← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

- ﷺ جُمَّةٌ. (٦٦) وقال: تِسْعَةٌ من أصحابِ النبي ﷺ لهم شَعْرٌ. وقال: عَشَرَةٌ لهم جُمَمٌ. وقال في بعضِ الحديثِ: إن شَعْرَ النبيِّ ﷺ كان إلى شَحمةِ أُذُنَيْهِ. (٦٧) وفى بعض الحديثِ: إلى مَنْكِبَيْه. ورَوَى البراءُ بن عازِب، قال: ما رأيتُ [مِنْ ذِى] (٦٨) لِمَّة في حُلَّةٍ حَمْراء أحْسَنَ من رسولِ اللَّه ﷺ ، له شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْه. مُتَّفَقٌ عليه. (٦٩) ورَوَى ابنُ عُمَرَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "رأيتُ ابنَ مَرْيَمَ لَهُ لِمَّةٌ" (٧٠).

стр. 177

قال الخَلَّالُ: سألتُ أحمدَ بن يحيى - يعني (٧١) ثَعْلَبًا - عن اللِّمَّةِ؟ فقال: ما أَلَمَّت بالأُذُنِ. والجُمَّة: ما طالتْ. وقد ذَكَر البراءُ بن عازِب في حدِيثِه: أن شَعْرَ النبيِّ ﷺ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْه، وقد سَمَّاهُ لِمَّة. ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ شَعْرُ الإِنسانِ عَلَى صِفَةِ شَعْرِ النبيِّ ﷺ ، إذا طالَ فإلى مَنْكِبَيْه، وإن قَصُرَ (٧٢) فإلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْه. وإن طَوَّلَهُ فلا بَأْسَ، نَصَّ عليه أحمدُ. وقال أبو عُبَيْدة: كان له عَقِيصَتَان، (٧٣) وعُثْمان (٧٤) له عَقِيصَتان. وقال وائلُ بنُ حُجْر: أتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ ولى شَعْرٌ طَوِيلٌ، فلمَّا رآنِى قال: "ذُبَابٌ ذُبَابٌ". (٧٥) فَرَجَعْتُ فَجَززْتُه، ثم أَتَيْتُه من الغد، فقال: "لم أَعْنِكَ، وَهَذَا أحْسَنُ". رَوَاه ابنُ مَاجَه. (٧٦) ويُسْتَحَبُّ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ وإكرامُه، لما روَى أبو هُرَيْرَة [أنَّ النبيَّ ﷺ ، قال: ] (٧٧) "مَنْ كانَ لَهُ شَعْرٌ فلْيُكْرِمْهُ". رواه أبُو دَاوُدَ. (٧٨) ويُسْتَحَبُّ فَرْقُ الشَّعْرِ، لأنَّ النبيَّ ﷺ فَرَقَ شَعْرَهُ، وذكره من الفِطْرَةِ في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاس، (٧٩) وفى شُرُوطِ عُمَرَ عَلَى أهلِ الذِّمَّةِ: أن لا يَفْرُقُوا شُعُورَهُم، لِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بالمُسْلِمِينَ.

стр. 178

فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في حَلْقِ الرَّأْسِ. [فرُوِىَ عنه] (٨٠) أنَّه مَكْرُوهٌ، لما رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال في الخَوارجِ: "سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ". (٨١) فجَعَلَهُ علامةً لَهُم. وقال عُمَرُ لصبيغ: لو وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا لضَرَبْتُ الذي فيه عَيْنَاك بالسَّيْفِ. ورُوِى عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا تُوضَعُ النَّواصِى إلَّا في حَجٍّ أو عُمْرَةٍ". أخرجه (٨٢) الدَّارقُطْنِىُّ، في "الأَفْراد"، (٨٣) ورَوَى أبُو موسَى عن النبيِّ ﷺ [أنه قال: ] (٨٤) "ليسَ مِنَّا مَنْ حَلَق" رواهُ الإِمامُ أحمدُ. (٨٥) وقال ابنُ عَبَّاس: الذي يَحْلِقُ رَأسَهُ في المِصْرِ شَيْطانٌ. قال أحمد: كانُوا يَكْرَهُون ذلك. وروى عنه: لا يُكْرَهُ ذلك لكن تَرْكَهُ أَفْضَلُ. قال حَنْبَل: كنتُ أنَا وأَبِى نَحْلِقُ رُءُوسَنَا في حياةِ أبي عَبْدِ اللَّه، فَيَرانَا ونَحْنُ نَحْلِقُ فلا يَنْهانَا، [عن ذلك] (٨٦) , وكان هو يأخذُ رَأسَهُ بالْجَلَمَيْنِ (٨٧) ولا يَحْفِيه ويأخُذُه وسطًا. وقد رَوَى ابنُ عُمَرَ أن رَسولَ اللَّه ﷺ ، رَأَى غُلَامًا قد حَلَق بَعْضَ رَأْسِه وتَرَكَ بَعْضَه، فَنَهاهُم عن ذلك. أخرجَه (٨٨) مُسْلمِ، وفى لفظٍ قال: "احْلِقْه كُلَّه أوْ دَعْهُ كُلَّه". وَرُوِىَ عن عَبْد اللَّه

стр. 179

ابنِ جَعْفَر، أن النبيَّ ﷺ لما جاءَ نَعِىُّ جَعْفَر أَمْهَلَ آل جَعْفَر ثلاثًا أن يَأْتِيَهم، ثم أتاهُم، فقال: "لا تَبْكُوا عَلَى أخِى بَعْدَ اليَوْمِ"، ثم قال: "ادْعُوا بَنِى أَخِى"، فَجِئَ بِنَا، قال: "ادْعُوا لِىَ الحَلَّاقَ" (٨٩) فأَمَرَ بِنَا فَحَلَقَ رُءُوسَنا. رَوَاهُ [أبو دَاوُد، والطَّيَالِسِيُّ، ] (٩٠) ولأنَّه لا يُكْرَهُ استئصالُ الشَعَرِ بالمِقْراضِ. وهذا في معناه، وقولُ النبي ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ" يَعْنِى في المُصِيبةِ، لأنَّ فيه "أو صَلَقَ (٩١) أو خَرَقَ". قال ابنُ عبد البَرِّ: وقد أَجْمَعَ العُلماءُ [في جميع الأمْصارِ] (٩٢) على إباحَةِ الحَلْق، وكَفَى بهذَا حُجَّة. وأمّا اسْتِئْصالُ الشَّعْرِ بالمِقْرَاضِ فغَيْرُ مَكْرُوهٍ روايةً واحدةً. قال أحمد: إنَّما كَرِهُوا الحَلْقَ بالمُوسَى وأمّا بالمِقْراضِ فلَيْسَ به بَأْسٌ، لأنَّ أَدِلَّةَ الكَراهةِ تَخْتَصُّ بالحَلْقِ. فصل: فأمَّا حَلْق بَعْضِ الرَّأْسِ فَمَكْرُوهٌ. ويُسَمَّى القَزَعُ، لما ذَكَرْنا من حديثِ ابنِ عُمَر، ورَوَاه أبُو داوُد، (٩٣) ولَفْظُه، أن النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ القَزَعِ وقال:

стр. 180

"احْلِقْهُ كُلَّه أو دَعْهُ كُلَّه". (٩٤) وفى شُرُوطِ عُمَر على أهلِ الذِّمَّةِ: أن يَحْلِقُوا مَقادِمَ رُءُوسِهِم لِيَتَميَّزُوا بذلك عن المُسْلِمينَ. فَمَنْ فَعَلهُ من المُسْلِمِين كان مُتَشَبِّهًا بهم. فصل: ولا تَخْتَلِفُ الرِّوايةُ في كَرَاهةِ حَلْقِ الْمَرأَةِ رَأْسَها مِنْ غيرِ ضَرُورَةٍ. قال أبُو مُوسَى: بَرِئَ رَسُولُ اللَّه ﷺ من الصَّالِقَةِ والحالِقَةِ. مُتَّفَقٌ عليه، (٩٥) ورَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِه عن قَتَادَة عَنْ عِكْرِمَة قال: نَهَى النبيُّ ﷺ أن تَحْلِقَ المرأةُ رَأْسَها. (٩٦) قال الحَسَنُ: هي مُثْلَةٌ. قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه يَسْألُ عنِ المرأةِ تَعْجِزُ عن شَعْرِها وعن مُعَالَجَتهِ، أتأخُذُه على حديثِ مَيْمُونة؟ قال: لأىِّ شيءٍ تَأْخُذُه؟ قيلَ لَهُ: لا تَقْدِرُ عَلَى الدُّهْنِ وما يُصْلِحُه وتَقَعُ فيه الدَّوَابُّ. قال: إذا كان لضَرُورَةٍ، فأرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأْسٌ. فصل: ويُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ، لما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْب [، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: ] (٩٧) نَهَى رَسُولُ اللَّه ﷺ عن نَتْفِ الشَّيْبِ، وقال: "إنَّهُ نُورُ الإِسْلامِ". (٩٨) وعن طارِقِ بنِ حَبِيبٍ، أنَّ حَجَّامًا أَخَذَ من شاربِ النبيِّ ﷺ فرَأى شَيْبَةً في لِحْيَتهِ فأَهْوَى إليها ليأخُذَهَا، فأَمْسَكَ النبيُّ ﷺ يَدَهُ، وقال: "مَنْ

стр. 181

شَابَ شَيْبةً فِي الإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (٩٩) رَوَاهما (١٠٠) الخلالُ في "جامِعِهِ". فصل: ويُكْرَهُ حَلْقُ القَفَا لِمَنْ لم يَحْلِقْ رَأْسَه ولَمْ يَحْتَجْ إليه. قال الْمَرُّوذِىُّ: سأَلْتُ أبا عبد اللَّه عَنْ حَلْقِ القَفَا. فقال: هو من فِعْلِ المَجُوسِ، ومَنْ تَشَبَّه بقَوْمٍ فهو مِنْهم. وقال: لا بَأْسَ أنَ يَحْلِقَ قَفَاهُ وقت الحِجَامةِ. [وروَى الخَلَّالُ بإسْنادِه، عن الهَيْثَم بن حُمَيْد, (١٠١) قال: حَفُّ الْقَفَا مِن فِعْلِ المَجُوسِ] (١٠٢). وأمَّا حَفُّ الوَجْهِ، فقال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبد اللَّه عن الحَفِّ؟ فقال: لَيْسَ به بأسٌ للنِّسَاءِ. وأَكْرَهُه للرِّجَالِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ خِضَابُ الشَّيْبِ بغَيْرِ السَّوَادِ، قال أحمدُ: إني لأَرَى الشَّيْخَ المَخْضُوبَ فأَفْرَحُ به. وذَاكَرَ رَجُلًا، فقال: لم لا تَخْتَضِب؟ فقال: أسْتَحِى. قال: سُبْحانَ اللَّه، سُنَّةُ رَسُولِ اللَّه ﷺ ! قال الْمَرُوذِىُّ: قلتُ: يُحْكَى عن بِشْرِ بنِ الحارِث، أنه قال: قال لي ابنُ دَاود: (١٠٣) خَضَبْتَ؟ قلت: أنا لا أتَفَرَّغُ لغَسْلِهَا فكيفَ أتَفَرَّغُ لخِضَابهَا! فقال: أنا أُنْكِرُ أن يكونَ بِشْرٌ كَشَفَ عَمَلَه لابن داود، ثم قال: قال النبيُّ ﷺ : "غَيِّرُوا الشَّيْبَ"، (١٠٤) وأبُو بكر وعمر خَضَبَا،

