← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

منحة العلام في شرح بلوغ المرام تأليف: عبد الله بن صالح الفوزان الناشر: دار ابن الجوزي الطبعة: الأولي

стр. 2

مقدمة الشارح إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى اله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن العلم أشرف المطالب، وأجلُّ الرغائب، يبلغ به العبد منازل الأخيار والأبرار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، وإن من أشرف العلوم، وأرفعها منزلة - بعد كتاب الله - العلمَ بسنة رسول الله ﷺ رواية، ودراية، وهما أساس الاستدلال على الأحكام الشرعية. وقد عُني السابقون بهذا النوع من الدليل، وسلكوا في التأليف فيه مناهج متعددة، ومن هذه المناهج الاقتصار على أحاديث الأحكام الشرعية، وتجريدها من أحاديث العقائد والمغازي والمناقب والآداب وغيرها، لتسهيل حفظها على الطلاب، وتقريبها في حال الاستدلال، ومن هؤلاء الذين ألفوا على هذا المنهج الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (١) ﵀ المتوفى سنة (٨٥٢ هـ)، فقد جمع في كتابه «بلوغ المرام من أدلة الأحكام» (٢) أصول

стр. 3

أحاديث الأحكام الشرعية، ورتبها على الأبواب الفقهية المشهورة، ليسهل على القارئ مراجعتها، ولم يقتصر على الأحاديث الصحيحة، بل ساق بعض الأحاديث الضعيفة ليعلم طالب العلم ما ورد في المسألة من أحاديث ضعيفة، فإن معرفة الصحيح علم، ومعرفة الضعيف علم - أيضاً - ولأجل أن يجتهد الطالب في دراستها، فإن كان لها شواهد أو طرق أخرى بحث عنها، واتضح له هل يمكن أن يُقَوِّيَ بعضُها بعضاً، أو لا؟ وقد اكتفى الحافظ بالكتب والأبواب العامة دون أن يضع لكل حديث عنواناً - كما فعل المجد ابن تيمية في «المنتقى» ـ، وذكر في اخرها كتاب «الجامع» للآداب، وكأنه أراد بذلك تزويد طالب العلم بعد حفظ أحاديث الأحكام بهذه الأحاديث ليحفظها، فإنه أحوج ما يكون إليها، وقد بلغت أحاديث الكتاب (١٥٦٨) حديثاً، وقد يزيد هذا العدد وقد ينقص، تبعاً لاختلاف طبعات الكتاب، أو اختلاف وجهات النظر حول الروايات والآثار. وقد امتاز هذا الكتاب بمزايا كثيرة، يستطيع الناظر المتأمل في الكتاب أن يستنبطها، ومن أبرزها: ١ - أنه رتب كتبه وأبوابه وأحاديثه على الأبواب الفقهية - كما تقدم - فيذكر اسم الكتاب، ثم الباب، ثم يسرد الأحاديث المختصة به، وقد يذكر اسم الكتاب، ثم يسرد الأحاديث دون ذكر الباب كما فعل في كتاب «الجنائز» وأوائل كتاب «الزكاة» و «الصيام» و «النكاح» وغير ذلك. ٢ - أنه اقتصر على الأحاديث المرفوعة، ولم يذكر من الموقوفات إلا اليسير كما في كتاب «النكاح» وباب «الإيلاء» وباب «العدة» وغير ذلك. ٣ - أنه اختصر الأحاديث الطويلة اختصاراً جميلاً، لا يتطرق إليه تغير العبارة، ولا تقديم متأخر الإشارة، مقتصراً على موضع الاستدلال.

стр. 4

٤ - أنه حذف الأسانيد، واقتصر على الراوي الأعلى فقط، وقد يذكر مَنْ قبله لغرض، وهذا قليل جداً. ٥ - أنه يبين درجة الحديث من صحة أو حسن أو ضعف في الغالب، وهو إما أن ينقل عن غيره، أو يحكم بنفسه، وهذه من أهم المزايا، وإن كان لم يبين سبب الضعف، إلا نادراً، ولعله قصد الاختصار، وقد فاتت هذه المزايا على المجد ابن تيمية في «المنتقى»، فاكتفى بسياق الأحاديث وبيان مخرجها، دون أن يبين درجتها. ٦ - أنه يذكر أحياناً ما في الأسانيد من إرسال أو انقطاع أو وقف، وقد يرجّحُ إذا كان للحديث أكثر من إسناد، كل ذلك بعبارة مختصرة. ٧ - أنه يذكر أحياناً روايات وأحاديث تابعة للحديث الذي جعله أصلاً، ولا يفعل ذلك إلا لفائدة، من تقييد مطلق، أو تفصيل مجمل، أو توضيح مغلق، أو دفع تعارض أو نحو ذلك، وقد أَعطيتُ هذا الجانب كثيراً من العناية، حيث أذكر غرض الحافظ من إيراد الروايات بعد سياقه لأصل الحديث، وهذا أمر أغفله الشراح فيما أعلم. وقد وضع الله تعالى لهذا الكتاب القبول بين أهل العلم قديماً وحديثاً، فأثنى عليه العلماء، وتداوله الطلبة، وأقبلوا على حفظه، وقُرِّر تدريسه في بعض المناهج الدراسية، وتناوله العلماء بالشرح والتوضيح، كما خُدم من الناحية الحديثية بتخريج أحاديثه وعزوها إلى مصادرها، وغير ذلك. وطريقتي في شرح الكتاب كما يلي: أولاً: جعلت الكلام في كل حديث على هيئة وجوه، بعد وضع عنوان للحديث، يحدد موضوعه، ويبين المراد، والأوجه هي: * الوجه الأول: في ترجمة الراوي، وذلك للتعريف به باختصار. * الوجه الثاني: في تخريج حديث الباب مكتفياً بالمصادر التي ذكرها الحافظ، وأرتبها كما ذكرها، ما لم يكن هناك ما يدعو للزيادة، وذلك ببيان موضعه من الجزء أو الصفحة، أو أقتصر على الرقم إن كان يؤدي المقصود،

стр. 5

وقد أذكر مع الرقم اسم الكتاب والباب، ليتبين للقارئ موضوع الحديث، وموضعه ولا سيما في مثل «صحيح البخاري»، «وصحيح مسلم»، والسنن، علماً بأن الأبواب التي في «صحيح مسلم» ليست منه، ثم أسوق إسناد الحديث مكتفياً بما يُحتاج إليه، وقد أذكر لفظ الحديث من مصدره إذا كان الحافظ لم يذكره بتمامه، أو فيه بعض الاختلاف، ثم أبين الحكم على الحديث، كما ذكر الحافظ، مع زيادة ما يؤيده من كلام أهل العلم، ثم أذكر ما يتعلق بالروايات التي يسوقها الحافظ - أحياناً - بعد أصل الحديث، وأبين غرضه من سياقها، وإن كان للحديث روايات يستفاد منها في استنباط الأحكام فإني أذكرها غالباً. * الوجه الثالث: وما بعده: في المسائل المتعلقة بالحديث، وأول هذه الأوجه شرح ألفاظ الحديث، ومنها تراجم من ذُكر في متن الحديث. ثانياً: أكتفي بالمسائل الفقهية التي تستنبط من الحديث، دون الاستطراد إلى مسائل أخرى؛ لأن المراد بيان فقه الحديث، وليس ذكر المسائل الفقهية عموماً، فهذا محله كتب الفقه؛ لأني لم أُرِدِ الإطالة، لئلا يزيد حجم الكتاب، وقد ذكرت مراجع المسائل الفقهية - غالباً - وما نقلته عن الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فهو منسوب إلى مصدره وإلا فمن أشرطة شرح «البلوغ»، وسيكون في آخر الكتاب - إن شاء الله - فهارس شاملة. ثالثاً: لا أتعرض للمسائل الخلافية ومناقشات الأدلة بل أكتفي بالقول المختار الذي يعضده الدليل، وأعرض عن ما لا يقوم عليه دليل، إلا إن كان الخلاف قوياً، أو أن الحافظ قد ذكر ضمن كتابه أدلة الفريقين - مثلاً - فإني أذكر الخلاف وأبين الراجح؛ للخروج من التعارض الذي قد يفهم من دليل هذا الفريق أو ذاك. وفي الختام أرجو من القارئ الكريم إذا رأى فيما كتبته زلة قلم أو نبوة فهم، أن يكتب إليَّ مأجوراً مشكوراً لتلافي ذلك مستقبلاً، فالأذن مصغية، والصدر منشرح، وما يكتبه الإنسان عرضة للخطأ، فالتقصير وارد،

стр. 6

والنقص موجود، وقد سميت هذا الشرح: «منحة العلام في شرح بلوغ المرام». والله تعالى أسأل أن يجعل عملي صالحاً، ولوجهه خالصاً، ولعباده نافعاً، وصلى الله وسلَّم على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وكتبه عبد الله بن صالح الفوزان القصيم - بريدة صندوق البريد: ١٢٣٧٠ الرمز البريدي: ٨١٩٩٩ alfuzan ١@hotmail.com /http://www.islamlight.net/alfuzan

