Полный текст (608 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ولؤلواً منظوماً ومنثوراً بل لأبصر أعطاف الفتيان تنثني تثني الأغصان في قراطق الحبير ومن ربرات الدبياج والحرير وقد اطلعت أزرارهم بواهر الأقمار مطرفة بعقارب الاصداغ وحلق الأطرار فأقبلوا يسفرون عن غرة الصباح ويبسمون عن حباب الراح ويمزجون الدلال بخجل أسأرء فيهم الوصال فإذا حضروا وكلوا الأبصار وإذا غابوا استوهبوا القلوب والأفكار فهم الداء والدواء ومنهم السقم والشفاء. ومن الإفراط في ذكر الغيد وهو لين القامة قول ماني:
(أتمنى الذي إذا أنا أومأتُ ... إليهِ بطرف عيني تجّنى)
(أهيفٌ كالقضيبِ لو أنَ ريحاً ... حَركتْ هدبَ ثوبهِ لتثنَّى)
وأجود ما قيل في النهود وعظم العجيزة قول الأعرابي: بيضاء جعدة لا يمس الثوب منها إلا مشاشة كتفيها وحلمتي ثدييها. وأخذه الشاعر فقال أو أخذه الأعرابي من الشاعر:
(أبت الروادفُ والثديُ لقمصِها ... مسَ البطونَ وأن تمسَ ظهورا)
(وإذا الرياحُ مع العشيِّ تَناوَحَتْ ... نبهنَ حاسِدَةً وهجنَ غيورا)
وقلت تمشي بأردافٍ أبيْنَ قعودَها ... بينَ النساءِ كما أبينَ قيامها)
وقال ابن المعتز في النهود:
(يا غضناً إن هزه مشيةُ ... خَشيتُ أم يَسقطَ رمانهُ)
(إرحَم مَليكاً صارَ مستَعبداً ... قد ذل في حبك سلطانهُ)
وأخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن العكلي عن ابن خالد عن الهيثم ابن عدي قال قعد أعرابي إلى جانب دار إسماعيل بن علي بالكوفة فخرجت جارية فطفق الأعرابي ينظر إليها فقال له رجل ما نظرك إلى شئ غيرك أقبل على شأنك واصبر، والجارية تسمع فقال الأعرابي ربلات تصطك وغصن يهتز وثدي يخرق إهابه وتقول اصطبر، فضحكت الجارية وقالت والله ما مدحني أحد مثل ما مدحتني
стр. 247
به. فقال بأبي أنت وأمي إن الهوى يظهر جيد القول ويبدي المستتر الكامن وإنك لما يما يكنى عنه الربلات مجامع الفخذين؟ وقلت:
(أيا وَرداً على غصن ... بكرِّ اللحظ يلقطه)
(ورماناً على فتن ... يكادُ المشيُ يسقطهُ)
(أتى والبدرُ يحسدهُ ... وشمسُ الدُّجن تغبطهُ)
(وخوفُ الناس يقبضهُ ... وحبُ الوصل يبسطهُ)
وأحسن ما قيل في الثدي:
(قبيحٌ بمثلكِ أنْ تَهجري ... وأقبح من ذاك أن تُهجري)
(أقاتلتي بفتورِ الجفونِ ... ورُمانتينِ على منبرِ)
(كحقين من لبّ كافورةٍ ... برأسيهما نقطتا عنبر)
والناس يستحسنون قول مسلم بن الوليد:
(فأقسمت أنسى الدَّاعياتِ إلى الصبا ... وقد فاجأتْها العينُ والستر واقعُ)
(فغطتْ بكفيها ثمارَ نحورها ... كأيدي الأساري أثقلتها الجوامع)
وهو حسن جداً ومثله قول النميري:
(أعميرُ كيفَ بحاجةٍ ... طُلبتْ إلى صُمِّ الصُّخورِ)
(لله درُ عِداتكم ... كيفَ انتسبنَ إلى الغُرورِ)
(ولقد تبيتُ أناملي ... تجنينَ رمانَ الصدورِ)
وقال علي بن الجهم:
(شاخصٌ في الصدر غضبان على قَببِ البطنِ وطيِّ العُكَنِ)
(يملأ الكفَ ولا يفضلهُ ... وإذا أثنيته لا ينثني)
وقد طرف ابن الرومي في قوله:
(صدورٌ فوقهنَ حِقاق عاجٍ ... وحليٌ زانهُ حسنُ اتساقِ)
стр. 248
(يقول القائلونَ إذا رأوها ... أهذا الحلي من هذي الحقاقِ)
أجود ما قيل في الخضاب بأنامل المرأة من قديم الشعر قول الأسود بن يعفر:
(يسعى بها ذوُ تُؤمتين مقرطقٌ ... قَتأتْ أناملهُ من الفرصادِ)
(فأخذ المحدثون ذلك وتصرفوا فيه فمن أحسن ذلك قول أبي نواس:
(يا قمراً أبصرتُ في مأتم ... يندبُ شجواً بين أترابِ)
(يبكي فيلقي الُدر من نرجسٍ ... ويلطمُ الوردَ بعنابِ) ِ ... وقال ديك الجن:
(ودعتُها لفراقٍ فاشتكتْ كبدي ... وشبكتْ يدَها من لوعةٍ بيدي)
(وحاذرتُ أعينَ الواشينَ وانصرفَتْ ... تعضُّ من غيظها العَّنابَ بالبردِ)
(فكانَ أوَّلَ عهدِ العينِ يومَ نأتْ ... بالدَّمعِ آخرُ عهدِ القلبِ بالجلد)
ومن البديع في هذا المعنى قول الآخر:
(قالوا الرَّحيل فأسرَعَتْ أطرافها ... في خَدِّها وقد اكتسينَ خضابا)
(فاخضرَ موضعُ كفِّها فكأنما ... غَرسَتْ بأرض بنفسج عُنابا)
وقال الناشئ وهو أحسن الواصفين لهذا المعنى:
(من كفَ جاريةٍ كأنَ بنانَها ... من فضةٍ قد طرّفتْ عُنّابا)
(وكأنَ يمناها إذا نطقتْ به ... يلقى على يدها الشمالِ حسابا)
وقال أيضاً:
(لناقينةٌ ترنو بناظرتينِ ... بما في قلوبِ الناسِ عالمتين)
(تخالُ تصاريف الخضابِ بكفها ... فصوصَ عقيقٍ فوق قضب لجينِ)
وقال:
(متعاشقان مكاتمان هواهما ... قد نامَ بينهما العتابُ فطابا)
(يتناقلان اللحظَ من جفنيهما ... فكأنما يتدارسان كتابا)
(وإذا هَدَت عينُ الرَّقيب تخالست ... كفاهما خلس السلام سلابا)
(بأنامل منه يلوحُ مدادها ... وأنامل منها كسينَ خضابا)
стр. 249
(فكأنما يجني لها من كفه ... عنباً وتجنيهِ لهُ عنابا)
يذكر أثر المداد بأنامله وأثر الخضاب بأناملها. وقلت:
(انظر إلى النقش من أطرافها البضه ... مثل البنفسج منثوراً على فضهْ)
(أو خلتها أخذَتْ أطراف خرمة ... فنضدته على جمارة غضهْ)
ومن غريب ما قيل في نظم حليهن قول النمر بن تولب:
(كَعابٌ عليها لؤلؤٌ وزبرحدٌ ... ونظمٌ كأجوانِ الجرادِ مفصّلُ)
قوله (كأجوان الجراد) غريب بديع لم يسبق إليه ولا أعرف أحداً أخذه منه. ومن البديع قول الدمشقي:
(بدر بدا والشمسُ في كفّه ... وأنجمُ الليلِ عليهِ رعاثُ)
(وهو من الليلِ ومن طرفهِ ... وشعرهِ في ظلماتٍ ثلاثْ)
أحسن ما قيل في صفة الدمع إذا امتزج بالدم قول أبي الشيص:
(لهوت عن الأحزان إذ أسفرَ الضحى ... وفي كبدي من حرهنَ حريق)
(مزجتُ دماً بالدَّمعِ حتى كأنما ... يُذابُ بعيني لؤلؤٌ وعقيق)
وقول أبي تمام:
(نثرت فريدَ مدامع لم تُنظَمِ ... والدمعُ يحملُ بعضَ ثقلِ المُغرَمِ)
وصلتْ نجيعاً بالدُموع فخدُّها ... في مثلِ حاشيةِ الرِّداء المعلمِ)
وقال:
(أبيتُ أراعي أنجم الليل بعدكم ... فيا ليتَ شعري هل تراعونها بعدي)
(ودمعٍ نثرتُ دُرَّه وعقيقَه ... كأني حللتُ العقدَ من طرفِ العقدِ)
ومن أجود ما قيل في بياض الدمع على حمرة الخد ما أنشدناه أبو أحمد عن الصولي:
(لو كنتَ يومَ الوداعِ حاضرَنا ... وهنَ يطفئنَ لوعةَ الوجدِ)
(لم ترَ إلا الدموعَ جاريةً ... تسقطُ من مِقلةٍ على خدَ)
(كأنَ تلك الدموعَ قطرُ ندىً ... يقطرُ من نرجسٍ على وردِ)
ونحوه قول ابن الرومي:
стр. 250
(لما دَنا البينَ وراحَ الدلُ ... وَدَّعْتها ودَمعُها منهلُ)
(وخَدُّها من قطره مُخضلُ ... كأنهُ وردٌ عليهِ طلُ)
ومن أجمع بيت قيل قول المحدثين:
(فأسبلت لؤلؤاً من نَرجسٍ وسقتْ ... وَرْداً وعضَّتْ على العنابِ بالبرَدِ)
ليس لهذا البيت نظير. وقلت:
(يبكي فيسقي الدمعُ وجنتَه ... كما سقى الطلُّ وردةً غضّه)
ومن المشهور قول بعضهم وهو حسن:
(كأنَ الدُموعَ على خدِّها ... بقيةُ طلٍ على جلنارِ)
ونحوه ما أنشدناه أبو أحمد في العرق:
(يحدر من أرجاءِ صورةِ وجهه ... من الفم سُح في الجبين وفي الخدِّ)