стр. 182

والمُهاجِرُون، فهؤلاء لم يَتَفرَّغُوا لغَسْلِها! والنبيُّ ﷺ قد أمرَ بالخِضَابِ، فَمَنْ لم يَكُنْ عَلَى ما كان عليه رسولُ اللَّه ﷺ فلَيْسَ هو (١٠٥) من الدينِ في شيْءٍ، وحَدِيثُ أبى ذَرٍّ، وحَدِيثُ أبى هُرَيْرَةَ، وحَدِيثُ أبى رِمْثَة، (١٠٦) وحَدِيث أُمِّ سَلَمة (١٠٧). ويُسْتَحَبُّ الخِضَابُ بالحِنَّاءِ والكَتَمِ؛ (١٠٨) لما رَوَى الخَلَّالُ، وابنُ مَاجَه،

стр. 183

بإسْنادِهِما عن عثمان (١٠٩) بنِ عَبْدِ اللَّه بن مَوْهَبٍ، قالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمةَ، فأَخْرَجَتْ إليْنَا (١١٠) شَعْرًا من شَعْرِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، مَخْضُوبًا بالحِنَّاءِ والكَتَم. (١١١) وخَضَبَ أبو بَكْر بالحِنَّاءِ والكَتَمِ. ولا بَأْسَ بالوَرْسِ والزَّعْفَرانِ، لأنَّ أبا مَالِكٍ الأَشْجَعِىّ قال: كان خِضَابُنا مع رَسُولِ اللَّه ﷺ الوَرْسَ (١١٢) والزَّعْفَرانَ. (١١٣) وعن الحَكَمِ بنِ عَمْرٍو الغِفَارِىّ، قال: دَخَلْتُ أنا وأَخِى رافع عَلَى أميرِ المُؤْمِنين عُمَر، وأنا مَخْضُوبٌ بالحِنَّاءِ، وأخِى مَخْضُوبٌ بالصُّفْرَةِ، فقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: هذا خِضَابُ الإِسْلامِ، وقال لأخِى رافع: هذا خِضَابُ الإِيمان. ويُكْرَهُ الخِضَابُ بالسَّوَادِ. قِيلَ لأبي عبد اللَّه: تَكْرَهُ الخِضَابَ بالسَّوَادِ؟ قال: إى واللَّه. قال: وجاء أبو بكر بأبِيهِ إلى رَسُولِ اللَّه ﷺ ورَأسُه ولِحْيَتُه كالثَّغَامةِ (١١٤) بَيَاضًا، فقال رَسُولُ اللَّه ﷺ : "غَيِّرُوهُما وجَنِّبُوهُ السَّوَادَ". (١١٥) ورَوَى أبو دَاودَ، بإسْنادِه عن عبد اللَّه بنِ عَبَّاس [قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ ] (١١٦): "يَكُونُ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُونَ بالسَّوادِ كَحَواصِل (١١٧)

стр. 184

الْحَمَامِ، لا يَرِيحُونَ رَائحَةَ الْجَنَّةِ". (١١٨) ورَخَّصَ فيه إسحاقُ [بن رَاهُويَه] (١١٩) للمرأةِ تَتَزَيَّنُ به لزَوْجِها. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يكْتَحِلَ وِتْرًا، ويَدَّهِنَ غِبًّا، وينظُرَ في المرآة ويتطَيَّبَ. قال حَنْبَل: رأيتُ أبا عَبْدِ اللَّه وكانت له صِينِيَّةٌ فيها مِرْآةٌ ومُكْحُلَةٌ ومِشْطٌ، فإذا فَرَغَ مِن [قراءة جُزْئه] (١٢٠) نظرَ في المِرْآةِ واكْتَحَلَ وامْتَشَطَ، وقد رَوَى جابِرُ بنُ عبد اللَّه قال: قال رَسُولُ اللَّه ﷺ : "عَلَيْكُم بالإِثْمِدِ (١٢١) فَإنَّه يَجْلُو البَصَرَ ويُنْبِتُ الشَّعَرَ". (١٢٢) قِيلَ لأبي عَبْدِ اللَّه: كَيْفَ يَكْتَحِلُ الرَّجُلُ؟ قال: وَتْرًا. ولَيْسَ له إسْنادٌ. ورَوَى أبو دَاوُد بإسنادِه، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "مَن اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ،

стр. 185

مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، ومَنْ لَا فَلَا حَرَجَ". (١٢٣) والوَتْرُ ثَلاثٌ في كُلِّ عَيْنٍ، وقيل: ثَلاثٌ في اليُمْنَى واثنتان في اليُسْرَى، ليكونَ الوَتْرُ حاصِلًا في العَيْنَيْنِ مَعًا. وروى الخَلَّالُ بإسْنادِهِ عن عبدِ اللَّه بنِ الْمُغَفَّل قال: نَهَى رسولُ اللَّه عن التَّرَجُّلِ إلَّا غِبًّا. (١٢٤) قال أحمدُ: معناه يَدَّهِنُ يومًا ويومًا لا. وكان أحمد يُعْجِبُه الطِّيبُ، لأنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كان يُحِبُّ الطِّيبَ ويَتَطَيَّبُ كَثِيرًا. فصل: ورُوِىَ عن النبيِّ ﷺ ، أنه لَعَنَ الواصِلَةَ والمُسْتَوصِلَة، والنامِصَةَ والمُتَنَمِّصَة، والواشِرَةَ والمُسْتَوْشِرَةَ. (١٢٥) فهذه الخِصَالُ مُحَرَّمَةٌ. لأن النبيَّ ﷺ لَعَنَ فاعِلَها ولا يَجُوزُ لَعْنُ فاعِل المُبَاحِ.

стр. 186

والواصِلَةُ: هي التي تَصِلُ شَعْرَها بغَيْرِه، أو شَعْرَ غَيْرِها. والمُسْتَوْصِلَةُ: المَوْصُولُ شَعْرُها بأَمْرِها، فهذا لا يَجُورُ للخَبَرِ، لما رَوَتْ عائشةُ رضىَ اللَّه عنها، أنَّ امرأةً أتَتِ النبيَّ ﷺ ، فقالت: إنَّ ابْنَتِى عِرْسٌ وقد تَمَرَّقَ (١٢٦) شَعْرُها، أفأصِلُه؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لُعِنَتِ الْوَاصِلةُ والْمُسْتَوْصِلَةُ". (١٢٧) فلا يَجُوزُ وَصْلُ شَعْرِ المرأةِ بشَعْرٍ آخَر؛ لهذه الأحاديث، ولما رُوِىَ عن مُعَاوِية، أن أَخْرَجَ كُبَّةً (١٢٨) من شَعْرٍ، فقال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَنْهَى عن مِثْل هذا، وقال: "إنَّما هَلَكَ بَنُو إسْرَائيلِ حِينَ اتَّخَذَ هذا نِساؤُهُمْ". (١٢٩) وأمَّا وَصْلُه بغَيْرِ الشَّعْرِ، فإن كان بقَدْرِ ما تَشُدُّ به رَأْسَها فلا بَأْسَ به، لأنَّ الحاجةَ داعِيةٌ إليه، ولا يُمْكِن التَّحَرُّز منه. وإن كان أكْثَرَ من ذلك فَفِيه رِوَايَتان: إحداهما، أنه مَكْرُوهٌ غير مُحَرَّم، لحديثِ مُعَاوِية في تَخْصِيصِ التي تَصِلهُ بالشَّعْر، فَيُمْكِن جَعْلُ ذلك تَفْسِيرًا لِلَّفْظِ العَامِّ، وبَقِيَت الكَرَاهةُ لعُمُومِ اللَّفْظِ في سائرِ

стр. 187

الأحاديثِ، ورُوِىَ عنه (١٣٠) أنه قال: لا تَصِلُ المرأةُ برَأْسِها الشَّعْرَ ولا الْقَرَامِلَ (١٣١) ولا الصُّوفَ، نَهَى النبيُّ ﷺ عن الوِصَالِ، فكُلُّ شيءٍ يَصِلُ فهو وِصَالٌ، ورَوَى [في مُسْنَدِه] (١٣٢) , عن جابر، قال: نَهَى النبيُّ ﷺ أن تَصِلَ المرأةُ برَأسِها شيئًا. وقال الْمَرُّوذِىُّ: جاءت امرأةٌ من هؤلاءِ الذينَ يُمشِّطُونَ إلى أبي عبدِ اللَّه فقالت: إني أَصِلُ رَأْسَ المرأةِ بقَرَامِلَ وأُمشِّطُها، فَتَرَى لي أن أَحُجَّ مِمَّا اكْتَسَبْتُ؟ قال: لا. وكَرِهَ كَسْبَها، وقال لها: يكونُ من مالٍ أَطْيَبَ مِن هذا. والظاهِرُ: أن المُحَرَّمَ إنما هو وَصْلُ الشَّعْرِ بالشَّعْرِ، لما فيه من التَّدْلِيسِ واسْتِعْمالِ الشَّعرِ المُخْتلَفِ في نَجَاسَتِه، وغيرُ ذلك لا يَحْرُمُ، لعَدَمِ هذه المعانى فيها، وحُصُولِ المَصْلَحةِ من تَحْسِينِ المرأةِ لِزَوْجِها من غير مَضَرَّةٍ. واللَّه تعالى أَعْلَمُ. فصل: فأمَّا النَّامِصَةُ: فهى التي تَنْتِفُ الشَّعْرَ من الوَجْهِ، والمُتَنَمِّصَةُ: الْمَنتُوفُ شَعْرُها بأَمْرِها، فلا يَجُوزُ للخَبَرِ. وإن حُلِقَ الشعرُ فلا بَأْسَ؛ لأنَّ الخبرَ إنّما وَرَد في النَّتْفِ. نَصَّ عَلَى هذا أحمدُ. وأما الوَاشِرَةُ: فهى التي تَبْرُدُ الأسْنانَ بمِبْرَدٍ ونَحْوِهِ؛ لتُحَدِّدَها وتُفَلِّجَها وتُحَسِّنَها، والمُسْتَوْشِرَةُ: المَفْعُولُ بها ذلك بإذْنِها، وفى خَبَرٍ آخَرَ: "لَعَنَ اللَّه الوَاشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَة". (١٣٣) والواشِمةُ: التي تَغْرِزُ جِلْدَها بإبْرَةٍ،

стр. 188

ثم (١٣٤) تَحْشُوهُ كُحْلًا. والمُسْتَوْشِمَةُ: التي يُفْعَلُ بها ذلك.

