Полный текст (608 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قال فما أحسن بيت قيل؟ قال قول جرير:
(وطوى الطراد مع القياد بطونها طي التجار بحضرموت برودا)
قال فما أقبح بيت قيل؟ قال قول جرير:
(ألمَ تَرَ أنَ جمثنَ وَسطَ سعدٍ ... تُسمى بَعدَ قِضتها الرحابا)
(ترى برصَاً بأسفل إسكتيها ... كعنفقةِ الفرَزْدَق حينَ شابا)
قال فما أهجن بيت قيل قال قول جرير:
(طرقتك صائدةُ القلوب وليس ذا ... حين الزيا فارجعي بسلام)
قال فهل تعرف جريراً؟ قال لا ولكن ترد علينا أقاويل الشعراء فلم أرَ شعراً أرق في الوزن ولا أملأ للفم من شعره فقام جرير فقبل رأسه وجعل جائزته في هذا العام له وأضاف عبد الملك إليها مثلها وكتب إلى عامله باليمامة أن ينصف من خصم تظلم منه. وقد قال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
(بدأتم فأحسنتم فأثنيتُ جاهداً ... وإن عدتمُ أثنيتُ والعودُ أحسن)
وقال ابن المعتز أو غيره:
(خليليَّ قد طابَ الشرابُ المبرَّدُ ... وقد عُدتُ بعد النسك والعودُ أحمد)
وقال ابن حبيب دخل رجل من بني سعد على عبد الملك بن مروان فقال له ممن الرجل؟ قال من الذين قال لهم الشاعر:
(أذا غَضبتْ عليكَ بنو تميمِ ... حسبتَ الناسَ كلّهم غِضابا)
قال فمن أيهم أنت؟ قال من الذين يقول لهم القائل:
(يزيد بنو سعد على عدد الحصى ... وأثقل من وزن الجبال حلومها)
قال فمن أيها أنت؟ قال من الذين يقول لهم الشاعر:
стр. 72
(ثيابُ بني عوفٍ طهارى نقيةُ ... وأوجههُم عند المشاهد غُرّانُ)
قال فمن أيهم أنت؟ قال من الذين يقول لهم الشاعر:
(فلا وأبيك ما ظلمت قريع ... بأن يبنو المكارم حيث شاؤا)
قال فمن أيهم أنت؟ قال من الذين يقول لهم الشاعر:
(قوم همُ الأنفُ والأذنابُ غيرهمُ ... ومن يسوّي بأنفِ الناقةِ الذنبا)
قال اجلس لا جلست والله لقد خفت أن تفخر علي. وقالوا أفخر بيت قالته العرب قول الفرزدق:
(ترى الناس ما سرنا يسرون خلفَنا ... وإن نحنُ أومأنا إلى الناس وقَّفوا)
ورواه لنا أبو علي بن أبي حفص (أربأنا) قال والإرباء الإشارة إلى خلف والإيماء إلى قدام، والناس يجعلون هذا البيت لجميل في قصيدته التي يقول فيها:
(وكانت تجيدُ الأسدُ عنا مُخافةً ... فهل يقتلني ذو بنان يطرفُ)
(لقد أخلفت ظني وكانت مخيلة ... وكم من مخيل يرتجي ثم يخلفُ)
(إذا انتهبَ الأقوامُ مجداً فإننا ... لنا مِغرفا مجدٍ وللناسُ مغرفُ)
(وضعنا لهم صاعَ القصاصِ رَهينةً ... بما سوفَ نُوفيه إذا الناسُ طفّفوا)
(ترى الناسَ ما سِرنا يَسيرونَ خلفَنا ... وإن نحنُ أومأنا إلى الناس وقَّفوا)
وكان جميل جيد الافتخار:
(والشاعر المتألي الشاعرون به ... كي يلمسوه وأين اللمسُ من زُحَل)
وعند الناس قصيدته الفائية أحسن وأسلس من قصيدة الفرزدق. وأخذ بعضهم قوله
(وكم من مخيل يرتجى ثم يخلف)
فقال وأحسن:
(ظننتُ به ظناً فقصّرَ دونهُ ... فيا رُب مظنونٍ به الخيرُ يُخْلِفُ)
(وما الناس بالناس الذين عرفتهم ... وما الدارُ بالدار التي كنتُ أعرف)
(وما كلُّ من تَهواه يَهواك قلبه ... وما كلُّ من أنصفته لك منصف)
стр. 73
أخبرنا أبو أحمد عن المبرمان عن أبي جعفر بن العسي عن العسي قال ما أحسن ما مدح به الرجل نفسه قول أعشى ربيعة:
(وما أنا في نفسي ولا في عَشيرتي ... بمنهضمٍ حقي ولا قارع سني)
(ولا مسلمٍ مولايَ عند جنايةٍ ... ولا خائف مولاي من شرِّ ما أجني)
(وإن فؤادي بينَ جنبيَّ عالمٌ ... بما أبصرتْ عيني وما سمعت إذني)
(وفضلي في الشعر اللب أنني ... أقولُ على علمٍ وأعلمُ ما أعني)
(فأصبحتُ إذا فضلت مروانَ وابنه ... على الناس قد فَضلت خيرَ أب وابن)
وأنشدنا أبو أحمد عن أبي بكر عن أبي حاتم عن الأصمعي قال وهو من أجود ما امدح به الرجل نفسه، قال أبو هلال وهو لمسكين الدارمي:
(ورُبّ أمون قد بريت لحاءها ... وقومت من أصلابها ثم رشتُها)
(أقيم بدارِ الحزمِ ما لم أهَن بها ... فإن خفتُ من دار هوانا تركتها)
(وأصلحُ جل المال حتى حسبتني ... بخيلا وإن حق عران أهنتُها)
(ولستُ بولّاجِ البيوتِ لفاقَةٍ ... ولكن إذا استغنيتُ عنها ولجتها)
(إذا قصّرت أيدي الكرامِ عن العلا ... مددتُ لها باعاً طويلاً فنلتُها)
(وعوراء من قيل امرىء ذي عداوةٍ ... تصاممتُ عنها بعد أن قد سمعتها)
(رجاء غدٍ أن يعَطفَ الودُّ بيننا ... ومظلمة مني بجنبي عركتُها)
غيره:
(ومالَي وجهٌ في اللئام ولا يدٌ ... ولكنَّ وجهي في الكرام عريضُ)
(أصح إذا لاقيتهم وكأنني ... إذا أنا لقيت اللئامَ مريض)
وقلت في معناه:
(وخلِّ الجهولَ وبغضي له ... فأني لبيب أُحبُّ اللبيبا)
(يصادُفني الضيف طلقاً ضَحوكاً ... وإن كنت لم أرى بدعا عجيبا)
(وأستعملُ الحلمَ ما لم أكن ... أضبت من الذلِّ فيه نصيبا)
стр. 74
(من الحلمِ ضربٌ إذا رُمته ... لقيتَ من الذلِّ فيه ضروبا)
وأنشدنا أبو أحمد قول أبي هفان
(فإن تسألي عنا فإنا حلى العلا)
ثم قال ليس لقوله
(فإنا حلى العلا)
نظير، وأنشدنا له:
(لعمري لئن بُيِّعت في دار غَربةٍ ... ثيابي إذ ضاقت عليّ المآكلُ)
(فما أنا إلّا السيف يأكلُ جفنَه ... له حليةٌ من نفسهِ وهو عاطل)
وقد زاد في هذا البيت على النمر بن تولب في قوله وهو أول من أتى بهذا المعنى:
(فإن تكُ أثوابي تمزق عن بلى ... فإني كمثلِ السيفِ في خَلَقَ الغمدِ)
ولأبي هفان أيضاً:
(تعجّبَتْ دُرّ من شيبي فقلتُ لها ... لا تعجبي من بياضِ الصبحِ في السَّدف)
(وزادها عجباً أن رحتُ في سَمَل ... وما دَرَت دُرُ أنّ الدرَّ في الصّدفِ)
فرأيت في هذا المعنى تكلفا فقلت:
(عيرتني أن رحتُ في سَملٍ ... والدرُ لا تزري به الصدفُ)
وله أيضاً في هذا المعنى:
(يُعيرني عريي رجالٌ سفاهةً ... فعزيتُ نفسي مصدراً ثم مورِدا)
(بأني مثل السيف أحسن ما يُرى ... وأهيب ما يُلقى إذا هو جُردا)
في ألفاظه فضول لا يحتاج إليها. ومثله في المعنى قول علي بن الجهم أورده في مصراع وهو:
(والسيف أهيبُ ما يُرى مسلولا ... )
ولا أعرف في الافتخار أحسن مما أنشده أبو تمام:
(فقل لزهيرٍ إن شتمتَ سَراتنا ... فلسنا بشتّامِين للمتشتمِ)
(ولكننا نأبى الظلامَ ونعتصي ... بكلِّ رقيقِِ الشفرتين مصمصَم)
(وتجهلُ أيدينا ويَحلمُ رأينا ... ونَشتمُ بالأفعالِ لا بالتكلّم)
هذا أحسن من كل شئ في الافتخار، وقريب من هذا المعنى قول
стр. 75
لقيط بن زرارة:
(أغركمُ أني بأحسنِ شيمةٍ ... بصيرٌ وأني بالفواحشِ أخرقُ)
(وأنك قد ساببتنا فغلبتَنا ... هنيئاً مريئاً أنت بالفحشِ أحذقُ)
أخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الجوهري عن عمر بن شبة قال يروي أنه قيل للفرزدق أي بيت قالته الشعراء أفخر؟ قال قول امرئ القيس:
(فلو أنّ ما أسعى لأدنى مَعيشة ... كفاني ولم أطلب قليلٌ من المالِ)
(ولكنني أسعى لمجدٍ مُؤثَّلٍ ... وقد يُدرك المجدَ المؤثّلَ أمثالي)
قيل له فأيها أحكم قال قوله:
(الله أنجحُ ما طلبتَ به ... والبرُ خيرُ حَقيبةِ الرّجُلِ)
قال فأيها أرق قال قوله:
(وما ذَرّفت عيناكِ إلّا لتضربي ... بسهميكِ في أعشارِ قلبٍ مُقتّل)
قال فأيها أحسن قال قوله:
(كأن قلوبَ الطيرِ رَطباً ويابساً ... لدى وَكرِها العنابُ والحشفُ البالي)
وقالوا أفخر بيت قالته العرب قول كعب بن مالك الأنصاري:
(وببئرِ بدرٍ إذ يردُ وجوهَكم ... جبريلُ تحتَ لوائنا محمد)
ومن يبلغ الافتخار قول الجحاف:
(صبرت سليمٌ للطعانِ وعامرٌ ... وإذا جَزعنا لم نجد من يصبرُ)
(نحن الذين إذا عُلوا لم يَضجروا ... يومَ اللقاَ وإذا عَلوا لم يفخروا)
وقال ضمرة بن ضمرة:
(أذيقُ الصديقَ رأفتي وإحاطتي ... وقد يشتكي مني العداةُ الاباعدُ)
(وذى تِرةٍ أوجعتهُ وسبقته ... فقصر عني سعيهُ وهو جاهدُ)
(قصر وهو جاهد) بليغ جداً، ومنه أخذ المحدثون.
