يَحْتَمِلُ وجهين: أحدهما، لا يَلْزَمُه؛ لأن الأصْلَ طهارةُ (٩) فِيهِ، فلا يزُولُ عن ذلك بالشَّكِّ. والثانى يَلْزَمُه؛ لأنه مَحَلٌّ مُنِعَ اسْتعمالُه مِن أجْلِ النجاسةِ، فلَزِمَه غَسْلُ أثَرِهِ، كالمُتَيَقَّنِ.
فصل: وإذا عَلِمَ عَيْنَ النَّجِسِ اسْتُحِبَّ إراقتُه لِيُزيلَ الشَّكَّ عن نفسِه. وإن احْتاجَ إلى الشُّرْبِ شَرِبَ مِن الطاهِر، ويتيمَّم إذا لم يجدْ غيرَ النَّجِسِ. وإن خاف العَطَشَ في ثَانِى الحالِ، فقال القاضي: يتوَضَّأ بالطاهِر (١٠) ويحْبِس النَّجِسَ؛ لأنه [ليس بمُحْتاج] (١١) إلى شُرْبِه في الحال، فلم يجُز التَّيَمُّمُ مع وُجودِه.
والصحيحُ، إن شاء اللَّه، أنه [يُرِيقُ النَّجِسَ] (١٢) ويتيَمَّمُ؛ لأن وُجودَ النَّجِسِ كعدَمِه عند الحاجةِ إلى الشُّرْبِ في الحالِ، وكذلك في المآلِ، وخَوْفُ العَطَشِ في إباحةِ التَّيَمُّمِ كحقيقَتِه.
فصل: وإن اشْتبَه ماءٌ طَهُورٌ بماءٍ قد بطَلتْ طُهُورِيَّتُهُ، توَضَّأ مِن كلِّ واحدٍ منهما وُضوءًا كاملا، وصلَّى بالوُضوءَيْن صلاةً واحدة. لا أعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنه أمْكَنَهُ أداءُ فَرْضِه بَيقِينٍ، مِن غيرِ حَرَجٍ فيه، فيَلزمُه، كما لو كانا طَهُورَين (١٣) ولم يَكْفِه أحدُهما، وفارَق ما إذا كان نَجِسًا؛ لأنه يُنَجِّسُ أعضاءَه يَقِينًا، ولا يأْمَنُ أن يكونَ النَّجِسُ هو الثاني، فيَبْقَى نَجِسًا، ولا تصِحُّ صلاتُه، فإن احْتاجَ إلى أحدِ الإِناءَيْنِ للشُّرْبِ تحرَّى، فتَوضَّأ بالطَّهُورِ عنده، وتَيَمَّمَ معه ليحصُلَ له اليَقِينُ. واللَّه أعلمُ.
فصل: وإن اشتبَهتْ عليه ثيابٌ طاهرةٌ بنَجِسةٍ، لم يجُز التَّحَرِّى، وصلَّى في كلِّ ثوبٍ بعدَد النَّجِسِ، وزادَ صلاةً. وهذا قولُ ابنِ الماجِشُون.
стр. 142
وقال أبو ثَوْرٍ، والمُزَنِىُّ: لا يُصَلِّى في شيءٍ منها، كالأوانِى.
وقال أبو حنيفة، والشافعيُّ: يتَحَرَّى فيها، كقَوْلهِم في الأوانِى والقِبْلَةِ.
ولنا أنه أَمْكَنَهُ أداءُ فَرْضِه بيَقِينٍ من غيرِ حَرَجٍ فيلْزمُه، كما لو اشْتَبَه الطَّهُورُ بالطاهِر، وكما لو نَسِىَ صلاةً مِن يومٍ لا يعلمُ عَيْنَها.
والفرقُ بين هذا وبين الأوانِى النَّجِسَةِ مِن وَجْهَيْن: أحدُهما أن اسْتعمالَ النَّجِسِ يتَنَجَّسُ به، ويمنعُ صِحَّةَ صلاتِه في الحالِ والمآلِ، وهذا بخلافِه. الثاني، أن الثَّوْبَ النَّجِسَ تُباحُ له (١٤) الصلاةُ فيه إذا لم يجدْ غيرَه، والماءُ النَّجِسُ بخلافِه.
والفرقُ بينه وبين القِبْلَةِ مِن وُجوهٍ: أحدُها، أن القبلةَ يكثُر الاشْتِباهُ فيها، فيشُقُّ اعْتبارُ اليَقِينِ، فسقَط دَفْعًا للمَشَقَّةِ، وهذا بخلافِه. الثاني، أن الاشْتِباهَ ههنا حصَل بتَفْرِيطِه؛ لأنه كان يُمْكِنُه تَعْلِيمُ النَّجِسِ أو غَسْلُه، ولا يُمْكِنُه ذلك في القِبْلَةِ. الثالث، أن القِبلةَ عليها أدِلَّةٌ من النجومِ والشمسِ والقمرِ وغيرِها، فيصِحُّ الاجتهادُ في طَلَبِها، ويَقْوَى دليلُ الإِصابة لها، بحيثُ لا يَبْقَى احتمالُ الخطأ إلَّا وَهْمًا ضَعِيفًا، بخلافِ الثِّيابِ.
فصل: فإن لم يعلمْ عددَ النَّجِسِ، صَلَّى فيما يَتَيقَّنُ به أنه صَلَّى في ثوبٍ طاهر، فإن كثُرَ ذلك وشَقَّ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يتَحَرَّى في أصَحِّ الوَجْهَيْن؛ دَفْعًا للمَشَّقة. والثانى لا يتحَرَّى؛ لأن هذا ينْدُرُ جِدًّا، فلا يُفْرَدُ بحُكْمٍ، ويُسْحَبُ عليه ذَيْلُ (١٥) الغالبِ.
فصل: وإن ورَد ماءً فأخْبرَهُ بنَجاستِه صَبىٌّ أو كافرٌ أو فاسقٌ، لم يَلْزَمْه قَبولُ خَبرِه؛ لأنه ليس مِن أهل الشهادةِ ولا الرِّوايةِ، فلا يَلْزَمُه قبولُ خبرِه، كالطفلِ والمَجنون، وإن كان المُخْبِرُ بالغًا عاقلًا مُسْلِمًا غيرَ معلومٍ فِسْقُه، وعَيَّنَ سببَ النجاسةِ، لَزِمَ قبولُ خَبَرِه، سواء كان رجلًا أو امرأةً، حُرًّا أو عَبْدًا، معلومَ العدالةِ أو مَسْتُورَ الحالِ؛ لأنه خبرٌ دِينِىٌّ، فأشْبَهَ الخبَر بدخولِ وقتِ الصلاةِ. وإن لم يُعَيِّنْ
стр. 143
سببَها، فقال القاضي: لا يلْزمُ (١٦) قبولُ خَبَرِه؛ لاحْتمالِ اعتقادِه نجاسةَ [الماءِ بسببٍ لا يعتقدُه المُخْبَرُ، كالحنفىِّ يرَى نجاسةَ الماءِ الكثير، والشافعىّ يرى نجاسةَ] (١٧) الماء اليَسِير بما لا نَفْسَ له سائلةٌ، والمُوَسْوَسِ الذي يعتقِدُ نجاستَه بما لا يُنَجِّسُه. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَ قبولُ خَبرهِ، إذا انْتَفَتْ هذه الاحْتمالاتُ في حَقِّه.
فصل: فإن أخْبره أن كلبًا وَلَغ في هذا الإِناء، لَزِمَ قبولُ خَبَرهِ، سواء كان بَصِيرًا أو ضَرِيرًا؛ لأن للضَّرِيرِ طريقًا إلى العِلْمِ بذلك بالْخَبَرِ والحِسِّ.
