← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مخالفاً للمنطوق من كل وجه، بل تكفي المخالفة ولو في صورة واحدة من صور العموم، وهذا معنى قولهم: (المفهوم لا عموم له)، وعلى هذا فلا يلزم أن كل ما لم يبلغ القلتين ينجس. فما تغير فحكمه تقدم، وما كان أقل من القلتين ولم يتغير فظاهر حديث أبي سعيد المتقدم: «الماء طهور لا ينجسه شيء» أنه طهور، فيقدم المنطوق على هذا المفهوم، لكن ما دون القلتين يستفاد من حديث القلتين، فيكون محل نظر وتأمل فيحتاج إلى عناية، لئلا يتساهل به؛ لأنه مظنة التأثر بالنجاسة، فما ظهرت فيه النجاسة بتغير طعمه أو لونه أو ريحه تُرك، أو كان مظنة التأثر، كما في حديث ولوغ الكلب الآتي - إن شاء الله ـ، وإن كان لا يتأثر لكثرته أو لعدم ظهور النجاسة فيه - وإن كان قليلاً - فهو طهور. وهذا قول الإمام مالك، وأحمد في أحد قوليه، والظاهرية، وجمع من السلف والخلف، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم؛ وهو الراجح من حيث الدليل؛ لأن المفهومات لا تعارض المنطوقات الصريحة؛ لأن المفهوم محتمل، والمنطوق الصريح لا يحتمل، ولإجماع أهل العلم على أن الماء إذا تغيرت أوصافه بالنجاسة فهو نجس، فبقي ما عدا ذلك تحت العناية كما مضى؛ وبذلك تجتمع الأخبار (١). الوجه الخامس: الحديث دليل على أن سؤر الدواب والسباع لا يخلو في الغالب عن نجاسة؛ لأن المعتاد من السباع إذا وردت الماء أن تخوض فيه وتبول، وقد لا تخلو أعضاؤها من التلوث بأبوالها ورجيعها، والله أعلم.

стр. 37

حكم البول في الماء الراكد والاغتسال فيه من الجنابة ٦/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِم وَهُوَ جُنُبٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ولِلْبُخَارِيِّ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». ولِمُسْلِمٍ: «مِنْهُ». ولأبِي دَاوُدَ: «وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ». الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم (٢٨٣) في كتاب «الطهارة» باب «النهي عن الاغتسال في الماء الراكد» من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة، حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: (قال رسول الله ﷺ : … ) فذكره، وتمامه: (فقال: كيف يعمل يا أبا هريرة؟ فقال: يتناوله تناولاً)، أي: يتناول منه فيغتسل خارجه؛ ولا ينغمس فيه. واللفظ الثاني: أخرجه البخاري (٢٣٩) في كتاب «الوضوء» باب «البول في الماء الدائم»، وهو حديث مستقل غير الأول، أخرجه من طريق شعيب قال: أخبرنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: … فذكره. وأخرجه النسائي وأحمد

стр. 38

وغيرهما بلفظ: «ثم يتوضأ منه»، وسيأتي ذكره إن شاء الله. واللفظ الثالث: أخرجه مسلم (٢٨٢) ولفظه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه»، وكذا عند أبي داود (٦٩). واللفظ الرابع: لأبي داود (٧٠) ولفظه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة»، وسيأتي - إن شاء الله - الفرق بين هذه الروايات. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لا يغتسلْ) لا: ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها. قوله: (أحدكم) الخطاب في الموضعين لجميع الأمة، فيشمل الذكر والأنثى، وإنما أتى بصيغة خطاب المذكر تغليباً، وإلا فلا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى. قوله: (الماء الدائم) فسرته رواية البخاري: «الماء الدائم الذي لا يجري» أي: الثابت المستمر الذي لا ينتقل من مكانه بالجريان، كمياه البرك التي في البساتين، والغدران التي في البراري، ونحو ذلك، فتكون جملة: «لا يجري» تفسيراً للدائم وإيضاحاً لمعناه، وقيل: إنها للتأسيس، واحترز بها عن راكد لا يجري بعضه، كالبرك ونحوها. وقوله: (ثم يغتسل منه) برفع المضارع، وهو مع فاعله المستتر خبرٌ لمبتدأ محذوف، والتقدير: ثم هو يغتسل فيه، والمعنى: لا يبولن فيه مع أن اخر أمره أن يغتسل فيه، فكيف يبول بما سيكون طهوراً له بعْدُ؟! ففي الجملة إشارة إلى حكمة النهي. وأجاز ابن مالك الجزم على أن (لا) ناهية، والنصب على إظهار (أن)؛ وتكون (ثم) بمعنى (واو الجمع) (١). وقوله: (وهو جنب) أي: ذو جنابة، وهو من وجب عليه الغسل من جماع أو إنزال مني.

стр. 39

والفرق بين رواية البخاري: «ثم يغتسل فيه»، ورواية مسلم: «ثم يغتسل منه»، ورواية أبي داود: «ولا يغتسل فيه من الجنابة» أن رواية البخاري تفيد النهي عن الاغتسال بالانغماس في الماء الذي بال فيه، أي: كيف يبول في ماء وهو يحتاجه للغسل أو غيره؟! ورواية مسلم تفيد النهي عن أن يتناول منه في إناء ويغتسل خارجه، وكل منهما تفيد ما تفيده الرواية الأخرى، فرواية (فيه) تدل على معنى الانغماس بالنص، وعلى منع التناول بالاستنباط، ورواية (منه) بعكس ذلك، وأما رواية أبي داود فتفيد النهي عن كل واحد من البول والاغتسال على الانفراد، بمعنى أنه لا يبول في الماء الدائم وإن لم يقصد الاغتسال منه، فحصل من مجموع الروايات أن الكل ممنوع، وذلك لأن البول أو الاغتسال في الماء الراكد يسبب تقذيره وتوسيخه على الناس ولو لم يصل إلى تنجيسه - كما سياتي إن شاء الله ـ، ومما يؤيد النهي عن البول على الانفراد حديث جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ : (أنه نهى أن يبال في الماء الراكد) (١). الوجه الثالث: في الحديث دليل على النهي عن الاغتسال من الجنابة في الماء الدائم، لأن ذلك يلوث الماء بأوساخ وأقذار الجنابة، وأما اغتسال الجنب من الماء الدائم بأن يتناول منه بإناء أو بيده بعد غسلها فإنه غير داخل في هذا النهي، كما تقدم عن أبي هريرة ﵁، ومفهومه جواز الاغتسال من الجنابة في الماء الجاري. الوجه الرابع: في الحديث دليل على النهي عن البول في الماء الدائم؛ لأن ذلك يقتضي تلوثه بالنجاسة والأمراض التي قد يحملها البول، فتضر كل من استعمل هذا الماء، بل ربما استعمله هذا البائل نفسه، ولا فرق في ذلك بين البول في الماء نفسه أو البول في إناء ثم صبه في الماء، وكذا إذا بال بقرب الماء بحيث يجري البول إليه، فكل ذلك مذموم قبيح منهي عنه. ومفهومه جواز البول في الماء الذي يجري؛ لأن البول يجري مع الماء