стр. 76
ومن جيد الافتخار بالجود وطيب النفس به قول بعض العرب:
(تُسائلني هوازنُ أينَ مالي ... ومالي غير ما أنفقتُ مالُ)
(فقلتُ لها هوازن إنَّ مالي ... أضرَ به الملماتُ الثَّقالُ)
(أضربه نَعَم ونَعَم قديماً ... على ما كان من مالٍ وبالُ)
المعنى حسن جداً، وفي الألفاظ تكرير شائن. أبلغ ما افتخر به في كثرة العدد قول الأول:
(ما تطلعُ الشمسُ إلاّ عند أولنا ... ولا تغيبُ إلاّ عند أخرانا)
وقول أبي جندب:
(فلو نُزاد ألفَ ألفٍ لم نزد ... ولو فَقدنا مثلهم لم نفتقد)
وهو من أبيات أخبرنا بها أبو أحمد قال أخبرنا أبو بكر بن دريد عن عمه عن أبيه عن ابن الكلبي، وأخبرنا به غيره فأوردنا أجود اللفظين وأصح الروايتين قال بلغني أن عبد الرحمن بن حسان كان يخبر عن أبيه قال خرجت حاجاً في الجاهلية فإذا أنا بشاب حسن العينين وضيء وبشيخ يسابه قال فسبه الفتى ثم إن الشيخ عيره بأن أمه من بني الأصفر فخزي الفتى فبلغ ذلك أمه فأقبلت ترقل إرقال الناقة الصعبة حتى أخذت بمنكبي الشيخ وهزته وقالت:
(سائل وخَلل في إياد بنِ معدَ ... هل كانت الرومُ عبيداً لاحدْ)
(همُ الربيعُ والسَّنام المعتمدْ ... والذُروة العلياءُ والركن الأشدْ)
(وأنت حرميٌ لئيمُ المستندْ ... عُصارة اللؤمِ التي فيها تلدْ)
فسألت عن الشيخ فقيل المغيرة بن عبد الله المخزومي وسألت عن الشاب فقيل ورقة بن نوفل، ثم مررت من فوري حتى آتي منى فإذا رجل على جمل عظيم لايمر بقوم إلاهجاهم لأنه مر بالأوس والخزرج فهامهم لا هجوته فنظر إلى قباب بيض في شرقي الجبل فقال لمن هذه فقيل لقرد بن تميم من هذيل فأمها وقال:
(هل ههنا من ولد قرد من أحدْ ... أعطيهم من رجزي اليومَ وغدْ)
стр. 77
فخرج أبو جندب وهو يقول:
(نِعمَ غلامٌ منهمُ جَلد عَتَد ... إني وربّ الراقصاتِ في السند)
(ينفرن من وقع العصني والقدَد ... إني لذو اليومِ وذو أمسِ وغَدْ)
(وابن هُذيل وابن أشياخِ معدّ ... ثم لِفَهَمٍ ولفهمٍ العدد)
(فلو نزادُ ألفَ ألف لم نزد ... ولو فقدنا مثلهم لم نفتقدْ)
(فارجع إلى مِعزاك تيساً ذا جِيَدْ ... أوفىِ على رأس يقاع فصخد)
قال فحلفت إني لا أهجو أحداً ما دام أبو جندب. حياً والعرب تفتخر بكثرة العدد وتذم قلته قال الأخطل
(الأكثرين حصي والأطيبين ثري)
واحتج السموأل لقلة العدد فأحسن:
(تُعيرنُا أنا قليلٌ عَديدنا ... فقلت لها إن الكرامَ قليلُ)
(وما قلَ من كانت بقاياه مِثلنا ... شبابٌ تسامى للعلا وكهولُ)
(وما ضَرَّنا أنا قليلٌ وجارُنا ... عزيزٌ وجارُ الأكثرين ذليلُ)
وهذه قصيدة في الافتخار ليس لها نظير وإنما تركت إيرادها كلها لشهرتها. ومن أجود ما افتخر به محدث قول أبي تمام:
(لنا جوهرٌ لو خالطَ الأرض أصبحت ... وبطنانها منه وظهرانها تبرُ)
(مقاماتنا وقفٌ على الحِلمِ والحِجا ... وأمردُنا كهلٌ وأشيُبنا حَبرُ)
(إذا زينةُ الدنيا من المالِ أعرضتْ ... فأزينُ منها عندنا الحمدُ والشكرُ)
(ليفخرَ بجودٍ من أرادَ فإنه ... عوانٌ لهذا الخلقِ وهو لنا بِكر)
(جرى حاتمٌ في حلبةِ منه لو جرى ... بها القطرُ يوماً قيلَ أيهما القطر)
(فتى ذخرَ الدنيا أناسٌ ولم يزل ... لها باّذلاً فانظر لمن يقي الذخر)
(ومنها: كماةٌ إذا طل الكماةُ لدى الوغى ... وأرماحهم حُمرٌ وألوانهم صفر)
(بخيلٍ لزيد الخيل فيها فوارسٌ ... إذا نطقوا في مسهبٍ خرسَ الدهرُ)
(طوى بطنها الإسادُ حتى لوانه ... بدا لك ما شكَّكتَ في أنه ظَهر)
стр. 78
(صبيته ما أن تحدثُ نفسها ... بما خلفها ما دامَ قُدّامَها وترُ)
(فإن ذمتِ الأعداءُ سوءَ صباحها ... فليس يؤدي شكرَها الذئُب والنسرُ)
(مساعٍ يضل الشِّعر في طُرقِ وصفها ... فما يهتدي إلاّ لأصغرِها الشعرُ)
(وقوله: مضوا وكأنّ المكرِماتِ لديهم ... لكثرةِ ما أوصَوا بهنَّ شرائعُ)
(بهاليلُ لو عاينتَ فَيضَ أكفهم ... لأيقنتَ أن الرزقَ في الأرضِ واسعُ)
(وأيُّ يدٍ في المجدِ مُدت فلم تكن ... لها راحةٌ من جدوهم وأصابع)
(أصارت لهم أرضَ العدوَ قطائعا ... نفوسٌ لحدَ المرهفاتِ قطائع)
(إذا ما أغاروا فاحتووا مالَ معشرٍ ... أغارت عليهم فاحتوته الصنائعُ)
(فيعطي الذي يعطيهم الجود والقنا ... أكفّ لإرث المكرماتِ موانعُ)
(يمدون بالبيض القواطع أيديا ... وهنَ سواء والسيوف القواطعُ)
وقلما تجد في الافتخار شعراً يداني هاتين القطعتين. وقلت:
(خليليَّ باعُ الدهرِ بالعرُفِ ضيقٌ ... على كلِّ ذي عقل وبالنكرِ واسعُ)
(وواقع نعماه عن الحرَ طائرٌ ... وطائر بلواه على الحرِّ واقعُ)
(متى ما يُصبني بالقوارع طرفهُ ... أصابته هماتي وهُنَ قوارع)
(وهماتُ مثلي للخطوب جوالبٌ ... كما أنهنَ للخطوب دوافع)
(تريك اشتعالاً بالنجوم طوالعاً ... وهُنَ إذا لاحت نجومٌ طوالع)
(وتزري على البيضِ الطوالع أن مضتْ ... وهنّ على العّلاتِ بيضٌ قواطعُ)
(تخافنيَ الأيامُ فهي تخيفني ... وللنكسِ تهديدٌ إذا ريعَ رائعُ)
(ولو كنّ في عيني لما قذيتْ بها ... فكيف ترى أني إذا صلنَ خاشع)
(أتطلعٌ منها في دياري طوالعٌ ... بسوءٍ وهماتي عليها طلائع)
(يقارعُ مني باسلاً ذا حفيظة ... يقومُ إزاء النصرِ حينَ يُقارع)
(فتى بأتمِّ الفضلِ ليس بقانعٍ ... ولكن بأدنى بُلغة العيشِ قانع)
(فما صحبته للأنام صنيعةٌ ... ويصحبهم منه وفيه صنائعُ)
стр. 79
(ولم يتواضع في مصاداةِ منةٍ ... وكلّ مصادي منةٍ متواضعُ)
(له شرفٌ في آلِ ساسانَ باذخٌ ... وذكرٌ بأطرافِ البسيطةِ شائعُ)
إلى أن قلت:
(تؤدبُهُ الأيامُ حين تضرهُ ... وكم ضَررَ للمرءِ فيه منافعُ)
(وما ضاعَ مثلي حيثُ حلت ركابهُ ... بلى حيثُ ضاعَ المجدُ مثلي ضائعُ)
(ومثلي مخضوعٌ له غيرَ أنه ... إذا كان مجهولَ الفضائلِ خاضع)
(ومثليَ متبوعٌ على كلّ حالةٍ ... فإن ينقلبْ وجهُ الزمانِ فتابعُ)
وقال ديك الجن يفتخر بكلب:
(كلبٌ قبيلي وكلبٌ خيرُ من وَلدت ... حواءُ من عرب غُرٍ ومن عجمِ)
(وعيرتنا وما إن طلَّ را؟ كل وحدُّك والدينُ لم يُرم)
(غلاة موته والإشراكُ مكتهلٌ ... والدينُ أمردُ لم ييفع فيحتلم)
(إن تعبسي لدمٍ منا هُريقَ بها ... فقد حقَّنا دمَ الإسلام فابتسمي)
(أقعد وقم عالماً أن لو تطوقها ... بغير أحمدَ لم تقعد ولم تقم)
(أقام حصنٌ عليهم حصن مكرمةٍ ... يرتج طوداه من نُعمى ومن نِقَم)
(إذا غدت خيلهم تستنجد المطي؟ ... لنجدة عُدّتِ الآجال في الحُوم)
(كم عرَضُوا أيدياً بيضاً مُكَرمةً ... للعدم من طولِ ما انتاشوا من العدم)
(أسدٌ يرون الردَى المفضي بأنفسهم ... إلى الثرى عمراً يُفضي إلى الهرمِ)
وقال الحماني:
(ونحنُ سَننا الصبرَ في كلِّ مَوطن ... وحطّتْ مساعينا على حطط الفخر)
وقال:
(بنا يستشارُ العزُّ عن مستقرِّه ... وعن سخِطنا تدنى ألوفُ المتالفِ)
وقال ابن المعتز:
(فقري غنى وشبابي كهلُ ... وكلُ فضلٍ لي عليه فضلُ)
(أشكي لجودي حين يشكي البخلُ)
стр. 80
وقرأت لقابوس بن وشمكير الختلي رسالة في الافتخار والعتاب ليس لها نظير في علوها وإفراطها وهي: الإنسان خلق ألوفا وطبع عطوفا فما بال الاصبهذ لا يحيل عوده ولا يرجى عوده ولا يحال لفيئه مخيلة ولا تحال عن تنكره محلية أمن صخر تدمر قلبه فليس يلينه العتاب أم من الحديد جانبه فلا يميله الاعتاب أخلق من صفاقة الدهر حجر نبوه فقد نبا عليه غرب كل حجاج أو من قساوته إباء مزاج إبائه فقد أبى على كل علاج ما هذا الاختيار الذي يعد الوهم فهما وهذا التمييز الذي يحسب الجهل علما وهذا الرأي الذي يزين له قبح العقوق ويمقت إليه رعاية الحقوق وما هذا الإعراض الذي صار ضربة لازب والنسيان الذي أنساه كل واجب أين الطبع الذي هو للصدور صدود وللتألف ألوف ودود وأين الخلق الذي هو في وجه الدنيا البشر وفي مبسمها الثنايا الغر وأين الحياء الذي يجلى به الكرم وتحلى بمحاسنه الشيم كيف يزهد فيمن ملك عنان الدهر فهو طوع قيادة وتبع مراده ينتظر أمره ليمتثل ويرتقب نهيه ليعتزل وكيف يهجر من تضاءلت الأرض تحت قدمه فصارت له في الانقياد كبعض خدمه إذا رأت منه هشاشة أعشبت وإن أحست منه بجفوة أجدبت وكيف يستغنى عمن خيله العزمات والأوهام وأنصاره الليالي والأيام من هرب منه أدركه بمكائدها ومن طلبه وجده في مراصدها وكيف يعرض عمن تعرض رفاهة العيش بإعراضه وتنقبض الأرزاق بانقباضه وأضاء نجم الاقبال إذا أقبل وأهل هلال المجد إذا تهلل وكيف يزهى على من تحقر في عينه الدنيا وترى تحته السماء العليا وقد ركب عنق الفلك واستوى على ذات الحبك فتبرجت له البروج وتكوكبت لعبادته الكواكب واستجارت بعزته المجرة وآثرت لمحاسنه أوضاح الثريا بل كيف يهون من لو شاء عقد الهواء وجسم الهباء وفصل تراكيب الأشياء وألف بين النار والماء وأخمد ضياء الشمس والقمر وكفاهما عناء السير