وإن أخبرَه أن كلبًا وَلَغ في هذا الإِناءِ ولم يَلِغْ في هذا. وقال آخرُ: لم يَلِغْ في الأوَّلِ، وإنما ولغَ في الثاني. وجَب اجْتنابُهما، فيَقْبَلُ قولَ كلِّ واحدٍ منهما في الإِثْباتِ دون النَّفْى؛ لأنه يجوزُ أن يَعْلَمَ كلُّ واحدٍ منهما ما خَفِىَ علَى الآخَرِ، إلَّا أن يُعَيِّنا وَقْتًا مُعَيَّنًا، وكلبًا واحدًا، يَضِيقُ الوقتُ عن شُرْبِه منهما، فيتعارَضُ قَوْلاهما، ويَسْقُطان، ويُباحُ اسْتعمالُ كلِّ واحدٍ منهما. فإن قال أحدُهما: شَرِبَ مِن هذا الإِناء. وقال الآخَرُ: نزلَ ولم يشْرَبْ. قُدِّمَ قَوْلُ الْمُثْبِتِ، إلَّا أن يكونَ لم يتحَقَّقْ شُرْبه، مثل الضَّرِيرِ الذي يُخْبِرُ عن حِسِّه، فُيقَدَّمُ قولُ البَصِيرِ؛ لأنه أعْلَمُ.
فصل: إذا سقَط علَى إنسانٍ مِن طريقٍ ماءٌ، لم يَلْزَمْه السُّؤالُ عنه؛ لأن الأصْلَ طَهارتُه، قال صالح: سألتُ أبى عن الرجلِ يَمُرُّ بالموضِعِ، فيَقْطُر عليه قَطْرةٌ أو قَطْرتان؟ فقال: إن كان مَخْرَجًا - يعني خَلاءً - فاغْسِلْه، وإن لم يكنْ مَخْرَجًا فلا يُسْألُ عنه؛ فإنَّ عمر، رَضِىَ اللَّه عنه، مَرَّ هو وعمرو بن العاص علَى حَوْضٍ، فقال عمرو: يا صاحبَ الْحَوْضِ، أتَرِدُ علَى حَوْضِكَ السِّباعُ؟ فقال عمر: يا صاحبَ الْحَوْضِ، لا تُخْبِرْنا، فإنَّا نَرِدُ عليها، وتَرِدُ علينا. روَاه مالك، في "الموطَّأ" (١٨).
стр. 144
فإن سأل، فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَلْزَمُ الْمَسْئُولَ رَدُّ الجواب؛ لخبرِ عُمَرَ، ويَحْتَمِلَ أن يَلْزَمَه؛ لأنه سُئلَ عن شَرْطِ الصلاة، فلَزِمَه الجوابُ، إذا عَلِمَ، كما لو سألَهُ (١٩) عن القِبْلَةِ. وخبرُ عُمَرَ يدُلُّ علَى أن سُؤْرَ السِّباعِ غيرُ نَجِسٍ. واللَّه أعلمُ.
стр. 145
باب الآنية
١٠ - مسألة، قال أبو القاسم، ﵀: (وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ) لا يختلفُ المذهبُ في نَجاسةِ جلدِ (١) الميْتةِ قبلَ الدَّبْغِ، ولا نعلمُ أحدًا خالفَ فيه، وأمَّا بعدَ الدَّبْغِ فالمشهورُ في المذهبِ أنه نَجِسٌ يضا، وهو إحْدَى الرِّوايتَين عن مالك، ويُرْوَى ذلك عن عمرَ وابنهِ عبدِ اللَّه بن عمر، رَضِىَ اللَّه عنهما، وعِمْران بن حُصَيْن، وعائشة، رَضِىَ اللَّه عنهم.
وعن أحمد رِوايةٌ أخرى: أنه يطْهُر منها جِلْدُ ما كان طاهِرًا في حالِ الحياة. ورُوِىَ نحوُ هذا عن عَطاء، والحسن، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادة (٢) ويحيى الأنصارِىِّ، وسعيد بن جُبَيْر، والأَوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ، والثَّوْرِىّ، وابن المُبارَك، وإسحاق، ورُوِىَ ذلك عن عمر، وابنِ عباس، وابنِ مسعود، وعائشة، رَضِىَ اللَّه عنهم، مع اخْتِلَافِهم فيما هو طاهِرٌ في الحياة، وهو مذهبُ الشافعىِّ، وهو يَرَى طهارةَ الحيوانات كلِّها، إلَّا الكلبَ والخنزيرَ، فيطْهُر عنده كلُّ جِلْدٍ إلَّا جِلْدُهما. وله في جِلْدِ الآدَمِىِّ وَجْهان.
وقال أبو حنيفة: يطْهُر كلُّ جِلْدٍ بالدَّبْغِ، إلَّا جِلْدَ الخِنْزيرِ.
وحُكِىَ عن أبي يوسف: أنه يطْهُرُ كلُّ جِلْدٍ. وهو روايةٌ عن مالك، ومذهبُ مَن حَكَم بطهارة الحيواناتِ كُلِّها؛ لأن النبيَّ ﷺ قال: "إذَا دُبِغَ الإِهابُ فَقَدْ طَهُرَ". مُتَّفَقٌ عليه (٣)، ولأن رسولَ اللَّه ﷺ وجَد شاةً مَيِّتةً أُعْطِيَتْها مَولاةٌ
стр. 146
لمَيْمونةَ مِن الصَّدقِة. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟ " قالوا: إنَّها مَيْتةٌ. قال: "إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا". وفى لفظٍ: "أَلَا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِه". مُتَّفَقٌ عليه (٤)، ولأنه إنَّما نَجُسَ باتِّصالِ الدماءِ والرُّطوباتِ به بالموتِ، والدَّبْغُ يُزِيلُ ذلك، فيرْتَدُّ الجِلْدُ إلى ما كان عليه في حالِ الحياةِ.
ولنا ما روَى عبدُ اللَّه بن عُكَيمْ، أنَّ النبيَّ ﷺ كتَبَ إلى جُهَيْنةَ: "إِنِّى كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ في جُلُودِ الْمَيْتةِ، فَإذَا أَتَاكُمْ (٥) كِتَابِى هذَا فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتةِ بإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ". روَاه أبو داود، في "سُنَنِه" (٦)، والإِمَام أحمد، في
стр. 147
"مُسْنَدِهِ" (٧) وقال [الإمام أحمد] (٨): إسْنادٌ جَيِّدٌ، يَرْوِيه يحيى بن سعيد عن شُعْبة، (٩) عن الحَكَم، عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، عن عبد اللَّه بن عُكَيْم. وفى لفظٍ: أتانا كتابُ رسولِ اللَّه ﷺ قبلَ وفاتِه بشَهْرٍ أو شَهْرَين (١٠) وهو ناسِخٌ لما قَبْلَه؛ لأنه في آخرِ عُمْرِ النبيِّ ﷺ ، ولفظُه دَالٌّ علَى سَبْقِ التَّرْخِيصِ، وأنه مُتأخِّرٌ عنه، لقوله: "كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ". وإنما يُؤْخَذُ بالآخِرِ فالآخِرِ مِن أمرِ رسولِ اللَّه ﷺ
فإن قيل: هذا مُرْسَلٌ؛ لأنه مِن كتابٍ لا يُعْرَفُ حامِلهُ. قلنا: كتابُ النبيِّ ﷺ كلَفْظِه. ولولا ذلك لم يكْتُب النبيُّ ﷺ إلى أحدٍ، وقد كتَب إلى مُلوكِ الأطْرافِ، وإلى غيرهمْ فَلِزمَتْهم الحُجَّةُ به، وحصَل له البلاغُ، ولو لم يكنْ حُجَّةً لم تَلْزَمْهم الإِجابةُ، ولا حصَل به بلاغٌ، ولَكان لهم عُذْرٌ في تَرْكِ الإِجابةِ؛ لجهلِهم بحامِل الكتابِ وعَدالتهِ، وروَى أبو بكر الشافِعىُّ، بإسْنادِه، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابرٍ، أن النبيَّ ﷺ ، قال: "لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتةِ بِشَىْءٍ" (١١). وإسْنادُه حَسَنٌ، ولأنه جُزْءٌ من المَيْتَةِ، فكان مُحَرَّمًا، لقولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١٢). فلم يطْهُر بالدَّبْغِ كاللَّحْمِ، ولأنه حُرِّمَ بالموتِ، فكان نَجِسًا كما قَبْلَ الدَّبْغِ.