(فُرادى ومثنى يستبينُ كأنهُ سقيطُ ندى وفي على ورقَ الوردِ)
ومثله ما قلت:
(أخرجهُ الحمَّام كالفضه ... يحسدُ منهُ بعضهُ بعضهْ)
(كأنما الماءُ على جسمه ... طلٌ على سوسنةٍ غضه)
وفي صفة الدمع:
(توريدُ دمعي من خدَّيك مختلسُ ... وسقم جسمي من عينيك مُسترق)
(لم يبق لي رمَقٌ أشكو هوَاك به ... وإنما يتشكى من به رمقُ)
وأبلغ ما قيل في امتلاء العين من الدمع قول بعض الأعراب أظنه:
(فظلتُ كأني من وراءَ زجاجةٍ ... إلى الدارِ من فرطِ الصّبابة أنظرُ)
وقول البحتري في معناه:
(ويحسنُ دَلُّها والموتُ فيهِ ... وقد يستحسن السيفُ الصقيلُ)
(وقفنا والعيونُ مشغلاتٌ ... يعالج دمعها طرفٌ قليلُ)
стр. 251
(نهتهُ رقبةُ الواشينَ حتى ... تعلق لا يغيضُ ولا يسيلُ)
قوله (يحسن دلها والموت فيه) أحسن ما قيل في الدلال. ومن أعجب ما قيل في الدمع بعضهم ونسب إلى السري ولا أظنه له:
(بنفسي من رَدَّ التحيةَ ضاحكاً ... فجدَّدَ بعدَ اليأس في الوصلِ مطمعي)
(إذا ما بدا أبدى الغرامُ سرائري ... وأظهرَ للعذَّال ما بينَ أضلعي)
(وحالتْ دُمُوعُ اليعنِ بيني وبينهُ ... كأنَّ دموعَ العينِ تعشقهُ معي)
وهذا معنى ظريف حسن جداً. ومن حسن الاستعارة في صفة الدمع ما أنشدناه أبو أحمد عن الصولي:
(قد كانَ في طول البكا لي راحةٌ ... وعنانُ سرِّي في يدِ الكتمانِ)
(حتى إذا الأعلانُ نبهَ واشياً ... رقأتْ دموعي خشيةَ الإعلانِ)
ومن البديع في ذلك قول بشار وهو مشهور:
(ماءُ الصبابةِ نارُ الشوقِ تحذره ... فهلْ سمعتمِ بماءٍ فاض من نارِ)
وقلت:
(أشكو الهوى بدُموع قادها قلق ... حتى علقنَ بجفن رَدَّها الغرقُ)
(ففي فؤادي سبلٌ للأسى جددٌ ... وفي الجفونِ مقيلٌ للكرى قلق)
(لهيبُ قلبي أفاضَ الدمعَ من بصري ... والعودُ يقطر ماءً حينَ يحترقُ)
ولا أظنني سبقت إلى هذا التمثيل. وقال ابن المعتز:
(ولطمةُ خدٍ تجعلُ الوردَ خُرَّما ... وتنثرُ دمعاً لا يباعُ بأثمانِ)
ونظير المصراع الأول قول صاحب مصر:
(والله لولا أنْ يقالَ تغيرا ... وصبا وإنْ كانَ التصابي أجدرا)
(لأعادَ تفاحَ الخدود بنفسجاً ... لثمي وكافورَ الترائبِ عنبرا)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال أنشد الحسن بن رجاء عن المبرد يوماً بيت ذي الرمة:
(لعلَ إنحدارَ الدَّمع يعقبُ راحةً ... من الوجد أو يشفي نجيَّ البلابل)
وقال له من قال في مثله؟ فقال قد ملح الحسن بن وهب في قوله:
стр. 252
(إبك فما أثكر نفع البكا ... والحبُ إشفاقٌ وتعليلُ)
(إفزع إليه في ازدحام الجوى ... ففيهِ مسلاةٌ وتسهيلُ)
(وهو إذا أنتَ تأملتهُ ... حزنٌ على الخدَّين محلولُ)
وقد ملح العباس بن الأحنف:
(إني لأجحدُ حبكم وأسرهُ ... والدمعُ معترفٌ بهِ لم يجحد)
(والدمعُ يشهدُ أنني لك عاشقٌ ... والناسُ قد علموا وإن لم يشهد)
وقال:
(طالَ عهدي بها فلما رأتني ... نظمتْ لؤلؤاً على تفاحِ)
وقد أحسن الآخر في قوله:
(إذ لا جوابَ لمفحمٍ متحير ... إلا الدُموع تصانُ بالأطرافِ)
قوله (تصان بالأطراف) عبارة صحيحة جيدة. وقال آخر:
(تقول غداةَ البين عندَ وداعها ... لكَ الكبد الحرَّى فسر ولك الصبرُ)
(وقد سبقهتا عبرةٌ فدموعُها ... على خدِّها بيضٌ وفي نحرِها حمرُ)
معناه إذا انحدرت إلى نحرها إنصبغت بلون الطيب والزعفران بها)
ومن غريب المعنى قول الآخر:
(غَدَتْ بأحبتي كوم المطايا ... فبانَ النومُ وامتنعَ القرارُ)
(وكان الدمعُ لي ذخراً معدّاً ... فأنفقتُ الذَّخيرةَ يومَ ساروا)
أجود ما قيل في طيب عرف المرأة: جميع ما مر بي من الشعر في هذا الفن متقارب في المعنى لا يفضل بعضه بعضاً إلا في القليل، ومنه ما هو جيد المعنى حلو المعرض فتركته لأن الشرط قد تقدم بايراد الجيد لفظاً ومعنى ورصفاً وذلك قليل ليس يقع إلا بعد التصفح الطويل والتعب الكثير:
(فمن أجود ما قيل في ذلك من قديم الشعر قول الأعشى:
(ما روضةٌ من رياضِ الحزنِ معشبةً ... خضراءَ جاد عليها مسبلٌ هطلُ)
(يضاحك الشمسَ منها كوكبُ شرقٌ ... مؤزَّرُ بعميم النبتِ مكتهلُ)
стр. 253
(يوماً بأطيبَ منها نشر رائحةٍ ... ولا بأحسنَ منها إذ دنا الأصلُ)
وقول القطامي وهو جيد النظم متضمن لماء الطلاوة:
(وما ريحُ قاعِ ذي خُزامَى وحَنوة ... له أرجٌ من طيبِ النبتِ عازبُ)
(بأطيبَ من ميٍّ إذا ما تقلبتْ ... من الليلِ وسنى جانباً بعد جانب)
إلا أنه جاء بالمعنى في بيتين. ومما هو مضطرب الرصف جيد المعنى قول ابن ابن الطثرية:
(خودَ يكون بها القليلُ يمسّه ... من طبها عبقا يطيبُ ويكثرُ)
هذا البيت على غاية اضطراب الرصف:
(شكر الكرامة جلدها فصفا لها ... إنَّ القبيحةَ جلدها لا يشكرُ)
قوله (شكر الكرامة جلدها) في غاية من الحسن. أخذه ابن الرومي فقال:
(ألوفُ عطرٍ تذكي وهي ذاكيةٌ ... إذا أساءت جوارَ العطر أبدان)
(يعيم كلُّ نهار من مجامرها ... ويشمسُ الليل منها فهو ضحيان)
(كأنها وعثان الند يشملُها ... شمسٌ عليها ضباباتٌ وأدخان)
وأخذ ابن المعتز قول القطامي ببعض لفظه إلا أنه زاد زيادة حسنة وجاء بألفاظ بديعة وهو قوله:
(وما ريحُ قاع زاهرٍ مستِ الندى ... وروضٌ من الرَّيحانِ سحّتْ سحائبُهْ)
(فجاء سُحيراً بين يومٍ وليلةٍ ... كما جرَ من ذيلِ الغلالةِ ساحبه)
(بأطيبَ من أثوابِ شمر موهبا ... إذا الليلُ أدجى دابرَ كتائبهِ)
(إذا رغبتْ عن جانب من فراشِها ... تضوعَ مسكاً أينَ مالت جوانبُهْ)
وقد طرف ابن الأحنف في قوله:
(ذكرتك بالريحان لما شممته ... وبالرَّاح لما قابلت أوجه الشربِ)
стр. 254
(تذكرت بالريحان منك روائحاً ... وبالراح طمعاً من مقّبلك العذبِ)
وأنشدني أبو أحمد عن الصولي قال أنشدني عبيد الله بن عبد الله لنفسه:
(تطيرتُ أيامَ اجتنابك أن ترى ... مكانَك عيني لا خلا منك خاليا)
(فأسكنتهُ نوراً كرّياك طيبهُ ... يذكرني منك الذي لستُ ناسيا)
وقد أحسن وحسنه قليل. وقيل لأعرابي أية رائحة أطيب؟ قال رائحة بدن تحبه إو ولد تربه فقال ابن الرومي
(ريحه ريح طيب الأولاد ... )
وقلت:
(يمرُّ بي وفدُ الصبا ... والليل يقضي نحبهُ)
(مرَّ بروضٍ زاهرٍ ... درَ عليهِ عشبهُ)
(فخلتهُ من طيبهِ ... نشوةَ من أحبه)
ومن البليغ قول سحيم:
(فما زالَ بُردي طيباً من ثيابها ... إلى الحولِ حتى أنهجَ البردُ باليا) ٥ وأبلغ من ذلك وصفهم طيب المواضع التي وطنها الحبيب، وأول من قال ذلك النميري:
(تضوع مسكاً بطنُ نعمانَ إذ مشتْ ... به زينبٌ في نسوةٍ خفرات)
ومن أحسنه وأرشقه قول جميل:
(ألا أيها الربع الذي غيرّ البلا ... عفا وخلا من بعد ما كانَ لا يخلو)
(تداءبَ ريحُ المسك فيهِ وإنما ... به المسكُ إذ حرت به ذيلها جملُ)
وقوله:
(وأنت الذي حّببت سعيا إلى بدا ... إليّ وأوطاني بلادٌ سواهما)
(حللت بهذي مرةً ثم مرة ... بهذي فطابَ الوادبان كلاهما)
стр. 255