стр. 7

مقدمة المؤلف الحمد لله شرح المقدمة جرت عادة المؤلفين أنهم يبدؤون كتبهم بالبسملة، ويُثنُّون بالحمدلة، تأسّياً بكتاب الله تعالى، وبالنبي ﷺ في كتاباته إلى الملوك، فقد كان ﷺ يبدأ كتبه بالبسملة - كما ورد في «صحيح البخاري» (١) ـ وفي بدء المصنف بالحمدلة - أيضاً - أداء لبعض ما يجب عليه من شكر النعمة، التي من اثارها تأليف هذا الكتاب. والمصنف افتتح كتابه بالحمدلة، وختمه بالحديث المتفق عليه: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان؛ سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (٢)، حتى إنه عدل عن طريقته في الكتاب، وهي ذكر المُخَرِّجين في اخر الحديث، فقال في أوله: «وأخرج الشيخان … » ليكون آخر الكتاب هو لفظ الحديث، فما أحسن الفاتحة والخاتمة، وهذا من لطائف أهل العلم في التعليم. قول المؤلف: (الحمد لله) الحمد هو وصف المحمود بالكمال، والثناء عليه بجميع المحامد، مع محبته وتعظيمه، واللام للاستحقاق، والحمد يكون على النعمة، وعلى الصفات والأفعال، والشكر لا يكون إلا على النعمة، فيكون الحمد أعمَّ من الشكر بالنسبة إلى سبب كل واحد منهما، أما بالنسبة

стр. 8

على نعمه الظاهرة والباطنة قديماً وحديثاً، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد إلى ما يكون به الحمد والشكر، فالشكر أعمُّ؛ لأنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، وأما الحمد فإنه يكون بالقلب واللسان، دون الجوارح. قوله: (على نعمه) جمع نعمة، والنعم: هي العطايا التي يمنّ الله بها على عباده من رزق ومال وعلم وغيرها، وأعظم النعم نعمة الإسلام. قوله: (الظاهرة والباطنة) النعم الظاهرة هي التي تعرف، كالأكل والشرب والسكن واللباس وسائر النعم التي تُرى في الكون، والباطنة هي التي لا تعرف، وإنما يعرفها الإنسان من نفسه كالقوة، والصحة، والفهم، ونحو ذلك مما لا يُطلع عليه، ويدخل في ذلك ما يعطيه الله تعالى الإنسان من قوة الإيمان واليقين والشوق إليه سبحانه ومحبته وتعظيمه والإخلاص له والأنس بذكره ومناجاته جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]. قوله: (قديماً وحديثاً) أي: إن نعم الله سابقة ولاحقة، فإن الإنسان من حين نَفْخِ الروح فيه، وهو في نعم الله تعالى. قوله: (والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد) الصلاة من الله تعالى تطلق على الثناء، أي: ثنائه على عبده في الملأ الأعلى، كما قال ذلك أبو العالية ﵀، ورواه البخاري في «صحيحه» (١)، (والسلام) أي: تسليمه إياه من كل افة ونقص، وهذه جملة خبرية لفظاً، إنشائية معنًى؛ لأن المقصود بها الدعاء. والنبي: من النبأ، وهو الخبر لأنه مخبر عن الله، أو من النبوءة وهي ما ارتفع من الأرض، والنبي: من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من الإرسال وهو البعث والتوجيه، والرسول: من أوحي إليه بشرع وأمر

стр. 9

واله وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سيراً حثيثاً، وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم - والعلماء ورثة الأنبياء ـ بتبليغه، وهذان الوصفان ثابتان لرسولنا ﷺ ، فهو نبي ورسول، نُبِّئ بإنزال سورة (اقرأ) وأرسل بإنزال سورة (المدثر)، وهذا هو المشهور في تعريف النبي والرسول، وفيه نظر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِّيٍ﴾ [الحج: ٥٢]، ولأن ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى، والأظهر أن الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع مَنْ قبله، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. قوله: (واله) آل: أصله: أهل، بدليل تصغيره على (أُهَيل)، ولا يستعمل إلا فيما شَرُفَ غالباً، والآل إذا ذكروا وحدهم فالمراد بهم جميع أتباعه ﷺ على دينه، أما إذا قرنوا بالأتباع فقيل: (اله وأتباعه) فالآل هم المؤمنون من ال بيته ﷺ ، والأتباع من تبعه على دينه من غيرهم. قوله: (وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سيراً حثيثاً) صحبه: جمع لصاحب، ويجمع على أصحاب، وهم كل من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك، وما ذكره المصنف عنهم أثبته الواقع، فقد نصروا الدين وأيدوه، وجاهدوا في سبيل الله، كما يُعرف ذلك بالرجوع إلى سيرتهم. قوله: (وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم) أي: أتباع الآل والأصحاب، ووراثة علمهم أنهم نقلوه وتلقوه عنهم، وساروا على نهجهم في العلم والعمل حتى صار ما نقلوه عنهم كأنه ميراث، عليهم رحمة الله تعالى. قوله: (والعلماء ورثة الأنبياء) هذا اقتباس من حديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعاً - وأوله: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة … » (١)، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم؛

стр. 10

أكرم بهم وارثاً وموروثاً. أما بعد: فهذا مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، فالعلماء هم وُرَّاثُ الأنبياء بعلمهم وتبليغ رسالات الله وإرشاد الناس إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم. فالواجب على طالب العلم أن يُعنى بهذا الأمر، وأن يصرف جهده ووقته لتحصيل ما وَرَّثه الأنبياء، وهو العلم النافع والتوجيه إلى الخير ونشر دين الله. قوله: (أكرمْ بهم وارثاً وموروثاً) أكرم: فعل تعجب بمعنى: ما أكرمهم، والباء زائدة في فاعل (أكرم)، وقوله: (وارثاً) عائد إلى العلماء، و (موروثاً) عائد إلى الأنبياء. قوله: (أما بعدُ) أي: بَعْدَ هذه الخطبة، وكلمة (أما بعد) يؤتى بها للانتقال من الخطبة إلى الموضوع، وهي أداة شرط بمعنى: مهما يكن من شيء، و (بعد) ظرف مبني على الضم، وتلزم الفاء في جواب (أما). قوله: (فهذا مختصر يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية) الإشارة إما إلى شيء محسوس قد فُرِغَ منه، وهذا إن كانت المقدمة بعد الفراغ من الكتاب، أو الإشارة إلى ما تصوره في ذهنه وأعدَّه إن كانت قبل أن يؤلِّف الكتاب. وهذا الكتاب مختصر قد حذف المؤلف أسانيده - كما تقدم - ولم يكثر

стр. 11

حررته تحريراً بالغاً؛ ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغاً، ويستعين به الطالب المبتدئ، ولا يستغني عنه الراغب المنتهي، من المتون، بل اشتمل (على أصول الأدلة) أي: اشتمل على أدلة حديثية تعتبر أصولاً لغيرها، أي: يُبنى عليها غيرها. وقوله: (للأحكام الشرعية) جمع حكم، وهو مقتضى الأدلة الشرعية من واجب ومحرم ومندوب ومكروه ومباح، ويضاف إليها الأحكام الوضعية، كالصحة والفساد، وغيرهما. قوله: (حررته تحريراً بالغاً) (١) أي: هذبته ونقحته، انتقاءً من أمهات الكتب وأصول الأدلة مع بيان صحة الحديث وضعفه، أو ما فيه من علة بلفظ موجز، فقد اعتنى بذلك عناية تامة، كما تقدم. قوله: (ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغاً) تعليل لما تقدم، والأقران: جمع (قِرن) بالكسر، وهو الكُفْءُ والمثل، والنابغ: الخارج عن نظرائه بمزيد الاجتهاد والرغبة في التحصيل. قوله: (ويستعين به الطالب المبتدئ، ولا يستغني عنه الراغب المنتهي) هذا معطوف على ما قبله، والمعنى: أن هذا الكتاب يستعين به الطالب المبتدئ؛ لأنه قَرَّبَ له الأدلة، وهذبها، فيسهل عليه حفظها، ولا يستغني عنه الراغب في العلوم البالغ نهاية مطلوبه؛ لأنه محتاج إلى ما فيه من الأدلة، فهو مرجع مفيد جامع لكل ما يحتاجه طالب العلم من أدلة الأحكام.