стр. 189

بابُ السِّوَاكِ وسُنَّةِ الوُضُوءِ ١٤ - مَسْأَلَةٌ؛ قال أبوُ القاسِم: (والسِّوَاكُ سُنَّةٌ، يُسْتَحَبُّ عِنْد كُلِّ صَلَاةٍ) أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ السِّوَاكَ سُنَّةً غَيْرَ واجِبٍ، ولا نَعْلَمُ أحدًا قال بوجُوبِهِ إلا إسحاقَ وداود؛ لأنه مَأْمُورٌ به، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ. وقد رَوَى أبو داود بإسْنادِهِ، أنَّ النبيَّ ﷺ أُمِرَ بالوُضُوءِ عندَ كُلِّ صَلاةٍ طاهِرًا وغيرَ طاهِرٍ، فلَمَّا شَقَّ ذلك عليه أُمِرَ بالسِّوَاكِ لِكلِّ صَلَاةٍ (١). ولنا قولُ النبيِّ ﷺ : "لَوْلَا أنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لأَمَرْتُهُم بالسِّواكِ عند كُلِّ صلاةٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٢)، يَعْنِى لأَمَرْتُهُم أمْرَ إيجابٍ؛ لأنَّ المَشَقَّةَ إنَّما تَلْحَقُ بالإِيجابِ لا بالنَّدْبِ، وهذا يَدُلُّ على أن الأَمْرَ في حَدِيثِهم أَمْرُ نَدْبٍ واسْتِحْبَابٍ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك وَاجبًا في حَقِّ النبيِّ ﷺ عَلَى الخُصُوصِ، جَمْعًا بين الخَبَرَيْنِ،

стр. 190

واتَّفَقَ أهلُ العِلْمِ على أنه سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِحَثِّ النبيِّ ﷺ ومُوَاظَبَتِه عليه، وتَرْغِيبِه فيه ونَدْبِه إليه، وتَسْمِيَتِه إياهُ من الفِطْرَةِ فيما رَوَيْنا من الحدِيثِ. وقد رُوِىَ عن أبي بكر الصِّدِّيق، رضى اللَّه عنه، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "السِّواكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضاةٌ للرَّبِّ". رواهُ الإِمامُ أحمد، في "المُسْنَدِ" (٣)، وعن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كانَ النبيُّ ﷺ إذا دخل بَيْتَه بَدَأ بالسِّواكِ، رواه مُسْلِم (٤). ورُوِىَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنِّي لأَسْتَاكُ، حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أُحْفِىَ مَقادِمَ فَمِى" رَوَاهُ ابنُ مَاجَه. (٥) ويَتَأَكَّدُ اسْتِحْبابُه في مواضِعَ ثلاثةٍ: عِنْدَ الصَّلاةِ؛ للخَبَرِ الأَوَّلِ. وعِنْدَ القِيَامِ مِنَ النَّوْمِ؛ لما رَوَى حُذَيْفة، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ (٦) يَشُوصُ فاهُ بالسِّوَاكِ. مُتَّفَقٌ عليه (٧)، يعني: يَغْسِلُه، يقال: شَاصَهُ، يَشُوصُهُ (٨)، وماصَهُ: إذا

стр. 191

غَسَلَه، وعن عائشة، قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ لا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ أو نَهارٍ فَيَسْتَيْقِظُ إلَّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أن يَتَوَضَّأَ. رَوَاهُ أبُو داود (٩)، ولأنه إذا نام يَنْطَبِقُ فُوهُ فَتَتَغَيَّرُ رائِحَتُهُ. وعند تَغَيُّرِ رائِحَةِ فِيهِ بمَأْكُولٍ أو غَيْرِهِ؛ لأنَّ السِّوَاكَ مَشْرُوعٌ لإِزَالَةِ رائِحَتِهِ وتَطْيِيبِهِ. فصل: ويَسْتَاكُ على أَسْنانِهِ ولِسَانِهِ، قال أبو موسى: أَتَيْنَا رَسولُ اللهِ ﷺ فَرَأَيْتُهُ يَسْتَاكُ عَلَى لِسَانِه. مُتَّفَقٌ عليه (١٠)، وقال ﵇: "إنِّي لأَسْتَاكُ حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أنْ أُحْفِىَ مَقَادِمَ فَمِى" (١١). ويستاك عَرْضًا، لقَوْله ﵇: "اسْتَاكُوا عَرْضًا، وادَّهِنُوا غِبًّا، واكْتَحِلُوا وِتْرًا" (١٢). ولأنَّ السِّوَاكَ طُولًا من أَطْرافِ الأَسْنانِ إلى عَمُودِها ربما أُدْمَى اللِّثَةَ وأَفْسَدَ العَمُودَ. ويُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ في سِوَاكِهِ،

стр. 192

لأن عائشة، رضىَ اللهُ عنها، قالت: كان النبيُّ ﷺ يُعْجِبُه التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ، وتَرَجُّلِهِ، وطُهُورِه، وفى شَأْنِه كُلِّه. مُتَّفَقٌ عليه (١٣). ويَغْسِله بالماءِ؛ ليُزِيلَ ما عليه، قالت عائشة، رضىَ اللهُ عنها: كان رَسُولُ اللَّه ﷺ يُعْطِينِى السِّوَاكَ لِأغْسِلَه (١٤)، فأَبْدَأُ به فأَسْتَاكُ، ثم أغْسِلُه، ثم أَدفَعُه إليه. رَوَاهُ أبُو دَاوُد (١٥). ورُوِىَ عنها، قالت: كُنَّا نُعِدُّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلَاثَةَ آنِيَةٍ مُخَمَّرَةً من اللَّيلِ: إناءً لِطَهُورِهِ، وإناءً لِسِوَاكِهِ، وإناءً لِشَرَابِهِ. أخْرَجَهُ ابنُ مَاجَه (١٦). فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ السِّوَاكُ عُودًا لَيِّنًا يُنَقِّى الفَمَ، ولا يَجْرَحُه، ولا يَضُرُّه، ولا يَتَفَتَّتُ فيه، كالأرَاكِ والعُرْجُونِ، ولا يُسْتَاكُ بِعُودِ الرُّمَّانِ ولا الآسِ ولا

стр. 193

الأَعْوادِ الذَّكِيَّةِ؛ لأنَّه رُوِىَ عن قَبِيصَة بن ذُؤَيْبٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا تَخَلَّلُوا بعُودِ الرَّيْحانِ، ولا الرُّمَّانِ، فإنَّهُمَا يُحَرِّكانِ عِرْقَ الجُذَامِ". رَوَاهُ مُحمَّد بن الحُسَيْنِ الأَزْدِىُّ الحافظُ بإسْنادِه (١٧)، وقيل: السِّوَاكُ بِعُودِ الرَّيْحانِ يَضُرُّ بلَحْمِ الفَمِ. وإن اسْتَاكَ بِأُصْبُعِهِ أو خِرْقَةٍ، فقد قِيل: لا يُصِيبُ السُّنَّةَ؛ لأن الشَّرْعَ لم يَرِدْ بهِ، ولا يَحْصُلُ الإِنْقاءُ به حُصُولَه بالعُودِ، والصَّحِيحُ أنه يُصِيبُ بقَدْرِ ما يَحْصُلُ من الإِنْقاء، ولا يُتْرَكُ القليلُ من السُّنَّةِ للعَجْزِ عن كَثِيرِها. واللهُ أعلمُ. وقد أَخْبَرنا مُحمَّد بنُ عبد الباقى (١٨)، أَخْبَرنا رِزْقُ اللَّه بن عبد الوَهَّاب التَّمِيمِىُّ (١٩)، أخْبَرنا أبو الحُسَيْن ابن بِشْرَان (٢٠). أَخْبَرنا ابنُ البَخْتَرِىِّ (٢١)، حَدَّثَنا أَحْمَدُ بن إسحاق بن صالح (٢٢)، حدَّثنا خالد بن خِدَاش (٢٣)، حدَّثنا محمد بن المُثَنَّى (٢٤)، حَدَّثَنِى بَعضُ أَهْلِى، عن أَنَسِ بنِ مالك، أن رَجُلًا من بَنِى عَمْرو بن

стр. 194

عَوْف، قال: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّك رَغَّبْتَنَا في السِّواكِ، [فَهَلْ دُونَ ذلك مِن شيءٍ] (٢٥)؟ قال: "أُصْبُعَيْكَ (٢٦)، سِوَاكٌ عِنْدَ وُضُوئِكَ، أَمِرَّهُمَا عَلَى أَسْنانِكَ، إنَّه لا عَمَلَ لِمَنْ لا نِيَّةَ لَهُ، ولا أَجْرَ لِمَنْ لا حَسَنَة لهُ". ١٥ - مسألة؛ قال: (إلَّا (٢٧) أن يَكُونَ صائِمًا، فَيُمْسِكَ مِنْ وَقْتِ صَلاةِ الظُهْرِ إلى أن تَغْرُبَ الشَّمْسُ). قال ابن عَقِيلٍ: لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنه لا يُسْتَحَبُّ للصَّائِمِ السِّواكُ بعدَ الزَّوَالِ، وهل يُكْرَهُ؟ علَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُما يُكْرَهُ، وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وإسْحَاق، وأبِى ثَوْر، ورُوِىَ ذلكَ عن عُمَر، وعَطَاء، ومُجَاهِد؛ لما رُوِىَ عن عُمَر، ﵁، أنه قال: يَسْتَاكُ ما بَيْنَه وبَيْنَ الظُّهْرِ، ولا يَسْتَاكُ بعد ذلك. ولأن السِّوَاكَ إنما اسْتُحِبَّ لإِزَالَةِ رَائِحَةِ الفَمِ، وقد قالَ النبيُّ ﷺ : "لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عندَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ" (٢٨). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ

стр. 195

حَسَنٌ (٢٩). وإزالةُ المُسْتَطابِ مَكْرُوهٌ، كدَمِ الشُهَداءِ وشَعَثِ الإِحْرام. والثانية لا يُكْرَهُ، ورَخَّصَ فيه غُدْوَةً وعَشِيًّا النَّخَعِىُّ، وابن سِيرِينَ، وعُرْوَة، ومالك، وأصحابُ الرَّأْى. ورُوِىَ ذلك عن عُمَر، وابن عَبَّاس، وعائشة، رضى اللَّه عنهم، لِعُمُومِ الأَحادِيثِ المَرْوِيَّةِ في السِّوَاكِ، وقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٣٠). وقال عامرُ بن رَبِيعة: رأيتُ النبيَّ ﷺ ما لَا أُحْصِى يَتَسَوَّكُ وهو صَائِمٌ (٣١). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ١٦ - مسألة؛ قال: (وغَسْلُ اليَدَيْنِ إذا قامَ مِن نَوْمِ اللَّيْلِ قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهُما الإِناءَ ثَلَاثًا) . غَسْل اليَدَينِ في أَوَّلِ الوُضُوءِ مَسْنُونٌ في الجُمْلةِ، سواءٌ قامَ من النَّوْم أو لَمْ يَقُمْ؛ لأنها التي تُغْمَسُ في الإِناءِ وتَنْقُلُ الوُضُوءَ إلى الأعْضَاءِ، فَفِى غَسْلِهِما احْترازٌ (٣٢) لجميعِ الْوُضُوءِ، وقد كان النبيُّ ﷺ يَفْعله، فإنَّ عثمان، رضىَ اللَّه عنه، وَصَفَ وُضُوءَ النبيِّ ﷺ ، فقال: دَعَا بإنَاءٍ (٣٣) فأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ، فغَسَلَهُما، ثم أَدْخَل يَدَهُ في الإِناءِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣٤). وكذلك وَصَفَ عَلِيٌّ وعبدُ اللَّه بن زيد، وغيرُهما (٣٥)، وليس ذلك بواجبٍ عند غَيْرِ القِيامِ من النَّوْمِ، بغيرِ خلافٍ