стр. 148
وقولهم: إنه إنما نَجُسَ لاتِّصالِ (١٣) الدِّماءِ والرُّطوباتِ به، غيرُ صحيحٍ؛ لأنه لو كان نَجِسًا لذلك لم يَنْجُسْ ظاهرُ الجِلْدِ، ولا ما ذَكَّاه المَجُوسِىُّ والوَثَنِىُّ، ولا ما قُدَّ نِصْفَيْن، ولا مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ؛ لِعَدَمِ عِلَّةِ التَّنْجيس، ولَوجَبَ الحُكْمُ بنجاسةِ الصَّيْدِ الذي لم تَنْسَفِحْ دماؤهُ ورُطوباتُه. ثم كيف يَصِحُّ هذا عندَ الشافعيِّ، وهو يحكُم بنجاسةِ الشَّعَرِ والصُّوفِ والعَظْمِ؟ وأبو حنيفة يُطَهِّرُ جِلْدَ الكلبِ، وهو نَجِسٌ في الحياةِ.
فصل: هل يجوز الانتفاعُ به في اليابِسَات؟
فيه روَايتان: إحداهما: لا يحوز؛ لقولِه: "لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَىْءٍ"، وقولِه: "لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ".
والثانية: يجوزُ الانتفاعُ به؛ لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : " [أَلا أَخَذُوا إِهَابَها فَانْتَفَعُوا بِه"] (١٤). وفى لفظٍ: "أَلا أَخَذُوا إِهَابَها فَدَبَغُوهُ فانْتَفَعُوا بِهِ"، ولأنَّ الصحابةَ، رَضِىَ اللَّه عنهم، لمَّا فَتَحُوا فارسَ، انتفعُوا بسُروجِهم وأسْلحَتِهم، وذبائحُهم مَيْتَةٌ، ولأنه انتفاعٌ مِن غيرِ ضَرَرٍ، أشْبَهَ الاصْطيادَ بالكلبِ، ورُكوبَ البغلِ والحمارِ.
فصل: فأمَّا جلودُ السِّباعِ، فقال القاضي: لا يجوزُ الانتفاعُ بها قبلَ الدَّبْغِ، ولا بَعْدَه. وبذلك قال الأوْزَاعِىُّ، ويزيد بن هارون (١٥)، وابن المُبارك، وإسحاق، وأبو ثَوْرٍ.
ورُوِىَ عن عمرَ وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهما، كَراهية الصلاةِ في جُلودِ الثَّعالبِ، وكَرِهَه سعيد بن جُبَيْر، والحَكَمُ, (١٦) ومَكْحولٌ، وإسحاقُ.
стр. 149
وكَرِه الانتفاعَ بجُلودِ السَّنانيرِ عطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهد، وعَبيدة السَّلْمانِىّ (١٧).
ورخَّص في جلودِ السِّباع جابر، ورُوِىَ عن ابن سِيرِينَ، وعُرْوةَ، أنهم رَخَّصُوا في الركوبِ علَى جُلودِ النُّمور، ورَخَّص فيها الزُّهْرِىُّ.
وأباح الحسنُ، والشَّعْبىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، الصلاةَ في جُلودِ الثَّعالبِ؛ لأنَّ الثعالبَ تُفْدَى في الإِحْرام، فَكانتْ مُباحةً، ولِما ثبَت مِن الدَّليلِ علَى طهارةِ جُلودِ الْمَيْتَةِ بالدِّباغِ.
ولنا ما روَى أبو رَيحْانةَ، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ نَهَى عن رُكُوبِ النُّمورِ. أخْرَجه أبو دواد، وابنُ ماجَه (١٨)، وعن معاوية، والمِقْدام بن مَعْدِيكَرب، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نَهَى عن لُبْسِ جُلودِ السِّباعِ، والرُّكوبِ عليها. روَاه أبو داود، (١٩) ورُوِىَ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّباعِ. روَاه التِّرْمِذِىُّ (٢٠) وروَاه أبو داود (٢١)، ولفظُه (٢٢) أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن جُلودِ السِّباعِ. مع ما سَبَقَ مِن نَهْىِ النبيِّ ﷺ عن الانْتفاعِ بشيءٍ من المَيْتَةِ.
стр. 150
وأمَّا الثعالبُ فيُبْنَى حُكْمُها علَى حِلِّها، وفيها رِوايَتان، كذلك يُخَرَّجُ في جُلودِها؛ فإن قُلْنا بتَحْرِيمها فحكمُ جلودِها حكمُ جلودِ بقيَّةِ السباع، وكذلك السَّنانيرُ البَرِّيَّة، فأمَّا الأهليَّةُ فمُحَرَّمةٌ، وهل تطْهُرُ جلودُها بالدِّباغِ؟ يُخَرَّج علَى روايَتيْن.
فصل: إذا قُلْنا بطهارِة الجلودِ بالدِّباغِ لم يطْهُرْ منها جِلْدُ ما لم يكنْ طاهِرًا في الحياةِ، [ويطْهُر ما كان طاهرًا حالَ الحياةِ] (٢٣)، نَصَّ أحمدُ علَى أنه يطْهُر.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا يطْهُر إلَّا ما كان مأكولَ اللحم. وهو مذهبُ الأَوْزَاعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسحاق؛ لأنه رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "دِبَاغُ اْلأَدِيمِ ذَكَاتُه (٢٤) ". فشَبَّهَ الدَّبْغَ بالذَّكاة، والذَّكاةُ إنما تَعْمَلُ في مأكولِ اللحم، ولأنه أحدُ المُطَهِّرين للجِلْدِ، فلم يُؤَثِّرْ في غيرِ مأكولٍ كالذَّبْح (٢٥).
وظاهرُ كلامِ أحمد أن كلَّ طاهرٍ في الحياةِ يطْهُرُ بالدَّبْغِ؛ لِعُموم لفظِه في ذلك، ولأن قولَه ﵇: "أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ" يتَناوَلُ المَأْكُولَ وغيرَه، وخرج منه ما كان نَجِسًا في الحياة؛ لأنَّ (٢٦) الدَّبْغ إنما يُؤثِّر في دَفْعِ نجاسةٍ حادثةٍ بالموتِ، فيَبْقَى فيما عَداهُ علَى قَضِيَّةِ العُموم.
وحديثُهم يَحْتَمِلُ أنه أراد بالذَّكاةِ التَّطْييبَ، مِن قولهم: رائحةٌ ذَكيةٌ، أي: طيِّبة، وهذا يُطَيِّبُ الجميعَ، ويدُلُّ علَى هذا: أنه أضاف الذَّكاةَ إلى الجِلْدِ خاصَّةً، والذي يخْتَصُّ به الجلدُ هو تَطْيِيبُه وطَهارتُه، أمَّا الذَّكاةُ التي هي الذبحُ، فلا تُضافُ إلَّا إلى الحيوان كلِّه, ويحْتَمِلُ أنه أراد بالذَّكاةِ الطهارةَ، فسَمَّى الطهارةَ ذَكاةً، فيكونُ اللفظُ عَامًّا في كلِّ جِلْدٍ، فيتناوَل ما اخْتَلفْنا فيه.
стр. 151
فصل: ولا يَحِلُّ أكْلُه بعد الدَّبْغِ، في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلم، وحُكِىَ عن ابن حامدٍ: أنه يَحِلُّ. وهو وَجْهٌ لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لقوله: "دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ"، ولأنه معنىً يُفِيد الطهارةَ في الجِلْدِ، فأباحَ الأكلَ كالذَّبْحِ.
ولنا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، والجِلْدُ منها، وقال النبيُّ ﷺ : "إنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٢٧)، ولأنه جزءٌ من الْمَيْتَةِ، فُحرِّم أكلهُ كسائرِ أجزائها، ولا يلْزَمُ من الطهارةِ إباحةُ الأكلِ، بدليلِ الخَبائثِ مما لا ينْجُسُ بالموتِ، ثم لا يُسْمَعُ قِياسُهم في تَرْكِ كتابِ اللَّه وسُنَّةِ رسولِه ﷺ
فصل: ويجوز بَيْعُه، وإجارتُه، والانتفاعُ به في كلِّ ما يُمْكِنُ الانتفاعُ به فيه (٢٨)، سِوَى الأكلِ؛ لأنه صار بَمْنزِلةِ المُذَكَّى في غيرِ الأكلِ. ولا يجوز بَيْعُه قبلَ دَبْغِه؛ لأنه نَجِسٌ، مُتَّفَقٌ علَى نجاسةِ عَيْنهِ، فأشْبَهَ الخنزيرَ.
