← Адаб

Адаб · id 6909

ديوان المعاني

أبو هلال العسكري

Полный текст (608 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لأن الشجاع لا يمدح نفسه بالفرار سيما باللفظ البليغ من فرور. وليس كذلك لأن قوله (كل ما ذلك مني خلق) على أنه ذكر حال فرار وحال ثبات فحال الثبات قوله (ولقد أجمع رجلي بها) والحال الأخرى حال للفرار إذا كان ذلك أحزم ولو ذكرنا حالا واحدة لم يحسن أن يقول كل ماء لك مني خلق وإنما دل على أصالته وعقله في ثباته وقت الثبات وفراره ساعة الفرار وليس الشجاعة أن يحمل الرجل نفسه على الهلكة إنما ذلك هوج والشجاعة أن يتقدم وغالب ظنه أن يظفر فأما أنه إذا علم أنه إذا أقدم هلك ثم أقدم فإن ذلك جنون لأن كل أحد يقدر أن يقدم على الهلكة فيهلك وإنما الشأن في أن يحمد غب إقدامه وفي قريب من ذلك قوله: (فجاشت إلىَ النفسُ أولَ مرة ... فُردت على مكروهها فاستقرتِ) فما جاشت نفسه إلا وجبن، ولو وصف عمرو هذه الأشياء من نفسه قيل إنه ممن يصدق عن نفسه، على أنه ربما كذب الكذبة الصلعاء روى لنا أبو أحمد عن العبشمي عن المبرد وعن غيره قال وقف عمرو بن معدي كرب وخالد بن الصقعب النهدي في جماعة بالكناسه يتحدثون فقال عمرو أغرنا مرة على بني نهد فخرجوا مسترعفين بخالد بن الصعقب فحملت عليه فطعنته فأرديته ثم ملت عليه بالصمصامة فأخذت رأسه فقال خالد حلاً أبا ثور فان قتيلك هو المحدث فقال عمرو يا هذا إذا حدثت بحديث فاسمع فانما نرهب هؤلاء المعدية. مسترعفين أي متقدمين، وقوله حلا أبا ثور أي قل إن شاء الله ويقال حلف ولم يتحلل أي لم يستثن. ويروى عن العرب كذب كثير فمن ذلك ما يزعمون أنهم يرون الجن ويكلمون الغيلان والسَعالي حتى زعم تأبط شراً انه طلب نكاح السعلاة في قوله: (وادهمَ جبت حلبابه ... فيا جارتا أنت ما أهولا) (فطالبتها بعضها فانثنت ... بوجه تهوّل واستغولا)

стр. 107

(وكنت إذا ما هممتُ اعتزمت ... وأخرى إذا قلتُ أن أفعلا) وقال آخر: (أخو قَفراتٍ حالفَ الجنَ واتقى ... من الإنسِ حتى ما تقضت رسائلُهْ) (له نسبُ الإنسيِّ يعرفُ نحله ... وللجنَ منهُ خَلقه وشمائلُهْ) وقال عبيد بن أيوب: (فللَّه درُ الغولِ أيُّ رفيقةٍ ... لصاحبِ قفرٍ خائفٍ متقفرِّ) وكان كثيرٌ من شعرائهم يدعي أن له شيطاناً يعلمه الشعر منهم الفرزدق كان يكنى شيطانه أبا لبينى وذكر أنه ذهب إلى جبل فناداه فجاء مثل الذباب فدخل في حلقه فقال قصيدته التي أولها (عزفت بأعشاشٍ وما كنت تعزف) وقال أبو النجم: (وجدت كلَ شاعرٍ من البشرْ ... شيطانهُ أنثى وشيطاني ذكر) وزعموا أن عروة بن عتبة صرخ بقومه فأسمعهم من مسيرة ليلة. ورووا أن لقمان بن عاد لما ضعف بصره كان يفصل بين أثر الذكر والأنثى والذر إذا دب على الصفا في الليلة الظلماء. وقال رجل لأبي حنيفة ما كذبت قط قال هذه كذبة أشهد بها عليك. وسأل الحجاج قاصاً عن اسم بقرة بني اسرائيل قال حنتمة فقال له رجل من أولاد أبي موسى الأشعري في أي كتاب وجدت هذا قال في كتاب عمرو بن العاص. ودخل عبد الله بن الزبير يوما على معاوية فقال اسمع أبياتاً قلتها: (إذا أنتَ لم تنصف أخاكَ وجدتَهُ ... على طرفِ الهجرانِ إن كان يعقلُ) (ويركبُ حدَ السيفِ من أن تضيمهُ ... إذا لم يكنَ عن شفرةِ السيفِ مزحلُ) ثم دخل معن بن أوس المزني فأنشد (لعمرك ما أدري وإني لأوجلُ) حتى صار إلى البيتين فقال معاوية ما هذا يا أبا بكر فقال أنا أصلحت المعاني وهو

стр. 108

ألف الكلام وهو بعد ابن ظئري وما قال من شئ فهو لي وكان عبد الله بن الزبير مسترضعاً في مزينة: والثالث عمرو بن الأطنابة حيث يقول: (وقولي كلماَجشأتْ وجاشَتْ ... مكانَكِ تحمدى أو تستريحي) فزعم أن نفسه جشأت وجاشت وليس ذلك إلا من الجبن. أخبرنا أبو أحمد أخبرنا أبو بكر بن دريد عن الرياشي حدثنا العتبي عن أبيه قال دخل الحارث بن نوفل بابنه على معاوية فقال ما علمت ابنك؟ فقال القرآن والفرائض فقال روه من فصيح الشعر فإنه يفتح العقل ويفصح المنطق ويطلق اللسان ويدل على المروءة والشجاعة ولقد رأيتني ليلة صفين وما يحبسني ألا أبيات عمرو بن الأطنابة حيث يقول: (أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمدَ بالثمن الربيحِ) (وإعطائي على المكروهِ مالي ... وضربي هامةَ الشيخ المشيحِ) (وقولي كلما جشأتْ وجاشَتْ ... مكانكِ تحمدي أو تستريحي) (لأدفعَ عن مآثرَ صالحاتٍ ... وأحمي بعدُ عن عرضٍ صحيحِ) (بذي شطبٍ كلونِ الملح صافٍ ... ونفس لا تقرُ على القبيحِ) قالوا والذي يدل على الشجاعة الخالصة قول العباس بن مرداس: (أشدُ على الكتيبةِ لا أبالي ... أحتفي كان فيها أو سواها) وهذا على مذهب من ذكرنا قبلُ هوج، والذي يدل على أن التثبت والتأني وسكون النفس من تمام الشجاعة قول بلعاء بن قيس: (وفارس في غمارِ الموتِ مُنغمس ... إذا تأنَّى على مكروهِهِ صدقا) (غشيتهُ وهو في جأواء باسلةٍ ... عضباً أصابَ سواءَ الرأس فانفلقا) (بضربةٍ لم تكن مني مخالسةً ... ولا تعجلتها جبناً ولا فرقَا) فذكر أن مخالسة الضرب من الجبن. وأحسن ما قيل في التقدم في الحرب قول زهير:

стр. 109

(ليث بعثّر يصطادُ الرجالَ إذا ... ما الليثُ كذّب عن أقرانهِ صَدَقَا) (يطعنهمُ ما ارتَمَوا حتى إذا ظعنوا ... ضَارَبَ حتى إذا ما ضارَبُوا اعتنقا) وصفة بالتقدم على كل حال. وقل أحد منهم لم يصف نفسه بالتأخر، قال حصين ابن حمام: (تأخرتُ أستبقي الحياةَ فلم أجد ... لنفسي حياةً مثلَ أنْ أتقدّما) (فلسنا على الأعقاب تدمى كلومُنا ... ولكن على أقدامنا تُقطِر الدما) ذكر أنه تأخر ثم رأى أن التقدم أحرز لظفر يعيش به عزيزاً أو موتٍ يموته شريفاً. وأخبرنا أبو أحمد رحمه الله تعالى عن أبيه عن علي قال قال المهدي لابن داب أنشدني أحسن ما قيل في وصف الفتى الشجاع فأنشده للشماخ (وأشعثَ قد قدَ السفارُ قميصَه ... يجر شِواءً بالعصا غيرَ مُنضَجِ) (دعوتُ إلى مانبني فأجابني ... كريمٌ من الفتيان غيرِ مُزلَّجِ) (فتى يملأ الشِّيزى ويُروي سِنانهُ ... ويضربُ في رأس الكميِّ المدجّجِ) فالتفت إلى عبد الله بن مالك الخزاعي وقال هذه صفتك. وقالوا أشجع بيت قالته العرب قول كعب بن مالك: (نصلُ السيوفَ إذا قَصُرنَ بخطونا ... قِدْماً ونُلحِقها إذا لم تَلحَقِ) ورأى بعض العرب سيفاً فقال ما أجوده لولا قصر فيه فقال صاحبه نصله بخطوة فقال الرجل تلك الخطوة أشد من مشيتي إلى الصين. وأبلغ ما قيل في سعة الخطو في الحرب قول أبي تمام: (خطوٌ ترى الصارمَ الهنديَّ منتصراً ... به من المارنِ الخطىَ منتصفاً)

стр. 110

يقول لسعة الخطو ينتصف صاحب السيف من صاحب الرمح. وقالوا أشجع ما قيل قول الشاعر: (أقولُ لنفسٍ لا يجادُ بمثلها ... أقلِّي شكوكا إنني غيرُ مدبرِ) وأجود ما قيل في صدق اللقاء مع قلة العدد قول أبي تمام: (قلّوا ولكنهم طابوا فانجدهم ... جيشٌ من الصبر لا يُحصى له عددُ) (إذا رأوا للمنايا عارضاً لبسوا ... من اليقينِ دُروعاً ما لها زردُ) (ناءٍ عن المصرحِ الأدنى فليس لهم ... إلا السيوفُ على أعدائهم مددُ) وأجود ما قيل في وصف الفتى الشجاع وصاحب الحرب من شعر المحدثين قول مسلم بن الوليد في يزيد بن مزيد الشيباني: (لولا يزيد لأضحى الملكُ مضطرداً ... أو مائلَ الرأسِ أو مسترخيَ الطولِ) (حاطَ الخلافةَ سيفٌ من بني مَطَرٍ ... أقام قائمهُ مَنْ كان ذا مَيل) (سدَ الثغورَ يزيدٌ بعد ما انفرجت ... بقائم السيف لا بالختل والحِيَلِ) (موف على مهجٍ في يوم ذي رهجٍ ... كأنه أجلٌ يسعى إلى أملِ) (ينالُ بالرفقِ ما يَعْيَا الرجالُ به ... كالموتِ مستعجلاً يأتي على مَهَلِ) (يكسو السيوفَ نفوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل) (يغدو فتغدو المنايا في أسنّتِه ... شوارعاً تتحدى الناسَ بالأجلِ) (قد عودَ الطيرَ عادات وثقنَ بها ... فهن يتبعنه في كل مرحل) (إذا انتضى سيفهُ كانت مسالكهُ ... مسالكَ الموتِ في الأبدان والقُلَلِ) (الزائدُّيون قومٌ في رماحهم ... خوفُ المخيفِ وأمنُ الخائفِ الوَجِلِ) (كبيرهُم لا تقومُ الراسياتُ له ... حلماً وطفلهمُ في هُدى مكتهل) (إسلم يزيد فيما في الملكِ من أودِ ... إذا سلمتَ ولا في الدينِ من خلل)

