← Адаб

Адаб · id 6909

ديوان المعاني

أبو هلال العسكري

Полный текст (608 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فليس يحتاج إليها شئ سواه وليس به عنها غنى في حال من الأحوال ولهذا عظمها المجوس وقالوا إنها قد أفردتنا بنفعها فينبغي أن نفردها بتعظيمنا على أنهم يعظمون جميع ما فيه نعمة على العباد فلا يدفنون موتاهم في الأرض ولا يستنجون في الأنهار، رؤي على عهد كسرى رجل يغتسل في دجلة فضربت رقبته، وكانت العرب إذا تحالفت تحالفت على النار ويدعون على من يغدر وينقض العهد بحرمان منافعها. وقد أحكمنا ذلك في كتاب الأوائل. ومن عجيب التشبيه في النار قول الأول: (كأنَ الريحَ تقطع من سناها ... بنايق حبةِ من أرجوانِ) وقول ابن المعتز: (وموقدات بتن يضرمنَ اللهبْ ... يشبعنهُ منْ فحمٍ ومن حطبْ) (يرفعنَ نيراناً كأشجارِ الذَّهبْ ... ) وقال آخر: كأنّ نيراننا في جنبِ قلعتهم ... مصبغاتٌ على ارسانِ قصارِ) وقول أبي تمام في إحراق الأفشين: (نارٌ يساورُ جسمهُ من حرَّها ... لهبٌ كما عصفرتَ شقَ إزارِ) (صلّى لها حياً وكان وقودها ... ميتاً ويدخلُها مع الفجارِ) أخبرنا أبو أحمد عن الصولي حدثنا أحمد بن اسماعيل حدثني جعفر بن علي بن الرشيد فقال أنشدنا المعتصم قول بعض الهاشميين في فتحه هرقله: (ريعتْ هرقلة لما أن رأتْ عجبا ... جو السما ترتمي بالنفطِ والقارِ) (كأنَ نيراننا في جنبِ قلعتهم ... مصبغاتُ على أرسان قصارِ) فقال لابن داود وقد أنشدنا شاعر طائي أوصلته إلى في حرق القادر أفشين شيئاً من هذا الجنس استحسنته فقال أحمد ما أحفظه وإنما أحضر الشاعر فقال بعض أولاد الحجاب أنا أحفظ القصيدة والموضع فقال هات فأنشد: (ما زال سرُّ الكفرِ بينَ ضلوعهِ ... حتى اصطلى سرَ الزناد الوارى)

стр. 282

(ناراً يساورُ جسمهُ من حرِّها ... لهبٌ كما عصفرتَ شقِّ إزارِ) (طارتْ لها شرر يهدمُ لفحها ... أركانهُ هدماً بغير منارِ) ( ... ففصلنَ منه كلَ مجمع مفصل ... وفعلنَ فاقرةً بكلَ فقار) (رمقوه أعالي جذعهِ فكأنما ... رمقوا هلالَ عشيَّةِ الإفطارِ) (كرّوا وراحوا في مُتونِ ضوامرٍ ... قيدتْ لهمْ من مربطِ النجار) (لا ينزلون ومنْ رآهمْ خالهم ... أبداً على سفرٍ من الأسفارِ) فقال المعتصم أحسن ما شاء قد أمرت له بعشرة آلاف درهم ولهذا الذي حفظها بنصفها، قال فتعجبنا من فطنة المعتصم ومن رزق هؤلاء على غير طلب ولا أمل قال فلم يبق في العسكر أحد إلا حفظ قصيدة أبي تمام. وقلت: (أوقدتُ بعدَ الهدوِّ نارا ... لها على الطارقينَ عينُ) (شرارها إنْ علا نضارٌ ... لكنهُ إن هوى لجين) (دعتهمُ فانثنى إليها ... محبهم قرة رأين؟) (إلى كريم الفعالِ سمح ... عطاؤه للكريم زين) (بقضي ديونَ العلا ببذلٍ إذ ليسَ يقضى لهنَ دينُ) وقال ابن المعتز: (وقد تعلى شررُ الكانون ... كأنه نثارُ ياسمين) وقلت: (نار تلعب بالشقوقِ كأنها ... حُللٌ مشققةٌ على حبسانِ) (ردتَ عليها الريحُ فضلَ دخانها ... فأتَتْ بهِ سيحاً على عصان) (فالجوُّ يضحك في ابيضاض شِرائر ... منه ويعبسُ في اسوداد دخان) وقال أبو فضلة: (اشربْ على النار في الكوانين ... إذ ذهبتْ دولةُ الرياحين)

стр. 283

(بَدَت لنا والرمادُ يحجبها ... كجلنارٍ من تحتِ نسرينِ) وقلت في معناه: (قصرتُ يدَ الشتاء بحرَ جمر ... وأخت الجمر صافية الرَّحيقِ) (ترى نبذ الرمادِ بوجنتيه ... ككافور يذرُ على خلوقِ) وقلت: (تحركت الشمالُ فقرَ ليلى ... فهاتِ الراحَ من أيدي الملاح) (جراد الجمر يسترهُ رمادٌ ... كمثلِ الوردِ يسترهُ الأقاحي) (وأنفاس الرِّياضِ معطراتٌ ... تطيرُ بهنَ أنفاس الرِّياح) (وأرديةُ الظلام ممسكاتٌ ... مطرزةُ الحواشي كالصباحِ) وقال ابن المعتز في سقوط الشرر على الثياب والبسط: (فترك البساط بعد الخمدِ ... ذا نقطٍ سودٍ كجلدِ الفهدِ) وقال أيضاً (وصيرت جبابهم مناخلا ... ) وقلت: (كأنما النارُ بينهُ ذهب ... والجمرُ من تحتهِ يواقيتُ) ومن بديع ما قيل في القدور على النار قول بعض العرب: (كأنَ صوتَ غليهِ المستعجل ... قصد الشبوح للشيوخ الجهلِ) وقال ابن المعتز: (والسيف راعي إبلي في المحلِ ... يسلمها إلى قدورٍ تغلي) (تُرقلُ فيها بالوقودِ الجُزْل ... ارقا لها في السير تحت الرحلِ) وقالوا أحسن ما قيل في الأثافي والرماد قول ابن هرمة: (نبكي على زمن ونؤي هامد ... وجوامع سقع الخدود رواكد) (عرين من عقد القدور وأهلها ... فعكفنَ بعدهم بهاب لا بد) (فوقينه عبثَ الصبا فكأنه ... دنف يرن الدمع بين عوائد؟)

стр. 284

وقال أبو تمام: (أثافٍ كالخدودِ لطمنَ حُزناً ... ونؤيٌ مثلَ ما انفصمَ السوارُ) ومما يجري مع ذلك القول في الشمعة، ومن أجود ما قيل فيها قول السري (شفاؤها إن مرضت ضرب العنق ... ) وقول الآخر (موقوفة بين حريق وغرق ... ) وقلت: (كم قد جنيتُ اللهوَ من غصنهِ ... ما بين أنوارٍ وأنوار) (من روضةٍ بللَ أعطافَها ... سقيطُ أنداءٍ وأمطارِ) (وأوجهٍ تحسَبهُا أشمساً ... في ليلِ أصداغٍ وأطرار) (وشققتْ عنها ستورَ الدُجى ... نارٌ على نارٍ على نارِ) وقلت في السراج: (وحيةٌ في رأسها دُرَة ... تعملُ في وجهِ الدُجى غَّره) (وجنتها أكبرُ من رأسها ... فهيَ إذا أبصرتها عبره) ِ ... (كم من مريبٍ أهتكت ستره ... وصيرتهُ في الورى شهره) (يردفها أصفرُ في أصفر ... يقدمها أسودُ في حمره) وقال السري في الكانون: (وكأنما الكانونُ ألهبَ جمره ... أحداق أسدٍ يدرينَ أسودا) (يسكو خدود الشربِ من نفحاتها ... قبل الكؤوس وحسنها توريدا) وقلت في الكانون: (وبركةٌ مترعة الأرجاء ... فارغةٌ من سبلِ الأنواءِ) (يغسل فيها حلة الظلماء ... أقامت النارَ مقامَ الماءِ) (نارٌ كوجهِ غادةٍ حسناءِ ... ترقصُ في مبدعة صفراء) (والجمرُ في حلتهِ الحمراءِ ... مثل بنانٍ عُلّ بالحناء) (وأسهمٌ تصبغُ بالدماءِ ... فهاكها ريحانةُ الشتاءِ) (واشربْ عليها حلبَ الصهباءِ ... فشربُ صهباءَ على شقراءِ) (يطرف عينَ البوسِ والضراء ... )

стр. 285

ومن أجود ما قيل في الفحم قول بعضهم: (فحمٌ كيوم الفراقِ تشعله ... نارٌ كنارِ الفراقِ في الكبدِ) ( ... أسود قد صارَ تحت حمرتها ... مثلَ العيونِ اكتحلنَ بالرمد) (الفصل الثاني من الباب الخامس) (في ذكر ألوان الطعام) العرب تشبه البر بقراضة الذهب وبمناقير النغران، والنغران جمع نغرة وهي عصفورة: أخبرنا أبو أحمد عن ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال قال شيخ من أهل البادية ضفت فلاناً فأتاني بخبزة من حنطة كأنها مناقير النعران قد انتفخت في الملة حتى رأيت الجمر يتحدر منها تحدر الشحو من البطان وتراها حين غمرت بالسمن يجول فيها المثراد كما يجول الضبعان في الضفرة، ثم أتانا بتمر كأنه أعناق الورلان يدخل فيها الفرس. والحشو صغار الرمل المتعقد. وأخبرنا أبو أحمد عم الجلودي عن عبد الله بن محمد القرشي عن المثنى بن معاذ العنبري عن بشر بن المفضل عن عقبة الراسبي قال دخلت على الحسن وهو يأكل خبزاً ولحماً فقال لي هلم إلى طعام الأحرار. والعرب تدعو الخبز أم جابر. أخبرنا أبو أحمد حدثنا الجلودي حدثني محمد بن زكريا حدثني مهدي بن سابق حدثنا شبيب قال استأذن خالد بن صفوان على يزيد بن المهلب فأذن له فوجده يتغذى فقال يا ابن صفوان أدن فكل فقال أصلح الله الأمير لقد أكلت أكلة لست ناسيها قال وما أكلت؟ فوصف ما أكل ثم قال أتيت بخبز أرز كأنه قطع العقيق وكأنما تجري عليه سبائك الذهب ثم أتيت بيناني بيض البطون زرق زق العيون سود المتون حدب الظهور مقفعات الأذناب صغار الرؤوس غلاظ القصر عراض السرر مع بصل