стр. 196

نَعْلَمُه، فأمَّا عندَ القيامِ مِن نَوْمِ اللَّيلِ، فاختلفت الرِّوايةُ في وُجُوبِه؛ فرُوِىَ عن أحمد وُجُوبُه، وهو الظاهِرُ عنه، واختيارُ أبى بَكْر، وهو مَذْهَبُ ابن عُمَر، وأبى هُرَيْرَة، والحَسَن البَصْرِىّ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "إذا اسْتَيْقَظَ أحَدُكم من نَوْمِه فَلْيَغْسِل يَدَيْهِ قَبْلَ أن يُدْخِلَهُمَا الإِناءَ ثلاثًا؛ فإنَّ أحَدَكُم لا يَدْرِى أيْنَ باتَتْ يَدُهُ". مُتَفَقٌ عليه (٣٦)، وفى لَفْظٍ لمُسْلِمٍ: "فلا يَغْمِسْ يَدَهُ في وَضُوءٍ حتى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا". وأمرُه يَقْتَضِى الوُجُوبَ، ونَهْيُه يَقْتَضِى التَّحْرِيم. ورُوِىَ أن ذلك مُسْتَحَبٌّ، ولَيْسَ بوَاجِبٍ. وبه قال عَطَاء، ومالِك، والأوْزَاعِىّ، والشافِعِىُّ، وإسحاق، وأصْحابُ الرَّأْى، وابن المُنْذِر؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣٧). الآية. قال زَيْدُ بنُ أَسْلَم (٣٨) في تَفْسِيرها: إذا قُمْتُمْ مِنْ نَوْمِ اللَّيلِ (٣٩). ولأنَّ القِيامَ مِن النَّوْمِ داخِلٌ في عُمُومِ الآية، وقد أَمَرَهُ بالوُضُوءِ من غيرِ غَسْلِ الكَفَّيْنِ في أوَّلِه، والأمرُ بالشىءِ يَقْتَضِى حُصُولَ الإِجْزاءِ بهِ، ولأنه قائِمٌ من نَوْمٍ، فأشْبَه القائمَ من نَوْمِ النهار، والحديثُ مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ، لتَعْلِيله بما يقتضى ذلك، وهو قولهُ: "فَإنَّهُ لا يَدْرِى أين باتَتْ يَدُه" وطَرَيانُ الشَّكِّ على يَقِينِ الطَّهارةِ لا يُؤَثِّرُ فيها، كما لو تَيَقَّنَ الطهارةَ وشَكَّ في الحَدَثِ، فيَدُلُّ ذلك على أنه أرادَ النَّدْبَ. فصل: ولا تَخْتَلِفُ الرِّوايةُ في أنه لا يَجِبُ غَسْلُهما من نَوْمِ النَّهارِ، وسَوَّى الحسنُ بَيْنَ نومِ اللَّيْلِ ونَوْمِ النهارِ في الوُجُوبِ؛ لِعُمُومِ قَوْلهِ: "إذا قام أحَدُكم من نَوْمِه". ولنَا أنَّ في الخَبَرِ ما يَدُلُّ على إرادةِ نَوْمِ اللَّيْلِ؛ لقَوْلهِ: "فإنَّه لا يَدْرِى أينَ باتَتْ

стр. 197

يَدهُ"، والمَبِيتُ يكون في اللَّيلِ (٤٠) خاصَّةً، ولا يَصِحُّ قِياسُ غَيْرِه عَلَيْه لِوَجْهَيْنِ: أحدهما، أن الحُكْمَ ثَبَتَ تَعَبُّدًا، فلا يَصِحُّ تَعْدِيَتُه. الثاني، أن اللَّيْلَ مَظِنَّةُ النَّوْمِ والاسْتِغْراقِ فيه وطُولِ مُدَّته، فاحْتِمالُ إصَابةِ يَدِه لِنَجَاسةٍ لا يَشْعُر بها أَكْثرُ مِن احْتِمالِ ذلك في نَوْمِ النَّهَارِ. قال أحمد، في روايةِ الأَثْرَمِ: الحَدِيثُ في المَبِيتِ باللَّيْلِ، فأمَّا النَّهارُ فلا بَأْسَ بِهِ. فصل: فإن غَمَسَ يَدَهُ في الإِناءِ قَبْلَ غَسْلِها، فعَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوجِبْ غَسْلَها، لا يُؤَثِّرُ غَمْسُها شيئًا، ومَنْ أَوْجَبَه قال: إن كان الماءُ كَثِيرًا يَدْفَعُ النَّجاسةَ عن نَفْسِه، لم يُؤَثِّرْ أيضًا؛ لأنه يَدْفَعُ الخَبَثَ عن نَفْسِه، وإن كان يَسِيرًا، فقال أَحمد: أعْجبُ إلىَّ أن يُهَرِيقَ الماءَ، فيَحْتَملُ أن تجبَ إراقتُه، وهو قولُ الحسن؛ لأنَّ النَّهْىَ عن غَمْسِ اليَدِ فيه يَدُلُّ عَلَى تأْثِيرِه فيه، وقد رَوَى أبو حَفْص عُمَر ابن المسلم العُكْبَرِىّ (٤١) في الخَبَرِ زِيادةً عن النبىِّ ﷺ : "فإنْ أَدْخَلَها قَبْلَ الغَسْلِ أَرَاقَ الماءَ". ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَزُولَ طُهُورِيَّتهُ ولا تَجِبَ إرَاقَتُه؛ لأنَّ طُهُورِيَّةَ الماءِ كانت ثابِتَةً بِيَقِينٍ، والغَمْسُ المُحَرَّمُ لا يقْتَضِى إبْطَالَ طُهُوريَّتِهِ (٤٢)؛ لأنَّه إن كان لِوَهْمِ النَّجَاسةِ، فالوَهْمُ لا يَزُولُ به يَقِينُ الطُّهُورِيَّة، لأنَّه لم يُزِلْ يَقِينَ الطَّهارَةِ، فكذلك لا يُزِيلُ الطُّهُورِيَّة، فإنَّنا لم نَحْكُمْ بنَجاسةِ اليَدِ ولا الماءِ، ولأنَّ اليَقِينَ لا يَزُولُ بالشَّكِّ فَبِالْوَهْمِ أَوْلَى، وإن كان تَعَبُّدًا فنَقْتَصِرُ على مُقْتَضَى الأَمْرِ والنَّهْى، وهو وُجُوبُ الغَسْلِ وتَحْرِيم الغَمْسِ، ولا يُعَدَّى إلى غيرِ ذلك، ولا يَصِحُّ قِياسُه عَلَى رَفْع الحَدَثِ، لأنَّ هذا لَيْسَ بحَدَثٍ، ولأنَّ مِنْ شَرْطِ تَأْثِيرِ غَمْسِ المُحْدِثِ أن يَنْوِىَ رَفْعَ الحَدَثِ، ولا فَرْقَ ههُنَا بين أن يَنْوِىَ أو لا يَنْوِىَ. وقال أبُو الخَطَّاب: إنْ غَمَسَ يَدَه في الماءِ قَبْل غَسْلِها، فَهَلْ تَبْطُلُ طُهُورِيَّتُه؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

стр. 198

فصل: وحَدُّ اليَدِ المَأْمُورِ بغَسْلِها مِنَ الكُوعِ؛ لأنَّ اليَدَ المُطْلَقَةَ في الشَّرْعِ تَتَناوَلُ ذلك، بدَلِيلِ قَوْلِه تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤٣)، وإنَّما تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ من مَفْصِلِ الكُوعِ، وكذلك التَّيَمُّمُ (٤٤) يكونُ في اليَدَيْنِ إلى الكُوعِ، والدِّيَةُ الواجِبَةُ في اليَدِ تَجِبُ عَلَى مَنْ قَطَعَها من مَفْصِلِ (٤٥) الكُوع. وغَمْسُ بَعْضِها، ولَو أُصْبُعٍ أو ظُفُرٍ منها، كغَمْسِ جَمِيعِها في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ ما تَعَلَّقَ المَنْعُ بجَمِيعِهِ تَعَلَّقَ بِبَعْضِه، كالحَدَثِ والنَّجاسةِ. والثانى لا يَمْنَعُ، وهو قَوْلُ الحَسَن؛ لأن النَّهْىَ تَناوَلَ غَمْسَ جَمِيعِها، ولا يَلْزَمُ من كَوْنِ الشىءِ مانِعًا كَوْنُ بَعْضِه مانِعًا، كما يَلْزَمُ من كَوْنِ الشَّىءِ سَبَبًا كَوْنُ بَعْضِه سَبَبًا، [وغَمْسُها بَعْدَ غَسْلِها دُونَ الثَّلاثِ كغَمْسِها قَبْلَ غَسْلِها] (٤٦)؛ لأنَّ النَّهْىَ باقٍ (٤٧) لا يَزُولُ حتى يَغْسِلهَا ثَلاثًا. فصل: ولا فَرْقَ بين كَوْنِ يَدِ النائِمِ مُطْلَقَةً أو مَشْدُودةً بشيءٍ، أو في جِرَابٍ، أو كَوْنِ النائِمِ عليه سَرَاوِيلُه أو لم يَكُنْ. قال أبو دَاوُد: سُئِلَ أَحْمدُ إذا نامَ الرَّجُلُ وعليه سَرَاوِيلُه؟ قال: السَّرَاوِيلُ وغَيْرُه واحِدٌ، قال النبي ﷺ : "إذا انْتَبَهَ أحَدُكُم مِنْ مَنامِه فلا يُدْخِلْ يَدَهُ في الإِناءِ حتى يَغْسِلَها ثَلاثًا". يعني أن الحَدِيثَ عَامٌّ، فيَجِبُ الأَخْذُ بعُمُومِهِ. ولأنَّ الحُكْمَ إذا عُلِّقَ (٤٨) على المَظِنَّةِ لم يُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ الحِكْمةِ، كالعِدَّةِ الواجِبَةِ لاسْتِبْراءِ الرَّحِم، تَجِبُ في حَقِّ الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ، وكذاك الاسْتِبْرَاء، مع أنَّ احْتِمالَ النَّجاسةِ لا يَنْحَصِرُ في مَسِّ الفَرْجِ، فإنه قد يكونُ في البَدَنِ بَثْرَةٌ أو دُمَّلٌ، وقد يَحُكُّ جَسَدَه فَيَخْرُجُ منه دَمٌ [بين أظْفارِه] (٤٩)، أو يَخْرُجُ

стр. 199

من أنْفِهِ دَمٌ، وقد تكون نَجِسَةً قبلَ نَوْمِهِ فيَنْسَى نَجاسَتَها لِطُولِ نَوْمِهِ، على أنَّ الظَّاهِرَ عند مَنْ أَوْجَبَ الغَسْلَ أنه تَعَبُّدٌ؛ لا لِعِلَّةِ التَّنْجِيسِ، ولهذا لم يَحْكُمْ بنَجاسةِ اليَدِ ولا الماءِ، فيَعُمُّ الوُجُوبُ كُلَّ مَنْ تَنَاوَلَهُ الخَبَرُ. فصل: فإن كان القائمُ من [نَوْمِ اللَّيْلِ] (٥٠) صَبِيًّا أو مَجْنُونًا أو كافِرًا، فَفِيهِ وَجْهان: أحدُهما، أنه كالمُسْلِمِ البالغِ العاقلِ (٥١)؛ لا يَدْرِى أين باتَتْ يَدُه. والثانى، أنه لا يُؤَثِّرُ غَمْسُه شيئًا؛ لأنَّ المَنْعَ من الغَمْسِ إنما يَثْبُتُ [من الخطابِ] (٥٢)، ولا خِطَابَ في حَق هؤلاءِ، ولأنَّ وُجُوبَ الغَسْل ها هُنَا تَعَبُّدٌ، ولا تَعَبُّدَ في حَقِّ هؤلاءِ، ولأنَّ غَمْسَهُم لو أثَّرَ في الماءِ لأَثَّرَ في جميعِ زَمانِهم؛ لأن الغَسْلَ المُزِيلَ لِحُكْمِ (٥٣) المَنْعِ مِنْ شَرْطِهِ النِّيَّة، وما هُمْ مِنْ أَهْلِها. ولا نَعْلَمُ قائِلًا بذلك. فصل: والنَّوْمُ الذي يَتَعَلَّقُ به الأَمْرُ بغَسْلِ اليَدِ ما نَقَضَ الوُضُوءَ. ذَكَرَه القَاضِى؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ في النَّوْمِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: هو ما زادَ على نِصْفِ اللَّيْلِ؛ لأنه لا يكونُ بائِتًا إلَّا بذلك، بدَلِيلِ أنَّ مَنْ دَفَعَ من مُزْدَلِفَةَ قبلَ نِصْفِ اللَّيلِ لا يكونُ بائِتًا بها، ولهذا يَلْزَمُه دَمٌ، بخِلَافِ مَنْ دَفَعَ بعد نِصْفِ اللَّيْلِ. والأَوَّلُ أَصحُّ، وما ذكره يَبْطُلُ بما إذا جاء مُزْدَلِفَةَ بعد نِصْفِ اللَّيْلِ، فإنَّه يكونُ بائِتًا بها، ولا دَمَ عليه، وإنما باتَ بها دُونَ النِّصْفِ. فصل: وغَسْلُ اليَدَيْنِ يَفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهُ في أَحَد الوَجْهَيْنِ؛ لأنه طَهَارَةُ تَعَبُّدٍ (٥٤)، فأشْبَهَ الوُضُوءَ والغُسْلَ. والثانى: لا يَفْتَقِرُ [إلى النِّيَّةِ] (٥٥)؛ لأنه مُعَلَّلٌ بوَهْمِ النَّجَاسَةِ، ولا تُعْتَبَرُ في غَسْلِها النِّيَّةُ، ولأنَّ المَأْمُورَ به الغَسْلُ، وقد أَتَى