стр. 81
والسفر وسد مناخر الرياح الزعازع وأطبق أجفان البروق اللوامع وقطع ألسنة الرعود بسيف الوعيد ونظم صوب الغمام نظم الفريد ورفع عن الأرض سطوة الزلازل وقضى ما يراه على القضاء النازل وعرض الشيطان بمعرض الإنسان وكحل العيون بصور الغيلان وأنبت العشب على البحار وألبس الليل ضوء النهار أولم يعلم أن مهاجرة من هذه قدرته ضلال ومنابذة من هذه صورته خبال وأن من له هذه المعجزات يشتري رضاه بالنفس والحياة ومن يأتي بهذه الآيات يبتغي هواه بالصوم والصلاة ومن لم يتعلق منه بحبل كان بهيماً لا شية به ومن لم يأو منه إلى ظل ظليل ظل صريعاً لا عصمة له ولم لا يسترد عازب الرأي فيعلم أنه ما لم يعاود الصلة مأفون ويستعيد غائب الفكر فيفهم أنه إن أقام على الفرقة مغبون أظنه يقدر أن الاستغناء عني هو الغناء والغنى ولا يظن أن الالتواء علي هو البلاء والبلى ويخال أنه مكتفٍ بماله وعرضه ومتعزز بسمائه وأرضه ولا يشعر أني كل لبعض وطول في عرض وأن قوة الجناح بالقوادم دون الخوافي وعمل الرماح بالأسنة دون العوالي، ليس إلحاحي على سيدي مستعيداً وصاله ومستصلحاً بالالحاف خصاله وعدي عليه هذه العجائب لاستمالته من جانب إلى جانب لأني ممن يرغب في راغب عن وصلته أو ينزع إلى نازع عن خلته أو مؤثل حالاً عند من ينحت أثلته ومقبل بوده على من لا يجعله قبلته فإني لو علمت أن الأرض لا تسف تراب قدمي لما وضعت عليها جانباً وإن السماء لا تتوق إلى تقبيل هامتي لما رفعت إليها طرفاً ولكني أكره أن يعرى نحره من قلادة الحمد ويجنب جبينه إكليل المجد ويظل وجه الوفاء يقبضه على يده مسوداً وركن الإخاء بفته في عضده منهداً ولا يعجبني أن يكسو ضوء مكارمه كلف الخمول وبأذن لطوالع معاليه بالأقول فإن فضل سيدي الخمود على الوقود والعدم على الوجود ونزل من شامخٍ إلى خفضٍ ومن حالق إلى دحض وجاهزاً بهجره وأصر على صرمه ومال إلى الملال ولم يصل نار الوصال حللت عنه معقود خنصري وشغل عن الشغل به
стр. 82
خاطري بل محوت ذكره من صفحة فؤادي واعتددت وده فيما سال به الوادي:
(وفي الناس إن رثَّت حبالُك واصلٌ ... وفي الأرضِ عن دارِ القِلى مُتحوَّلُ)
وفي بعض ألفاظ هذه الرسالة تكلف إلا أني أوردتها لعلو معانيها. وقال بعضهم:
(ومن يَفتقر منا يَسلُ حُسامهُ ... ومن يَفتقر من سائرِ الناسَ يَسألُ)
وقال ابن المعتز:
(سألتكما باللهِ ما تُعلمانني ... ولا تكتما شيئاً فعندكما خُبري)
(أأرفعُ نيرانَ القِرى لعْفاتها ... وأصبرُ يومَ الروعِ في ثغرةِ الثّغر)
(واسألُ نيلاً لا يُجادُ بمثلهِ ... فيفتحهُ بِشري ويختُمه عُذري)
(ويا ربَ يومٍ ما توارى نجومُهُ ... مددتُ إلى المظلومِ فيه يدَ النصر)
وقال:
(وقمت إلى الكوم الصفايا بمنصلي ... فصيرتُها مجداً لقومي وأحسابا)
وأنشدنا أبو القاسم عن العقدي عن أبي جعفر لعبد العزيز بن زرارة:
(قد عشتُ في الدهرِ أطواراً على طُرُقٍ ... شتى فصادفتُ فيه اللينَ والقطعا)
(لا يملأُ الأمرُ صدري قبلَ موقعهِ ... ولا يضيقُ به ذَرعي إذا وقعا)
(كُلاًّ لبستُ فلا النعماءُ تُبطرني ... ولا تخشعتُ من لأوائها جَزعا)
وسألني بعض أدباء البصرة فقال ما أدل بيت على عقل صاحبه وحزمه؟ فقلت قول الأقيبل القيني:
(إذا لم أجد بُداً من الأمرِ خِلتني ... كأنَّ الذي يأبى علىَ يسيرُ)
فقال ما عدوت ما في نفسي. ومثله قول أبي النشناش:
(على أي شئ يصعبُ الأمر قد ترى ... بعينك أن لا بدَّ أنك راكبه)
стр. 83
وفي ألفاظ هذا البيت زيادة. وقلت في معناه:
(علامَ تستصعبُ ... الأمرَ لا ترى منهُ بُدا)
(بادر وخلَ الهوينا ... وجدَ كيما تجدا)
(فلن تلاقيَ جداً ... حتى تلاقيَ كدّا)
ومن بليغ الافتخار بذلاقة اللسان قول جرير:
(وليس لسيفي في العظام بقيةٌ ... ولا السيفُ أشوى وقعةً من لسانيا)
وهي من قول حسان
(ويبلغ مالا يبلغُ السيفُ مِذودي)
(وقلت ولي لسانٌ إذا أطلقتهُ عرضا ... سعى مساعيَ ضرغامٍ وثعبانِ)
(وقد نمتني أمجادٌ حجا جحةٌ ... من تجل ساسانَ تزهو نجل ساسانِ)
(همُ الكواكبُ في أطرافِ داجية ... أو القنان على أثباج أعنانِ)
(قومٌ إذا ما أتوا بالسوءِ ما اعتذروا ... ولا يمنونَ إن منوا بإحسانِ)
وقلت:
(من يكن صائلاًَ بمثلِ لساني ... لم يضرهُ أن لم يَصُل بسنانِ)
وأخبرنا أبو القاسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال قلت لرجل من جذام وأكثر من وصف ملوك الحيرة: لو كان هؤلاء الأنصار لم ترد فقال لئن كان هؤلاء لقوم نصروا الدين لقد نصر أولئك الكرم ولئن كان هؤلاء خصوا بالاسلام لقد خص أولئك بلانعام ولئن حاز هؤلاء شرف اليوم وغد لقد سبق لأولئك شرف هو باق على الأبد ولو علا فعل هؤلاء على الهواء لجارت مكارم أولئك أعنان السماء ومن يقرن بالبلد الخراب اليباب بلداً تحل به السحاب في كل مغدى ومآب. ومن جيد الافتخار قول مبشر بن هذيل الشمخي:
(ألم تعلمي يا عَمركِ الله أنني ... كريمٌ على حين الكرامُ قليلُ)
(وإني لا أخزى إذا قيل مُملقٌ ... جوادٌ وأخزى أن يُقال بخيلُ)
(فإن لم يكن عظمي طويلاً فإنني ... له بإخصال الصالحاتِ وصول)
(وإن أكُ قَصْداً في الرجالِ فإنني)
إذا حلَ أمرٌ سَاحتي لجليلُ)
стр. 84
(إذا كنتُ في قومٍ طوالٍ فضلتهم ... بعارفةٍ حتى يُقالَ طويل)
(ولا خيرَ في طولِ الجسومِ وعَرضها ... إذا لم تَزِنْ طولَ الجسومِ عقولُ)
(ولم أرَ كالمعروفِ أمَّا مذاقهُ ... فحلوٌ وأما وجههُ فجميلُ)
وقلت:
(غنايَ غنى نفسي ومالي قناعتي ... وكنزيَ آدابي وزيي عفافيا)
(وفخريَ أسلامي وذخري أمانتي ... وجنديَ أشعاري وسيفي لسانيا)
(ولي عزماتٌ كالسيوفِ قواضِبا ... إذا عَنَ خطبٌ والحتوفُ قواضيا)
(وتغشى صدورَ النائباتِ صدورُها ... كما غشيتْ سُمرُ العوالي التراقيا)
(ألا لا يذمُّ الدهرَ من كان عاجزاً ... ولا يعذلُ الاقدارَ من كان دانيا)
(فمن لم تبلغهُ المعاليَ نفسُهُ ... فغير جديرٍ أن ينالَ المعاليا)
ولا أعرف في افتخار الجاهلية أجود ولا أبلغ من قول عمرو بن كلثوم:
(ونحنُ العاصمون إذا أطعنا ... ونحن العارمون إذا عصينا)
(ونحنُ التاركونَ لما سخطنا ... ونحن الآخذون لما رضينا)
وقد أحسن إبراهيم بن العباس في قوله:
(أما تَريَني أمامَ القوم متبعاً ... فقد أرى من وراء الخيل أتبعُ)
(يوما أنيخُ فلا أدعى على نشبٍ ... واستبيحُ فلا أبقى ولا أدعُ)
(لا تسألي القومَ عن حيٍّ صحبتهمُ ... ماذا صنعت وماذا أهله صنعوا)
وقال:
(أميلُ مع الذمامِ على ابن عمي ... وأقضي للصديقِ على الشقيقِِ)
(أفرقُ بين معروفي وبيني ... وأجمع بين مالي والحقوق)
(فأما تلقني حُراً مطاعا ... فإنك واجدي عبدَ الصديقِ)
وهذا من قول الأول:
стр. 85
(وإني لعبدُ الضيفِ ما دامَ ثاويا ... وما فيَّ إلَاّ ذاك من شيمة العبدِ)
وقال الآخر
(وعبد للصحابة غير عبد ... )
وسمعت بعض الشيوخ يقول أبلغ شئ قيل في الافتخار قول الآخر:
(أبَني حنيفة أحكموا سُفهاءكم ... إني أخافُ عليكمُ أن أغضبا)
قوله
(أخاف عليكم أن أغضب ... )
بليغ في الوعيد وفي دلائل القدرة على ما يسوؤهم، قال أبو هلال هو لجرير فهدد فيه بالهجاء ولو كان لمن يتمكن من القتل والاسر والنكاية لكان أفخر بيت قيل.