стр. 40

ولا يستقر، لكن إن كان في أسفل الماء أحد يستعمله فلا يبولن فيه؛ لأنه يقذره عليه. الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون الماء الدائم قليلاً أو كثيراً، ولا وجه للتفصيل، بأنه إن كان كثيراً فالنهي للكراهة، وإن كان قليلاً فالنهي للتحريم، كما هو أحد الأقوال في المسألة؛ لأن الحديث لم يفصل، صحيح أن النهي في القليل آكد؛ لأنه أسرع تلوثاً وتغيراً، لكن القول بأنه للكراهية في الكثير قد يؤدي إلى تساهل الناس في هذه الأمور، والواجب سَدُّ ما سده النبي ﷺ وحِمَى ما حماه، وهذه أمور مقاصدها ظاهرة ومصالحها بينة، فيؤخذ النهي على ظاهره، وهو التحريم ولو كان الماء كثيراً، فإن جميع الروايات لم تحدد مقداره، وإنما وصفته بأنه دائم، أما الماء الكثير جداً وهو المستبحر الذي لا يمكن أن يتأثر بالبول أو يتلوث بالاغتسال، كماء البحر فهو لا يدخل في النهي بالاتفاق، على ما ذكره ابن دقيق العيد (١)، والله أعلم. الوجه السادس: الظاهر أن تقييد الغسل بأنه من الجنابة خرج مخرج الغالب، فلا يفهم منه جواز الاغتسال في غير الجنابة، كإزالة الأوساخ - مثلاً ـ؛ لأنه إذا نُهي عن الاغتسال فيه من الجنابة مع حاجة الإنسان إلى ذلك - لكون الغسل من الجنابة هو الغالب - فغيره من الأغسال من باب أولى، ولأن تلوثه بالاغتسال من الأوساخ أشد من تلوثه باغتسال الجنابة. الوجه السابع: أما حكم الماء المذكور فالصواب أنه لا ينجس إلا إذا تغير بالنجاسة بالبول فيه أو الاغتسال فيه، ولا يلزم من النهي عن ذلك تنجيس الماء؛ لأنه ﷺ إنما نهى عن البول ثم الاغتسال، ولم يقل: إن الماء ينجس، فهو نهي عن الفعل ولم يتعرض للماء، ومثل ذلك لو قام من النوم وغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثاً فإنه لا ينجس، أخذاً بالأصل المتقدم: «الماء طهور لا ينجسه شيء» وإن كان يأثم من أجل مخالفة النهي.

стр. 41

الوجه الثامن: يلحق بالبول ما في معناه، كالتغوط بل هو أقبح، وكذا سائر المستقذرات لوجود العلة، وهي تلويث الماء وتقذيره على الناس، قال ابن قدامة: (وأكثر أهل العلم لا يفرقون بين البول وغيره من النجاسات) (١). الوجه التاسع: حكم الوضوء في الماء الراكد الذي بال فيه حكم الغسل، وقد ورد ذلك في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه» (٢)، ولأن الغسل والوضوء مستويان في المعنى المقتضي للنهي، والله أعلم.

стр. 42

نهي الرجل والمرأة أن يغتسل أحدهما بفضل الآخر ٧/ ٧ - عَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَنْ تَغْتَسِلَ المَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ المَرْأَةِ، وَلْيَغْترِفا جَمِيعاً». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَإسْنَادُهُ صَحِيحٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو لا يُعرف، وقد جاء في سنن أبي داود: (عن رجل صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة ﵁، وهذا يدل على تثبت الراوي، ومعرفته له معرفة تامة، وإبهام الصحابي لا يضر؛ لأن الصحابة ﵃ كلهم عدول. الوجه الثاني: في تخريجه: أخرجه أبو داود (٨١) في كتاب «الطهارة» باب «النهي عن الوضوء بفضل المرأة»، والنسائي (١/ ١٣٠) من طريق داود بن عبد الله الأودي، عن حميد الحميري، عن رجل … ، وعند النسائي: (عن حميد بن عبد الرحمن، قال: صحبت رجلاً صحب النبي ﷺ … ). وهذا سند صحيح، كما قال الحافظ، وقال في «فتح الباري»: (رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودة؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود - راويه عن حميد بن عبد الرحمن - هو ابن يزيد الأودي - وهو ضعيف - مردودة، فإنه ابن عبد الله الأودي وهو ثقة، وقد

стр. 43

صرح باسم أبيه، أبو داود وغيره) (١)، قال ابن القطان: (وقد كتب الحميدي من العراق إلى ابن حزم يخبره بصحة هذا الحديث، ويبين له حال هذا الرجل بالثقة، فلا أدري أَرجع عن قوله ذلك أم لا؟) (٢). الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي المرأة عن الاغتسال بالماء الذي بقي من غُسل الرجل، ونهي الرجل عن الاغتسال بالماء الذي بقي من غُسل المرأة، وجواز اغتسالهما من إناء واحد غرفاً باليد، وهذا النهي معارض بما هو أقوى منه وأكثر طرقاً، وهي تدل على الجواز فالعمل عليها، أو يقال: إن النهي محمول على التنزيه جمعاً بين الأدلة، كما سيأتي - إن شاء الله - في حديث ابن عباس ﵄ وما بعده، وهذا عند وجود ماء اخر يغتسل فيه غير فضل المرأة، أما إذا دعت الحاجة إلى فضل المرأة فإنها تزول الكراهة؛ لأن الغسل واجب، والوضوء واجب، فلا كراهة مع الواجب عند الحاجة إلى الماء، فإذا وجدت مياه كثيرة فالأولى أن لا يغتسل بفضلها ولا تغتسل بفضله. والوضوء بفضل المرأة أشد، لحديث الحكم بن عمرو الغفاري أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة (٣)، والله أعلم.

стр. 44

جواز اغتسال الرجل بفضل المرأة ٨/ ٨ - عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ ﵂. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. ٩/ ٩ - ولأصْحَابِ السُّنَنِ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ في جَفْنَةٍ، فَجَاءَ ليَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقَالَتْ له: إنِّي كنْتُ جُنُباً، فَقَالَ: «إنَّ الماءَ لَا يُجْنِبُ». وَصَحَّحَه التِّرْمِذِي، وابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو العباس، عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، حبر الأمة وفقيهها وترجمان القران، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، دعا له الرسول ﷺ بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (١)، فأدرك علماً كثيراً، توفي رسول الله ﷺ وقد ناهز الاحتلام، ومات في الطائف سنة ثمان وستين، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: (اليوم مات ربانيُّ هذه الأمة) ﵁ (٢). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما الأول فقد أخرجه مسلم في أحاديث «الحيض» (٣٢٣) من طريق ابن جريج قال: (أخبرني عمرو بن دينار قال: أكبر علمي، والذي يَخْطِرُ على

стр. 45

بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، أن ابن عباس أخبره، أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة). وقد أعله قوم؛ لهذا التردد من عمرو بن دينار؛ لأنه شك في الإسناد، فيسقط التمسك بالحديث. والصحيح أن هذا غير مؤثر لأمرين: الأول: أن هذا غالب ظن، لا شك، وأخبار الآحاد إنما تفيد غلبة الظن، غير أن الظن على مراتب في القوة والضعف، ومثل هذه الصيغة لا تخرجه عن كونه معلوماً وإن كانت تشعر بأنه ليس حافظاً له كما ينبغي، ولهذا ذكره الحافظ في «البلوغ»، ولم يشر إلى ذلك. الثاني: أن حديث ابن عباس قد أخرجه أصحاب السنن، كما ذكر الحافظ من طريق اخر - كما سيأتي - ومعناه هو معنى حديث عمرو بن دينار، وليس فيه شيء من ذلك التردد، والله أعلم (١). أما الحديث الثاني فقد أخرجه أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، والنسائي (١/ ١٧٣)، وابن ماجه (٣٧٠)، وابن خزيمة (١/ ٥٧)، والحاكم (١/ ١٥٩) من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: … فذكره. وقد أعله قوم بسماك بن حرب، وهو صدوق اختلط بأَخَرَةَ، فكان يقبل التلقين، وأجاب الحافظ بأنه رواه عن سماك شعبة - كما عند الحاكم (١/ ١٥٩) ـ، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيحَ حديثهم (٢)، وقال في «تهذيب التهذيب»: (ومن سمع منه - أي سماك - قديماً مثل شعبة وسفيان الثوري، فحديثهم عنه صحيح مستقيم) (٣)، ولذا قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح في الطهارة، ولم يخرجاه، ولا يحفظ له علة)، ووافقه الذهبي.