стр. 12

وقد بينت عَقِبَ كل حديث من أخرجه من الأئمة؛ لإرادتي نصح الأمة، فالمراد بالسبعة: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، قوله: (وقد بينت عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة لإرادتي نصح الأمة) أي: إنه بين في نهاية كل حديث من أخرجه من أئمة هذا الشأن - أي: مَنْ رَوَاه بسنده وساق طرقه - لإرادة نصح الأمة، وقد صدق ﵀، فإن إيضاح من أخرج الحديث فيه فوائد عظيمة للأمة، منها: ١ - بيان أن الحديث ثابت في دواوين السنة. ٢ - أنه قد تداولته الأئمة الأعلام. ٣ - أنه قد تتبع طرقه وبيّن ما فيها من تصحيح وتحسين وإعلال. قوله: (فالمراد بالسبعة: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه) أي: إن الحافظ ﵀ له في هذا الكتاب اصطلاحات خاصة، ذكرها في المقدمة، لينتفع بها القارئ، وإنما سلك هذا المسلك اختصاراً واقتداء بقاعدة المحدثين. وأحمد: هو الإمام أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي ثم البغدادي، صاحب المسند العظيم، وإمام أهل السنّة في عصره، مات سنة ٢٤١ هـ. والبخاري: هو الإمام أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، صاحب الصحيح، والتصانيف النافعة، قال عنه الإمام أحمد: (ما أخرجت خراسان مثله)، مات سنة ٢٥٦ هـ. ومسلم: هو الإمام أبو الحسين، مسلم بن الحجاج بن مسلم النيسابوري، صاحب الصحيح، والتصانيف المفيدة، أثنى عليه العلماء من أهل الحديث وغيرهم، مات سنة ٢٦١ هـ. وأبو داود: هو الإمام سليمان بن الأشعث السجستاني، صاحب

стр. 13

وبالستة: من عدا أحمد، وبالخمسة: من عدا البخاريَّ ومسلماً، وقد أقول: الأربعة وأحمد، وبالأربعة: من عدا الثلاثة الأُوَلَ، وبالثلاثة: من عداهم والأخيرَ، وبالمتفق عليه: البخاري ومسلم، «السنن»، أثنى عليه العلماء، ووصفوه بالحفظ والورع، مات سنة ٢٧٥ هـ. والترمذي: هو الإمام أبو عيسى، محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذي، مصنف «الجامع»، اتفقوا على إمامته وجلالته، مات سنة ٢٧٩ هـ. والنسائي: هو الإمام أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب بن علي النسائي، صاحب «السنن»، برع في الحديث، وتفرّد بالمعرفة والإتقان وعلو الإسناد، مات سنة ٣٠٣ هـ. وابن ماجه: هو الإمام أبو عبد الله، محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه - بالهاء الساكنة، ويقال بالتاء - القزويني، صاحب «السنن»، مات سنة ٢٧٣ هـ أو ٢٧٥ هـ. وقد قدم الحافظ الإمام أحمد ﵀ إما لأنه أقدمهم زمناً، أو لأن كتابه أقدم الكتب، أو لغير ذلك، فالله أعلم. قوله: (وبالستة: ما عدا أحمد) أي: والمراد بالستة: أصحاب السنن مع الصحيحين، وهم أصحاب الأمهات الست. قوله: (وبالخمسة: من عدا البخاري ومسلماً، وقد أقول: الأربعة وأحمد) وهذا قد يدل على أن الخطبة كانت متقدمة. قوله: (وبالأربعة من عدا الثلاثة الأُول) أي: إن المراد بالأربعة أصحاب السنن. قوله: (وبالثلاثة من عداهم والأخيرَ) أي: يريد بالثلاثة من عدا البخاري ومسلماً وأحمد وابن ماجه، وهم: أبو داود والترمذي والنسائي. قوله: (وبالمتفق عليه: البخاري ومسلم) أي: إن المتفق عليه عنده: ما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث صحابي واحد، وهذا ما عليه أهل

стр. 14

وقد لا أذكر معهما غيرهما، وما عدا ذلك فهو مُبين، وسميته: (بلوغ المرام من أدلة الأحكام)، والله أسأل ألاَّ يجعل ما علمنا علينا وبالاً، وأن يرزقنا العمل بما يرضيه . العلم، إلا المجد ابن تيمية في «المنتقى» فقد جعل المتفق عليه ما اتفقا عليه وأحمد، ولا مشاحة في الاصطلاح. قوله: (وقد لا أذكر معهما غيرهما) كأنه يريد أنه قد يخرج الحديث عن السبعة أو أقل، فيكتفي بنسبته إلى الشيخين. قوله: (وما عدا ذلك فهو مبين) أي: ما عدا من ذُكر من السبعة فهو مبين وموضح بذكر اسمه؛ إذ لا رمز له، مثل: الإمام مالك، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، وغير ذلك. قوله: (وسميته بلوغ المرام من أدلة الأحكام) قال في «القاموس»: بلغ المكان بلوغاً: وصل إليه أو شارف عليه (١)، والمرام: المطلب (٢)، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، أي: وصولي إلى مطلوبي من أدلة الأحكام، أو من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي: بلوغ الطالب مطلوبه من أدلة الأحكام. قوله: (والله أسأل ألا يجعل ما علمنا علينا وبالاً، وأن يرزقنا العمل بما يرضيه بنصب لفظ (الله) لأنه مفعول تقدم على عامله لإفادة الحصر، أي: لا أسأل إلا الله، والوبال: - بفتح الواو - الشدة والثِّقَلُ (٣)، أي: لا يجعله شدة في الحساب وثقلاً من جملة الأوزار؛ لأن العلم إذا لم يعمل به صاحبه صار وبالاً عليه، وهذا دعاء حسن، فينبغي لطالب العلم أن يسأل ربه أن يعلمه ما ينفعه، وأن ينفعه بما علمه، وأن يرزقه العمل بما يحبه ويرضاه ، وهذه سعادة الدنيا وفلاح الآخرة، نسأل الله التوفيق.

стр. 15

الأئمة الذين استفاد منهم الحافظ بلغ عدد الأئمة الذين استفاد منهم الحافظ في «بلوغ المرام»، فذكرهم إما في تخريج الأحاديث أو في موضوع الحكم على الحديث؛ اثنين وأربعين إماماً، وقد مضى منهم سبعة، وهم أصحاب الكتب الستة وأحمد، وهذه بقيتهم مرتبةً باعتبار تقدم وفياتهم: لأن هذا هو المعمول به عند اجتماع أكثر من واحد، مع ذكر كتاب واحد - في الغالب - لكل فرد منهم: ٨ - مالك: الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة المتبوعين، له كتاب «الموطأ»، حدث عنه أمم لا يكادون يحصون، ومن تلامذته الإمام الشافعي، مات سنة (١٧٩ هـ). ٩ - أبو داود الطيالسي: الحافظ الكبير، سليمان بن داود بن الجارود، الفارسي الأصل، أحد الأعلام، له كتاب «المسند»، مات سنة (٢٠٤ هـ). ١٠ - الشافعي: الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، أحد الأئمة الأربعة المتبوعين، له كتاب «الأم»، حبر الأمة، وأعلم الناس شرقاً وغرباً، برع في العلوم، وابتكر أصول الفقه، مات سنة (٢٠٤ هـ). ١١ - عبد الرزاق: هو الإمام الحافظ الكبير، أبو بكر عبد الرزاق ابن همام بن نافع الحميري، مولاهم، الصنعاني، كان من أوعية العلم، روى عنه أحمد وإسحاق وابن معين والذهلي، له كتاب «المصنَّف»، عمي في اخر عمره فتغير، مات سنة (٢١١ هـ). ١٢ - سعيد بن منصور: هو الإمام الحافظ، أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة المروزي، مجاور مكة، أثنى عليه الإمام أحمد، وقال حرب الكرماني: أملى علينا نحواً من عشرة الاف حديث من حفظه، روى عنه مسلم

стр. 16

وأبو داود، واخرون، له كتاب «السنن»، مات سنة (٢٢٧ هـ). ١٣ - ابن المديني: الإمام أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر السعدي المديني، إمام الجرح والتعديل، وحافظ العصر، روى عنه البخاري وأبو داود وخلق، له كتاب «العلل»، مات سنة (٢٣٤ هـ). ١٤ - ابن أبي شيبة: الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم، المعروف بابن أبي شيبة، الحافظ المتقن، روى عنه أبو زرعة والبخاري ومسلم وأبو داود واخرون، له كتاب «المصنَّف»، مات سنة (٢٣٥ هـ). ١٥ - ابن راهويه: الإمام الحافظ الكبير أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم التميمي الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه [وهي لفظة فارسية مركبة من كلمتين: (راه) ومعناها: الطريق، و (ويه) ومعناها: وُجد، وذلك لأن أباه صاحب اللقب ولد في طريق مكة] عرف بالحفظ والإتقان والسلامة من الغلط - كما قال عنه أبو حاتم ـ، له «المسند»، مات سنة (٢٣٨ هـ). ١٦ - الدارمي: الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن ابن الفضل الدارمي - نسبة إلى دارم بن مالك من تميم - التميمي، السمرقندي، موصوف بالثقة والزهد والورع، حدث عنه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، واخرون، له كتاب «السنن» وبعضهم يسميه «المسند» وفي هذه التسمية تَجَوُّزٌ، مات سنة (٢٥٥ هـ). ١٧ - الذُّهْلي: حافظ نيسابور، أبو عبد الله محمد بن يحيى الذهلي، انتهت إليه مشيخة العلم بخراسان، اشتهر بتأليفه وجمعه لحديث ابن شهاب الزهري وعلله، ويسميه الحافظ ابن حجر: «الزهريات»، مات سنة (٢٥٨ هـ). ١٨ - أبو زُرعة: الحافظ المحدث الكبير، عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي القرشي مولاهم، أحد الأعلام، وأحد أئمة الجرح والتعديل، روى عنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، واخرون، كان من أفراد الدهر حفظاً وذكاءً وديناً وإخلاصاً وعملاً، له كتاب «مسند الشاميين»، واراؤه في الرجال مبثوثة في كتب ابن أبي حاتم الآتية بعدُ، مات سنة (٢٦٤ هـ).