وأخبرنا أبو أحمد عن ابن دريد عن عبد الرحمن عن عمه قال ذكر أعرابي قوما فقال: ما نالوا بأطراف أناملهم شيئاً إلا وطئناه بأخامص أقدامنا وان أقصى مناهم لأدنى فعالنا. وقال أبو دلف للعجلي:
(وكن على الدهرِ فارساً بطلا ... فإنما الدهرُ فارسٌ بطلٌ)
(لابُدَ للخيلِ أن تحولَ بنا ... والخيلُ أرحامنا التي نصلُ)
(فمرةً باللّجين ننقلها ... ومرةً بالدماء تنتقلُ)
(حتى ترى الموت تحتَ رايتنا ... تُطفأ نيرانُها وتشتعلُ)
٣ - (الفصل الثالث من الباب الأول في التهاني)
لم تكن من الأقسام التي كانت العرب تصوغ فيها شعراً وإنما كانت أقسام الشعر في الجاهلية خمسة: المديح والهجاء والوصف والتشبب والمراثي حتى زاد النابغة فيها قسماً سادساً وهو الاعتذار فأحسن فيه ولا أعرف أحداً من المحدثين بلغ مبلغه فيه إلا البحتري فانه قد أجاد القول في صنوفه وأحسن وأبلغ ولم يذر لأحد مزيداً حتى قال بعضهم هو في هذا النوع النابغة الثاني. ولا عرف للعرب
стр. 86
شيئاً ينسب إلى التهاني ومهما جاء عنهم من شكلها شئ فهو عند العلماء معدود في جملة المديح مثل قول أبي الصلت الثقفي يذكر سيف بن ذي يزن وإتيانه بالفرس ومحاربته بهم الحبشة حتى أزالهم عن أرضه وهو قوله بعد ذكر الفرس:
(فاشرب هنيئاً عليك التاجُ مرتفقاً ... في راس غمدان دار منك محلولا)
(تلك المكارم لاقعبان من لبن ... شيبت بماء فعادا بعد أبوالا)
أخذ بعض شعراء الجبل فقال في بعض رؤسائه
(فاشرب هنيئاً عليك تاج مرتفعاً ... في شاذ مهرودع غمدانَ لليمنِ)
(فأنت أولى بتاج الملكِ تقصدُهُ ... من هوزة بن عليّ وابن ذي يزن)
ولست أختار من التهاني بالأعياد على أبيات أشجع شيئاً:
(لازلت مبشر أعياداً وتطويها ... تمضي بها لك أيام وتثنيها)
(مستقبلاً غرة الدنيا وبهجتَها ... أيامها لك نظمٌ في لياليها)
(العيد والعيد والأيام بينهما ... موصولةٌ لك لا تفنى وتفُنيها)
(ولا تقضتْ بك الدنيا ولا برحت ... تطوي بك الدهر أياماً وتطويها)
(لينهك النصرُ والأيامُ مقبلةٌ ... إليك بالفتحِ معقودٌ نواصيها)
(أمست هرقلةُ تدمي من جوانبها ... وناصرُ الملكِ والإسلامِ مُدميها)
(إن الخليفةَ سيفٌ لا يجردُهُ ... إلا الذي يملك الدنيا وما فيها)
(ما قارعَ الدين والدنيا عدوهما ... بمثل هارون راعيه وراعيها)
وقلت:
(ما الليالي والأيامِ منقبةٌ ... غراءُ تسمو بها إلا مَساعيكا)
(ربي يبقِّيك ما تهوَى على فرحٍ ... كما يلقيك ما تهوى ويعليكا ويعليكا)
(لألف فصل كهذا الفصل تبلغه ... باليمنِ والخيرِ تبليهِ وينميكا)
(ولا تزالُ لك الأيامُ موطأة ... تمضي قضاياكَ منها في أمانيكا)
стр. 87
ووجدت بخط أبي أحمد من أجود ماقيل في التهنئة بالنوروز قول هارون بن علي لعلي بن محمد الحواري:
(علي ياذا الجودِ والمعالي ... يا معدنَ الإنعام والإفضالِ)
(يا مَن به نيطت عُرى الآمال ... فحكمَّ الآمالَ في الاموالِ)
(جودٌ بلا منٍّ ولا اعتلالِ ... مبتدأ يُغنى عن السؤال)
(قابله النوروزُ بالإقبالِ ... ونِعَمٌ تأتي على اتصالِ)
(محروسةً مأمونةُ الزوالِ ... شبهك في تصرفِ الأحوالِ)
(فليلهُ أزهرُ ذو اشتعالِ ... كأنه وجهك في الجمال)
(وصبحهُ بالمالِ ذو انهمال ... يحكي ندَى كفّك ذا الأسيالِ)
(جرى بماءٍ وجرت بمالَ ... )
ومنها:
(قولٌ غدا يوفي على الأقوالِ ... كمثل ما توفي عل الرجال)
(فاشتبهَ ألاجوادُ بالبُخَّالِ ... وعدت مسروراً رَضِيَّ البالِ)
(في نعمةٍ ضافية الاذيالِ ... بعزِّ ذي العزةِ والجلال)
وأخبرني بعض أصحابنا قال كتب أحمد بن أبي طاهر إلى إسماعيل بن بلبل: أنا إن كنت في عدد الحشم والأتباع الذين يخرجون من تفضيل الخاصة ويرتفعون عن الدخول في جملة العامة فإني في وسط القلادة منهم وبمكان من نظام نعمتك التي تجمعهم وهذا يوم من أيام الملوك السادة الذين لم تزل تجري لهم ألسنة على عبيدهم وأصحابهم وقوادهم وكتابهم بالاهداء اليهم وقبول ما أهوه منهم ليعرف مكان التشريف في مرتبته من مكان المنحط عن منزلته وموضع النعم من المنعم عليه في التقدم بقبول ما يهديه إليه وكل يهدي على قدر بضاعته ورتبته ومقداره في نفسه وهمته وعلى حسب موضعه من سيده ومالكه وما يحويه ملكه وتبلغه مقدرته وكرهت أن أمسك عن البر فأخرج عن جملة
стр. 88
العبيد والحشم وأهدي ما يقصر عن الواجب اللازم والحق المفترض فجعلت هبي مع الثقة بعذرك والاعتماد على تفضيلك وصفحك أبياتاً اقتصرت فيها على الدعاء لك والثناء عليك أسأل الله تعالى أن يقرنه بالإجابة فيك كما قرن مدحي لك بالتصديق فقلت:
(أبا الصقرِ لا زالتِ من اللَّه نِعمةٌ ... تجدِّدُها الأيام عندك والدهرُ)
(ولا زالتِ الأعيادُ تَمْضِي وتَنقضي ... وتبقى لنا أيامُك الغُررُ الزُّهر)
(فإنَّك للدنيا جمالٌ وزينةٌ ... وإنَّك للأحرارِ ذخرٌ هو الذخر)
(رأيت الهدايا كلها دونَ قدرهِ ... وليس لشئ عند مقداره قدر)
(فلا فضلَ إلَاّ وهو من فضل جُوده ... ولا بِرَّ إلَاّ دونهُ ذلك البرُ)
(فأهديتُ من حَلْي المديحَ جَواهراً ... منصلةً يزهى بها النظمُ والنثرُ)
(مدائح تبقَى بعد ما نفذ الدهر ... وتبهى بها الأيامُ ما اتصل العمرُ)
شكرتُ لإسماعيل حُسنَ بلائهِ ... وأفضل ما تُجزى به النعمُ الشكرُ)
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن أحمد بن أبي طاهر عن ابن هفان قال دخلت على سعيد بن حميد في يوم نيروز وهو مستعد يكتب إلى إخوانه فقرأت عليه كتابك وشعرك إلى أبي الصقر يعني الكتاب والشعر الذي تقدم فكتب وأنا حاضر إلى الحسن بن مخلد: أيها السيد النجيب عشت أطولَ الأعمار في زيادة من النعم موصولة بقرائنها من الشكر لا تقضي حق نعمة حتى تتجدد لك أخرى ولا يمر بك يوم إلا كان موفياً على ما قبله مقصراً عما بعده قد تصفحت أحوال الأتباع الذين تجب عليهم الهدايا إلى السادة في هذا اليوم والتمست التأسي بهم في الإهداء إليك وإن قصرت الحال عن الواجب لك فرأيتني أن أهديت نفسي فهي لك لاحظ فيها لغيرك ورميت بطرفي إلى كرائم مالي فوجدتها منك فكنت ان أهديت شيئاً كمهدي مالك إليك ولم يزد على أن نبه على نعمتك واقتضى نفسه بشكرك وفرغت إلى مودتي وشكري فوجدتهما لك خالصتين قديمتين غير مستجدتين وإني إن جعلهتما هديتي لم أجدد لهذا اليوم براً ولا لطفاً ولم أقس منزلة شكري بمنزلةٍ
стр. 89
من نعمتك إلا كان الشكر مقصراً عن الحق والنعمة زائدة على ما لم تبلغه الطاقة ولم أسلك سبيلا ألتمس بها ما أعتد به في مجازاتك إلا وجدت فضلك قد سبقني إليها فقدم لك الحق وأحرز لك السبق فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك تفي ما يجب لك والعذر في العجز عن برك براً أتوصل به إليك:
(إنْ أهدِ نفسي فهو مالكها ... ولهُ أصونُ كرائمَ الذُخرِ)
(أو أهدِ مالاً فهو واهبهُ ... وأنا الحقيقُ عليه بالشكرِ)
(أو أهدِ شُكري فهو مُرتهنٌ ... بجميلِ فعلك آخرَ الدهرِ)
(والشمسُ تَستغني إذا طلعت ... أن تستضئ بسة البدرِ)
ثم قرأه علي فقلت أبا عثمان الساعة قرأت عليك لابن أبي طاهر هذه المعاني بأعيانها قال والساعة عملتها وليس بيننا حشمة. ولا أعرف لهاتين الرسالتين في هذا الباب نظيراً في رقة معانيها وحسن تخريجها، ورسالة سعيد بن حميد أكثرهما معاني. وأول من افتتح المكاتبة في التهاني بالنوروز والمهرجان أحمد بن يوسف أهدى إلى المأمون سفط ذهب فيه قطعة عود هندي في طوله وعرضه وكتب معها هذا يوم جرت فيه العادة بألطاف العبيد السادة وقد قلت:
(على العبد حقٌ فهو لا شكَ فاعُلْه ... وإن عَظمَ المولى وجلت فضائِلُهْ)
(ألم ترنا نُهدي إلى اللهِ مالهُ ... وإن كان عنهُ ذا غِنىً فهو قابِلُهْ)
(ولو كان يُهدي للجليل بقدرهِ ... لقصر عسل البحر عنك وناهلُهْ)
(ولكننا نُهدي إلى من نجلهُ ... وإن لم يكن في وُسعنا ما يُشاكُلهْ)
فأخذ سعيد بن حميد هذه المعاني وكتب إلى ابن صالح بن يزداد: النفس لك والمال منك والرجاء موقوف عليك والأمر مصروف إليك فما عسانا أن نهدي لك في هذا اليوم وهو يوم قد شملت فيه العادة للأتباع الأولياء بإهدائهم إلى السادة العظماء وكرهنا أن تحليه من سننه فنكون من المقصرين أو ندعي أن
стр. 90
في وسعنا ما يفي بحقك علينا فنكون من الكاذبين فاقتصرنا على هدية تقضي بعض الحق وتقوم عندك مقام أجمل البر وهي الثناء الجميل والدعاء الحسن فقلت: لا زلت أيها السيد الكريم دائم السرور والعطية في أتم العافية وأعلى منازل الكرامة تمر بك الأيام المفرحة والأعياد الصالحة فتخلقها وأنت جديد. فأول كلامه مأخوذ من قول المعلى بن أيوب للمعتصم: النفس لأمير المؤمنين والمال منه وليس فيما أوجبه الحق نقيصة ولا على أحد فيه غضاضة، وباقيه من كلام أحمد بن يوسف، والدعاء الذي في آخره لعلي بن عبيدة الريحاني لم يزد سعيد بن حميد فيه شيئاً. وأحسن ما سمعت من الدعاء قول علي بن هارون بن يحيى المنجم: أمتع الله الأمير بما خوله واستقبل به من العمر اسره وأطوله وملأه من العز أمده وأكمله وألبسه من الإنعام أسبغه وأجزله ومهد له من العيش أرغده وأفضله وجمع له من الخير آخره وأوله. وللصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد فصول في التهاني قليلة النظير منها ما كتب يهنئ بالوزارة: أنا أهنئ أطال الله بقاء سيدي الوزارة بإلقائها إلى فضله مقادتها وبلوغها في ظله ارادتها وانحيازها إلى ذراه واضحة المجد والفخر وتوشحها من كفايته بغرة سائلة على وجه الدهر واشكر له حسن أثره عليها وعطفه عنان الفكر إليها حتى قرت لديه قرارها وأثقبت بيديه نهارها بعد أن هفا قلبها إشفاقاً من استشراف أيادي النقص لها وحرج صدرها من تحدث احلاس الجهل بها ولا غرو فهي وليدة ذراه قد آلت لا تخطت خطته وعاهدت لا برحت ساحته فالحمد لله الذي أقر عين الفضل ووطأ مهاد المجد وترك الحساد يتعثرون في ذيول الخيبة ويتسقطون في فضول الحسرة حمداً يديم أيام مولانا ويطيل بقاءه ويحرس عزه وينصر لواءه فقد شرح صدور المجالس وشد ظهور المحامد بتفويض الصدر إلى وليمة بحقين قديم وحديث وبفضلين مكتسب وموروث.