стр. 46

الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: قوله: (بفضل ميمونة) هي ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها النبي ﷺ سنة سبع لما اعتمر عمرة القضية، وبنى بها في (سَرِفَ) - موضع بينه وبين التنعيم ثلاثة أميال - وذلك بعد موت زوجها أبي رُهْم بن عبد العُزَّى، وهي اخر من تزوجها النبي ﷺ ، وقد أثنت عليها عائشة ﵂ بقولها: (إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم) (١)، توفيت بِسَرِفَ سنة إحدى وخمسين على أرجح الأقوال، ﵂. قوله: (إني كنت جنباً) تقدم أن الجنب: من أصابته جنابة بجماع أو إنزال، وهو لفظ يطلق على الذكر والأنثى، والمفرد والمثنى والجمع بلفظ واحد على الأفصح، وتثنيته لغة. قوله: (إن الماء لا يجنب) يجوز في ضبطها فتح النون، من جَنَبَ يَجْنَبُ من باب فرح، أو ضمها من باب كَرُمَ، هذا إن جعلته من الثلاثي، ويجوز ضم الياء من الرباعي، يقال: أجنب الرجل: إذا أصابته جنابة، والمعنى: أن الماء لا تصيبه الجنابة، ورواية النسائي: «فإن الماء لا ينجسه شيء»، قال السندي: (وهي وِفْقُ تلك الرواية .. أي: إذا استعمل منه جنب أو محدث فلا يصير البقية نجساً بجنابة المستعمل أو حدثه) (٢). الوجه الرابع: في هذا الحديث وما قبله دليل على جواز اغتسال الرجل بالماء الذي يبقى من غُسل المرأة، وأن هذا الاغتسال لا يؤثر في طهورية الماء؛ لأن الماء لا ينجس، وهذا الفعل من الرسول ﷺ لبيان التشريع، وهو دليل الجواز، فيكون ثبوت الفعل قرينة صارفة عن حمل النهي - فيما تقدم - على التحريم؛ لأنه ﷺ قد ينهى عن الشيء ثم يفعله، أو يأمر بالشيء ثم يتركه، وكل ذلك من باب بيان التشريع، وأن الأمر ليس للوجوب،

стр. 47

وأن النهي ليس للتحريم، ولا يقال: إن هذا خاص بالنبي ﷺ ، فلا يعارض فعله قوله الخاص بالأمة؛ لأن قوله: «إن الماء لا يجنب» و «الماء لا ينجسه شيء» يفيد أن ذلك غير مختص به ﷺ ، ولأن صيغة (الرجل) في الحديث تشمله ﷺ بطريق الظهور، كما في الأصول. وأما جواز اغتسال المرأة بفضل الرجل فلم يرد فيه دليل، لكنه مقيس على الجواز في حق الرجل من باب أولى، قال ابن عبد البر: (لا بأس أن يتطهر كل واحد منهما بفضل طهور صاحبه، شَرَعَا جميعاً، أو خلا كل واحد منهما به، قال: وعلى هذا القول فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، قال: والآثار في معناه متواترة، ثم ذكر حديث ابن عباس .. ) (١)، والله أعلم.

стр. 48

كيفية تطهير ما ولغ فيه الكلب ١٠/ ١٠ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «طُهُورُ إنَاءِ أَحدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُوْلَاهُنَّ بِالتُّرابِ». أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ. وَفي لَفْظٍ لَهُ: «فَلْيُرِقْهُ». وَلِلتِّرْمِذِيِّ: «أُخْراهُنَّ، أو أولَاهُنَّ بالتُّراب». الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم رقم (٢٧٩) (٩١) في كتاب «الطهارة» باب «حكم ولوغ الكلب» من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، به. وفي لفظ له برقم (٨٩) من طريق علي بن مُسهر، أخبرنا الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات»، وأخرجه النسائي (١/ ٥٣) - أيضاً - بهذا الإسناد، وقد طعن بعض الحفاظ في لفظة (فليرقه)، وقد أشار مسلم إلى تفرد علي بن مُسْهر بها - كما سيأتي إن شاء الله - لأن الحديث قد رواه تسعة أنفس عن الأعمش، ولم يذكروا هذه اللفظة، وعلى رأسهم شعبة، وأبو معاوية، وهو من أخصِّ أصحاب الأعمش، كما روى الحديث عن أبي هريرة ﵁ عشرة من غير طريق الأعمش، وليس فيه هذه اللفظة (١).

стр. 49

ولعل الحافظ اقتصر على رواية مسلم؛ لأنها أتمُّ من رواية البخاري، حيث لم يُذكر فيها التراب، وإلا فالحديث أصله في الصحيحين، ولفظه: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات»، زاد مسلم: «أولاهن بالتراب» وله شاهد من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفّروه الثامنة بالتراب» أخرجه مسلم (٢٨٠) (٩٣). وأخرجه الترمذي برقم (٩١) من طريق أيوب، عن ابن سيرين، به، ولفظه: «يُغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أُولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة»، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (طهور إناء أحدكم) بضم الطاء، ويجوز فتحها؛ أي: مطهِّر، وهو مبتدأ، خبره المصدر المؤول في قوله: «أن يغسله» أي: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب غَسْلُهُ سبع مرات. قوله: (إذا ولغ فيه الكلب) يقال: وَلَغَ الكلب يلَغُ، بفتح اللام فيهما، ولَغاً وولوغاً، وحُكي في المضارع كسر اللام: إذا شرب أو أدخل طرف لسانه وحركه، وفي رواية لمسلم: «إذا شرب»، و (أل) في الكلب للاستغراق، فيشمل جميع أنواع الكلاب على ما رجحه أبو عبيد (١)؛ لأنه صيغة عموم، فلا يجوز تخصيصها إلا بمخصص من الشارع، وعليه فلا فرق بين الكلب المأذون فيه، ككلب الصيد وحراسة الماشية والزرع، وغير المأذون فيه، وهو ما عداها (٢). قوله: (سبع مرات) منصوب على أنه مفعول مطلق نائب عن المصدر، والأصل فليغسله مراتٍ سبعاً؛ أي: غسلاً سبعاً، كقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. قوله: (أولاهن بالتراب) صفة لسبع مرات، والباء في قوله: (بالتراب) للمصاحبة؛ أي: مع التراب.

стр. 50

الوجه الثالث: الحديث دليل على نجاسة الكلب، لقوله: «طهور إناء أحدكم»، ولفظ الطهور لا يكون إلا من حدث أو نجاسة، ولا يتصور وجود الحدث على الإناء، فلم يبق إلا النجاسة، ولأنه أمر بإراقة ما في الإناء - كما سيأتي إن شاء الله ـ، وإذا كان هذا كله في فم الكلب وهو أطيب ما فيه لكثرة ما يلهث، فبقية أجزائه من باب أولى. وقد رَدَّ ابن دقيق العيد على من حمل أحاديث الولوغ على التعبد فقال: ( .. والحمل على التنجيس أولى؛ لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبداً، وبين كونه معقول المعنى، كان حمله على كونه معقول المعنى أولى؛ لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى) (١). الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب تطهير ما ولغ فيه الكلب سبع مرات؛ لأن نجاسة الكلب أغلظ النجاسات، ولعابه وكل ما يخرج من بدنه من بول أو عرق وغيرهما نجس. وظاهر حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن الغسل ثمان؛ لأنه قال: «وعفروه الثامنة بالتراب»، فيكون دليلاً على وجوب الغسلة الثامنة، قال ابن عبد البر: (بهذا الحديث كان يفتي الحسن البصري، أن يُغسل الإناء سبع مرات والثامنة بالتراب، ولا أعلم أحداً كان يفتي بذلك غيره) (٢)، وتبعه على ذلك ابن دقيق العيد (٣)، ولعل ابن عبد البر يريد من المتقدمين، وإلا فهو رواية عن الإمام أحمد، كما في «المغني» (٤)، وعن مالك كما في «التلخيص» (٥). فمن أهل العلم من رجح حديث أبي هريرة ﵁ وأن الغسلات سبع، وأجاب عن حديث ابن مغفل بأجوبة منها: أن جعلها ثامنة لأن التراب جنس غير جنس الماء، فجعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدوداً باثنين، فكأن التراب قائم مقام غسلة، فسميت ثامنة.