فصل: ويفْتَقِرُ ما يُدْبَغُ به إلى أن يكونَ مُنَشِّفًا للرُّطوبةِ، مُنَقِّيًا للخَبَثِ، كالشَّبِّ (٢٩) والقَرَظِ، قال ابنُ عَقِيلٍ: ويُشْترَطُ كَوْنُه طاهِرًا، فإن كان نَجِسًا لم يُطَهِّرِ الجلدَ؛ لأنها طهارةٌ مِن نجاسةٍ، فلم تحْصُلْ بنَجِسٍ، كالاسْتِجْمار والغُسْلِ.
وهل يطْهُرُ الجلدُ بُمجَرَّدِ الدَّبْغِ قبلَ غَسْلِه بالماء؟ فيه وجهان:
أحدهما، لا تحصُل؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ في جِلْدِ الشاةِ الميْتةِ: "يُطَهِّرُهَا الماءُ وَاْلقَرَظُ" (٣٠). روَاه أبو داود (٣١)، ولأن ما يُدْبَغُ به نَجُسَ بُملاقاةِ الجلدِ، فإذا انْدَبَغَ الجلدُ بَقِيَت الآلةُ نَجِسةً، فتَبْقَى نجاسةُ الجِلدِ لمُلاقاتِها له، فلا يزولُ إلَّا بالغَسْلِ.
стр. 152
والثانى، يطْهُر؛ لقولِه ﵇: "أيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ". ولأنه طَهُرَ بانْقِلابِه، فلم يفتَقِرْ إلى اسْتعمالِ الماء، كالخَمْرةِ إذا انقَلبتْ خَلًّا.
والأوَّلُ أوْلَى، والخبرُ والمعنَى يدُلَّانِ علَى طهارةِ عَيْنهِ، ولا يَمْنَعُ ذلك مِن وُجوبِ غَسْلهِ مِن نجاسةٍ تُلاقِيه، كما لو أصابتْه نجاسةٌ سِوَى آلةِ الدَّبْغِ، أو أصابَتْه آلةُ الدَّبْغِ بعدَ فَصْلِ ه عنها.
فصل: ولا يفْتَقِرُ الدَّبْغُ إلى فِعْلٍ؛ لأنها إزالةُ نَجاسةٍ، فأشْبَهتْ غَسْلَ الأرض، فلو وقَع جِلدُ مَيْتةٍ في مَدْبَغةٍ، بغيرِ فعل، فانْدَبَغَ، طَهُرَ، كما لو نَزل ماءُ السماءِ علَى أرضٍ نَجِسةٍ، طَهَّرهَا.
فصل: وإذا ذُبِحَ مالا يُؤْكَلُ لحمُه كان جلدُه نَجِسًا. وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفة، ومالك: يطْهُر؛ لقوْل النبيِّ ﷺ : "دِبَاغُ اْلأَدِيمِ ذَكَاتُهُ". أي: كذَكاتِه، فشَبَّهَ الدَّبْغ بالذَّكاة، والْمُشَبَّهُ به أقْوَى مِن الْمُشَبَّهِ، فإذا طَهَّرَ الدَّبْغُ مع ضَعْفِه فالذَّكاةُ أوْلَى، ولأنَّ الدَّبْغَ يرفعُ العِلَّةَ بعدَ وُجودِها، والذَّكاةَ تَمْنَعُها، والْمَنْعُ أقْوَى مِن الرَّفْعِ.
ولنا أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن افْتِرَاشِ جُلودِ السِّباع، ورُكوبِ النُّمورِ، وهو عامٌّ في المُذَكَّى وغيرِه، ولأنه ذَبْحٌ لا يُطَهِّرُ اللحمَ، فلم يُطَهِّر الجلدَ، كذَبْحِ المَجُوسِىِّ. أو ذَبْحٍ غيرِ مشروعٍ، فأَشْبَهَ الأصْلَ، والخبرُ قد أجَبْنا عنه فيما مَضَى، ثم نقول: إن الدَّبْغَ إنما يُؤثِّرُ في مأكولِ اللحمِ، فكذلك ما شُبِّهَ به، ولو سَلَّمْنا أنه يُؤَثِّرُ في تطْهِيرِ غيرِه، فلا يلزمُ حُصولُ التَّطْهِير بالذَّكاةِ، لكَوْنِ الدَّبْغِ مُزِيلًا للخَبَثِ والرُّطوباتِ كُلِّها، مُطَيِّبًا للجلدِ علَى وَجْهٍ يَتَهيَّأ به للبقاءِ علَى وَجْهٍ لا يتغَيَّرُ، والذَّكاةُ لا يحصُل بها ذلك، فلا يُسْتَغْنَى بها عن الدَّبْغِ.
وقولُهم: الْمُشَبَّهُ أضْعَفُ مِن الْمُشَبَّه به. غيرُ لازِمٍ؛ فإن اللَّه تعالى قال في صِفَةِ الْحُورِ: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ (٣٢). وهُنَّ أحسنُ مِن البَيْضِ، والمرأةُ الحسناءُ تُشَبَّه بالظَّبْيَةِ وبَقَرةِ الوَحْشِ، وهى أحسنُ منهما. وقولُهم: إنَّ الدَّبْغَ يرفعُ العِلَّةَ
стр. 153
مَمْنُوعٌ، فإنَّنا قد بَيَّنَّا أن الجلدَ لم يَنْجُسْ؛ لما ذكرُوه (٣٣)، وإن سَلَّمْنا فإن الذَّبْحَ لا يَمْنَعُ منها. ثم يَبْطُل ما ذكَرُوهُ بذَبْحِ الْمَجُوسِىِّ والوَثنِىِّ والْمُخرم، وبتَرْك (٣٤) التَّسْمِيَةِ، وما شُقَّ بنِصْفَيْن.
فصل: ظاهرُ المذهبِ، أنه لا يطْهُر شيءٌ مِن النَّجاساتِ بالاِستحالةِ، إلِّا الخمرة، إذا انْقلَبتْ بنفسِها خَلًّا، (٣٥) وما عَدَاهُ (٣٦) لا يطْهرُ؛ كالنجاساتِ إذا احْترقتْ وَصارت رَمادًا، والخنزيرِ إذا وقَع في المَلَّاحة وصار مِلْحًا، والدُّخَانِ الْمُتَرَقِّى مِن وَقُودِ النجاسةِ، والبُخارِ المُتصَاعِدِ مِن الماءِ النَّجِسِ إذا اجْتمعَتْ منه ندَاوةٌ علَى جسمٍ صَقِيلٍ ثم قَطَّر، فهو نَجِسٌ.
ويَتَخرَّجُ أن تطْهُرَ النجاساتُ كلُّها بالاسْتحالةِ قياسًا علَى الخمرةِ إذا انْقلَبتْ، وجُلودِ المَيْتَةِ إذا دُبغَتْ، والْجَلَّالةِ إذا حُبِسَتْ. والأوَّلُ ظاهرُ المذهبِ. وقد نَهَى إمامُنا ﵀ عن الْخَبْزِ في تَنُّورٍ شُوِىَ فيه خِنْزيرٌ.
١١ - مسألة، قال: (وكَذَلِك آنِيَةُ عِظَامِ المَيْتَةِ) . يعني: أنها نَجِسَةٌ. وجملةُ ذلك، أنَّ عِظامَ الْمَيْتَةِ نَجِسَةٌ، سواءٌ كانت مَيْتَةَ ما يُؤْكَلُ لحمُه (١)، أو ما لا يُؤْكَلُ لَحْمهُ، كالفِيَلَةِ، ولا يطْهُر بحالٍ. وهذا مذهبُ مالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاق.
وكَرِه عَطاء، وطاوُس، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، رَضِىَ اللَّه عنهم، عِظامَ الْفِيَلةِ.
ورَخَّص في الانْتفاع بها محمدُ بن سِيرِين، وغيرُه، وابنُ جُرَيج؛ لِمَا رَوَى
стр. 154
أبو داود (٢)، بإسْنادِه عن ثَوْبانَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: (٣) "اشْتَرِ (٤) لِفَاطِمَةَ (٥) قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ (٦) وسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ".