стр. 111

(وافخر فمالك في شيبانَ من مثلٍ ... كذاك ما لبني شيبانَ من مثلِ) (لله من هاشمٍ في أرضهِ جبلٌ ... وأنتَ وابنُك ركنا ذلك الجبلِ) وقوله: (سلَ الخليفةُ سيفاً من بني مطر ... يمضي فيخترقُ الأحشاءَ والهاما) (كالدهرِ لا ينثني عمَّا يهُمُّ به ... قد أوسعَ الناسَ إنعاماً وإرغاما) (تظلمَ المال والأعداء من يده ... لا زالَ للمالِ والأعداءِ ظلَاّما) (إذا بدا رفعَ الأستار عن ملك ... تُكسى العيونَ به نُوراً وإظلاما) (تمضي المنايا لما تمضي أسنّتهُ ... كأنّ في سرجهِ بدراً وضِرغاما) وله أيضاً: (يلقى المنّية في أمثال عُدتِها ... كالسيلِ يقذفُ جُلموداً بجلمودِ) (كالليثِ بل مثلهُ الليثُ الهصورُ إذا ... غنَّى الحديدُ غناءً غير تغريدِ) وقالوا أشجع يبت قاله محدث قول أبي تمام: (فما بلّ في مستنقع الموتِ رجله ... وقال لها من تحتِ أخمصك الحشرُ) (وقد كان فوتُ الموت سهلاً فردهُ ... عليهِ الحِفَاظُ المرُ والخلقُ الوعرُ) (غدا غَدْوَةً والحمد نسجُ ردائهِ ... فلم ينصرف إلا وأكفانُهُ الأَجرُ) أخذ معنى البيت الأول من قول عوف بن قطن بقوله يوم الجمل: (لا أبتغى اللحدَ ولا أبغي الكفنْ ... من ها هنا محشرُ عوفِ بن قطنْ) وأجود ما قيل في سكون الجأش في الحرب قول البحتري: (لقد كانَ ذاك الجأشُ جأش مسالمٍ ... على أنَ ذاك الزيَّ زيُ محاربِ) (تسرعَ حتى قالَ من شهدَ الوغى ... لقاء عداءٍ أم لقاء حبائب) (وصاعقة في كفه ينكفي بها ... على أرؤسِ الأقران خمسُ سحائب) وهذا البيت أجود ما قيل في معناه جعل السيف صاعقة وأصابع الضارب سحائب تجود على مؤملين بغيتها وتقتل معاوية بصاعقتها.

стр. 112

(أصدق بيت قالته العرب) أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن أبي العيناء قال قال الأصمعي أصدق بيت قالته العرب وأحكمه قول الحطيئة: (من يفعل الخيرَ لا يَعدم جوازيهُ ... لا يذهبُ العرفُ بين الله الناس) وقال المحدث في معناه (ما ضاع عرف وان أوليته حجراً ... ) وقال الأفوه: (والخيرُ تُزدادُ منهُ ما كفيتَ بهِ ... والشرُ يكفيكَ منهُ قلما زادَ) وقيل خير من الخير فاعله وخير من الذهب معطيه، وقال عبيد ابن الأبرص: (الخيرُ يبقى وإن طالَ الزمانُ بهِ ... والشرُّ أخبثُ ما أوعيتَ من زاد) وأخبرنا أبو أحمد رحمه الله تعالى أخبرنا الجوهري أخبرنا عمر بن شبة حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير حدثنا سفيان بن سعيد عن عبد الملك بن عمير قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يحدث بحديث عن أبي هريرة قال قال رسول الله & أصدق كلمة قالتها العرب: (ألا كل شئ ما خلا الله باطلُ ... وكلُ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ) (وكل أناس سوفَ تدخلُ بَيْنَهُم ... دويهيةٌ تصفرُ منها الأناملُ) وأخبرنا أبو أحمد رحمه الله تعالى أخبرنا الجوهري أخبرنا أبو زيد حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب أن عثمان بن مظعون كان في جوار الوليد بن المغيرة وكان لا يؤذى كما يؤذى أصحابه يعني من المسلمين فسأل الوليد أن ينزل من جواره فبرئ منه فلما جلس مع القوم ولبيد ينشدهم (إلا كل شئ ما خلا الله باطلا) فقال عثمان صدقت ثم أنشد لبيد رأس البيت (وكل نعيم لا محالة زائل) فقال عثمان كذبت فأسكت القوم ولم يدورا ما أراد ثم أعاد ثانية فصدقه عثمان وكذبه لأن نعيم الآخرة لا يزول فقال لبيد ما هكذا كانت مجالسكم فنزا رجل من قريش فلطم عين عثمان فأحضرت فقال

стр. 113

له الوليد كنت في ذمة معنية فخرجت منها وكنت عن الذي لقيت عينك غنيا فقال بل كنت إلى الذي لقيت فقيراً وعيني التي لم تلطم إلى مثل ما لقيت صاحبتها فقيرة فقال إن شئت أجزتك ثانية فقال لا أرب لي في جوارك، وأول هذه القصيدة: (ألا تسألانِ المرءَ ماذا يُحاولُ ... انحبٌ فيُقضَى أم ضلالٌ وباطلُ) (حبائلهُ مبثوثةٌ بسبيله ... ويفنيَ إذا ما أخطأتهُ الحبِائلُ) (إذا المرءُ أسرَى ليلةً ظنَ أنهُ ... قضى عملاً والمرءُ ما عاشَ عاملُ) وأجود من هذا سبكاً ورصفاً قول الصلتان: (نروحُ ونغدُو لحاجاتنا ... وحاجةُ من عاش لا تنقضي) وأخبرنا أبو أحمد عن رحالة قال قيل لرجل سماه أنشدنا أصدق بيت قالته العرب قال الناس يقولون (كل امرئ في شأنه ساعي ... ) وأنا أقول: (كأن مُقلا حين يغدو لحاجة ... إلى كلَ من يلقى من الناس مذنبُ) وأصدق بيت قاله محدث قول البحتري: (نصليك في الأكروُمتين فإنما ... يسودُ الفتى من حيثُ يسخو ويشجع) (رزعتُ رجاءً في ذراك مُبكراً ... وجلُ حصادِ المرءِ من حيثُ يزرعُ) أجود ما قيل في القناعة قول الشاعر: (إذا سُدَ بابٌ عنك من دونِ حاجةٍ ... فدعها لأخرى لينٌ لك بابُها) (وإن قرابَ البطنِ يُغنيك ملؤه ... ويكفيك سوآت الأمورِ اجتنابها) أخذه ابن الرومي فقال وأحسن: (إذا ما شئت أن تعرفَ ... يوماً كذبَ الشهوه) (فكل ما شئتَ يغنيك ... عن العذبة الحلوة) (وطأ من شئتَ يغنيك ... عن الخناء في الذروه) (فكم أنساك ما نهواه ... نُيلُ الشئ لم نهوه) وقال ابن هرمة:

стр. 114

(إذا مطمعُ يوماً غزاني غزوتهُ ... كتائب ناس كرّها واطرِّادُها) (أمصّ ثِمادي والمياه كثيرة ... أعالج منها حضرَها واكتدادَها) (وأرضى بها من بحر آخر أنه ... هو الرأي أن ترضى النفوس ثمادِها) وأبرع بيت قيل من قديم الشعر قول أبي ذؤيب: (والنفسُ راغبةٌ إذا رغبّتها ... وإذا تردُ إلى قليلٍ تقنعُ) وقد أحسن أبو العتاهية في قوله: (أنتَ محتاجٌ فقيرٌ أبدا ... دون ما ترضى بأدْنَى ما لديك) وذم بعضهم القناعة فقال هي خلق البهيمة، معناه أنها إذا وجدت أكلت وإن لم تجد باتت على الخسف ليس لها محالة دون الانطواء على الجوع ولا نكير دون الإقرار بالهزل كما قيل: (ولا يقيم على ضيمٍ يُرادُ به ... إلا الأذلَاّن غير الحي والوتدُ) (هذا على الخسفِ مربوطُ برمتهِ ... وذا يشجُ فلا يَرثي له أحدُ) وإلى هذا المذهب ذهب على بن محمد في وقوله: (إذا اللئيمُ مطَ حاجبيّهِ ... وذادَ عن حريم درهميهِ) (فاترك عنانَ البخل في يديهِ ... وقم إلى السيفِ وشفرتيهِ) (واستنزل الرزقَ بمضربيهِ ... إن قعدَ الدهرُ فقم إليهِ) وقلت: (سأستعطفُ الأيامَ حتى تردَّني ... إلى جانب منها يلينُ ويسهلُ) (وأقنعُ لا أن القناعة لي هوى ... ولكنَ صونَ العرض بالحر أجمل) وقال ديك الجن: (لا تقم للزمانِ في منزلِ الضيم ... ولا ترتبطكَ رقةُ حالِ) (وإذا خفتَ إن يراهقك العدم ... فعذ بالمثقفات العوالي) (وأهن نفسك الكريمةَ للموت ... وقحم بها على الأهوال)

стр. 115

(فلعمري للموتُ أجملُ بالحرَ ... من العيشِ ضارعاً للرجال) (أي ماءٍ يجولُ في وجهك الحرَ إذا ما امتهنتهُ بالسؤال) (ثم لا سيما وقد عصفَ الدهرُ بأهل الندَى وأهل النوال) (فقليلٌ من الورَى من تراهُ يُرتجي أن يصونَ عرضاً بمال) وفي المعنى الأول ما أنشدنا أبو أحمد رحمه الله تعالى أنشدنا أبو بكر بن دريد أنشدني أحمد بن المعدل لأخيه عبد الصمد: (رأت عدمي فاستراثت رحيلي ... سبيلك إن سواها سبيلي) (يرجى اليسار لها بالقفول ... لعلَ المنيةَ قبل القفولِ) (لعمر التي وعدتك الثراءَ ... بجدوَى الصديقِِ وبرّ الخليلَ) (لقد قذفتْ بك صعبَ المرامِ ... واستجملت لك غير الجميلِ) (سأقني العفاف وأغني الكفال ... فليسَ غِنَى النفس جودُ الجزيلِ) (ولا أتصدَّى لشكر الجوادِ ... ولا استعدُ لذمَ البخيلِ) (وأعلمُ أن بناتِ الرجاءِ ... تحلُ العزيزَ محلَ الذليلِ) (وأن ليس مستغنياً بالكثيرِ ... من ليسَ مُستغنياً بالقليلِ) قال أبو أحمد لو كان شعر عبد الصمد كله هكذا لرأيته نبي الشعر. وقال البصير: (قلتُ لأهلي وراموا أن أميرَهُم ... بماء وجهي فلم أفعلْ ولم أكدِ) (لا تجمعوا أن تهينوني وأكرمكم ... ولا تمدُّوا إلى نيل اللئامِ يدي) (تبلغوا وادفعوا الحاجاتِ ما اندفعت ... ولا يكن همكم في يومكم لغدِ) (فربَ ملتمسٍ ما ليس يُدركهُ ... ومدركٌ ما تمنى غير مجتهدِ) أبلغ ما قيل في مساعدة الرجل أخاه وأجوده قول دريد بن الصمة وقد أغار هو وأخوه عبد الله على نعم لقيس فاستاقوها فلما كانوا ببعض الطريق نزل عبد الله ليريح ويستريح ويقسم المال بين أصحابه فنهاه دريد فبينما هما كذلك رأوا غبرة