стр. 51

قالوا: وأبو هريرة أحفظ مَنْ روى الحديث في دهره، فروايته أولى. ومنهم من رجح رواية ابن مغفل ﵁؛ لأنه زاد الغسلة الثامنة، والزيادة مقبولة خصوصاً من مثله، وهذا لا بأس به؛ لأنه أَخْذٌ بظواهر النصوص، وفيه معنى الاحتياط. الوجه الخامس: تعدد الغسلات خاص بنجاسة الكلب، ولا يقاس عليه غيره كالخنزير؛ لأن العبادات توقيفية، وهذه أمور لا تدرك بالرأي والقياس، ولم يأت في غير الكلب تعدد الغسل، والخنزير مذكور في القران وموجود في زمن النبي ﷺ ، ولم يرد إلحاقه، فنجاسته كنجاسة غيره. أما بقية النجاسات فالواجب فيها غسلة واحدة، تذهب بعين النجاسة وأثرها، فإن لم تذهب زاد حتى يذهب أثرها، ولو جاوز السبع، سواء أكان ذلك في الأرض أم الثوب أم الفرش أم الأواني، وهذا قول الجمهور، لقوله ﷺ : «إذا أصاب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء ثم لتصلِّ فيه» (١). ولم يأمر فيه بعدد، ولو أراده لبينه، كما في حديث الولوغ، ولأن المقصود إزالة النجاسة، فمتى زالت زال حكمها. الوجه السادس: نص النبي ﷺ على الولوغ لأنه هو الغالب، إذ أن الكلب لا يجعل بوله أو رجيعه في الأواني، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فتكون نجاسة الكلب عامة لجميع بدنه، وتغسل بهذه الصفة المذكورة، وهذا قول الجمهور. وقالت الظاهرية: إن الغسل سبعاً خاص بنجاسة الولوغ، أما بوله أو روثه أو دمه أو عرقه فكسائر النجاسات، قال النووي: (وهذا متجه، وهو قوي من حيث الدليل) (٢)، واختاره الشوكاني (٣)، قالوا: لأن قوله: «إذا ولغ أو إذا

стр. 52

شرب .. » يدل على أن هذا الحكم لا يتعدى الولوغ والشرب؛ لأن مفهوم الشرط حجة عند الأكثرين، ومفهومه أن الحكم ليس كذلك عند عدم الشرط، وقد أجاب الحافظ العراقي بأن تقييد النبي ﷺ للولوغ خرج مخرج الغالب، لا مخرج الشرط؛ لأن الكلاب إنما تقصد الأواني غالباً لتشرب منها أو تأكل، لا لتضع أرجلها وأيديها فيها، فقيد بالولوغ لأنه الغالب من حالها (١). ومذهب الجمهور هو الأحوط في هذه المسألة، والله أعلم. الوجه السابع: الحديث نص في وجوب التطهير بالتراب مع الماء، لخبث نجاسة الكلب، وهو قول الشافعية والحنابلة (٢) ولا فرق بين أن يخلط الماء بالتراب حتى يتكدر الماء، أو يصب الماء على التراب، ولا يقوم غير التراب - كالأشنان، والصابون - مقامه، إلا إذا تعذر؛ لأن النص إذا ورد بشيء معين، واحتمل معنى يختص بذلك الشيء لم يجز إلغاء النصوص وترك ما عُيِّنَ فيها. والأمر بالتراب، وإن كان يحتمل أنه لزيادة التنظيف، لكن لا يجزم بتعيين ذلك المعنى؛ لأنه يزاحمه معنى اخر وهو الجمع بين مطهرين: الماء والتراب، وهذا مفقود في الصابون أو الأشنان، والقاعدة في الأصول: أن المعنى المستنبط إذا عاد على النص بإبطال أو تخصيص فهو مردود (٣). الوجه الثامن: ذُكِرَ موضع التراب في أحاديث الباب على أوجه متعددة، فقد ورد: «أُولاهن بالتراب»، وفي حديث ابن مغفل: «وعفروه الثامنة بالتراب»، وعند الترمذي: «أولاهن أو أخراهن»، وعند الدارقطني وغيره «إحداهن» (٤)، وعند الطحاوي (٥): «أولاها - أو السابعة - بالتراب».

стр. 53

وهذا لا يضر ولا يقتضي إلغاء التراب، لوجود الاضطراب، كما ذهبت إليه الحنفية والمالكية (١)، وذلك أن الحديث المضطرب إنما تتساقط رواياته إذا تساوت وجوه الاضطراب، أما إذا ترجح بعضها فالحكم للرواية الراجحة، ولا يقدح فيها رواية من خالفها، كما هو معروف في علوم الحديث. ورواية: (أُولاهن) أرجحها؛ لأنها جاءت في حديث أبي هريرة ﵁ من طريق ابن سيرين عنه، ورواها عن ابن سيرين ثلاثة: هشام بن حسان، وحبيب بن الشهيد، وأيوب السختياني، وقد أخرجها مسلم في «صحيحه» من رواية هشام، فتترجح بثلاثة أمور: ١ - كثرة الرواة. ٢ - تخريج أحد الشيخين لها، وهما من وجوه الترجيح عند التعارض. ٣ - من حيث المعنى؛ لأن تتريب الأولى يجعل ما بعدها من الماء مزيلاً لأثر التراب، بخلاف ما لو كان في السابعة فإنه يحتاج إلى غسلة أخرى لتنظيفه. وأما رواية الترمذي: «أولاهن أو أُخراهن» فإن كان ذلك من كلام الشارع فهو دليل على التخيير بينهما، وإن كان شكاً من بعض الرواة فالتعارض قائم، ويرجع إلى الترجيح، فترجح الأولى كما تقدم، ومما يؤيد أن ذلك شك من بعض الرواة قول الترمذي في روايته: «أولاهن - أو قال: أخراهن - بالتراب». أما رواية: (إحداهن) فليست في شيء من الكتب الستة، وإنما هي عند الدارقطني والبزار (٢)، ولا تعارض غيرها لأنها مبهمة، والأولى أو السابعة معينة، فيحمل المطلق على المقيد، وترجح رواية: (أولاهن) كما تقدم. وأما حديث: «وعفروه الثامنة بالتراب» فهي ثامنة باعتبار زيادتها على سبع الغسلات بالماء، لا باعتبار أنها الأخيرة، وعلى هذا فلا يخالف ذلك كون التراب في الأولى، والله أعلم.

стр. 54

الوجه التاسع: في الحديث دليل على وجوب إراقة ما في الإناء من ماء أو لبن أو غيرها، وهذا يدل على نجاسة لعاب الكلب وأن لريقه أثراً فيه، ولأن الأواني في الغالب صغيرة، والماء فيها قليل، وليس كثيراً يدفع عن نفسه النجاسة، ولو كان ما في الإناء طاهراً لم يؤمر بالإراقة؛ لأن في ذلك إتلاف المال وإضاعته، وذلك منهي عنه. لكن قد طعن بعض الحفاظ في لفظة: «فليرقه» وقد جاءت من طريق علي بن مسهر، أخبرنا الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة ﵁. وقد أشار الإمام مسلم إلى تفرد عليّ بن مسهر بهذه اللفظة. وقال النسائي: (لا أعلم أحداً تابع عليَّ بن مسهر على قوله: «فليرقه») (١)، وقريب من ذلك قال ابن منده (٢). قال العراقي: (وهذا غير قادح، فإن زيادة الثقة مقبولة عند أكثر العلماء .. وعلي بن مسهر وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والعجلي وغيرهم، وهو أحد الحفاظ الذين احتج بهم الشيخان، وما علمت أحداً تكلم فيه، فلا يضر تفرده) (٣). وقال ابن الملقن: (لا يضر تفرده بها، فإن علي بن مسهر إمام حافظ متفق على عدالته والاحتجاج به، ولهذا قال الدارقطني بعد أن رواها: «إسنادها حسن، ورواتها ثقات» (٤)، ورواها إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في «صحيحه» (٥)، ولفظه: «فليهرقه»، وظاهر هذه الرواية: وجوب إراقة الماء والطعام … ) (٦). والذي يظهر أن هذه اللفظة غير محفوظة، لأن مخالفة علي بن مُسهر للأكثرين الذين لم يذكروها يوجب الحكم بشذوذها، وقد قال عنه الحافظ في «التقريب» (ثقة له غرائب بعد أن أضر) وكلام الأئمة الكبار مقدم على كلام من جاء بعدهم، والله تعالى أعلم.