стр. 286

نظيف كأنه قطع الزند وخل ثقيف مري حريف، قال أبو هلال ما سمعت في وصف السمك أحسن من هذا ولا أتم. وقريب منه ما أخبرنا به أبو خليفة عن ابن سلام عن محمد بن القاسم قال قال الأعمش لجليس له أما تشتهي بناني زرق العيون بيض البطون سود الظهور وأرغفة باردة لينة وخلاً حاذق؟ قال بلى قال فانهض بنا قال الرجل فنهضت معه فدخل منزله وقال خذ تلك السلة فكشفها فإذا فيها رغيفان يابسان وسكرجة كامخ وشبت قال فجعل يأكل وقال لي تعالى كل فقلت فأين السمك فقال ما عندي سمك وإنما قلت أتشتيهه وأنا ولله أشتهيه. أخبرنا أبو أحمد عن الجلودي عن المغيرة بن محمد عن أبي عثمان المازني عن الأصمعي قال قال أبو صوارة وكان بمكة مثل الأشعب بالمدينة في شهوة الأكل: يا أبا سعيد الأرز الأبيض باللبن الحليب بالسكر السليماني بالسمن السلى ليس من طعام أهل الدنيا. ومن أحسن ما قيل في الرقاق قول ابن الرومي: (ما أنسَ لا أنسَ خبازاً مررتُ بهِ ... يدحو الرقاقةَ وشك للمح البصر) (ما بينَ رؤيتها في كفهِ كرَةً ... وبينَ رؤيتها قوراء كالقمرِ) وقلت: (وخبز بأيدي الخابزين كأنهُ ... تراس تعاطيها الجنود جنود) (وأطعمة حلتْ بساحتها المنى ... إذا جاءَ من أرداحهنَ يريد) (وضمتْ إلى الحلواء فيهِ فواكهٌ ... عليهنَ أهواءُ النفوسِ وفودُ) وقال الصنوبري في رقاق ورؤوس: (غير ما راج من رقاقٍ رقيق ... فوقَ هام على عدادِ الهامِ) (ذاك كالماءِ ذي الحباب ... وهاتيك عليهِ كطير ماءٍ نيام) (بالأقيالهنَ وما يبدينَ ... من مضرم شديدِ الضرام) (كأناس يوشحونَ مناديل ... إذا خرجواً من الحمامِ) ورصف هذه الأبيات غير مختار عندي ولكني أوردتها لجودة معانيها

стр. 287

وإصابة التشبيهات فيها، وقوله (غير ما راج) فإن الرواج لفظ عامي لا يستعمله الفصحاء. وقال ابن الرومي: (هامٌ وأرغفةٌ وضاءٌ فخمةٌ ... قد أخرجتْ من جاحم فوارِ) (كوجوهِ أهل الجنة ابتسمت لنا ... مقرونةً بوجوهِ أهلِ النارِ) وقال غيره في جوذابة: (وقادمٍ من جاحمٍ فوارِ ... مخللِ الشقشقِ والأنوارِ) (ملبساً حُلةَ جلنارِ ... يقشر جلداً منه كالنضارِ) (عن بدنٍ أبيض كالخمار ... ) ومن النادر البديع في هذا المعنى ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجلودي عن محمد بن زكريا عن عبد الله بن الضحاك عن هشام بن محمد قال كان عوانة يكثر أكل الرؤوس فقيل له إنها متخمة فقال إنها فاكهة اللحم. وأخبرنا عن محمد بن زكريا عن الأصمعي قال قيل لأعرابي كيف تأكل الرؤوس قال أفك لحييه وأبخص عينيه وأفعص أذنيه وا خديه وأرمي بالدماغ إلى من هو أحوج مني إليه فقيل له إنك لأحمق من ربع قال وما حمق ربع إنه ليجتنب العدوى ويتبع المرعى ويراوح بين الأطباء فما حمقه يا هؤلاء وقيل لأحدهم ما أحب الفاكهة إليك قال أما الرطب فاللحم وأما اليابس فالقديد. وقلت في صفة لحم: (تركتُ سمينَ اللحمَ يبيضُ بعضه ... ويحمرُ بعض خلطك الدرَ بالتبرِ) (وأعرضتُ عن حلواء شق فنونها ... فبيضٌ إلى حمرٍ وحمرٌ إلى صفر) (إلى ندرةٍ رقطاءَ قطع فوقها ... مقفعةٌ خضراءُ في ورق خضرِ) وحاجة الإنسان إلى الطعام إنما هي من أجل ما يأخذ الهواء من جسده فيحدث فيه خلل فإذا اكل اللحم فقد رم الجسد بما هو من جنسه فكأنه رقع الديباج بالديباج فإذا أكل غير اللحم فكأنه رقع الديباج بالكرياس، وفي الحديث (مَنْ

стр. 288

تركَ للحْمَ أرَبعينَ يَوْماً سَاءَ خُلُقُهُ) . (وأحسن ما سمعت في جملٍ مشوي قول السري: (أنعتهُ معصفر البردينَ ... أبيض صافي حُمرةِ الجنبينِ) (خلف شهرينِ على خلفينِ ... ثم رَعى بعدَهُما شهرينِ) (فجسمهُ شبرانِ في شبرينِ ... يا حُسنهُ وهو صريعُ الحينِ) (بعرفةٍ مرهفةِ الحدين ... بكفَ شاوٍ وعطرِ الكفَّيْن) (كسارقٍ حُدَ مِنَ اليدينِ ... ذو طرفٍ يستوقفُ العينين) (يُريكَ مرآةً مِنَ اللجينِ ... مُذْهَبَةً المقبضِ والوجَهين) (شقَ حشاه عنْ شقيقتين ... أختين في القدَ شبيهتين) (كما قرْنت بين كمأتين ... أو كرتي مسك لطيفتين) (إن شين ذورقين ناجمين ... فإنهُ زينٌ بغيرِ شَينِ) ومن المشهور قول ابن الرومي في دجاجة مشوية: (وسميطةٍ صفراءَ ديناريةٌ ... ثمناً ولوناً زفها لك حزورُ) ( ... طفقتْ تجولُ بذربها حوذابةُ ... فأتى لبابَ اللوزِ فيها السكر) (ظلنا نقشرُ جلدها عن لحهما ... فكأنَ تبراً عن لجين يقشرُ) (يا حسنها فوقَ الخوانِ وبنتها ... قدامها بصهبرها تتغرغر) (وتقدَّمتْها قبل ذاك ثرائدٌ ... مثل الرِّياضِ بملثلهنَ يُصدرَ) (ومدققات كلهنَ مزخرفٌ ... بالبيض منها ملبسٌ ومدنَر) (وأتت قطائفُ بعد ذاك لطائفٌ ... ترضى اللهاةُ بها ويرضى الحنجرُ) (ضُحُكُ الوجوه من الطبر زد فوقها ... دمع العيون من الدِّهانُ تعصَّرُ) وقلت في سكباجة: (سكباجةٌ طيبةٌ نشرها ... كأنها عودٌ على مجمر)

стр. 289

(حسنها في القدرِ إذ أقبلتُ ... وهي تحاكي سفطَ الجوهرِ) (ويستنيرُ الشحمُ في لحمها ... كغرةٍ في فرسٍ أشقر) (يا حسنَ باذنجانها إذ بدا ... أسمر وسطَ المرقِ الأحمر) (كأنهَّ ماءُ خلوق جرى ... وجال فيه قطع العنبر) وقال ابن الرومي في دجاجة: (عظيمةُ الزّوْر بصدرٍ نهد ... أجريتُ منها في مجال العقد) (مرهفت ذات شباً وحدَ ... لغيرِ ما دخل وغير حقد) (بل رغبة فيها شبيه الزُهد ... ) وقلت في قدور على نار: (كتبتُ أستعجل الندامى والنارُ تستعجل القدورا) (وقد أتاني الغلامُ يسعى ... بأرغفٍ تشبهُ البدورا) (وعندنا قهوةٌ شمولٌ ... لو قطعتْ صيرتْ شذورا) (تكونُ قبلَ المزاج ناراً ... فانقلبتْ بالمزاج نورا) (فانهض إلى سرعة إلينا ... ننثر على نفسِك السرورا) وقال الشعبي ما رأيت فارساً أحسن من زبد على تمر، وأنشد لبعض الأعراب: (ألا ليت لي خبزاً تسربلَ رائباً ... وخيلاً من البرني فرسانها زبدُ) ومن عجيب ما ورى عن الأعراب في شهوة الطعام ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبي بكر عن أبي حاتم عن الأصمعي عن جعفر بن سليمان قال لقيت اعرابياً فقلت هل لك في ثردة؟ فتنفس الصعداء ثم قال: (واهاً على مجمومة ... وصحفةٍ مكتومة) (بالدَّسم موْسُومة ... واللحم مغمومة) (قد كملتْ عراقا ... وألحفت رقاقا) (منقوشة الحواشي بطيبِ التماشي)

стр. 290

(بفلفلٍ وحمّص ... فكلْ هنيئاُ وارقص) فأخذت بيده وذهبت إلى المنزل فأمرتهم فصنعوا ثردة كما وصف فلما قدمتها ارتعش طرباً ثم قال أي بأبي والله هذه المرقصة ثم وثب على رجليه فرقص ساعة وجلس فأكل أربعة أرغفة في ثردة وستة في السقي ثم قبل رأسي وقال بأبي أنت وأمي لك حاجة في بدونا؟ قلت تمضي، ثم قال أي والثردة والله ما دخلت الحضر إلا في طلبها ثم أنشأ يقول: (عمرتُ بطناً لم يزلُ مصفرا ... لم يعرف الرُعفَ ولا المزدرا) (حتى لقد أوجعت واللَّهِ ترى ... ما صنعتْ كفاي في جنب القرى) وقال ابن خلّاد في خبز الأرز والملح: (إذا الطابقُ المنصوبُ ألقى ثيابهُ ... وقدت جيوبُ الخبز شبرين في شبرِ) (رغيف بملح طيّبِ النشر خلطة ... خوارجه تغنيك عن أرج العطر) (عليهِ من الشونيزِ آثارُ كاتب ... وجلبابُ وَرَاق ينقطُ بالحبر) (ومن سمسم قد زعفروهُ كأنهُ ... قراضةُ تبرٍ في لجينية غر) وقال في الباقلاء: (فلا تنسَ فضلَ الباقلاءِ فإنه ... من المنى قدوافي به الفضل في الزبر) (إذا جعلوا فيه سذاباً ونعنعاً ... وجزءاً من الزَّيت المقدّس في الذَّكرِ) (فما صدف العاج المغشي ظواهراً ... بطاشي أفرندٍ معقدةِ الخصر) (بأحسن من مخضرة الغصن إذ بَدتْ ... بواكرُ منها في المجاسد والأرز) ثم قال: (ويا لك باذنجانة سابرية ... جلاها نسيمُ الليل ناثرة الفجر) (فجاءَتْ بأثوابٍ الحداد مدلها ... بأذنابها العم المعقفة الخضر) (وأكرم بهانياً إذا بر ثوبُها ... فأبدت لنا عن واضحِ الكَشح والصدرِ) (فنجعلها شطرين نلقمُ شطرَها ... ونتبعهُ قبلَ الإساغةِ بالشطرِ) وقال ابن الرومي في الهريسة:

стр. 291

(أيا هنتاهُ هل لك في هَريس ... بلحمانِ الفراخِ أو البطوطِ) (أملّ الليلَ صانعها بضربٍ ... فجاء بها تمددُ كالخيوطِ) (وبينَ يديك من مريٍ عتيق ... توارثهُ النبيطُ عن النبيط) (أرانا حولَ صفحتها بُروكاً ... كما بركَ البعيرُ على الخبيط) (فيالله من لقمٍ هُناكم ... تجاذب بالشجيج وبالغطيطِ) وقال مسكين الدرامي في قدور على النار: (كأنَ قدورَ قومي كلَ يوم ... قدورُ البرك ملبسة الجلالِ) (كأنَ الموقدينَ لها جمالٌ ... طلاها الزَفتُ والقطران طالي) (بأيديهم مغارفُ من حديدٍ ... نشبهها مغيرة الدوالي) وقلت في هريسة: (هريسةٌ بيضاءُ كافوريهْ ... في قصعةٍ صفراءَ ديناريه) (للمرءِ فيها حمة مسكيه ... وللسلاءِ لمعةٌ تِبريه) (تدورُ في مبيضةٍ فضّيه ... مثل السوارِ في يدِ الرُّوميه) ومن عجيب ما قيل في قلة الطعام على المائدة ما أنشدناه أبو أحمد قال أنشدني نصر بن أحمد لنفسه: (من حديثي أنَ ابنَ بكر دعاني ... لشقائي فليتهُ ما دعاني) (غرَّني منهُ منظرٌ ولباسٌ ... وأثاثٌ ومجلسٌ وأوانِ) (مجلسٌ كالجنانِ حسناً ولكنْ ... قبّحَ الجوعُ حسنَ تلك الجنان) ( ... فلعمري كان الخوانُ ولكنْ ... لم يكنْ ما يكونٌ فوقَ الخوان) (وجفانٍ مثل الجوابي ولكن ليسَ فيهنَ ما يرى بالعيان) (وغضار الألوان جاءتْ ولكنْ ... ليسَ فيها روائحُ الألوانِ) (فإذا ما أدرتُ فيها بناني ... لم أجِدْ ما أمسهُ ببناني)

стр. 292

(إنني ما ضغٌ على غيرِ شئ ... غير صكِّ الأسنانِ بالأسنانِ) (ترجعُ الكفُ وهي أفرغُ منها ... عندَ مدى لها فدأبي وشاني) ( ... لو تراني والجوعُ يضحك مني ... عند غسلي يديَّ بالأشنانِ) (زادَ في السفرِ مسرفا مثلما ... أسرفَ عند الطعام بالنقصانِ) (والغضاراتُ فارغاتٌ أتتنا ... وسقانا بالمترع الملآن) (سكرة فوقَ جوعةٍ تركتني ... راحماً كلَ جائع سكرانِ) وقلت في قريب منه: (أتدعوني وتطعمني يسيراً وتسقيني الكثيرَ على اليسيرِ) (فأصبح منك في يوم عسير ... فلا ينفكُ في يوم عسير) (هما حرانِ من جُوع وسكرٍ ... فيا لك من سعير في سعيرِ) (أقولُ وفي غضائره عظامٌ ... أتغرق من قدور أم قبورِ) ومن جيد ما قيل أيضاً في ذم الدعوة قول أبي الحسن بن طباطبا وقد دعاه الكراريسي فقرب إليه مائدة عليها خيار وفي وسطها جامات عليها قطر ولم يصحبها بوارد فسماها مسيحية لأنها أشبهت موائد النصارى، وقدم سكباجة بعظام عارية فسماها شطر نجية، ثم قدم مضيرة في غضارة بيضاء فسماها معقدة لأن البياض لبس المعقدة وهي لا تمس الدهن والطيب، ثم قدم زير باجة بأطراف جدي صفراء لقلة زعفرانها فسماها عابدة لأن ألوان العباد صفر ثم قدم لوناً بقضبان محلولة فسماها قنبية ثم قدم لوناً بزبيب أسود فسماها موكبية ثم قلية بعظام الأضلاع فسماها حسكية لتشنج لحمها ثم قرب زعفرانية فسماها سلحية صفراء ثم قرب فالودذجة قليلة الزعفران والحلاوة فسماها صابونية ثم اعتل على الجماعة بأن ابنه عليل فحولهم من منزله إلى بستان قد طبق بالكراث وأحضرهم جرة منثلمة يمزجون منها شرابهم

стр. 293

وإذا ضرب أحدهم الغائط نقلها معه وربط الأكار بحذائهم عجلة تحور عليهم خواراً شبيها بغناء فاطمة وكان اسمها فاطمة فقال: (يا دعوةً مغبرةً قاتمة ... كأنها من سفر قادمَهْ) (قد قدمَّوا فيها مسيحيةً ... أضحتْ على أسلافها نادمه) (ثمَ بشطرنجية لم تزلْ ... أيدٍ وأيدٍ حولها حائمه) (فلم نزلْ في لعبها ساعةً ... ثم نفضناها على قائمه) (وبعدها معتدة أختها ... عابدة قائمة صائمه) (في حجرها أطراف موؤدةٍ ... قد قتلتها أمُّها ظالمه) (والقنبياتُ فلا تنسها ... فحيرتي في وصفِها دائمه) (أقنبُ ما امتدَ في أصبعي ... أم حيةٌ في وسطها نائمه) (والحسكياتُ فلا تنسَ في ... خندقها أوتادُها قائمه) (والموكبياتُ بسلطانها ... قد تركتْ آنافنا راغمهِ) (والسلحةُ الصفراءُ فاعجب بها ... إذ سلحتها أنفسٌ هائمه) (وجام صابوينة بعدها ... فافخر بها إذ كانت الخاتمه) (ظلَ الكراريسيُ مستعبراً ... من عصبةٍ في دارهِ طاعمه) (وقالَ إنَ ابني عليلٌ ولي ... قيامةٌ من أجلهِ قائمه) (وولوَلتْ داياتهُ حولهُ ... فليسَ إلا عبرةٌ ساجمه) (وليسَ هذا لسوى كسرةٍ ... تكسرُ ما زالت له سالمه) (وقد أكلناها فكم هيجتْ ... من لاطمٍ خداً ومن لاطمه) (ثمَّ هَرَبنا نحوَ بستانهِ ... خوفاً من المنية العازمه) (ظلنا لدى الكراثِ بلهوبه ... نلهوبه من زهرةٍ قائمه)

стр. 294

(وغاية اللطفِ ففي جرةٍ ... محطومةٍ صارتْ لنا حاطمَهْ) (نبولُ فيها ثم نسقي بها ... يا لك من عارضةٍ لائمه) (وعجلة تشدو بألحانها ... وكانت الكيَّسة الحازمة) (فكانَ فيما أنشدتْ إذ شَدَتْ ... من ليَ من بعدك يا فاطمة) (نشتم من أسمعنا صوتها ... وهي لنا من بعدهِ شاتمه) (ظلّت تبكي شجو ما أبصرت ... من أمرنا وهي به عالمه) (فلو ترانا وترى زادَنا ... حياً صادفت منا نعماً سائمه) فلما سمعها الكراريسي حلف لا يدخل أبا الحسن ولا أحداً من أصحابه داره واتخذ دعوة ودعا قوماً من الشطرنجيين فقال أبو الحسن إنما دعاهم لينظروا في الشطرنجية التي كنا نفضناها على قائمة هل يمكن فيها من حيلة، وكتب إليه من وقته أبياتاً منها: (طمعتَ يا أحمق في قمرِها ... لو أمكنَ القمرُ قمرناها) (فإن أقاموها فما ذنبنا ... كنا على ذاك نفضناها) ثم كتب إليه أبو الحسن: (يا منْ دعاني أطال اللهُ عمرك لي ... ولا عدمتك من داع ومحتف) (ما أنسَ لا أنسَ حتى الحشر مائدةً ... ظلنا لديك بها في أشغل الشغل) (إذ أقبل الجديُ مكشوفاً ترائبهُ ... كأنهُ متمطٍ دائمُ الكسل) (قد مدَ كلتا يديهِ لي فذكرني بيتاً ... تمثلتهُ من أحسنِ المثل) (كأنهُ عاشقُ قد مدَ بسطتهُ ... يومَ الفراق إلى توديع مرتحل) (وقد تمري بأطمار الرفاق لنا ... مثل الفقيرِ إذا مالاح في سمل) (فليتَ شعري ماذا كانَ أنحله ... فصار إيمانهُ قولاً بلا عملِ) (مددْت كفي فلم ترجعْ بفائدة ... كأنما وقعتْ منهُ على طللِ) وأخذ أبو الحسن قوله شطرنجية من قول جحظة أظنه: (قدَّم لي أعظمَ حوليةٍ ... قد طبختْ بالماء في بُرمته)

стр. 295

(فلم أزَلْ زَلتْ به نعلهُ ... ألعبُ بالشطرنج في قصعتهِ) ومن جيد الوصف قول أبي الفضل بن العميد في وسط: أنشدنا أبو أحمد أنشدنا أبو الفضل بن العميد لنفسه: (ودونك وسطاً أجاد الصناعُ ... تلفيفَ شطريهِ بالهندمة) (فمن صدر فائقةٍ قد نوت ... ومن عجز ناهضةٍ ملقمه) (ودنّر بالجوزِ أجوازه ... ودَرهمَ باللوز ما دَرهمه) (وقابل زيتونها والجبن ... صفائح من بيضةٍ مدغمه) (فمن أسطرٍ فيهِ مشكولة ... بملح ومن أسطرٍ معجمة) (وطرز بالقبل أعطافهُ ... فوافى كحاشيةٍ معلمه) (موَشّى تخال به مطرفا ... بديع التغاويف والنمنمه) وأنشد في الشواريز: (ما متعةُ العينِ من خدٍ تورُدهُ ... يزهى عليك بخالٍ فيه مركوزِ) (مستغرقُ الحسنِ في توسيع وجنتهِ ... بدائعٌ بين تسهيمٍ وتطريز) (يوفي على القمرِ الموفي إذا اتصلتْ ... يُسراه بالكأسِ أو يمناه بالكوز) (انهى إليكَ من الشيرازِ إنْ وضحتْ ... في صحنِ وجنتهِ خيلان شونيز) (وقد جرى الزَّيتُ في مثنى أسرته ... فضارعتْ فضة تُعلى بإبريزِ) وقال ابن خلاد: (وسوفَ يزوركَ شيرازها ... فتقسم بالله أن تكرمه) (يميسُ بشونيزةٍ كالعروسِ ... تخطرُ في الحلةِ المسهمه) (وتغشى موائدَ قد عوليتْ ... أطايبَ كالبردةِ المعلمه) (تباهى بجاماتها والغضار ... كواكب في الليلةِ المظلمه) وأول من ذكر الفالوذ أبو الصلت جاهلي يذكر عبد الله بن جدعان:

стр. 296

(لهُ داعٍ بمكةَ مشمعلٌ ... وآخرُ فُوقَ دارته ينادي) (إلى رُدح من الشّيزى عليها ... لبابُ البرَ يلبكُ بالشهادِ) لباب البر يعني النشا. وكان لعبد الله جفنة يأكل منها القائم والقاعد والراكب وقال رسول الله & (كنتُ أستظلُ بجفنةِ عبد الله بن جدعان في الهواجر) ومن النوادر في هذا ما أخبرنا به أبو أحمد عن رحاله قال سأل أعرابي عن رأيه في الفالوذ فقال والله لو أن موسى أتى فرعون بفالوذ لآمن به ولكنه أتاه بعصاه. ومن مصيب التشبيه فيه قول بعضهم: (ولاطفه بالشّهدِ المخلّق وجهه ... وإن كانَ بالأطافِ غيرَ خليقِ) (كأنَ اصفرارَ اللوزِ في جنباتهِ ... كواكبُ تبرٍ في سماءِ عقيقِ) وقلت: (حمراء في بيضاءَ فضية ... وظرف كافور وحشو الخلوقِ) (يطوفُ الدُهن بأرجائه ... اطافةَ الدَمع بجفنِ المشوقِ) (كأنما اللوزُ بحافاتهِ ... أنصاف دُرٍ ركبت في عقيقِ) ومن المشهور قول ابن الرومي في اللوزينج: (كأنما قرتَ جلايبيهُ ... من أعينِ القطرِ إذا قبّبا) (مستكثفُ الحشوِ على أنه ... أرقُ جسماً من نسيمِ الصَّبا) (يَدورُ بالنفحةِ في جامِه ... دوراً ترى الدُهن لهُ لولبا) (لو أنه ثغرٌ لروميَّةٍ ... لكان منه الواضح الأشنبا) وقلت في قطائف: (كثيفةُ الحشو ولكنها ... رقيقةُ الجلدِ هوانيه) (رشتْ بماء الوردِ أعطافُها ... منشورة الطيَ ومطويه)

стр. 297

(كأنها من طيبِ أنفاسها ... قد سرقَتْ من نشرِ ماريه) (جاءَتْ من السكر فضية ... وهي من الأدهان تبريه) (قد وَهَبَ الليلُ لها بُردهُ ... وَوَهَبَ الخصبُ لها زيه) وقلت في ذم الباذنجان: (قرانا بقولاً إذ أنخنا ببابهِ ... فأصبحَ فينا ظالماً للبهائمِ) (وقفنا عليهِ الركبَ نسأله القِرى ... ونحنُ على أعناقِ أغبر قاتمِ) (فصامَ وصومُ الليلِ ليس بجائزٍ ... وإن جازَ في فقهِ اللئامِ الأشائمِ) (أجازَ صيامَ الليلِ حينَ استفزَّهُ ... تعاورُ ضيفٍ في دُجى الليل عاثم) (فبتنا أديمَ الليلِ نطوي على الطوى ... كأنا على غبراءَ من ظهرِ واشمِ) (وأطعمنا لما مرقنا من الدُّجى ... دحاريجَ لا تنساقُ في حلقٍ طاعم) (مُدَوّرَةًُ سودَ المتونِ كأنها ... خصى الزَّنج لاحت تحت فِيَش قوائمِ) (فأبشارها تحكي بطون عقاربِ ... وأرؤسها تحكي أنوفَ محاجمِ) وأخبرنا أبو أحمد حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا نصر قال قال الأصمعي قيل للفاخري أي التمر أجود؟ قال الجرد الفطس الذي كأن نواه ألسن الطير تضع الواحدة في فيك فتجد حلاوتها في كعبك يعنى الصيحاني تمر العلية. وأخبرنا أبو أحمد حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أبي حدثني عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال اجتمع أربعة رهط سروي ونجدي وحجازي وشامي فقالوا تعالوا نتناعت الطعام أية أطيب: قال الشامي إن أطيب الطعام ثريدة موسعة زيتاً تأخذ أدناها فيضرط عليك أقصاها تسمع لها وقيباً في الحنجرة كتقحم بنات المخاض في الخرف، قال السردي إن أطيب الطعام خبز بر في يوم قر على حمر عشر موسع سمناً وعسلا. فقال الحجازي أطيب الطعام خنس فطس بإهالة حمس يغيب فيها الضرس. فقال النجدي أطيب الطعام بكر سنمة مغتبطة نفسها

стр. 298

غير ضمنة في غدة شبمة بشفار خدمه في قدور جذمه. ثم قال الشامي دعوني أنعت لكم الطعام إذا أكلت فابرك على ركبتيك وافتح فاك وأجحظ عينيك وامرح أصابعك وعظم لقمتك وأحتسب نفسك. قال عبد بن دينار ما سمعت ابن عمر حدث هذا الحديث قط فبلغ قول الشامي (واحتسب نفسك) إلا ضحك. وقلت في عصيدة: (وعدتُ عصيدةً شقراءَ تحكي ... طرارَ الصبح في ثوبِ الظلامِ) (تراها حينَ تبرزُ في ظلام ... كعرفِ الطرفِ في زمنٍ قتامِ) (كذي دلٍ عليهِ مصفراتٌ ... يدلُ على المشوقِ المستهام) (فما أن صبا قلبي إليها ... ومدّت نحوها عين اهتمامي) (تقاصرَ دونها كفايَ حتى ... كأنَ الدبسَ علقَ بالغمام) (فدونَ السمن أطرافُ العوالي ... ودونَ النار بادرةُ الحسامِ) (أتلك عصيدةٌ أم طيفُ سلمى ... فليسَ يزورُ إلا في المنامِ) وقلت في سكمة طرية: (يقيضُ للمكتوب ماجرَ حتفه ... فجازَ بنا في الغيضِ شرَّ مجازِ) (بعثنا إليه منسر الباز فانثني ... إلينا بظهرٍ مثل جؤجؤ بازِ) (فأطفأ نيرانَ الطهاةِ كأنها ... سحابٌ يسحُّ الودقَ فوق عزازِ) العزاز: الأرض الصلبة. وقال كشاجم في السمك: (ومحجوبةٍ في البحرِ عن كلَ ناظرٍ ... ولكنها في حجبها تتحطفُ) (أخذنا عليهنَ السبيلَ بأعينٍ ... راصد إلا أنها ليسَ تطرفُ) (فجاءَ بها بيضَ المتونِ كأنها ... خناجرُ في إيمانِنا تتعطفُ) أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن القاسم عن الأصمعي قال دخلت على الرشيد وهو يأكل الفالوذ فقال يا أصمعي هل قالت العرب في هذا شيئاً؟ فقال يا أمير المؤمنين وأنى لها هذا ولكن قالت فيما دونه، قال وما وقالت؟ قال قال مُزرد

стр. 299

ابن ضرار أخو الشماخ: (ولما عدتْ أمي تزورُ بناتها ... أغرتُ على العِكم الذي كان يُمنعُ) (خلطتُ بصاعي حنطةٍ صاعَ عجوةٍ ... إلى صاعِ سمنٍ فوقها يتربعُ) (ودبلتُ أمثالَ الأثافي كأنها ... رؤوسُ نُقادٍ قُطعتْ يومَ تجمّعُ) (وقلتُ لبطني أبشري اليومَ إنهُ ... حمى آمناً مما تفيدُ وتجمعُ) (فإن تك مصفوراً فهذا دواؤهُ ... وإن تك جوعاناً فذا يوم تشبعُ) فضحك الرشيد وقال يا أصمعي ما لدينا ليس فيها مثلك حسن، فدعوت له وفضلته على الملوك بالعلم، فقال يا أصمعي نحن كل يوم نشبع. ومما يجري مع هذا القول في الرحا: فمن أجود ما قيل فيها ما أنشدناه أبو أحمد: (عجبتُ من سائرةٍ لا تبرحُ ... ينهاك عن ركوبها من ينصحُ) (دائبة تمسي بحيثُ تصبحُ) والحمد لله وحده. ٣ - (الفصل الثالث) (في ذكر الشراب وما يجري معه من رقيق المعاني) للقدماء في صفة الخمر قول الأعشى (تريك القذى من دونها وهي دونه) يريد أنها من صفائها تريك القذى عالية عليها وهي في أسفلها. ومن أطرف ما قيل في صفاء الخمر قول أبي نواس: (ترى حيثما كانتْ من البيتِ مشرقا ... وما لم تكن فيه من البيتِ مغربا)

стр. 300

(إذا عبَ فيها شاربُ القوم خلتهُ ... يقبلُ في داج من الليل كوكبا) أخذه ابن الرومي فقال وأحسن: (ومهفهفٍ تمتْ محاسنهُ ... حتى تجاوزَ منيةَ النفسِ) (وكأنهُ والكأسُ في فمهِ ... قمرٌ يقبلُ عارضَ الشمسِ) فجعل الشارب قمراً وليس هذا في بيت أبي نواس. وقال أبو نواس يذكر صفاء الخمر ورقتها وحبابها: (فإذا ما اجتليتَها فهباءٌ ... يمنعُ الكفّ ما يبيحُ العيونا) (ثم شجتْ فاستضحكت عن جمان ... لو تجمعنَ في يدٍ لاقتنينا) (في كؤوس كأنهنَ نجومٌ ... دئرات بروجها أيدينا) (طالعاتٌ مع السقاةِ علينا ... فإذا ما غرينَ يغربنَ فينا) (لو ترى الشَّربَ حولها من بعيدٍ ... قلتَ قومٌ من قِرّةٍ يصطلونا) وقلت في لطافة الخمر والزجاجة: (قلتُ والراحَ في أكفَ الندامى ... كنجوم تلوحُ في أبراجِ) (أمداماً فرطتم لمدام ... أم زجاجاً سبكتمُ في زجاح) (وكأنَ النجومَ والليلُ داج ... نقشُ عاج يلوحُ في سقف ساجِ) ومن أعجب ما قيل في صفائها قول الناشيء (فليس شئ عندها إلا القذى ... ) وقلت: (ومشمولةٍ دارت عليَ كؤوسها ... فرحتُ كأني في مدارِ الكواكبِ) (أنازِعُها بدراً مع الليلِ طالعاً ... وليسَ بمردودٍ مع الصبحِ غاربِ) (وقد شابَ لينا بالشماسِ وإنما ... تطيبُ لك الصهباءُ من كفَ قاطب) وأنشدني أبو أحمد: (فنبهتني وساقي القوم يمزجها ... فصارَ في البيتِ للمصباح مصباحُ)

