والتدابر. فقال قبس بن عاصم لبنيه: (بصلاح ذاتِ البينِ طولُ بقائكم ... إن مُد في عمري وإن لم يُمددِ) (حتى تلين جلدوكم وقلوبكم ... لمسوَّد منكم وغير مسوَّد)

стр. 146

(إن القداحَ إذا جُمعن] َ فرامها ... بالكسر ذو حَنق وبطش أيّدِ) (عزت ولمُ تُكسر وإن هيَ بُددَتْ ... فالوهنُ والتكسيرُ للمتبدد) ثم قام علي بن خالد بن يزيد بن معاوية وخالد بن عبد الله بن أسيد فقال لهما قد حضر من الأمر ماتريان فإن كان في نفوسكما شئ من بيعه الوليد نزعتماه قال وجعلتما الأمر حيث شئتما قالا بل رضينا أكمل الناس لها وأقواهم عليها قال أما والله لو غيرها قلتما لمتا قبلي ثم رفع طرف فراشه فإذا تحته سيف مجرد فقال للوليد لا أعرفنك إذا أنامت تعصر عينيك وتمسحها نعل الأمة الوعكاء شمر وابرزو اللبس جلد النسر وادع الناس إلى بيعتك فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا. ثم لم يزل متمثلاً بقول الشاعر: (وهل من خالد أما هلكنا ... وهل بالموتِ يا للناسِ عار) ثم قال الحمد لله الذي لا يبالي أصغير هلك في ملكه أم كبير ثم قضى. فقال هشام ابن عبد الملك: (وما كان قيسٌ هلكهُ هلك واحدٍ ... ولكنه بنيانُ قومٍ تهدما) فسمعها الوليد فتطير منها فرفع يده فلطمه وقال إنك أعور مشؤوم هلا قلت كما قال التميمي: (إذا سيدٌ منا ذرا حدُ نابه ... تخمط فينا نابُ آخر مقرمِ) فسمع مسلمة الصيحة فقال ذروا الصياح فإنكم إن استقمتم استقام الناس وإن اختلفتم اختفلوا. أخبرنا أبو أحمد أخبرنا أبو بكر بن دريد أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال كان عبد الملك بن مروان ذات ليلة في سمره مع ولده وأهل بيته وخاصته فقال ليقل كل واحد منكم أحسن ما قيل من الشعر وليفضل من رأى من الشعراء تفضيله فأنشدوا وفضلوا فقال بعضهم أمرؤ القيس وقال بعضهم النابغة وقال بعضهم الأعشى، ولما فرغوا قال أشعر والله من هؤلاء جميعاً عندي الذي يقول:

стр. 147

(وذي رحمٍ قلمتُ أظفارَ ضغنهِ ... بحلميَ عنهُ وهو ليس لهُ حلمُ) (إذا سمتهُ وصلَ القرابةِ سامني ... قطيعتها تلك السفاهةُ والظِلمُ) (وأسعى لكي أبني صالحي ... وليس الذي بيني كمن شأنهُ الهدمُ) (يحاولُ رغمي لا يحاولُ غيرَهُ ... وكالموتِ عندي أن يحل به رغمُ) (فإن أنتصر منهُ أكن مثلَ رائش ... سهامَ عدوٍ يستهاضُ بها العظمُ) (وبادرت منه النأي والمرءُ قادرٌ ... على سهمهِ ما دامَ في كفهِ السهم) (فإن أعفُ عنهُ أغض جفناً على القذى ... وليس لهُ بالصفحِ عن ذنبهِ علم) (حفظتُ الذي قد كان بيني وبينهُ ... وهل يستوي حربُ الأقاربِ والسلم) (فما زلتُ في لِين لهُ وتعطفٍ ... عليهِ كما تحنو على الولدِ الأمُ) (لأستلَ منهُ الضغنَ حتى سللته ... وإن كان ذا ضغنٍ يضيقُ به الحزم) فقالوا يا أمير المؤمنين من قائل هذه الأبيات فما أحسنها وأرضاها قال معن ابن أوس المزني. ومن أجمع ما قيل في المعروف قول النبي (المعروف كاسمه) أخبرني عم أبي عن أبيه قال قال العتابي كنت واقفاً بباب المأمون أنتظر من يستأذنه لي فأقبل يحيى بن أكتم فقمت إليه فقلت أستأذن لي على أمير المؤمنين فقال لست بحاجب فقلت ولكنك ذو فضل وذو الفضل معوان قال سلكت بي غير سبيلي قلت ان الله قد أتحفك بجاه وهو مقبل عليك بالزيادة إن شكرت وبالنقصان إن كفرت وأنا لك منذ اليوم أنفع منك لنفسك أدعو إلى زيادة نعمتك وتأبى على ولكل شئ زكاة وزكاة الجاه رفد المستعين وقد قال رسول الله (أفضلُ المعروف فضل جاهكَ تعود به على من لا جاهَ له) فقعدت ودخل فما لبث ان خرج الحاجب يسأل عني فدخلت فقال حدثنا أبو نصر التمار عن سفيان بن عيينة عن ابن نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله & علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وجعفر الطيار وعمر بن الخطاب

стр. 148

رضي الله تعالى عنهم أجمعين فتذاكروا المعروف فقال علي: المعروف حصن من الحصون وكنز من كنوز فلا يزهدنك فيه كفر من كفره فقد يشكر الشاكر ما أضاعه جحود الكافر. وقال العباس: المعروف أفضل الأمور وأوثق الحصون ولايتم إلا بثلاثة تعجليه وتصغيره وستره فإذا عجلته هنأته وإذا صغرته عظمته وإذا سترته تمته إن بأهل المعروف من الرغبة أكثر مما بأهل الحاجة إليهم وبيان ذلك أن لهم ذكره وسناه وفخره فمهما أتيت من معروف فإنما أتيته لنفسك. وقال عمر إن لكل شئ أنفاً وأنف المعروف السراح. فخرج عليهم رسول الله & فقال (فيم أنتم) فقالوا نتذاكر المعروف فقال ﵊ (المعروف كاسمه وأولُ من يدخل الجنة المعروف وأهلهُ) . ومن أجود ما قيل في بذل المعروف وإن كان قليلاً ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجوهري عن المنقري عن الأصمعي عن بعض العباسيين قال كتب كلثوم بن عمرو إلى رجل في حاجة: بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاءك وجعله يمتد بك إلى رضوانه وجنته. أما بعد فإنك كنت روضة من رياض الكرم تبتهج النفوس بها وتستريح القلوب إليها وكنا نعفيها من النجعة استتمتماً لزهرتها وشفقة على نظرتها وادخاراً لثمرتها حتى مرت بنا في سفرتنا هذه سنة كانت قطعة من سني يوسف اشتد علينا كلبها واخلفتنا غيومها وكذبتنا بروقها وفقدنا صالح الإخوان فيها فانتجعتك وأنا بانتجاعي بك كثير الشفقة عليك مع علمي بأنك نعم موضع الزاد واعلم بأن الكريم إذا استحى من إعطاء القليل ولم يحقر الكثير لم يعرف جوده ولم تظهر همته وأنا أقول في ذلك: (ظلُّ اليسارِ على العباسِ محدودُ ... وقلبهُ أبداً بالبخلِ معقودُ) (إنَّ الكريمَ ليخفي عنك عسرتهُ ... حتى تراه غنياً وهو مجهود) (وللبخيل على أمواله عللٌ ... رزقُ العيونِ عليها أوجهٌ سود) (إذا تكرهت أن تعطي القليلَ ولم ... تقارب على سعةٍ لم يظهر الجود)

стр. 149

(بثَ النوالَ ولا يمنعك قلتهُ ... فكل ما سدَ فقراً فهو محمودُ) قال فشاطره ماله حتى بعث إليه قيمة نصف خاتمه وفرد نعله. ومن مليح ما جاء في هذا المعنى قول ابن الرومي: (أبا عمروٍ لك المثلُ المعلّى ... وجدُ عدوَّك التربُ الذليلُ) (رأيتُ المطلَ ميداناً طويلاً ... يروضُ طباعهُ فيهِ البخيلُ) (فما هذا المطالُ فدتك نفسي ... وباعُكَ بالندَى باعٌ طويل) (أظنك حينَ تقدرُ لي نوالاً ... يقلُ لديك لي منهُ الجزيلُ) (فلا تقدرْ بقدركَ لي نوالاً ... ولا قدري فيحقرُ ما تنيلُ) (وأطلِقْ ما تهمُّ بهِ عساهُ ... كفافي أيها الرجلُ النبيلُ) (وإلا فالسلامُ عليم مِنّي ... نبتْ دارٌ فأسرعَ بيَ الرحيلُ) (إذا ضاقت على أملٍ بلادٌ ... فما سُدَّتْ على عزمٍ سبيلُ) وقال غيره: (وما الجودُ عن فقرِ الرجالِ ولا الغنى ... ولكنهُ خيمُ الرجال وخيرُها) ومن عجيب المعاني في عظم السؤال وموازنته للنوال بل رجاحته عليه ما أخبرنا به أحمد أخبرنا أبو بكر بن دريد أخبرنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد قال دخل كوثر بن زفر بن الحارث الكلابي على يزيد بن المهلب فقال له أيها الأمير أنت أعظم قدراً من أن تستعان أو يستعان عليك وليس تفعل من المعروف شيئاً ألا وهو يصغر دونك وأنت أكبر منه وليس العجب أن تفعل ولكن العجب أن لا تفعل. فقال سل حاجتك قال حملت عشر ديات وقد بهظتني فقال قد أمرت لك بها وشفعتها لك بمثلها فقال أما ما سألتك بوجهي فأقبله منك وأما ما أبتدأتني به فلا حاجة لي فيه. قال ولم وقد كفيتك مؤنة السؤال؟ قال أني رأيت الذي أخذت مني بمسألتي إياك بوجهي أكثر مما نالني من عرفك وكرهت الفضل على نفسي. فقال له يزيد أسألك بحقك علي لما رأيتني أهله من إنزال الحاجة بي إلا قبلتها فقبلها.