стр. 91
وكتب: الأستاذ الربيع الذي يتصل مطره من حيث يؤمن ضرره ويدوم زهره من حيث يتعجل ثمره لا زالت الأيام مسعودة بقرعها إلى إنفاذه وتقديره والأزمان محسودة بانحيازها إلى إمضائه وتدبيره فما اكتسى الدهر حلة أبهى من حصول عنانه في يديه ومثوله من جملة العبيد لديه لا زال آمراً ناهياً سامياً عالياً تتهنأ الأعياد بمصادفة سلطانه وتستفيد المحاسن من رياض إحسانه. وكتب: الأستاذ عيد الزمان وربيع الأيام وهذا الفضل الجامع لأحكام الفضل معتز إليه معتز بما لديه فغيثه متشبه بكفه واعتداله مضاهٍ لخلقه وزهره موازٍ لنشره وان تسعد به سعادات لا يبلغ حدها ولا يحصر عدها وهو أطال الله بقاءه يحظر المهاداة بما يحضر ما خلا الكتب التي لا يترفع عنها كبير ولا يمتنع منها خطير لا زال جنابه موروداً بالعلم ومحتملاً عنه بالغنم. ومثله ما كتب: قد أقبل النوروز إلى الأستاذ ناشراً حلله التي استعارها من شيمته ومبدياً حليه التي أخذها من سجيته ومستصحباً من أنواره ما اكتساه من محاسن أيامه ومن أمطاره ما اقتبسه من جوده وإنعامه مؤكداً الوعد بطول بقائه حتى يتحلى العمر ويستغرق الدهر ويستكمل من الرتب أعلاها ويحل من المنازل أسماها ويرى السادة الفتيان قد اقتفروا سعيه واقتفوا هديه وأسعده سعادة تستوفي معها الهمة وما ترتقي إليه والأمل وما يشرف عليه. وكتب: أما بعد تهناء سيدي الموهبة التي ساقها إليه ومد رواقها عليه إذا كانت من عقائل المواهب مسفرة عن خصائص المراتب وكيف لا تكون كذلك وقد صدرت عن مالك الأرض وولي البسط والقبض ومصرف الثقلين ومدبر الخافقين أدام الله سلطانه وأيد أعوانه مكنوفة بكرم رأيه وشرف اختصاصه واجتبائه وخطبتها عناية مولانا الأمير أدام الله أيامه ونصر أعلامه وحلت من سيدي محل الإيجاب والاستيجاب والاستحقاق دون الاتفاق فعرفه الله ميامن أعزر شريعة بأشرف ذريعة وأبرع فضيلة حصلها بأرفع وسيلة.
стр. 92
وكتب في فصل له يهنئ فيه عضد الدولة وقد ولد له ابنان توأمان: وصل كتاب الأمير بالبشرى التي أبت النعمة بها أن تقع مفردة وامتنعت العارفة فيها أن تسنح موحدة حتى تيسرت منحتان في موطن وانتظمت موهبتان في قرن وطلع من النجيبين أبي القاسم وأبي كالنجار أدام الله عزهما طالعاً ملكٍ ونجماً سعدٍ وشهابا عزٍ وكوكبا مجدٍ فتأهلت بهما رباع المحاسن ووطئت لهما أكناف المكارم واستشرفت إليهما صدور الأسرة والمنابر، وفهمته وشكرت الله تعالى شكر من نادى الآمال فأجابته مكبة ودعا الأماني فأجابته مصحبة وحمدته حمداً مكافئاً جسيم ما أتاح وعظيم ما أفاد واكتنفني من السرور ما فسح مناهج الغبطة وسهل موارد وسعت ما ورد اتساعه شرحت صدور الأولياء بمسارها وأزعجت قلوب الأعداء عن مقارها وسألت الله اتمام ما أدناه من الأميرين السيدين من سعادة لا يهتدي إليها الاختيار علواً ولا ترتقي إليها الأفكار سمواً وسلطان تضيق البحار عن اتساعه وتنخفض الأفلاك عن ارتفاعه وتبليغهما أفضل ما تقسمه السعود وتعلو به الجدود حتى يستغرقا مع السابقين أخويهما مساعي الفضل ويشيدا قواعد الفخر ويرحما صروف الدهر ويغبطا أطراف الأرض وهو تعالى قريب مجيب. وله تهنئة بتجدد رتبة: وصل كتاب الأستاذ من الحضرة البهية يشير أن آنسها الله وحرسها بذكر ما لقاه كرم مولانا ورقاه إليه من مراتب تشريف لا تكمل القرائح لاقتراحها واستدعائها ولا تتسع الخواطر لالتماسها واقتضائها فحمدت الله ولي الحمد والشكر وأخذت بالحظ من قوة القلب وانشراح الصدر وسألته أن يطيل بقاء مولانا في العز الراهن والسلطان القاطن ويعرف الاستاذ بركة ما درعه من شرف لا مدخل مقيمه ولا تيحيف عميمه إنه فعال لما يريد. وكتب في تهنئة بالسلامة من الغرق: لولا أن الله تعالى عز اسمه حماني عن سماع المكروه إلا في ضمان المحبوب حتى تقدم نبأ التبشير ذكر السبب المحذور لما
стр. 93
وجدت في التماسك به بصيرة ولا من ترك التهالك ذخيرة إلا أن لطف الله وعطفه عجلا إلي خبر البشرى فانتفت الروعة قبل استقرارها وانتقلت الوحشة قبل استمرارها فتلقيت جميل صنع الله بالحمد لله رب العالمين أفضل ما قوبلت به النعم وشكرت الرغائب والقسم. وللبحتري تهنئة للمتوكل ببلوغ المعتز يقول فيها:
(يا كالئ الإسلامِ في غَفلاتهِ ... ومقيمَ نَهجي حَجِّه وجهادهِ)
(يهنيكَ في المعتزَّ بشرى بيَنت ... فينا فضيلةَ هديهِ ورشادهِ)
(قد أدركَ الحلمَ الذي أبدى لنا ... عن حِلْمِهِ ووقارهِ وسَدَادِهِ)
(ومباركٌ ميلادُ مْلكك مخبرٌ ... بقريبِ عهدٍ كان مِن ميلادِهِ)
(تمت لنا النعماءُ فيك مُمتعا ... بعلوَ همّته وورى زناده)
(وبقيتَ حتى تستضئ برأيه ... وترى الكهولَ الشيبَ من أولادِهِ)
وقلت في تهنئة بمولود:
(قد زادني عددُ الكرام كريمُ ... محضٌ صريحٌ في الكرامِ ضميمُ)
(عالي المحلةِ لا يزالُ كأنه ... للعزِّ قرنٌ والسَّماكُ نديمُ)
(فلأمره التتميم كيف تصرفت ... حالاته ولشأنِهِ التفخيمُ)
(فأبشر فقد وافاك يومَ رُزقته ... حظٌ بتخليدِ السرور زعيمُ)
(َفرْعٌ تكفَّلَ دهرُهُ بنمائه ... حتى يكرَ الدهرُ وهو أروم)
(إن الهلالَ يصيرُ مدة كاملاً ... ويهد سدَّ الليلِ وهو بهيم)
(وهو الوجيهُ إذا تبدَّى وجههُ ... وغداً إذا نزل العظيمُ عظيمُ)
(وجهٌ كتنويرِ الرياضِ وتحته ... خلقٌ لمحسود الرياحِ وخيمُ)
(فلأهله شرفٌ به متوطدٌ ... ولديهمُ شرفٌ أشمُ عميمُ)
(فاقْرِرْ به عيناً فإنَّ خلالهُ تصفو وتسلسُ أو يقال نسيمُ)
стр. 94
(ولحده التصميمُ حين تلاحقت ... أقرانهُ ولشأوه التقديمُ)
ومن أعجب ما جاء في التهنئة والتعزية قول عبد الملك بن صالح:
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال قيل للرشيد إن عبد الملك بن صالح يُعدُ كلامه فأنكر الرشيد ذلك وقال بل هو طبع فيه حتى جلس يوماً ودخل عبد الملك فقال للفضل قل له: ولد لأمير المؤمنين في هذه الليلة ابن ومات له ابن ففعل الفضل ذلك فدنا عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين سرك الله فيما ساءك ولا ساءك فيما سرك وجعلها واحدة بواحدة ثواب الشاكر وأجر الصابر. فقال الرشيد: أهذا الذي زعموا أنه يصنع الكلام ما رأى الناس أطبع من عبد الملك في الفصاحة. وقلت في تهنئة بمولود:
(فاستقبل الخيرَ في نجيب ... عما يَعيبُ الورى نزيهِ)
(شمسُ نهار وبدرُ ليلٍ ... يَملك أبصارَ ناظريهِ)
(يملأها بهجة إذا ما ... كشفَ عن وجهه الوجيهِ)
(رزُقته كاملاً سوياً ... تكثر علات عائبيهِ)
(جنىً لذيذُ المذاق حُلوٌ ... يقربُ من كفَ مجتنيهِ)
(وعن قليلٍ يصيرُ شهما ... يشقى به جدِ كاشحيهِ)
(ألا فعش في ضمانِ خيرٍ ... حتى ترى الشيبَ من بنيهِ)
وقلت في تهنئة بإملاك:
(تجلى لك الأملاكُ عما تحبه ... فإنك قد فصلتَ بالتبر جواهرا)
(فصيرتهُ للدهرِ عِقداً مفصَّلا ... وطيرتهُ في الأفق نَشراً مُعطرا)
(هو اليُمن لم يعدِمْك محبوبةً دنت ... ومكروهةً شطت وصعباً تيسرا)
ومن عجائب المعاني تهنئة لأبي إسحاق الصابئ مشوبة بالعقد لرجل زوج أمه: قد جعلك الله وله الحمد من أهل التحصيل والرأي الأصيل وخلوص اليقين فكما أنك لا تتبع الشهوة في محظور فكذلك لا تطيع الأنفة في مباح تحظره ويأوي
стр. 95