стр. 116

فقالوا لرقيبهم ما ترى قال خيلاٌ كالعقبان عليها فوارس كالصبيان فقال فزراة ولا بأس ثم رأوا غبرة أخرى فقالوا له ماترى قال خيلا كأن قوائمها تنقلع من صخر قال تلك عبس والموت فلما خالطوهم قتل عبد الله فقال دريد: (أمرتُهم أمرى بمُنعرجِ اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلاضُحى الغدِ) (فلما عصَوني كنتُ منهم وقد أرى ... غَوايتهم أني بهم غير مهتدي) (وما أنا إلا من غَزيةَ إن غوتْ ... غويتُ وإن تَرشُد غزيةُ أرشَدِ) وأسر دريد ثم نجا فغزاهم من قابل فقتل قاتل أخيه. ووجه المبالغة في هذا الكلام أنه أخبر بموافقة أخيه على علمه بأنها غي وترك مخالفة مع معرفته أنها رشد كراهة الخروج من هواه وترك مطابقة على رضاه. وقريب منه قول عمر بن أبي ربيعة وروي لغيره: (وذي ودٍ أملتُ إليه نصحاً ... وكان لما أشيرُ به سميعا) (أطافَ بغيهِ ونهيتُ عنها ... وقلتُ تجنبِ الأمرَ الفظيعا) (أردتُ رشادهُ جَهدي فلما ... عصى وأبى ركبناها جميعا) وأنشدنا أبو أحمد عن الصولي عن الحسن بن محمد المهري عن التوزي: (تنخلتُ آرائي وسقتُ نصيحتي ... إلى غير طلقٍ للنصيح ولا هشَ) (فلما أبى نُصحي سلكتُ سبيلهُ ... وأوسعتهُ من زور قول ومن غشَ) وقال آخر: (ألم تعلما يا ابني دجاجةَ أنني ... أغشُ إذا ما النصحُ لم يُتقبل) ومن جيد ما قيل في النصيحة قول مخيس بن أرطأة: (عرضتُ نصيحةً مني ليحي ... فقال غششتني والنصحُ مرُ) (وما بي أن أكونَ أعيب يحيى ... ويحيى طاهرُ الأخلاق برُ) (ولكن قد أتاني أن يحيى ... يُقالُ عليه في نقعاء شرُ)

стр. 117

(فقلتُ له تجنبْ كلَ شئ ... يقالُ عليك إن الحرَ حرُ) ومثل ما تقدم قول الشاعر أنشدناه أبو أحمد عن جماعة: (إن أخا الصدق الذي لن يخدعك ... ومن يضرُ نفسهُ لينفعكَ) (ومن إذا صرفُ زمانٍ صدعك ... شتتَ شملَ نفسه ليجمعَك) (وإن غدوتَ ظالما غدا معك ... ) فسروه يكفك عن الظلم، وليس كذلك لأن معنى الأبيات لا يقتضيه وإنما أراد أنه يعاونك على الظلم على حسب ما قال عمر بن أبي ربيعة (ركبناها جمعيا) وقال ابن ميادة في النصيحة: (نصحتك يا رباحُ بأمرِ حزم ... فقلت هشيمةٌ من أهل نجد ... ) (نهيتك عن رجال من قريش ... على محبوكةِ الأصلابِ جُردِ) (ووجداً ما وجدتُ على رباح ... وما أغنيت شيئاً غير وجدي) وقال العباس بن جرير: (إرعَ الإخاءَ أبا محمد ... الذي يصفو وصنهُ) (وإذا رأيتَ منافساً ... في نيل مَكرُمَة فكنهُ) (أن الصديقَ هو الذي ... يرعاك حينَ تغيبُ عنه) (وإذا كشفتَ غِطاءهُ ... وأحمدتَ ما كشفَ عنهُ) (مثل الحسام إذا انتضاه ... أخو الحفيظةِ لم يَخُنْهُ) (يسعى لما تسعى له ... كرماً وإن لم تَسْتَعِنْهُ) ومن أبلغ ما قيل في إرضاء الرجل عن أخيه قول الراجز: (لم أقضِ من صحبةِ زيدٍ أربي ... فتًى إذا نبهتهُ لم يغضبِ) (أبيض بسَّام وإن لم يعجبِ ... ولا يَضن بالمتاع المحقبِ) (موكل النفسِ بحفظِ الغيبِ ... أقصى رفيقين له كالأقربِ) وهذا خلاف ما قيل (من غاب نصيبه ... ) وقلت في قريب منه:

стр. 118

(بذلتُ من شكري ما لم يبذل ... لماجد أجملَ إذ لم أُجْمِلِ) (يحمل من ثقليَ ما لم يحملِ ... فعزَّ في عينيَ حين ذَلَّ لي) (إن جمالَ الحرَ في التجمُّلِ ... وقد يكونُ العزُ في التذللِ) (والمجد شهد يُجتَنى من حنظلِ ... ) ومن قديم ما جاء في هذا النحو قول أوس: (وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يلومكَ إن ولى ويرضيكَ فقبلاً) (ولكنهُ النائي إذا كنت آمِنا ... وصاحبك الأدني إذا الأمرُ أعضلا) أبلغ ما قيل في التأني وأجوده وأشده اختصاراً ما أنشدناه أبو أحمد للمرار الفقعسي: (تقطع بالنزول الأرض عنا ... وبعد الأرض يقطعه النزولُ) وهذا مأخوذ من قول النبي & أل إن هذا الدين متينٌ فأوغل فيه برفقٍ فإن المنبت لا أرضاً قطعَ ولا ظهراً أبقى) وتقول العرب شر السير الحقحقة، وهي شدة السير. وقلت في نحو قول المرار: (وحطّ بها أكوار خوصٍ لواغب ... يُقلل إكثار الذميلِ ذميلُها) (نغض عبرة حلَ الفراقُ عقالها ... وأقلقَ هجران الحبيبِ مقيلها) (فلا غروَ إن فاضت دموعُ متيمٍ ... على الدار يسقي ظلهن طلوعها) ومن المشهور في التأني قول القطامي: (قد يُدرك المتأني بعض حاجتهِ ... وقد يكونُ مع المستعجلِ الزللُ) وقال غيره: (ومستعجل والمكثُ أدنى لرشدهِ ... ولم يدر ما يلقاه حين يبادرُ) وقيل لبعض العلماء لم لم يقل (كل حاجته) فيكون أبلغ قال ليس (كل) من كلام الشعر، وقد صدق ولو قال كل حاجته لكان متكلفاً مردوداً وكثيراً ما يقع (كل) في الشعر قلق المكان كوقوعه في بيت ابن طباطبا: (فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمةُ كلَ الناسِ ما يحسنونهُ)

стр. 119

ولا أعرف أن (كلا) وقع في بيت أحسن منه في بيت أبي العتاهية: (أعلمتُ عُتبةُ أنني ... منها على أجلٍ مطل) (وشكوتُ ما ألقى إليها ... والمدامعُ تستهلُ) (حتى إذا بَرمتَ بما ... أشكوكما يشكو الأذل) (قالت فأي الناسِ تعرفُ ... ما تقولُ فقلتُ كل) (ومن الذي يهوى فلا ... يزَهى عليه ولا يذل) وقد أصاب القائل في صفة العقل: (وجدتُ العقلَ نوعين ... فمطبوعٌ ومسموعُ) (ولا ينفعُ مسموعٌ ... إذا لم يكُ مطبوع) أجود ما قيل في الاختيار قول ابن المعدل أظنه: (إذا لم تَقدحي زَندْيك يوماً ... فما يدريك أيهما الوريُّ) وأول الأبيات: (رأتنا أمُّ عمرو فازدرتنا ... ونقضُ الحرب منظرهُ زريُّ) (إذا لم تَقدحي زَندْيك يوماً ... فما يدريك أيهما الورى) (سلي بي بختري أني طروب ... إلى الإيسار أبلجُ بختريُّ) (وإني حين تختلف العوالي ... إلى الإبطالِ أكيس قسوريُّ) (كِليني للندَى والبأسِ إني ... بكل بسالة وندىً حَرِيُّ) ومثله قول الآخر: (زِني القومَ حتى تعرفي عندَ وزنهم ... إذا رُفع الميزانُ كيفَ أميل) وقال النبي & (أخبر تقله) معناه اختبر من شئت تجد دون ما تظنه فيه وتطلع على ما تكره منه فتبغضه، وليس في جميع ما قيل في هذا المعنى أبلغ منه ولا أوجز وقد شرحه ابن الرومي فقال:

стр. 120

(دعتني إلى فضلِ معروفكم ... وجوهٌ مناظرُها مُعْجِبَهْ) (فأخلفتمُ ما توسمته ... وقلَ حميدٌ على التجرِبَةُ) (وكَمْ لمْعة خلتُها رَوْضَةً ... فألفيتُها دِمنة مُعِشبَهْ) (ظلمتكم لا تطيبُ الفروعُ ... إلا وأعراقها طيبة) (وكنت حسبت فلما حسبت ... عفَّى الحساب مع المحسِبَهْ) (فهل تعذروني كعذريّكم ... بأنَ أصولكم المذنبة) (جزيتُ موازينكم بالسواء ... وعذرٌ بعذر فلا مَعتبه) وقد قال الناس: المطأنينة قبل التجربة حمق، والمثل السائر لا تحمدن امرأ حتى تجربه سمعت عم أبي يقول ما سمعنا في الشكر أوجز من قول يحيى بن خالد (الشكر كفؤ النعمة) ولا أطراف من قول البحتري (الشكر نسيم النعمة) وأنا أقول لم يسمع أجمع في الشكر من قول إبراهيم بن العباس أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن إسماعيل قال قال إبراهيم بن العباس الشكر داعية المزيد وقيمة العارفة ورباط النعمة ولسان المعطفة. وأبلغ ما قيل في الشكر من الشعر قول يحيى بن زياد الحارثي أنشدناه أبو أحمد عن الصولي: (حلفت بربِّ العيسِ تهوِي بركبها ... إلى حرم ما عنه للركبِ معدلُ) (لما بلغ الأنعامُ في الفضل غايةً ... تفضلُ إلَاّ غايةُ الشكر أفضلُ) (ولا بلغت أيدي ألنميلين بَسطة ... من الطولِ إلَاّ بسطةُ الشكر أطولُ) (ولا ثقلت في الوزنِ أعباءُ منةٍ ... على المرء إلَاّ منَّةُ الشكر أثقلُ) (فمن شكرَ المعروفَ يوماً فَقد أتى ... أخا العرف من جنس المكافاة من علُ) وقال الآخر: (فعلتَ خيراً كثيراً ... وأنت أكثرُ منهُ) (ونحنُ أكثرُ منه ... لشكرنا لك عنهُ) وأجود ما قيل في عظم النعمة وقصور الشكر من قديم الشعر قول طريح بن إسماعيل:

стр. 121

(سعيتُ ابتغاءَ الشكر فيما صنعت بي ... فقصرت مغلوباً وإني لشاكرُ) قوله وإني لشاكر مع قوله مغلوباً حسن الموقع، وهو مأخوذ من قول الآخر: (فراق حبيب لم يَبنْ وهو بائنٌ) (لأنك توليني الجميلَ بداهةً ... وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر) (فأرجعُ مغبوطاً وترجع بلتي ... لها أولٌ في المكرماتِ وآخرُ) وقول الآخر: (ولو أن لي في كلِّ منبتِ شعرةٍ ... لساناً يبثُ الشكر فيك لقصرا) وقول دعبل: (هُجرتُك لاعن جفوةٍ وملالةٍ ... ولا لقلى أبطأتُ عنك أبا بكر) (ولكنني لما أتيتك راغباً ... فأفرطتَ في برِّي عجزتُ عن الشكر) (فملآنَ لا آتيك إلا مِعذراً ... أزورُك في الشهرين يوماً أو الشهر) (فإن زدتَ في بري تزايدتُ جفوةً ... فلا نلتقي حتى القيامة والحشرِ) وقول أبي نواس: (قد قلتُ للعباسِ مُعتذراً ... من ضعف شُكريه ومعترفا) (أنتَ امرؤٌ قلدتني نعماً ... أوهت قوَى شُكري وقد ضعفا) (لا تسدينَّ إليَّ عارِفَةً ... حتى أقومَ بشكر ما سَلفا) وهو أول من أتى بهذا المعنى إلا أنه عبر عنه عبارة طويلة، وأحد أدواء الكلام فضل ألفاظه على معانيه. وقال البحتري: (هتايك أخلاقُ إسماعيل في تعبٍ ... من العلا والعلا منهن في تعبِ) (أدأبتُ شُكري فأمسي منك في نصب ... اقصر فما لي في جَدواك من أرب) (لا أقبلُ الدهرَ نيلاً لا يقومُ لهُ ... شُكري ولو كان مسديهِ إليَّ أبي) (لما سألتك وافاني نداك على ... أضعاف شكري فلم أظفر ولم أخِبِ)

стр. 122

وقلت في معناه: (تقاصرَ عن نداه باعُ شكري ... قصورَ الزجَ عن زلقِِ اللسانِ) (وآسى أن تطولَ بداي منهُ ... إلى ما لا يُطاوِلُهُ لساني) (كأن ندى يديه عناقُ بينٍ ... فليس يَسرُّني إلا شجاني) (لهجتُ بذكره لأبينَ عنه ... فضاقَ بوصفه ذرعَ البيان) (حناني ثقله ولو أنَّ قوساً ... تلقى منكبيّ لما حناني) (فها أنا منه مفتقرٌ وغان ... وقلبي فيه منطلقٌ وعان) وقال البحتري: (إني هجرتك إذ هجرتك وحشةً ... لا العودُ يذهبها ولا الابداءُ) (أخجلَتني بندى يديك فسوَّدتْ ... ما بيننا تلك اليدُ البيضاءُ) (وقطعتني بالجودِ حتى إنني ... متخوفٌ أن لا يكون لقاء) (صلةٌ غدتْ في الناسِ وهي قطيعةٌ ... عجباً وبرٌ راحَ وهو جفاء) (لَيُواصِلَنَّكَ ركبُ شعرٍ سائر ... يرويه فيك لحسنهِ الأعداء) (حتى يتمَّ لك الثناءُ مخلَّداً ... أبدا كما تّمت لك النّعماء) (فتظلُ تحسدَك الملوكُ الصِّيد بي ... وتظلُّ تحسُدني بكَ الشعراء) وقد أحسن ثمامة فيما كتب إلى بعضهم: قد حيرني سوء رأيك في فما أهتدي لطلب الاعتذار وأنت مولى نعمة أنا عبد شكرها فلا تفطمني من حسن رأيك فأضوي ولا تسقطني عن حيطتك فأثوي وقريب من المعنى الأول قول البحتري: (مَن مُعيني منكم على ابنِ فُراتٍ ... ومكافاةِ ما أنالَ وأسدَى) (كلما قلتُ أطلقَ الشكرُ رقي ... رجعتني لَهُ أياديه عبدا) سمعت عم أبى يقول ما سمعنا بالرضا بالقسمة والشكر أحسن من قول صالح بن مسمار: ما أدري أنعمة الله فيما بسط عليَ أفضل أم نعمته فيما زوى عني فجعل ما منعه نعمة والناس يجعلونه محنة ونقمة. وكتب بعضهم في المعنى الأول: أنا وإن كنت

стр. 123

ذافاقة إلى طولك فليست لي طاقة بما حملتنيه من برك وما أجد لنفسي معقلاً ولا أعرف لها متعللا إلا في الاقتداء بمن عجز عن شكر ما أولى فجبر نقيصته بالاعتراف والتقصير واعتمد من شكره على تصريف المعاذير. وكتب إلي بعض الأصدقاء وصل كتابك مقرونا بالتوقيع في معنى المعيشة فأعاد الأمل جديداً والجد سعيدا والهمة سامية تمسح وجه النجم وتقبل عارض الشمس وتمسك بعنان البدر فآذن بعمارة الجاه وتكفل برفع القدر وضمن أعلاه الأولياء وكبت الحساد وكب الأعداء إلى غير ذلك من أنس أورده وسرور جدده ووحشة صرفها وكربة كشفها، وفهمته وتأملت التوقيع فتصور لي الغناء بصورته وقابلني بصدق مخيلته وعرفت أن الدهر قد غضت جفونه ونامت عيونه وتنحت عن ساحتي خطوته وهذه نعم أعيا بذكرها فكيف أطمع في أداء شكرها بل عسى أن يكون الاعتراف بقصور الشكر عنها شكراً لها ومقابلة لما خلص إلي منها وأنا معترف بذلك اعتراف الروض بحقوق الأنواء إذا تحلى بيواقيت الأنوار ولآلئ الأنداء. وجعل جعفر بن يحيى البرمكي الشكر بإظهار حسن الحال أبلغ من الشكر بالقول. أخبرنا أبو أحمد أخبرنا المبرمان أخبرنا أبو جعفر بن القتيبي عن القتيبي قال أراد جعفر بن يحيى حاجة كان طريقه إليها على باب الأصمعي فدفع إلى خادم له كيساً فيه ألف دينار وقال إني سأنزل في رجعتي إلى الأصمعي ثم سيحدثني ويضحكني فإذا ضحكت فضع الكيس بين يديه فلما رجع ودخل عليه فرأى حُباً مكسور الرأس وجرة مكسورة العنق وقصعة مشعبة وجفنة أعشار ورآه على مصلى بالٍ وعليه بركان أجرد فغمز غلامه أن لا يضع الكيس بين يديه فلم يدع الأصمعي شيئاً مما يضحك الثكلان والغضبان إلا أورده عليه فما تبسم ثم خرج فقال لرجل يسايره من استرعى الذئب ظالم ومن زرع سبخة حصد الفقر إني والله لما علمت أن هذا يكتم المعروف بالفعل ما حفلت بنشره له باللسان وأين يقع مديح اللسان من آثار العيان إن اللسان قد يكذب والحال لا يكذب لوله در نصيب حيث يقول:

стр. 124

(فعادوا فأثنوا بالذي أنتَ أهلهُ ... ولو سكتوا أثنْت عليك الحقائبُ) ثم قال أعلمت أن ناس أبرويز أمدح لأبرويز من شعر زهير لآل سنان. قد أتى جعفر في هذا الفصل من المعاني بما لم يأتي به أحد قبله وشرحه شرحاً ليس مثله لأحد سواه. وقالت الحكماء لسان الحال أصدق من لسان الشكوى. وقد أجاد ابن الرومي في هذا المعنى فقال: (حال تبيحُ بما أوليتَ من حسنٍ ... وكل ما تدعيه غيرُ مردودِ) (كلي هجاءٌ وقتلي لا يحلُ لكم ... فما يداويكمُ مني سوى الجودِ) وقالوا: شهادات الأحوال أعدل من شهادات الرجال. ومما يجري في باب الشكر وهو من أبدع ما قيل في معناه ما أنشدناه أبو أحمد قال أنشدنا الصولي قال أنشدنا أحمد بن إسماعيل الخطيب لنفسه: (وإني وإنْ أحسنتُ في القولِ مرَّةً ... فمنك ومن آثارك امتار هاجسي) (تعلمتُ مما قلتهُ وفعلتهُ ... فأهديتُ غصناً من حناي لغارسي) أخذه ابن طباطبا فقال في ابن رستم الأصبهاني: (لا نفكرن اهداءَنا لك منطقاً ... منك استفدنا حُسنهُ ونظامهُ) (فالله جَلَّ وعزَّ يشكرُ فعلَ من ... يتلو عليه وَحْيَهُ وكلامه) وفي غير هذا المعنى يقول أبو تمام: (كم غارةٍ لك في المكارمِ ضخمةٍ ... غادرتَ فيها ما ملكتَ قتيلا) (فرأيتَ أكثر ما بذلتَ من اللُهى ... نزراً وأصغرَ ما شُكرتَ جزيلا) وقد أحسن ابن الرومي: (هاجرتُ عنك إلى الرجال ... فكانَ عرفهم كنكرك) (ورجعتُ من كثب إليكَ مفرغاً نفسي لشكرك) (ولما أروم بما أقل ... زيادةً في رفع ذكرك) (لكنه حق أو فيه ... عِوانَك بعدَ بِكركْ)

стр. 125

(كم نعمةٍ لك ملء ... فكري لا تُلاحِظها بفِكْركْ) (أحسن ما قيل في الصبر) أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن ابن الرياشي عن أبيه عن الأصمعي قال قال أبو عمرو أحسن ما قيل في الصبر قول أبي خراش: (تقولُ أراهُ بعدَ عروة لاهيا ... وذلك رزءٌ لو علمت جليلُ) (فلا تحسبي أني تناسيتُ عهدهُ ... ولكنَ صبري يا أميمُ جميلُ) وبعده: (ألم تعلمي أنْ قد تفرقَ قبلنا ... خليلا صفاء مالكٌ وعقيلُ) وقال الأصمعي أحسن ما قيل فيه مع الشرح قول أبي ذؤيب: (وتجلّدي للشامتين أريهمُ ... أني لريبِ الدهرِ لا أتضعضعُ) (حي كأني للحوادثِ مروةٌ ... بصفا المشقر كل يوم تقرع) وقوله: (وإني صبرتُ النفسَ بعدَ ابن عنبس ... وقد لجَ من ماء الشؤون لجوجُ) (لأحسبَ جلداُ أو لينبأ شامتٌ ... وللشرِّ بعد القارعات فروج) وأجود ما قاله محدث فيه قول ابن الرومي أنشدناه أبو أحمد عن ابن المسيب رواية ابن الرومي عن أبيه الرومي: (أرى الصبرَ محموداً وفيه مذاهبُ ... فكيف إذا ما لم يكن عنهُ مذهبُ) (هناك يحقُّ الصبرُ والصبرُ واجبٌ ... وما كان منهُ كالضرورةِ أوجب) (فشدَ امرؤٌ بالصبر كفّاً فإنه ... له عصمةٌ أسبابها لا تقضبُ) (هو المهربُ المنجى لمن أحدقتْ به ... مكارِهُ دهرٍ ليس عنهنَ مهربُ) (لبوسُ جمال جنةٌ من شماتة ... شفاءُ أسى يثني به ويثوب) (فيا عجباً للشئ هذي خلالهُ ... وتاركُ ما فيه من الحظ أعجب) (وقد يتظني الناسُ أنّ أساهمُ ... وصبرهمُ فيه طباعٌ مركب) (وإنهما ليسا كشئ مصرَّفٍ ... يصرفهُ ذو نكبةٍ حين ينكبُ) (فإن شاءَ أن يأس أطاعَ له الأسى ... وإن شاء صبراً جاءهُ الصبر يجلبُ)