стр. 150

وسأل العتابي رجلاً فحصر وأقل فقيل له قد أقللت فقال وكيف لا أقل ومعي ذل المسألة وحيرة الطلب وخضوع الهيبة وخوف الرد. وقيل لآخر متى يكون البليغ عيباً قال إذا سأل حاجة لنفسه. وقال أحمد بن أبي خالد الأحول: ما استكثرت بذلاً بذلته قط لأني أرى الأجر والشكر أكثر منه ولا استصغرت معروفاً قط لأني أراه أكبر من تركه. ومن جيد ما قيل في الترغيب في المعروف قول الأول: (فإنك لا تدري إذا جاءَ سائلٌ ... أأنتَ بما تعطيهِ أم هو أسعدُ) (عسى سائلٌ ذو حاجةٍ ان منعتهُ ... من اليومِ سؤلاً أن يكون لهُ غدُ) هذا آخر كتاب الخصال والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصبحه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بصرنا سبل الحمد ووفقنا على طرق الذم لنضع كلاً منهما في موضعه ونستعمله في حينه ونلحقه بمستحقه إذ ذكر من أحبه فقال ﴿نعم العبد إنه أواب﴾ ووصف من مقته فقال ﴿همازٍ مشاءٍ بنميم مناعٍ للخير معتدٍ أثيم عتلٍ بعد ذلك زنيم﴾ فذم قوله وفعله وعاب شيمته وخلقه وهتك بالشتم عرضه وسود بالذم وجهه جزاءً بما اكتسب من ذميم الفعال ووفقاً لما أطلقه من اسم المقال نكالاً من الله والله عزيز حكيم. وصلى الله على نبيه محمد البشير النذير الداعي إلى الله باذنه والسراج المنير وعلى آله الطيبين وعترته.

стр. 151

(هذا كتاب المبالغة) في المعاتبات والهجاء والاعتذار وهو (الباب الثالث من كتاب ديوان المعاني) وهو يشتمل على ثلاثة فصول ٣ - (الفصل الأول في المعاتبات) فمن أوائل ذلك ما أخبرنا به أبو القاسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال قال ﵊ لطلحة حين رأى تلونه عليه (فِراقٌ جميلٌ خيرٌ من صحبةٍ على دَخنْ) والدخن والدخل الفساد والمدخول الفاسد وقد دخل فسد، وروي (على دخل) ومن قديم ما جاء في ذلك قول أبي ذؤيب: (تُريدينَ كيما تجمعيني وخالداً ... وهل يُجمعُ السيفانِ ويحك في غمدِ) يقول لأم عمرو امرأة من هذيل وكان رجل منهم يقال له وهب بن عمرو وقيل وهب بن جابر هويها فامتنعت عليه فخرج يوماً يتصيد فختل ظبية فلما أخذها أنشد: (فما لك يا شبيهةَ أمِّ عمروٍ ... إذا عاينتنا لا تأمنينا) (فعينُك عينُها إذ تنظرينا ... وجيدُك جيدُها لو تنطقينا) (وساقك ساقها ولأمَ عمروٍ ... خدلّجةٌ يضيقُ بها البرينا) (ورأسُك أزعر ولأمِّ عمروٍ ... غدائر يتعفرن وينثنينا) ثم خلا منها فبلغ ذلك أم عمرو فواصلته وكان رسوله إليها أبو ذؤيب فلما أينع وترعرع رغبت إليه واطرحت وهباً وخشي أبو ذؤيب الفضيحة فقصر عنها

стр. 152

وجعل يرسل إليها خالد بن إبراهيم فلم تلبث أن علقت خالداً وتركت أبا ذؤيب فجعل أبو ذؤيب يعاتب خالداً، مثل قوله: (فنفسكَ فاحفظها ولا تبدِ للعدى ... من السرَ ما يُطوَى عليهِ ضميرُها) (رعى خالدٌ سرِّي لياليَ نفسهُ ... توالى على قصدٍ السبيلِ أمورها) (فلما تراماهُ الشبابُ وغيهُ ... وفي النفس منهُ غَدرة ونحورها) (لوى رأسهُ عني ومال بودهِ ... أغانيجُ خَوْدٍ كان فينا يزورها) (تعلقهُ منها دلالٌ ومقلةٌ ... تظلُ لأصحاب الشقاءِ تُديرها) (وما أنفسُ الفتيانِ إلا قرائنُ ... تبينُ ويبقى هامُها وقبورُها) فأجابه خالد: (لا يبعدن اللهُ حلمك إذ غزا ... وسافرَ والأحلام جمٌ عثورُها) (لعلك إما أمُ عمرو تبدلت ... سواك خليلاً شاتمي تستخيرها) (فلا تجزعن من سنةٍ أنت سرتها ... فأول راضيُ سنة من يسيرها) وهذا جواب لا نرى أقطع منه لأنه ذكر أنه إنما جوزي بمثل فعله: (فإن التي فينا زعمتَ ومثلها ... لفيك ولكني أراك تجوزُها)

стр. 153

(ألم تتنقذها من ابنِ عُويمر ... وأنت صَفيُ نفسه وسجيرُها) (فان يك يشكو من قريب مخانة ... فتلك الجوازي عَقبها ونُصورها) وفيه يقول أبو ذؤيب: (يُرى ناصحاً فيما بدا فإذا خلا ... فذلك سكينٌ على الحلقِ حاذقُ) ثم إن وهباً بعث ابنه عمراً فوهب لها ذات يده فواصلته وكان لعمرو علانيتها ولخالد سرها فجاء خالد ليلاً وعمرو معها على شراب فقتله وهرب فبلغ الخبر وهباً فركب في جمع فتبعوه حتى لحقوه فقتلوه فقال أبو ذؤيب يرثيه: (لعمرو أبي الطيرِ المرية غدوة ... على خالدٍ أن قد وقعنَ على لحمِ) (كليه وربي لن تعودي بمثله ... عشيةَ لاقته المنيةُ بالردم) (فإنك لو أبصرتِ مصرعَ خالدٍ ... بجنب الستارَ بين أظلم فالحزم) (علمت بأن الناب ليس رزية ... ولا البكر لا ضمت يداك على غنم) (ضَروب لهاماتِ الرجالِ بسيفهِ ... إذا التفتِ الأبطالُ مجتمعَ الحزمِ) ومن قديم العتاب الممزوج بالشكوى قول جميل: (لحى اللهُ من لا ينفعُ الودُ عندهُ ... ومن حبلهُ إن مدَ غير متينِ) (ومن هو إن تحدث له العينُ نظرةً ... تقصب لها أسباب كل قرين) (ومن هو ذو لونينِ ليس بدائم ... على العهدِ خوانٌ لكل أمين) (ومن هو عند العينِ أما لقاؤهُ ... فحلوٌ وأما غيبهُ فظنون) وكتب بعض الكتاب: لو كنت أعلم أنك تعبت إذا عاتبتك سلكت في ذلك مذهباً لا أبلغ فيه القصوى ولا اقتصر على الأدنى ولا أخليتك من الاستزادة في غير شكوى والتعريف في غير تعنيف والاحتجاج في غير تنكيت ولا توقيف ولكن شر القول ما لا يسمع وليس لقائله فيه منتفع وأشبه البر بالعقوق ما استكرهت

стр. 154

عليه النفوس، وقد قال الشاعر: (وليس بمغن في المودةِ شافعٌ ... إذا لم يكن بينَ الضلوعِ شفيعُ) وكتب الكرخي: قد واصلت أياماً تباعاً غدواً إليك ورواحا حتى ملني البكور وسئمني التهجير وشكاني الطريق ولحاني الصديق في كل ذلك أعاق بالحجاب وتستقبلني ردة البواب: (ولا خيرَ في ود امرئ متكارهٍ ... عليك ولا في صاحبٍ لا توافقُه) وهذا ذرء عتاب جاش به الصدر وضاق عن كتمانة الصبر فإن عطفك حفاظ فأهل الفضل والبر أنت وإلا فإني على العهد الذي كان بيننا ولا أقول كما قيل: (فما ملني الإنسانُ إلا مللتهُ ... ولا فاتني شئٌ فظلت له أبكي) ولا أقول كما قيل: (وإني على عهدِ الأخلاءِ دائم ... ولستُ إذا مالَ الصديقُ على حرفِ) (إذا أنا لم أصفح وأغضض على القذى ... فلا انبسطتُ في الحادثاتِ إذاً كفى) ومن ألطف الكلام قول بعض الكتاب: أنفذ إلي أبو فلان كتاباً منك فيه ذرء عتاب كان أحلى عندي من تعريسة الفجر وألذ من الزلال العذب فلك العتبي ولبيك وسعديك داعياً مستجاباً له وعاتباً معتذراً إليه ولو شئت مع ذلك أن أقول إن العتب عليك أوجب والاعتذار لك ألزم لقلت ولكني أسامحك ولا أشاحك وأسلم لك ولا رادك لأن أفعالك عندي مرضية وشيمك لدي مقبولة ولولا أن للحجة موقعها لقصرت العنان عما أجريت إليه من هذا العتاب وكففت اللسان عما أطلقته فيه من مر هذا الخطاب وقلت: (إذا مرضتم أتيناكم نعودكمُ ... وتذنبونَ فنأتيكم ونعتذرُ) ولا ترى كلاماً ألطف من هذا ولا أحسن في معناه. وكتب بعضهم لست أقتضى الوفاء بكثرة الالحاح فأثقل عليك ولا أقابل الجفاء يترك العتاب فأغتنم