ولنا قولُ اللَّه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. والعَظْمُ مِن جُمْلَتِها، فيكونُ مُحَرَّمًا، والْفِيلُ لا يُؤْكَلُ لحمُه فهو نَجِسٌ علَى كلِّ حالٍ، وأمَّا الحديثُ، فقال الْخَطَّابِىُّ: قال الأَصْمَعِىُّ: العاجُ الذَّبْلُ. (٧) ويقال: هو عظمُ ظَهْرِ السُّلَحْفاةِ البَحْرِيَّة (٨).
وذهب مالك إلى أن الفِيلَ إن ذُكِّىَ فعَظْمُه طاهِر، وإلَّا فهو نَجِسٌ؛ لأن الفِيلَ مأكولٌ عندَه، وهو غيرُ صحيحٍ؛ لأن النبيَّ ﷺ نَهَى عن أكل كُلِّ ذِى نابٍ مِن السِّباعِ. [مُتَّفَقٌ عليه] (٩)، والفيلُ أعْظَمُها نابًا.
стр. 155
فأمَّا عِظامُ بَقِيَّةِ المَيْتاتِ، فذهب الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفة، إلى طَهارتِها؛ لأن الموتَ لا يُحِلُّها فلا تَنْجُسُ به، كالشَّعَرِ، ولأن عِلَّةَ التَّنْجِيسِ في اللحمِ والجلدِ اتِّصالُ الدِّماءِ والرُّطوباتِ به، ولا يُوجَدُ ذلك في العظامِ.
ولنا قولُ اللَّه تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (١٠) ومَا يَحْيَا فهو يموتُ؛ ولأن دليلَ الحياةِ الإِحْساسُ والألَمُ، والألمُ في العَظْمِ أشَدُّ من الألمِ في اللحم والجلدِ، والضِّرْسُ يأْلَمُ، ويَلْحَقُه الضَّرَسُ، ويُحِسُّ بِبَرْدِ الماءِ وحَرارتِه، ومَا تحلُّه الحَياةُ يحلُّهُ الموتُ؛ إذ كان الموتُ مُفارقةَ الحياة، وما يحلُّهُ الموتُ يَنْجُسُ به كاللحمِ. قال الحسنُ لبعض أصحابه، لمَّا سقط ضِرْسُه: أُشْعِرْتُ أن بَعْضِى ماتَ اليوم! وَقولُهم: إن سببَ التَّنْجِيسِ اتِّصالُ الدماءِ والرُّطوباتُ. قد أجَبْنا عنه فيما مَضَى.
فصل: والقَرْنُ والظُّفُر والحافِر كالعَظْمِ، إن أُخِذَ مِن مُذَكًّى فهو طاهِر؛ وإن أُخِذ مِن حَىٍّ فهو نَجِسٌ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "مَا يُقْطَعُ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِىَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ". روَاه التِّرْمِذِيُّ، (١١) وقال: حديثٌ حسَن غريب. وكذلك ما يتساقَطُ مِن
стр. 156
قُرونِ الوعُولِ في حياتِها، ويَحْتَمِلُ أن هذا طاهِرٌ؛ لأنه طاهرٌ مُتَّصِلٌ، مع عَدَمِ الحياةِ فيه، فلم يَنْجُسْ ب فَصْلِ ه من الحيوان، ولا بِمَوْتِ الحيوان كالشَّعَرِ. والْخَبَرُ أُرِيدَ به ما يُقْطَعُ مِن البَهِيمةِ ممَّا فيه حياةٌ؛ لأنه بفَصْلِه يمُوت، وتُفارِقهُ الحياةُ، بخلافِ هذا، فإنه لا يموتُ بفَصْلِه، فهو أَشْبَهُ بالشَّعَرِ. وما لا يَنْجُسُ بالموتِ لا بَأْسَ بعِظَامِه كالسَّمَكِ؛ لأن مَوْتَه كتَذْكِيَةِ الحيواناتِ المأْكُولَةِ.
فصل: ولَبَنُ المَيتَةِ وإِنْفَحَّتُها (١٢) نَجِسٌ في ظاهِر المذهبِ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، ورُوِىَ أنها طاهرةٌ، وهو قَوْلُ أبى حنيفة، وداود؛ لأن الصحابة، رَضِىَ اللَّه عنهم، أكلُوا الجُبْنَ لمَّا دَخَلُوا الْمَدَائِنَ (١٣)، وهو يُعْمَلَ بالإنْفَحَّة، وهى تُؤْخَذُ مِن صِغَارِ الْمَعْزِ، فهو بِمَنْزِلَةِ اللَّبَنِ، وذَبائحهُم مَيْتَةٌ.
ولنا أنه مائِعٌ في وِعَاءٍ نَجِسٍ، فكان نَجِسًا، كما لو حُلِبَ في وِعَاءٍ نَجِسٍ، ولأنه لو أصابَ المَيْتَةَ بعدَ فَصْلِه عنها لكانَ نَجِسًا، فكذلك قبلَ فَصْلِه، وأما الْمَجُوسُ فقد قيل: إنهم ما كانوا يتوَلَّوْنَ الذَّبْحَ بأنفُسِهم، وكان جَزَّاروهم اليهودَ والنَّصارَى، ولو لم يُنْقَلْ ذلك عنهم لَكانَ الاحتمالُ موجودًا، فقد كان فيهم اليهودُ والنَّصارَى، والأصلُ الحِلُّ، فلا يزولُ بالشَّكِّ، وقد رُوِىَ أنَّ أصحابَ النبيِّ الذين قَدِمُوا العراقَ مع خالدٍ، كَسُروا جَيشًا مِن أهلِ فارس، بعدَ أن نَصَبُوا الموائد ووضَعُوا طعامَهم ليأْكُلُوا، فلمَّا فرَغ المسلمون منهم جَلَسُوا فأكَلُوا ذلك الطَّعامَ، والظَّاهِرُ أنه كان لحمًا، فلو حُكِمَ بنجاسةِ ما ذُبِحَ [في بلدِهم] (١٤) لَما أكلُوا مِن لحمهم شيئًا، وإذا حَكَمُوا بِحِلِّ اللحمِ فالْجُبْنُ أوْلَى، وعلَى هذا لو دخل أرْضًا
стр. 157
فيها مَجُوسٌ وأهلُ كتابٍ، كان له أكلُ جُبْنهِم ولَحْمِهم، احْتِجَاجًا بفِعْلِ النبيِّ ﷺ وصحابته.
فصل: وإن ماتتِ الدَّجاجةُ، وفى بَطْنِها بَيْضةٌ قد صَلُبَ قِشْرُها، فهى طاهرةٌ. وهذا قولُ أبى حنيفة، وبعضُ الشافعيَّة، وابنُ المُنْذِرِ.
وكَرِهَها علىُّ بن أبى طالب، وابن عمر، ورَبِيعةُ، ومالك، واللَّيْثُ، وبعضُ الشافعيَّة؛ لأنها جُزْءٌ مِن الدَّجاجةِ.
ولنا أنها بيضةٌ صُلْبَةُ القِشْرِ، طَرأَتِ النجاسةُ عليها، فأَشْبَهَ ما لو وقَعتْ في ماءٍ نَجِسٍ.
وقولُهم: إنها جزءٌ منها. غيرُ صَحِيحٍ، وإنما هي مُودَعةٌ فيها، غيرُ مُتَّصِلَةٍ بها، فأشْبَهَتِ الولدَ إذا خرج حَيًّا من المَيْتَةِ، ولأنها خارجةٌ من حيوانٍ يُخْلَقُ منها مثلُ أصْلِها، أشْبَهَتِ الولدَ الحىَّ، وكراهةُ الصحابةِ لها محمولةٌ على كَراهة التَّنْزِيهِ، اسْتِقْذارًا، ولو وُضِعَتِ البيضةُ تحتَ طائرٍ، فصارتْ فَرْخًا، كان طاهِرًا بكلِّ حالٍ.