стр. 200

به، والأمرُ بالشىءِ يقْتَضِى حُصُولَ الإِجْزاءِ به. ولا يَفْتَقِرُ الغَسْلُ إلى تَسْمِيَةٍ. وقال أبوُ الخَطَّاب: يَفْتَقِرُ إليها قِيَاسًا على الوُضُوءِ. وهذا بَعِيدٌ؛ فإنَّ التَّسْمِيةَ في الوُضُوءِ غَيْرُ واجبةٍ في الصَّحِيحِ، ومَنْ أَوْجَبَها [فإنَّما أوْجَبَها] (٥٦) تَعَبُّدًا، فيَجِبُ قَصْرُها على مَحَلِّها؛ فإن التَّعَبُّدَ به فرعُ التَّعْلِيلِ، ومِنْ شَرْطِه كَوْنُ المَعْنَى مَعْقُولًا، ولا يُمْكِنُ إلْحاقُه به لِعَدَمِ الفَرْقِ، فإنَّ الوُضُوءَ آكَدُ، وهو في أرْبَعةِ أعضاء، وسَبَبُه غيرُ سَبَبِ غَسْلِ اليَدِ. فصل: ولو انْغَمَسَ الجُنُبُ في ماءٍ كثيرٍ، أو تَوَضَّأَ في ماءٍ كَثِيرٍ، يَغْمِسُ فيه أَعْضاءَهُ، ولم يَنْوِ غَسْلَ اليَدَيْنِ من نومِ اللَّيْلِ، صَحَّ غُسْلُه ووُضُوؤُهُ، ولم يُجْزِهِ عن غَسْلِ اليَدِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ النِّيَّةَ في غَسْلِها؛ لأنَّ بَقاءَ النَّجاسةِ علَى العُضْوِ لا يَمْنَعُ رَفْعَ الحَدَثِ، فلو غَسَلَ أنْفَهُ أو يَدَه في الوُضُوءِ، وهو نَجِسٌ، لارْتَفَعَ حَدَثُه، وبَقَاءُ الحَدَثِ عَلَى الوُضُوءِ لا يَمْنَعُ رَفْعَ حَدَثٍ آخَرَ؛ بِدَلِيلِ ما لَوْ تَوَضَّأَ الجُنُبُ يَنْوِى رَفْعَ الحَدَثِ الأَصْغَرِ، أو اغْتَسَلَ ولم يَنْوِ الطَّهارةَ الصُغْرَى، صَحَّتِ المَنْويَّةُ دون غيْرِها، وهذا لا يخرُج عن شَبَهِه بأحدِ الأمْرَيْن. فصل: إذا وَجَدَ ماءً قَلِيلًا لَيْسَ مَعَهُ ما يَغْتَرِفُ به ويَدَاهُ نَجِسَتان، فقال أحمد: لا بَأْسَ أنْ يَأْخُذَ بِفِيهِ ويَصُبَّ عَلَى يَدِهِ. وهكذا لو أمكنَهُ غَمْسُ خِرْقَةٍ أو غَيْرِها وصَبُّهُ على يَدَيْهِ (٥٧) فعلَ ذلك. فإنْ لم يُمْكِنْهُ شيءٌ من ذلك تَيَمَّمَ وتَرَكَه؛ لئَلَّا يَنْجُسَ الماءُ ويَتَنَجَّسَ به. وإن (٥٨) كان لم يَغْسِلْ يَدَيْه من نَوْمِ اللَّيْلِ تَوَضَّأَ منه، عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الماءَ باقِيًا على إطْلاقِهِ. ومن جَعَلَهُ مُسْتَعْمَلًا، قال: يَتَوَضأُ به ويَتَيَمَّمُ مَعَه. ولو اسْتَيْقَظَ المَحْبُوسُ من نَوْمِهِ فلم يَدْرِ؛ أهُوَ مِن نَوْمِ النهارِ أو اللَّيْلِ؟ لم يَلْزَمْهُ غَسْلُ يَدَيْهِ؛ لأن الأَصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، فلا نُوجِبُه بالشَّكِّ.

стр. 201

١٧ - مسألة؛ قال: (والتَّسْمِيَةُ عِنْدَ الوُضُوءِ) ظاهِرُ مَذْهَبِ أحْمد، رضىَ اللهُ عنه: أن التَّسْمِيَةَ مَسْنُونَةٌ في [طَهاراتِ الحَدَثِ] (١) كُلِّها. رَوَاهُ عنه جَماعةٌ من أَصْحابِه. وقال الخَلَّالُ: الذي اسْتَقَرَّتِ الرِّواياتُ عَنْهُ أنه لا بَأْسَ به. يعني إذا تَرَكَ التَّسْمِيةَ. وهذا قولُ الثَّوْرىِّ، ومالك، والشافِعِىّ، وأبي عُبَيْدَة، وابن المُنْذِر، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وعنه أنها واجبةٌ فيها كُلِّها؛ الوُضُوءِ، والغُسْلِ، والتَّيَمُّمِ. وهو اخْتِيارُ أبى بَكْرٍ، ومَذْهَبُ الحَسَن وإسحاق؛ لما رُوِىَ أن النبيَّ ﷺ ، قال: "لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ". رَوَاهُ أبُو داود، والتِّرْمِذِىُّ (٢)، رَوَاهُ عن النبيِّ ﷺ جماعةٌ من أصحابهِ. قال الإِمامُ أحمد: حَدِيثُ أبِى سَعِيدٍ (٣) أَحْسَنُ حَديثٍ في هذا الباب. وقال التِّرْمِذِىّ: حدِيثُ سَعِيدِ بن زَيْد أحْسَنُ. وهذا نَفْىٌ في نكرةٍ يَقْتَضِى أن لا يَصِحّ وُضُوؤُه بغيرِ (٤) التَّسْمِيةِ. وَوَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى: أنها طَهَارَةٌ، فلا تَفْتَقِرُ إلى التَّسْمِيةِ، كالطَّهَارِة من النَّجَاسةِ، أو عِبَادةٌ، فلا تَجِبُ فيها التَّسْمِية كسائِر العباداتِ، ولأن الأَصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، وإنما ثَبَتَ بالشَّرْعِ. والأحاديثُ، قال أحمد: ليس يَثْبُتُ في هذا حَدِيثٌ، ولا أعْلَمُ فيها (٥) حَدِيثًا له إسْنادٌ جَيِّدٌ. وقال الحَسَنُ بن مُحمّد (٦): ضَعَّفَ أَبو عبد اللَّه الحديثَ في التَّسْمِيةِ، وقال: أقْوَى شيءٍ فيه حَدِيثُ كَثِيرِ [بن زَيْدٍ] (٧)، عن

стр. 202

رُبَيْح - يعني حَدِيثَ أبى سَعِيدٍ - ثم ذكر رُبَيْحًا، أي مَنْ هُوَ؟ ومَنْ أبُوهُ؟ فقال: يعني الذي يَرْوِى حَدِيثَ سَعِيدِ بن زَيْدٍ. يعني أنهم مَجْهُولُونَ، وضَعَّفَ إسْنادَهُ. وإن صَحَّ ذلك فَيُحْمَلُ على تأْكِيدِ الاسْتِحْبابِ ونَفْىِ الكَمَالِ بِدُونِها، كقَوْلِه: "لا صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلا في المَسْجِدِ" (٨) فصل: وإن قُلْنَا بِوُجُوبِها فتَرَكَها عَمْدًا، لم تَصِحّ طَهَارَتُه، لأنه تَرَكَ واجِبًا في الطَّهَارَةِ، أَشْبَه ما لو تَرَكَ النِّيَّةَ. وإن تَرَكَها سَهْوًا صَحَّتْ طَهَارَتُه. نَصَّ عليه أحمدُ في روايةِ أبي داود؛ فإنه قال: سألتُ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ: إذا نَسِىَ التَّسْمِيةَ في الوُضُوءِ؟ قال: أَرْجُو أن لا يَكُونَ عَلَيْهِ شيءٌ. وهذا قولُ إسحاق، فعَلَى هذا إذا ذَكَرها (٩) في أثناءِ طَهارَتِه أتَى بها حَيْثُ ذَكَرَها؛ لأنَّه لَمَّا عُفِىَ عنها مع السَّهْوِ في جُمْلَةِ الوُضُوءِ فَفِى بَعْضِه أَوْلَى. وإن تَرَكَهَا عَمْدًا حتى غَسَلَ عُضْوًا لم يعْتدَّ بغَسْلِه؛ لأنه لم يَذْكُر اسْمَ اللهِ عليه مع العَمْدِ. وقال الشيخُ أبو الفَرَج: إذا سَمَّى في أثناءِ الوُضُوءِ أَجْزَأهُ. يَعْنِى عَلَى كُلِّ حالٍ؛ لأنه قد ذَكَرَ اسْمَ اللَّه على وُضُوئِهِ. وقال بَعْضُ أصحابِنَا: لا تَسْقُطُ بالسَّهْوِ لِعُمُومِ الخَبَرِ، وقِيَاسًا لها (١٠) على سائرِ الوَاجِباتِ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِقَوْلِه ﷺ : "عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ (١١) "، ولأنَّ الوُضُوءَ عِبادَةٌ تَتَغايَرُ أَفْعَالُها، فكانَ في واجِبَاتِها ما يَسْقُطُ بالسَّهْوِ كالصلاةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على سائِرِ واجِباتِ الطهَارةِ؛ لأن تلك تأَكَّدَ وُجوبُها، بخِلَافِ التَّسْمِيةِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ التَّسْمِيةَ هي قَوْلُ "بسْمِ اللهِ" لا يَقُومُ غَيْرُها مَقَامها، كالتَّسْمِيةِ المَشْرُوعةِ على الذَّبِيحةِ، وعند أَكْلِ الطَّعامِ وشُرْبِ الشَّرَابِ، ومَوْضِعُها [بعدَ النِّيَّةِ قبلَ أَفْعالِ الطَّهارةِ كُلِّها؛ لأن التَّسْمِيةَ قَوْلٌ وَاجِبٌ في الطَّهارةِ، فيكونُ] (١٢)