стр. 155

القطيعة منك والمثل السائر (ويبقى الود ما بقي العتاب) . وقلت: (أمنعاً إذا جئتكمْ أستعيرُ ... فكيفَ إذا جئتُ أستوهبُ) (ومثلي إذا كان في معشرٍ ... فللعزَ عندهمُ منكب) (يُقرب مثلي إذا ما نأى ... ويكرمُ مثلي إذا يقرب) (عتبتك للودَ لا للقلى ... وواصلْ صديقاً ما تعتب) ومما يجري مع هذا الباب قول الآخر: (إذا رأيتُ أزوراراً من أخي ثقةٍ ... ضاقتْ عليَ برحبِ الأرضِ أوطاني) (فإن صَدَدتُ بوجهي كي أكافئهُ ... فالعينُ غضبى وقلبي غيرُ غضبانِ) وقد أحسن العباس بن الأحنف في وقوله: (كنا نعاتبكم لياليَ عودكم ... حلو المذاقِ وفيكمُ مستعتبُ) (فالآن إذ ظهرَ التعتبُ منكمُ ... ذهبَ العتابُ وليس عنكم مذهب) ومن مشهور العتاب قولهم: (طال المطالُ فلا خلودَ فحاجةٌ ... مقضيةُ أو برٌ ينفعُ) (واعلمْ بأني لا أسرُ بحاجة ... إلا وفي عمري بها مستمتع) ومن جيد المعاتبات قولُ أبي تمام في أبي دُلف: (يا أيها الملكُ النائي بغرتهِ ... وجودهُ لمرجِّي جودِه كثبُ) (ليس الحجابُ بمقصٍ عنك لي أملاً ... إن السماء تُرجى حين تحتجب) (ما دونَ بابك لي بابٌ ألوذُ به ... وما وراءَك لي مثوَىً ومطلبُ) وقوله في أبي سعيد: (لعمرك لليأسُ غيرُ المريثِ ... خيرُ من الطمع الكاذبِ) (وللريبُ تحصره بالنجاحِ ... خيرٌ من الأملِ الخائب) وقال يعاتب موسى بن إبراهيم الرافعي في ضنه عنه بجاهه:

стр. 156

(سأقطع أرسانَ العتابِ بمنطق ... قصيرُ عناءِ الفكر فيهِ يطولُ) (وانَّ امرأ ضنت يداهُ على امرئٍ ... بنيلِ يدٍ من غيرهِ لبخيل) أخذه من قول مسلم: (وأحببتُ من حبها الباخلينَ ... حتى رمقتُ ابن سلم سعيدا) (إذا سئل عرفاً كسا وجهه ... ثياباً من البخل صفراًُ وسودا) (يغارُ على المالِ فعلَ الجوادِ ... وتأبى خلائقه أن يسودا) وقول أبي تمام: (لآل وهبٍ أكفٌ كلما اجتديتْ ... فعلنَ في المحلِ ما لم تفعل الديمُ) (قومٌ تراهم غيارَى دونُ مجدهم ... حتى كأنَّ المعالي عندهم عرمُ) ومنها: (دنيا ولكنها دنيا سَتنصرم ... وآخرُ الحيوانِ الموتُ والهرمُ) ومنها: (فلا تقل قدمٌ أزرى ببهجتهِ ... لبس العلا طللا يزري به القدمُ) وقد أحسن ابن الرومي وأجاد في قوله لقوم إستعان بهم فأعانوا خصمه: (تخذتكم درعاً وترساً لتدفعوا ... نِبالَ العدى عني فكنتم نصالها) (وقد كنت أرجو منكم خيرَ ناصر ... على حين خذلانِ اليمين شمالها) (فإن أنتمُ لم تحفظوا لمودتي ... ذماماً فكونوا لا عليها ولا لها) (قفوا موقفَ المعذور مني بمنزلٍ ... وخلوا نبالي للعدى ونبالها) (هي النفسُ إما أن تعيشَ عزيزةً ... وإلا فغنمٌ أن تزولَ زوالها) (عفاءٌ على ذكر الحياة إذا حمت ... على المرءِ إلا رفقها وسمالها) وهذا مثل قوله أيضاً: (عفاءٌ على الدنيا إذا مستحقها ... بغاها ولن يرجى لديه منوعها) وسأل بعض الرؤساء أن يكتب له كتاباً إلى رئيس فقال: (أتبخلُ بالقرطاسِ والخطِ عن أخ ... وكفاكَ أندى في العطايا من المزنِ)

стр. 157

(فلا يكن المبذول للوم سمعه ... وقرطاسهُ بينَ الصيانةِ والخزن) وهي طويلة. وقال جحظة يعاتب على شدة الحجاب: (الله يعلمُ أنني لكَ شاكرُ ... والحرُ للفعلِ الجميلِ شكورُ) (لكن رأيتُ بباب دارك جفوةً ... فيها لصفو صنيعة تكديرُ) (ما بال دارك حين تدخلُ جنة ... وبباب دارك منكرٌ ونكير) غيره: (سأترك هذا البابَ ما دامَ إذنه ... على ما أرى حتى يلينَ قليلا) (إذا لم أجد يوماً إلى الأذنِ سلما ... وجدتُ إلى تركِ المجئ سبيلا) وقول أبي تمام (إن السماء ترجى حين تحتجب) مأخوذ من قول الأول: (وأني لأرجوكم على بطءِ سعيكم ... كما في بطونِ الحاملاتِ رجاءُ) وقد أحسن أبو تمام في معاتبة ابن أبي دواد واستبطائه إياه في قوله: (رأيت العلا معمورةً منك دارها ... إذا اجتمعتْ يوماً وقرَ قرارُها) (وكم نكبةٍ ظلماءَ تحسبُ ليلةً ... تجلى لنا منْ راحتيك نهارها) (فلا جارك العافي تناولَ محلها ... ولا عرضك الوافي تناولَ عارها) (فلا تمكنَ المطلَ من ذمةِ الندى ... فبئس أخو الأيدي الكبار وجارها) (فإن الأيدي الصالحاتِ كبارها ... إذا وقعت تحتَ المطالِ صغارها) (وما نفع من قد باتَ بالأمسِ صادياً ... إذا ما سماءُ اليوم طالَ انهمارها) (وخيرُ عداتِ المرءِ محتضرَاتها ... كما أنَّ خيرات الليالي قصارها) (وما العرفُ بالتسويف الا كخلةٍ ... تسليتَ عنها حينَ شطَ مزارها)

стр. 158

وقد أحسن في هذه الأبيات ما شاء وفي قوله أيضاً لمالك بن طوق وقد حجبه: (قل لابنِ طوقٍ رحا سعدٍ إذا خبطتْ ... نوائبُ الدَهرِ أعلاها وأسفلَها) (أصبحتَ حاتمها جوداً وأحنفها ... حلماً وكيسها علماً ودغفلها) (مالي أرى الحجرةَ الفيحاء مقفلةً ... عني وقد طالَ ما استفتحتُ مقفلَها) (كأنها جَنةُ الفردوسِ معرضةً ... وليس لي عملٌ زاكٍ فأدخلَها) وليس لهذا التمثيل نظير في حسنه وبراعته. وكتب الصاحب أبو القاسم إلى بعضهم يعاتبه في صغر كتابه إليه: كتابي وعندي نعم من أعظمها خلوص ودِّك وبقاء عهدِك ورد لي كتاب حسبته يطير من يدي لخفته ويلطف عن حسي لقلته وعهدي بك تروي إذا سقيت وتجزل إذا أعطيت فما الذي أحالك وبدل حالك أملال أم كلال أم إقلال وليس عندي أنك تملُ صديقاً صدوقاً وشفيقاً شقيقاً ولا عندي أنك تكلُ ولو ملأت الأرض كلاماً وشحنت صفحات الجوِّ نظاما ولا عندي أنك تقلُّ وبحر فضلك فياض وثوب علمك فضفاض فما أملك وقد نبوت وزهدت وجفوت إلا أن أصبر على هجرتك كما تمتعت بصلتك لتكون عني نسخة أخلاقك إذا قربت وبعدت ووصلت وصددت وأكره أن أطيل وقد قصرت وأكثر وقد أقللت فتسأمني كما سئمت عادتك وتتركني وقد تركت شيمتك فأحب أن تطالعني بأخبارك وعوارض أوطارك إن شاء الله تعالى: (إذا أنتَ عاتبتَ الصديقَ ولم يكنْ ... يودُّك لم يعتبك حينَ تعاتُبه) (ومن يرعَ شرقيَ البلادِ سوامهُ ... وغربيها يملكه؟ صاحبه) (ومن يخلط الماءَ الزُلالَ بآجنٍ ... من الماء تخبث ما تطيب مشاربه) وكتبت جواباً عن كتاب نقصت فيه من الخطاب: وقفت على الفصل المؤذن بالجفاء المشتمل على سوء الجزاء وعلى ما احتواه من دنئ الخطاب ووضيع الدعاء