стр. 126

(وليسَ كما ظنوهما بل كلاهما ... لكل لبيبٍ مُستطاعٌ مسببُ) (يصرفه المختار منها فتارةً ... يرادُ فيأتي أو يزاد فيذهب) (إذا احتجَّ محتجٌّ على النفس لم يكد ... على قدر ما يمنى له تتعتب) (وساعدها الصبرُ الجميلُ فأقبلت ... إليها له طوعاً جنائب تجنب) (وإن هو مناها الأباطيلَ لم تزل ... تقاتلُ بالغيب القضاء فتغلب) (فتضحي جزوعاً إن أصابت مصيبة ... وتمسي هلوعاً إذ تعذر مطلب) (فلا يعذرنَّ التارك الصبر نفسه ... بأن قيل إن الصبر لا يتكسب) ومن أجود ما قيل في ذم الحقد قول ابن الرومي: (الحقد داءٌ دفينٌ لا دواء له ... يبري الصدور إذا ما جمرهُ حرثا) (فاستشفِ منه بصفحٍ أو معاتبةٍ ... فإنما يبرئ المصدورَ ما نفثا) (واجعل طلابك بالأوتار ما عظمت ... ولا تكن لصغيرِ الأمر مكترثا) ثم قال يمدحه: (وخيرُ سجيّات الرجالِ سجيةُ ... توفيكَ ما تُسدي من القرض والقرض) (وما الحقدُ إلا توأمُ الشكر في الفتى ... وبعضُ السجايا ينتسبنَ إلى بعضِ) (فحيثُ ترى حقداً على ذي اساءةٍ ... فثمَّ ترى شكراً على حسنِ القرْضِ) (ولولا الحقودُ المستكناتُ لم يكن ... لينقض وتراً آخرَ الدهرِ ذو نقضِ) وأول من مدح الحقد عبد الملك بن صالح في قوله: إن كنت تريد الحقد بقاء الخير والشر عندي إنهما الباقيان. وأجمع كلمة قيلت في الصبر قول بعضهم الصبر مظنة النصر. وقال الآخر: الصبر مطية لاتكبو وإن عنف عليه الزمان. وسمعت عم أبي يقول: الصبر شرية تثمرارية وقال: (نفرج أيام الكريهة بالصبر) وقال آخر: (وهل جزعٌ يُجدي عليَّ فأجزعُ) فجعل الصابر الصبر ضرورة لعلمه أن الجزع غير مجد. وقلت:

стр. 127

(قالوا صبرتَ وما صبرتُ جلادةً ... لكن لقلةِ حليتي أتصبرُ) وليس في الحيوان شئ أصبر من الحمار والجمل وذلك أنهما يحملان الحمل الثقيل على الدبر ويبلغان به الغاية البعيدة على الحفا حتى قالت العرب (أصبر من ذي ضاغط) وهو أن يضغط موضع الأبط أصل الكركرة حتى يدميه ويقولون: (أصبرُ من عودٍ بجنبيه جلبٍ ... قد أثّر البطانُ فيه والحقب) قاله حلحلة بن قيس من أشيم فصار مثلاً، وقال سعيد بن أبان بن عينية بن حصن: (أصبرُ من ذي ضاغِط مُعَرَّكِ ... ألقى بواني صدرهِ للمِبركِ) ويقولون أصبر من ضب لما هو فيه من القشف واليبس. وقالوا ميله من لا ميله له الصبر. وسمعت والدي يقول لعن الله الصبر فإن مضرته عاجلة ومنفعته آجلة وذلك أنك معجل الصبر ألم القلب لتنال المنفعة في العاقبة ولعلها تفوتك لعارض يعرض وكنت قد تعجلت الضرر من غيره أن تصل إلى نفع. فنظمته بعد ذلك وقلت: (الصبرُ عمن تحبه صبرُ ... ونفعُ من لامَ في الهوى ضررُ) (من كان دون المرادِمصطبراً ... فلستُ دون المرادِ أصطبرُ) (منفعةُ الصبرِ غيرُ عاجلةٍ ... وربما حالَ دُونها الغير) (فقم بنا نلتمسْ مآربنا ... أقامَ أو لم يقم بنا القدر) (ان لنا أنفساً تسودنا ... أعانهن الزمان أويذر) (وابغ من العيشِ ما تسرُ به ... إنْ عذَل الناس فيه أو عذروا) وقال أبو هلال أجمع كلمات سمعناها في الحلم ما سمعت عم أبي يقول الحليم ذليل عزيز وذلك أن صورة الحليم صورة الذليل الذي لا انتصار له واحتمال السفه والتغافل عنه في ظاهر الحال ذل وان لم يكن به. وقيل الحليم مطية الجهول لااحتمال جهله وتركه الانتصاف منه. وقال الأول:

стр. 128

(وليس يتمُ الحلمُ للمرء راضياً ... إذا كان عندَ السخطِ لا يتحلمُ) (كما لا يتمُ الجودُ للمرء موسراً ... إذا كان عندَ العسرِ لا يتكرمُ) ولهذا قال الشيخ من الأعراب وقد قيل له ما الحلم قال الذي تصبر عليه وقال الشاعر: (لن يدرك المجدَ أقوامٌ وإن كرمَوا ... حتى يذِلوا وإن عزوا اأقوام) (ويُشتَموا فترى الألوان مُسفرةً ... لا صفح ذلُ ولكن صفحَ أحلام) وسمعته يقول الحلم عقال الشر وذلك أن من سمع مكروهة فسكت عنها انقطع عنه أسبابها وإن أجاب أتصلت بأمثالها. وأنشدوا في هذا المعنى: (وتخرج نفسُ المرءِ عن وقع شتمةٍ ... ويشتمُ ألفاً بعدها ثم يَصبرُ) ولا أعرف في الحلم معنى أحسن من معنى معاوية في قوله إني لأرفع نفسي أن يكون ذنبٌ أورثه من حلمي وما غضبي على من أملك أو ما غضبي على من لا أملك. يريد إني إذا كنت مالكا للمذنب فإني قادر على الانتقام منه فلم ألزم نفسي الغضب وإن لم أكن أملكه فليس يضره غضبي فلم أغضب عليه فأضر نفسي ولا أضره. وقال الشاعر في الحلم والاغضاء عن المكروه مع القدرة على التغيير: (مغض على العوراء لو ... لا الحلمُ غيرهُ انتصارهُ) وأسمع بعضهم الشعبي فقال له إن كنت صادقا فغفر الله لي وإن كنت كاذباً فغفر الله لك. وهذا أعجب ما جاء في هذا الباب وأحسنه. وأجود شئ قيل في الحلم من الشعر ما أخبرنا به أبو أحمد ابن دريد أخبرنا أبو عثمان عن الأخفش قال نال رجل من الخليل بن أحمد وأسمعه فقال الخليل: (سألزم نفسي الصفحَ عن كلَ مذنبٍ ... و " ن كثرت منهُ عليَّ الجرائمُ) (وما الناسُ ألا واحدٌ من ثلاثةً ... شريفٌ ومشروفٌ ومثلٌ مُقاوم) (فأما الذي فوقي فأعرفُ فضلهُ ... وأتبعُ فيه الحقَّ والحقُّ لازم) (وأما الذي مثلي فأن زلَ أو هفا ... تفضلتُ إنَّ الفضلَ بالعزِّ حاكم) (وأما الذي دوني فأن قالَ صُنتُ عن ... إجابتهِ عرضي وإن لامَ لائمُ)

стр. 129

قسم هذا الشاعر ثم فسر فأحسن ولم يدع مزيداً. ومن عجيب ما روي في الحلم ما أخبرنا به أبو أحمد عن رجاله قال جيء قيس بن عاصم بابن له قتيلاً وابن أخ له كتيفا وقيل له هذا قتل ابنك فلم يقطع حديثه ولا نقض حبوته فلما فرغ من حديثه التفت إلى بعض بنيه فقال قم إلى ابن عمك فأطلقه وإلى أخيك فادفنه وإلى أم القتيل فاعطها مائة ناقة فإنها غريبة لعلها أن تسلو عنه ثم اتكأ على شقة الأيسر وقال: (إني امرؤٌ لا يعتري خُلُقي ... دَنَسٌ يغيرُهُ ولا أفنُ) (من مِنقرٍ في بيتِ مَكرُمَةٍ ... والفرعُ يَنبتُ فوقهُ الغصنُ) (خُطباءُ حينَ يقولُ قائلهم ... بيضُ الوجوهِ مصاقعُ لُسنُ) (لا يفطنونَ لعيبِ جارهمِ ... وهمُ لحفظِ جوارهم فُطنُ) ويوصف الحلم بالرزانة وأجود ما قيل في ذلك قول مروان بن أبي حفصة: (ثلاثٌ بأمثالِ الجبالِ حياهمُ ... وأحلامُهم منها لدَى الوزنِ أثقلُ) وقد ذكرناه. والعرب تسمي العلم حلماً قال المتلمس: (لذي الحلم قبل اليوم ما تُقرع العصا ... وما عُلّم الإنسانُ إلا ليعلما) ومن أشرف نعوت الإنسان أن يدعى حليماً لأنه لا يدعاه حتى يكون عاقلاً وعالماً ومصطبراً محتسباً وعفواً وصافحاً ومحتملاً وكاظماً، وهذه شرائف الأخلاق وكرائم السجايا والخصال. وقد خولف هؤلاء فقيل في خلاف مذهبهم هذا أنشد المبرد: (أبا حسنٍ ما أقبحَ الجهلَ بالفتى ... وَللحلُم أحياناً من الجهلِ أقبحُ) (إذا كانَ حلمُ المرءِ عَوْنَ عدوِّهِ ... عليه فإن الجهل أعفى وأروحُ) وقال غيره: (قليلُ الأذى إلا عن القرن في الوغى ... كثيرُ الأيادي واسعُ الذرعِ بالفضلِ) (ويحلم ما لم يجلب الحلمُ ذلةً ... ويجهلُ ما شدت قوى الحلمَ بالجهل) وقال غيره:

стр. 130

(ترفعتُ عن شتم العشيرةِ أنني ... رأيت أبي قد كفَّ عن شتمهم قبلي) (حليمٌ إذا ما الحلمُ كان جلالةً ... وأجهلُ أحياناً إذا التمسوا جهلي) وقال غيره: (إذا الحلم لم ينفعك فالجهل أحزم) وقالوا ليس شئ خيراً من الحق إلا العفو وذلك أن عقاب المستحق للعقاب حق والعفو خير منه، ومن أحسن ما جاء فيه قول بعضهم: لو أن المسئ لي عبد لأخ لي لرأيت تغمده والصفح عنه إجلالاً لقدر مولاه وإعظاماً لحق صاحبه فأنا بالصفح عن عبد الله أولى. وفي ذم العفو قول عمارة بن عقيل: (وما ينفكُّ من سعد إلينا ... قطوعُ الرحم بادية الأديمِ) (ونغفرها كأن لم يفعلوها ... وطولُ العفوِ أدربُ للظلومِ) أجود ما قيل في المشهورة قول بشار أخبرنا أبو أحمد أخبرنا محمد بن يحيى حدثنا الغلابي حدثنا محمد بن عبد الرحمن التميمي قال دخل بشار على إبراهيم بن عبد الله ابن الحسن بن الحسين فأنشده قصيدة يهجو فيها المنصور ويشير برأي يستعمله في أمره فلما قتل إبراهيم خاف بشار فقلب الكنية وأظهر أنه قالها في أبي مسلم، أولها: (أبا جعفرٍ ما كلُّ عيشٍ بدائم ... وما سالمٌ عما قليلٍ بسالمِ) (على الملك الجبارِ يقتحمُ الردى ... ويصرعُهُ في المأزقِ المتلاحمِ) (كأنك لم تسمع بقتل متوّجٍ ... عظيم ولم تعلم بهلك الأعاجم) (تقسم كسرى رهطه بسيوفهم ... وأمس أبو العباسِ أحلامَ نائم) (وقد ترد الأيام عزاً وربما ... وردن كلوماً باديات الكشائم) (ومروانُ قد دارت على نفسه الردى ... لاجرامه لا بل قليل الجرائم) (وأصبحت تجري سادراً في طريقهم ... ولا تتقي أشباه تلك الفقائم) (تجردت للإسلام تعفو رسومه ... وتُعري مطايا لليوث الضراغم) (فما زلتَ حتى استنصر الدينُ أهلَه ... عليك فعاذوا بالسيوفِ الصوارم)