стр. 17

١٩ - أبو حاتم: هو الإمام الحافظ الكبير الجوال، أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي، من أئمة الجرح والتعديل، الذين برعوا في صناعة الحديث، من أقران البخاري ومسلم، طبع له شيء من كتاب «الزهد»، ولا تكاد تنظر في أيِّ صفحة من صفحات مصنفات ابنه كـ «الجرح والتعديل»، أو «العلل»، أو «المراسيل» إلا وتجد له رأياً أو رواية، مات سنة (٢٧٧ هـ). ٢٠ - ابن أبي خيثمة: هو الإمام الحافظ الحجة، أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة - زهير - بن حرب النسائي ثم البغدادي، أخذ علم الحديث عن الإمام أحمد وابن معين، له «التاريخ الكبير»، مات سنة (٢٧٩ هـ). ٢١ - ابن أبي الدنيا: هو المحدث العالم الصدوق، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن أبي الدنيا القرشي الأموي، مولاهم، البغدادي، صاحب التصانيف الكثيرة في الزهد والرقائق، روى عنه ابن ماجه، والحارث بن أبي أسامة، وابن أبي حاتم الرازي، وخلق كثير، مات سنة (٢٨١ هـ). ٢٢ - الحارث بن أبي أسامة: هو الإمام الحافظ، أبو محمد الحارث ابن أبي أسامة التميمي البغدادي، وثَّقه إبراهيم الحربي، وأبو حاتم، وقال الدارقطني: صدوق؛ له «المسند» وزوائده ضمن «المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية» لابن حجر، مات يوم عرفة سنة (٢٨٢ هـ). ٢٣ - البزار: هو الإمام الحافظ العلامة، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، المعروف بـ (البزار) أحد الأعلام، له كتاب «المسند»، مات سنة (٢٩٢ هـ). ٢٤ - ابن الجارود: هو الإمام الحافظ الناقد أبو محمد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري، جاور بمكة، صاحب «المنتقى في الأحكام»، مات سنة (٣٠٧ هـ).

стр. 18

٢٥ - أبو يعلى: هو محدث الجزيرة الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى التميمي، الموصلي، أثنى عليه العلماء بالعلم والتقوى، ووصفه ابن كثير في مواضع من تفسيره بالحفظ والإتقان، له كتاب «المسند الكبير» مات سنة (٣٠٧ هـ). ٢٦ - ابن خزيمة: هو الحافظ الكبير محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري أحد الأعلام، انتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان، له كتاب «الصحيح»، مات سنة (٣١١). ٢٧ - أبو عوانة: هو الحافظ المحدث، أبو عوانة، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، النيسابوري الأصل، الإسفرايني، مشهور بكنيته، أحد حفاظ الدنيا، كان زاهداً، عفيفاً، متعبداً مقللاً، صاحب «المسند الصحيح» الذي خرجه على صحيح مسلم، وزاد أحاديث قليلة في أواخر الأبواب، مات سنة (٣١٦ هـ). ٢٨ - الطحاوي: هو الإمام الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الحنفي، كان ثقة ثبتاً فقيهاً عاملاً، صاحب التصانيف البديعة، من أشهرها «شرح معاني الآثار» وكتابه المطبوع باسم «شرح مشكل الآثار»، مات سنة (٣٢١ هـ). ٢٩ - العقيلي: هو الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، عداده في أهل الحجاز، ثقة جليل القدر، عالم بالحديث، مقدم في الحفظ، له كتاب «الضعفاء»، مات سنة (٣٢٢ هـ). ٣٠ - ابن السَّكن: هو الحافظ الإمام الحجة أبو علي سعيد بن عثمان بن السَّكَن - بفتح السين والكاف - البغدادي ثم البصري، من حفاظ الحديث، له «الصحيح المنتقى»، مات سنة (٣٥٣ هـ). ٣١ - ابن حبان: هو الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان - بكسر فتشديد - بن أحمد بن حبان البُسْتي - بضم فسكون، نسبة إلى بُسْت من بلاد سجستان - كان من أوعية العلم، وفقهاء الدين، وحفاظ الآثار، من شيوخه: الحافظ أبو يعلى الموصلي، وابن خزيمة، ومن تلاميذه: الحاكم صاحب

стр. 19

«المستدرك»، وابن منده، والدارقطني، واخرون، له كتاب «الصحيح»، مات سنة (٣٥٤ هـ). ٣٢ - الطبراني: هو الإمام الحجة، مسند الدنيا، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطبراني، أثنى عليه العلماء بالحفظ وسعة الاطلاع، ووصفوه بالصدق، والثقة، والأمانة، له: المعاجم الثلاثة - الكبير والأوسط والصغير ـ، مات سنة (٣٦٠ هـ). ٣٣ - ابن عدي: هو الإمام المشهور الحافظ الكبير، أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، كان حافظاً متقناً، لم يكن في زمانه مثله في العلل والرجال، له كتاب «الكامل في ضعفاء الرجال» قال عنه ابن كثير: (لم يُسبق إلى مثله، ولم يُلحق في شكله)، مات سنة (٣٦٥ هـ). ٣٤ - الإسماعيلي: هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي، الجرجاني، كان واحد عصره، وشيخ المحدثين والفقهاء، وأجلهم في الرياسة والمروءة والسخاء، له كتاب «المستخرج على صحيح البخاري»، مات سنة (٣٧١ هـ). ٣٥ - الدارقطني: هو الحافظ الكبير، والإمام العديم النظير، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي المعروف بالدارقطني - بفتح الراء وضم القاف، نسبة إلى دار القطن، محلة كبيرة في بغداد - كان فريد عصره، وإمام وقته، انتهت إليه رئاسة علم الحديث والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال في زمانه، له كتاب «السنن» و «العلل»، مات سنة (٣٨٥ هـ). ٣٦ - ابن مَنْدَهْ: هو الإمام الحافظ الجوال، أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده - بفتح فسكون ففتح - أحد الأعلام الحفاظ المكثرين من الحديث، فريد عصره ديناً وحفظاً ورواية، له كتاب «معرفة الصحابة»، وكتاب «الإيمان»، مات سنة (٣٩٥ هـ). ٣٧ - الحاكم: هو إمام المحققين أبو عبد الله محمد بن عبد الله

стр. 20

النيسابوري الحاكم المعروف بـ (ابن البَيِّع) - بفتح الباء وتشديد الياء المكسورة - صاحب «المستدرك على الصحيحين»، قال الخطيب: (كان ثقة، وكان صالحاً عالماً)، مات سنة (٤٠٥ هـ). ٣٨ - أبو نُعيم: هو الحافظ المشهور، أبو نُعيم - بالتصغير - أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني، أحد أعلام المحدثين، وأكابر الحفاظ، له كتاب «المستخرج على صحيح البخاري» و «المستخرج على صحيح مسلم»، مات سنة (٤٣٠ هـ). ٣٩ - البيهقي: هو الحافظ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي - نسبة إلى بيهق بلدة قرب نيسابور - من كبار أئمة الحديث، وفقهاء الشافعية، له من التصانيف ما لم يسبق إليها، منها «السنن الكبرى»، مات سنة (٤٥٨ هـ). ٤٠ - ابن عبد البر: هو الإمام العلامة، حافظ المغرب، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَري القرطبي، ليس لأهل المغرب أحفظ منه مع الثقة والدين والنزاهة، والتبحر في الفقه والعربية، له كتاب «التمهيد»، مات سنة (٤٦٣ هـ). ٤١ - الإشبيلي: هو الحافظ العلامة الحجة، أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإشبيلي، المعروف بـ (ابن الخراط)، كان فقيهاً حافظاً، عالماً بالحديث وعلله، عارفاً بالرجال، موصوفاً بالخير والصلاح والزهد، له «الأحكام الكبرى» و «الوسطى» و «الصغرى»، والوسطى مختصرة من الكبرى، وهي محذوفة الأسانيد، مات سنة (٥٨١ هـ). ٤٢ - ابن القطان: وهو الإمام الحافظ الناقد العلامة، أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الفارسي، مشهور بلقبه كان معروفاً بالحفظ والإتقان، ذاكراً للحديث، بصيراً بطرقه، عارفاً برجاله، مميزاً صحيحه من سقيمه، له كتاب «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام»، مات سنة (٦٢٨ هـ)، ﵏ وإيانا بمنِّه وفضله.