стр. 55

طهارة سؤر الهرة ١١/ ١١ - عَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ - فِي الْهِرَّةِ ـ: «إنَّها لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ». أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ الترْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيمَةَ. السؤر: بالهمز فضلة الأكل أو الشراب، ذكره صاحب «المطلع» (١)، وقال صاحب «المصباح المنير»: (السؤر بالهمزة: من الفأرة وغيرها كالريق للإنسان) (٢). والمراد - هنا - الأول؛ لأن المقصود بهذا الحديث بيان جواز الوضوء وغيره ببقية ما شرب منه الحيوان، وهو الموافق لما ذكره أهل اللغة، وأما ما ذكره صاحب «المصباح» فهو مراد الفقهاء؛ لأنه يفسر ألفاظهم، كما في مقدمة الكتاب، وكذا ذكره النووي (٣). والكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري الخزرجي ﵁، شهد غزوة أُحد وما بعدها، وكان يقال له: فارس رسول الله ﷺ ، كما ثبت في «صحيح مسلم» (٤)، دَعَمَ النبي ﷺ في بعض أسفاره حين مال عن راحلته من النوم، فلما استيقظ قال له: «حفظك الله بما حفظت به نبيه». أخرجه مسلم - أيضاً ـ (٥)،

стр. 56

توفي في المدينة سنة (٥٤ هـ)، ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: أخرجه أبو داود (٧٥) في كتاب «الطهارة» باب «سؤر الهرة» والترمذي (٩٢)، والنسائي (١/ ٥٥، ١٧٨)، وابن ماجه (٣٦٧)، وابن خزيمة (١٠٤) وغيرهم من طريق الإمام مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حُميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة - أن أبا قتادة دخل، فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فراني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ليست بنجس .. » الحديث. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح، وقد جود مالك هذا الحديث، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يأت به أحد أَتَمَّ من مالك). وقال الحافظ: (صححه البخاري والترمذي والعقيلي والدارقطني) (٢)، وكذا صححه ابن خزيمة - كما ذكر المصنف ـ، والحاكم (١/ ١٥٩ - ١٦٠)، وفي رواية مالك (١/ ٢٢) وأحمد (٥/ ٣٠) وغيرهما، (والطوافات) أي: إن هذا الحيوان لا يخلو أن يكون من جملة الذكور الطوافين، أو الإناث الطوافات، والحديث له طرق، ذكرها الدارقطني (٣). وأعلّ الحديث ابن منده - فيما نقله عنه ابن دقيق العيد - أعله بأم يحيى، واسمها حُميدة، وخالتها كبشة زوج عبد الله بن أبي قتادة، وأنه لا يعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث، ومحلهما محل الجهالة. وقد ردَّ ابن الملقن كلام ابن منده، مستنداً على تصحيح الأئمة لهذا الحديث، وأن هذا غير وارد مع الجهالة بحال حميدة وكبشة (٤).

стр. 57

وقول ابن منده: (إن حميدة لا تعرف لها رواية إلا في هذا الحديث)، فيه نظر، فإنها روت هذا الحديث، وحديثَ تشميت العاطس (١)، والحديث الثالث لها: حديث رِهَانِ الخيل، رواه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٢). وأما قوله في كبشة، فهو كما قال، ليس لها إلا هذا الحديث، لكن لا يضرها ذلك، فإنها ثقة. وأما قوله: (إن محلهما الجهالة) ففيه نظر - أيضاً ـ، فإن حميدة روى عنها زوجها إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة راوي حديث الهرة، وابنها يحيى في حديث تشميت العاطس، وابنها عمر بن إسحاق على ما ذكره الترمذي في باب «تشميت العاطس» - كما تقدم ـ، فإن لم يكن غلطاً فهو ثالث، وهو أخو يحيى، وذكرها ابن حبان في «الثقات» (٣). وأما كبشة، فقال ابن الملقن: (لم أعلم أحداً روى عنها غير حميدة، لكن ذكرها ابن حبان في «الثقات»، وقد قال ابن القطان: (إن الراوي إذا وُثِّقَ زالت جهالته وإن لم يرو عنه إلا واحد)، وأعلى من ذلك ما ذكره ابن حبان في «الثقات» من أن لها صحبة) (٤). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (أنه قال في الهرة) هي الأنثى من القطط، وجمعها (هِرَرٌ) مثل: سِدْرة وسِدَر، والذكر (هِرٌّ) وجمعه (هِررة) مثل: قرد وقردة، قاله الأزهري، وقال ابن الأنباري: (الهر يقع على الذكر والأنثى، وقد يدخلون الهاء في المؤنث) (٥). قوله: (إنها ليست بِنَجَسٍ) بفتح الجيم، هو عين النجاسة، أي: ليست نجسة الذات، وهو مصدر نَجِس من باب فرح، ولذا لم يؤنث، كما أنه لم يجمع في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأما النَّجِسُ بكسر الجيم فهو الشيء المتنجس.

стр. 58

قوله: (إنما هي من الطوافين عليكم) جملة مستأنفة فيها معنى التعليل، لعدم نجاسة الهرة، وهي الضرورة الناشئة من كثرة دورانها في البيوت ودخولها فيها، بحيث يشق صون الأواني عنها، فجعلها الله طاهرة، رأفةً بالعباد ودفعاً للحرج. وقوله: (الطوافين) جمع طَوَّافٍ، شبهها بخدم البيت، وهو من يطوف على أهله ويدور حولهم برفق وعناية، وألحقها بالعقلاء فجمعها بالياء والنون مع أنها لا تعقل، إشارة إلى أنها من جنس الطوافين الذين سقط في حقهم الحجاب والاستئذان في غير الأوقات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى، وذلك للضرورة وكثرة مداخلتهم. الوجه الرابع: الحديث دليل على طهارة فم الهرة، وطهارة سؤرها - فضلتها - لسقوط حكم النجاسة عنها اتفاقاً، لعلة الطواف المنصوص عليها في الحديث، والتصريح بأنها ليست نجسة، والوضوء من سؤرها بعد أن أصغى لها الإناء. وفي قوله: (إنها ليست بنجس) دليل على طهارة جميع أعضائها وبدنها على القول الراجح، خلافاً لمن قال: إن طهارتها مقصورة على سؤرها وما تناولته بفمها، وأما بقية أجزائها فنجسة، فإن هذا مخالف لدلالة الحديث، وهذا فرد من أفراد القاعدة العظيمة (المشقة تجلب التيسير)، فكثرة طوافها وعموم البلوى بها جعل ما تلامسه طاهراً وإن كان رطباً، قال ابن قدامة بعد حديث أبي قتادة: (وهذا قد دل بلفظه على نفي الكراهة عن سؤر الهرة، وبتعليله على نفي الكراهة عما دونها مما يطوف علينا .. ) (١)، وعلى هذا فكل ما يُكْثِرُ التطواف على الناس ويشق الاحتراز منه فهو كالهرة، محكوم بطهارته، وأما إناطة الحكم بالصغر، وهو ما دون الهرة في الخِلقة، فلا وجه له، لعدم الدليل عليه، وليس الحكم خاصاً بفمها، بل جميع بدنها كذلك؛ لقوله: «إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم».

стр. 59

الوجه الخامس: الصحيح من أقوال أهل العلم إلحاق الحمار والبغل بالهرة في طهارة سؤرهما وعرقهما، للعلة المذكورة، ولحاجة الناس إليهما في الركوب والحمل، ولا سيما قبل وجود السيارات، ولأن النبي ﷺ كان يركبها وتركب في زمنه، وفي عصر الصحابة ﵃، فلو كان نجساً لبين النبي ﷺ ذلك. الوجه السادس: فيه دليل على حسن تعليم النبي ﷺ ، حيث ربط الحكم بالعلة، وهذا فيه فوائد، منها: ١ - الاستدلال على سمو الشريعة وكمالها، وأن كل شيء له حكمة. ٢ - تقوية إيمان المكلف بهذا الحكم إذا عرف علته. ٣ - تعدية الحكم لكل ما وجدت فيه العلة، والله أعلم.