فإن لم تكْمُلِ البَيْضةُ، فقال بعضُ أصحابنا: ما كان قِشْرُه أبْيَضَ، فهو طاهِرٌ. وما لم يَبْيَضَّ قِشْرُه فهو نَجِسٌ؛ لأنه ليس عليه حائِلٌ حَصِينٌ. واخْتار ابنُ عَقِيلٍ أنه لا ينْجُس؛ لأنَّ البيضةَ عليها غاشِيَةٌ رقيقةٌ كالجِلْدِ، وهو القِشْرُ قبلَ أن يَقْوَى، فلا ينْجُس منها إلَّا ما كان لَاقَى النجاسةَ، كالسَّمْنِ الجامد إذا ماتتْ فيه فأرةٌ، إلا أنَّ هذه تطْهُر إذا غُسِلتْ؛ (١٥) لأن لها مِن القُوَّةِ ما يَمْنَعُ تدَاخُلَ أجْزاءِ النجاسةِ فيها، بخلافِ السَّمْنِ.
١٢ - مسألة، قال: (وَيُكْرَهُ أنْ يَتَوَضَّأَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) (١).
أراد بالكَراهةِ التَّحْرِيمَ، ولا خلافَ بين أصحابِنا في أن اسْتعمالَ آنيةِ الذهبِ والفِضَّةِ حرامٌ، وهو مذهبُ أبى حنيفة، ومالك، والشافعىِّ، ولا أعلمُ فيه
стр. 158
خلافا (٢)، لأن النبيَّ ﷺ قال: "لَا تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا في صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ في الْآخِرَةِ". ونَهَى عن الشُّرْبِ في آنيةِ الفضةِ، وقال: "مَنْ شَرِبَ فِيهَا في الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْ فِيهَا في اْلآخِرَةِ". وقال ﵊: "الَّذِى يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ (٣) الْفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارُ جَهَنَّمَ". مُتَّفَقٌ عليِهِنَّ، (٤) والنَّهْىُ (٥) يقْتَضِى التحرِيمَ، وذكر في ذلك وعيدًا شديدًا، [يقْتَضِى التَّحريمَ] (٦)، ويُرْوَى "نَار جَهَنَّمَ" برَفْعِ الراء ونَصْبِها؛ فمَن رفَعها نسَب الفعلَ إلى النار، ومَن نَصَبها أضْمَر الفاعلَ في الفعل، وجعل النارَ مفعولا، تقديرُه: يُجَرْجِرُ الشَّارِبُ في بطنِه نارَ جهنم. والعلةُ في تحرِيم الشُّرْبِ فيها ما يتضَمَّنُه ذلك مِن الفخرِ والخُيَلَاءِ، وكَسْرِ قلوبِ الفقراء، وهو موجودٌ في الطهارةِ منها، واسْتعمالِها كيفما كان، بل إذا حَرُمَ في غيرِ العبادةِ ففيها أوْلَى.
فإن توَضَّأَ منها، أو اغْتسَل، فعلَى وَجْهَين:
стр. 159
أحدهما، تَصِحُّ طهارتهُ. وهو قولُ الشافعىِّ، وإسحاق، وابن الْمُنْذر، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لأن فِعْلَ الطهارةِ وماءَها لا يتعلَّقُ بشيءٍ من ذلك، أشْبَهَ الطهارةَ في الدارِ المَغْصُوبة.
والثانى، لا يصِحُّ. اخْتارَه أبو بكر؛ لأنه اسْتَعْمَلَ المُحَرَّمَ في العبادة، فلم يصِحَّ، كالصلاةِ في الدارِ المَغْصُوبةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ، ويُفارِقُ هذا الصلاةَ في الدارِ المغصوبةِ؛ لأن أفعالَ الصلاةِ من القيام والقعود والركوع والسجود، في الدار المغصوبة، مُحَرَّم؛ لكَوْنِه تَصَرُّفًا في مِلْكِ غيرِه بغير إذْنِه، وشُغْلًا له، وأفعالُ الوضوءِ؛ من الغَسْلِ، والمَسْح، ليس بمُحَرَّمٍ، إذ ليس هو اسْتِعْمالًا للإِناءِ، ولا تَصَرُّفًا فيه، وإنما يقَع ذلك بعدَ رَفْعِ الماءِ من الإِناءِ، و فَصْلِ ه عنه، فأشْبَهَ ما لو غَرَفَ بآنيةِ الفضةِ في إناءِ غيرِه، ثم توَضَّأ به، ولأن المكانَ شَرْطٌ للصلاةِ، إذ لا يُمْكِنُ وُجودُها في غيرِ مكانٍ، والإِناءُ ليس بشَرْطٍ، فأشْبَهَ ما لو صَلَّى وفى يدِه خَاتَمُ ذَهَبٍ.
فصل: فإن جَعل آنيةَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ مَصَبًّا لماءِ الوُضوءِ، ينْفَصِلُ الماءُ عن أعضائهِ إليه، صَحَّ الوضوءُ؛ لأن الْمُنْفَصِلَ الذي يقَع في الآنيةِ قد رفَع الحدثَ، فلم يزُلْ ذلك بوُقوعهِ في الإِناء. ويَحْتَمِلُ أن تكون كالتى قَبْلَها؛ لأن الفَخْرَ والْخُيَلَاءَ وكَسْرَ قلوبِ الفقراءِ يَحْصُل باسْتعمالِه ههنا؛ كحُصولهِ في التي قبلَها، وفِعْلُ الطهارةِ يحصُل ههنا قبلَ وُصولِ الماءِ إلى الإِناءِ، وفى التي قبلَها بعدَ فَصْلِه عنه، فهى مِثْلُها في المعنى، وإن اْفتَرقا في الصُّورةِ.
فصل: ويَحْرُمُ اتِّخاذُ آنيةِ الذهبِ والفضةِ. وحُكِىَ عن الشافعىِّ أن ذلك لا يحرُم؛ لأن الْخَبَر إنما ورَد بتَحْريمِ الاسْتعمالِ، فلا يحرُم الاتِّخاذ، كما لو اتَّخَذَ الرجلُ ثيابَ الحريرِ.
ولنا، أنَّ ما حَرُمَ اسْتعمالُه مُطلَقًا حَرُمَ اتِّخاذُه علَى هيئةِ الاستعمال، كالطُّنْبُورِ (٧)، وأمَّا ثِيابُ الحريرِ فإنها لا تحرُم مُطْلَقًا، فإنها تُباحُ للنِّساء، وتُباح
стр. 160
التِّجارةُ فيها، ويحْرم استعمالُ الآنيةِ مُطْلَقًا في الشُّرْبِ والأكلِ وغيرهما؛ لأن النَّصَّ ورَد بتَحْريمِ الشربِ والأكلِ، وغيرُهما في مَعْنَاهما.
ويحرُم ذلك علَى الرجالِ والنِّساءِ؛ لِعمُومِ النَّصِّ فيهما، ووُجودِ معنَى التحريمِ في حَقِّهما، وإنما أُبِيحَ التَّحَلِّى في حَقِّ المرأةِ؛ لحاجتِها إلى التَّزَيُّنِ للزَّوْجِ، والتَّجَمُّلِ عنده، وهذا يخْتَصُّ الْحَلْىَ، فتَخْتَصُّ الإِباحةُ به.
فصل: فأمَّا الْمُضَبَّبُ (٨) بالذهبِ أو الفضةِ، فإن كان كثيرًا فهو مُحَرَّمٌ بكلِّ حالٍ؛ ذهبًا كان أو فضة، لحاجةٍ أو لغيرها. وبهذا قال الشافعيُّ.
وأباح أبو حنيفة الْمُضَبَّبَ، وإن كان كثيرًا؛ لأنه صار تابِعًا لِلْمُباح، فأشْبَهَ الْمُضَبَّبَ باليَسِير.
ولنا، أنَّ هذا فيه سَرَفٌ وخُيَلاءُ، فأَشْبَهَ الخالِصَ، ويبْطُل ما قالَه بما إذا اتَّخَذَ أبوابًا مِن فضةٍ أو ذهبٍ، أو رُفوفًا، فإنه يحْرُم، وإن كان تابعًا، وفارقَ (٩) اليَسِيرَ، فإنه لا يُوجَد فيه المعنَى الْمُحَرَّمُ.