стр. 159

وعجبت كيف حططت الدعاء من رتبته المعروفة وخفضت الخطاب عن درجته المألوفة وأنت على منزلتك لم تزدد نقيرا وأنا في درجتي لم أنقص قطميرا فكيف لو زدت زادك الله بصراً بمالك وعليك وأراك من عيبك مالا يتصور لديك وكفاك من شر نفسك ما هاصر عليك من كيد عدوك وشماتة حسودك ولا أختار لك أن تتكبر كلما تكبر وتتجبر كلما تجبر فقد سمعت ما قال يحيى بن خالد: من بلغ رتبة فتاه أخبر أن محله دونها ومن بلغها فتواضع أعلم أن حقه فوقها فكيف والأحوال على ما كانت عليه لم يصر الهلال بدراً ولا الشبل ليثاً ولا الغصن ساقاً ولا القطوف معتاقاً. والعرب تسمى الكبر تيهاً وهو الحيرة لأن صاحبه لا يهتدي لرشاد ولا يصل إلى سداد ولو لم يكن إلا التطير من اسمه دون التحلي بقبح سمته ورسمه لكان العاقل حقيقاً بتركه وخليقاً برفضه، وقد قيل ليس لمعجب رأي ولا لمتكبر صديق فإياك أن تحرم نفسك بكبرك الذي يضرك ولا ينفعك ويحطك ولا يرفعك استفادة الإخوان الذين هم أبلغ في الخير والشر من البيض الحداد وأحضر عناء في الأمن والخوف من الطرائف والتلاد فإن ذلك غبن كبير وحرمان جسيم، وقد قال الأول: (ما بالُ من أولهُ نطفةُ ... وآخره جيفةُ يفخرُ) ولبعض بني هاشم وهو الرضى رحمه الله تعالى: (ولربَ مولى لا يغضُ جماحهُ ... طولُ العتابِ ولا عناءُ العذَّلِ) (يطغى عليك وأنتَ تلأمُ شعبهُ ... والسيف يأخذ من بنانِ الصقيل) (ضاقَ الزَّمانُ فضاقَ فيه تقلبي ... والماءُ يجمعُ نفسَه في الجدولِ) وقال بعضهم في يزيد بن المهلب: (فمن يلازم النازلون محله؟ ... فمنزلكم للحمدِ والشكرِ منزلُ) (رأى الناسُ فوقَ المجد مقدارَ مجدكم ... فقد يسألوكم فوقَ ما كان يسألُ) (وقصّر عن مسعاكُم كلُ آخرِ ... وما فاتكم ممن تقدمَ أوَّلُ)

стр. 160

(بلغتُ الذي قد كنتُ آمله لكم ... وإن كنتُ لم أبلغ بكم ما أؤمِّلُ) (وماليَ حقُ واجبٌ غير أنني ... إليكم بكم في حاجتي أتوسلُ) (فان أنتمُ أنعمتمُ وبررتمُ ... فقد يستتم النعمة المتفضل) (وإن كنتم أوليتموني تفضلا ... جميلاً فان العودَ بالفضلِ أفضلُ) (وكمُ ملحفٍ قد نالَ منكم رعيبةً ... ويمنعنا من أن نُلحَّ التجملُ) (وعودتموني قبل أن أسأل الغنى ... ولا يكمل المعروفُ والوجه يبذلُ) وقال ابن الرومي: (من الحيفِ تخسيسُ النوال ومطله ... فعجلْ خسيساً أو فأجِّل موفرا) (وكن نخلةً تُلوي وتُسني عطاءَها ... وإلا فكن عصفاً أقلّ ويسرا) وقال: (يا شبيةَ البدرِ في الحسن وفي بُعدِ المثال) (جُد فقد تنفجر الصخرة بالماءِ الزلال) وله في المعاتبات مالا أعرف لغيره قال: (يا ابن الوزير الذي تمتْ وزارتهُ ... لا تجمعنَ علىَ العارَ والنارَا) (إن كنتُ أحسنتُ في وصفي مآثركم ... فأثروا في بالإحسانِ آثار) (وإن أكن قلت مالا أستحقُّ بهِ ... منكم ثواباً فردُّوهُ وما سارا) (إنّ المديحَ إذا ما سارَ مُنفردا ... من الثوابِ كسى من قالهُ عارا) (فقد يعزُ بليغ في بلاغته ... وقد يظنُ سوى المختار مختارا) (أسهبتُ فيكم لكي أعلى فطأطأني ... تقصيركم بي فقد أزمعت إقصارا) (إنَّ السلاليمَ لا تبني أطاولها ... يوماً ليهبطَ بانيهنَ اغوارا) (لكنْ ليصعدَ انجاداً تشرِّفُه ... حتى يمدَ إليها الناس أبصارا) (وقد هبطتُ بما شيدتهُ لكمُ ... من حالقٍ ولعلَ الله قد خارا)

стр. 161

(كم هابطٍ صاعدٍ من بعد مهبطه ... وغائرٍ منجد من بعد ما غارا) (ثقلتَ في كفَهِ الميزان فإنكدَرَت ... تهوي وشالَ خفاف الناس أقدارا) (صبراً فكم ناهضٍ من بعدِ وقعتهِ ... يوماً وكمْ واقع من بعد ما طارا) (لا بني سميرٍ صروفٌ غير غافلةٍ ... يحسنَ نقضاً كما أحسنَ امرارا) وقال: (وتابع بعد الفتح قوماً سبقتهم ... فلم أنافي نعماكَ ردفُ وهم صدرُ) (ولم يصفُ من شئ صفاءَ طوَّيتي ... فلم شربهم صفوٌ ولم مشربي كدرُ) (وما جاء مدحٌ مثلَ مدحيَ فيكمُ ... فلم كسبهم مدُ ولم مكسبي جزر) (وماليَ لا أنفكُ أنعي مسنداً ... ولي منكمُ ظهرٌ وما مثلكم ظهرُ) (لعمري لقد غوثت غيرَ مقصرٍ ... لتجبر من مالي وقد أمكنَ الجبرُ) (وكم قائلٍ أبلغتَ فيما تقوله ... فقلت له غنيتُ لو ساعدَ الزَّمرُ) وقلت (قد كنتَ توليني الحسنى وتُكرمني ... وكنت أشكر ماتأنى من الحسن) (فما بدا لك في جُودٍ ومكرمةٍ ... تجري من المجد مجرى الروح في البدن) (أرجع إلى الحالةِ الأولى فإنَ لنا ... شكراً يكونُ لها من أوفرٍ الثمنِ) (وحسنَ أحدوثةٍ لو كنتَ تبصرها ... حسبتها غُرَّةً في جبهة الزَّمنِ) (أزكى منَ المسكِ في أصداغِ غانيةٍ ... كأنها قمرٌ أوفى على غصن) وللصاحب بن عباد في الإستزادة والعتاب أبيات لم يمر بي من شعره أجود منها فمنها: (سيشهدُ أبناءُ المفاخرِكلهم ... بأنّ مضيعَ الأكرمينَ مُضيع) (يزعزعك الواشونَ عن حومةِ العلا ... وكان بعيداً أن يزعزعَ لعلع) وقدطرف البحتري في قوله يستبطئ محمد بن العباس الكلابي: (المئةُ الدينارٍ منسيةٌ ... في عِدةٍ أشبعتها خلفا) (لا صدقَ إسماعيل فيها ولا ... وفاء إبراهيم إذ وفى)

стр. 162

(إن كنت لا تنوي نجاحاً لها ... فكيفَ لا تجعلها ألفا) وقوله: (عمرتَ أبا إسحاقَ ما صلح العمرُ ... ولا زالَ مَزهواً بآبائك الدهرُ) (فأنتَ ندى نحيا به حيث لا ندى ... وقطرٌ يرجَّى جودهُ حيثُ لا قطرُ) (على أنني بعدَ الرِّضا مُتسخطٌ ... ومستعتبٌ من خطةٍ سهلها وعرُ) (وقد أوحشتني ردةٌ لم أكن بها ... بأهل ولاعندي بتأويلها خبرُ) (فلم جئت طوعَ الشوقِ من بعد غايتي ... إلى غيرِ مشتاقٍ ولم رَدّني بشرُ) (وما باله يأبى دخولي وقد رأى ... خروجيَ من أبوابهِ ويدي صفرُ) ومن جيد ما قيل في حسن الإقتضاء قول أبي تمام: (وإذا المجدُ كان عوني على المرء ... تقاضيتهُ بتركِ التقاضي) وقول الآخر: (أروح بتسليم وأغدو بمثله ... وحسبك بالتسليم متى تقاضيا) وفي خلاف ذلك قول بعضهم: ثقتي بكرمك تمنع من اقتضائك وعلمي بشغلك يحدو على إذكارك. ومما يجري مع هذا الباب قول الآخر: (أنتَ أمضى من أن تحركَ للمجدِ ... ولكنْ شراهةُ الشعَراءِ) وفي خلافِ ذلك قول الآخر: (أروحُ وأغدو نحوكم في حوائجي ... فأصبحُ منها غدوةُ كالذي أمسى) (وقد كنتُ أرجو للصديقِ شفاعتي ... فقد صرتُ أرضى أن أشفعَ في نفسي) وقول الآخر: (وللموتُ خيرٌ من حياةٍ زهيدةٍ ... وللمنعُ خيرٌ من عطاءٍ مكدَّرِ) ومن مليح الإستبطاء ما كتب بعضهم: كتابي ليس باستبطاء وإمساكي ليس بإستغناء ولكن كتابي تذكرة لك وإمساكي ثقة بك. وكتب عثمان إلى علي رضي الله تعالى عنهما: أبا بعد فقد بلغ الماء الزبى والحزم الطبيين وطمع فيّ من لا يدفع عن نفسه: (فإن كنتُ مأكولاً فكن خيراً آكل ... وإلاّ فأدركني ولما أمزَّق) ومما جاء في ذم العتاب قول بعض الحكماء: العتاب رسول الله الفرقة وداعي القلى وسبب