إلينا من إيقاعك بين الوالدة نفس الله لها في مدتك وأحسن بالبقية منها امتاعك وبين فلان ما علمنا أنك فيه بين طاعة الديانة توخينها ومشقة فيها تجشمنها وانك قد جدعت أنف الغيرة لها وأضرعت خد الحمية فيها وأسخطت نفسك بارضائها وعصيت هواك لرأيها فنحن نعزيك على فائت مرادك ونسأل الله الخيرة لك وان يجعلها أبداً معك فيما شئت وأتيت وتجنبت وأنبت والسلام. قال الشيخ أبو هلال رحمه الله تعالى جدعت أنف الغيرة من قول رسول الله & وقد رأى علياً وفاطمة ﵉ في بيت فرد عليها الباب وقال: (جدعَ الحلالُ أنفَ الغيرة) . وهنأ بعضهم بخروج اللحية وهو أبو نصر بن هبة الله: الحمد لله الذي له عند خلقه في الأحوال التي يتصرفون فيها والطبقات التي ينتقلون بينها والمراتب التي يندرجون عليها لطائف من حكمه وفوائد من نعمه توافق مصالحهم وتطابق حوائجهم في تصاريف نشوهم الطفولية والإيفاع والشبيبة والاجتماع والبلوغ والاكتهال والانتهاء والكمال وجعل لكل واحد منهم في كل حد من الحدود وسنٍ من الأسنان قدراً من الأسر والقوة وصنفاً من اللون والصورة ومسافةً في السعي والهمة وغايةً في الطلب والبغية يكون به قوام عيشه وسداد أمره محطوطاً من الاضطراب بزيادة في بعض ذلك يعطاها قبل بلوغ أدواته منتهاها يناقص سائره وينافي نظائره فيفتح بالزيادة في الزوائد صورته ويظهر بالنقصان في الناقص آفته حتى إذا تعالى في المراتب أمد النهاية وتوافت إليه أقسامه في الكفاية كمل الله إحسانه إليه وأتم إنعامه عليه ولله المنة والفضل وبه القوة والحول، الحمد لله الذي كساك باللحية حلة الوقار ورداك بها رداء الأبرار وصانك عن ميسم الصبا ومطامع أهل الهوى ماجلك من الهيبة البهية وألبسك من لباس ذوي اللب والروية وألحقك في متصرفاتك بمن يستقل بنفسه ساعيا ويستغني عمن يصحبه حافظاً وجعلك بما جمل من صورتك وكمل من اداتك وآلتك قرناً لمن جاذبك وخصماً لمن نازعك ونفى عنك ذلة الاحتقار من أهل المراتب والأخطار تسوى معهم في المجالس الحافلة
стр. 96
وتجري مجراهم في المشاهد الجامعة مسموعاً قولك إذا قلت مصغي لك إذا نطقت آمناً من انصراف الأبصار عنك لقرب ولادك ونبو الاستماع من حديثك لقلة الثقة بسدادك وجارياً مجرى جلة على الحملة إلى أن تكشف مخابرك بالمحنة وتعطي المهابة من الذاعر العادي ومن السبع الضاري إذا اتفق لكما مقام يخلو فيه كل واحد منكما من رفد يمده وناصر يؤيده يملكه الاشفاق من صاحبه ويقطعه من مواليه إليه من ترك إبقائه في السطوة عليه ولو كان عاريا من هذه الكسوة الشريفة والحلية النفيسة لسبقت إليه بالازدراء الأعين وبالاستصغار القلوب والألسن وبالطمع أصناف الحيوان من البهيمة والإنسان ثم لا يحسن من نفسه قوة على الدفع عنها ولا من حريمه قدرة على ما يدهاه منها وتلك نعمة من الله حباك بمزيتها في جمال غشاك وكمال أتاك فليصدق بها اعترافك وشكرك وليحسن ثناؤك ونشرك قضاءً لحق الله عليك واستدراراً للمزيد في إحسانه إليك وكتب الصاحب تهنة بتزوج أم وتعزية بموت أب الأيام أطال الله بقاءك تجري على أنحاء مختلفة وشعب متفرقة وأحكامها تتفاوت بيننا بما يسوء ويسر وينفع ويضر وبلغني من نفوذ قضاء الله في شيخك رحمه الله تعالى ما أزعجني وأبهم طرق السلوة دوني وان كان من خلفك غير خارج عن رؤبة الأحياء ولا حاصل في زمرة الأموات والله يأسو كلمك ويسد ثلمك وقد فعل ذاك بأن أتاح الله لك بعد أبيك أباً لا يقصر عنه شفقة عليك وحنواً وإيثاراً لك وبراً وقد لعمري وفقت حين وصلت بحبلك حبله وأسكنت الكبيرة حرسها الله ظله لئلا تفقد من الماضي عفا الله عنه إلا شخصه فالحمد لله الذي أرشدك لما يعيد الشمل مجتمعا بعد فراقه والعدد موفوراً بعد انتقاصه حمداً يقضي لك بالمسرة ويحسم دونك مواد الوحشة ويلقيك ثواب ما قضيته من الحق وتحملته فيه من الأرق إنه فعال لما يريد
وكتب تهنئة بقدوم قد جدد الله وله الحمد جمال الدنيا وضاعف بهاءها وزادها محاسن ترفل في حللها وتتبختر في حليها واكتنفها بميامن يمرع جنابها ويفتح بالخيرات أبوابها ما استأنف جل اسمه من النعمة الشاملة والمنة الكاملة في
стр. 97
ثقريب ركاب مولانا أطال الله بقاءه وكبت أعداءه وكب حساده حساده وزادهم رغماً بزيادته تعالى إياه نعما لا يرحل مقيمها ولا يتحيف عميمها ما اختلف العصران وتعاقب النيران واستقبل به في وفدته ما ينقاد له أقصب الاسار ويحتوي عليه أربعة غايات الاختيار بمنه وجوده
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمداً لا يبلغ نداه ولا ينفصل أخراه من أولاه حتى يستغرق نعمه ويستوفي فواضله وقسمه وأني ذلك وهي متطرفة إلى غير غاية وممدودة إلى غير نهاية لا يتخطى إلى شكر بعضها إلا بتجدد أمثاله من جملتها وترادف نظائره من جماعتها والحمد لله الذي أعطى كثيراً وقبل من الشكر قليلا وأوجب به مزيدا والصلاة على نبيه محمد وآله وسلم كثيراً وهو حسبنا ونعم الوكيل
كتاب المبالغة
في أوصاف خصال الإنسان المحمودة من الجود والشجاعة والعلم والحلم والحزم والعقل وما يجري مع ذلك وهو
٣ - (الباب الثاني من كتاب ديوان المعاني)
سمعت الشيوخ رحمهم الله تعالى يقولون أجود بيت قالته العرب قول مسلم بن الوليد.
стр. 98
(يجودُ بالنفس إن ضنَ الجوادُ بها ... والجودُ بالنفس أقصى غايةِ الجودِ)
وأول من جاء بهذا المعنى علقمة بن عبدة:
(تجودُ بنفس لإيجادُ بمثلها ... فأنتَ بها يومَ اللقاءِ خصيبُ)
وهذا مثل قول يزيد بن أبي يزيد الشيباني من جاد بنفسه عند اللقاء وبماله عند العطاء فقد جاد بنفسيه كلتيهما وقال أعرابي من جاد بماله فقد جاد بنفسه وإن لا يكن جاد بها فقد جاد بقوامها. وقال علي بن الجهم:
(طلبت هديةً لك باحتيالي ... على ما كانَ من حسي ونسي)
(فلما لم أجِدْ شيئاً نَفيساً ... يكونُ هديةً أهديتُ نفسي)
وكتب العباس بن حرب إلى بعض الأمراء وأهدى إليه هديه: لا أعلم بمنزله توحشه من الأمير أعزه الله ولا توحشه مني أنا موقر من بلائه وفي الطاعة له كيده وفي المودة له كنفسه وفي الخاصة كأحد أهله وإنما ألطفه من ماله وقد بعثت إليه ما يصلح ليومه وأهديت له نفسي التي هي لبذلته وخدمته. قال أبو تمام:
(ولو لم يكن في كفهِ غيرُ نفسهِ ... لجادَ بها فليتقِِ اللهَ سائِله)
وقد أنكر خلف بن خليفة إهداء النفس: قدم أخ له من سفر فاقتضاه خلف الهدية فقال أهديت نفسي فقال خلف:
(أتانا أخٌ من غَيبةٍ كان غابها ... وكنتُ إذا ما غابَ أنشدهُ الركبا)
(فقلتُ لهُ هل جئتنا بهديةٍ ... فقال بنفسي قلتُ انحفْ)
(هيَ النفسُ لا آسى عليها إذا نأت ... ولا أتمنى ما حييتُ لها قُربا)
(إذا هي وافت من ثمانينَ قامةً ... فلا السهلَ لقاها الآلةُ ولا الرحبا)
стр. 99
وقالوا قول مروان بن أبي حفصة كأنه حين يعطي المال يغنمه
(أجود من قول زهير ... )
(كأنك معطيه الذي أنت سائله)
لأن للغنيمة حلاوة ليست للعطية. وأجود ما قيل عندي قول أبي العتاهية:
(لو قيلَ للعباس يا ابن محمدٍ ... قل لا وأنت مخلدٌ ما قالها)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي حدثنا الحسن بن الحسين الأزدي حدثنا محمد ابن حبيب، وعن الصولي أيضاً عن إبراهيم، بن المعلى عن ابن حبيب قال قال أبو العتاهية يمدح العباس بن محمد:
(لو قيلَ للعباس يا ابن محمد ... قل لا وأنت مخلدٌ ما قالها)
(إن السماحةَ لم تزل معقولةً ... حتى حللتَ براحتيك عِقالها)
(وإذا الملوكُ تسايرت في بلدةٍ ... كانوا كواكبها وكنتَ هلالَها)
فلم يثبه فقال:
(هززتُك هزَّة السيفِ المحلَّى ... فلما أن ضربتُ بك انثنيتُ)
(فهبها مِدحةً ذهبت ضياعاً ... كذبتُ عليك فيها وافتريتُ)
فلما قرأ العباس الأبيات غضب وقال والله لأجهدن في حتفه قال فمر أبو العتاهية بإسحاق ذفقال له إسحاق بن العباس أنشدني شيئاً من شعرك فأنشده:
(ألا أيها الطالبُ المستغيثُ ... بمن لا يفيدُ ولا يَرفدُ)
(ألا تسأل الله من فضله ... فإن عطاياه لا تنفد)
(إذا جئت أفضلهم للسؤال ... ردَ وأحشاؤه تُرعَد)
(كأنك من خشيةٍ للسؤالِ ... في عينه الحيةُ الأسودُ)
стр. 100
(ففرَ إلى اللهِ من لؤمهم ... فأبى أرى الناسَ قد أصلدوا)
(وإني أرى الناسَ قد أبرقوا ... بلؤمِ الفعالِ وقد أرعدوا)
ثم مضى فقيل لإسحاق ما هذا الشعر إلا في أبيك فقال إسحاق أولى له أن عرض نفسه وأحوج أبي العتاهية إلى مثل هذا مع ملكه وقعدته. ومثل قوله
(كذبت عليك فيها وافتريت ... )
قول علي بن جبلة وقال له أبو دلف أن تحسن أن تمدح ولا تحسن أن تهجو فقال الهدم أيسر من البناء ثم قال:
(أبو دلفٍ كالطبل يذهب صوتهُ ... وباطنهُ خلوٌ من الخيرِ أخربُ)
(أبا دلف يا أكذبَ الناسِ كلهم ... سواي فأني في مديحك أكذبُ)
وأخذ البحتري قوله:
(كانوا كواكبَها وكنت هلالها ... )
فقال في المتوكل إذا غبتَ عن أرض ويممتَ غيرها ... فقد غابَ عنها شمسُها وهلالُها)
(غدْت بك آفاقُ البلادِ خَصيبةً ... وهل تمحلُ الدنيا وأنتَ ثِمالُها)
فأما قوله:
(كأنك من خشيةٍ للسؤالِ ... في عينه الحيةُ الأسودُ)
فمن قول بعض العرب:
(من دون سيبك وجهُ ليل مظلم ... وخفيفُ نافحة وكلب موسدُ)
(وأخوك محتملٌ عليك ضغينة ... وخسيفُ قومك لائمٌ لا يحمدُ)
(والضيفُ عندك مثل أسودَ سالخٍ ... لا بل أحبهما إليك الأسودُ)
ومن جيد ما جاء في خلاف ذلك من الحث على الإنفاق ومجانبة الإمساك قول ديك الجن:
(قالوا السلامُ عليكِ يا أطلالُ ... قلتُ السلامُ على المحيل محالُ)
(عاج الشقيّ مراده دِمَن البلى ... ومرادُ عيني قلةٌ وحجالُ)
(لأنادمن الراجَ وهي زُلال ... ولأطرقنَ البيتَ فيه غزال)
(ولأتركن حليلها وبقلبهِ ... حُرقٌ وحشوُ فؤاده بلبال)
стр. 101
وليشفين حبي فمٌ وحتى يد ... وكلاهما لي باردٌ سلسال)
(ماذا الغنى والبخل مالك من غنى ... وكذاك ياذا المال مالك مال)
(أطلقْ يديكَ فإن بين يديك ما ... يرديهما ووراءَ حالك حال)
(قد تسلم الأوكالُ وهي مواكلٌ ... للترهاتِ وتقتلُ الأبطال)
(ورجالُ هذي النائباتِ وإن رَأوْا ... شظفاً من الأيام فهي رجال)
وقلت:
(ماذا يسرك من مال تجمعهُ ... أو ما يغمك منه إذ تفرقهُ)
(ولم يكن لك مالٌ يوم تكسبهُ ... لكنه لك مالٌ يومُ تنفقهُ)
(تحبُ من أجلهِ الدنيا وتورثها ... وسوف توبقك الدنيا وتوبقه)
(سترتهُ عن عيونِ الناسِ كلهم ... ولستَ تعلم أن الدهرَ يرمقه)
(إن لم تبكر إليهِ في نوائبهِ ... فسوف يطرقهُ ركضاً فيرهقة)
وقد أحسن القائل:
(إذا أعجبتك خصالُ امرئ ... فكنهُ تكن مثلَ ما يعجبكْ)
(فليس على الجودِ والمكرمات ... حجابٌ إذا جئتهُ يحجبك)
(هو المالُ إن أنت لم يخترب ... أباحَ لك الدهرُ ما يخربك)
وإذا كان أفضل الجود ما كان مع الحاجة على حسب ما مدح الله تعالى به الأنصار فقال ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ وأجود ما قيل قول عروة بن الورد:
(فلا تشتمني يا ابنَ ورد فإنني ... تعودُ على مالي الحقوقُ العوائدُ)
(ومن يؤثر الحقَ النؤوبَ يكن به ... خصاصةُ جسم وهو طيَّانُ ماجد)
وقال عبد الملك بن مروان ما وددت أن أحداً من العرب ولدني إلا قائل هذه الأبيات
стр. 102
ومن جيد ما قيل في الإيثار على النفس قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر كتبه عبيد الله بن سليمان حين ولي الوزارة:
(أبى دهرنُا إسعافنَا في نفوسنا ... فأسعفنا فيمن نُحبُ ونكرمُ)
(فقلت له نعماكَ فيهم أتمها ... ودَعَ أمرنَا إنَّ المهمَ المقدَّمُ)
وهذا غاية لأنه جعل أمر الممدوح أهم له من نفسه وإصلاح شأنه. ومن جيد ما قيل في جود على قوم دون قوم قول البحتري:
(سحابٌ عداني جودهُ وهو هامرٌ ... وبحرٌ خطاني فيضُه وهو مفعَمُ)
(وبرقٌ أضاءَ الأرضَ شرقاً ومغرباً ... وموضعُ رجلي منهُ أسودُ مظلمُ)
ومن أجود ما قيل في كبر الهمة قول بعض العرب:
(لهُ هِممٌ لا مُنتهى لكبارها ... وهمتهُ الصغرى أجلُ من الدهرِ)
(له راحةٌ لو أن معشارَ جُودها ... على البرَ كان البرُ أندى من البحر)
أخذه المتنبي فقال وقصر:
(تجمعتْ في فؤاده هممٌ ... ملءُ فؤادِ الزمانِ إحداها)
وموضع التقصير فيه أن الأول جعل همته الصغرى أجل من الدهر وجعل المتنبي إحدى همه ملء فؤاد الزمان فإذا كان ملء فؤاده فليس بأجل منها. ومما يذكر في وصف كبر الهمة أن سيف بن ذي يزن دخل على كسرى فتطأطأ في طاق رفيع من طيقان قصره وجلس فدفعت إليه مخدة فجعلها على رأسه وكسرى يرمقه فلما سأل سيف حاجته قيل له إن الملك قد رأى منك خلتين عجيبتين وضع المخدة على رأسك وإنما أعطيتها لتجلس عليها وتطأطؤك في الطاق الرفيع فقال أما المخدة فرأيت عليها صورة الملك فوضعتها على أكرم موضع عندي وأما تطأطئ في الطاق الكبير فإن همتي أكبر منه. فاستحسن كلامه وضم إليه جيشاً أزاح بهم الحبشة عن بلده. ومن بليغ ما قيل في كبر الهمة يقول علي بن محمد البصري:
стр. 103
(قلبي نظيرُ الجبلِ الصعب ... وهمّتي أكبرُ من قلبي)
(فاستخر الله وخذْ مُرهفاً ... وافتك بأهلِ الشرقِ والغربِ)
(ولا تمت إن حَضرت ميتةٌ ... حتى تميتَ السيفَ بالضربِ)
ومن المذكور في ذلك قول أبي تمام:
(رأى ابنُ دهرٍ عَرَقا في خيلهِ ... أعلم منه بحُدَاءِ ابلِهِ)
(قد لعبت أيدي النَّوَى بشملهِ ... ممتَّعاً مُضْطَلِعاً بحملهِ)
(مُنصلتاً كالسيفِ عند سلهِ ... مولودةٌ همتهُ من قَبْلهِ)
(قد دانَ ذو الفضل له بفضلهِ ... كالصابِ من يذقه لا يستحلهِ)
(إلَاّ بأن يسكنَ تحتَ ظِلّهِ ... )
وقال:
(هِمَّةٌ تنطحُ النجومَ وجدٌ ... آلف للحضيضِ فهو حضيضُ)
وأبلغ ما قيل في يمن النقيبة قول الأعشى:
(ولو رُحتَ في ظلمةٍ قادحاً ... حصاةً بنبعِ لأوريتَ نارا)
الحصاة مع النبع لا تورى قال فأنت من يمن نقيبتك لو قدحت بهما لأوريت. وقال بعض الأعراب:
(يذكّرني سعداً دعاءٌ بالقرى لو أشرفَ القومُ على أرضِ العِدى)
(واختلطَ الليلُ بألوانِ الحصى ... وأرسلوا سَعداً إلى الماءِ سرى)
(من غير دلوٍ ورِشاءٍ لاْستقى ... )
وهو بليغ في هذا المعنى جداً: وقلت:
(ليس للعينِ وراء شأوِه ... إلى العلى والمكرماتِ مُطَّرَحْ)
(قد شحَّ بالعرض وجاد باللُّهى ... فحوى المجد بما جاد وشَحّ)
(فإذا هَمّ بأمرٍ نالَه ... فسواءٌ جدَ فيه أو مَزَحْ)
стр. 104
وقلت:
(إذا ما بدت فينا عطاياهُ عقبت ... وكم بادئ للمزنِ غير معقب)
(ولما يفرره تقلّب دهره ... فقلت لعلَ الدهرَ لم يتقلب)
(ويدنو له المطلوبُ حتى كأنما ... يواكب ضوء الصبح في كل مطلب)
أبلغ ما قيل في اهتمام الرجل بأمر أخيه قول بعضهم:
(سأشكرُ عمراً إن تراخَتْ مَنيّتي ... أياديَ لم تُمنن وإن هي جلَّتِ)
(فتى غير مفراح إذا الخيرُ مسهُ ... ولا مظهر الشكوى إذا النعلُ زلت)
(رأى خلتي من حيثُ يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت)
وقوله (قذى عينه) لا يقوم مقامه شئ في شدة الاهتمام لأن الانسان إذا قذيت عينه صرف الهمة إلى تقذيتها من غير اشتغال بشئ غيرها وهو على قوله (من حيث يخفي مكانها) أبلغ لأنه يدل على تفقد شديد وعناية تامة. ومما هو في هذه الطريقة قول أمية بن أبي الصلت:
(إذا ليلةُ نابتك بالشكوِ لم أبت ... لشكواك إلا ساهراً أتململُ)
(كأني أنا المطروقُ دونك بالذي ... طرقتَ به دوني فعيني تهمُلُ)
وقالوا أشجع بيت قالته العرب قول عباس بن مرداس السلمي:
(أشدُ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها)
قالوا أربعة من الشجعان تتبين دلائل الجبن في شعر ثلاثة منهم فمن الثلاثة عنترة في قوله:
(فإذا شربتُ فإنني مستهلكٌ ... مالي وعرضي وافرٌ لم يكلمِ)
(وإذا صحوتُ فما أقصِّر عن ندىً ... وكما علمتِ شمائلي وتكرمي)
стр. 105
(وخليل غانية تركتُ مجدلا ... تمكو فريصتهُ كشدق الأعلم)
(هلا سألتِ الخيل يا ابنة مالكٍ ... إن كنتِ جاهلةً بما لم تعلمي)
(يخبرك من شهدَ الوقيعةَ أنني ... أغشىَ الوَغى وأعفُ عند المغنم)
(ومدججٍ كرهَ الكماةُ نزالهُ ... لا ممعن هَرَباً ولا مستسلم)
(سبقت يدايَ لهُ بعاجلِ طعنةٍ ... ليس الكريم على القنا بمحرمِ)
(نبئت عمراً غير شاكر نعمتي ... والكفرُ مخبلةٌ لنفسِ المنعمِ)
ثم قال:
(إذ يتقون بي الأسنةَ لم أقحم ... عنها ولكني تضايقَ مقدمي)
قالوا فدل على أنه وقف ولم يقدم واعتذر بتضايق المقدم. وكان عنترة هجيناً أمه أمة فاستعبده أبوه، وهذه كانت العرب عادتها في الهجناء فكان يرعى ثم اتخذ سلاحاً وصنع مهراً فأغارت طيئ على عبس فسبوا أهله وجيرانه فركب مهره واتبع القوم ثم جنبهم حتى أتى من أمامهم فما زال يطعن في أعين القوم حتى ردوا عليه أباه وأمه ثم عمه وابنته عبلة ثم قال لا انصرف بأهلي وأترك جيراني فكر عليهم فقتل منهم أربعين فردوا عليه جيرانه وكان يقول له أبوه وعمه كر فيقول لا يحسن العبد الكر وإنما يحسن الحلب والصر يقرعهم بذلك إذ كانوا قد استعبدوه فاستلحقه أبوه يومئذٍ وزوجه عمه عبلة ابنته وكان عنترة يسمى الفلحاء وكانت أمه حبشية تسمى زبيبة وقال النبي & (ما سمعتُ بأعرابي فاشتهيتُ أن أراه إلا عنترة) والآخر قول عمرو بن معد يكرب في قوله:
(ولقد أجمعُ رجليَ بها ... حذرَ الموتِ وإني لفرورُ)
(ولقد أعطفها كارهةً ... حينَ للنفسِ من الموت هريرُ)
(كل ما ذلك مني خلق ... وبكل أنا في الورع جدير)
فقال (وإني لفرور) وقال بعض أهل الأدب إنما هو (لقرور) بالقاف