стр. 301

(قلنا على علمنا والشكُ يغلبنا ... أراحنا درانا أم درانا الراح) ومثله قول البحتري: (فأضات تحتَ الدُجنة للشربِ ... وكادت تضئ للمصباح) ِ ... وأحسن ما وصفت به كأس على فم قول ابن المعتز: (ظبيٌ خليٌ من الأحزانِ أو دعني ... ما يعلمُ اللهُ من حزنٍ ومن قلقٍ) (كأنهُ وكأنَ الكأسَ في فمه ... هلالُ أولِ شهر غاب في الشفق) وقول الآخر (كأنما الكأسُ على ثغرها ... موصولةً بالأنملٍ الخمسِ) (ياقوتةٌ صفراءُ قد صيرتْ ... واسطةً للبدرِ والشمسِ) (قد ذهبتْ نفسي على نفسها ... وآفةُ النفس من النفسِ) وقلت: (فيسقيني ويشربُ من عقيق ... خليق أن يَشبّهَ بالخلوقِ) (كأنَ الكأسَ من يدهِ وفيه ... عقيقٌ في عقيقٍ في عقيقٍ) الكأس الحمراء مثل العقيق واليد المخضوبة كالعقيق والشفة مثل العقيق في لونها. وقلت: (ودارَ الكأس في يدِ ذي دلال ... رشيق القدِّ يعرفُ بالرّشيقِ) (يحلي بالتبسم درَ ثغر ... تخلله شوابيرُ العقيقِ) (رأيتُ الكأسَ في يده وفيه ... وجنحُ الليل منصرف الفريقِ) (ففي فمه هلالٌ في غروبِ ... وفي يدهِ الثريا في شروقِ) وأحسن ما قيل في الشروق وأتمه قول ابن الرومي وأتى بشئ لم يسبق إليه وهو تشبيه الحباب بفلق اللؤلؤ وهو على الحقيقة تشبيهه والناس قبله إنما شبهوه باللؤلؤ الصحيح، وهو قوله: (لها صريحٌ كأنهُ ذهبُ ... ورغوةٌ كاللالئ الفِلقِ) فشرحت ذلك وقلت: (وكأس تمتطي أطرافَ كفٍ ... كأنَ بنانها من أرجوانِ)

стр. 302

(أنازعها على العلاتِ شرباً ... لهنَ مضاحكٌ من أقحوانِ) (يلوحُ على مفارقها حبابٌ ... كأنصافِ الفرائدِ والجمان) وفي هذا زيادة لأن في الحباب ما هو كبير يشبه بأنصاف الفرائد وهي كبار اللؤلؤ، ومنه ما هو صغير يشبه بأنصاف الجمان وهي صغار اللؤلؤ: (وطالعني الغلامُ بها سحيراً ... فزادَ على الكواكبِ كوكبانِ) (ووافقها بخدٍ أرجوان ... وخالفها بفرع أرجواني) وأغرب ما قيل في الحباب قول أبي نواس: (فإذا علاها الماءُ ألبسها ... حبباً كمثلِ جلاجلِ الحجلِ) (حتى إذا سَكنت جوامحها ... كتبت يمثل أكارع النمل) ومن غريب ذلك وبديعه قول الأول ويقال إنه ليزيد بن معاوية: (وكأس سباها التجرُ من أرضِ بابلٍ ... كرقةِ ماءِ المزنِ في الأعينِ النجلِ) (إذا شجّها الساقي حسبتَ حبابها ... عيونَ الدبا من تحت أجنحةِ النملِ) وأبدع ما قيل في الحباب قول أبي نواس: (قامت تريني وأمرُ الليلِ مجتمعٌ ... صُبحاً تولدَ بينَ الماءِ واللهبِ) (كأنَ صغرى وكبري من فواقعها ... حصباءُ دُرّ على أرضٍ من الذهبِ) وخطأه النحويون في قوله (كبرى وصغرى من فواقعها، وأخذه ابن المعتز فقال: (يا خليلي سقياني فقد لاحَ ... صباحٌ وأذّنَ الناقوسُ) (من كميتٍ كأنها أرضُ تبرٍ ... في نواحيه لؤلؤٌ مغروسُ) وقلت: (راحٌ إذا ما الليل مدَ رواقهُ ... لاحَتْ تطرزُ حُلةَ الظلماء) (حتى إذا مُزِجَتْ أراك حبابها ... زهراتِ أرضٍ أو نجوم سماءِ) وقلت في المعنى الأول

стр. 303

(تبيتُ لي اللذاتُ معقودةَ العرى ... إذا ما أدَارَ الكأسَ أحورُ عاقدُ) (يدبُ الدُجى عن وجهِ نارٍ تحلهُ ... كؤوس لأعناقِ الليالي قلائدُ) وقال ابن المعتز: (قد حثني بالكأسِ أولَ فجره ... ساقٍ علامةُ دينهِ في خصره) (فكأنَ حُمرةَ لونها من خدّه ... وكأنَ طيبَ نسيمها من نشره) (حتى إذا صَبَ المِزاجَ تبسّمت ... عن ثغرِها فحسبتهُ من ثغره) وقال: (للماء فيها كتابةٌ عجبُ ... كمثل نقشٍ في فصَ ياقوتِ) وقلت (دارَ في الكأس عقيقٌ فجرى ... واطفُ الدرُ عليهِ فطفح) (نصب الساقي على أقداحها ... شبكَ الفضةِ تصطادُ الفرح) وقال ابن الرومي في لطافتها: (لطفتْ فقد كادتْ تكونُ مشاعةً ... في الجوَ مثل شعاعها ونسيمها) ومن الاستعارة البديعة قول ابن المعتز: (فأضحك عن ثغر الحباب فم الكأس) وقلت: (وشراب طوى الزمانَ فحاكى ... نفسَ الوردِ رقَّةً ونسيما) (إن يكنْ بالعقول غيرُ رحيم ... فهو بالروُّح لا يزالُ رحيما) ومن أحسن ما قيل في خيال الكأس على اليد قول بعض المحدثين: (كأنَ المديرَ لها باليمين ... إذا قام للسقي أو باليسارِ) (تَدَرَعَ ثوباً من الياسمين ... لهُ فردُ كم من الجلنارِ) وقال السري في معناه: (وبكر شربناها على الوردِ بُكرةً ... فكانت لنا ورداً على خيرِ موردِ) (إذا قامَ مبيضُ الجبين يُديرها ... توَهمته يسعى بكمٍ مُوَرَّدِ) وقال البحتري: (ألا ربما كأس سقاني سلافها ... رهيفُ التثني واضح الثغر أشنبُ) (إذا أخذتْ أطرافه من قنوها ... رأيت اللجينَ بالمدامة يذهب)

стр. 304

وقلت: (وقد شغلت كلتا يديه بقهوة ... فقلت أرى نجمين أم قدحينِ) (كأنَ خيالَ الكأسِ فوقَ ذراعه ... غشاءٌ من العقيان فوقَ لجينِ) وقلت أيضاً: (يسعى إليَّ مقرطقٌ في كفهِ ... كأسٌ وبينَ جُفونهٍ كأسانِ) (وتناسبتْ فيها بغيرِ قرابةٍ ... كفُ المدير ووجنةُ الندمان) وما أحسن ما قيل في الزجاجة ورقتها وصفائها قول بعضهم: (رقَ الزجاجُ وراقت الخمرُ ... وتشابها فتقاربَ الأمرُ) (فكأنها خمرٌ ولا قَدحٌ ... وكأنهُ قدحٌ ولا خمرُ) وقال ابن المعتز في رقة الخمر وصفائها وذكر الكأس ولطافتها: (وكأس تحجبُ الأبصارُ عنها ... فليسَ لناظرٍ فيها طريقُ) (كأنَ غمامةً بيضاءَ بيني ... وبين الرَّاح تحرقها البروقُ) وقلت: (وندمان سقيت الرَّاح صرفاً ... وجنحُ الليل مرتفعُ السجوفِ) (صفتْ وصفتْ زجاجتها عليها ... لمعنى دَقَ في ذهنٍ لطيفِ) وليس هذا التشبيه بالمختار ولو أن بعض الناس يستملحه لأنه أخرج ما يرى بالعيان إلى ما يعرف بالفكر. وقال بعضهم: (خفيتْ على شرابها فكأنهم ... يجدون رَيّا من إناءٍ فارغِ) وقال غيره: (وزَّنا الكأسَ فارغةً وملأى ... فكان الوزنُ بينهما سواء) وقال ابن الرومي: (لطفتْ فقد كادَتْ تكونُ مُشاعةً ... في الجوَ مثل شعاعها ونسيمِها) وقلت: (حملتْ بخنصرها إناءَ مدامةٍ ... صفراء تلمعُ في زجاجٍ أقمرِ) (فكأنها واللحظُ ليس يحورها ... شمسُ النهار تختمتْ بالمشتري) ومن أجود ما قيل في الأباريق وفضول الكأس وأنشده إسحاق:

стр. 305

(كأنَ أباريقَ المدام لديهم ... ظباءٌ بأعلى الرقمتينِ قيامُ) (وقد شربوا حتى كأنَ رقابهم ... من اللينِ لم يخلقْ لهنَ عظامُ) وقد أحسن مسلم في قوله: (إبريقنا سلبَ الغزالةَ جيدها ... وحكى المديرُ بمقلتيه غزالا) وأحسن الآخر وينسب إلى بشار: (كأنَ إبريقنا والقطرُ في فمه ... طيرٌ تناول ياقوتاً بمنقارِ) إلا أن قوله (طير) ردئ والجيد طائر، وأجازه أبو عبيدة ولم يجزه غيره وقلت (تضحك في اكأس أباريقنا وحسب ما يضحكن يبكينا) (كأنَ أعلاها إذا أسفرتْ ... تعقد في الكأس تلابينا) وأول من شبه الابريق بالأوز لبيد في قوله ولم يذكر الخمر (تُضَمَّنُ بِيْضاً كالإوَزِّ ظروفُها ... إذا تأقوا أعناقها والحواصلا) ٥ فأخذه بعضهم فقال: (ويوم كظلَ الرُمح قصرَ طولهُ ... دمُ الزَّقَّ عنا واصطكاكُ المزاهرِ) (كأنَ أباريقَ المدام عشيبةً ... إوزٌّ بأعلى الطفَ عوجُ الحناجرِ) وقال أبو الهندي: (سيغنى أبا الهنديِّ عن وطب سالم ... أباريق لم يعلقْ بها وضرُ الزبدِ) (مقدمة قزاً كأنَ رقابها ... رقابُ بناتِ الماء تفزع للرَّعدِ) وقوله (تفزغ للرعد) زيادة على ما تقدم) وأما فضول الكؤوس فأحسن ما قيل فيها قول أبي نواس: (قرارتهُا كسرى وفي جنباتها ... مهاً تدريها بالقسى الفوارسُ)