стр. 131

(لحى الله قوماً رأسوك عليهم ... وما زلَت مرؤساً خبيثَ المطاعمِ) (أقول لبسامٍ عليه جلالةٌ ... غَدَا أريحياً عاشقاً للمكارمِ) (من الفاطميين الدعاةِ إلى الهدى ... جهاراً ومن يهديك مثل ابن فاطمَ) (سراجُ لعين المستضئ وتارةً ... يكونُ ظلاماً للعدوِّ المزاحم) (إذا بلغَ الرأي المشورةَ فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم) (ولا تجعل الشورَى عليك غضاضةً ... فإن الخوافي قوةٌ للقوادم) (وما خيرُ كفٍّ أمسك الغُلُّ اختها ... وما خيرُ سيفٍ لم يؤيَّد بقائم) (وخلِّ الهوينا للضعيف ولا تكن ... نؤوماً فإنَّ الحزمَ ليس بنائم) (وحارب إذا لم تُعطَ إلا ظُلامةً ... شبا الحرب خيرٌ من قبول المظالم) هذا ما أورده أبو هلال العسكري وفي بعض الكتب زيادة في هذه القصيدة وهي: (فآذن على الشورى المقرب نفسه ... ولا تُشهدِ الشورى أمرأً غير كاتمٍ) (فإنك لا تستطردُ الهمَّ بالمنى ... ولا تبلغُ العليا بغير المكارم) (وما قارعَ الأقوامَ مثلُ مشَّيع ... أريبٍ ولا جلى العمى مثلُ عالمِ) وما خير كف البيت. قال أبو بكر فحدثني الجمحي قال سمعت المازني يقول سمعت أبا عبيدة يقول ميمية بشار هذه أحب إلي من ميميتي جرير والفرزدق. وقيل لبشار ما أحسن أبياتك في المشورة فقال المستشير بين صواب يفوز بثمرته أو خطأ يشارك في مكروهه فقيل له هذا والله أحسن من شعرك. ومن الأفراد التي لا شيبه لها قول عبد الملك بن صالح في ذم المشورة: ما استشرت أحداً إلا تكبر علي وتصاغرت له ودخلتني لذلة فعليك بالاستبداد فإن صاحبه جليل في العيون مهيب في الصدور فإذا افتقرت إلى العقول حقرتك العيون فتضعضع شأنك ورجفت بك أركانك واستحقرك الصغير واستخف بك الكبير وما عز سلطان لم يغنه عقله عن عقول وزرائه وآراء نصحائه فذم المشورة كما ترى وهي ممدوحة بكل لسان. وقال رومي لفارس نحن لا نملك من يشاور فقال الفارس نحن لا نملك من

стр. 132

لا يشاور، وقد أجمع الناس أن الفرس أعقل من الروم. ومن أوجز ما قيل في الطمع قول بعضهم إذا طمعت مللت. ويقولون الطمع طبع، والطبع الدنس وأنشد: (لا خيرَ في طمع يدعو إلى طبعَ ... وغفةٌ من قوام العيش تكفيني) والغفة القوت وأصلها الفأرة وسميت بذلك لأنها قوت للنسور. وأنا أقول إن أول الطمع ذلة وأوسطه شقوة وآخره حسرة. وقال ثابت قطنة: (ألا ئمتى عميرة أن رأتني ... عزفت النفس عما لم ينالا) أحزم كلمة سمعناها عن العرب قولهم (إن ترد الماء بماء أكيس ... ) معناه ينبغي أن تحتفظ بما عندك حتى تصل إلى غيره ولا تلقي ما في يدك رجاء لما هو أكثر منه فلعلك لا تناله لحادث يحدث. ومثل ذلك قولهم (لا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقا ... ) أي لا يترك معتمداً إلا إذا وجد مثله. وأصله في الحرباء لا يترك ساق شجرة حتى يمسك بساق أخرى، قال الشاعر: (أنى أيتحَ لها حرباء تنضبة ... لا يرسل الساقَ إلا ممسكاً ساقا) أجود ما قيل في الحياء قول الخنساء: (ومخرقٌ عنه القميص تخالهُ ... بين البيوتِ من الحياءِ سقيما) (حتى إذا رفعَ اللواء رأيتَهُ ... تحت اللواءِ على الخميسِ زعيما) أخذه بعضهم وأحسن: (يشبهون سيوفاً في صرامتهم ... وطول أنظيةِ الأعناقِ والقممِ) (إذا غدا المسكُ يجري في مفارقهم ... راحوا كأنهمُ مرضى من الكرم)

стр. 133

وقال غيره: (كريمٌ يغضُّ الطرف فضلُ حيائه ... ويدنو وأطرافُ الرماحِ دوانِ) (وكالسيف إن لاينته لان مسهُ ... وحداه إن خاشنته خشان) وقال أبو دهبل: (نَزْرُ الكلامِ من الحياءِ تخالهُ ... صمتاً وليس بجسمه سُقمُ) (عُقِمَ النساءُ فلا يلدن شبيههُ ... إن النساءَ بمثله عقمُ) غيره: (إني كأني أرى من لا حياءَ لهُ ... ولا أمانةَ بين الناسِ عُريانا) أجود ما قيل في تفضيل الجد على العقل والاخبار بأن الحظ والعقل لا يجتمعان قول الأول: (وما لبُّ اللبيبِ بغيرِ حظٍ ... بأغنى في المعيشة من فتيلِ) (رأيتُ الحظَّ يسترُ عيبَ قومٍ ... وهيهاتَ الحظوظُ من العقولِ) والعرب تقول (اسع بجد أو دع) وأجود ما قيل في التنزه والتصون وترك السؤال قول بعضهم: السخاء أن تكون بمالك متبرعاً وعن مال غيرك متورعا. فجعل اليأس مما في أيدي الناس سخاءُ لأن النفس إذا سخت وسمحت لم تتطلع إلى مال الغير كما أنها إذا ضاقت وحرصت تاقت إلى ما ليس لها، وهو معنى حسن دقيق أخذه ابن أبي حازم فقال: (منتظر سؤالك بالعطايا ... وأفضل من عطاياه السؤال) (إذا لم يأتك المعروفُ طوعاً ... فدعهُ فالتنزه عنه مالُ) وما أحسب أني سمعت في هذا المعنى أحسن من هذا وقلت: (ألا أنَّ القناعةَ خيرُ مالٍ ... لدى كرمٍ يروحُ بغيرِ مال) (وان تصبر فإنّ الصبر أولى ... بمن عثرت به نُوَب الليالي) (تجمل إن بُليتَ بسوءِ حالٍ ... فإنَّ من التجملِ حسن حالِ) وأجود ما قيل في مضاء العزم وثبوت الرأي والفطنة من الشعر القديم قول أوس بن حجر:

стр. 134

(الألمعيُّ الذي يظنُّ بك الظن ... كأنْ قد رأى وقد سمعا) وقالت الحكماء لا ينتفع الرجل بعلمه حتى ينتفع بظنه. وكان عمر ﵁ يقول إذا أنا لم أعلم ما لم أر ما علمت ما رأيت. وقلت: (أما أنك مصروفٌ إلى كلِّ راهبٍ ... وسيُبك موقوفٌ على كل راغبِ) (تباشرتِ الدنياِ بجدواك واكتفت ... فلم تتباشر بالغيوثِ الصوائب) (تبسمَ منك الدهرُ عن زائن له ... وعين عليه في اختلافِ النوائب) (بصيرٌ له دونَ العواقبِ فكرةٌ ... تكشف عن رأي وراءَ العواقب) (ليشكركَ مجدٌ لا تزال تحوطهُ ... وتحميهِ بالنصلينِ عزمِ وقاضب) (كأني إذا أمسكتُ منك بعروةٍ ... أخذت بأهدابِ الغيومِ السواكبِ) وليس في المضاء والعزيمة أجود من قول أبي تمام: (وَرَكبْ كأطراف الأسنةِ عرّسوا ... على مثلها والليلُ تسطو غياهبه) (لأمرٍ عليهم أن تتمَّ صدورُهُ ... وليس عليهم أن تتمَّ عواقبُه) مأخوذ من قول الأول: (غلام وغى تقحمها فأودى ... وخانَ بلادَهُ الزمنُ الخؤونُ) (وكان على الفتى الأقدامُ فيها ... وليس عليهِ ما جنتِ المنون) وقوله: (وقد علم الأفشينُ وهو الذي به ... يُصانُ رداء الملك من كل جانبِ) (بأنك لما استخذل الأمر واكتسى ... إهابي سيفي في وجوه التجارب) (تجللتهُ بالرأي حتى أريته ... به ملءَ عينيه مكانَ العواقبِ) (سللت له سيفين رأياً ومنصلاً ... وكلٌّ لنجمٍ في الدُّجُنَّةِ ثاقب) (وكنت متى تهزز لخطب تغشه ... ضرائب أمضى من رقاق المضارب) وقال: (وسارت به بين القنابل والقنا ... عزائمُ كانت كالقنا والقنابلِ)

стр. 135

ومن جيد ما قيل في كتمان السر قول الأول: (تلافت حيازيمي على قلب حازم ... كتوم لما ضمت عليه أصابعهْ) (أواخي رجالاً لستُ أطلعُ بعضهم ... على سرِّ بعضٍ ان قلبي واسعة) وقال الآخر: (سأكتمه سري وأحفظُ سرَّهُ ... ولا غرَّني أنّي عليه كريمُ) (عليمٌ فينسى أو جهولٌ يذيعهُ ... وما الناسُ إلا جاهلٌ وعليمُ) والمثل السائر: (إذا ضاقَ صدرُ المرءِ عن سِرَّ نفسهِ ... فصدرُ الذي يستودعُ السر أضيقُ) أحسن ما قيل في العقل ما أنشدناه أبو أحمد عن ابن دريد: (وأفضلُ قسم الله للمرءِ عقلهُ ... فليسَ منَ الخيرات شئٌ يقاربه) (إذا كملَ الرحمنُ للمرء عقلَه ... فقد كملت أخلاُقه وضرائبه) (يعيشُ الفتى بالعقل في الناسِ أنه ... على العقل يجري علمهُ وتجاربه) (ومن كان غلاباً بعقل ونجدةٍ ... فذو الجدِّ في عقل المعيشة غالبه) (يزين الفتى في الناس صحةُ عقله ... وإن كان محظوراً عليه مكاسبه) (ويزري الفتى في الناس قلةُ عقله ... وإن كرُمَتْ أعراقه ومناسبه) ونحوه قول الآخر: (ولم أرَ مثلَ الفقر أوضع للفتى ... ولم أرَ مثلَ المالِ أرفع للنذلِ) (ولم أرَ من عدمِ أضرّ على الفتى ... إذا عاشَ بين الناسِ منعدم العقل) وقال سهل بن هارون: العقل راية الروح والعلم راية العقل والبيان ترجمان العلم. أخبرنا أبو أحمد أخبرنا أحمد بن عبد الواحد أخبرنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال قال قُس بن ساعدة أفضل العقل معرفة الرجل بنفسه وأفضل العلم وقوف