стр. 106
لأن الشجاع لا يمدح نفسه بالفرار سيما باللفظ البليغ من فرور. وليس كذلك لأن قوله (كل ما ذلك مني خلق) على أنه ذكر حال فرار وحال ثبات فحال الثبات قوله (ولقد أجمع رجلي بها) والحال الأخرى حال للفرار إذا كان ذلك أحزم ولو ذكرنا حالا واحدة لم يحسن أن يقول كل ماء لك مني خلق وإنما دل على أصالته وعقله في ثباته وقت الثبات وفراره ساعة الفرار وليس الشجاعة أن يحمل الرجل نفسه على الهلكة إنما ذلك هوج والشجاعة أن يتقدم وغالب ظنه أن يظفر فأما أنه إذا علم أنه إذا أقدم هلك ثم أقدم فإن ذلك جنون لأن كل أحد يقدر أن يقدم على الهلكة فيهلك وإنما الشأن في أن يحمد غب إقدامه وفي قريب من ذلك قوله:
(فجاشت إلىَ النفسُ أولَ مرة ... فُردت على مكروهها فاستقرتِ)
فما جاشت نفسه إلا وجبن، ولو وصف عمرو هذه الأشياء من نفسه قيل إنه ممن يصدق عن نفسه، على أنه ربما كذب الكذبة الصلعاء روى لنا أبو أحمد عن العبشمي عن المبرد وعن غيره قال وقف عمرو بن معدي كرب وخالد بن الصقعب النهدي في جماعة بالكناسه يتحدثون فقال عمرو أغرنا مرة على بني نهد فخرجوا مسترعفين بخالد بن الصعقب فحملت عليه فطعنته فأرديته ثم ملت عليه بالصمصامة فأخذت رأسه فقال خالد حلاً أبا ثور فان قتيلك هو المحدث فقال عمرو يا هذا إذا حدثت بحديث فاسمع فانما نرهب هؤلاء المعدية. مسترعفين أي متقدمين، وقوله حلا أبا ثور أي قل إن شاء الله ويقال حلف ولم يتحلل أي لم يستثن. ويروى عن العرب كذب كثير فمن ذلك ما يزعمون أنهم يرون الجن ويكلمون الغيلان والسَعالي حتى زعم تأبط شراً انه طلب نكاح السعلاة في قوله:
(وادهمَ جبت حلبابه ... فيا جارتا أنت ما أهولا)
(فطالبتها بعضها فانثنت ... بوجه تهوّل واستغولا)
стр. 107
(وكنت إذا ما هممتُ اعتزمت ... وأخرى إذا قلتُ أن أفعلا)
وقال آخر:
(أخو قَفراتٍ حالفَ الجنَ واتقى ... من الإنسِ حتى ما تقضت رسائلُهْ)
(له نسبُ الإنسيِّ يعرفُ نحله ... وللجنَ منهُ خَلقه وشمائلُهْ)
وقال عبيد بن أيوب:
(فللَّه درُ الغولِ أيُّ رفيقةٍ ... لصاحبِ قفرٍ خائفٍ متقفرِّ)
وكان كثيرٌ من شعرائهم يدعي أن له شيطاناً يعلمه الشعر منهم الفرزدق كان يكنى شيطانه أبا لبينى وذكر أنه ذهب إلى جبل فناداه فجاء مثل الذباب فدخل في حلقه فقال قصيدته التي أولها
(عزفت بأعشاشٍ وما كنت تعزف)
وقال أبو النجم:
(وجدت كلَ شاعرٍ من البشرْ ... شيطانهُ أنثى وشيطاني ذكر)
وزعموا أن عروة بن عتبة صرخ بقومه فأسمعهم من مسيرة ليلة. ورووا أن لقمان بن عاد لما ضعف بصره كان يفصل بين أثر الذكر والأنثى والذر إذا دب على الصفا في الليلة الظلماء. وقال رجل لأبي حنيفة ما كذبت قط قال هذه كذبة أشهد بها عليك. وسأل الحجاج قاصاً عن اسم بقرة بني اسرائيل قال حنتمة فقال له رجل من أولاد أبي موسى الأشعري في أي كتاب وجدت هذا قال في كتاب عمرو بن العاص. ودخل عبد الله بن الزبير يوما على معاوية فقال اسمع أبياتاً قلتها:
(إذا أنتَ لم تنصف أخاكَ وجدتَهُ ... على طرفِ الهجرانِ إن كان يعقلُ)
(ويركبُ حدَ السيفِ من أن تضيمهُ ... إذا لم يكنَ عن شفرةِ السيفِ مزحلُ)
ثم دخل معن بن أوس المزني فأنشد
(لعمرك ما أدري وإني لأوجلُ)
حتى صار إلى البيتين فقال معاوية ما هذا يا أبا بكر فقال أنا أصلحت المعاني وهو
стр. 108
ألف الكلام وهو بعد ابن ظئري وما قال من شئ فهو لي وكان عبد الله بن الزبير مسترضعاً في مزينة: والثالث عمرو بن الأطنابة حيث يقول:
(وقولي كلماَجشأتْ وجاشَتْ ... مكانَكِ تحمدى أو تستريحي)
فزعم أن نفسه جشأت وجاشت وليس ذلك إلا من الجبن. أخبرنا أبو أحمد أخبرنا أبو بكر بن دريد عن الرياشي حدثنا العتبي عن أبيه قال دخل الحارث بن نوفل بابنه على معاوية فقال ما علمت ابنك؟ فقال القرآن والفرائض فقال روه من فصيح الشعر فإنه يفتح العقل ويفصح المنطق ويطلق اللسان ويدل على المروءة والشجاعة ولقد رأيتني ليلة صفين وما يحبسني ألا أبيات عمرو بن الأطنابة حيث يقول:
(أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمدَ بالثمن الربيحِ)
(وإعطائي على المكروهِ مالي ... وضربي هامةَ الشيخ المشيحِ)
(وقولي كلما جشأتْ وجاشَتْ ... مكانكِ تحمدي أو تستريحي)
(لأدفعَ عن مآثرَ صالحاتٍ ... وأحمي بعدُ عن عرضٍ صحيحِ)
(بذي شطبٍ كلونِ الملح صافٍ ... ونفس لا تقرُ على القبيحِ)
قالوا والذي يدل على الشجاعة الخالصة قول العباس بن مرداس:
(أشدُ على الكتيبةِ لا أبالي ... أحتفي كان فيها أو سواها)
وهذا على مذهب من ذكرنا قبلُ هوج، والذي يدل على أن التثبت والتأني وسكون النفس من تمام الشجاعة قول بلعاء بن قيس:
(وفارس في غمارِ الموتِ مُنغمس ... إذا تأنَّى على مكروهِهِ صدقا)
(غشيتهُ وهو في جأواء باسلةٍ ... عضباً أصابَ سواءَ الرأس فانفلقا)
(بضربةٍ لم تكن مني مخالسةً ... ولا تعجلتها جبناً ولا فرقَا)
فذكر أن مخالسة الضرب من الجبن. وأحسن ما قيل في التقدم في الحرب قول زهير:
стр. 109
(ليث بعثّر يصطادُ الرجالَ إذا ... ما الليثُ كذّب عن أقرانهِ صَدَقَا)
(يطعنهمُ ما ارتَمَوا حتى إذا ظعنوا ... ضَارَبَ حتى إذا ما ضارَبُوا اعتنقا)
وصفة بالتقدم على كل حال. وقل أحد منهم لم يصف نفسه بالتأخر، قال حصين ابن حمام:
(تأخرتُ أستبقي الحياةَ فلم أجد ... لنفسي حياةً مثلَ أنْ أتقدّما)
(فلسنا على الأعقاب تدمى كلومُنا ... ولكن على أقدامنا تُقطِر الدما)
ذكر أنه تأخر ثم رأى أن التقدم أحرز لظفر يعيش به عزيزاً أو موتٍ يموته شريفاً. وأخبرنا أبو أحمد رحمه الله تعالى عن أبيه عن علي قال قال المهدي لابن داب أنشدني أحسن ما قيل في وصف الفتى الشجاع فأنشده للشماخ
(وأشعثَ قد قدَ السفارُ قميصَه ... يجر شِواءً بالعصا غيرَ مُنضَجِ)
(دعوتُ إلى مانبني فأجابني ... كريمٌ من الفتيان غيرِ مُزلَّجِ)
(فتى يملأ الشِّيزى ويُروي سِنانهُ ... ويضربُ في رأس الكميِّ المدجّجِ)
فالتفت إلى عبد الله بن مالك الخزاعي وقال هذه صفتك. وقالوا أشجع بيت قالته العرب قول كعب بن مالك:
(نصلُ السيوفَ إذا قَصُرنَ بخطونا ... قِدْماً ونُلحِقها إذا لم تَلحَقِ)
ورأى بعض العرب سيفاً فقال ما أجوده لولا قصر فيه فقال صاحبه نصله بخطوة فقال الرجل تلك الخطوة أشد من مشيتي إلى الصين. وأبلغ ما قيل في سعة الخطو في الحرب قول أبي تمام:
(خطوٌ ترى الصارمَ الهنديَّ منتصراً ... به من المارنِ الخطىَ منتصفاً)
стр. 110
يقول لسعة الخطو ينتصف صاحب السيف من صاحب الرمح. وقالوا أشجع ما قيل قول الشاعر:
(أقولُ لنفسٍ لا يجادُ بمثلها ... أقلِّي شكوكا إنني غيرُ مدبرِ)
وأجود ما قيل في صدق اللقاء مع قلة العدد قول أبي تمام:
(قلّوا ولكنهم طابوا فانجدهم ... جيشٌ من الصبر لا يُحصى له عددُ)
(إذا رأوا للمنايا عارضاً لبسوا ... من اليقينِ دُروعاً ما لها زردُ)
(ناءٍ عن المصرحِ الأدنى فليس لهم ... إلا السيوفُ على أعدائهم مددُ)
وأجود ما قيل في وصف الفتى الشجاع وصاحب الحرب من شعر المحدثين قول مسلم بن الوليد في يزيد بن مزيد الشيباني:
(لولا يزيد لأضحى الملكُ مضطرداً ... أو مائلَ الرأسِ أو مسترخيَ الطولِ)
(حاطَ الخلافةَ سيفٌ من بني مَطَرٍ ... أقام قائمهُ مَنْ كان ذا مَيل)
(سدَ الثغورَ يزيدٌ بعد ما انفرجت ... بقائم السيف لا بالختل والحِيَلِ)
(موف على مهجٍ في يوم ذي رهجٍ ... كأنه أجلٌ يسعى إلى أملِ)
(ينالُ بالرفقِ ما يَعْيَا الرجالُ به ... كالموتِ مستعجلاً يأتي على مَهَلِ)
(يكسو السيوفَ نفوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل)
(يغدو فتغدو المنايا في أسنّتِه ... شوارعاً تتحدى الناسَ بالأجلِ)
(قد عودَ الطيرَ عادات وثقنَ بها ... فهن يتبعنه في كل مرحل)
(إذا انتضى سيفهُ كانت مسالكهُ ... مسالكَ الموتِ في الأبدان والقُلَلِ)
(الزائدُّيون قومٌ في رماحهم ... خوفُ المخيفِ وأمنُ الخائفِ الوَجِلِ)
(كبيرهُم لا تقومُ الراسياتُ له ... حلماً وطفلهمُ في هُدى مكتهل)
(إسلم يزيد فيما في الملكِ من أودِ ... إذا سلمتَ ولا في الدينِ من خلل)
следующие страницы →