стр. 306

(فللخمر مازرتْ عليه جيوبهم ... وللماء ما دارتْ عليه القلانسُ) وقال السري الموصلي: (كأنَ الكؤوسَ وقد كللتْ ... بفضلاتهنَ أكاليلُ نورِ) (جيوبٌ من الوشيِ مزرورةٌ ... يلوحُ عليها بياضُ النحورِ) فجئت به في بيت وقلت: (وبيضٌ تهاوى في مزعفرةٍ صغر ... وهبتُ لها قلبي وأخدمتها فكري) (فدارتْ بأقداح كأنَ فضولها ... سوالفُ تبدو من معصفرةٍ حمرٍ) وقال السري أيضاً: (وصفراءُ من ماءِ الكرومِ شربتُها ... على وجهِ صفراءِ الغلائلِ غضةِ) (تبدتْ وقضلُ الكاس يلمع ساطعا ... كأترجه زينت بإكليل فضة) وقال الناشئ: (ملوك ساسانَ على كأسها ... كأنها في عزَ سلطانها) (فخمرُها من فوقِ أذقانها ... وماؤها من فوقِ تيجانها) يصف كأساً نقش فيه صور ملوك ساسان. ومن أجود ما قيل في صفة صفاء الإناء وحسنه مع صفاء الخمر قول ابن المعتز: (غدا بها صفراء كرخية ... كأنها في كأسِها تتّقِد) (فتحسبُ الماءَ زجاجاً جرى ... وتحسبُ الأقداحُ ماءً جمدْ) ومن أجود ما قيل في صوت الأباريق ما أنشدناه أبو أحمد: (وقد حجت الغيم السماء كأنها ... يمدُ عليها منهُ ثوبٌ ممسكُ) (ومجلسنا في الجوَ يهوي ويرتقي ... وإبريقنا في الكأس يبكي ويضحكُ) ومن أحسن ما قيل في ابتداء السكر قول بعضهم: (ولها دبيبٌ بالعظام كأنَّه ... فيضُ النعاسِ وأخْذهُ بالمفصلِ) (عبقت أكفهمُ بها فكأنما ... يتنازعونَ بها سخاب قرنفل) وقال أبي نواس:

стр. 307

(فأرسلتْ من فم الابريق صافيةً ... كأنما أخذُها بالعينِ إغفاءُ) وقوله: (ثم لما مزَجوها ... وثَبَتْ وثْبَ الجرادِ) (ثم لما شربُوها ... أخذَتْ أخذَ الرّقادِ) ومن شعر المتقدمين قول الأخطل: (أناخوا فجرُ شاصياتٍ كأنها ... رجالٌ من السودانِ لم يتسربلوا) (لم يتسربلوا) تتميم حسن، والبيت من أحسن ما قيل في الزقاق: (فقلت اصبحوني لا أبا لأبيكم ... وما وضعوا الأثقالَ إلا ليفعلوا) (تدبُ دبيباً في العظام كأنهُ ... دبيبُ نمال في نقاً يتهيلُ) أحسن ما قيل في خروج الخمر من المبزال قول أبي نواس: (وخندريسٌ باكرت حانتها ... فودّجوا خصرها بمبزالِ) (فسالَ عرقٌ على ترائبها ... كأنَ مجراهُ فتلُ خلخالِ) وقال ابن المعتز: (تخرج من دنَّها وقد حدبت ... مثل هلالٍ بدا بتقويس) وقوله (بدا بتقويس) فضل لا يحتاج إليه لأن الهلال لا يبدو إلا بتقويس. وقال: (جاءتك من بيتِ خمارٍ بطينتها ... صفراء مثل شعاعِ الشمسِ تتقدُ) (فأرسلتْ من فم الإبريق فانبعثت ... مثل اللسانِ بدا واستمسك الجسدُ) إلا أن هذا في وصفها جارية من فم الإبريق، وقال في المعنى الأول: (سعى إلى الدَنَ بالمبزال يبقره ... ساق توشح بالمنديل حينَ وثب) (لما وجاها بَدتْ صفراء صافية ... كأنَّه قدَّ سيراً من أديم ذهب) وقلت: (قد بزل الدَنَ فقومي انظري ... زنجيةً تفتلُ خلخالا) (واسقنيها واشربي واطربي ... وجرّري في الهواء أذيالا) (تنعمي ما أسطعتِ واستمتعي ... إنَّ وراءَ المرءِ أهوالا)

стр. 308

أبلغ ما قيل في الكبر الذي يعتري المنتشي قول الأخطل يخاطب عبد الملك: (إذا ما نديمي علني ثمَ علّني ... ثلاث زجاجاتٍ لهنَ هديرُ) ( ... خَرَجتُ أجرُ الذيلَ حتى كأنني ... عليك أميرَ المؤمنينَ أميرُ) وإنما صار ذلك أحسن من غيره لأنه خاطب به ملك الدنيا وقال أنا أمير عليك في ملك الحال. والأصل فيه قول حسان: (ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسداً ما ينهنهنا اللقاءُ) هذا الشعر للمخبل اليشكري: (وإذا سكرتُ فإنني ... ربُ الخورنقِِ والسريرِ) (وإذا صحوتُ فإنني ... ربُ الشويهةِ والبعيرِ) وأجاد ابن الرومي القول في تفسيح أمل السكران حتى يأمل ما لايجوز وجدوهُ وهو قوله: (ومدامةٍ كحشاشةِ النفسِ ... لطفتْ عن الإدراك والحسَ) (لنسيمها في قلبِ شاربِها ... روحُ الرجاءِ وراحةُ النفسِ) (وتمدُ في أمل ابن نشوتها ... حتى يؤمل مرجع الأمسِ) وأجود ما قيل في صفة السكران قول عبد الله بن عبد الله بن عتبة: (وشربك من ماءِ الكرومِ كأنهُ ... إذا مجَ صرفا في الإناء خضابُ) (صريعُ مدامٍ والندامى يلونهُ ... وفي الشدقِ قيءٌ سائل ولعاب) وقريب منه قول الآخر في حماد الرواية: (نِعم الفتى لو كانَ يعرفُ ربهُ ... ويقيمُ وقتَ صلاتهِ حمادُ) (هدلتْ مشافرُه المدامَ وأنفهُ ... مثل القدُوم يسنها الحدادُ) (وابيضَّ من شربِ المدامةِ وجههُ ... فبياضهُ يومَ الحسابِ سوادُ) وأبدع ما قيل في صفة أنف السكران إذا تورم من السكر قول الآخر: (وشربتَ بعد أبي ظهير وابنه ... سكر الدَنان كأنَ أنفك دمَل)

стр. 309

ومن جيد ما قيل في مبادرة اللذات قول أحمد بن أبي فنن: (جَدَّدِ اللذاتِ فاليوم جديد ... وامض فيما تشتهي كيفَ تريدُ) (اله إن أمكنَ يوم صالح ... إنَّ يومَ الشربِ لا كان عتيدُ) وقال ديك الجن: (تمتع من الدُنيا فأنك فإنك ... وإنك في أيدي الحوادثِ عاني) (ولا تنظرن اليوم لهوا في غد ... ومن لغدٍ من حادث بأمان) ِ ... (فإني رأيتُ الدَهرَ يسرعُ بالفتى ... وينقله حالينِ يختلفان) (فأما الذي يمضي فأحلامُ نائم ... وأما الذي يبقى له فأماني) ونحوه قول عمران بن حطان: (يأسفُ المرء على ما فاتهُ ... من لباناتٍ إذا لم يقضها) (وتراهُ فرحاً مستبشراً ... بالتي أمضى كأنْ لم يمضها) (عجباً من فرح النفسِ بها ... بعدَ ما قد خرجتْ من قبضها) ِ ... (إنها عندي أحلام الكرى ... لقريب بعضها من بعضها) وقال ابن المعتز: (وبادر بأيام السرورِ فإنها ... سراعٌ وأيامُ الهموم بطاءُ) (وخَلَ عتابَ الحادثاتِ لوجهها ... فإنَ عتابَ الحادثاتِ عناءُ) (تعالَوا فسقوا أنفساً قبل موتها ... ليالي ليأتي ما وهنَ وراءُ) ونحر عجير السلولي جمله لأصحابه وجعل يشرب معهم ويقول: (عللاني إنما الدُنيا عللْ ... واتركاني من عتاب وعذلْ) (وانشلا ما اغبرَّ من قدريكما ... واسقياني أبعد اللهُ الجمل)

стр. 310

وقال أحمد المادرائي: (عاقر الراحَ ودع نعتَ الطللْ ... واعصِ من لامك فيها وعذْل) (غادها واسعَ لها واغرَبها ... وإذا قيلَ نصاباً قل أجلْ) (إنما دنياك فاعلمْ ساعةٌ ... أنتَ فيها وسوى ذاك أملْ) ولابن بسام: (واصلْ خليلك وإنما الدُنيا ... مواصلةُ الخليل) (وانعم ولا تتعجل المكروهَ ... من قبلِ النزولِ) (بادرْ بما تهوى فما ... تدري متى وقتُ الرحيل) (وارفض مقالةَ لاثم ... إنَ الملامَ من الفضولِ) وقد أجاد ديك الجن في قوله يصف السكر، واسمه عبد السلام بن رغبان الحمصي: (أستغفرُ اللهَ لذنبي كله ... قتلتُ إنسانا بغيرِ حلَّه) (وانصرمَ الليلُ ولم أصلهِ ... والسكرُ مفتاحٌ لهذا كلِّه) قد أوطأ إلا أنه أصاب المعنى. وقال أيضاً: (مشعشعة من كفَ طبيٍ كأنما ... تناولها من خَدهِ فأدارها) (فظلتْ بأيدينا نتعتعُ روحها ... وتأخُذُ من أقدامنا الرَاحُ ثارها) وهذا معنى بديع حسن أخذه أبو تمام منه وكان كثير الأخذ منه فقال: (إذا اليدُ نالتها بوترٍ توَقَدَتْ ... على ضعفها ثم استقادَتْ من الرجلِ) وبيت عبد السلام أجود منه. أحسن ما قيل في وصف الساقي إذا أخذ الكأس قول الآخر:

стр. 311

(كأنهُ والكأسُ في كفهِ ... بدرٌ إلى جانبهِ كوكبُ) وقلت: (وطالعني الغلامُ بها سحيراً ... فزادَ على الكواكبِ كوكبانِ) ومما يدخل في مختار هذا المعنى قول ابن الرومي (ومهفهف تمت محاسنه) وقد مر. ولم أسمع في هذا المعنى أجود من قول الآخر: (فكأنهُ وكأنها وكأنهم ... قمرٌ يدورُ على النجومِ بأشمسِ) ومثله في الجمع قول الآخر: (فالكفُ عاجٌ والحبابُ لآليءٌ ... والراحُ نيرٌ تبرء والزجاجُ زبرجدُ) وأجود ما قيل في قيام السقاة بين الندامى قول ابن المعتز: (بينَ أقداحِهمْ حديثٌ قصير ... هو سحرٌ وما سواهُ الكلام) (وكأنَ السقاةَ بينَ الندامى ... ألفاتٌ بينَ السطورِ قيامُ) فشبه اصطفاف الشرب جلوساً بالسطر والسقاة بينهم بالألفات فأحسن. ومن البارع الداخل في هذا الباب قول عنترة: (وإذا سكرتُ فإنني مستهلكٌ ... مالي وعرضي وافرٌ لم يكلمِ) (إذا صحوتُ فما أقصِّر عن ندىً ... وكما علمتِ شمائلي وتكرُّمي) أخذه البحتري فزاد عليه في قوله: (ومازلت خلاً للندامى إذا انتشوا ... وراحوا بدوراً يستحثونَ أنجما) (تكرمت من قبلِ الكؤس عليهم ... فما اسطعنَ أن يحدثن فيك تكرُّما) والزيادة أن عنترة ذكر أنه يستهلك ماله إذا سكر، والبحتري ذكر أنه تكرم قبل الكؤوس فيبالغ حتى لا تستطيع الكؤوس أن تزيده تكرماً. ومن أطرف ما قيل في حسن الندامى قول بعضهم: (لقد علمَ الريحانُ والرَّاحُ أنني ... على الكأس والندمانِ غير جهولِ) (فإن ساءني منهمْ مقامٌ غفرتهُ ... ولستُ إلى ما ساءَهم بعجولِ) قوله (لقد علم الريحان والراح أنني ... ) في غاية الظرف وشبيه البيت

стр. 312

الثاني قول الآخر: (ليسَ من شأنهِ إذا دراتِ الكأسُ ... فأزرى ادمانهُ بالحلومِ) (قولُ ما أسخط النديمَ وإن أسخطهُ ... عند ذاك قولُ النديم) إلا أن في هذين البيتين عيبين أحدهما التضمين والآخر قول عند ذاك وهي زيادة لا يحتاج إليها. وقال يحيى بن زياد: (ولستُ له في فضلة الكأسِ قائلاً ... لأصرفهُ عنها تحس وقد أبى) (ولكن أحيِّيه وأكرمُ وجهه ... وأشربُ ما أبقى وأسقيهِ ما اشتهى) (وليسَ إذا ما نام عندي بموقظٍ ... ولا سامع يقظان شيئاً من الأذى) وهذا جامع جداً. ومن جيد ما قيل في مدح النديم قول أعرابي وقد قيل له: كم تشرب من النبيذ؟ قال على قدر النديم. ومن المنظوم قول بعضهم: (ورضيع راضعت في كبرِ السن ... فأضحى أخاً لدىَ مطاعا) (لم يكنْ بيننا رضاعٌ ولكنْ ... صيرتْ بيننا المدامُ رضاعا) وهو من قول الناشئ: المدام الرضاع الثاني. ويقولون ذكرُ الرجل عمره الثاني ٠ وروى ابن عون عن ابن سيرين أنه قال: لا تكرم أخاك بما يشق عليه، قالوا معناه لا تسقيه من النبيذ ما لا يقوم به ٠ وجعل آخر النديم قطب السرور في قوله: (أرَى للرَاح حقاً لا أرَاهُ ... لغير الراحِ إلا للنديمِ) (هو القطبُ الذي دارَت عليهِِ ... رَحا اللذاتِ في الزَمنَ القديمِ) وقلت: (لما تبدَّى وَجْههُ ... كالبدرِ من خلل الغمامِ) (وكأنَهُ ضوءُ الصباح يميسُ في خلع الظلامِ) (آثرتُ طاعةَ حبه ... واخترتُ معصيةَ المدام) (لا أستفيدُ من المدام ... سوى منادمةِ الكرام) (فإذا حننتُ إلى الندام ... فقد حننت إلى المدامِ)

стр. 313

(خلق النديم إذا صفا ... أغناك عن صفو المدامِ) وفاخر كاتب نديماً فقال: أنا معونة وأنت مؤونة وأنا للجد وأنت للهزل وأنا للشدة وأنت للرخاء وأنا للحروب وأنت للسلم فقال النديم: أنا للنعمة وأنت للخدمة وأنا للخظوة وأنت للمهنة تقوم وأنا جالس وتحتشم وأنا مؤانس تدأب لمرضاتي وتمسي لما فيه سعادتي فأنا شريك وأنت معين كما إنك تابع وأنا قرين فغلبه وقلت: (ما أعافُ النبيذَ خفية إثم ... إنما عفتهُ لفقدِ النديمِ) (ليس في اللهو والمدامةِ حظٌ ... لكريمٍ دونَ النديمِ الكريمِ) (فتخبر قبلَ النبيذِ نديماً ... ذا خلالٍ معطراتِ النسيم) (وجمالٍ إذا نظرتَ بديع ... وضميرٍ إذا اختبرتَ سليم) وأحسن ما قيل في احمرار لون الشارب من الشعر القديم قول الأعشى: (وسبيئةٍ مما تعتقُ بابلُ ... كدمِ الذَّبيحِ سلبتها جريالها) الجريال: اللون. وقال بعض المحدثين: (نفضت على الأجسام حمرةَ لونها ... وسرتْ بلذَّتها إلى الأرواحِ) وأخذ الناجم قول الأعشى (سلبتها جريالها) فقال: (فخذها مشعشعةَ قهوة ... تصبُ على الليلِ ثوبَ النهارِ) (ويسلُبها الخدُ جريالَها ... فتهديه للعينِ يومَ الخمارِ) إلا أن هذا فيه زيادة وهو قوله (فتهدية للعين يوم الخمار) وهو في صفة حمرة العين من الخمار جيد إلا أن قوله (مشعشة قهوة) ردئ ووجه نظم اللفظ أن يقال قهوة مشعشعة، ألا ترى أنك تقول خمر ممزوجة ولا تقول ممزوجة خمر، وإن كان جائزاً فليسم كل جائز حسن فاعلم ذلك. وقلت: (شقائقٌ كناظرِ المخمور ... وأقحوانٌ كثغور الحورِ) (ونرجسٌ كأنجم الديجور ... )

стр. 314

فشبهت ما يعتري بياض العين والحماليق من الحمرة عند الخمار مع السواد الحدقة بحمرة الشقائق حول سوادها. وقد أحسن أبو نواس في ذكر مزاج الكأس حيث يقول: (ألا دارها بالماءِ حتى تُلينها ... فلنْ تكرمَ الصّهباء حتى تهينَها) (أغالي بها حتى إذا ما ملكتها ... أدلت لا كرام الصديق مصونها) (وصفراء قبلَ المزج بيضاءَ بعدهُ ... كأنَ شعاعَ الشمسِ يلقاكَ دونها) (ترى العينَ تستعفيك من لمعانِها ... وتحسرُ حتى ما تُقل جفونَها) أخذه ابن دريد فقال: (وحمراء قبلَ المزج صفراء بعده ... بَدَتْ بينَ ثوبي نرجس وشقائقِ) (حكتْ وجنةَ المعشوقِ صِرفاً فسلطواِ ... عليها مزاجاً فاكتستْ لونَ عاشق) ومن أجود ما قيل في صفة القيان: (بَدَتْ في نشوةٍ مثل المها ... أدمجنَ إدماجا) (يجاذبنَ من الأردافِ كثباناً وأمواجاً) (وقضباناً من الفضة ... قد أثمرتِ العاجا) (ويسترنَ من الأبشارِ في الدِّيباج ديباجا) (وقد لاثتْ من الكورِ ... على مفرقها تاجا) (فلما طفنَ بالمجلس ... أفراداً وأزواجاً) (تجاذبنَ فغنينك ... أرمالاً وأهزجا) (وحركنَ من الأوتار ... أمساداً وادراجا) (فلا لومَ على قلبك ... إن هيجَ فاهتاج) ومن جيد ما قيل في بحة حلق المغني قوله أيضاً: (أشتهي في الغناء بحة حلقٍ ... ناعم الصوت متعب مكدودِ) (كأنين المحبَ أضعفهُ الشوقُ فضاهى به أنينَ العودِ) (لا أحبُّ الأوتارَ تعلو كما لا ... أشتهي الضربَ لازماً للعودِ)

стр. 315

(وأحبُ المجنبات كحبي ... للمبادي موصولة بالنشيدِ) (كهبوبِ الصبا توسط حالاً ... بينَ حالينِ شدَّة وركودِ) وقد أحسنَ ابن المعتز في صفة أنامل القينة: (وتلفظُ يمناها إذا ضربتْ بها ... وتنثرُ يسراها على العودِ عُنّابا) وقلت: (وهيّجتْ ليَ من شوقٍ ومن فرحٍ ... أيدٍ نثرنَ على الأوتار عُنّابا) (لا عيبَ في العيشِ إلا خوفُ غيبتِكم ... إنَّ السرورَ إذ ما غبتمُ غابا) ومن أحسن ما قيل في وصف المغني قول ابن المعتز: (ومغن ملحقٌ كلَ نفسٍ ... بهواها وهو للسكر عذر) د (لا يمدُ الصوت فيه نفورٌ ... لا ولا يقطعنه منه بهرُ) وأجمع من ذلك قول ابن الرومي: (تتغنى كأنها لا تغني ... من سكون الأوصالِ وهي تجيدُ) (مدَ في شأوِ صوتها نفسٌ كافٍ ... كأنفاسِ عاشقيها مديدُ) (ولها الدَهر لاثمٌ مستزيد ... ولها الدَهر سامعٌ مستعيدُ) وللناجم من أبيات: (مندرة في كلِّ أصواتها ... لا كالتي تندرُ في الندره) وقول الآخر: (إذا وقَع بالعودِ ... زمرنا بالكؤس (له)) فأما أعجب ما قيل في ذم المغني والتنائي من سماعه فقول ابن الرومي: (فظلتُ أشربُ بالأرطال لا طرَباً عليه بل طَلَباً للسّكرِ والنومِ) ومن أحسن ما قيل في مجالس الشرب قول أبي نواس: (في مجلسٍ ضحكَ السرورُ بهِ ... عن ناجذَيه وحلتِ الخمر) وقد أحسن ديك الجن في وقوله: (كأنما البيتُ بريحانه ... ثوبٌ من السندسِ مشقوق)