وقال الآخر:
(أرى كلَّ أرض يممتها وإن مضت ... لها حججٌ يزادد طيباً ترابُها)
وقد طرف ابن الأحنف في قوله:
(وجدَ الناسُ ماطع المسك من دجلة ... قد أوسعَ المشاربَ طيبا)
(فهمُ ينكرونَ ذاك وما يد ... روُنَ أنْ قد حللتَ منها قريبا)
وقال البحتري:
(فكان العبيرُ بها واشياً ... وجرسُ الحلي عليها رقيبا)
وقلت:
(تأملتُ منها غزالاً ربيبا ... وبدراً منيراً وغصناً رطيبا)
(جلتُ لك عن خضل واضحٍ ... يبيتُ سناه عليها رقيبا)
(وهزّت لنا بسراةِ الكثيبِ ... قضيباً تفرّعَ منه كثيبا)
(عشية راحت وأترابها ... يقلبن للهجرِ طَرفاً مُريبا)
(كواكبُ ليلٍ إذا ما رأت ... كواكب شيبٍ تهاوت غروبا)
(وأقمارُ روضٍ قمرن العقولَ ... وغزلانُ رملٍ قلبنَ القلوبا)
(إذا زدتها نظراً زدتني ... جمالاً بديعاً وشكلاً غربيا)
(رحلنَ العشيةَ من ذي الغضا ... وخلفنَ فيه جمالاً وطيبا)
وقد أحسن القائل في قوله:
(جاريةٌ أطيب من طيبها ... والطيبُ فيها المسك والعنبرُ)
(ووجهها أحسنُ من حليها ... والحلي فيها الدُرُ والجوهرُ)
ولو قيل إن هذا أحسن ما قاله محدث في ذلك لم يكن بيعداً. ومما هو غاية قول إمرئ القيس)
(ألم تر أني كلما جئتُ طارقا ... وجدت بها طيباً وإنْ لم تطيب)
وقد طرف القائل:
стр. 256
(أتاها بعطرٍ أهلها فتضاحكتْ ... وقالتْ وهل يحتاج عطرٌ إلى عطرِ)
وقد أجاد البحتري:
(لنا من ريقه راحٌ ... ومن رّياه ريحانُ)
وأنشدنا أبو أحمد في طيب الريح إلا أنه وصف رجل:
(سقياً لأيام مضتْ ... وكأنَ معهدَها حلوم)
(أيام يفني لي ويفني ... رهطَه الرجلُ العريمُ)
(إذ لا دليل عليّ في ... برد الضحى إلا النسيمُ)
أجود ما قيل في حب الصغار من شعر المتقدمين قول نصيب:
(ولولا أنْ يقالَ صبا نصيبٌ ... لقلت بنفسيَ النشئ الصغارُ)
(بروحي كلُ مهضومٍ حشاها ... إذا ظلمتْ فليسَ لها انتصارُ)
(إذا ما الذلُ ضاعفن الحشايا ... كفاها أن يلاثَ لها الأزارُ)
ومن مليح ذلك قول عوف بن محلم:
(وصغيرةٍ علقتُها ... كانتْ من الفتنِ الكبارِ)
(كالبدرِ إلا أنها ... تبقى على ضوءِ النهارِ)
وأنشدني أبو أحمد عن الصولي قال أنشدني عبد الله بن الحسن وقد ملح وطرف:
(جاريةٌ أذهلَها اللعبُ ... عما يقاسي الهاثمُ الصبُ)
(شكوتُ ما ألقاه من حبَّها ... فأقبلتْ تسألُ ما الحبُ)
ومن مليح ذلك ما روي أن عبد اللمك بن مروان عرضت عليه جارية فقال لها أبكر أنت أم ثيب؟ فقالت بل ثيب فأنشد عبد الملك:
(قالوا عشقتَ صغيرةً فأجبتهم ... خيرُ المطي لديَّ ما لمْ يركبْ)
(كم بينَ حبةِ لؤلؤٍ مثقوبةٍ ... لبستْ وحبةِ لؤلؤٍ لم تثقب)
стр. 257
فقالت الجارية:
(إن المطايا لا يلذُ ركوبُها ... ما لم تذلل بالزمام وتركب)
(والدر ليس بنافع أربابه ... مالم يؤلف في النظام ويثقب)
قد أحسنا جميعا إلا أن وجو الكلام أن يقال يثقب ويؤلف في النظام. أصدق ما قيل في صفة الحب قول العباس بن الأحنف:
(من كانَ يزعم أن يداري في الهوى ... حتى يشكك فيه فهو كذوبُ)
(الحبُ أملك للفؤادِ بقهرهِ ... من أن يُرى للسرَ فيه نصيبُ)
وقلت:
(آفةُ السرِّ من جفونٍ ... دوامٍ دوامع)
(كيف يخفي مع الدموع ... الهوامي الهوامعِ)
(ما رأينا أخا هوى ... سرهُ غير ذائعِ)
(إنَ نيرانَ حُبه ... بادياتُ الطوالعِ)
من أظرف ما قيل في ذكر الشركة في الهوى ما أنشدنيه أبو أحمد:
(مالي جفيتُ وكنتُ لا أجفى ... وعلامةُ الهجرانِ لا تخفى)
(وأراك تمزجني وتشربني ... ولقد عهدتُك شاربي صِرفا)
وقد أحسن العباس بن الأحنف في هذا المعنى وهو قوله:
(يا فور لم أهجركمُ لملالةٍ ... منيّ ولا لمقالِ واشٍ حاسدٍ)
(لكنني جرَّبتكُم فوجدتُكم ... لا تصبرونَ على طعامٍ واحدِ)
وقد جاء أبو نواس بهذا المعنى إلا أن قول العباس أطبع، قال أبو نواس:
(أتيتُ فؤادها أشكو إليه ... فلْم أخلص إليه من الزَّحامِ)
(فيا مَنْ ليس يكفيها محبٌ ... ولا ألفا محبٍ كل عام)
(أطنك من بقيةِ قوم موسى ... فهمْ لا يصبرون على طعامِ)
ومما سبق به العباس الشعراء كلهم قوله:
(أحرم منكم بما أقولُ وقد ... نال به العاشقونَ من عشقوا)
(صرتُ كأني ذبالةٌ نصبت ... تضئ للناسِ وهي تحترقُ)
стр. 258
وأول من ذكر هذا المعنى صاحب كليلة ودمنة. وإلى معنى قول البيت الأول يومئ قول البحتري:
(قصائد ما تنفكُ فيها غرائب ... تألق في أضعافها وبدائعُ)
(مكرمةُ الأنساب فيها وسائلٌ ... إلى غير من يحبى بها وذرائعُ)
ومما سبقت إليه من المعاني ما قلته:
(رفعَ السترُ فانثنى غصنُ بانِ يتجلى الهلالُ في معناه)
(ليسَ لي أنْ أنالَ ما أتمنى ... من جنى وصلهِ اللذيذِ جناه)
(فلو أني كنت في بعضِ شعري ... فإذا ما شداه قبلت فاه)
وما أبلغ ما قيل في بخل المعشوق من قديم الشعر ما أنشدناه أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن عبد الرحمن عن عمه:
(وما نطفةٌ كانتْ سلالةَ بارقٍ ... يمت عن طريق الناسِ ثم استظلتْ)
(بأطيبَ من أثيابِ تلتم بعدما ... حدا الليلُ أعقابُ النجومِ فولّت)
(وقد بخلت حتى لو أني سألتها ... قذى العين من ضاحي الترابِ لضنّتْ)
ومن أحسن ما قيل في وقوف النظر على المعشوق قول بعضهم (قيد الحسن عليه الحدقا) وهو من قول امرئ القيس (قيد الأوابد) وقد أحسن الآخر في وقوله:
(ظبيٌ له من قلوبِ الناسِ نابتةُ ... من المودةَ تجني أطيبَ الثمرِ)
(إذا بدا رمتِ الأبصارُ وجنتَه ... معاً فلم تختلف عينان في نظرِ)
ونحوه قول المتنبي:
(وخصر تثبتُ الأبصارُ فيهَ ... كأنَ عليهِ من حدقٍ نطاقا)
ومن أجود ما قيل في كمال الحسن ما أنشدناه أبو أحمد:
(كلُ شئ من محاسنِها ... كامنٌ في حسنه مثلا)
(ليسَ فيها ما يقالُ له ... كملتْ لو أنَ ذا كملا)
وقال أبو نواس
(لومني الحسن ما تعداها)
أخذه أبو تمام فقال:
стр. 259
(معتدل لم يعتدلْ عدلهُ ... في عاشقٍ طالَ به خبلهُ)
(أطرقهُ أحسن أم أظرفه ... وحسنهُ أكملُ أم عقلهُ)
(انظر فما عاينتَ في غيره ... من حَسَنٍ فهو له كلّهُ)
(لوقيلَ للحسن تمنَ المنى ... إذاً تمنّى أنه مثلهُ)
(أيُّ خصالٍ حازَها سيدي ... لو لم يكدِّر صفوَها مطلهُ)
وقال أبو نواس:
(تمتْ وتم الحسنُ في وجهها ... فكلَ شئ ما خلاها محالْ)
(للناسِ في الشهرِ هلالٌ ولي ... من وجهها كلَ صباح هلالْ)
وقال:
(متتائهٌ بجمالهِ صَلِفٌ ... لا يُستطاعُ كلامهُ تِيْها)
(لو كانت الأشياءُ تعرفه ... أجلَلْنَهُ إجلال باريها)
(لو تستطيع الأرض لأجتمعت ... حتى يكون جميعه فيها)
وقال:
(ألاحظُ حسنَ وجنتهِ ... فتجرحني وأجرَحُها)
وقال غيره:
(شكوتُ إلى شبيهك إذ تجلى ... هواك فلم يُزل شكوى الحزينِ)
(وكانَ كأنتَ إشراقاً وحسناً ... وقلةَ رحمةٍ لمستكين)
أحسن ما قيل في إعراض الحبيب قول النمر بن تولب:
(فصدَّتْ كأنَ الشمسَ تحت قناعها ... بدا حاجبٌ منها وضنَّتْ بحاجبِ)
وقد مر قبل. ومن ظريف ما جاء في ذلك قول ابن الرومي:
(ماساءني إعراضُه ... عنِّي ولكنْ سرَّني)
(سالفتاهُ عوضٌ ... عن كل شئ حسن)
وقال الآخر وأحسن:
(صدعني محمدٌ بنُ سعيدٍ ... أحسن العالمينَ ثاني جيدِ)
(صدّ عنَّي من غير جرمٍ إليه ... ليسَ إلا لحسنهِ في الصدودِ)
والفرد الذي لا شيبه له في كثرة اعتلال المعشوق على العاشق وكثرة تجنيه عليه قول بعضهم:
(شكوت فقالت كلَ هذا تبرما ... بحبي أراحَ الله قلبكَ من حبي)
(فلما كتمتُ الحبَ قالت لشد ما ... صبرتَ وما هذا بفعل الشجي الصبَ)
стр. 260
(وأدنو فتقصيني فأبعد طالباً ... رضاها فتعتدُ التباعدَ من ذنبي)
(فشكواي تؤذيها وصبري يسؤها ... وتجزع من بعدي وتنفرُ من قربي)
وقريب منه قول مسلم:
(ويخطئ عذْري وجه جُرميَ عندها ... فأجني إليها الذنبَ من حيثُ لا أدري)
(إذا أذنبتْ أعددتُ عذراً لذنبها ... فإن سخطتْ كانَ اعتذاري من العذر)
(بذكرك ماتَ ألياسُ في حضرةِ المنى ... وإن كنتُ لم أذكرك إلا على ذكرِ)
قد أصاب صفة العاشق. وقلت:
(صبابة نفس لا ترى الهجرَ حاليا ... وصبوة قلب ما ترى الوصل شافيا)
(نزلتُ على حكم الصّبابة والهوى ... فصرتُ أرى للخلِّ ما لا يرى ليا)
(ولولا الهوى ما كنتُ آملُ باخلا ... وأرحم ظلاّما وأذكرُ ناسيا)
(ومن شأنه أني إذا ما ذكرتهُ ... جفاني وسماني إذا غبتُ جافيا)
(على أنني أنأى فأدنو تذكراً ... ولستُ كمنْ يدنو فينأى نتاسيا)
(ويعجبني حُبي له وصبابتي ... إليهِ وإمساكي عليهِ وداديا)
(فلو ظني أسلوهُ لم يكُ هاجراً ... ولو خالني أسناهُ لم يكُ نائيا)
(ولكنَ عشقي في ضمان جفونه ... فيأمن سلواني ويرجو غراميا)
ومن أصاب وصف العاشق الصادق العشق على حقيقته الذي يقول:
(إذا قربتَ دارٌ كلفتُ وإن نأتْ ... أسفتُ فلا للقربِ أسلو ولا البعدِ)
(وإنَ وعدتَ زادَ الهوى لانتظارها ... وإن بخلتْ بالوعدِ متُ على الوعد)
(ففي كلَ حال لا محالةَ فرحةٌ ... وحبك ما فيهِ سوى محكم الجهدِ)
ومثله قول الآخر:
(وما في الأرض أشقى من محبٍ ... وإن وَجَدَ الهوى حلوَ المذاقِ)
(تراه باكياً في كلَ حين ... مخافةَ فرقةٍ أو لاشتياق)
(فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ... ويبكي إن دَنوا خوفَ الفتاة)
стр. 261
(فتسخنِ عينهُ عندَ التنائي ... وتبرد عينهُ عندَ التلاقي)
ووصفه الهوى بالحلاوة مع هذه الصفات وصف بديع غريب. ومثله قول ابن الأحنف:
(إذا رضيتْ لم يهنني ذلك الرِّضا ... لصحةِ علمي أن سيتبعه عتبُ)
(وأبكي إذا ما أذنبتْ خوفَ عتبها ... فأسألها مرضاتها ولها الذَّنبُ)
(وصالكمُ صرمٌ وحبكمُ قلى ... وعطفكمُ صدٌ وسلمكمُ حَرب)
ومثل البيت الأول قول سعيد بن حميد ويروي لفضل الشاعرة:
(ما كنتُ أيام كنت راضيةً ... عني بذاك الرِّضا بمغتبطِ)
(علماً بأنَ الرِّضا سيتبعه ... منك التجنّي وكثرةُ السخطِ)
(فكلُ ما ساءَني فعن خُلق ... منك وما سَرَّني فعن غلطِ)
ومن البديع في طلب نيل المعشوق قول الآخر:
(عِدينا مَوْعداً ثم اجحدينا ... فكم من مبطل حقاً بجحدِ)
(وإلا فابذلي من غيرِ وعد ... فقد تكف السماءُ بغير رعدِ)
وقلت في نحو ذلك:
(تسئ على بعدِ الديارِ تنائيا ... وخلفك عند القرب من عصب البعدِ)
(كثير سروري في قليل وفائه ... وعند ابتسام البرقِ قهقهة الرعدِ)
ومن أبلغ ما قيل في الرضا عن المعشوق بالقليل قول جميل:
(أقلبُ طَرْفي في السماءِ لعلّه ... يوافقُ طرفي طرفَها حينَ تنظرُ)
ومثله قول ابن المعلوط:
(أليسَ الليلُ يلبس أمَ عمروٍ ... وإيّانا فذاك لنا تدان)
(بلى وأرى السماءَ كما تراها ... ويعلوها النهارُ كما علاني)
وأنشدني أبو أحمد عن ابن الأنباري لجميل:
стр. 262
(وإني لأرضى من بثينةَ بالذي ... لو استيقنَ الواشي لقرتْ بلابله)
(بلا وبالا استطيع وبالمنى ... وبالأمل المكذوب قد خاب آمله)
( ... وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخرهُ لا المتقي وأوائله)
وكان جميل يصدق في حبه وكثير يكذب. ومن رديء هذا الباب قول بعضهم:
(وما نلتُ منها محرماً غير أنني ... إذا هي بالتْ بلتُ حيث تبولُ)
وعفة هذا كعفة المتنبي في قوله:
(إني على شغفي بما في خمرها ... لأعفُ عما في سروايلاتها)
سمعت بعض الشيوخ يقول من الفجور ما هو أحسن من هذه العفة إذ عبر عنها بهذا اللفظ. وأخبرنا أبو أحمد أخبرنا الجوهري عن عمر بن شبة قال حدثني أبو يحيى الزهري عن رجل ذكره قال قيل لكثير ما أنسب بيت قالته العرب؟ قال الناس يقولون:
(أريدُ لأنسى ذكْرَها فكأنما ... تمثلُ لي ليلى بكلَ سبيل)
وأنسب عندي منه:
(وقل أمُ عمرٍ داؤه ودواؤه ... لديها ورياها الطبيب الموافقُ)
وهذا البيت جيد المعنى ردئ الوصف. وأبلغ ما قيل في شدة الحب ما أنشدناه قدامة:
(يَودُ بأنْ يمسي سقيماً لعلها ... إذا سمعتْ منه بشكوى تراسله)
(ويهتزُ للمعروف في طلب العلى ... لتحمدَ يوماً عندَ سلمى شمائله)
وقلت في معناه:
(وقلتُ عساها إن مرضتُ تعودني ... فأحببتُ لو أني غدوتُ مريضا)
(وزدتُ اتساعاً في المكارم والعلا ... يصبحَ جاهي عندهنَ عريضا)
ومن الشعر المختار في النسيب قول أبي المطاع:
стр. 263
(أفدى الذي زرته والسيفُ يخفرني ... ولحظُ عينيه أمضى من مضاربهِ)
(فما خلعت نجاداً في العناقِ لهُ ... حتى لبستُ نجاداً من ذوائبهِ)
(فباتَ أنعمنا بالاً بصاحبهِ ... من كان في الحبَ أشقانا لصاحبهِ)
وقلت في معنى البيت الآخر:
(بقدرِ الصبابةِ عندَ المغيب ... تكونُ المسرةُ عندَ الحضورِ)
(وأطيب ما كان بردُ الثغور ... إذا هو صادفَ حرَ الصدور)
ومن المختار في صفة العذار:
(وقلت الشعرُ يسليني هواهُ ... ولمْ أعلم بأنَ الشعرَ حيني)
(فظلتُ لشقوتي أفدي وأمي ... سوادَ عذارهِ بسوادِ عيني)
ومن أعجب ما قيل في التهالك في الحب ونهاية لاتنقرب إلى المعشوق قول ديك الجن:
(بانوا فصارَ الجسمُ من بعدهم ... ما تصنعُ الشمسُ لهُ فيَّا)
(بأيِّ وجهٍ أتلقاهمُ ... إذا رأوني بعدَهمْ حيّا)
ومن أبدع ما قيل في عدم السلو قول ابن الرومي:
(أأسماءُ أيُ الواعدينَ ترينهُ ... أشدَّكما مطلاً فإني لا أدري)
(أأنتِ بنيلٍ منك يبردُ غلتي ... أم النفس بالسلوانِ عنك وبالصبرِ)
لم يقل في بعد الحبيب أحسن من قول ابن الأحنف: أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن هارون بن عبد الله المهلبي قال كنا عند دعبل فذكر العباس بن الأحنف فقال جيده قليل ولا أعرف أحسن من شعره في الشمس:
(هي الشمسُ مسكنها في السماء ... فعزِّ الفؤادَ عزاءً جميلا)
(فلن تستطيعَ إليها الصعودَ ... ولنْ تستطيعَ إليك النزولا)
ومن البديع القليل النظير قوله أيضاً يذكر كلام الناس فيه وفي معشوقه:
(قد سحَب الناسُ أذيالَ الظنونِ بنا ... وفرقَ الناسُ فينا قولهم فرقا)
стр. 264
(فكاذبٌ قد رمى بالظنَ غيركُم ... وصادقٌ ليس يدري أنهُ صدقا)
وهذا معنى غريب بديع ما أظنه سبق إليه.