إذا ثبَت هذا، فاخْتلَف أصحابُنا؛ فقال أبو بكر: يُباحُ اليَسِيرُ من الذهبِ والفضةِ؛ لما ذكَرْنا. وأكثرُ أصحابِنا علَى أنه لا يُباحُ اليسيرُ من الذهبِ، ولا يباحُ منه إلَّا ما دَعَتِ الضَّرورةُ إليه، كأنْفِ الذهبِ، وما رَبَطَ به (١٠) أسْنانَهُ.
وأمَّا الفِضةُ فيُباحُ منها اليَسِيرُ؛ لما رَوَى أنَسٌ، أن قَدَحَ رسولِ اللَّه ﷺ انْكسَر، فاتَّخذَ مَكانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِن فِضَّةٍ. روَاه البُخارِىُّ (١١)؛ ولأن الحاجةَ تدعُو إليه، وليس فيه سَرَفٌ ولا خُيَلاءُ، فأَشْبَهَ الضَّبَّةَ مِن الصُّفْرِ (١٢). قال القاضي:
стр. 161
ويُباحُ ذلك مع الحاجةِ وعَدَمِها؛ لِما ذكرْنَا، إلَّا أن ما يُسْتَعْمَلُ مِن ذلك لا يُباحُ كالْحَلَقةِ، وما لا يُسْتَعْمَلُ كالضَّبَّةِ يُباحُ.
وقال أبو الخَطَّاب: لا يُباحُ اليَسِيرُ إلَّا لِحَاجةٍ؛ لأن الْخَبَرَ إنما ورَد في تَشْعِيبِ القَدَحِ في مَوْضِع الكَسْرِ، وهو لحاجةٍ، ومعنَى الحاجةِ أن تَدْعُوَ الحاجةُ إلى ما فَعَلَه به، وإن كان غيرُه يقومُ مَقامَه، وتُكْرَه مُباشرةُ مَوْضِعِ الفضةِ بالاستعمالِ؛ كيْلا يكونَ مُسْتَعْمِلًا لها. وسنذكُر ذلك في غيرِ هذا الموضِعِ بأبْسَطَ من هذا، إن شاء اللَّه تعالى.
فصل: فأمَّا سائُر الآنِيَةِ فمُباحٌ اتِّخاذُها واستعمالُها، سواء كانتْ ثمينةً، كالياقوتِ والبِلَّلَوْرِ (١٣) والْعَقيقِ والصُّفْر والمَخْرُوط من الزُّجاجِ، أو غيرِ ثمينةٍ، كالخشَبِ والخَزَفِ والجلود.
ولا يُكْرَهُ [استعمالُ شيءٍ منها] (١٤) في قولِ عَامَّةِ أهلِ العلم، إلَّا أنه رُوِىَ عن ابن عمر، أنه كَرِهَ الوُضوءَ في الصُّفْر والنُّحاسِ والرَّصاصِ وما أشْبَهَ ذلك. واخْتارَ ذلك الشيخُ أبو الفرج المَقْدِسِىُّ؛ لأن الماءَ يتغَيَّرُ فيها، ورُوِىَ أن الملائكةَ تَكْرَهُ ريحَ النُّحاسِ.
وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: ما كان ثَمِينًا لِنَفاسةِ جوهرِه فهو مُحَرَّمٌ؛ لأن تَحْرِيمَ الأثْمانِ تَنْبِيهٌ علَى تحريمِ ما هو أعْلَى منه، ولأن فيه سَرَفًا وخُيَلاءَ وكَسْرَ قلوبِ الفقراءِ، فكان مُحَرَّمًا كالأَثْمانِ.
ولنا ما رُوِىَ عن عبدْ اللَّه بن زيد، قال: أتانا رسولُ اللَّه ﷺ ، فأخْرَجْنا له ماءً
стр. 162
في تَوْرٍ مِن صُفْرٍ، فتَوَضَّأَ. مُتَّفَقٌ عليه، (١٥) وروَى أبو داود، في "سُنَنِه"، (١٦) عن عائشة، قالت: كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ اللَّه ﷺ في تَوْرٍ مِنْ شَبَهٍ (١٧). ولأن الأصْلَ الحِلُّ، فيَبْقَى عليه.
ولا يصِحُّ قياسُه علَى الأثْمانِ؛ لوَجْهَيْن:
أحدهما، أن هذا لا يعرفهُ إلَّا خَوَاصُّ الناسِ، فلا تنْكَسِرُ قلوبُ الفقراءِ باسْتعمالِه، بخلافِ الأثْمان.
والثانى، أن هذه الجواهِرَ لِقِلَّتِها لا يحصُل اتِّخاذُ الآنِيَةِ منها إلَّا نادرًا، فلا تُفْضِى إباحتُها إلى اتِّخاذِها واسْتعمالِها، وتَعلُّقُ التحريمِ بالأثْمانِ التي هي واقعةٌ في مَظِنَّةِ الكَثْرةِ، فلم يتجَاوَزْه، كما تعَلَّقَ حكمُ التحريمِ في اللِّباسِ بالحريرِ، وجاز استعمالُ القَصَبِ مِن الثياب، وإن زادتْ قيمتهُ علَى قيمةِ الحرير، ولو (١٨) جعَل فَصَّ خاتِمهِ جَوْهرةً ثمينةً جاز، وخاتِمُ الذَّهبِ حَرامٌ، ولو جعَل فَصَّهُ ذهبًا كان حَرامًا، وإن قلَّتْ قِيمَتُه.
١٣ - مسألة، قال: (وَصُوفُ الْمَيْتَةِ وَشَعَرُها طَاهِرٌ) . يعني: شَعَرَ ما كان طاهِرًا في حياتِه وصُوفَه، ورُوِىَ ذلك عن الحسن، وابن سِيرِينَ، وأصْحابِ عبد اللَّه، قالوا: إذا غُسِلَ. وبه قال مالك، واللَّيْثُ بن سعد، والأَوزَاعِىُّ، وإسحاق، وابن الْمُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
стр. 163
ورُوِىَ عن أحمدَ ما يُدلُّ علَى أنه نَجِسٌ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنه يَنْمُو مِن الحيوانِ، فيَنْجُس بِمَوْتِه، كأعْضائِه.
ولنا ما رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "لَا بَأْسَ بِمَسْكِ (١) الْمَيتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَصُوفِهَا وَشَعَرِهَا إِذَا غُسِلَ". روَاه الدَّارَقُطْنِىُّ (٢)، وقال: لم يأْتِ به إلَّا يوسف بن السَّفْر، وهو ضَعِيفٌ. ولأنه لا تَفْتَقِرُ طَهارةٌ مُنْ فَصِلِ هِ إلى ذَكاةِ أصْلِه، فلم يَنْجُسْ بِمَوْتِهِ، كأجْزاءِ السَّمَكِ والجَرادِ، ولأنه لا يُحِلُّه الموتُ فلم ينْجُسْ بموتِ الحيوانِ، كبَيْضهِ، والدليلُ على أنه لا حياةَ فيه، أنه لا يُحِسُّ ولا يَأْلَمُ، وهما دليلُ (٣) الحياةِ، ولو انْفَصَلَ في الحياةِ كان طاهِرًا، ولو كانتْ فيه حياةٌ لَنَجُسَ بفَصْلِه؛ لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "مَا أُبِينَ مِنْ حَىٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ". روَاه أبو داود بمَعْناه (٤)، وما ذكَرُوه ينْتَقِضُ بالبَيْضِ، ويُفارِقُ الأعضاءَ، فإن فيها حياةً، وتَنْجُسُ بفَصْلِها في حياةِ الحيوانِ، والنُّمُوُّ بِمُجَرَّدِه ليس بدليلِ الحياةِ، فإن الحشيشَ والشجرَ (٥) يَنْمُو، ولا يَنْجُسُ.
فصل: والرِّيشُ كالشَّعَرِ فيما ذكرْنا؛ لأنه في مَعْناه، فأمَّا أُصولُ الرِّيشِ، والشَّعَرِ، إذا كان رَطْبًا إذا نُتِفَ من الْمَيْتَةِ، فهو نَجِسٌ؛ لأنه رَطْبٌ في مَحَلٍّ نَجِسٍ، وهل يَكُون طاهرًا بعد غَسْلِه؟ علَى وَجْهَيْن:
أحدهُما، أنه طاهِرٌ، كرءُوسِ الشعرِ إذا تنجَّس.