стр. 316

ومثله قول الصنوبري: (وقد نظم الروض سمطيه من ... سنان نؤيق إلى زجه) (كفرجك خفتان وشي بد ... بياضُ الغِلالة من فرجِهْ) ورأيت قوماً يستحسنون هذين البيتيت وهما بالاستهجان أولى لا لرداءة معناهما ولكن لتكلف ألفاظهما، وليس التكلف أن تكون الألفاظ غريبة وحشية، بل وقد يكون الكلام متكلفا وإن كان ظاهر اللفظ إذا لم يوضع في موضعه وخولف به وجه الاستعمال. وقال السري ولا أعرف في معناه أحسن منه يدعو صديقاً له: (ألستَ ترى ركبَ الغمامُ يُساقُ ... وأدمعه بين الرياضِ تُراقُ) (وقد رقَ جلبابُ النسيمِ على الثرى ... ولكنْ جلابيبُ الغيومِ صفاقُ) (وعندي من الرَيحانِ نوع تحية ... وكأسٌ كرقراق الخلوقِ دهاق) (وذو أدب جلتْ صنائع كفه ... ولكن معاني الشعرِ فيه دقاق) (لنا أبداً من نثره ونظامهِ ... بدائعُ حليٍ ما لهنَ حقاق) (وأغيد مهتزٌ على صحنِ خدِّه ... غلائلُ من صبغِ الحياءِ رقاقُ) (أحاطتْ عيونُ العاشقينَ بخصرهِ ... فهنَ له دونَ النطاقِ نطاقُ) هذا البيت من قول المتنبي: (وخصرٍ تثبتُ الأبصارُ فيهِ ... كأنَ عليهِ من حدقٍ نطاقا) وقد مر، وبيت السري أجود منه سبكاً ونظماً ورصفاً: (وقد نظم المنثور فهو قلادة ... علينا وعقدٌ مذهبٌ وخناق) (وغرفتنا بينَ السحائب تلتقي ... لهن علينا كلة ورواقُ) (تقسم زوارٌ من الهند سقفها ... خفاف على قلب النديم رشاقُ) وليس في هذه الأبيات عيب إلا هذا الأبطاء، وهو من أسهل العيوب التي تعتري القوافي عندهم: (أعاجم تلتذُ الخصام كأنها ... كواعبُ زنجٍ راعهنَ طلاق)

стр. 317

(أنسن بنا أنسَ الأماء تحببت ... وشيمتها غدرٌ بنا وإباقُ) (مواصلة والوردُ في شجراته ... مفارق إلف حانَ منه فراق) (فزر فتيه بردُ الشرابِ لديهمُ ... حميمٌ إذا فارقْتَهم وغساقُ) وقلت: (وليلٍ ابتعتُ به لذَّةً ... وبعتُ فيه العقلَ والدَنيا) (أصابَ فيهِ الوصلُ قلبَ الجوى ... وباتَ فيه الهمُ مسكينا) (وقد خلطنا بنسيم الصبا ... نسيمَ الراح ورياحينا) (واكؤسُ اراح نجومٌ إذا ... لاحتْ بأيدينا هوتْ فينا) (تضحك في الكأس أباريقنا ... وحسبما يضحكنَ يبكينا) (كأن أعلاها إذا كفرتْ ... يعقد الكأس ثلاثينا) وقلت: (هذا حبيبٌ وصول ... وذا رقيبٌ صرومُ) (وذاك شرخُ شبابٍ ... أغرّ وهو بهيم) (وقهوةٌ وغناءٌ ... وسامرٌ ونديم) (فخذ نصيبك منه ... فليس شئ يدومُ) وهذا من أجمع ما قيل في هذا الباب. وقال الصنوبري: (يومٌ ذيولُ مزنه ... على الثرى منسحبه) (بروقهُ سافرةٌ ... وشمسه منتقبه) (فما سيء؟ سماءه ... ضاحكة منتحبه) (طلبتُ أقصى أملي ... منه فنلتُ الطُلبه) (بسيدينِ ارتقيا ... منقبةً فمنقبه) (واتفقا في كنيةٍ ... والتقيا في مرتبه) (نشربها عذراءَ قد ... قامتْ بحقّ الشربه) (أكرمُ ذخرٍ ذخرته ... كرمةٍ في عنبه)

стр. 318

(في مجلس أطنابه ... على العلا مطنبه) (أكرمْ بهِ يوماً مضتْ ... ساعاتهُ المستعذبه) (كلحظةٍ مخلوسةٍ ... وقبلة مستلبة) وقلت: (عندنا طيبٌ وريحانٌ ... ونقلٌ وغناء) (ومن المشروبِ لونانِ ... شمولٌ وطلاء) (ومن اللحم خليطان ... طبيخٌ وشواء) (ومن الحلواء ألوانٌ أحاد وثناء) (ولنا غلمانُ صدقٍ ... أدباءٌ أرباء) (أرسلوا في الصحن ماءً ... فكأنَ الصحنَ ماء) (وانثنوا للحسنِ عدواً ... فحواشيه رداءُ) (فأت ننفِ الهمّ عنا ... إنما الهمُ بلاءُ) (واغتنمْ لذَّةَ يومٍ ... قد تخطاهُ العناءُ) (فهو يطويك ويمضي ... ليسَ للدُّنيا بقاءُ) ومن المشهور في صفة السكارى قول بعضهم: (مشوا إلى الرَّاح مشيَ الرَّخّ وانصرفوا ... والراحُ تمشي بهم مشىَ الفرازين) (غدوا إليها كأمثالِ السهامِ مَضتْ ... عن القسيّ وراحوا كالعراجين) (وكانَ شربهمُ في صدرِ مجلسهم ... شربَ الملوكِ وناموا كالمساكين) ومثل البيت الأول: (راحوا عن الرّاح وقد بدَّلوا ... مشىَ الفرازينِ بمشيِ الرّخاخِ) ومما يجري مع هذا قول الآخر: (تزيدُ حسا الكأس السفيهَ سفاهةً ... وتتركُ أخلاقَ الكريم كماهي) (وإنَ أقلَ الناسِ عقلاً إذا انتشى ... أقلهمُ عقلاً إذا كانَ صاحيا) ومن أحسن ما أنشد في الخيش ما أنشدناه أبو أحمد ولم يسم قائله ورأيته

стр. 319

بعد في ديوان السري: (وقد نشأتْ بينَ الكؤس غمامةٌ ... من الندَ إلا أنها ليسَ تهطلُ) (وعلَ بماء الوردِ خيش كأنهُ ... على جلدهِ ثوبُ العروس المصندلُ) وقلت: (ظبيٌ يروقُ الناظرينَ بأبيضٍ ... وبأسودٍ وبأخضرٍ وبأشكل) (ومقوم مثل القضيبِ مهفهف ... ومعوج كالصولجانِ سيل) (ومفرَّج من خدِّه ومكفر ... ومخلق من شعره ومسلسل) (وبياض وجه بالصباح مقنع ... وسواد فرع بالظلام مكلل) (علقتْ أباريقُ المدام بكفه ... كالبدرِ يعلق بالسماك الأعزل) (وعلا دخانُ الندَ أبيض ساطعاً ... مثل الغمامةِ غير أن لم يهمل) (فكأنما الكاساتُ في حافاته ... شقرُ الخيولِ تجولُ تحت القسطلِ) (ومن أبدع ما قيل في ذلة الغناء قول الناجم: (شدو ألذ من ابتداء ... العينِ في إغفائها) (أحلى وأشهى من مُنى ... نفسٍ وصدقِ رجائِها) وأجود ما قيل في الاصغاء إلى الغناء والسكوت له قول الآخر: (وأصغوا نحوها اللآذان حتى ... كأنهم وناموا نيامُ) ومن عجيب المعاني في الغناء قول أبي تمام: (حمدتكَ ليلة شرفُتْ وطابتْ ... أقام سهادُها ومضى كراها) (سمعتُ بها غناءُ كان أولى ... بأن يقتادَ نفسي من عناها) (ومسمعةً تفوت السمع حسناً ... ولم تصممهُ لايصمم صداها) (مرت أوتارها فشقت وشاقت ... ولو يستطيعُ حاسدها فداها) (ولم أفهم معانيها ولكنْ ... ورتْ كبدي فلم أجهل شجاها)

стр. 320

(فكنتُ كأنني أعمى معنى ... بحبّ الغانياتِ ولا يراها) وكان ينبغي أن يقول (فداها حاسدها) وليس لقوله (فلا يسطيع حاسدها) معنى مختار. وأول من أتى بهذا المعنى حميد بن ثور في قوله: (عجبتُ لها أنى يكون غناؤها ... فصيحاً ولم تفغر بنمطقها فما) (ولم أرَ محقوراً لها مثل صوتها ... أحس وأشجى للحزين وأكلما) (ولم أرَ مثلي شاقه صوتُ مثلها ... ولا عربياً شاقَه صوتُ أعجما) ومن أحسن أوصاف العود إذا احتضن تشبيههم إياه بالولد في حجر أمه وتشبيه إصلاحه بعرك أذنه فمن أحسن ما قيل في ذلك وأجمعه قول بعضهم: (فكأنه في حجرها ولدٌ لها ... ضمتهُ بينَ ترائبٍ ولبان) (طوراً تدغدغ بطنه فإذا هفا ... عركتْ له أذناً من الآذان) ومثله قول الناجم: (إذا احتضنتْ عابثٌ عودَها ... وناغتهُ أحسنَ أن يعربا) (تدغدغُ في مهلٍ بطنهُ ... فتسمعنا مضحكاً معجبا) وذكر الضحك مع الدغدغة جيد. ونظم كشاجم قول الحكماء إن العود مركب على الطبائع الأربع فقال: (شدتْ فجلتْ أسماعنا بمخفّف ... يحدِّثها عن سرِّها وتحدثه) (مشاكلة أوتارهُ في طباعها ... عناصر منها أحدثَ الخلقَ محدثه) (فاللنار منه الزيرُ والأرض بمُّه ... وللريح متناهُ وللماءِ مثلثه) (وكلُ امرئ يرتاحُ منهُ لنغمةٍ ... على حسبِ الطبع الذي منهُ يبعثه) (شكا ضربَ يمناها فظلتْ يسارها ... تطوقهُ طوراً وطوراً ترعِّثه) (فما برحَتْ حتى أرتنا مخارقا ... يجاذبهُ في أسحن النقر عثعثة)
следующие страницы →