(ومما هو في معنى قوله:
(هي الشمس مسكنُها في السماء)
الخ قول الآخر:
(شكوتُ إلى بدرٍ هوايَ فقال لي ... ألستَ ترى بدْرَ السماءِ الذي يسري)
(فقلتُ بلى قالَ التمسهُ فإنهُ ... نظيري ومثلي في علوٍ وفي قدر)
(فإنْ نلتهُ فاعلمْ بأنك نائلي ... وإن لم تنلهُ فابغ أمراً سوى أمري)
(فكانَ كلا البدرين صعباً مرامه ... فويليَ من بدرِ السماء ومن بدري)
ومن الغريب البديع في مدح الفراق لمكان القبلة والاعتناق قول محمد بن عبد الله بن طاهر:
(ليسَ عندي شحطُ النوى بعطيم ... فيه غمٌ وفيه كشفُ غمومِ)
(من يكنْ يكرهُ الفراقَ فإني ... أشتهيهِ لموضع التسليم)
(إنَ فيه اعتناقه لوداع ... وانتظار اعتناقه لقدوم)
(فلكم قبلةٍ وغيبةِ شهرٍ
(هي) خيرٌ من امتناع مقيمِ)
وأخبرنا أبو أحمد عن ابن المسيب لابن الرومي:
(فإذا كانَ في الفراق عناقٌ ... جعل اللهُ كلَّ يوم فراقا)
أجود ما قيل في خفقان القلب وقول قيس بن ذريح:
(كأنَ القلبَ ليلةَ قِيلَ يُغدى ... بليلى العامريةِ أو يراحُ)
(قطاةٌ عزّها شركٌ فباتت ... تجاذبهُ وقد عَلقَ الجناحُ)
فلولا التضمين الذي فيه لكان غاية. ومن الغريب في ذلك قول ديك الجن:
(ومملوء من الحزن ... يعالج سورةَ الأرقِ)
стр. 265
(تكادُ غروبُ مقلتهِ ... تعمُ الأرضَ بالغرقِ)
(كأنّ فؤاده قلقا ... لسانُ الحيةِ الفرق)
وقد أحسن في قوله أيضاً:
(علمت قلبي وجيباً لست أعرفه ... ما أنكر القلب إلا كلما خفقا)
(يا شوق إلفين حال البينُ بينهما ... فغافصاه على التوديع فاعتنقا)
(لو كنت أملك عيني ما بكيت بها ... تطيراً من بكائي بعدهم شفقا)
وقد أحسن القائل وجاء بما في نفس العاشق:
(ولو داواكَ كلُ طبيب (ركب)
بغير كلام ليلى ما شفاكا)
(ولو أصبحتَ تملك كلَ شئ ... سوى ليلى عتبت على غناكا)
ومن أعجب ما قيل في الشفقة على المعشوق قول أبي دلف العجلي:
(أحبك يا جنانُ وأنتَ مني ... مكان الرُّوح من جسد الجبانِ)
(ولو أني أحبك حُبَ نفسي ... لخفتُ عليك بادرةَ الطعانِ)
(لإقدامي إذا ما الخيلُ جالتْ ... وهابَ شجاعها وقعَ الطعانِ)
خص الجبان لأنه أشد شفقة على نفسه من الشجاع وهذا من جيد الاستطراد. ومن بليغ ما قيل في الحب مع الشجاعة ومن أجود ما قيل في اليأس عن الوصل قول مجنون ليلى أو غيره:
(خرجتُ فلم أظفرْ وعدتُ فلم أفزْ ... بنيلٍ كلا اليومين يومُ بلاء)
(فيا حسرتي ما أشبهَ اليأس بالغتي ... وإن لم يكونا عندنا بسواء)
وقال:
(قد أيقنتْ نفسي بأنْ حيلَ بينها ... وبينَك لو يأتي بيأس يقينها)
(أرى النفسَ عن ليلى تعاني بلا عنا ... وقد جُن من وجدي بليلى جنونها)
ومثل ذلك:
(فإن يك عن ليلى غنى وتجلدُ ... فربَ غنى نفسٍ قريبٌ من الفقرِ)
ومن أطرف ما قيل في النحول ما أنشدنيه أبو أحمد:
(سر إذا بليتُ وُذاب جسمي ... لعلَ الريحَ تحملني إليهِ)
стр. 266
وقال ابن المعتز:
(ماذا ترى في مدنَفٍ ... يشكوك طولَ سقمه)
(أضنيتهُ فما يطيق ... ضعفه حمل اسمهِ)
(فلا يراك عائداً ... إلا بعينِ وهمِه)
وقال كشاجم:
(وما زال يبري أعظمَ الجسمِ حبُّها ... وينقصُها حتى لطفنَ عن النقصِ)
(وقد ذُبتُ حتى صرتُ إن أنا زرتها ... أمنتُ عليها أن يرا أهلُها شخصي)
وقال ديك الجن وبالغ:
(أنحلَ الوجدُ جسمهُ والحنين ... وبَرَاهُ الهوى فما يستبين)
(لم يعش أنه جليدٌ ولكنْ ... دَقَّ جداً فما تراهُ المنون)
وقال نصر بن أحمد:
(قد كانَ لي فيما مضى خاتمٌ ... فاليوم لو شئتُ تمنطقتُ به)
(وذُبتُ حتى صرتُ لو زجَ بي ... في مقلةِ النائم لم ينتبه)
الحسن بن وهب:
(أبليتُ جسمي من بعد جدَّته ... فما تكادُ العيونُ تبصرهُ)
(كأنه رسمُ منزلٍ خلقٍ ... تعرفهُ العينُ ثمَّ تنكرهُ)
ومما لا أظن أن له شبيهاً قول بعض الحول وليس في هذا المعنى:
(حمدت إلهي إذ بُليت بحبها ... على حَولَ يغني عنِ النظرِ الشزر)
(نظرتُ إليها والرقيبُ يظني ... نظرتُ إليهِ فاسترحتُ من العذر)
ومن فصيح ما قيل اقتياد الهوى صاحبه قول بعض نساء الأعراب:
(ألا قاتلَ اللهُ الهوى ما أشدهُ ... وأصرعهُ للمرءِ وهو جليدُ)
стр. 267
(دعاني الهوى من نحوها فأجبتهُ ... فأصبح بي بيتي حيثُ يريدُ)
وقال كشاجم وأحسن في وقوله وليس من هذا المعنى:
(أقبلتْ ثمَّ عَرجتْ ... ليتها لم تُعرِّج)
(في حدادٍ كأنها ... وردةٌ في بنفسج)
ومن أحسن ما قيل في مجئ الفراق بعد التلاق قوله أيضاً:
(لم أستتمَ عناقهُ لقدومهِ ... حتى بدأتُ عناقَه لوداعِه)
(فمضى وأبقى في فؤادي حسرةً ... تركته موقوفاً على أوجاعه)
وأنشدني أبو أحمد قال أنشدني الصولي أنشدني الحسين بن يحيى أنشدني الحسين بن الضحاك لنفسه:
(بأبي زورٌ تلفت له ... فتنفستُ عليهِ الصعدا)
(بينما أضحك مسروراً به ... إذ تقطعتُ عليه كمدا)
وأنشدنا عنه لأبي العميثل:
(لقيتُ ابنةَ السهمي زينبَ عن عُقرِ ونحن حرامٌ مُسى عَاشرة العشرِ)
(فكلمتُها ثنتينِ كالثلج منهما ... وأخرى على لوح أحر من الجمر)
الأولى تسليم اللقاء فهي باردة طيبة والأخرى تسليم الوداع. ومن جيد ما قيل في تجدد الشوق على قرب الديار قول بعض العرب:
(ويزدادُ في قربِ الديارِ صبابةً ... ويبعدُ من فرطِ اشتياق طريقها)
(وما ينفع الحرَ إن ذا اللوعِ أن يرى ... حياضَ القرَى مملوءةً لا يذوقها)
ومن جيد ما قيل في رد العذول:
стр. 268
(إذا أمرتني العاذلاتُ بهجرِها ... هفتْ كبدٌ مما يقلنَ صديعُ)
(وكيفَ أطيعُ العاذلاتِ ووجهُها ... يؤرِّقني والعاذلاتُ هجوعُ)
ومن جيد ما قيل في رياضة النفس على الهجر ما أنشده أبو إسحاق الموصلي:
(وإني لأستحيي كثيراً وأتقي ... عيوباً وأستبقي المودةَ بالهجرِ)
(وأنذرُ بالهجرانِ نفسي أروضُها ... لأعلمَ عندَ الهجرِ هل لي من صبرِ)
وقال غلام من فزارة:
(وأعرض حتى يحسب الناسُ أنما ... هي الهجرُ لا والله ما بي لك الهجرُ)
(ولكن أروضُ النفسَ أنظر هل لها ... إذا فارقتْ يوماً أحبتها صبرُ)
وزاد العباس بن الأحنف فقال:
(أروضُ على الهجرانِ نفسي لعلها ... تمسك لي أسبابها حينَ تهجرُ)
والزيادة في قوله:
(وأعلمُ أنَ النفسَ تكذبُ وعدَها ... إذا صدقَ الهجران يوماً وتغذر)
(وما عَرَضَتْ لي نظرةٌ مذ عرفتُها ... فأنظر إلا مثلتْ حين أنظر)
وهذا من قول جميل:
(أريدُ لأنسى ذكرَها فكأنها ... تمثلُ لي ليلى بكلَ سبيلِ)
وذكر بعضهم أنه يهجرها مخافة العين تصيب وصلها: أنشدناه أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن يحيى، وأحمد بن سعيد الدمشقي عن الزبير:
(خشيتُ عليها العينَ من طولِ وصلِها ... فهاجرتُها يومين خوفاً من الهجرِ)
(وما كانَ هجراني لها من ملالةٍ ... ولكنني جرَّبتُ نفسي على الصبرِ)
ومن فصيح الشعر الداخل في هذا الباب قول إبراهيم بن العباس أنشدناه أبو أحمد عن الصولي عن ثعلب وأبي ذكوان قالا أنشدنا إبراهيم بن العباس لنفسه:
(يمرُ الصبا صفحاً بساكن ذي الغضا ... فيصدعُ قلبي أن يهبَ هبوبُها)
(قريبةُ عهدِ بالحبيب وإنما ... هوى كلَ نفس أين حلَ حبيبها)
стр. 269
(تطلعُ من نفسي إليكَ طوالعٌ ... عوارفُ أن اليأسَ منك نصيبها)
وإنما أغار إبراهيم بن العباس على ذي الرمة حيث يقول:
(إذا هبت الأرواحُ من نحو جانب ... به أهل ميٍّ زاد شوقي هبوبها)
(هوى تذرفُ العينان منه وإنما ... هوى كلَ نفس أينَ حلَ حبيبها)
وقال العباس بن الأحنف في غير هذا المعنى:
(متى تبصريني يا ظلوم تبيني ... شمائلَ بادي البثَ منصدع القلب)
(بريئاً تمنى الذنبَ لما هجرته ... لكيما يقال الهجرُ من سبب الذَّنب)
(وقد كنتُ أشكو عتبها وعتابها ... فقد فجعتني بالعتابِ وبالعتبِ)
أشفق عليها من أن تهجره بغير ذنب فيقال إنها ملول فيلحقها هجنة. ومن أجود ما قيل في الوقوف على الديار قول امرئ القيس
(قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل)
وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في مصراع فليس له شبيه في جميع أشعارهم. وأحسن ما قيل في وصف الديار وبلاها ما أنشدناه أبو أحمد عن المبرمان عن أبي جعفر عن أبيه:
(ولم يترك الأرواح والقطرُ والندى ... من الدارِ إلا ما يشفُ ويشفقُ)
وقلت:
(قد عريت أبلها حين اكتستْ ... أرديةَ الرَّيح عشياً وضحى)
(لم يبقَ فيها غيرُ ما يذكي الجوى ... ويصرفُ النومَ ويبعثُ البكى)
وأنشدنا أبو القاسم:
(ألا حيِّ من أجل الحبيبِ المغانيا ... لبسنَ البلى مما لبسنَ اللياليا)
ولأعرابي:
(طللان طالَ عليهما الأبدُ ... دائرا فلا علمٌ ولا نضدُ)
(لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعدَ الأحبةِ مثلَ ما أجدُ)
стр. 270
وهذا مثل قول جرير
(أحب لحب فاطمة الديارا)
والذي أورد من أنواع هذه المعاني إنما هو إشارة إلى جمهورها وتنبيه على معظمها ولو اتبعت كل ما فيه أمثاله وعلقت عليه أشكاله لكثرت واتصلت وتوفرت حتى أملت وأضجرت وتجاوز الحد في القول من هذه فيه وهجنة على قائلة؟ ومن أجود ما قيل في حب السودان:
(أحبُ النساء السودَ من حبَ تكتم ... ومن أجلها أحبتتُ من كانِ أسودا)
(فجئني بمثلِ المسكِ أطيب نفحة ... وجئني بمثل الليل أطيب مرقدا)
البيت الثاني على غاية الجودة وحسن التمثيل. وقلت:
(صرفتُ ودَّي إلى السودان من هجر ... وما (أميل) إلى رومٍ ولا خزرِ)
(أصبحتُ أعشقُ من وجهِ ومن بدن ... ما يعشقُ الناسُ من عينٍ ومن شعرِ)
(فإنْ حسبت سوادَ الجلدِ منقصةً ... فانظر إلى سعفةٍ في وجنة القمر)
وروي للجاحظ:
(يكونُ الخالُ في وجهٍ مليح ... فيكسوهُ الملاحةَ والجمالا)
(ولستَ تملُ من نظرٍ إليهِ ... فكيفَ إذا رأيتَ الوجهَ خالا)
وقد ملح بعضهم في خلاف ذلك:
(إنّ الذي يعشق من لا يرى ... كميتٍ من شدة الغلمة)
(وإنَّ من يعشقُ زنجيةً ... لكالذي دلك في الظلمة)
أجود ما قيل في الخيال من قديم الشعر قول قيس بن الخطيم:
(أنى سريتِ وكنتِ غير سروبِ ... وتقربُ الأحلامُ غيرَ قريبِ)
(ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه ... في النوم غير مكدَّرٍ محسوبِ)
(كان المنى بلقائها فلقيتها ... ولهوتُ من لهو امرئ مكذوبِ)
وقول عمرو بن قميئة:
стр. 271
(نأتكَ أمامة إلا سؤالا ... وإلا خيالاً يوافي خيالا)
(خيالي يخيل لي نيلها ... ولو قدرتْ لم تخيل نوالا)
وهذا من معاني القدماء غريب وهو أبلغ ما قيل في بجل المعشوق، ومن هاتين القطعتين أخذ المحدثون أكثر معانيهم في الخيال، ومن البارع الفصيح في هذا المعنى قول البعيث:
(أزارتك ليلى والركابُ خواضع ... وقد بهر الليل النجومُ الطوالعُ)
(فأعطتك آيات المنى غير أنها ... كواذب إن حصلتها وخوادع)
(على حين ضمَ الليلُ من كلَ جانب ... جناحيهِ وانقضت نجومٌ ضواجع)
(وأعجلها عن زورةٍ لم أفز بها ... من الصبح حادٍ يزعج الليل ساطع)
وأحسن النميري حيث يقول:
(عجباً لطيفك أنه ... يشكو الجوى وهو الجوى)
أخذه مسلم فقال:
(طيف الخيال عهدنا منك إلمامً ... داويتَ سُقماً وقد هيّجتَ أسقاما)
ومن اللفظ الغريب قوله:
(زف الكرى طيفها فحيانى)
لا أعرف أنه سبق إلى هذا اللفظ. وقال أبو تمام:
(استزارتهُ فكرتي في المنام ... فأتاها في خفية واكتتامِ)
( ... يا لها ليلةً تزاورت الأرواحُ ... فيها سراً من الأجسامِ)
(مجلسٌ لم يكنْ لنا فيه عيبٌ ... غير أنا في دعوةِ الأحلامِ)
وهذه معان جياد إلا أنه ليس لألفاظها طلاوة. ومن غريب المعاني في هذا قول دعبل:
(سرى طيفُ ليلى حين حان هُبوبُ ... وقضيتُ شوقي حينَ كاد يؤوبُ)
(ولم أر مطروقاً يحلُ بطارقٍ ... ولا طارقاً يَقري المنى ويثيب)
стр. 272
يقول إن العادة إن يقري الطارق المطروق والخيال طارق يقري المطروق. ومن الغريب الدقيق قول ابن الرومي:
(طرقَتْنا فأنالتْ نائلا ... شكره لو كان في النبة الجحودُ)
(ثم قالتْ وأحستْ عَجَبي ... من سراها حيث لا تسري الأسود)
(لا تعجبْ من سُرانا فالسُّرى ... عادةُ الأقمارِ والناسُ هجودُ)
فرأيت في هذه الأبيات زيادة وتضميناً فقلت:
(رقبتْ عفلة الرقيب فزارتْ ... تحت ليل مطرزٍ بنهار)
(فتعجبُ من سُراها فقالتْ ... غير مستطرفُ سرى الأقمارِ)
(ثم مالتْ بكأسها فسقتني ... جلناريةً على جلّنارِ)
آخر:
(فيا ليت طيفاً خيلتهُ لي المنى ... وإنْ زادني شوقاً إليك يعودُ)
(أكلفُ نفسي عنك صبراً وسلوة ... وتكليف مالا يستطاع شديد)
الجيد أن يقول (تكلف مالا يستطاع) وأما تكليفه في الحقيقة فغير شديد على المكلف وإنما جعل هذا التكليف مكان التكلف وهو ردئ. وقال الحمدوني:
(لم أنلهُ فنلتهُ بالأماني ... في منامي سراً من الهجرانِ)
(واصل الحلمُ بيننا بعد هجر ... فاجتمعنا ونحنُ مفترقان) ِ ...
(وكأنَ الأرواحَ خافتْ رقيباً ... فطوتْ سرًّها عن الأبدانِ)
(منظرٌ كانَ نزهةَ العين إلا ... أنَّه ناظر بغير عِيان)
وقال ابن المعتز:
(لافَرجَ اللهُ عن عيني برؤيته ... إن كنتُ أبصرتُ شيئاً بعدَهُ حسنا)
(إلا خيالاً عسى إن نمتُ يطرقني ... وكيفَ يحلمُ من لا يعرفُ الوسنا)
وقال:
(كلامهُ أخدعُ من لحظهِ ... ووعدهُ أكذبُ من طيفهِ)
وليس لأحد في الخيال ما للبحتري كثرة فمنه قوله:
(بعينيك إعوالي وطُولُ شهيقي ... وإخفاقُ عيني من كرىً وخُفُوقِ)
стр. 273
(على أنَ تهويماً إذا عارض اطّبى ... سُرى طارقاً في غيرِ وقتِ طَرُوقِ)
(فباتَ يعاطيني على رِقبة العِدى ... ويمزجُ ريقاً من جَناه بريقي)
(وبتُ أهابُ المِسكَ منه وأتّقي ... رُداع عبير صائكٍ وخُلوق)
(أرى كذب الأحلام صدقاً وكم صَغَتْ ... إلى خبرٍ أذْناي غيرِ صَدُوقِ)
(وما كانَ من حقٍ وبُطلٍ فقد شفى ... حرَارَةَ متبولٍ وخبلَ مشُوقِ)
وقلت في خلاف ذلك:
(طرقَ الخيال فزار منه خيالا ... فسرى يغازل في الرّقاد غزالا)
(يا كشفهَ للكربِ إلا أنهُ ... ولى على دبرِ الظلامِ فزالا)
(فغدا المتيمُ وهو أكبرُ صبوةً ... وأشدُّ بلبالاً وأكسفُ بالا)
وما قيل في الامتزاج والاختلاط مثل الخريمي:
(ليالي أرعى في جنابك روضةً ... وآوي إلى حصن منيع مراتبه)
(وإذْ أنتَ لي كالخمر والشهدِ ضعفا ... بماءٍ لصاف ضعفته جنائبه)
وقال بشار:
(لقد كانَ ما بيني زماناً وبينها ... كما بينَ ريح المِسكِ والعنبر الوردِ)
أجود ما قيل في صفة الركب: أخبرنا أبو أحمد أخبرنا الصولي حدثنا محمد بن سعيد عن عمر بن شبة قال كان الناس يقدمون قول أبي النجم ويتعجبون من حسنه:
(كأنَ تحتَ درِعها المنعطَ ... ضخمِ القَذَال حسنِ المخطَ)
(وقد بدا منها الذي تغطي ... كأنما قطَ على مِقطِّ)
(شطاً رميتُ فوقَه بشطَ ... كهامةِ الشيخِ اليماني الشمط)
(لم يعلُ في البطنِ ولم ينحط ... )
حتى قال بشار:
стр. 274
(عجزاء من سِرب بني مالك ... لها حرٌ من بطنها أرفعُ)
(زينَ أعلاهُ بإشرافه ... وانضمَّ من أسفله المشرع)
قال أبو هلال رحمه الله تعالى أول من أتى بهذا المعنى النابغة حيث يقول:
(وإذا طعنتَ طعنتَ في مستهدفٍ ... رابي المجسَّةِ بالعبيرِ مقرمدِ)
(وإذا نَزعتَ نزعت عن مستحصفٍ ... نَزْعَ الحزَوَّر بالرشاء المحصد)
يصف ضيقه ويقول إن النازع منه يتعب من نزعه كما يتعب الحزور وهو الغلام إذا استقى من البئر. وأحسن ابن الرومي في وصف الضيق والحرارة حيث يقول:
(لها هنٌ تستعيرُ وقدته ... من قلب صبٍ وصدر ذي حنقْ)
(كأنما حرُّه لخابره ... ما أوقدتْ في حشاه من حُرق)
(يزداد ضيقاً على المراسِ كما ... تزداد ضيقاً أنشوطة الوهَق)
وقال في سعته:
(يسعُ السبعةَ الأقاليمَ طرّاً ... وهو في أصبعينِ من إقليم)
(كضمير الفؤاد يلتهمُ الدنيا ... وتحويه دفتا حيزوم)
ومن النادر قول الناجم:
(إن ردفَ الفتاةِ عجنةُ خباز ... وقدَّامها من الأدم جبنه)
وقال المعذل بن غيلان:
(ومركب كبيضة الأدجى ... كأن نبتَ الشعرِ المطليّ)
(عليه شونيزٌ على فرنيّ ... )
ومما يجري مع ذلك قول بعضهم:
(أقولُ والقومُ تعادى بهم ... إلى الوغى مضمرةٌ قرح)
(استحمل الله على مركبٍ ... يحثُ بالسيرِ ولا يبرح)
стр. 275
وهو مثل قول مسلم:
(ما مركب من ركوبِ الخيلِ يعجبني ... كمركبٍ بينَ دملوج وخلخالِ)
ومثل الأول:
(فباتَ يسري ليلهُ ولم ينم ... ولم يجاوز سيرَه قيسُ قدم)
وقال الفرزدق:
(ثم اتقتني بجهم لا سلاحَ له ... كمنخرِ الثورِ محبوساً على البقر)
(كأنَ رمانة في جوفه انفجرت ... تكادُ توقدُ ناراً ليلةَ القدرِ)
وأبلغ ما قيل في كبره قول الفرزدق:
(إذا بطحتْ فوقَ الأثافي رفعتها ... بثديينِ في نحرٍ عريضٍ وكعثبِ)
يقول إنها إذا بطحت على وجهها لم يمس الأرض منها شئ لأن نهود ثدييها وكبر ركبها مثل أثافي القدر لبدنها، وهذا أبلغ من قول بشار الذي اختاره الأصمعي. وقال الراجز في وصف الضيق:
(كأنّ حجاماً شديداً أبهره ... يدارك المصّ ولا يفتره)
ومما قيل في حب الكبار قول المجنون:
(وعهدي بليلى وهي ذاتُ موصد ... ترد علينا بالعشي المراميا)
(فشبَ بنو ليلى وشبَ بنوابنها ... وأعلاقُ ليلى في الفؤادِ كما هيا)
ابن المعتز:
(من معيني على السهر ... وعلى الهمَ والفكر)
(وابلائي من شادنٍ ... كبر الحبّ إذ كبر)
ومن البديع قول ابن الأحنف:
(لعمري لقد كذبَ الزاعمونَ ... بأنَ القلوبَ تحاذي القلوبا)
(ولو كان حقاً كما يزعمونَ ... لما كانَ يشكو محبٌ حبيبا)
ومما يلحق بالفصل الأول ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي عن البلعي عن أبي حاتم قال سمعت الأصمعي يقول سمعت الرشيد يقول قلب العاشق عليه مع معشوقه نلت له هذا يا أمير المؤمنين أحسن من قول عروة بن حزام العذري في آخر
стр. 276
أبياته التي أنشدها:
(أراني تعروني لذكراك رعدةٌ ... لها بينَ جلدي والعظام دبيبُ)
(وما هو إلا أنْ أراها فجاءةً ... فأبهت حتى ما أكاد أجيبُ)
(وأصرف عن رأيي الذي كنتُ أرتئي ... ويعزب عني ذكرهُ ويغيبُ)
(ويضمرُ قلبي عذرها ويعينها ... على فمالي في الفؤادِ نصيب)
فقال الرشيد من قال هذا وهماً فإني أقوله علماً ولله درك يا أصمعي فإني أجد عندك ما يضل عنه العلماء، فأخذه محدث فقال:
(يؤازرهُ قلبي عليّ وليس لي ... يدانِ بمنْ قلبي على يؤازرُه)
وأخذه سهل بن هارون فقال:
(أعان طرفي على جسمي وأعضائي ... بنظرةٍ وقفتْ جسمي على دائي)
(وكنتُ غراً بما تجني علي يدي ... لا علم لي أنَ بعضي بعضُ أعدائي)
وهذا شعر فيه تكلف، وأخذه البحتري:
(ولستُ أعجبُ من عصيان قلبك لي ... عمداً إذا كانَ قلبي فيك يعصيني)
وقال ابن الأحنف:
(قلبي إلى ما ضَرَّني داعي ... يكثرُ أسقامي وأوجاعي)
(كيف احترازي من عدوّي إذا ... كان عدوّي بين أضلاعي)
ومن جيد ما قيل في قرب الدار مع تباعد القلوب قول النظار الفقعسي:
(يقولونَ هذي أمُ عمرو قريبة ... دَنَتْ بك أرضٌ نحوها وسماءُ)
(ألا إنما بُعدُ الحبيبِ وقربهُ ... إذا هوَ لم يوصلْ إليه سواء)
وفي خلافه:
(وإني زوارٌ لمنْ لا يزورني ... إذا لم يكنْ في ودهِ بمريبِ)
(يقربُ لي دار الحبيب وإن نأتْ ... وما دارُ من أبغضتهُ بقريبِ)
стр. 277
ومن ظريف الشكاية قول إبراهيم بن العباس:
(فدعني راغماً أشقى بوجدي ... وخذ قلبي إليكَ بغيرِ حمدِ)
(سقام لا يرقُ عليَ منه ... ووجد لا يكافئهُ بودّ)
(وقد أصفيتهُ ودّي بجهدي ... فعارضَ في الجفاءِ بمثل جهدي)
ومن جيد ما مدح به الفراق قول بعض الكتاب: في الفراق مصافحة التسليم ورجاء الأوبة والسلامة من الملال وعمارة القلب بالشوق والدلالة على فضل المواصلة واللقاء. وقال الشاعر:
(جزى اللهُ يومَ البينِ خيراً فإنه ... أرانا على علاتهِ أمَ ثابتِ)
وكتب بعضهم في معنى قول الشاعر
(وما في الأرض أشقى من محب ... )
وقد تقدم: تفكري في مرارة البين يمنعني من التمتع بحلاوة الصبر وتكره عيني أن تقربك مخافة أن تسخن ببعدك فلي عند الاجتماع كبد ترجف وعند التنائي مقلة تكف. ومثله: لا والذي بيده السلامة من نزوح دارك وبعد مزارك ما زادني اللقاء إلا صبابة وأسفاً والاجتماع إلا نزاحا وكلفا لأني منقسم القلب بين رجاء يعدني بقربك وحذر يوعدني ببعدك وإذا قربت دارك كلفت وإن نأت أسفت فلا في القرب أسلو ولا البعد. وسمعت لماني الموسوس معنى أظنه ابتكره وهو:
(بكتْ عيني غداةَ البينِ دمعاً ... وأخرى بالبكى بخلتْ علينا)
(فعاقبتُ التي بخلتْ علينا ... بأن غمضتها يومَ التقينا)
وسبكه البيت الأول ورصفه ردئ جداً لا خير فيه وإنما استغربت المعنى فأوردته. وقد أخذه ابن الرومي فشرحه وزاد فيه وهو من قوله:
(ولقد يؤلفنا اللقاءُ بليلةٍ ... جعلتْ لنا حتى الصباح نظاما)
(تجزي العيون جزاءهنَ عن البكى ... وعن السهادِ فلا نصيبُ اثاما)
(فنبيحهنَ مرادهنَ يردنه ... فيما ادعينَ ملاحةً ووساما)
стр. 278
(ونكافئ الأذانَ وهي حقيقةٌ ... إذ لا تزال تكابدُ اللواما)
(فتيثهن من الحديث مثوبةً ... تشفي الغليل وتكشفُ الأسقاما)
( ... ونكافئ الأفواهَ عن كتمانها ... إذ لا يزالُ لها الصماتُ لجاما)
(فنبيحهنَّ ملاثماً ومراشفاً ... ما ضرَّها أن لا تكونَ مداما)
(نجزي الثلاثة أنصباء ثلاثة ... مقسومة آناؤها أقساما)
ولخالد الكاتب معنى يلحق بما تقدم وهوقوله:
(بكيتُ دماً حتى بكيتُ بلا دم ... بكاءَ فتى فرد على شجن فردِ)
(أأبكي الذي فارقتُ بالدَّمعِ وحدَهُ ... لقد جلَ قدرُ الدَّمع فيه إذاً عندي)
وكتبت في فصل لي: قد جل شوقي إليك ووجدي بك عن أن يبرد نارهما ويسكن أوارهما دمع ينصب على مثله فتحسبه دراً يتكسر على در ويمتزج بالدم فتخاله شذور عقيق في نظام فريد. ومما يلحق بما تقدم أيضاً قول سعيد بن حميد:
(وما كانَ حُبيها لأوَّلِ نظرةٍ ... ولا غمرة من بعدها فتجلتِ)
(ولكنها الدُّنيا تولتْ فما الذي ... يسلي عن الدنيا إذا ما تولتِ)
وقال الأعرابي:
(أعللُ أصحابي بجدِّي وباطلي ... وأسماء جدّ القلب مني وباطله)
ومن بديع المعاني قول ابن أبي فنن:
(أدميتُ بالألحاظِ وجنتهُ ... فاقتص ناظرهُ من القلبِ)
أخذه علي بن عاصم فقال:
(ضربتْ إلفي بيدي ... خانَ يميني جلدي)
(فاقتصَ لما اغرَوْرَقَتْ ... مقلتهُ من كبدي)
(فلا أقلتْ بعدها ... سوطي من الأرضِ يدي)
стр. 279
ومن أجود ما قيل في تكافئ الحسن قول الراجز وكان ينبغي أن يقدم:
(جاءتْ تهضُ الأرضُ أي هضَ ... يدفعُ منها بعضها من بعضٍ)
يقول يتحير الناظر فيها ولا تقف عينه على واحدة فيصيبها بعين لأن بعضها يشغل عن بعض. ومن بديع المعاني قول بعض الشعراء:
(قصاراك مني الودّ ما دمت حيةً ... وودّك ماء المزن غير مشوب)
(وآخر شئ أنت في كل مضجع ... وأول شئ أنتِ عندَ هبوبِ)
ومن جيد القول في الفراق قول أبي محلم:
(وما خفتُ وشك البينِ حتى رأيتهم ... تنفض أنماط لهم وقطوع)
(لعمرك ماشبى مريتُ بذكرهِ ... كآخر يأتي بغتةً فيروع)
ومما لا أعرف في معناه أجود منه قول بعضهم:
(ما بينَ بابِ الوزير والمسجد الجامع ... ظبيٌ كالظباء في جيدهِ)
(أطمارهُ رثةٌ فقد ضاعَ لا ... ضاعَ وضاعَ التمييزُ في بلده)
(ليسَ لهُ ناقدٌ فيعرفهُ ... وآفةُ التبرِ ضعفُ منتقده)
وفي خلاف ذلك قول صاحب البصرة: ( ... ولستُ بواصفٍ أبداً حبيباً ... أعرضهُ لأهواءِ الرِّجالِ)
(تراني آمن الشركاء فيهِ ... وآمن فيهِ أحداث الليالي)
معنى آخر:
(وقائلة متى يفنى هواهُ ... فقلتُ لها إذا فنيَ الملاح)
معنى آخر:
(وإذا أتيتك زائراً متشوقاً ... قصرَ الطريقُ وطالَ عند رجوعي)
معنى آخر:
(إذا طلعتْ شمسُ النهار فإنها ... أمارةُ تسليمي عليك فسلمي)
آخر التشبب والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده.
стр. 280
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي قال فأبلغ وأنعم فأسبغ، أحل الملاذ ومنح لينعم عباده في العاجل ويدل على ما أعد لمحسنهم في الآجل فقال ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾ وقال ﴿يا أيها الرسلُ كلوا من الطيباتِ واعملوا صالحاً) وقال تعالى: ﴿قُلْ منْ حَرَمَ زِينةَ اللهِ التي أخْرَجَ لعبادهِ والطيباتِ مِنَ الرزقِ﴾ وله الحمد على كمال بره وتمام لطفه والصلاة على خير خلقه محمد النبي وآله.