стр. 60

كيفية تطهير الأرض من البول ١٢/ ١٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابيٌّ فَبَالَ في طَائِفَةِ الْمَسْجِد، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَذَنُوبٍ مِنْ ماءٍ؛ فَأُهْرِيْقَ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أنس بن مالك بن النضر، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ ، قدم النبي ﷺ المدينة، وهو ابن عشر سنين، فأتت به أمه أم سليم بنت ملحان رسول الله ﷺ فقالت: هذا أنس، غلام يخدمك، فقبله النبي ﷺ ودعا له، وقال: «اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة»، قال أنس: فرأيت اثنتين، وأنا أرجو الثالثة، فلقد دفنت لِصُلبِي سوى ولد ولدي مائة وخمسة وعشرين، وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين، وبقي خادماً للنبي ﷺ حتى توفي ﷺ ، وأقام بعده في المدينة، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة تسعين، ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء»، باب «تَرْكِ النبي ﷺ والناس الأعرابيَّ حتى فرغ من بوله في المسجد» (٢١٩، ٢٢١)، وأخرجه من حديث أبي هريرة ﵁ (٢٢٠) وفي اخره: «فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسِّرين»، وأخرجه في كتاب «الأدب» (٦٠١٠) من حديث أبي هريرة ﵁ أيضاً ـ،

стр. 61

ولفظه: (قام رسول الله ﷺ في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فلما سلّم النبي ﷺ قال للأعرابي: «لقد حجرت واسعاً»، يريد رحمة الله)، وأخرجه مسلم (٢٨٤) وفيه: (ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القران»، أو كما قال رسول الله ﷺ .. ). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (أعرابي) المراد به البدوي الذي يسكن البادية، نسبة إلى الأعراب على لفظه، وإنما نسب الأعرابي إلى الجمع دون الواحد؛ لأنه جرى مجرى القبيلة كأنمار، أو لأنه لو نسب إلى الواحد وهو عرب، لقيل: عربي، فيشتبه المعنى؛ لأن العربي عام لمن سكن البادية أو الحاضرة. قوله: (بذنوب من ماء) بفتح الذال المعجمة وضم النون، هو الدلو العظيم، ولا يسمى ذنوباً حتى يكون مُلئ ماءً، ويكون قوله: (من ماء) من باب الإيضاح والتأكيد، كقولهم: كتبت بيدي. قوله: (فأهريق عليه) بضم الهمزة وسكون الهاء، أي: صُبَّ عليه، وهو فعل مبني للمجهول، والمبني للمعلوم: أهراق، ومضارعه: يُهْرِيق (١). الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب العناية بالمساجد واحترامها وتنزيهها من البول والعذرة، وسائر الأقذار، وهذا يؤخذ من زجر الناس لهذا الأعرابي ومبادرتهم إلى الإنكار عليه، ولولا أن ذلك منكر عندهم لما زجروه، لكن فاتهم النظر إلى أن منعه وقطعه يؤدي إلى الضرر به، وزيادة في التنجيس لمكان اخر، فلهذا نهاهم النبي ﷺ عن زجره وأمرهم بالرفق به. الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها تطهر بصب الماء على المكان النجس بدون تكرار، سواء أكانت الأرض

стр. 62

رخوة أم صلبة، وشرط طهارتها أن تزول عين النجاسة، وقد أفاد قوله: (فأهريق عليه) أنه لم يحفر المكان أو ينقل ترابه أو يُحَوَّطْ عليه، بل صُبَّ عليه الماء فقط. وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وأما ما ورد عند أبي داود من حديث عبد الله بن معقل، وفيه: وقال - يعني النبي ﷺ : «خذوا ما بال عليه من تراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء»، فقد قال أبو داود عَقِبَهُ: (هو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ (١). فإن كان للنجاسة جرم كعذرة أو دَمٍ جَفَّ، فلا بد من إزالة ذلك قبل تطهيرها بالماء. الوجه السادس: وجوب المبادرة بتطهير المساجد من النجاسة إذا حصلت فيها، لقوله: (فلما قضى بوله أمر .. )؛ لأن النجاسة لو تركت قد يخفى مكانها، وقد يصلّى عليها. وهي لا تطهر بالجفاف - عند الجمهور - سواء أكان ذلك بالشمس أم بالريح أم بالظل، قالوا: ولو كان الجفاف مطهراً لاكتفى به النبي ﷺ ، ولم يأمر بالماء. وقالت الحنفية: إن الجفاف يطهر الأرض، فتجوز الصلاة عليها؛ لأن النجاسة عين خبيثة نجاستها بذاتها، فإذا زالت عاد الشيء إلى طهارته. وهذا قول قوي، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وتلميذه ابن القيم (٣)، قال شيخ الإسلام: (إنه أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح في الدليل)، ثم ساق حديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: (كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك) (٤)، فقد استنبط شيخ الإسلام ابن تيمية من هذا

стр. 63

الحديث أن الارض إذا أصابتها نجاسة فيبست حتى زال أثرها فإنها تطهر؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإذا لم يبق للنجاسة أثر صارت الأرض طاهرة. وأما دليل الجمهور فالجواب عنه ما تقدم، وهو أن المسجد يجب تطهيره في الحال لأنه مصلّى الناس، ولئلا ينجس به أحد، أو تنتقل النجاسة بالمشي إلى مكان اخر في المسجد. الوجه السابع: وجوب الرفق بالجاهل في التعليم، وأنه لا يؤذى ولا يعنف إذا لم يأت بالمخالفة استخفافاً وعناداً. الوجه الثامن: الحديث دليل على القاعدة الفقهية العظيمة (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما) أو (دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما)، وذلك أن البول في المسجد مفسدة، والاستمرار عليه مفسدة، وقد حصل ذلك، لكن كون الرجل يقوم من بوله مفسدة أكبر لما يترتب عليه من مفاسد، وهي: ١ - تضرر هذا الرجل بقطع بوله واحتباسه. ٢ - أنه يؤدي إلى تلوث ثيابه وبدنه. ٣ - أنه يؤدي إلى تلوث مكانٍ أكبر من المسجد، والله أعلم.

стр. 64

السمك والجراد إذا ماتا في ماء فإنه لا ينجس ١٣/ ١٣ - عَن ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا المَيْتَتانِ: فَالْجَرَادُ والْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحالُ وَالْكَبِدُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (١٠/ ١٥)، وابن ماجه (٣٢١٨، ٣٣١٤) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف - كما قال الحافظ - لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال عبد الله بن أحمد: (سمعت أبي يضعف عبد الرحمن، وقال: روى حديثاً منكراً: «أحلت لنا ميتتان ودمان»)، وضعفه ابن المديني جداً، وكذا ضعفه النسائي وأبو زرعة وغيرهم، وقال ابن خزيمة: (ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه، هو رجل صناعته العبادة والتقشف، ليس من أحلاس الحديث) (١)، وقد رواه الدارقطني (٢) والبيهقي (١/ ٢٥٤) من رواية سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر موقوفاً، قال البيهقي: (وهذا إسناد صحيح، وهو في معنى المسند)، وكذا صحح الوقف أبو زرعة

стр. 65

وأبو حاتم، وهذا الموقوف له حكم الرفع، كما ذكر البيهقي، وقال ابن القيم: (هذا حديث حسن، وهذا الموقوف في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: أُحل لنا كذا، وحُرِّم علينا، ينصرف إلى إحلال النبي ﷺ وتحريمه) (١). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (الجراد) بفتح الجيم، معروف، والواحدة جرادة، الذكر والأنثى سواء، كالحمامة، قالوا: مشتق من الجرد؛ لأنه لا ينزل على شيء إلا جرده. قوله: (والحوت) هو السمك، وقيل: ما عَظُمَ منه، قال تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾ [الصافات: ١٤٢] والجمع حيتان. الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الميتة، واستثني منها الجراد والسمك، فكل منهما حلال، وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، قال ابن عباس: (صيده: ما صيد فيه، وطعامه: ما قَذَفَ) (٢)، فميتة البحر حلال مطلقاً، سواء مات بنفسه وطفا على وجه الماء بأن صار بطنه من فوق، أم مات بسبب ظاهر كضغطة أو صدمة حجر أو انحسار ماء أو ضرب من صياد أو غيره؛ لعموم الأدلة، وتخصيص النص العام لا بد له من دليل من كتاب أو سنة يدل على التخصيص. وقد ورد في حديث جابر ﵁ قال: (غزونا جيش الخَبَطِ وأميرنا أبو عبيدة، فجعنا جوعاً شديداً، فألقى البحر حوتاً ميتاً لم نر مثله، يقال له: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظماً من عظامه فمرَّ الراكب تحته، قال: فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فقال: «كلوا، رزقاً أخرجه الله لكم، أطعمونا إن كان معكم»، فأتاه بعضهم بشيء فأكله) (٣). ففي هذا الحديث دليل على إباحة ميتة البحر، وطلب النبي ﷺ من لحمه