стр. 21

كتاب الطهارة باب المياه الطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية، فالأقذار الحسية: كالبول ونحوه، والمعنوية: الشرك وكل خُلق رذيل. وشرعاً: ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخَبث. والحدث: هو الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، ويدخل في هذا الوصف البول والريح وأكل لحم الإبل، ونحو ذلك. وقولنا: (وما في معناه) أي: في معنى ارتفاع الحدث، كتجديد الوضوء؛ فهو طهارة، وكذا الأغسال المسنونة، كغسل يوم الجمعة على القول بعدم وجوبه. وقولنا: (وزوال الخبث) أي: النجاسة، والتعبير بـ (زوال) أعم من إزالة؛ لأن الإزالة فعل المكلف، والزوال قد يكون فعله أو فعل غيره؛ كما لو نزل المطر على أرض نجسة، أو على ثوب نجس فإن ذلك مطهر؛ لأن طهارة الخبث من باب التروك، فلا يشترط لها فعل العبد ولا قصده. ولما كانت الطهارة هي مفتاح الصلاة التي هي عمود الدين وشرطها؛ افتتح بها العلماء - من المحدثين والفقهاء - مؤلفاتهم. والمياه: جمع ماء، وهو يقع على القليل والكثير، وجُمع مع كونه اسم جنس؛ للدلالة على اختلاف أنواعه، كمياه البحار والأنهار والأمطار، ومنها الماء الطاهر، ومنها الماء النجس، فيجمع لهذا الاعتبار.

стр. 22

طهورية ماء البحر ١/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، في الْبَحْر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ». أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ والتِّرْمِذِيُّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وهذا هو الأرجح في اسمه (١)، وهو مشهور بكنيته، التي كناه بها أبوه في الجاهلية، أسلم عام خيبر، ولازم النبي ﷺ ، فكان من أكثر الصحابة ﵃ رواية للحديث، قال له ابن عمر ﵄: (كنتَ ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه)، كان ﵁ من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى، مع الجلالة والعبادة والتواضع، قال البخاري: روى عنه ثمانمائة نفسٍ أو أكثر، توفي سنة (٥٧ هـ) في المدينة، ﵁ (٢). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٨٣) في كتاب «الطهارة» باب «الوضوء بماء البحر»، والترمذي (٦٩)، والنسائي (١/ ٥٠)، وابن ماجه (٣٨٦)، وهؤلاء هم الأربعة كما تقدم، وأخرجه - أيضاً - ابن أبي شيبة (١/ ١٣١)، ومالك (١/ ٢٢)،

стр. 23

والشافعي (١/ ١٩)، وأحمد (١٢/ ١٧١)، كلهم من طريق مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من ال بني الأزرق، عن المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار - أنه سمع أبا هريرة يقول: جاء رجل … إلخ. والحديث صحيح رجاله ثقات، رجال الشيخين، إلا المغيرة بن أبي بردة، وقد وثقه النسائي؛ وذكره ابن حبان في «الثقات» (١)، وقال أبو داود: (معروف)، وروى له أصحاب السنن هذا الحديث، وإلا سعيد بن سلمة، وقد اختلف في اسمه، ووثقه النسائي؛ وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢)؛ وروى له أصحاب السنن هذا الحديث. وقد صحح الحديث أئمة هذا الشأن، قال الترمذي: (سألت محمداً - يعني البخاري - عن حديث مالك - يعني هذا الحديث - فقال: هو حديث صحيح) (٣)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والبغوي والطحاوي وابن المنذر والخطابي وابن منده والحاكم والبيهقي وعبد الحق الأشبيلي واخرون، ذكر هذا الحافظ في «تهذيب التهذيب» في ترجمة «المغيرة بن أبي بردة» (٤)، وقال ابن عبد البر: (هو عندي حديث صحيح؛ لأن العلماء تلقوه بالقبول له، والعمل به، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء … ) (٥). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (هو الطَّهور ماؤه) الطَّهور: صيغة مبالغة، أي: طاهر مطهر، وهو بفتح الطاء اسم لما يتطهر به، كالسَّحور بالفتح، اسم لما يُتسحر به، والضمير في قوله: (هو الطهور) يعود على البحر، فـ (هو) مبتدأ، و (الطهور) مبتدأ ثان، و (ماؤه) خبر؛ أو فاعل للطهور؛ لأنه صيغة مبالغة - كما مضى ـ، والجملة من المبتدأ والخبر؛ خبر المبتدأ الأول، وفي الجملة قصر صفة على موصوف، أي: قصر الطهورية على ماء البحر؛ وهذا قصر غير حقيقي؛ لأن الطهورية

стр. 24

موجودة في غير ماء البحر، وهو قصر تعيين؛ لأن السائل كان متردداً بين جواز الوضوء وعدمه، فعين له الرسول ﵌ الجواز. قوله: (الحِلُّ ميتته) هكذا بدون واو مع ثبوتها في مصنف ابن أبي شيبة، والمصنف ذكر أن اللفظ له، ولم يرد السؤال عن حكم ميتة البحر، لكن لما عرف النبي ﷺ اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته. ومعنى (الحل) - بكسر الحاء - مصدر حلَّ يَحِلُّ - من باب ضرب - ضد حَرُمَ؛ أي: الحلال، كما في رواية للدارمي (١) والدارقطني وأحمد وغيرهم، والمراد بـ (ميتته) - بفتح الميم - ما مات من حيوان البحر بلا ذكاة، كالسمك؛ لا ما مات فيه مطلقاً، فإنه وإن صدق عليه لغة أنه ميتة بحرٍ فمعلوم أنه لا يراد إلا ما ذكر، وسيأتي زيادة بيان عند الكلام على الحديث «الثالث عشر»، إن شاء الله تعالى. الوجه الرابع: اختصر الحافظ هذا الحديث فلم يذكر إلا الشاهد؛ وإلا فالحديث له سبب، وهو أنه جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله: إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ به؟ فقال رسول الله ﷺ : «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»). وإنما توقف الصحابة ﵃ في التطهر بماء البحر؛ لأنه ماء مالح وريحه منتن؛ وما كان هذا شأنه لا يُشرب، فتوهموا أن ما لا يُشرب لا يُتطهر به، وإنما لم يجبهم النبي ﷺ بـ (نعم) حينما قالوا: (أفنتوضأ به؟)، لئلا يصير جواز الوضوء به معتبراً بحال الضرورة؛ وليس كذلك، ولئلا يُفهم أن الجواز مقصور على الوضوء دون غيره من إزالة الأحداث والأنجاس. الوجه الخامس: الحديث دليل على أن ماء البحر طهور يرفع الحدث الأصغر والأكبر، ويزيل النجاسة؛ لأنه ماء طاهر باقٍ على خلقته. الوجه السادس: الحديث دليل على أن المفتي إذا رأى من حال المستفتي أنه بحاجة إلى بيان أمر اخر غير الذي سأل عنه أنه يبينه له، وهذا من محاسن الفتوى (٢)، وهو دليل على الذكاء وجودة الملاحظة والحرص على نفع الناس بما يحتاجون إليه، والله أعلم.