(هذا كتاب المبالغة)
(في صفات النار والطبخ وألوان الطعام، وفي ذكر الشراب وما يجري مع ذلك ثلاثة فصول وهو:)
(الباب الخامس من كتاب ديوان المعاني)
(الفصل الأول في ذكر النار)
فأول ما نذكر فيها قول الله تعالى ﴿أفرأيتمُ النار التي تُورُون﴾ إلى قوله ﴿نحنُ جَعَلْناها تذكرة ومتاعاً للمقوينَ﴾ فذكر منفعتها وحسن عائدتها في الدنيا والدين فأما منفعتها في الدين فإنها تذكر ما أعد الله تعالى لعصاته منها في دار العذاب فيكون ذلك مزجرة لمن تذكر ومنهاة لمن تبصر وأما منافعها في الدنيا وكثرة مرافقها فغير مجهولة وقد خص الإنسان بخيرها دون سائر الحيوان
стр. 281
فليس يحتاج إليها شئ سواه وليس به عنها غنى في حال من الأحوال ولهذا عظمها المجوس وقالوا إنها قد أفردتنا بنفعها فينبغي أن نفردها بتعظيمنا على أنهم يعظمون جميع ما فيه نعمة على العباد فلا يدفنون موتاهم في الأرض ولا يستنجون في الأنهار، رؤي على عهد كسرى رجل يغتسل في دجلة فضربت رقبته، وكانت العرب إذا تحالفت تحالفت على النار ويدعون على من يغدر وينقض العهد بحرمان منافعها. وقد أحكمنا ذلك في كتاب الأوائل. ومن عجيب التشبيه في النار قول الأول:
(كأنَ الريحَ تقطع من سناها ... بنايق حبةِ من أرجوانِ)
وقول ابن المعتز:
(وموقدات بتن يضرمنَ اللهبْ ... يشبعنهُ منْ فحمٍ ومن حطبْ)
(يرفعنَ نيراناً كأشجارِ الذَّهبْ ... )
وقال آخر: كأنّ نيراننا في جنبِ قلعتهم ... مصبغاتٌ على ارسانِ قصارِ)
وقول أبي تمام في إحراق الأفشين:
(نارٌ يساورُ جسمهُ من حرَّها ... لهبٌ كما عصفرتَ شقَ إزارِ)
(صلّى لها حياً وكان وقودها ... ميتاً ويدخلُها مع الفجارِ)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي حدثنا أحمد بن اسماعيل حدثني جعفر بن علي بن الرشيد فقال أنشدنا المعتصم قول بعض الهاشميين في فتحه هرقله:
(ريعتْ هرقلة لما أن رأتْ عجبا ... جو السما ترتمي بالنفطِ والقارِ)
(كأنَ نيراننا في جنبِ قلعتهم ... مصبغاتُ على أرسان قصارِ)
فقال لابن داود وقد أنشدنا شاعر طائي أوصلته إلى في حرق القادر أفشين شيئاً من هذا الجنس استحسنته فقال أحمد ما أحفظه وإنما أحضر الشاعر فقال بعض أولاد الحجاب أنا أحفظ القصيدة والموضع فقال هات فأنشد:
(ما زال سرُّ الكفرِ بينَ ضلوعهِ ... حتى اصطلى سرَ الزناد الوارى)
стр. 282
(ناراً يساورُ جسمهُ من حرِّها ... لهبٌ كما عصفرتَ شقِّ إزارِ)
(طارتْ لها شرر يهدمُ لفحها ... أركانهُ هدماً بغير منارِ)
( ... ففصلنَ منه كلَ مجمع مفصل ... وفعلنَ فاقرةً بكلَ فقار)
(رمقوه أعالي جذعهِ فكأنما ... رمقوا هلالَ عشيَّةِ الإفطارِ)
(كرّوا وراحوا في مُتونِ ضوامرٍ ... قيدتْ لهمْ من مربطِ النجار)
(لا ينزلون ومنْ رآهمْ خالهم ... أبداً على سفرٍ من الأسفارِ)
فقال المعتصم أحسن ما شاء قد أمرت له بعشرة آلاف درهم ولهذا الذي حفظها بنصفها، قال فتعجبنا من فطنة المعتصم ومن رزق هؤلاء على غير طلب ولا أمل قال فلم يبق في العسكر أحد إلا حفظ قصيدة أبي تمام. وقلت:
(أوقدتُ بعدَ الهدوِّ نارا ... لها على الطارقينَ عينُ)
(شرارها إنْ علا نضارٌ ... لكنهُ إن هوى لجين)
(دعتهمُ فانثنى إليها ... محبهم قرة رأين؟)
(إلى كريم الفعالِ سمح ... عطاؤه للكريم زين)
(بقضي ديونَ العلا ببذلٍ إذ ليسَ يقضى لهنَ دينُ)
وقال ابن المعتز:
(وقد تعلى شررُ الكانون ... كأنه نثارُ ياسمين)
وقلت:
(نار تلعب بالشقوقِ كأنها ... حُللٌ مشققةٌ على حبسانِ)
(ردتَ عليها الريحُ فضلَ دخانها ... فأتَتْ بهِ سيحاً على عصان)
(فالجوُّ يضحك في ابيضاض شِرائر ... منه ويعبسُ في اسوداد دخان)
وقال أبو فضلة:
(اشربْ على النار في الكوانين ... إذ ذهبتْ دولةُ الرياحين)
стр. 283
(بَدَت لنا والرمادُ يحجبها ... كجلنارٍ من تحتِ نسرينِ)
وقلت في معناه:
(قصرتُ يدَ الشتاء بحرَ جمر ... وأخت الجمر صافية الرَّحيقِ)
(ترى نبذ الرمادِ بوجنتيه ... ككافور يذرُ على خلوقِ)
وقلت:
(تحركت الشمالُ فقرَ ليلى ... فهاتِ الراحَ من أيدي الملاح)
(جراد الجمر يسترهُ رمادٌ ... كمثلِ الوردِ يسترهُ الأقاحي)
(وأنفاس الرِّياضِ معطراتٌ ... تطيرُ بهنَ أنفاس الرِّياح)
(وأرديةُ الظلام ممسكاتٌ ... مطرزةُ الحواشي كالصباحِ)
وقال ابن المعتز في سقوط الشرر على الثياب والبسط:
(فترك البساط بعد الخمدِ ... ذا نقطٍ سودٍ كجلدِ الفهدِ)
وقال أيضاً
(وصيرت جبابهم مناخلا ... )
وقلت:
(كأنما النارُ بينهُ ذهب ... والجمرُ من تحتهِ يواقيتُ)
ومن بديع ما قيل في القدور على النار قول بعض العرب:
(كأنَ صوتَ غليهِ المستعجل ... قصد الشبوح للشيوخ الجهلِ)
وقال ابن المعتز:
(والسيف راعي إبلي في المحلِ ... يسلمها إلى قدورٍ تغلي)
(تُرقلُ فيها بالوقودِ الجُزْل ... ارقا لها في السير تحت الرحلِ)
وقالوا أحسن ما قيل في الأثافي والرماد قول ابن هرمة:
(نبكي على زمن ونؤي هامد ... وجوامع سقع الخدود رواكد)
(عرين من عقد القدور وأهلها ... فعكفنَ بعدهم بهاب لا بد)
(فوقينه عبثَ الصبا فكأنه ... دنف يرن الدمع بين عوائد؟)
стр. 284
وقال أبو تمام:
(أثافٍ كالخدودِ لطمنَ حُزناً ... ونؤيٌ مثلَ ما انفصمَ السوارُ)
ومما يجري مع ذلك القول في الشمعة، ومن أجود ما قيل فيها قول السري
(شفاؤها إن مرضت ضرب العنق ... )
وقول الآخر
(موقوفة بين حريق وغرق ... )
وقلت:
(كم قد جنيتُ اللهوَ من غصنهِ ... ما بين أنوارٍ وأنوار)
(من روضةٍ بللَ أعطافَها ... سقيطُ أنداءٍ وأمطارِ)
(وأوجهٍ تحسَبهُا أشمساً ... في ليلِ أصداغٍ وأطرار)
(وشققتْ عنها ستورَ الدُجى ... نارٌ على نارٍ على نارِ)
وقلت في السراج:
(وحيةٌ في رأسها دُرَة ... تعملُ في وجهِ الدُجى غَّره)
(وجنتها أكبرُ من رأسها ... فهيَ إذا أبصرتها عبره) ِ ...
(كم من مريبٍ أهتكت ستره ... وصيرتهُ في الورى شهره)
(يردفها أصفرُ في أصفر ... يقدمها أسودُ في حمره)
وقال السري في الكانون:
(وكأنما الكانونُ ألهبَ جمره ... أحداق أسدٍ يدرينَ أسودا)
(يسكو خدود الشربِ من نفحاتها ... قبل الكؤوس وحسنها توريدا)
وقلت في الكانون:
(وبركةٌ مترعة الأرجاء ... فارغةٌ من سبلِ الأنواءِ)
(يغسل فيها حلة الظلماء ... أقامت النارَ مقامَ الماءِ)
(نارٌ كوجهِ غادةٍ حسناءِ ... ترقصُ في مبدعة صفراء)
(والجمرُ في حلتهِ الحمراءِ ... مثل بنانٍ عُلّ بالحناء)
(وأسهمٌ تصبغُ بالدماءِ ... فهاكها ريحانةُ الشتاءِ)
(واشربْ عليها حلبَ الصهباءِ ... فشربُ صهباءَ على شقراءِ)
(يطرف عينَ البوسِ والضراء ... )
стр. 285
ومن أجود ما قيل في الفحم قول بعضهم:
(فحمٌ كيوم الفراقِ تشعله ... نارٌ كنارِ الفراقِ في الكبدِ)
( ... أسود قد صارَ تحت حمرتها ... مثلَ العيونِ اكتحلنَ بالرمد)
(الفصل الثاني من الباب الخامس)
(في ذكر ألوان الطعام) العرب تشبه البر بقراضة الذهب وبمناقير النغران، والنغران جمع نغرة وهي عصفورة: أخبرنا أبو أحمد عن ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال قال شيخ من أهل البادية ضفت فلاناً فأتاني بخبزة من حنطة كأنها مناقير النعران قد انتفخت في الملة حتى رأيت الجمر يتحدر منها تحدر الشحو من البطان وتراها حين غمرت بالسمن يجول فيها المثراد كما يجول الضبعان في الضفرة، ثم أتانا بتمر كأنه أعناق الورلان يدخل فيها الفرس. والحشو صغار الرمل المتعقد. وأخبرنا أبو أحمد عم الجلودي عن عبد الله بن محمد القرشي عن المثنى بن معاذ العنبري عن بشر بن المفضل عن عقبة الراسبي قال دخلت على الحسن وهو يأكل خبزاً ولحماً فقال لي هلم إلى طعام الأحرار. والعرب تدعو الخبز أم جابر. أخبرنا أبو أحمد حدثنا الجلودي حدثني محمد بن زكريا حدثني مهدي بن سابق حدثنا شبيب قال استأذن خالد بن صفوان على يزيد بن المهلب فأذن له فوجده يتغذى فقال يا ابن صفوان أدن فكل فقال أصلح الله الأمير لقد أكلت أكلة لست ناسيها قال وما أكلت؟ فوصف ما أكل ثم قال أتيت بخبز أرز كأنه قطع العقيق وكأنما تجري عليه سبائك الذهب ثم أتيت بيناني بيض البطون زرق زق العيون سود المتون حدب الظهور مقفعات الأذناب صغار الرؤوس غلاظ القصر عراض السرر مع بصل
следующие страницы →