стр. 66

وأكله ذلك أراد به المبالغة في تطييب نفوسهم في حلّه، وأنه لا شك في إباحته وأنه يرتضيه لنفسه. وكذلك يحل أكل الجراد مطلقاً، سواء مات باصطياد أم بذكاة أم مات حتف أنفه، لعموم هذا الحديث. ويستثنى من ذلك ما مات من الجراد بسبب المبيدات السامة فهذا يحرم، لما فيه من السم القاتل المحرم، وكذا ما مات من الحوت بسبب ما يسمى بتلوث البحار بمواد سامة، فيحرم لا لذاته، وإنما لما وجد فيه من مواد مضرة أو قاتلة. الوجه الرابع: الحديث دليل على إباحة أكل الكبد والطحال، وأنهما مستثنيان من تحريم الدم، وهذا بإجماع أهل العلم. الوجه الخامس: الحديث دليل على أن السمك والجراد إذا ماتا في ماء فإنه لا ينجس، سواء أكان الماء قليلاً أم كثيراً، ولو تغير طعمه أو لونه أو ريحه؛ لأنه لم يتغير بنجاسة، وإنما تغير بشيء طاهر، وهذا هو وجه سياق هذا الحديث في باب المياه، كما تقدم في موضوع الحديث، والله أعلم.

стр. 67

الذباب لا يُنَجِّسُ ما وقع فيه من ماء أو غيره ١٤/ ١٤ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ، فَإنَّ فِي أحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً». أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ: «وَإنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ». الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري (٣٣٢٠) في كتاب «بدء الخلق» بابٌ «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه»، وفي كتاب «الطب» بابٌ «إذا وقع الذباب في الإناء» (٥٧٨٢) من طريق عتبة بن مسلم، عن عبيد بن حنين، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً. واللفظ الثاني أخرجه أبو داود (٣٨٤٤) ولفظه: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كله) وإسناده حسن، وورد - أيضاً - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أخرجه أحمد (١٨/ ١٨٦)، وابن ماجه (٣٥٠٤) وإسناده صحيح لغيره، ومن حديث أنس بن مالك ﵁ أخرجه البزار (١/ ٦١٥ مختصر زوائده)، ورجاله رجال الصحيح. وهذا الحديث قد ورد من طرق كثيرة تزيد على خمسين طريقاً، جمعها بعض الباحثين (١) وهي كافية لمن أراد معرفة الحق من أصحاب الفطر السليمة، والعقول المستنيرة.

стр. 68

الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا وقع الذباب) هو بضم المعجمة، مفرد، وجمعه أذِبَّة وذِبَّان، كغراب وأغربة وغربان (١). قال الدَّميري: (الذباب عند العرب يطلق على الزنابير والنحل والبعوض بأنواعه، كالبق، والبراغيث والقمل والصُّؤاب والناموس والفَرَاش، والنمل، والذباب المعروف عند الإطلاق العرفي) (٢)، ولعل الأخير هو المراد بهذا الحديث، وسمي ذباباً لكثرة حركته واضطرابه. قوله: (في شراب أحدكم) هذا لفظ البخاري في كتاب «بدء الخلق» ولفظه في «الطب» «في إناء أحدكم»، وفي حديث أبي سعيد - كما تقدم ـ: «إذا وقع في الطعام» والتعبير بالإناء أشمل (٣)، لكن يظهر أن الحافظ اختار رواية (شراب) لمناسبتها لباب المياه، والله أعلم. قوله: (فليغمسه) أي: في الطعام أو الشراب، كما في حديث أبي سعيد - المتقدم - ولفظه: «إن أحد جناحي الذباب سُمٌّ، والآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام فامقلوه، فإنه يقدم السم، ويؤخر الشفاء». والأمر بغمسه ليخرج الشفاء كما خرج الداء، فأمر النبي ﷺ أن تقابل تلك المادة السُّمِّية بما أودعه الله فيه من الشفاء في جناحه الآخر بغمسه كله، فتقابل المادةَ السميةَ المادةُ النافعةُ فيزول ضررها - بإذن الله تعالى - وهذا نصَّ عليه حذاق الأطباء قديماً، كما ذكر ابن القيم والحافظ ابن حجر وغيرهما، وأثبت ذلك الاكتشافات العلمية الحديثة - كما سيأتي إن شاء الله ـ. وهذا أمر إرشاد لا أمر إيجاب، وفي رواية للبخاري في «الطب» «فليغمسه كلَّه» وذلك لدفع توهم المجاز في الاكتفاء بغمس بعضه. قوله: (فإن في أحد جناحيه داء .. ) تعليل للأمر بغمسه، وفي حديث

стр. 69

أبي سعيد - المتقدم ـ: «فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء» ويستفاد من حديث أبي سعيد تفسير الداء الواقع في حديث الباب وأن المراد به السم، قال الحافظ: (ولم يقع لي في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره، لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء، والمناسبة في ذلك ظاهرة) (١). الوجه الثالث: الحديث دليل على طهارة الذباب، وأنه لا ينجس ما وقع فيه من طعام أو شراب أو ماء ولا يفسده؛ لأن الرسول ﷺ أمر بغمسه ولم يأمر بإراقة ما وقع فيه. الوجه الرابع: في الحديث الأمر بغمس الذباب كله فيما وقع فيه من طعام أو شراب ثم نزعه، والانتفاع بما وقع فيه، وذلك للعلة وهي قوله: «فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاء»، وقد يكون الطعام حاراً، ومعلوم أنه يموت إذا غمس فيه، فلو كان ينجسه لكان أمراً بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، لكن هذا الأمر ليس للوجوب، وإنما هو لإرشاد من أراد أن يأكل أو يشرب مما وقعت فيه الذبابة أن يغمسه فيه، أما الذي لا يريد الأكل أو الشرب بأن تعافه نفسه فلم يتطرق إليه الحديث. الوجه الخامس: يقاس على الذباب كل ما أشبهه مما لا نفس له سائلة - أي ما لا دم له يسيل - وليس متولداً من النجاسات، كالزنبور والعنكبوت والخنفساء والجعلان والنحل والبق والبعوض ونحو ذلك، فإذا وقع في طعام أو شراب لم يُحَرِّمْهُ ولم ينجسه، لهذا الحديث، والحكم يعم بعموم علته وينتفي لانتفاء سببه، ولما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته وكان ذلك مفقوداً فيما لا دم له سائل، انتفى الحكم بالتنجيس؛ لانتفاء علته. قال ابن المنذر: (قال عوام أهل العلم: لا يفسد الماء بموت الذباب

стр. 70

والخنفساء ونحوهما، قال: ولا أعلم فيه خلافاً إلا أحد قولي الشافعي) (١)، قال النووي بعد نقل كلام ابن المنذر: (والصحيح في الجميع الطهارة للحديث، ولعموم البلوى وعسر الاحتراز) (٢). الوجه السادس: هذا الحديث يدل على سبق الإسلام للعلم الحديث في بيان ضرر الذباب، وأنه يحمل الأمراض والجراثيم، كما يدل على طريقة التخلص من ضرر الذباب إذا وقع في الطعام والشراب، وهذه الطريقة جاء في الاكتشافات ما يوافقها ويؤيدها، وذلك بإثبات أن الذباب يحمل المكروبات، ويحمل معها مكروبات قاتلة لهذه المكروبات، تسمى (بكتريوفاج) يعني: اكل البكتيريا، تظهر بكثرة على جناح الذبابة مع قليل من البكتيريا، وعند غمس الذبابة فإننا نساعد على ترك أكبر كمية من المادة القاتلة لمكروب المرض، وأثبت الاكتشاف العلمي أن الذباب إذا وقع في الطعام أو في الشراب ثم طار فإن الجراثيم التي يخلفها بعده تتزايد وتتكاثر، فإذا غُمس فإن الجراثيم التي يخلفها بعده في الطعام أو الشراب لا تبقى كما خلفها فحسب، بل تبدأ بالانحسار والتناقص، فالحمد لله على كمال هذه الشريعة وسموِّ تعاليمها، والله أعلم (٣).