стр. 163

السلوان وباعث الهجران. وقال بعضهم: العتاب يبعث التجني والتجني ابن المحاجة والمحاجة أخت العداوة والعداوة أم القطيعة. وقال بعضهم: سبيل من يأخذ على أيدي الأحداث أن لا يكدرهم بالتوبيخ لئلا يضطروا إلى القحة. وقال غيره العتاب داعية الإجتناب فإذا انبسطت المعاتبة انقبضت المصاحبة. وقال آخر: حرك إخوانك ببعض العتاب لئلا يستعذبوا أخلاقك وأغض عن بعض ما تنكر منهم لئلا يوحشهم إلحاحك. وهذا أقصد ما قيل في هذا المعنى. وكتبت في فصل لي: العتاب مقدمة القطيعة وطليعة الفرقة فتجنبه قبل أن يجنبك حظك من السرور برؤية أحبابك وانتقل عنه قبل أن ينتقل بك عن مقر غبطتك بمشاهدة أودائك وإن لم تجد منه أبداً فاقتصد فيه ولا تكثر منه فإن الكثير من المحبوب مملول فكيف من المكروه والإقتصاد في المحمود ممدوح فكيف من المذموم. وقال ابن الرومي: (أرَفِّه ما أرفهُ في التقاضي ... وليسَ لديكَ غيرُ المطلِ نقدُ) (خلا وعدٍ مددت إليهِ كفي ... فأعرضَ دونهُ مطلٌ يمدُ) (إذا إنجازُ وعدِك كانَ وعداً ... فيكفيني من الوعدينِ وعدُ) وقال: (سألتُ قفيزين من حنطةٍ ... فجدتَ بكرٍ من المنعِ وافِ) (وأتبعتَ منعَكَ لي بالحجابِ ... مهلاً هديتَ ففي المنعِ كافِ) (كأني سألتُكَ حبَ القلوبِ ... ذاك الذي من وراءِ الشغافِ) وقد أجاد الآخر حيث يقول: (وكنْ عندَ ما نرجوهُ منك فإننا ... جميعاً لما أوليتَ من حسنٍ أهلُ) (ولا تعتذرْ بالشغلِ عنا فإنما ... تناطُ بك الآمالُ ما أتصلَ الشغل)

стр. 164

(الفصل الثاني من الباب الثالث في الهجاء) قالوا أهجى بيت قالته العرب قول جرير: (فغضَ الطرفَ إنك من نميرٍ ... فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا) أخبرنا أبو أحمد أخبرنا أبو بكر بن دريد حدثنا أبو عثمان عن التوزي عن أبي عبيدة عن يونس قال قال عبد الملك بن مروان يوماً وعنده جلساؤه: هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعر ودوا أنهم افتدوا منه بأموالهم، وو شعر لم يسرهم به حمر النعم؟ فقال أسماء بن خارجة نحن يا أمير المؤمنين، قال وما قيل فيكم؟ قال قول الحارث بن ظالم: (وما قومي بثعلبة بن سعدٍ ... ولا بفزارة الشعر الرقابا) فو الله يا أمير المؤمنين إني لألبس العمامة الصفيقة فيخيل لي أن شعر قفاي قد بدا منها. وقول قيس بن الخطيم: (هممنا بالإقامةِ ثم سرنا ... مسيرُ حُذيفة الخيرِ بن بدرِ) فما يسرنا أن لنا بها أوبه سود النعم. فقال هانئ بن قبيصة أولئك نحن يا أمير المؤمنين، قال ما قيل فيكم؟ قال قول جرير: (فغضَ الطرفَ إنك من نميرٍ ... فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا) والله لوددنا أننا افتديناه بأملاكنا، وقول زياد الأعجم: (لعمرك ما رماحُ بني نميرٍ ... بطائشة الصدور ولا قصارا) فو الله ما يسرنا به حمر النعم. قال أبو بكر وذكر أن جريراً لما قال: (والتغلبيُ إذا تنحنحَ للقرى ... حكَ أستهُ وتمثلَ الأمثالا)

стр. 165

قال قد قلت بيتاً فيهم لو طعن أحد في استه لم يحكها. وأخبرنا أبو القاسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال مرت امرأة ببتي نمير فتغامزوا إليها فقالت يا بني نمير لم تعلموا بقول الله تعالى ولا بقول الشاعر: يقول الله تعالى ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ ويقول الشاعر: (فغض الطرف إنك من نمير) فخجلوا وكان النميري إذا قيل له ممن أنت؟ قال من نمير فصار يقول من بني عامر بن صعصة. ولو قيل إن أهجى بيت قالته العرب قول الفرزدق لم يبعد وهو: (ولو تُرمى بلؤم بني كليبٍ ... نجومُ الليلِ ما وضحتْ لساري) (ولو يُرمى بلؤمهم نهارٌ ... لدنسَ لؤمهُم وضحَ النهارِ) وهذا مثل قول الآخر: (ولو أنَ عبدَ القيس ترمي بلؤمها ... على الليل لم تبدُ النجومُ لمن يرى) وقالوا أهجى بيت قالته العرب قول الأعشى: (تبيتونَ في المشتى ملاءً بطونكم ... وجاراتكم غرثَى يبتنَ خمائصا) وكان من حديث هذا الشعر أن عامر بن الطفيل بن مالك وعلقمة بن علاثة تنازعا الزعامة فقال عامر: أنا أفضل منك وهي لعمي ولم يمت وعمه عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب وكان قد اهتز وسقط وقال علقمة: أنا أفضل منك أنا عفيف وأنت عاهر وأنا وفي وأنت غادر وأنا ولود وأنت عاقر وأنا أدنى إلى ربيعة. فتداعيا إلى هرم بن قطبة ليحكم بينهما فرحلا إليه ومع كل واحد منهما ثلاثمائة من الإبل مائة يطعمها من تبعه ومائة يعطيها الحاكم ومائة يعقرها إذا حكم. فأبى هرم ابن قطبة أن يحكم بينهما مخافة الشر، وأبيا أن يرحلا فخلا بعلقمة وقال له: أترجو أن ينصرك رجل من العرب على عامر فارس مضر أندى الناس كفاً وأشجعهم لقاءً لسان رمح عامر أذكر في العرب من الأحوص وعمه ملاعب الأسنة وأمه كبشة بنت عروة الرحال وجدته أم البنين بنت عمرو بن عامر فارس الفيحاء وأمك من

стр. 166

النخع وكانت أمه مهيرة وأم علاثة من النخع، ثم خلا بعامر فقال له أعلى علقمة تفخر أأنت تناوئه أعلى ابن عوف بن الأحوص أعف بن عامر وأحلمه وأسوده وأنت أعور عاقر مشؤوم أما كان لك رأى يزعك عن هذا أكنت تظن أن أحداً من العرب ينصرك عليه. فلما اجتمعا وحضر الناس للقضاء قال أنتما كركبتي البعير فرجعا راضين والصحيح أنه توارى عنهما ولم يقل شيئاً فيها ولو قال أنتما كركبتي الجمل لقال كل منهما أنا اليمنى فكان الشر حاضراً. ولقد سأله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما بعد ذلك لمن كنت حاكماً لو حكمت؟ فقال أعفني يا أمير المؤمنين فلو قلتها لعادت جذعة فقال عمر صدقت مثلك فليحكم. فارتحلوا عن هرم لما أعياهم نحو عكاظ فلقيهم الأعشى منحدراً من اليمن وكان لما أرادها قال لعلقمة اعقد لي حبلاً قال أعقد لك من بني عامر قال لا تغني عني قال فمن قيس قال لا قال فما أنا رائدك. فأتى عامر بن الطفيل فأجاره من أهل السماء والأرض، فقيل له كيف تجيره من أهل السماء؟ قال إن مات وديته فقال الأعشى لعامر أظهر انكما حكمتماني ففعل فقام الأعشى فرفع عقيرته في الناس فقال: (حكمتموهُ فقضي بينكم ... أبلج مثل القمرِ الزاهرِ) (لا يأخذُ الرشوةَ في حكمه ... ولا يبالي غبنَ الخاسرِ) (علقمُ ما أنتَ إلى عامرٍ ... الناقض الأوتار والواتر) (واللامس الخيلَ بخيل إذا ... ثارَ عجاج الكة الثائرِ) (ساد وألفى رهطه سادةً ... وكابراً سادوك عن كابرِ) (وشد القوم على الإبل المائة فعقروها وقالوا ... عامر وذهبت به الغوغاء وجهد) وجهد علقمة أن يردها فلم يقدر على ذلك فجعل يتهدد الأعشى فقال الأعشى: (أتاني وعيدُ الحوص من آل جعفرٍ ... فيا عبدَ عمروٍ ولو نهيتَ الأحاوصا)

стр. 167

(فما ذنبنا أن جاشَ بحر ابن عمكم ... وبحرك ساجٍ لا يُواري الدَّعامصا) (كلا أبويكم كانَ فرع دعامةٍ ... ولكنهم زادوا وأصبحتَ ناقصا) (تبيتونَ في المشتى ملاءً بطونكم ... وجاراتكم غرثَى يبتنَ خمائصا) (يراقبن من جوع خلالَ مخافةٍ ... نجومَ العشاءِ القائماتِ القواصما) (رمى بك في أخراهمُ تركك الندى ... وفضل أقواماً عليك مراهصا) (فعضَ حَديدَ الأرض ان كنت ساخطاً ... بفيك وأحجارَ الكلابِ الرواهصا) فبكى علقمة لما بلغه هذا الشعر وكان بكاؤه زيادة عليه في العار. والعرب تعير بالبكاء قال مهلهل: (يبكى علينا ولا نبكي على أحدٍ ... لنحنُ أغلظُ أكباداً من الإبلِ) وقال جرير: (بكى دويلٌ لا يرفأ اللهُ دمعهُ ... ألا إنما يبكي من الذلَ دويل) وكان الحطيئة مع علقمة وليد مع عامر فقال الحطيئة: (يا عم قد كنتَ ذا باعٍ ومكرمةٍ ... لو أنَّ مسعاةَ من جاريتهُ أمَمُ) (جاريت قرماً أجادَ الأحَوصان بِه ... ضخم الدسيعة في عِرنينِهِ شَمَم) (لا يصعبُ الأمرُ إلا حيث يركُبه ... ولا يبيتُ على مالٍ له قَسَمُ) وقال: (فما ينظر الحكامُ في الفصلِ بعدما ... بدا واضحٌ ذو غرةٍ وحُجول)