стр. 25

الأصل في الماء الطهارة ٢/ ٢ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ». أَخْرَجَهُ الثلَاثَةُ، وَصَحَّحَه أَحْمَدُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو سعيد، سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي، غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة، أولها غزوة الخندق سنة خمس، وكان قبلها صغيراً، حفظ عن النبي ﷺ علماً كثيراً، فكان من علماء الأنصار وفضلائهم، توفي سنة (٧٤ هـ)، ودفن في البقيع، ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٦٦) في كتاب «الطهارة» باب «ما جاء في بئر بضاعة»، والترمذي (٦٦)، والنسائي (١/ ١٧٤)، وأحمد (١٧/ ١٩٠) من طريق أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد ﵁ أنه قيل لرسول الله ﷺ : (أنتوضأ من بئرِ بُضاعة - وهي بئر يُطرح فيها الحِيَضُ ولحوم الكلاب والنَّتَنُ ـ؟ فقال رسول الله ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء»). والحديث صحيح بطرقه وشواهده عند أحمد وغيره، وعبيد الله بن عبد الله بن رافع، قال عنه ابن منده: مجهول، وذكره ابن حبان في

стр. 26

«الثقات» (١)، وقال الحافظ في «التقريب»: مستور، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، وأبو أسامة: هو حماد بن أسامة، والوليد بن كثير: هو المخزومي، ومحمد بن كعب: هو القرظي. وقول المصنف: (وصححه أحمد) نقله المزي عن الإمام أحمد (٢)، وزاد الحافظ أنه صححه - أيضاً - يحيى بن سعيد، وأبو محمد بن حزم (٣)، قال الترمذي: (قد جَوَّدَ أبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد) (٤)، وعليه فالحديث صحيح، ولا يضر إعلاله بجهالة أحد رواته، لما تقدم. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (أنتوضأ) بالنون، وقد رجح النووي أنه بالتاء، وقال عن الرواية بالنون: (إنها غلط فاحش؛ لأنه جاء التصريح بأنه ﷺ توضأ منها من طرق كثيرة) (٥)، لكن نقل صاحب «المنهل العذب المورود» (٦) أن العراقي رد على النووي ما قاله؛ وعليه فالحديث وارد باللفظين. قوله: (بئر بُضاعة) بضم الباء، ويجوز كسرها، و (الحيض) بكسر الحاء وفتح الياء، الخرق التي يُمسح بها دم الحيض. ولا ينبغي أن يظن أنّ الصحابة ﵃ وهم أطهر الناس وأنزههم أنهم كانوا يفعلون ذلك عمداً مع عزة الماء في بلادهم، وإنما كان ذلك لأن هذه البئر كانت في الأرض المنخفضة، وكانت السيول تحمل الأقذار من الطرق وتلقيها فيها، وقيل: كانت الريح تلقي ذلك، ويجوز أن السيل والريح تلقيان جميعاً، أفاده الخطابي (٧) وغيره.

стр. 27

قوله: (الماء طهور) أل: للاستغراق على الأظهر؛ أي: كل ماء فهو طهور. قوله: (لا ينجسه شيء) نكرة في سياق النفي، فتعم كل شيء، وظاهره أن الماء لا ينجس بوقوع شيء فيه سواء أكان قليلاً أم كثيراً ولو تغيرت أوصافه، لكنه لم يبق على عمومه، قال النووي: (واعلم أن حديث بئر بضاعة عام مخصوص، خُصَّ منه المتغير بنجاسة، فإنه نجس للإجماع، وخص منه - أيضاً - ما دون قلتين إذا لاقته نجاسة، فالمراد الماء الكثير الذي لم تغيره نجاسة لا ينجسه شيء، وهذه كانت صفة بئر بضاعة، والله أعلم) (١). الوجه الرابع: هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأنه دل على أن الماء طهور لا ينجسه شيء، كماء البحار والأنهار والآبار والأمطار، وهذا هو الأصل في الماء أنه طهور حتى تعلم نجاسته، كما سيأتي - إن شاء الله - قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقال ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه»، وتقدم، والله تعالى أعلم.

стр. 28

حكم الماء إذا لاقته نجاسة ٣/ ٣ - عَنْ أَبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلاَّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ، وَلَوْنِهِ». أخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ. ٤/ ٤ - ولِلْبَيْهَقيِّ: «المَاءُ طَاهرٌ إلاَّ إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ؛ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ». الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو أمامة؛ صُدَيُّ - بضم الصاد وفتح الدال ثم ياء مشددة - ابن عجلان الباهلي، مشهور بكنيته، سكن الشام، ومات بها سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة ست وثمانين، ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجهما: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه (٥٢١) في كتاب «الطهارة» باب «الحياض»، والدارقطني (١/ ٢٨)، والطبراني في «الكبير» (٨/ ١٢٣) من طريق رشدين بن سعد، حدثنا معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة ﵁ مرفوعاً. والحديث ضعيف، لضعف رشدين، فقد ضعفه الإمام أحمد وأبو زرعة. وقال أبو حاتم: «منكر الحديث»، وقال النسائي: «متروك الحديث» (٢)، وقد

стр. 29

اختلف عليه في إسناده، قال الدارقطني: (لم يرفعه غير رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، وليس بالقوي، والصواب في قول راشد (١)) يعني: أنه مرسل، فقد رواه الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد، عن النبي ﷺ مرسلاً، وقال الشافعي: (لا يُثبت أهل الحديث مثله) (٢)، وقال النووي: (اتفق المحدثون على تضعيفه) (٣)، وقال البوصيري: (هذا إسناد ضعيف) (٤). وقول المصنف: (وضعفه أبو حاتم) هذا التضعيف نقله ابنه في «العلل»: (فقال: قال أبي: يوصله رشدين بن سعد، يقول: عن أبي أمامة عن النبي ﷺ ، ورشدين ليس بقوي، والصحيح مرسل) (٥). قوله: (وللبيهقي … ) هذا الحديث الرابع، والظاهر أن الحافظ أورد رواية البيهقي لتفسير حرف العطف في حديث ابن ماجه، وأن المراد أحد هذه الأوصاف، فتكون الواو بمعنى (أو)، وهذه الرواية جاءت عند البيهقي (١/ ٢٥٩) من حديث أبي أمامة من طريق اخر، فيه عطية بن بقية بن الوليد، وعطية يروي عن أبيه، وهو يخطئ ويُغرب، والوليد مدلس، وقد عنعن؛ ولذا قال البيهقي: (والحديث غير قوي). الوجه الثالث: اعلم أن أصل حديث أبي أمامة صحيح - كما تقدم في حديث أبي سعيد ﵁ والتضعيف المذكور متجه إلى هذه الزيادة وهي الاستثناء: (إلا ما غلب .. ) وقد ذكره الحافظ لِيُعلم حاله، فيكون المعول على نجاسة الماء إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه هو الإجماع، الذي نقله غير واحد، فقد نقله الشافعي - في اختلاف الحديث ـ، حيث قال: (إنه قول العامة لا أعلم بينهم اختلافاً) وضعف الحديث كما تقدم، وقال ابن المنذر: (أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له

стр. 30

طعماً أو لوناً أو ريحاً فهو نجس) (١)، وكذا نقله البيهقي (٢)، وابن هبيرة (٣) وغيرهما، رحم الله الجميع. الوجه الرابع: أننا إذا جمعنا حديث أبي أمامة الذي عضده الإجماع مع حديث أبي سعيد ﵁: «الماء طهور لا ينجسه شيء» استفدنا أن الماء قسمان لا ثالث لهما، إما طهور وإما نجس، وهذا هو الصواب الذي عليه المحققون، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ محمد بن إبراهيم (٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز، رحم الله الجميع، فالطهور هو الماء الباقي على خلقته حقيقة أو حكماً؛ فالباقي على خلقته حقيقة كماء البئر وماء البحر ونحو ذلك، والباقي على خلقته حكماً هو الذي تغير بشيء لا يسلبه الطهورية، كأن يتغير بما يشق صون الماء عنه، كورق الشجر والتراب ونحوهما مما تلقيه الرياح أو السيول من الأشياء الطاهرة؛ فهذا طهور ما دام اسم الماء باقياً، فإن تغير بشيء يخرجه عن كونه ماء ويعطيه اسماً اخر، كاللبن والمرق والتمر ونحوها لم يكن طهوراً؛ لأنه ليس بماء. والنجس: هو ما تغير بنجاسة - كما تقدم - سواء أكان التغير كثيراً أم قليلاً، وسواء أكان بممازجة أم بغير ممازجة، فإن أصابته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه فهو طهور؛ لعدم الدليل الدال على نجاسته، والله أعلم.

стр. 31

بيان قدر الماء الذي ينجس والذي لا ينجس ٥/ ٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا كانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» وفِي لَفْظٍ: «لَمْ يَنْجَسْ». أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ والحَاكمُ وَابْنُ حِبَّانَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، المدني، الفقيه، أحد الأعلام في العلم والعمل، أسلم صغيراً مع أبيه عمر ﵁، وأول مشاهده الخندق؛ لأنه كان قبلها صغيراً، كان من أوعية العلم، قال مالك: بقي ابن عمر بعد النبي ﷺ ستين سنة، يقدم عليه وفود الناس؛ يعني لتلقي العلم، وكان شديد التحري والاحتياط في فتواه وكل ما يفعله بنفسه، له عناية بتتبع آثار النبي ﷺ وأمثاله، توفي في مكة سنة ثلاث وسبعين، ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: أخرجه الأربعة: أبو داود (٦٣) في كتاب «الطهارة» باب «ما ينجس الماء»، والترمذي (٦٧)، والنسائي (١/ ٧٥/٤٦)، وابن ماجه (٥١٧) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل

стр. 32

الخبث»، وأخرجوه من طريق أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه مرفوعاً، ورواه الوليد عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله - بالتصغير - بن عبد الله بن عمر، كما عند النسائي (١/ ١٧٥) وغيره، وكذا رواه محمد بن عباد بن جعفر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، كما في صحيح ابن حبان (٤/ ٦٣). وقد اختلف العلماء في هذا الحديث؛ فصححه قوم - وهو الصواب - وضعفه اخرون، وممن صححه الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم، والطحاوي، والدارقطني، وابن دقيق العيد، والعلائي في جزء أَلَّفَهُ فيه، وعبد الحق الأشبيلي، وممن صححه - كما ذكر الحافظ - ابن خزيمة (٩٢)، وابن حبان (١٢٤٩)، والحاكم (١/ ١٣٢)، قال الخطابي: (كفى شاهداً على صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه، وقالوا به، وهم القدوة، وعليهم المعول في هذا الباب) (١). وممن ضعفه ابن عبد البر (٢) وابن العربي (٣)، وسبب ضعفه عندهم اضطرابه في سنده ومتنه. أما الاضطراب في سنده فإن مداره على الوليد بن كثير المخزومي - كما تقدم - وهو صدوق - كما في «التقريب» - فيرويه تارة عن محمد بن جعفر بن الزبير، وتارة عن محمد بن عباد بن جعفر، وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قالوا: فلما اختلف فيه هل هو عن محمد بن عباد أو عن محمد بن جعفر؟؛ علمنا أنه مُضْطَرَبٌ فيه غير محفوظ، وترجيح أحد القولين غير ممكن؛ لأن الترجيح إما بكثرة العدد وإما بالحفظ والإتقان، وكل ذلك موجود في رواية الطريقين، وقد تابع الوليدَ في روايته محمدُ بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عند أحمد (٢/ ٢٧) وأبي داود (٦٤) والترمذي (٦٧)

стр. 33

وابن ماجه (٥١٧) والدارقطني (١/ ١٩)، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند الدارقطني، فانتفت شبهة تدليسه، ورواه حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر عن عبد الله .. عند أحمد (٢/ ٣) وأبي داود (٦٥) وابن ماجه (٥١٨) وهذا سند رجاله ثقات، كما قال البوصيري (١). وأما الاضطراب في المتن فقد روي فيه: «إذا بلغ الماء قلتين»، وروي: «إذا كان الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجسه شيء»، وفي رواية ابن عدي والعقيلي والدارقطني: «إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث». والجواب: أما ما قيل من اضطراب الإسناد والاختلاف فيه فإن أهل العلم سلكوا في الجواب عنه مسلكين: الأول: مسلك الترجيح، والثاني: مسلك الجمع، فأبو حاتم (٢)، وابن منده (٣)، والخطابي رجحوا رواية محمد بن جعفر بن الزبير، وأبو داود رجح رواية محمد بن عباد بن جعفر، كما نصَّ على ذلك في «سننه». وأما من سلك مسلك الجمع - وهو الصحيح - فقالوا: إن كُلاًّ من الراويين ثقة محتج بهما في الصحيحين، وكذا الراوي عنهما، وهو الوليد بن كثير، فالحديث كيفما دار كان بخبر ثقة، فيصلح الاحتجاج به، والراوي الواحد إذا كان ضابطاً متقناً، وروى الحديثين على الوجهين المختلف فيهما كان صحيحاً، فكان أبو أسامة مرة يحدث عن الوليد، عن محمد بن جعفر، ومرة يحدث به عن الوليد عن محمد بن عباد، ومحمد بن جعفر بن الزبير رواه عن عبد الله وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر، ومحمد بن عباد رواه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وهذا قول البيهقي والحاكم، والدارقطني والعلائي والحافظ ابن حجر وغيرهم (٤).

стр. 34

وأما ما قيل من اضطراب متنه بلفظ: (قلتين أو ثلاثاً): فهو من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر. وحماد وإن كان ثقة إلا أنه تغير في اخر عمره، والاختلاف منه؛ لأن الذين رووه عنه جماعة، وفيهم حفاظ أثبات، رووه باللفظين معاً - أعني بلفظ الشك؛ وبدون لفظ الشك - فدل على أن الاختلاف منه دون غيره، لكن رواية من رواه بدون قوله: (أو ثلاثاً) أولى بالصواب؛ لأنها رواية الأحفظ، ولأنها موافقة لرواية أبي أسامة عن الوليد بن كثير، وأما رواية الأربعين فليست من حديث القلتين بشيء، على أن أبا عبيد القاسم بن سلام ذكر أن هذا الحديث بلفظ الأربعين إن كان محفوظاً فلا يراد به قلال هجر؛ لأن الناس قد كانوا يسمون الكيزان التي يُشرب فيها قلالاً، يكون مبلغ الكوز منها رطلين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك (١). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (قلتين) بضم القاف، تثنية قلة، وهي الجرة الكبيرة من الفخار، ويطلق عليها (الحُب) بضم الحاء؛ سميت بذلك لأنها تُقَلُّ، أي: تحمل؛ وهي قلال هجر، معروفة عند الصحابة، وعند العرب مستفيضة، وأما تقييدها في بعض الروايات بـ (قلال هجر) فلم يثبت؛ لأنه من أفراد مغيرة بن سقلاب، عن محمد بن إسحاق، وهو منكر الحديث، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، خالف في ذلك سائر الثقات من أصحاب ابن إسحاق. والمراد في الحديث: القلة الكبيرة؛ لأن التثنية دليل على أنها أكبر القلال، إذ لا فائدة في تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على التقدير بواحدة كبيرة، والظاهر أن النبي ﷺ ترك تحديدها توسعة على الناس؛ لأنه لا يخاطب الصحابة ﵃ إلا بما يفهمون، فانتفى الإجمال، لكن لعدم تحديدها وقع الخلاف في ذلك على أقوال كثيرة، لعل أقربها أن القلتين خمسمائة رطل بالبغدادي، وهي خمس قِرَبٍ، كل قِربة مائة رطل، ولعلهم أخذوا ذلك ممن رأى قِرَبَ الحجاز، وعرف أن ذلك مقدارها. قال ابن جريج فقيه الحرم المكي وإمام الحجاز في

стр. 35

عصره: (رأيت قلال هجر، والقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً)، قال الشافعي: (الاحتياط أن تكون القلتان قربتين ونصفاً)، وتقدران بحوالي (٣٠٧) لترات، أو (١٠٢) كيلو (١)، وهذا هو ضابط الماء الكثير، وما كان أقل هو الماء القليل، وهو الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول الشافعي وأحمد؛ لأنه عمل بالنص، وأما العمل بالتحديد بالظن والراجح فهو ضعيف؛ لأن الطهور من أصل الدين، فلا بدَّ من دليل من كتاب أو سنة، والله المستعان. قوله: (لم يحمل الخبث) - بفتحتين ـ: هو النجس، ومعنى «لم يحمل الخبث» أي: لم يقبل النجاسة، بل يدفعها عن نفسه فلا تؤثر فيه. قوله: (لم يَنْجَسْ) وهي عند الحاكم بلفظ: «لم ينجسه شيء» وعن أبي داود في رواية: «فإنه لا ينجس» وهو بفتح الجيم من باب تعب، فالماضي (نَجِس) بكسر الجيم، ويجوز ضمها في المضارع، من باب قتل يقتل، فالماضي (نَجَس) بفتح الجيم، وفائدة إيراد هذه الرواية أنها أصرح في المقصود من الرواية الأولى، لاحتمال قوله: «لا يحمل الخبث» أنه يضعف عن حمل الخبث، فلا يَحْتمل وقوعه فيه، بل ينجسه، وهذا وإن كان احتمالاً ضعيفاً إلا أن بعض العلماء ذكره، لكن هذه الرواية مفسرة للمراد، وترد على من فهم أن المراد أنه يضعف عن حمل النجاسة. الوجه الرابع: الحديث بمنطوقه دليل على أن الماء الكثير - وهو ما بلغ قلتين فأكثر - إذا وقعت فيه نجاسة، فإنه لا ينجس سواء أتغير أم لم يتغير، وهذا المنطوق بهذا العموم لا يصح، لما تقدم من نقل الإجماع على أن الماء إذا غيرته النجاسة نَجِسَ مطلقاً، سواء أكان قليلاً أم كثيراً. ودل الحديث بمفهومه على أن القليل وهو ما دون القلتين ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، سواء أتغير أم لم يتغير، وهذا الحكم هو المخالف لحكم المنطوق، لكنه لا يؤخذ على عمومه؛ لأنه لا يشترط أن يكون حكم المفهوم

стр. 36

مخالفاً للمنطوق من كل وجه، بل تكفي المخالفة ولو في صورة واحدة من صور العموم، وهذا معنى قولهم: (المفهوم لا عموم له)، وعلى هذا فلا يلزم أن كل ما لم يبلغ القلتين ينجس. فما تغير فحكمه تقدم، وما كان أقل من القلتين ولم يتغير فظاهر حديث أبي سعيد المتقدم: «الماء طهور لا ينجسه شيء» أنه طهور، فيقدم المنطوق على هذا المفهوم، لكن ما دون القلتين يستفاد من حديث القلتين، فيكون محل نظر وتأمل فيحتاج إلى عناية، لئلا يتساهل به؛ لأنه مظنة التأثر بالنجاسة، فما ظهرت فيه النجاسة بتغير طعمه أو لونه أو ريحه تُرك، أو كان مظنة التأثر، كما في حديث ولوغ الكلب الآتي - إن شاء الله ـ، وإن كان لا يتأثر لكثرته أو لعدم ظهور النجاسة فيه - وإن كان قليلاً - فهو طهور. وهذا قول الإمام مالك، وأحمد في أحد قوليه، والظاهرية، وجمع من السلف والخلف، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم؛ وهو الراجح من حيث الدليل؛ لأن المفهومات لا تعارض المنطوقات الصريحة؛ لأن المفهوم محتمل، والمنطوق الصريح لا يحتمل، ولإجماع أهل العلم على أن الماء إذا تغيرت أوصافه بالنجاسة فهو نجس، فبقي ما عدا ذلك تحت العناية كما مضى؛ وبذلك تجتمع الأخبار (١). الوجه الخامس: الحديث دليل على أن سؤر الدواب والسباع لا يخلو في الغالب عن نجاسة؛ لأن المعتاد من السباع إذا وردت الماء أن تخوض فيه وتبول، وقد لا تخلو أعضاؤها من التلوث بأبوالها ورجيعها، والله أعلم.