стр. 71

ما قطع من الحي فهو مَيِّتٌ ١٥/ ١٥ - عَنْ أَبِي وَاقِدٍ الليْثِي ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهيمَةِ - وَهِيَ حَيَّةٌ - فَهُوَ مَيِّتٌ». أَخْرَجه أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ. أكثر العلماء يذكرون هذا الحديث في كتاب الأطعمة والصيد، كأبي داود والترمذي وصاحب المنتقى وغيرهم، ولعل الحافظ ذكره هنا لبيان أن هذا المقطوع لو وقع في ماء أو غيره فهو نجس إن كان من حيوان ميتته نجسة، كما سيأتي - إن شاء الله ـ. والكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو واقد الليثي، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، فقيل: الحارث بن عوف، نصَّ على ذلك الترمذي، وقيل غير ذلك، أسلم قديماً، وشهد بدراً على الأصح، وهو يُعَدُّ من أهل المدينة، وخرج إلى مكة، فجاور بها سنة، ومات سنة ثمان وستين، ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٢٨٥٨) في كتاب «الصيد» بابٌ «في صيدٍ قُطِعَ منه قطعة»، والترمذي (١٤٨٠) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد.

стр. 72

والحديث حسنه الترمذي؛ لأن في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وهو متكلم فيه، وقد أورده الذهبي في «الضعفاء»، وقال: («ثقة» قال ابن معين: في حديثه ضعف) (١)، وقال أبو حاتم: (فيه لين، يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال ابن عدي: (بعض ما يرويه منكر لا يتابع عليه، وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء) (٢)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يخطئ). وقد ورد الحديث من طريق عبد الله بن جعفر، ثنا زيد بن أسلم به، أخرجه الحاكم (٤/ ١٢٣، ١٢٤) وقال: صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بقوله: (ولا تشدَّ يدك به)، وذلك لأن الذهبي ذكر عبد الله بن جعفر في «الضعفاء» وقال: (ضعفوه) (٣)، وقال في التقريب: (ضعيف)، لكن بإضافة هذا الطريق إلى الطريق الأول يَقْوى الحديث، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار أحسن حالاً من عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني، فإن ابن دينار أخرج له البخاري، ومع ذلك ففيه كلام، كما تقدم (٤). وقد جاء الحديث من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ من طريق عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، ثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أخرجه الحاكم (٤/ ٢٣٩) وقال: (صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، وتعقبه الألباني: بأن الأويسي لم يخرج له مسلم شيئاً، فالحديث على شرط البخاري فقط، وهو ثقة، فالإسناد صحيح (٥)، لكن رواه سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلاً. أخرجه الطحاوي في «المشكل» (٤/ ٢٣٨) ورواه عبد الرحمن بن مهدي كما في «المستدرك» (٤/ ١٣٨) عن زيد بن أسلم، عن النبي ﷺ مرسلاً، وتابعه معمر كما في المصنف (٤/ ٤٩٤) لعبد الرزاق، قال الدارقطني في «العلل» (١١/ ٢٦٠): (المرسل أشبه بالصواب).

стр. 73

الوجه الثالث: اختصر الحافظ الحديث، فلم يذكر إلا الشاهد منه، وأول الحديث عن أبي واقد ﵁ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يَجُبُّون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم، قال: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة) وهذا لفظه عند الترمذي، وعند أبي داود بدون ذكر سبب الحديث. الوجه الرابع: في شرح ألفاظه: قوله: (ما قطع .. ) يجوز أن تكون (ما) موصولة أو شرطية، ويكون قوله: (فهو ميت) جواب الشرط، أو خبراً للمبتدأ وهو (ما) الموصولة، واقترن الخبر بالفاء لشبه الموصول بالشرط في العموم. قوله: (من البهيمة) هي ذوات الأربع من الإبل والبقر والغنم، أو كُلُّ حي لا يميز، وهذا أعم من الأول، و (من) بيانية، وسبب الحديث يدل على أن المراد بالبهيمة الإبل والغنم. قوله: (فهو ميت) هكذا في بعض نسخ البلوغ، والذي في الترمذي: (فهو مَيْتة)، وهي بسكون الياء، يقال: مَيْتة - بالتخفيف - وميّتة - بالتشديد ـ، والتخفيف أكثر (١)، والميتة ما لم تلحقه الذكاة، ومعنى (فهو ميتة) أي: حرام كالميتة، لا يجوز أكله؛ لأنه ميت بزوال الحياة عنه، وكانوا يفعلون ذلك في حال الحياة - كما تقدم - فنهوا عنه. الوجه الخامس: اعتبر العلماء لفظ هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الأحكام، يدل على أن ما قطع من البهيمة في حال حياتها من سنام بعير، أو ألية شاة، ونحو ذلك، فهو ميتة محكوم بنجاستها، إذ الميتة كذلك، فيحرم أكله والانتفاع به، قال ابن تيمية: (وهذا متفق عليه بين العلماء) (٢). وهذا عام مخصوص بما قطع من حيوان ميتته طاهرة، كالجراد والسمك، فيكون طاهراً، فما وقع منه في ماء فهو طاهر. كما يستثنى من ذلك الشعر والصوف والوبر والريش إذا قُصَّ بدون أصوله، والله أعلم.

стр. 74

باب الآنية الآنية: جمع إناء، كأسقية وسقاء، والجمع القليل آنية، والكثير: أواني، والآنية هي: الأوعية، والمراد هنا الأواني التي يكون فيها ماء الوضوء، وما هو أعم من ذلك من الطعام والشراب. ومناسبة ذكرها هنا: أنه لما كان الماء جوهراً سيالاً لا بد له من وعاء، ناسب ذكرها بعد أحكام المياه، ليعلم المسلم حكم آنيته التي يستعملها؛ لأن الشارع قد نهى عن بعضها، فتعلقت بها أحكام. والأصل في الآنية: الحل والطهارة، لعموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ووجه الدلالة: أن الله تعالى امتنَّ على خلقه بما في الأرض جميعاً، ولا يمتن إلا بمباح، إذ لا منة في محرم، وخُصَّ من ذلك ما دل الدليل على تحريمه، والله أعلم.

стр. 75

تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة ١٦/ ١ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمانِ ﵄، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : «لَا تَشْرَبُوا فِي انِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا في صِحَافِهَا، فإنَّهَا لَهُمْ في الدُّنْيَا، وَلَكُمْ في الآخِرَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هذا الحديث محله كتاب الأطعمة والأشربة، لكن ذكره الحافظ - كغيره - في هذا الباب لإفادة تحريم الوضوء في انية الذهب والفضة؛ لأنه استعمال لهما. والكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو حذيفة بن اليمان بن جابر العبسي ﵁، واسم اليمان: حُسيل، كما ورد في صحيح مسلم، أسلم هو وأبوه، وأرادا شهود بدر فصدهما المشركون، كما روى ذلك مسلم أيضاً (١)، وشهدا غزوة أحد، فقتل المسلمون أباه لأنهم لم يعرفوه (٢)، وذكر ابن إسحاق أن حذيفة تصدق بدية أبيه على المسلمين. روى حذيفة ﵁ كثيراً عن النبي ﷺ وقال: لقد حدثني رسول الله ﷺ ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، وكان يسمى صاحب السر لأن النبي ﷺ أَسرَّ إليه بأسماء المنافقين، الذين أرادوا المكر بالنبي ﷺ في مرجعه من تبوك، شهد حذيفة غزوة الخندق وما بعدها، وفتوح العراق، واستعمله عمر ﵁ على المدائن، فلم يزل بها حتى مات سنة ست وثلاثين، بعد مقتل عثمان ﵁
следующие страницы →