стр. 168

وهاتان القصيدتان جيدتان بارعتان في معنيهما ولكن الناس استخفوا قول الأعشى (علقم لا لنت إلى عامر) فمر على ألسنتهم وسقط شعر الحطيئة. أخبرنا أبو علي بن أبي جعفر أخبرنا جعفر بن محمد حدثنا أبو عبيدة العسكري حدثنا محمد يعني ابن الوليد حدثنا أبو زكريا عن الأصمعي قال قال عبد الملك ابن مروان لأمية مالك وللشاعر إذ يقول: (إذا هتفَ العصفورُ طارَ فؤادهُ ... وليثٌ حديدُ النابِ عند الثرائدِ) قال أصابه حد من حدود الله تعالى فأقمته عليه، قال فهلا درأته عنه بالشبهات؟ قال كان أهون علي من أن أعطل حداً من حدود الله تعالى فقال يا بني أمية أحسابكم أحسابكم أنسابكم لا تعرضوا للهجاء فإن للشعر مواسم لا يزيدها الليل والنهار إلا جدة والله ما يسرني اني هجيت ببيت الأعشى حيث يقول: (تبيتونَ في المشتى ملاءً بطونكم ... وجاراتكم غرثَى يبتن خمائصا) ولي الدنيا بحذافيرها، ولو أن رجلاً خرج من عرض الدنيا كان قد أخذ عوضاً لقول ابن حرثان: (على مكثريهم حقَ من يعتريهم ... وعندَ المقلينَ السماحةُ والبذل) هكذا رواه لنا والبيت لزهير. وقالوا أهجى بيت قالته العرب قول الحطيئة في الزبرقان بن بدر: (دعِ المكارمَ لا تَرحلْ لبغيتها ... وأقعد فإنك أنتَ الطاعمُ الكاسي) وأخبرني أبو أحمد سمعت بعض الشيوخ يقول اجتمع مطيع بن إياس ويحيى ابن زياد وحماد عجرد وجعفر بن أبي وزة في مسجد الكوفة فامتروا في أهجى بيت قالته العرب ثم اتفقوا على قول الفرزدق في جرير:

стр. 169

(أنتم قرارةُ كل معدن سوءةٍ ... ولكلَ سائلةٍ تسيلُ قرار) وأخذه أبو تمام فقال: (وكانت زفرةٌ ثمّ أطمأنت ... كذاك لكلِّ سائلةٍ قرارُ) وقالوا أهجى بيت قالته العرب قول الأخطل لجرير: (ما زال فينا رباطُ الخيلِ معلمة ... وفي كليبٍ رباطُ اللؤمِ والعارِ) (قومٌ إذا استنبحَ الأضيافَ كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النارِ) قالت بنو تميم ما هجينا بشئ هو أشد علينا من هذا البيت. وهو يتضمن وجوها شتى جعلهم بخلاء بالقرى وجعل أمهم خادمتهم يأمرونها بكشف فرجها، وجعلهم يبخلون بالماء أن يطفئوا به النار فيأمرونها بأن تطفئها ببولها بينهم وبين المجوس لتعظيم المجوس النار، إلى غير ذلك وان نارهم من قلتها كانت تطفئها ببولها. وقالت بنو مشاجع ما هجينا بشعر أشد علينا من قول جرير: (وبرحرحانَ غداةَ كبْلَ معبد ... نكحتْ نساؤهمُ بغيرِ مهورِ) وقالت بنو كليب ما هجينا بشعر أشد علينا من قول الفرزدق: (ألستَ كليبياً إذا سيمَ سوءةً ... أقرَ كإقرارِ الحليةِ للبعلِ) قالوا بل أهجى بيت قالته العرب قول الطرماح: (تميمٌ بطرقِ اللؤمِ أهدى من القطا ... ولو سلكت سبلَ المكارمِ ضلْتِ) وقال بعض الشيوخ لو أن هذا البيت لجرير أو لمن في طبقته لحكم على جميع ما في معناه وبعده وهو أبلغ ما قيل في الاحتقار والتقليل والجبن: (ولو أن حرقوصاً على ظهرِ نملةٍ ... تشدُ على صفي تميمٍ لولتِ) (ولو جمعت يوماً تميمٌ جُموعَها ... على ذرةٍ معقولةٍ لاستقلتِ) (ولو أنَّ أمَ العنكبوتِ بنتْ لها ... مظلتها يومَ الندى لا ستظلتِ) (ولو أنَ برغوثاً يزقق مسكه ... إذا نهلت منه تميم وعلتِ) وأبلغ ما قيل في الخمول قوله أيضاً:

стр. 170

(ولو كان يخفى على الرحمن خافيةٌ ... من خلقهِ خَفيتْ عنهُ بنو أسدِ) (قومٌ أقامَ بدارِ الذُلَ أولهم ... كما أقامتْ عليه جدمةُ الوتدِ) وقال ابن الأعرابي قال أبو عمرو بن العلاء أحسن الهجاء ما تنشده العاتق في خدرها فلا يقبح بها مثل قول أوس: (إذا ناقة شعرت برحل ونمرقٍ ... إلى حكم تعدى فضلّ ضلالُها) وقال ابن الأعرابي وأنا أقول مثل قول جرير: (ولو أن ثعلبَ جمعتْ أحسابها ... يومَ التفاخرِ لم تزنْ مثقالا) وقيل أهجى ما قالته العرب قول الأعرابي: (اللؤم أكرمُ من وبر ووالدهِ ... وللؤم أكرم من وبر وما ولدا) (قومٌ إذا جرّجانٍ منهم أمنوا ... من لؤم أحسابِهم أن يقتلوا قودا) وقال النجاشي في بني العجلان: (قبيلة لا يغدرونَ بذمةٍ ... ولا يظلمون الناسَ حبّة خردلِ) (ولا يردون الماءَ إلا عشيةً ... إذا صدرَ الورادُ عن كلِّ منهلِ) فاستعدوا عليه عمر بن الخطاب فقال ما قيل فيكم؟ فأنشدوه: (إذا الله عادَى أهل لؤمٍ ورقةٍ ... فعادى بني العجلانِ رهطَ ابن مقبل) فقال عمر إن كان ومظلوماً استجيب له، قالوا وقد قال: (قبيلة لا يغدرونَ بذمةٍ ... ولا يظلمونَ الناسَ حبةَ خردلِ) فقال ليت آل الخطاب هكذا. قالوا وقد قال: (ولا يردونَ الماءَ إلا عشيةً ... إذا صدرَ الورادُ عن كلَ منهلِ)

стр. 171

قال عمر: ذاك أقل للكاك يعني الأزدحام، قالوا وقد قال: (تعاف الكلاب الضارياتُ لحومهم ... ويأكلنَ من عوفٍ وكعبٍ ونهشلِ) قال أحيا القوم قتلاهم ولم يضيعوهم، قالوا وقد قال: (وما سُمىَ العجلان إلا لقيلهم ... خُذِ القعبَ واحلبْ أيها العبدُ واعجل) فقال عمر خير القوم خادمهم ثم بعث إلى حسان فسأله فقال ما هجاهم ولكن سلح عليهم فتهدد النجاشي وقال إن عدت قطعت لسانك. وكانوا يتمدحون بتقديم الورد وكان أعزهم أسبقهم إلى الماء بإبله ومثل قوله: (تعاف الكلابُ الضارياتُ لحومهم ... ) قول البحتري: (وردَدتُ العتابَ عليك حتى ... سئمت وآخرُ الودَ العتابُ) (وهانَ عليك سخطي حينَ تغدو ... بعرضٍ ليسَ يأكلهُ الكلاب) ومن التناهي في الاحتقار والخمول قول بعضهم: (قالوا الأشاقر تهجوهمْ فقلت لهم ... ما كنتُ أحسبهم كانوا ولا خلقوا) (قومُ من الحسبِ الزاكي بمنزلةٍ ... كالفقعِ بالقاعِ لا أصلٌ ولا ورقُ) (إنَ الاشاقرَ قد حلوا بمنزلةٍ ... لو يرهبونَ بنعلٍ عندنا علقوا) (لا يكثرون وإن طالتْ حياتُهمُ ... ولو تبولُ عليهم فأرةٌ غرِقوا) وقول الآخر (لو يحلوا بالحرير ما وجدوا) وقول الآخر، أستغفر الله من قوله: (يكادُ من رقةٍ ولؤم ... يخفي على البارئ القديمِ) وقول أبي الهيذام: (يا جعفرَ بن القاسم بن محمدٍ ... مالي أراك عن الندى معزولا) (إني أقولُ مقالةً تجري بها ... لو كنتَ من كرم لكنت قليلا) وقول أبي تمام: (وما كنت أحسبُ أنَّ الدَهرَ يمهلني ... حتى أرى أحداً يهجوهُ لا أحد ... )