стр. 136

المرء عند علمه وأفضل المروءة استبقاء الرجل ماء وجهه وأفضل المال ما قضيت منه الحقوق. ومن العجب أن العرب تمثلت في جميع الخصال بأقوام جعلوهم أعلى ما فيها فضربوا بها المثل إذا أرادوا المبالغة فقالوا أحلم من الأحنف ومن قيس بن عاصم وأجود من حاتم ومن كعب بن أمامة وأشجع من بسطام وأبين من سحبان وأرمى من ابن تقن وأعلم من دغفل، ولم يقولوا أعقل من فلان فلعلهم لم يستكملوا عقل أحد على حسب ما قال الأعرابي وقد قيل له حد لنا العقل فقال كيف أحده ولم أره كاملاً في أحد قط. ووصف بعضهم الحجاج بالعقل وعكس أمره آخر فوصفه بالحمق قال عتبة بن عبد الرحمن رأيت عقول الناس تتقارب إلا ما كان من عقل الحجاج بن يوسف وإياس بن معاوية، ثم قال أبو الصفدي كان الحجاج أحمق بني مدينته في بادية النبط ثم حماهم دخولها فلما رحل عنها دخلوها من قرب وقال يونس بن حبيب كان والله يفتق ولا يرتق ويخرق ولا يرفق وقال بعضهم ما دخل العراق أكثر أدباً من الحجاج فلما طال مكثه في ولايته واشتد في سلطانه وترك الناس الرد عليه فسد أدبه، وقال له عبد الملك إن الرجل لا يكون عاقلاً حتى يعرف نفسه وأمير المؤمنين يقسم عليك لتخبره، عن نفسك فقال أنا حديد حقود ذو قسوة حسود، فانتحل الشر بحذافيره وجمعه بزوبره. ومن العجب أنهم قالوا من عرف نفسه نجا وقد عرف الحجاج نفسه وهو هالك. وقالوا العاقل لا يخبر بعيب نفسه وقال بعضهم لا يعرف الرجل حقيقة ما اشتمل عليه من العيب كما أن آكل الثوم لا يجد رائحته من نفسه وقلت في ذلك: (لو تم شئ من الدنيا لذي أدب ... لا نضاف مال إلى علمي وآدابي) (قمَ جاهيَ عندَ الناسِ كلهم ... وطابَ عيشيَ في أهلي وأصحابي) (عز الكمالُ فلا يحظى بهِ أحدٌ ... فكلُ خلقٍ وان لم يدرِ ذو عاب) وقال إسماعيل بن غزوان كل علم لا يكون في مغرس عقل وبيان لا يكون في نصاب علم وخلق لا يجري على عرقه فليس له ثبات إذا احتيج إلى الثبات وقال أبو داود:

стр. 137

(على أعراقهِ يجري المذكى ... وليس على تكلفةِ وجهده) وقال بعض الملوك لحاجبه: أدخل عليَّ رجلاً عاقلاً فأدخل عليه رجلاً قال بم عرفت عقله قال رأيته يلبس الكتان في الصيف والقطن في الشتاء واللبيس في الحر والجديد في القر. وما قيل في علامة العاقل أعجب إلي من قول الأول: علامة العاقل أن يكون عالماً بأهل زمانه حافظاً للسانه مقبلاً على شانه. وقال بعضهم إنما تنفع التجارب من كان عاقلاً. ومما يدخل في الباب ما أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر عن عبد الرحمن عن عمه قال لم يقل أحد في التفرح بالمنادمة إلى الإخوان والتسلي بمناسمة أهل الحفاظ بمثل قول بشار حيث يقول: (وأبثثتُ عُمراً بعضَ ما في جوانحي ... وجرعتهُ من مر ما أتجرعُ) (ولا بدَ من شكوى إلى ذي حفيظةٍ ... إذا جعلْت أسرارُ نفسي تطلّعُ) ومن أجود ما قيل في ترك الشئ إذا أدبر قول بعض الأعراب: (إذا ضيعتَ أولَ كلِّ أمرٍ ... أبت إعجازهٌ إلا التواء) (وإن حملتَ أمركَ كلَّ وغدٍ ... ضعيفٍ كان أمركما سواء) (وإن داويتَ دنيا بالتناسي ... وبالليان أخطأت الدواء) وقال الأعشى: (إذا حاجةٌ ولّتكَ لا تستطيعها ... فخذ طرقاً من غيرها حينَ تسبقُ) (فذلك أحرى أن تنالَ جسيمَها ... وللقصدِ أهدى في المسيرِ وألحقُ) ومن أجود ما قيل في المهابة من قديم الشعر ما ينسب إلى الفرزدق وهو لغيره في علي بن الحسين ﵄: (يغضي حياءً ويُغضى من مهابته ... فما يكلمُ إلاّ حينَ يبتسمُ) جعله مهيباً في السكون والإغضاء ولو جعله مهيباً مع الصولة والبطش لما كان

стр. 138

كذلك فهو بليغ جداً. وأنشدناه أبو أحمد عن بعض رجاله لشاعر في بعض العلماء هو الأمام ملك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى: (يأبى الجوابَ فما يراجعُ هيبةً ... والسائلونَ نواكسُ الأذقانِ) (هدى التقيّ وعزُ سلطانِ النهى ... وهو المهيبُ وليس ذا سلطانِ) ومن أحسن تشبيه جاء في الهيبة قولهم (كأن على رؤوسهم الطير) وذلك أن الهائب تسكن جوارحه فكأن على رأسه طائراً يخاف طيرانه إن تحرك وقال أبو نواس: (أضمرُ في القلبِ عِتاباً لهُ ... فإن بدا أنسيتُ من هيبته) ومثل هذا في النسيب كثير وشبيهه قول الأول: (أهابكَ إجلالاً وما بك قدرةٌ ... عليَّ ولكنْ ملءُ عُين حبيبها) (وما هجرتك النفسُ أنك عندها ... قليلٌ ولا أن قل منك نصيبها) لا ترى أجود من قوله (ملءُ عين حبيبها) ولا أحسن ولا أبلغ ولعلك لا تجد لفظة تقوم مقامها، ويقولون حسن يملأ العين. وهيبة تملأ الصدر. وقال (وتملأ عين الناظر المتوسم) وقال ابن الرومي: (في قية من ولدَ المنصورِ ... أملأ للعين من البدورِ) وقال آخر: (إذا ذكَرت أمثالها تملأ الفما) وقد أجاد أبو تمام في صفة الهيبة والمخافة فقال: (ثبتُ المقامِ يرى القبيلة واحداً ... ويُرى فتحسبهُ القبيلُ قبيلا) وقال: (قد أترعْت منه الجوانحُ هُيبة ... بطلْت لديها سورةُ الأبطالِ) (لو لم يزاحفْهم لزاحفَهم لهُ ... ما في قلوبهم من الأوجال) ومثله قول ابن المعتز: (أنا جيشٌ إذا غدوتُ وحيداً ... ووحيدٌ في الجحفل الجراء)

стр. 139

وقلت في نحو ذلك: (قبيلكُم في العزَ يعلو قبائلاً ... وواحدكم في المجدِ يكثر معشرا) وقال الأشجع في إبراهيم بن نهيك وقد ولى المعونة: (شدَ الخطامَ بأنفِ كلِّ مخالفٍ ... حتى استقامَ له الذي لم يخطم) (لا يصلح السلطان إلا هيبةً ... تلقي البرئَ بفضلِ جرم المجرمِ) (منعت مهابتك النفوسَ حديثها ... بالشيء تكرهه وإن لم تعلم) (ونهجتَ من حزمِ السياسة منهجاً ... فهمت مذهبه الذي لم يفهم) وأبلغ من هذا كله ما أنشدناه أبو أحمد عن العبشمي عن المبرد: (وأتيت حياً في الحروب محلهم ... والجيش باسم أبيهم يستهزم) بقول به الجيش يستهزم إذا ذكر فليس أبلغ منه. ومثله قول الفرزدق: (لبيكِ وكيف خيلُ ليلٍ مغيرةٌ ... تساقي الحمامَ بالرُّدينيةِ السُّمرِ) (لقُوا مثلهم فاستهزموهم بدعوة ... ودعوها وكيفا والجيادُ بهم تجري) ومثله قول الآخر: (سماؤك تمطر الذهبا ... وحربك يلتظي لهبا) (وأي كتيبة لاقتك ... لم تستحسنِ الهربا) فجعلها تستحسن الهرب إذا لاقته ولا تخشى اللائمةَ إذا فرت منه فهو غاية. ومما هو بليغ في باب المهابة قول الأشجع: (وعلى عدوك يا ابنَ عمِّ محمد ... رصدان ضوءُ الصبحُ والأظلامُ) (فإذا تنبهَ رعتهُ وإذا غفا ... سلت عليه سيوفك الأحلامُ) فنقله أبو نواس إلى غزل فقال: (قاسيتُ فيهِ الهمومَ والأطما ... وصرتُ فيه بينَ الورى علما) (أكون يقظان في تذكرهِ ... حتى إذا نمتُ كانَ لي حلما)

стр. 140

ومما هو أبلغ من ذلك كله قول النبي & (نصرت بالرعب) وما وصف أحد هيبة صاحب السلطان إذا بدا كما وصفها البحتري في قوله: (إذا ما مشى بين الصفوفِ تقاصرت ... رؤسُ الرجالِ عن أشمّ سميدعِ) (يقومون من بُعدٍ إذا أبصروا بهِ ... لأبلج موقورِ الجلالةِ أروعِ) (ويدعونَ بالأسماءِ مثنى وموحداً ... إذا حضروا بابَ الرّواق المرفعِ) (وإن سار كفَ اللحظ عن كلِّ منظر ... سواه وغُضَّ الصوتُ عن كلِّ مَسمَعِ) (فلستَ ترى إلا إفاضةَ شاخص ... إليهِ بعينِ أو مشير بأصبعِ) وقوله: (تراءوك من أقصى السماطِ فقصروا ... خُطاهم وقد جازوا الستورَ وهم عجل) (ولما قضوا صدرَ السلامِ تهافتوا ... على يدِ بسام سجيتهُ رسلُ) (إذا أسرعوا في خطبة قطعتهمُ ... جلالةُ طلقِ الوجهِ جانبهُ السهل) (إذا نكسوا أبصارَهم من مَهابة ... ومالوا بلحظٍ خلتَ أنهم قبلُ) وقال أبو بكر الصولي وهو من البليغ: (إذا ما بدا والقومُ فوقَ سروجهم ... تناثرتِ الإشرافُ منهم على الأرضِ) وقال البحتري: (ومبجل وسطَ الرجالِ خفوفهم ... لقيامهِ وقيامهم لقعودهِ) (فالله يكلؤهُ لنا ويحوطهُ ... ويعزهُ ويزيدُ في تأييده) أبلغ ما جاء في وصف العلم قول علي رضي الله تعالى عنه: قيمة كل امرئ ما يحسنه. وشذ به بعضهم فقال: قيمة كل امرئ علمه. ولا أعرف في مدح العلم وعدَ خصاله أبلغ من كلامه رضي الله تعالى عنه خاطب به كميل بن زياد أثبته لك هنا وإن كان مشهوراً: أخبرنا أبو أحمد حدثنا الهيثم بن أحمد ابن الزيدني حدثنا علي بن حكيم الأذري حدثنا الربيع بن عبد الله المدني حدثنا عبد الله بن حسن عن محمد عن علي عن آبائه عم كميل بن زياد قال أخذ بيدي علي رضي الله تعالى عنه فلما أصحرنا قال يا كميل إن هذه القلوب أوعية وخسرها أوعاها