стр. 203

بعدَ النِّيَّةِ، لتَشْمَلَ النِّيَّةُ جَمِيعَ واجِبَاتِها، وقبلَ أَفعالِ الطَّهارةِ، ليكونَ مُسَمِّيًا على جَمِيعِها، كما يُسَمِّى على الذَّبِيحةِ قبلَ (١٣) ذَبْحِها. ١٨ - مسألة؛ قال: (والمُبالَغَةُ في الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أن يَكُونَ صَائِمًا) مَعْنَى المُبالَغَةِ في الاسْتِنْشَاقِ: اجْتِذابُ الماءِ بالنَّفَس إلَى أَقْصَى الأنْفِ، ولا يَجْعَلُه سَعُوطًا، وذلك سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ في الوُضُوءِ، إلا أن يكُونَ صائِمًا فلا يُسْتَحَبُّ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلَافًا. والأصلُ في ذلك ما رَوَى عاصِمُ بن لَقِيط بن صَبِرَةَ، عن أبيه، قال: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّه، أخْبِرْنِى عن الوُضُوءِ. قال: "أَسْبِغ الوُضُوءَ، وخَلِّل بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أنْ تَكُونَ صَائِمًا" رَوَاه أبو داود، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّه من أَعْضاءِ الطَّهارةِ، فاسْتُحِبَّت المُبَالَغَةُ فيه كَسائِرِ أَعْضائِها. فصل: المُبَالَغَةُ مُسْتَحَبَّةٌ في سائِرِ أَعْضاءِ الوُضُوءِ؛ لِقَوْله ﷺ : "أَسْبِغ الوُضُوءَ". والمُبالَغَةُ في المَضْمَضَةِ إدَارَةُ الماءِ في أَعْماقِ الفَمِ وأقَاصِيهِ وأشْدَاقِهِ، ولا يجعلْه وَجُورًا (٢) لم يَمُجَّه، وإن ابْتَلَعَهُ جازَ؛ لأن الغَسْلَ قد حَصَلَ. والمبالَغَةُ في سائِرِ الأَعْضَاءِ بالتَّخْلِيلِ، وبِتَتَبُّعِ المَواضِعِ التي يَنْبُو عنها الماءُ بالدَّلْكِ والعَرْكِ ومُجَاوَزَةِ مَوْضِعِ الوُجُوبِ بالغَسْلِ. وقد رَوَى نُعَيْم بنُ عبد اللَّه (٣)، أنه رَأىَ أبا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فغَسَلَ وَجْهَهُ ويَدَيْه حتى كادَ أن يَبْلُغَ المَنْكِبَيْن، ثم غَسَلَ رِجْلَيْه

стр. 204

حتى رَفَع إلى السَّاقَيْن، ثم قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ أُمَّتِى يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ، فَمَن اسْتَطاع مِنْكُم أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْه. ورَوَى أبو الحازِم (٤) عنه قَرِيبًا مِنْ هذا، وِقال: سَمِعْتُ خَلِيلِىَ ﷺ يقول: "تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ" مُتَّفَقٌ عليه (٥). ١٩ - مسألة؛ قال: (وتَحْلِيلُ اللِّحْيَة) وجُمْلَةُ ذلك: أنَّ اللِّحْيَةَ إن كانت خَفِيفَةً تَصِفُ البَشَرَةَ وَجَبَ غَسْلُ بَاطِنِها. وإن كانت كَثِيفَةً لم يَجِبْ غَسْلُ ما تَحْتَها، ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُها. ومِمَّنْ رُوِىَ عنه أنه كان يُخَلِّلُ لِحْيَتَه: ابنُ عُمَر، وابنُ عَبَّاس، والحَسَنُ، وأنَسُ، وابنُ أبي لَيْلَى، وعَطَاءُ بن السَّائِب (١). قال إسحاق: إذا تَرَكَ تَخْلِيلَ لِحْيَتِه عامِدًا أعَادَ، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ (٢). رَوَاهُ عَنْه عُثْمانُ بنُ عَفَّان. قال التِّرمِذِىّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال البُخَارِيُّ: هذا أصَحُّ حَدِيثٍ في البابِ. ورَوَى أبُو دَاوُد (٣) عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا تَوَضَّأَ أخَذَ كَفًّا من ماءٍ فأدْخَلَهُ تحتَ حَنَكِهِ [وخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ] (٤) وقال: "هَكَذَا أمَرَنى رَبِّى ". وعن ابنِ عُمَر، قال: كان رَسُولُ اللَّه ﷺ إذا تَوَضَّأَ عَرَكَ عارِضَيْه بَعْضَ العَرْكِ، ثم شَبَكَ لِحْيَتَه بأصابِعهِ مِنْ تَحْتِها. رواهُ ابنُ مَاجَه (٥).

стр. 205

وقال عَطاء وأبو ثَوْر: يَجبُ غَسْلُ باطِن شُعُورِ الوَجْهِ [وإن كان كَثِيفًا كما يَجِبُ في الجَنابَةِ، ولأنهُ مَأْمُورٌ بغَسْلِ الوَجْهِ] (٦) في الوُضُوءِ كما أُمِرَ بغَسْلِهِ في الجَنَابةِ، فما وَجَبَ في أحَدِهِما وَجَبَ في الآخَرِ مِثْلُه. ومَذْهَبُ أَكْثَر أَهْلِ العِلْمِ أن ذلك لا يَجِبُ، ولا يَجِبُ التَّخْلِيل؛ ومِمَّنْ رَخَّصَ في تَرْكِ التَّخْلِيلِ ابنُ عُمَر، والحَسَنُ بنُ عَلِىّ، وطَاوُس، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وأبُو العَالِية (٧)، ومُجاهد، والقاسِم (٨)، ومُحمّد بن عَلِىّ (٩)، وسَعِيد بنُ عَبْدَ العَزِيز (١٠)، [وابن المُنْذِر] (١١)؛ لأن اللهَ تَعالَى أمَرَ بالغَسْلِ، ولم يذكر التَّخْلِيلَ، وأكْثَرُ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لم يَحْكِهِ، ولو كان واجِبًا لما أخَلَّ به في وُضُوءٍ، ولو فَعَلَه في كُلِّ وُضُوءٍ لنَقَلَهُ كلُّ مَنْ حَكَى وُضُوءَهُ أو أَكْثَرُهم، وتَرْكُه لذلك يَدُلُّ عَلَى أنَّ غَسْلَ ما تَحْتَ الشَّعْرِ الكَثِيفِ ليس بِواجِبٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان كَثِيفَ اللِّحْيَةِ فلا يَبْلُغُ الماءُ ما تَحْتَ شَعْرِها بدُونِ التَّخْلِيلِ والمُبَالَغةِ، وفِعْلهُ للِتَّخْلِيلِ (١٢) في بعضِ أحْيانِه يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبابِ ذلك. واللهُ أعَلمُ. فصل: قال يَعْقُوبُ (١٣): سَأَلْتُ أحْمَدَ عن التَّخْلِيلِ؟ فأَرَانِى مِنْ تَحْتِ لِحْيَتِهِ،

стр. 206

فَخَلَّلَ بالأَصابِع. وقال حَنْبَل: مِنْ تَحْتِ ذَقَنِه مِنْ أَسْفَلِ الذَّقَنِ، يُخَلِّلُ جَانِبَىْ لِحْيَتهِ جَمِيعًا بالمَاءِ، ويَمْسَحُ جانِبَيْها وباطِنَها. وقال أبُو الحارِثِ (١٤): قال (١٥) أحمدُ: إن شاءَ خَلَّلَهَا مع وَجْهِه، [وإن شاء إذا مَسَحَ رَأْسَه. ويُسْتَحَبُّ أن يَتَعَهَّدَ بَقِيَّةَ شُعُورِ وَجْهِه] (١٦) ويَمْسَحَ مآقِيهِ؛ لِيَزُولَ ما بهما مِن كُحْلٍ أو غَمَصٍ. وقد رَوَى أبُو داود (١٧) بإِسْنادِهِ عن أبى أُمَامَةَ أنه ذَكَرَ وُضُوءَ رَسوُلِ اللهِ ﷺ فقالَ: كان يَمْسَحُ الْمَأْقَيْنِ. ٢٠ - مسألة؛ قال: (وأخذُ ماءٍ جَدِيدِ لِلْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وبَاطِنِهِمَا) المُسْتَحَبُّ: أن يَأْخُذَ لأُذُنَيْهِ ماءً جَدِيدًا. [قال أَحْمَدُ: أنا أَسْتَحِبُّ أن يَأْخُذَ لِأُذُنَيْهِ ماءً جَدِيدًا، كان ابنُ عُمَرَ يأْخُذُ لأُذُنَيْهِ ماءً جَدِيدًا] (١). وبهذا قال مالِك، والشافِعِىُّ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: هذا الذي قَالُوه غيرُ مَوْجُودٍ في الأَخْبَارِ، وقد رَوَى أبُو أُمامةَ، وأبو هُرَيْرة، وعبدُ اللَّه بن زيدٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ". رَوَاهُنَّ ابنُ مَاجَه (٢)، ورَوَى ابنُ عباس، والرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، والمِقْدامُ بن مَعْدِيكَرِبَ، أنَّ النبيَّ ﷺ مَسَحَ برَأْسِهِ وأُذُنَيْه مَرَّةً واحدِةً. رَوَاهُنَّ أبو داود (٣). ولَنَا أنَّ إفْرَادَهُما بماءٍ جَدِيدٍ قد (٤) رُوِىَ عن ابنِ عُمَر، وقد ذَهَب الزُّهْرِىُّ إلى أنَّهما مِنَ الوَجْهِ. وقال الشَّعْبِىُّ: ما أقْبَلَ مِنْهُما من الوَجْهِ وظاهِرُهُما من الرَّأْسِ. وقال

стр. 207

الشّافِعِىُّ وأبو ثَوْر: لَيْسَا من الوَجْهِ ولَا مِنَ الرَّأْسِ. ففى إفْرَادِهِما بماءٍ جَدِيدٍ خُرُوجٌ من بعضِ (٥) الخِلَافِ، فكانَ أَوْلَى. وإنْ مَسَحَهُما بماءِ الرَّأْسِ أجْزَأَهُ؛ لأن النبيَّ ﷺ فَعَلَهُ. فصل: قال الْمَرُّوذِىُّ: رَأَيْتُ أبا عَبْدِ اللَّه مَسَحَ رَأْسَه، ولَمْ أَرَهُ يَمْسَحُ عَلَى عُنُقِه، فَقُلْتُ له: [ألَا تَمْسَحُ] (٦) على عُنُقِك؟ قال: إنَّه لَمْ يُرْوَ عنِ النبيِّ ﷺ . فقلتُ: أَلَيْسَ قد رُوِىَ عن أبي هُرَيْرة، قال: هُوَ مَوْضِعُ الغُلِّ؟ قال: نَعَمْ، ولكِن هكذا يَمْسَحُ النبيُّ ﷺ ، لم (٧) يَفْعَلْه. وقال أيضًا: هو زِيادَةٌ. وذكر القاضي وغيرُه أنَّ فِيه رِوَاية أُخْرَى: أنه مُسْتَحَبٌّ، واحْتَجَّ بَعْضُهم أن في خَبَرِ ابنِ عَبّاس: "امْسَحُوا أعْنَاقَكُم مَخَافَةَ الغُلِّ". والذي وَقَفْتُ عليه عَنْ أحمد في هذا، أنَّ عَبْدَ اللَّه قال: رأيتُ أبى إذا مَسَحَ رَأْسَه وأُذُنَيْه في الوُضُوءِ مَسَحَ قَفَاهُ. وَوَهَّنَ الخَلَّالُ هذه الرِّوَاية، وقال: هِىَ وَهَمٌ. وقد أنكر أحمد حَدِيثَ طَلْحَة بن مُصَرِّف، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ: رأيتُ رَسُولَ اللَّه يَمْسَحُ رَأْسَه حتى بَلَغ القَذَالَ (٨). وهو أَوَّلُ القَفَا. وذَكَرَ أن سُفْيان (٩) كان يُنْكِرُهُ، وأنْكَرَه يَحْيَى (١٠) أيضًا. وخَبَرُ ابنِ عباس لا نَعْرِفُه، [ولا رَوَاهُ] (١١) أصحابُ السُنَنِ. فصل: وذَكَرَ بعضُ أَصْحابِنَا من سُنَنِ الوُضُوءِ غَسْلَ دَاخِلِ العَيْنَيْن، ورُوِىَ عن ابن عُمَر أنَّه عَمِىَ من كَثْرَةِ إدْخَالِ الماءِ في عَيْنَيْه. وقال القاضِى: إنَّما يُسْتَحَبُّ