стр. 172

ونحوه قوله: (هب من له شئٌ يريدُ حجابةُ ... ما بالُ لا شئٍ عليهِ حجابُ) وقال (وأنت أنزر من لا شئ في العدد) ومن مشهور ما قيل في بلوى الأخيار بالأشرار قول الأول: (فلو أني بليتُ بهاشمي ... خؤلتهُ بنو عبد الداني) (صبرتُ على عدواتهِ ولكن ... تعالى فانظري بمن ابتلاني) وشكا رجل إلى أبي العيناء رجلا فقال فاك دخل في العدد وخرج من العدد، ويقول هو يعد في الحساب ويخرج من عدد التحصيل، وهو من قول القائل: (خرجنا الغداةَ إلى نزهة ... وفينا زياد أبو صعصعة) (فستةُ رهطٍ به خمسةٌ ... وخمسةُ رهطٍ بهِ أربعه) وقلت في معناه: (أنظر إليهمْ ولا تعجبك كثرتهم ... فانما الناسُ قلوا كلما زادوا) (ولا يهولنك من دهمائهم عددٌ ... فليسَ للناس في التحصيل أعدادُ) (عجبتُ من زهدهم فيما يزينهمُ ... والناسُ مُذ خلقوا في الخيرِ زهادُ) ومن التناهي في صفة الخمول قول عبد الصمد في أبي العباس محمد بن يزيد المبرد: (سألنا عن ثمالةَ كلَ حيٍ ... فقالَ القائلونَ ومن ثمالة) (فقلتُ محمدُ بنُ يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهالهْ) ومن الاستحقار الشديد قول مسلم: (أمويسُ قل لي أينَ أنتَ من الورى ... لا أنتَ معلومٌ ولا مجهولُ) (أما الهجاءُ فدقَ عرضك دونهُ ... والمدحُ عنك كما علمتَ جليل) (فاذهب فأنتَ طليقُ عرضك إنهُ ... عرضٌ عززتَ بهِ وأنتَ ذليل) فجعله دون الرجاء والهجاء فوقه فلا يهجى لضعته وقلته. ومن هنا أخذ ابراهيم بن العباس قوله:

стр. 173

(فكنْ كيفَ شئتَ وقلْ ما تشاء ... وأبرق يميناً وأرعد شمالا) (نجا بك لؤم منجى الذباب ... حمتهُ مقاذيرهُ أن ينالا) وهذه الأبيات وإن كانت مشهورة فإن لإيرادها ههنا معنى كبيراً وذلك أني لست أجد خبراً منها في معناها وأجود، وقد شرطت أن لا أضمن هذا الكتاب إلا كل جيد اللفظ بارع المعنى، وأنت أيضاً إذا احتجت إليه تتناوله من قرب. وأنشد الجاحظ: (ووثقتَ أنك لا تسبُ ... حماكَ لؤمكَ أن تُسبا) وقال الآخر: (بذلةِ والديك كسيتَ عزاً ... وباللؤمِ أجترأتَ على الجوابِ) وقال غيره: (دناءةُ عرضك حصنٌ منيع ... تقيك إذا ساء منك الصنيعُ) (فقلْ لعدُوِّكَ ما تشتهي ... فأنتَ الرفيعُ المنيعُ الوضيعُ) وقلت: (لست الوضيعَ ولا الصغيرَ وإنما ... أنتَ الوضيعُ عن الوضيع الأصغر) (لا تفخرنَّ وإنْ غدوتَ مقدَّما ... فعلى جبينك سيمياء مؤخر) وقال أبو نواس: (ما كان لو لم أهجهُ غالب ... قامَ لهُ هجوي مقامَ الشرفْ) (يقولُ قد أسرفَ في هجونا ... وإنما زادَ بذاك السرفْ) (غالبُ لا تسعى لتبني العلا ... بلغتَ مجداً بهجائي فقفْ) ( ... قد كنتَ مجهولاً ولكنني ... نَوَهْتُ بالمجهولِ حتى عرف) فجعل شرفهم ونباهتهم بهجائه إياهم، وقوله: (وما أبقيتُ من غيلانَ إلا ... كما أبقتْ من البظرِ المواسي) ومن قديم الهجاء لمن لا يقع في حياته وفي موته فجيعة قول بعضهم: (وأنتَ امرؤٌ منا خلقتَ لغيرنا ... حياتُك لا نفعٌ وموتُك فاجعُ) وقال ابن الرومي: (فلا تخش من أسهمي قاصداً ... ولا تأمننَ من العايرِ)

стр. 174

(ولكنْ وقاك معرَاتها ... تضاؤلُ قَدرِكَ في الخاطرِ) وقال غيره: (إني هجوتُ بكلَ لفظٍ مقذعٍ ... زيداً وكان لهُ الهجاءُ مديحا) وقلت: (يا أبا القاسم هل أبصرت ... شبهاً لك في قبحك) (ونظيراً لك شؤمك ... أو لؤمك أو شحك) (إن من شبهك الكلب ... فقد بالغَ في مدحكَ) وقلت: (أهنت هجائي يا ابنَ عروةَ فانتحى ... علىَ ملامُ الناسِ في البعدِ والقربِ) (وقالوا أتهجو مِثله في سُقوطهِ ... فقلتُ لهم جريتُ سيفي على كلبِ) وقال ابن الرومي: (خسأت كلباً مَرَ بيَ مَرَةً ... فقال مَهلاً يا أخا خالدِ) (حسبكمُ خزياً بني آدم ... شركتكم إياه في الوالد) ومثله ما أنشدناه أبو أحمد قال أنشدني ابن لنكك لنفسه: (وعصبةٍ لما توسطتهمْ ... صارت علىَ الأرضُ كالخاتمِ) (كأنهمْ من سوءِ أفهامهمْ ... لم يخرجوا بعدُ إلى العالم) (يضحكُ إبليس سروراً بهم ... لأنهم عارٌ على آدم) وقلت: (وقلتُ للكلبِ حينَ مرَّ بيَ اخسأ ... فكأني كويتُ قلبك كيا) (أترى أنني أعُدك كلباً ... أنتَ عندي إذا نبحتَ الثريا) ومن التناهي في الاستصغار والخمول قول زياد الأعجم: (إذا ما اتقى الله امرؤُ وأطاعهُ ... فليسَ به بأسٌ وان كان من جرمْ) (ولو جمعتْ جَرْمٌ على رأسِ نملةٍ ... لباتوا شِباعاً يضرطون من الشحم) ومن بليغ ما جاء في الاستصغار ما رواه قدامة قال قال محمد بن ناشد سألني

стр. 175

فلان عن رجل فقلت يساوي فلس، فقال قد زدت في قيمته درهمين. ومن أبلغ ما قيل في الهجاء قول ذي الرمة: (وأمثلُ أخلاقِ امرئِ القيسِ إنها ... صلابٌ على طولِ الهوانِ جلودُها) (وما انتظرتْ غيابها لملةٍ ... ولا استؤمرتْ في حلَ أمر شهودُها) (إذا امرئياتٌ حللن ببلدة ... من الأرض لم يصلح طهوراً صعيدها) وقال غيره: (لعمركَ ما تبلى سرابيلُ عامرٍ ... من اللؤم ما دامتْ عليهِ ظهورها) وقال أبو سعيد المخزومي: (يا ئابت بن أبي سعيدٍ إنها ... دولٌ وأحراها بأنْ تتنقلا) (هلا جعلتَ لنا كحرمةِ دعبلٍ ... في استِ أمِّ كلبٍ لا تساوي دعبلا) وقالوا أهجى بيت قاله محدث بيت حماد في بشار: (نُسبتَ إلى بردٍ وأنتَ لغيره ... فهبك لبرد نِلتَ أمك مَنْ بُردُ) وأخبرني أبو أحمد أخبرني أبو الحسن الصميري عن أبي العلاء قال حماد عجرد (نسبت إلى برد وأنت لغيره) قال بشار تهيأ لحماد في هجائي في هذا البيت خمسة معان أوردها جرير في الفرزدق فلم يقدر عليها حيث يقول: (لما وضعتُ على الفرزدق ميسمي ... وضع البعيثِ جدعتُ أنفَ الأخطلِ) ومن أجود ما هجى به الدعى قول دعبل في مالك بن طوق: (الناسُ كلهمُ يسعى لحاجتهِ ... ما بينَ ذي فرحٍ منها ومهمومِ) (ومالكٌ ظلَ مشغولاً بنسبتهِ ... يرمُ منها خَراباً غير مرمومِ) (يبني بيوتاً خراباً لا أنيسَ بها ... ما بينَ طوقٍ إلى عمرِو بنِ كلثوم)

стр. 176

وقال إبراهيم بن إسماعيل النسوي: (لو أنَ موتى تميم كلهم نُشِروا ... وأثبتوك لقيل الأمرُ مصنوعُ) (إنَّ الجديدَ إذا ما زيدَ في خَلقٍ ... تبينَ الناسُ أنَ الثوبَ مرقوعُ) وقالوا أهجى بيت قاله محدث قول الآخر: (قبحتْ مناظرُهمْ فحينَ خبرتهم ... حسنتْ مناظرهم لقبح المخبرِ) ولست أعرف أبلغ في الهجاء من قول الأول: (إن يفجروا أو يغدروا ... أو يبخلوا لم يحظلوا) (وغدوا عليك مرجلينَ ... كأنهم لم يفعلوا) هذا أبلغ من ذكر الفروج والقول الفاحش المقذع في الأمهات والأخوات. ومن البليغ قول حسان: (أبناء طارف لنْ تلقي لهم شهباً ... إلا التيوس على أقفائها الشعرُ) (إن نافروا نفروا أو كاثروا كثروا ... أو قامروا الزنجَ عن أحسابهم قمروا) (كأنَ ريحهمُ في الناس إذ خرجوا ... ريحُ الكلابِ إذا ما مسها المطرُ) قد استوفى المعنى عند قوله (ريح الكلاب) ثم قال (إذا ما مسها المطر) فجاء بتتميم حسن. وقالوا قول جرير (نُتِفَتْ شواربُهُم على الأبوابِ) وقالوا قول حسان: (أبوك أبو سُوءٍ وخالك مثلهُ ... ولستَ بخيرٍ من أبيك وخالِكا) (وإنَّ أحقَ الناسِ أنْ لا تلومهُ ... على اللؤمِ من ألفى أباهُ كذلِكا) ومن الأفراط في صفة البخل قول ابن الرومي في سليمان بن عبد الله بن طاهر: (تجنب سليمان قفل الندَى ... فقد يئسَ الناسُ من فتحهِ) (فلو كانَ يملكُ أمرَ أستهِ ... لما طمعَ الحشُ في سلحهِ)