стр. 141

فاحفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يأووا إلى ركن وثيق يا كميل العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق، يا كميل محبة العلم دين تدان به تكتسب به الطاعة في حياتك وجميل الأحدوثة بعد وفاتك والعلم حاكم والمال محكوم عليه، يا كميل مات خزان المال والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة هاه إن ههنا لعلماً جماً لو أصبت له حملة بلى أصبت لقناً غير مأمون يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا فيستظهر بحجج الله على أوليائه، أو منقاداً لحملة الحق لا بصيرة له في أجنائة فيقدح الشك في قلبه عند أول عارض من شبهه، أو لا ذا ولاذا فمنهم باللذات سلس القياد للشهوات ومغرم بالجمع والادخار ليس من رعاة الدين أقرب شبهاً بهم الأنعام السائمة اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة إما ظاهر وإما خائف لئلا تبطل حجة الله وتبيانه وكم وأين أولئك الأقلون عدداً الأعظمون قدراً بهم يحفظ الله تعالى حججه حتى يودعوها أسماع نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقائق الأمور فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعده المترفون وآنسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى، يا كميل أولئك أولياء الله من خلقه وعماله في أرضه والدعاة إلى دينه هاه شوقاً إلى رؤيتهم. ومما حث به على تحفظ العلوم قول بعض الأوائل: خير العلم ما إذا غرقت بسفينتك سبح معك، وقال الخليل: (افخر وكاثر بالقريحة ... إنها فخرُ المكاثر) (وأعلم بأنَّ العلمَ ما ... أوعيتَ في صحف الضمائر) وقال أبو هلال رحمه الله تعالى لو قال (ما ضمنته صحف الضمائر) كان

стр. 142

أجود، وقال غيره: (استودعَ العلم قرطاساً فضيعهُ ... وبئس مستودعُ العلمِ القراطيسُ) وقلت: (تقل غناء عن جهولٍ مغمر ... دفاتر تلقى في الظروفِ وترفع) (تروح وتغدو عنده لا في مضيعةٍ ... وكائن رأينا من نفيسٍ يضيع) ومن المختار في طلاقة اللسان قول الآخر: (إذا قال لم يترك مقالا ولم يقف ... لعيّ ولم يثن اللسانَ على هُجر) (يصرفُ بالقولِ اللسانَ كما انتحى ... وينظرُ في اعطافهِ نظرَ الصقر) ونحوه: (لا خيرَ في حشوِ الكلام ... إذا اهتديتَ إلى عيوبه) وأجود ما قيل في إقامة الإعراب وترك التغيير ما أنشدناه أبو أحمد عن الصولي: (ويعجبني زيُّ الفتى وجمالهُ ... ويسقط من عينيَّ ساعةَ يلحنُ) (على أن للأعرابِ حداً ورُبما ... سمعت من الأعراب ما ليس يحسنُ) (ولا خيرَ في اللفظ الكريه استماعه ... ولا في قبيح اللحن والقصدُ أزينُ) سمعت أبا أحمد يقول أحسن ما سمعت في السؤال قول عبد الله بن العباس وقد سئل بم أدركت هذا العلم قال بلسان سؤول وقلب وعقول. ثم أخبرنا قال أخبرنا الحسن بن علي بن عاصم ثنا الهيثم بن عبد الله حدثنا علي بن موسى الرضى حدثني أبي حدثني أبو جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسن رضي الله تعالى عنهم قال قال رسول الله & (العلم خزائن مفتاحها السؤال فاسألوا فإنه يؤجر فيه أربعة السائل والمستمع والعالم والمحب لهم) وأجود ما جاء في السؤال من الشعر ما أنشدناه أبو أحمد أنشدنا ابن الأنباري عن أبيه: (شفاء العيِّ في طولِ السؤالِ ... وعدلك في المقالِ وفي الفعالِ) (وبحثك في الأمورِ عن المعاني ... وتخريج المقالِ من المقالِ) (وقولك بالصواب إذا أنارت ... شواهدهُ ورفضك للجدال) (وصمُتك حينَ تسمعُ من حكيم ... ليفهمك الصحيحَ من المحال)

стр. 143

وأجود ما قيل في صفة اللسان وأتمه ما أخبرنا به أبو أحمد أخبرنا أبو بكر بن دريد قال أحمد بن عيسى العكلي حدثنا الخليل عن عبد الله بن صالح بن مسلم القاضي قال قال بعض الحكماء لابنه يا بني اللسان أداة يظهر بها البيان وشاهد يخبر عن الضمير وحاكم يفصل به الخطاب وناطق يرد به الجواب وشافع تدرك به الحاجة ومعز يرد الأحزان وواعظ ينهى عن القبيح ومزين يدعو إلى الحسن وزارع يحرث المودة وحاصد يذهب بالضغين وملهٍ يوقف الأسماع ألا ترى أن الله تعالى رفع درجة اللسان بأن أنطقه بالتوحيد وليس شئ من الجوارح ينطق به غيره. ومن أجود ما أحتج به للكلام ما أخبرنا به أبو أحمد حدثني أبي حدثنا أحمد ابن أبي طاهر حدثنا أبو تمام قال تذاكرنا الكلام في مجلس سعيد بن عبد العزيز التنوخي وحسنه والصمت ونبله فقال سعيد ليس النجم كالقمر إنك إنما تمدح السكوت بالكلام ولا تمدح الكلام بالسكوت وما أنبأ عن شئ فهو أكبر منه. ومثله ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبيه عن أحمد حدثنا أبو تمام حدثنا أبو عبد الرحمن الأموي قال ذكر الكلام في مجلس سليمان بن عبد الملك فذمه أهل المجلس فقال سليمان كلا إن من تكلم فأحسن قدر أن يسكت فيحسن وليس كل من سكت فأحسن قدر أن يتكلم فيحسن. ومن أجود ما أحتج به للصمت ما أخبرنا به أبو أحمد أخبرنا أبي أخبرنا أحمد بن أبي طاهر حدثنا حبيب بن أوس حدثني عمرو بن هاشم البيروتي قال تحدثنا بباب الأوزاعي وفينا أعرابي من بني عليم بن جناب لا يتكلم فقيل له بحق ما سميتم خرس العرب ألا تتحدث مع القوم فقال إن الحظ للمرء في أذنه وإن الحظ في لسانه لغيره وإنما جعل للمرء أذنان ولسان ليكون استماعه ضعف كلامه. قال فحدثنا الأوزاعي فقال والله لقد حدثكم فأحسن. وقد سوى بعضهم بين الصمت والكلام فحدثني أبو أحمد عن أبيه عن أحمد بن أبي طاهر عن أبي تمام حدثني يحيى بن إسماعيل الأموي حدثني إسماعيل

стр. 144

ابن عبيد الله قال قال جدي: الصمت منام العاقل والنطق يقظته ولا منام إلا بيقظة ولا يقظة إلا بمنام. قال أبو هلال: وأنا أقول الصمت يورث الحبسة والحصر وإن اللسان كلما قلب وأدير بالقول كان أطلق له: أخبرني بعض أصحابنا قال ناطقت فتى من بعض أهل القرى فوجدته ذليق اللسان فقلت له من أين لك هذه الذلاقة قال كنت أعمد كل يوم إلى خمسين ورقة من كتب الجاحظ فأقرأها برفع صوت فلم أجر على ذلك مدة حتى صرت إلى ما ترى. وسمى البيان سحراً لدقة مسلكه وأول من نطق به رسول الله وهو من أجمع ما مدح به البيان: حدثنا أبو القاسم عبد الوهاب بن إبراهيم أخبرنا أبو بكر أحمد بن حماد العقدي أخبرنا أبو جعفر أحمد بن الحارث الخزاز أخبرنا المدائني قال قال أبو الحسن بن مسلم بن محارب بن مسلم بن زياد عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه أن رسول الله قال لعمرو بن الأهتم أخبرني عن الزبرقان بن بدر فقال مطاع في أذنيه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: إنه ليعلم مني أكثر من هذا ولكنه حسدني. فقال عمرو أما والله يا رسول الله إنه لزمر المروءة ضيق العطن أحمق الوالد لئيم الخال وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى رضيت فقلت أحسن ما أعلم وسخطت فقلت أسوأ ما أعلم فقال رسول الله إن من البيان لسحرا وان من الشعر لحكمة وانما تعجب رسول الله من نقضه وإبرامه في حال واحدة ومثل هذا من البلاغة أصعب مراماً وأعجز مطلباً وقد أشبعنا القول فيه في كتاب صنعة الكلام. ومما يدخل في بابه ما أخبرنا به أبو أحمد أخبرنا الصولي حدثني الطيب بن محمد الباهلي قال موسى بن سعيد بن مسلم عن أحمد بن يوسف الكاتب قال دخل خالد بن صفوان التميمي على أبي العباس السفاح وعنده أخواله من بني الحارث بن كعب فقال له ما تقول في أخوالي قال هم هامة الشرف وخرطوم الكرم وغرس الجود إن فيهم لخصالاً ما اجتمعت في غيرهم من قومهم إنهم لأطولهم أمماً وأكرمهم

стр. 145

شيماً وأطعمهم طعماً وأوفاهم ذمماً وأبعدهم همماً هم الجمرة في الحرب والرفد في الجدب والرأس في الخطب وغيرهم بمنزلة العجب. فقال لقد وصفت أبا صفوان فأحسنت فزاد أخواله في الفخر فغضب أبو العباس لأعمامه فقال أفخر يا خالد فقال أعلى أخوال أمير المؤمنين فقال نعم وأنت من أعمامه فقال وكيف أفاخر أقواماً هم من بين ناسج برد وسائس قرد ودابغ جلد دل عليهم الهدهد وغرقتهم الفأرة وملكتهم امرأة. فأشرق وجه أبي العباس وجعل يضحك. قال وحدثني ابن المزرع قال سمعت عمرو بن بحر الجاحظ وقد ذكر كلام خالد هذا يقول والله لو نفكر في جمع معايبهم واختصار اللفظ في مثاليهم بعد ذلك المدح المهذب سنة لكان قليلاً فكيف على بديهٍ لم يرض فكراً. وأجود ما قيل في كراهة المزاح قولهم إن المزاح هو السباب الأصغر، وقيل المزاح سباب النوكى. وأجود ما قيل في تخوف عاقبته قول أبي نواس: (إنه نار وقدحُ القادحِ وأيّ جدٍ بلغ المازحُ) ومثله: (صارَ جداً ما فرحت به ... ربَ جدٍ جرهُ لعبُ) وقلت: (عضبت للمزح ولم تنظر في موقعهِ ... المزح في موضعهِ كالجدِّ في موضعهِ) أجود ما قيل في التضافر والتعاون قول قيس بن عاصم المنقري يوصي ولده وقومه وجدت في كتاب غير مسموع لما حضر عبد الملك بن مروان الوفاة وعاينته وقال يا بني أوصيكم بتقوى الله وليعطف الكبير منكم على الصغير ولا يجهل الصغير حق الكبير وأكرموا مسلمة بن عبد الملك فإنه نابكم الذي عنه تعبرون ومجنكم الذي به تستجيرون ولا تقطعوا من دونه رأياً ولا تعصوا له أمراً، وأكرموا الحجاج بن يوسف فإنه الذي وطأ لكم المغابر وذلل لكم قارب العرب وعليكم بالتعاون والتضافر وإياكم والتقاطع والتدابر. فقال قبس بن عاصم لبنيه: (بصلاح ذاتِ البينِ طولُ بقائكم ... إن مُد في عمري وإن لم يُمددِ) (حتى تلين جلدوكم وقلوبكم ... لمسوَّد منكم وغير مسوَّد)
следующие страницы →