стр. 208

ذلك في الغُسْلِ، نَصَّ عليه أحْمَدُ في مَواضِعَ؛ وذلك لأنَّ غُسْلَ الجَنَابةِ أَبْلَغُ، فإنَّه يَعُمُّ جَمِيعَ البَدَنِ، وتُغْسَلُ فِيهِ بَواطِنُ الشُّعُورِ الكَثِيفَةِ، وما تحتَ الجَفْنَيْنِ ونَحْوِهما، وداخلُ العَيْنَيْنِ من جُمْلَةِ البَدَنِ المُمْكِنِ غَسْلُه، فإذا لم يَجِبْ فلا أقَلَّ مِن أن يكونَ مُسْتَحَبًّا. والصَّحِيحُ أنَّ هذا لَيْسَ بمَسْنُونٍ في وُضُوءٍ ولا غُسلٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَفْعَلْه، ولا أَمَرَ به، وفيه ضَرَرٌ، وما ذُكِرَ عن ابنِ عُمَر دَلِيلٌ علَى كَرَاهَتِه؛ لأنه ذَهَبَ بِبَصَرِه، وفِعْلُ ما يُخافُ منه ذَهَابُ البَصَرِ أو نَقْصُه مِن غيرِ وُرُودِ الشَّرْعِ به إذا لم يَكُنْ مُحَرَّمًا، فلَا أَقَلَّ مِنْ أنْ يكونَ مَكْرُوهًا. ٢١ - مسألة؛ قال: (وتَخْلِيلُ ما بَيْنَ الْأَصَابِع) تَخْلِيلُ أصَابِعِ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ مَسْنُونٌ، وهو في الرِّجْلَيْنِ آكَدُ؛ لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ لِلَقِيط بن صَبِرَة: "أسْبِغ الوُضُوءَ وخَلِّلِ الأَصَابِعَ". وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ (١)، وقال المُسْتَوْرِدُ بن شَدَّاد: رأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إذا تَوَضَّأَ دَلَكَ أصَابِعَ رِجْلَيْه بخِنْصَرِهِ. رَوَاهُ أبو دَاوُد، وابنُ مَاجَه، والتِّرْمِذِىّ (٢)، وقال: لا نَعْرِفُه إلَّا مِنْ حَدِيثِ ابنِ لَهِيعَةَ (٣). ويُسْتَحَبُّ أن يُخَلِّلَ أصَابِعَ رِجْلَيْه بخِنْصَرِه لهذا الحديث، ويَبْدَأُ في تَخْلِيلِ اليُمْنَى من خِنْصَرِها إلى إبْهامِها، وفى اليُسْرَى من إبْهامِها إلى خِنْصَرِها؛ لأن النبيَّ ﷺ كان يُحِبُّ التَّيَمُّنَ (٤) في وُضُوئِه. وفى هذا تَيَمُّنٌ (٥). فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَعْرُكَ رِجْلَه بِيَدِه، ويَتَعَهَّدَ عَقِبَيْه، والمَواضِعَ التي يَزْلَقُ

стр. 209

عنها الماءُ، قال أبو داود: قلتُ لأَحْمدَ: إذا تَوَضَّأ فأَدْخَلَ رِجْلَه في الماءِ، فأخْرَجَها؟ قال: يَنْبَغِى أن يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى رِجْلِه، ويُخَلِّلَ أصَابِعَه. قلتُ: فإنْ لَمْ يَفْعَلْ، يُجْزِئُه؟ قال: أرْجُو أن يُجْزِئَه مِن التَّخْلِيلِ (٦) أن يُحَرِّكَ رِجْلَه في الماءِ، فإنَّه رُبَّما زَلَقَ الماءُ عن الجَسَدِ في الشِّتَاءِ. قِيلَ لَهُ: مَنْ تَوَضَّأ يُحَرِّكُ خَاتِمَه؟ قال: إن كانَ ضَيِّقًا لا بُدَّ أن يُحَرِّكَه، وإن كان وَاسِعًا يُدْخِلُ (٧) الماءَ أجْزَأَهُ، وقد رَوَى أبو رافِع، رضىَ اللهُ عنه، أن رَسُولَ اللَّه ﷺ كان إذا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتِمَه (٨). وإذا شَكَّ في وُصُولِ الماءِ إلى ما تَحْتَه وَجَبَ تَحْرِيكُه؛ لِيَتَيَقَّنَ وُصُولَ الماءِ [إلى ما تحتَه] (٩)، لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ وُصُولِه. وإن الْتَفَّ بَعْضُ أصَابِعهِ عَلَى بَعْضٍ وكان مُتَّصِلًا، لَمْ يَجبْ فَصْلُ إحْداهما مِن الأُخْرَى، لأنَّهما صارَتَا كأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ. وإن لم يَكُنْ مُتَّصِلًا (١٠) وَجَبَ إيصالُ الماءِ إلى ما بينهما. ٢٢ - مسألة؛ قال: (وغَسْلُ المَيَامِنِ قَبْلَ المَيَاسِرِ) لا خِلَافَ بَيْن أهْلِ العِلْمِ - فيما عَلِمْنا - في اسْتِحْبابِ البَدَاءَةِ باليُمْنَى، ومِمَّنْ رُوِىَ ذلك عنه أهْلُ المدينة، وأهْلُ العِرَاقِ، وأَهْلُ الشَّامِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وأجْمَعُوا علَى أنّه لا إعادَةَ عَلَى مَنْ بدأَ بيَسَارِهِ قبلَ يَمينهِ. وأصلُ الاسْتِحْباب في ذلك (١) أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُعْجِبُه ذلك، ويَفْعَلُه، فرَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُحِبُّ التَّيَمُّنَ في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه وطُهُورِهِ وفى شَأْنِه كُلِّه. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن

стр. 210

أبى هُرَيْرة، رضىَ اللهُ عنه، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذا تَوَضَّأْتُم فابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُم". رَوَاه ابنُ مَاجَه (٣). وحَكَى عُثْمانُ وعَلِىّ، رضىَ اللهُ عنهما، وُضُوءَ النبيِّ ﷺ : فَبَدأ باليُمْنَى قَبْلَ اليُسْرَى. رَوَاهُما أبُو دَاوُد (٤). ولا يَجِبُ ذلك لأنَّ اليَدَيْنِ بَمنْزِلةِ العُضْوِ الواحِدِ، وكذا الرِّجْلانِ؛ فإنَّ اللهَ تَعالَى قال: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (٥). ولم يُفْصِّلْ، والفقهاءُ يُسَمُّون أعْضاءَ الوُضُوءِ أَرْبَعة، يَجْعَلُونَ اليَدَيْنِ عُضْوًا، والرِّجْلَيْن عُضْوًا، ولا يَجِبُ التَّرْتِيب في العُضْوِ الواحِدِ.

стр. 211

باب فَرْض الطَّهارَةِ ٢٣ - مسألة؛ قال: (وفَرْضُ الطَّهَارَةِ ماءٌ طاهِرٌ، وإزَالَةُ الحَدَثِ) أرادَ بالطَّاهِرِ: الطَّهُورَ. وقد ذكرنا فيما مضى أنَّ الطَّهَارَةَ لا تَصِحُّ إلَّا بالماءِ الطَّهُورِ. وعَنَى بإزَالَةِ الحَدَثِ الاسْتِنْجاءَ بالماءِ أو بالأَحْجارِ، ويَنْبَغِى أن يَتَقَيَّدَ ذلك بحالةِ وجُودِ الحَدَثِ، كما تَقَيَّدَ اشْتِرَاطُ الطَّهارةِ بحالةِ وُجُودِهِ. وسَمَّى هَذين فَرْضَيْنِ لأنَّهُما مِن شَرائِطِ الوُضُوءِ، وشَرَائِطُ الشَّىءِ وَاجِبةٌ له، والواجبُ هو الفَرْضُ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ: اشْتِراطُ الاسْتِنْجاءِ لِصِحَّةِ الوُضُوءِ، فلو تَوَضَّأَ قَبْلَ الاسْتِنْجاءِ لَمْ يَصِحّ كالتَّيَمُّمِ. والرِّوايةُ الثانيةُ: يَصِحُّ الوُضُوءُ قبلَ الاسْتِنْجاءِ، ويَسْتَجْمِرُ بعد ذلك بالأحْجَارِ، أو يَغْسِل فَرْجَه بحائِلٍ بَيْنَه وبَيْنَ يَدَيْهِ ولا يَمَسّ الفَرْجَ. وهذه الرِّواية أصَحّ، وهى مَذْهَبُ الشَّافِعِىّ؛ لأنها إزَالَةُ نَجاسَةٍ، فلم تُشْتَرَطْ لِصِحَّة الطَّهَارةِ، كما لو كانت علَى غَيْرِ الفَرْجِ. فأمَّا التَّيَمُّمُ قَبْلَ الاسْتِجْمارِ، فقال القاضي: لا يَصِحُّ وَجْهًا واحِدًا؛ لأن التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، وإنما [يُبِيحُ الصَّلاةَ] (١)، ومَنْ عليه نَجاسَةٌ يُمْكِنُه إزالَتُها لا تُبَاحُ له الصَّلاةُ، فلم تَصِحّ نِيَّةُ الاسْتِباحةِ كالتَّيَمُّمِ قبلَ الوَقْتِ. وقال القاضي: فيه وجهٌ آخر، أنه يَصِحُّ؛ لأن التَّيَمُّمَ طَهارةٌ فأشْبَهَت طهارةَ (٢) الوُضُوءِ، والمَنْعُ من الإِباحةِ لمانعٍ آخَر لا يَقْدَحُ في صِحَّةِ التَّيَمُّمِ، كما لَوْ تَيَمَّمَ في مَوْضِعٍ نُهِىَ عن الصَّلاةِ فيه، أو تَيَمَّمَ مَن علَى ثَوْبهِ نَجَاسَةٌ أو عَلَى بَدَنِه في غَيْرِ الفَرْجِ. [وقال ابنُ عَقِيل: لو كانت النجاسةُ على غير الفَرْجِ من بَدَنِه فهو كما لو كانت على الفَرْجِ] (٣)؛ لِمَا