стр. 177

وأبلغ ما قيل في الهجاء باللؤم قول الفرزدق: (ولو تُرمي بلؤم بني كليبٍ ... نجومُ الليل ما وضحتْ لسارِ) (ولو لبسَ النهارُ بني كليبٍ ... لدنسَ لؤمهم وضحَ النهارِ) (وما يغدو عَزيزُ بني كليبٍ ... ليطلبَ حاجةً إلا بجارِ) وقد مر البيتان الأولان فيما تقدم. ومن الافراط في الهجاء قول الآخر: (لو اطَلعَ الغرابُ على تميم ... وما فيها من السوآتِ شابا) وقول الآخر: (سَل اللهَ ذا المنَ من فضلهِ ... ولا تسألنَ أبا وائلهْ) (فما سألَ الله عبدٌ لهُ ... فخابَ ولو كانَ من باهلْه) وقال الآخر: (ولو قيلَ للكلبِ يا باهلي ... لأعولَ من قبح هذا النسبْ) وأنشدني أبو أحمد أنشدني أبو مسلم بن بحر لإبراهيم بن العباس وهي أبيات مشهورة أوردتها لأني لست أجد مثلها في معناها: (ولما رأيتك لا فاسقاً ... تهابُ ولا أنتَ بالزاهدِ) (وليسَ عَدُوك بالمتقي ... وليس صديقك بالحامدِ) (أتيتُ بك السوقَ سوقَ الرقيقِِ ... فناديتُ هل فيك من زائد) (على رجلٍ غادرٍ بالصديقِ ... كفورٍ لنعمائهِ جاحد) (فما جاءني رجلٌ واحدٌ ... يزيدُ على درهم واحد) (سوى رجلٍ حار منه الشقا ... وحلتْ به دعوةُ الوالد) (فبعتك منهُ بلا شاهدٍ ... مخافةَ أدرك بالشاهدِ) (وأبتُ إلى منزلي سالماً وحَلَ البلاءُ على الناقدِ) وقد أحسن التصرف فيها فما قاربه في معانيها أحد. وأبلغ ما قيل في البخل قول ابن الرومي:

стр. 178

(يقترُ عيسى على نفسهِ ... وليسَ بباقٍ ولا خالدِ) (فلو يستطيعُ لتقتيرهِ ... تنفس من منخر واحد) (رضيتُ لتشتيت أمواله ... يدي وأرثٍ ليسَ بالحامدِ) والناس يظنون أن ابن الرومي ابتكر هذا المعنى وإنما أخذه مما رواه الجاحظ أن فلاناً كان يقير أحدى عينيه ويقول إن النظر بهما في زمن واحد من السرف. ومن الفرد الذي لا شبيه له قول بعضهم: (إلى اللهِ أشكو أنني بتُ طاهراً ... فجاءَ سلوليٌ فبالَ على رجلي) (فقلتُ اقطعوها باركَ اللهُ فيكمُ ... فإني كريمٌ غير مدخلها رحلي) وقلت: (وقفت لديكمْ للسلام عليكُم ... وقوفي على أطلالِ سلمى وعاتكهْ) (يرومك تسليم العفاة كأنه ... بوادرُ طعنٍ في الضلوع مواشكهْ) (وما فيكمُ حرٌ يكرمُ ضيفهُ ... ولكن إذا ما ساء أكرم نائلَهْ) (وإن كنتمُ ناسا وما أنتمُ بهِ ... فإن القرودَ والكلابَ ملائكةْ) وليس في هذا الباب أبلغ من هذا ولا أعرفني سبقت إليه. وقال بعضهم: (سمعت المديح أناساً دون مالهم ... رد قبيح وقول ليسَ بالحسنِ) (فلمْ أفز منهمُ إلا بما حملتْ ... رجلُ البعوضةِ من فخارةِ اللبن) وهذا كما تراه بليغ جداً. وقال الآخر (يعطيك ما تعطيك مكحلة ... ) وأنشدنا أبو أحمد عن أبيه عن أبي طاهر لدعبل: (أتقفلُ مطبخاً لا شئ فيهِ ... من الدُّنيا تخافُ عليه أكلُ) (فهذا المطبخ استوثقتَ منه ... فما بالُ الكنيفِ عليهِ قفلُ) (ولكن قد بخلتَ بكلَ شئٍ ... فحتى السلح منكَ عليك بخل) وأنشدنا: (وإنَ لهُ لطباخاً وخبزاً ... وأنواعَ الفواكهِ والشرابِ) (ولكن دونهُ حبسٌ وضربٌ ... وأبوابٌ تطابقُ دونَ بابِ)

стр. 179

(يذودونَ الذُبابَ يمرُ عنه ... كأمثالِ الملائكةِ الغضابِ) وقال الخليل بن أحمد: (لا تعجبنَ لخيرٍ زلَ عن يدهِ ... فالكوكبُ النحسُ يسقي الأرضَ أحيانا) وقال أبو تمام: (صدقَ أليتهُ إن قال مُجهداً (لا والرغيفِ) فذاك البِر من قَسَمِهْ) (وإن هممتَ به فاقتك بخبزتهِ ... فإن موقعها من لحمهِ ودمهِ) (قد كانَ يعجبني لو أنَ غيرتهُ ... على جرادقةٍ كانتْ على حرمه) وقال الآخر: (يَزدادُ لؤماً على المديح كما ... يَزدادُ نتنُ الكلابِ بالمطرِ) وقلت: (خُبزُ الأميرِ عشيَّةً ... يغدُو عليهِ يُلاعبُهْ) (وإذا بَدَا لجليسهِ ... أفضى إليه يعاتبُهْ) (وتحوطُهُ أحراسُهُ ... وَتذبُ عنهُ كتائبه) (فالزورُ يُصفعُ عندهُ ... والضيفُ ينتفُ شاربه) وقال آخر: (فتى لرغيفهِ فرط وشغف ... واكليلانِ من دُرٍ وشذرِ) (إذا كسر الرَّغيف بكى عليهِ ... بكا الخنساء إذ فجعتْ بصخر) (ودونَ رغيفهِ قلعُ الثنايا ... وحربٌ مثل وقعةِ يوم بدرِ) وقال آخر: (إنَّ هذا الفتى يصون رغيفاً ... ما إليه لآكلٍ من سبيلِ) (هو في سفرتين من أدمِ الطائف ... في سلتين في منديل) (خُتمتْ كلُ سلةٍ برصاصٍ ... وسيورٍ قُددن من جلدِ فيلِ) (في جرابٍ في جوفِ تابوتِ موسى ... والمفاتيحُ عندَ ميكائيلِ) وقلت: (لنا سيدٌ واحدٌ ماجدٌ ... يقتل في الجود آباءهُ) (لئيمٌ إذا جاءهُ طارقٌ ... فقد جاءَه كلُ ما ساءَهُ)

стр. 180

(وهل يطمعُ الناسُ في خبزه ... إذا كان يمنعهم ماءَه) (فما ولغ الكلب في لؤمه ... لما زال يقذفُ أمعاءَه) وسمعت عن أبي حفص يقول قال جعفر بن محمد العسكري أبلغ ما قاله محدث في البخل قول بعضهم: (الحابس الرَوثَ في أعفاج بغلته ... خوفاً على الحبَ من لقطِ العصافيرِ) وأجود ما قيل في البخل قول بعضهم: (وعدت فأكدت المواعيد بيننا ... وأقلعت إقلاع الجهام بلا وبلِ) (وأجررت لي حبلا طويلا تبعته ... ولم أدر أنَ اليأسَ في طرف الحبلِ) وقال أبو نواس: (رأيتُ قُدور الناس سوداً من الصَّلى ... وقِدر الرَقاشين زهراء كالبدرِ) (يُبيتهُا للمعتفي بفنائهمْ ... ثلاثا كنقط الثاء من نُقَط الحِبرِ) (إذا ما تنادَوا للرَّحيل سعى بها ... أمامهمُ الحوليّ من ولد الذّر) (ولو جئتها ملأى عبيطاً مجزراً ... لأخرجت ما فيها على طرف الظفر) غيره: (يحصنُ زَاده عن كلَ ضرس ... ويعمل ضرسه في كلِّ زادِ) (ولا يَروي من الآداب شيئاً ... سوى بيتٍ لأبَرهةَ الأيادي) (قليلُ المالِ تُصلحهُ فيبقى ... ولا يبقى الكثيرُ مع الفسادِ) وقلت في مثلهِ: (يطعمُ دُونَ الشبع أولادَهُ ... ويختمُ البُرمَةَ والجفنَه) (لم يَروٍ إلَاّ خبراً واحداً ... قد تذهبُ البطنةُ بالفطنة) وقال آخر: (ظلمتك إذ سألتك ماءَ كرم ... وماءُ الكرم للرجلِ الكريمِ) وقلت: (لك بُرمةٌ نَزَّهتها ... من أن تدنسَ بالدَّسَمْ) (بيضاءَ يُشرقُ نورُها ... كالبدرِ في غسقِ الظلم)
следующие страницы →