стр. 37

حكم البول في الماء الراكد والاغتسال فيه من الجنابة ٦/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِم وَهُوَ جُنُبٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ولِلْبُخَارِيِّ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». ولِمُسْلِمٍ: «مِنْهُ». ولأبِي دَاوُدَ: «وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ». الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم (٢٨٣) في كتاب «الطهارة» باب «النهي عن الاغتسال في الماء الراكد» من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة، حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: (قال رسول الله ﷺ : … ) فذكره، وتمامه: (فقال: كيف يعمل يا أبا هريرة؟ فقال: يتناوله تناولاً)، أي: يتناول منه فيغتسل خارجه؛ ولا ينغمس فيه. واللفظ الثاني: أخرجه البخاري (٢٣٩) في كتاب «الوضوء» باب «البول في الماء الدائم»، وهو حديث مستقل غير الأول، أخرجه من طريق شعيب قال: أخبرنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: … فذكره. وأخرجه النسائي وأحمد

стр. 38

وغيرهما بلفظ: «ثم يتوضأ منه»، وسيأتي ذكره إن شاء الله. واللفظ الثالث: أخرجه مسلم (٢٨٢) ولفظه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه»، وكذا عند أبي داود (٦٩). واللفظ الرابع: لأبي داود (٧٠) ولفظه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة»، وسيأتي - إن شاء الله - الفرق بين هذه الروايات. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يغتسلْ) لا: ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها. قوله: (أحدكم) الخطاب في الموضعين لجميع الأمة، فيشمل الذكر والأنثى، وإنما أتى بصيغة خطاب المذكر تغليباً، وإلا فلا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى. قوله: (الماء الدائم) فسرته رواية البخاري: «الماء الدائم الذي لا يجري» أي: الثابت المستمر الذي لا ينتقل من مكانه بالجريان، كمياه البرك التي في البساتين، والغدران التي في البراري، ونحو ذلك، فتكون جملة: «لا يجري» تفسيراً للدائم وإيضاحاً لمعناه، وقيل: إنها للتأسيس، واحترز بها عن راكد لا يجري بعضه، كالبرك ونحوها. وقوله: (ثم يغتسل منه) برفع المضارع، وهو مع فاعله المستتر خبرٌ لمبتدأ محذوف، والتقدير: ثم هو يغتسل فيه، والمعنى: لا يبولن فيه مع أن اخر أمره أن يغتسل فيه، فكيف يبول بما سيكون طهوراً له بعْدُ؟! ففي الجملة إشارة إلى حكمة النهي. وأجاز ابن مالك الجزم على أن (لا) ناهية، والنصب على إظهار (أن)؛ وتكون (ثم) بمعنى (واو الجمع) (١). وقوله: (وهو جنب) أي: ذو جنابة، وهو من وجب عليه الغسل من جماع أو إنزال مني.

стр. 39

والفرق بين رواية البخاري: «ثم يغتسل فيه»، ورواية مسلم: «ثم يغتسل منه»، ورواية أبي داود: «ولا يغتسل فيه من الجنابة» أن رواية البخاري تفيد النهي عن الاغتسال بالانغماس في الماء الذي بال فيه، أي: كيف يبول في ماء وهو يحتاجه للغسل أو غيره؟! ورواية مسلم تفيد النهي عن أن يتناول منه في إناء ويغتسل خارجه، وكل منهما تفيد ما تفيده الرواية الأخرى، فرواية (فيه) تدل على معنى الانغماس بالنص، وعلى منع التناول بالاستنباط، ورواية (منه) بعكس ذلك، وأما رواية أبي داود فتفيد النهي عن كل واحد من البول والاغتسال على الانفراد، بمعنى أنه لا يبول في الماء الدائم وإن لم يقصد الاغتسال منه، فحصل من مجموع الروايات أن الكل ممنوع، وذلك لأن البول أو الاغتسال في الماء الراكد يسبب تقذيره وتوسيخه على الناس ولو لم يصل إلى تنجيسه - كما سياتي إن شاء الله ـ، ومما يؤيد النهي عن البول على الانفراد حديث جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ : (أنه نهى أن يبال في الماء الراكد) (١). الوجه الثالث: في الحديث دليل على النهي عن الاغتسال من الجنابة في الماء الدائم، لأن ذلك يلوث الماء بأوساخ وأقذار الجنابة، وأما اغتسال الجنب من الماء الدائم بأن يتناول منه بإناء أو بيده بعد غسلها فإنه غير داخل في هذا النهي، كما تقدم عن أبي هريرة ﵁، ومفهومه جواز الاغتسال من الجنابة في الماء الجاري. الوجه الرابع: في الحديث دليل على النهي عن البول في الماء الدائم؛ لأن ذلك يقتضي تلوثه بالنجاسة والأمراض التي قد يحملها البول، فتضر كل من استعمل هذا الماء، بل ربما استعمله هذا البائل نفسه، ولا فرق في ذلك بين البول في الماء نفسه أو البول في إناء ثم صبه في الماء، وكذا إذا بال بقرب الماء بحيث يجري البول إليه، فكل ذلك مذموم قبيح منهي عنه. ومفهومه جواز البول في الماء الذي يجري؛ لأن البول يجري مع الماء

стр. 40

ولا يستقر، لكن إن كان في أسفل الماء أحد يستعمله فلا يبولن فيه؛ لأنه يقذره عليه. الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون الماء الدائم قليلاً أو كثيراً، ولا وجه للتفصيل، بأنه إن كان كثيراً فالنهي للكراهة، وإن كان قليلاً فالنهي للتحريم، كما هو أحد الأقوال في المسألة؛ لأن الحديث لم يفصل، صحيح أن النهي في القليل آكد؛ لأنه أسرع تلوثاً وتغيراً، لكن القول بأنه للكراهية في الكثير قد يؤدي إلى تساهل الناس في هذه الأمور، والواجب سَدُّ ما سده النبي ﷺ وحِمَى ما حماه، وهذه أمور مقاصدها ظاهرة ومصالحها بينة، فيؤخذ النهي على ظاهره، وهو التحريم ولو كان الماء كثيراً، فإن جميع الروايات لم تحدد مقداره، وإنما وصفته بأنه دائم، أما الماء الكثير جداً وهو المستبحر الذي لا يمكن أن يتأثر بالبول أو يتلوث بالاغتسال، كماء البحر فهو لا يدخل في النهي بالاتفاق، على ما ذكره ابن دقيق العيد (١)، والله أعلم. الوجه السادس: الظاهر أن تقييد الغسل بأنه من الجنابة خرج مخرج الغالب، فلا يفهم منه جواز الاغتسال في غير الجنابة، كإزالة الأوساخ - مثلاً ـ؛ لأنه إذا نُهي عن الاغتسال فيه من الجنابة مع حاجة الإنسان إلى ذلك - لكون الغسل من الجنابة هو الغالب - فغيره من الأغسال من باب أولى، ولأن تلوثه بالاغتسال من الأوساخ أشد من تلوثه باغتسال الجنابة. الوجه السابع: أما حكم الماء المذكور فالصواب أنه لا ينجس إلا إذا تغير بالنجاسة بالبول فيه أو الاغتسال فيه، ولا يلزم من النهي عن ذلك تنجيس الماء؛ لأنه ﷺ إنما نهى عن البول ثم الاغتسال، ولم يقل: إن الماء ينجس، فهو نهي عن الفعل ولم يتعرض للماء، ومثل ذلك لو قام من النوم وغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثاً فإنه لا ينجس، أخذاً بالأصل المتقدم: «الماء طهور لا ينجسه شيء» وإن كان يأثم من أجل مخالفة النهي.
следующие страницы →