стр. 212

ذَكَرْنَا مِن العِلَّةِ. والأَشْبَهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُما، كما لو افْتَرَقَا في طَهَارةِ المَاءِ، ولأنَّ نَجاسةَ الفَرْجِ سَبَبُ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ، فجازَ أن يكونَ بقاؤُها مانِعًا منه، بخِلَافِ سائِر النَجَّاسات. ٢٤ - مسألة؛ قال: (والنِّيَّةُ لِلطَّهارَةِ) يعني نِيَّة الطَّهارَة. والنِّيَّةُ: القَصْدُ، يقال: نَوَاكَ اللهُ بخَيْرٍ. إذا (١) قَصَدَك به. ونَوَيْتُ السَّفَرَ. أي: قَصَدْتَه، وعَزَمْتَ عَلَيْه. والنِّيَّةُ مِنْ شَرائِطِ الطَّهارَةِ للأحْداثِ كلها، لا يَصِحُّ وُضُوءٌ ولا غُسْلٌ ولا تَيَمُّمٌ، إلَّا بها. رُوِىَ ذلك عن عَلِىٍّ رضىَ اللهُ عنه، وبه قال رَبِيعةُ، ومَالِك، والشَّافِعِىّ، واللَّيْثُ، وإسْحَاق، وأبو عُبَيْدة، وابن المُنْذِر. وقال الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: لا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ في طَهارَةِ الماءِ، وإنما تُشْتَرَطُ لِلتَّيَمُّمِ (٢)؛ لأن اللهَ تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣) الآية، ذَكَرَ الشَّرائِطَ، ولم يَذْكُر النِّيَّةَ، ولو كانت شَرْطًا لَذَكَرَها، ولأنَّ مُقْتَضَى الأَمْرِ حُصُولُ الإِجْزاءِ بفِعْلِ المأْمُورِ بهِ، فَتَقْضِى الآيةُ حُصُولَ الإِجْزاءِ بما تَضَمَّنَتْه، ولأنَّها طَهارةٌ بالماءِ، فلم تَفْتَقِرْ إلى النِّيَّةِ كغَسْلِ النَّجَاسَةِ. ولنا ما رَوَى عُمَر، عن النبيِّ ﷺ أنه (٤) قال: "إنَّمَا الْأَعْمَالُ بالنِّيّاتِ (٥)، وإنَّما لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى". مُتَّفَقٌ عليه (٦)، فنَفَى أن يكونَ له عَمَلٌ شَرْعِىٌّ بدُونِ النِّيَّةِ،

стр. 213

ولأنَّها طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ، فلم تَصِحَّ بغير نِيَّةٍ [كالتَّيَمُّمِ، أو عبادةٌ، فافْتَقَرتْ إلى النِّيَّةِ كالصلاةِ] (٧)، والآيةُ حُجَّةٌ لنا، فإنَّ قَوْلَه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. أي: للصَّلاةِ، كما يُقالُ: إذَا لَقِيتَ الأَمِيرَ فَتَرَجَّلْ. أي: له. وإذا رَأَيْتَ الأَسَدَ فاحْذَرْ. أي: منه. وقَوْلُهم: ذَكَر كُلَّ الشَّرَائِطِ. قُلْنا: إنَّمَا ذَكَرَ أَرْكَانَ الوُضُوءِ، وبَيَّنَ النبيُّ ﷺ شَرْطَه كآيةِ التَّيَمُّمِ. وقَوْلُهم: مُقْتَضَى الأَمْرِ حُصُولُ الإِجْزَاءِ. قُلْنَا: بَلْ مُقْتَضَاهُ وُجُوبُ الفِعْلِ، وهو واجِبٌ، فاشْتُرِطَ لِصِحَّتِه شَرْطٌ آخرُ، بدَلِيلِ التَّيَمُّمِ. وقَوْلُهم: إنَّها طَهَارَةٌ. قُلْنَا: إلا أنها عِبادَةٌ، والعِبَادَةُ لا تَكُونُ إلَّا مَنْوِيَّةً، لأنَّها قُرْبَةٌ إلَى اللَّه تَعالَى، وطَاعَةٌ لَهُ، [وامْتِثَالٌ لأَمْرِه، ولا يَحْصُلُ] (٨) ذلك بغَيْرِ نِيَّةٍ. فصل: ومَحَلُّ النِّيَّةِ القَلْبُ؛ إذْ هِىَ عِبَارَةٌ عَنِ القَصْدِ، ومَحَلُّ القَصْدِ القَلْبُ، فَمَتَى اعْتَقَدَ بقَلْبِه أجْزَأَهُ، وإنْ لَمْ يَلْفِظْ بلِسَانِهِ [وإنْ لَفَظَ بلِسانهِ ولم] (٩) تَخْطُرِ النِّيَّةُ بقَلْبِه لم يُجْزِه. ولو سَبَقَ لِسانُه إلَى غيرِ ما اعْتَقَدَهُ لَمْ يَمْنَعْ ذلك صِحَّةَ ما اعْتَقدَهُ (١٠) بقَلْبِه. فصل: وصِفَتُها أن يَقْصِدَ بِطَهَارته اسْتِباحَةَ شيءٍ لا يُسْتَباحُ إلَّا بها، كالصَّلاةِ

стр. 214

والطَّوَافِ ومَسِّ المُصْحَفِ، أو ينَوِىَ (١١) رَفْعَ الحَدَثِ، ومعناه إزالةُ المانِع مِن (١٢) كلِّ فِعْلٍ يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهارةِ. وهذا قَوْلُ مَنْ وَافَقَنا في (١٣) اشْتِراطِ النِّيَّة، لا نَعْلَمُ بينهم فيه خِلافًا (١٤). فإنْ نَوَى بالطَّهارَةِ ما لا تُشْرَعُ له الطَّهَارَةُ؛ كالتَّبَرُّدِ والأَكْلِ والبَيْعِ والنِّكَاحِ ونَحْوِه، ولَمْ يَنْوِ الطَّهَارةَ الشَّرْعِيَّة، لم يَرْتَفِعْ حَدَثُه؛ لأنه لم يَنْوِ الطَّهارةَ، ولا ما يَتَضَمَّنُ نِيَّتَها، فلم يَحْصُلْ له شيءٌ (١٥)، كالذى لم يَقْصِد شَيْئًا. وإن نَوَى تَجْدِيدَ الطَّهارةِ، فَتَبَيَّنَ أنه كان مُحْدِثًا، فَهَلْ تَصِحُّ طَهارَتُه؟ عَلَى رِوَايَتَيْن: إحْدَاهُمَا تَصِحُّ؛ لأنَّه نَوَى طَهَارةً شَرْعِيَّةً، فيَنْبَغِى أن يَحْصُلَ له ما نَوَاهُ، وللخَبَرِ (١٦)، وقِياسًا عَلَى ما لَوْ نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ. والثانية لا تَصِحُّ طَهَارَتُه؛ لأنَّه لم يَنْوِ رَفْعَ الحَدَث ولا ما تَضَمَّنَهُ، أَشْبَهَ ما لو (١٧) نَوَى التَّبَرُّدَ. وإن نَوَى ما تُشْرَعُ له الطَّهارةُ ولا تُشْتَرَطُ، كَقِراءةِ القُرْآنِ والأذَانِ والنَّوْمِ، فَهلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُه؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَصْلُهُما، إذا نَوَى تَجْدِيدَ الوُضُوءِ وهو مُحْدِثٌ والأَوْلَى صِحَّةُ طَهَارَتهِ؛ لأنَّه نَوَى شَيْئًا من ضَرُورتِهِ (١٨) صِحَّةُ الطَّهَارةِ، وهو الفَضِيلَةُ الحاصِلَةُ لِمَنْ فَعَل ذلك وهو عَلَى طَهَارةٍ، فَصَحَّتْ طَهارَتُه، كما لَوْ نَوَى بها ما لَا يُبَاحُ إلَّا بها، ولأنَّه نَوَى طَهارةً شَرْعِيَّةً، فصَحَّتْ للخَبَرِ. فإنْ قِيلَ: يَبْطُلُ هذا بمَا لَوْ نَوَى بطَهَارَتِه ما لا تُشْرَعُ له الطَّهارةُ. قُلْنَا: إنْ نَوَى طَهارةً شَرْعِيَّةً، مِثْل إنْ قَصَدَ أنْ يَأْكُلَ وهو مُتَطَهِّرٌ [طَهَارةً شَرْعِيَّةً] (١٩)، أو قَصَدَ أن لا يَزَالَ عَلَى وُضُوء، فهو كَمَسْألَتِنَا، وتَصِحُّ طَهَارَتُه. وإن قَصَد بذلك نَظافةَ

стр. 215

أعْضائِه مِنْ وَسَخٍ أو طِينٍ أو غَيْرِه، لم تَصِحَّ طَهارَتُه؛ لأنَّه لم يَقْصِدْها، [وإن نَوَى] (٢٠) وُضُوءًا مُطْلَقا أو طَهارةً، فَفِيهِ وَجْهان: أصَحُّهما صِحَّتُه؛ لأنّ الوُضُوءَ والطَّهارةَ [بإطْلاقِهما إنَّما ينْصَرِفُ] (٢١) إلى المَشْرُوعِ، فيكون ناوِيًا لوُضُوءٍ شَرْعِىٍّ. والوَجْهُ الثانِى لا تَصِحُّ طهارَتُه في هذه المواضعِ كُلِّها؛ لأنَّه قَصَدَ ما يُباحُ بدُونِ الطَّهارةِ، أَشْبَهَ قاصِدَ الأكْلِ، والطَّهارةُ تَنْقَسِمُ إلى ما هو مَشْرُوعٌ وإلى غَيْرهِ، فلم تَصِحَّ مع التَّرَدُّدِ. وإن نَوَى بطَهَارتِه رَفْعَ الحَدَثِ وتَبْرِيدَ أعْضائِهِ، صَحَّتْ طَهَارَتُه؛ لأن التَّبْرِيدَ يَحْصُلُ بدون النِّيَّةِ، فلم يُؤَثر هذا الاشْتِراكُ، كما لو قَصَدَ بالصَّلاةِ الطاعةَ والخَلاصَ مِنْ خَصْمِه. وإن قَصَدَ الجُنُبُ بالغُسْلِ اللُّبْثَ في المَسْجِدِ ارْتَفَع حَدَثُه؛ لأنه شَرْطٌ لذلك. فصل: ويَجِبُ تَقْديمُ النِّيَّةِ علَى الطَّهارَةِ كُلِّها؛ لأنَّها شَرْطٌ لها، فيُعْتَبَرُ وُجُودُها في جَمِيعِها، فإن وُجِدَ شيءٌ مِنْ وَاجباتِ الطَّهارَةِ قبلَ النِّيَّةِ لم يُعْتَدَّ به. ويُسْتَحَبُّ أن يَنْوِىَ قبل غَسْلِ كَفَّيْه، لِتَشْمَلَ النِّيَّةُ مَسْنُونَ الطَّهارةِ ومَفْرُوضَها. فإن غَسَلَ كَفَّيْهِ قبلَ النِّيَّةِ كان كمَنْ لم يَغْسِلْهُما. ويَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ على الطَّهارةِ بالزَّمَنِ اليَسِيرِ، كَقَوْلِنا في الصَّلاةِ، وإن طالَ الفَصْلُ لم يُجْزِهِ ذلك. ويُسْتَحَبُّ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِ النِّيّة إلى آخر طَهَارتِه؛ لتكون أفْعَالُه مُقْتَرِنةً بالنِّيَّةِ، فإن اسْتَصْحَبَ حُكْمَها أجْزَأَهُ. ومعناه: أنْ لا يَنْوِىَ قَطْعَها. وإن عَزَبَتْ عن خَاطِرِه، وذَهَلَ عنها، لم يُؤَثِّر ذلك في قَطْعِها؛ لأنَّ ما اشْتُرِطَتْ له النِّيَّةُ لا يَبْطُلُ بِعُزُوبِها، والذُّهُولِ عنها، كالصَّلاةِ والصِّيامِ. وإن قَطَع نِيَّتَهُ في أثْنائِها مثلَ أن يَنْوِىَ أن لا يُتِمَّ طَهارَتَه، أو (٢٢) نَوَى جَعْلَ الغُسْلِ لغَيْرِ الطَّهارةِ، لم يَبْطُلْ ما مَضَى من طَهارَتِه؛ لأنه وَقَع صَحِيحًا، فلم يَبْطُلْ بقَطْعِ النِّيَّةِ بعدَه، كما لَوْ نَوَى قَطْعَ النِّيَّةِ بعدَ الفَرَاغِ مِنَ الوُضُوءِ، وما أَتَى
следующие страницы →