والثانى، أنه نَجِسٌ؛ لأنه جُزْءٌ مِن اللحم لم يُسْتَكْمَلْ شَعَرًا ولا رِيشًا.
فصل: وشَعَرُ الآدَمِىِّ طاهِرٌ؛ مُتَّصِلُه ومُنْفَصِلُه، في حياةِ الآدَمِىِّ وبعدَ مَوْتِه.
وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: إذا انْفَصلَ فهو نَجِسٌ. [ولهم في شَعَرِ النبيِّ ﷺ وَجْهانِ؛ أحدُهما أنه نَجِسٌ؛ ] (٦) لأنه جزءٌ من الآدَمِيِّ انْفَصَلَ في حياتهِ، فكان نَجِسًا كعُضْوِه.
стр. 164
ولنا أنَّ النبيَّ ﷺ . فرَّقَ شَعَرَه بين أصحابِه، قال أَنَس: لَمَّا رَمَى النبيُّ ﷺ ، ونَحَر نُسُكَهُ، ناوَل الحالِقَ شِقَّهُ الأيْمَنَ، فحَلَقَه، ثم دَعَا أبا طَلْحةَ الأنْصارِيَّ، فأعْطاهُ إيَّاهُ، ثم ناوَله الشِّقَّ الأيْسَرَ، فقال: "احْلِقْ" (٧)، فحلَقَهُ، وأعْطاهُ أبا طَلْحة، فقال: "اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ". روَاه مسلم، وأبو داود (٨). ورُوِىَ أن معاويةَ أوْصَى أن يُجْعَلَ نَصِيبُه (٩) منه في فِيهِ إذا مات، وكانت في قَلَنْسُوَةِ خالدٍ شَعَراتٌ مِن شَعرِ النبيِّ ﷺ ، ولو كان نَجِسًا لَمَا ساغَ هذا، ولَمَا فَرَّقَهُ النبيُّ ﷺ ، وقد عَلِمَ أنهم يأخذونَه يتَبَرَّكُونَ به، ويَحْمِلُونَه معهم تَبَرُّكًا به (١٠)، وما كان طاهِرًا مِن النبيِّ ﷺ كان طاهِرًا مِمَّن سِواهُ، كسائِره، ولأنه شَعَرٌ مُتَّصِلُهُ طاهِرٌ، فمُنْ فَصِلُ ه طاهِر، كشعرِ الحيواناتِ كلِّها، وكذلك نقولُ في أعْضاءِ الآدَمِىِّ، ولئن سَلَّمْنا نَجاستَها، فإنها تَنْجُسُ مِن سائِر الحيواناتِ بفَصْلِها في حياتِه، بخلافِ الشَّعَرِ.
فصل: وكلُّ حيوانٍ فشَعْرُه مثلُ بَقِيَّةِ أجْزائِه؛ ما كان طاهرًا فشَعْرُه طاهِر [حَيًّا ومَيِّتًا] (١١)، وما كان نَجِسًا فَشَعرُه كذلك، ولا فَرْقَ بين حالةِ الحياةِ وحالةِ الموت، إلَّا أن الحيواناتِ التي حَكَمْنا بطَهارتِها لمشَقَّةِ الاحْترازِ منها؛ كالسِّنَّوْرِ، وما دونَها في الخِلْقةِ، فيها بعدَ الموتِ وَجْهان:
أحدهما، أنها نَجسةٌ؛ لأنها كانت طاهرةً مع وجُودِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ لِمُعارِضٍ،
стр. 165
وهو الحاجةُ إلى العَفْوِ عنها [لمشقَّة التَّحرُّزِ منها] (١٢). وقد انْتفَت الحاجةُ [إلى تَطْهيرِهَا] (١٣). فَتنْتَفِى الطهارةُ.
والثانى، هي طاهرة. وهذا أصَحُّ؛ لأنها كانت طاهرةً في الحياةِ، والموت لا يقتضى تنْجِيسَها. فتَبْقَى على (١٤) الطهارةِ. وما ذكرْناه للوَجْهِ الأوَّلِ لا يصِحُّ، لأننا لا نُسَلِّم وُجُودَ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ، ولئن سَلَّمْناهُ غيرَ أنَّ الشَّرْعَ ألْغاهُ، ولم يثْبُت اعتبارهُ في موضِعٍ، فليس لنا إثباتُ حُكْمِه بالتَّحَكُّمِ.
فصل: واخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في الْخَرْزِ بشَعْرِ الخنزيرِ، فُروِىَ عنه كَراهتُه، وحُكِىَ ذلك عن ابن سِيرِينَ، والحَكَمِ، وحَمَّاد، وإسحاق، والشافعىِّ؛ لأنه استعمالٌ لِلْعَيْنِ النَّجِسَةِ، ولا يَسْلَمُ من التنجُّس بها، فحَرُمَ الانتفاعُ بها، كجِلْدِه.
والثانية، يجوزُ الْخَرْزُ به. قال: وباللِّيفِ أحَبُّ إلينا.
ورخَّص فيه الحسنُ، ومالك، والأَوْزَاعِىُّ، وأبو حنيفة؛ لأن الحاجةَ تَدْعُو إليه. وإذا خَرَزَ به شيئًا رَطْبًا، أو كانت الشَّعْرةُ رَطْبةً نَجُسَ، ولم يطْهُرْ إلَّا بالغَسْلِ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنه لا بَأْسَ به. ولعلَّه قال ذلك لأنه لا يَسْلَمُ الناسُ منه، وفى تَكْلِيفِ غَسْلِه إتلافُ أموالِ الناسِ، فالظَّاهِرُ أن أحمدَ إنما عَنَى لا بَأْسَ بالْخَرْزِ، فأمَّا الطهارةُ فلا بُدَّ منها. واللَّه أعلمُ.
فصل: والمشركون علَى ضَرْبَيْن: أهلِ كتابٍ، وغيرِهم.
فأهلُ الكتابِ يُباحُ أكْلُ طَعامِهم وشرابِهم، والأكلُ في آنِيَتِهم، ما لم يتحقَّقْ نَجاستُها. قال ابنُ عَقِيلٍ: لا تخْتَلِفُ الروايةُ في أنه لا يحْرُم اسْتعمالُ أوَانِيهم؛ وذلك لقَوْل اللَّه تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (١٥). ورُوِىَ عن عبد اللَّه بن الْمُغَفَّلِ، قال: دُلِّىَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ،
стр. 166
فالْتزَمْتُه، وقلتُ: واللَّه لا أُعْطِى أحدًا منه شيئًا. فالْتَفَتُّ، فإذا رسولُ اللَّه ﷺ يَبْتَسِمُ. [رواه مُسْلم، وأخْرَجه البُخارِىُّ بمَعناه] (١٦). ورُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أضَافَه يَهُودِىٌّ بخُبْزٍ وإهَالةٍ سَنِخَةٍ (١٧). روَاهُ الإِمام أحمد، في "المسند" (١٨) وكتاب "الزهد" (١٩)، وتوضَّأ عمر مِن جَرَّةِ نَصْرانيَّةٍ. (٢٠)
وهل يُكْرَهُ له اسْتعمالُ أَوَانِيهم؟
على رِوَايَتيْن:
إحداهما، لا يُكْرَهُ؛ لِمَا ذكرْناهُ.
والثانية، يُكْرَهُ؛ لما روَى أبو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، قال: قلتُ يا رسولَ اللَّه، إنَّا بأَرْضِ قومٍ (٢١) أهلِ كتابٍ، أفنأكلُ في آنِيتِهم؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإنْ لَمْ تَجدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوها وَكُلُوا فِيهَا" مُتَّفَقٌ عليه، (٢٢) وأقَلُّ
стр. 167
أحْوالِ النَّهْىِ الكرَاهةُ، [ولأنهم لا يتوَرَّعُونَ عن النجاسةِ، ولا تَسْلَمُ آنيتُهم من أطْعِمَتِهم، وأدْنَى ما يُؤَثِّرُ ذلك الكَراهةُ، ] (٢٣) وأمَّا ثِيابُهم فما لم يسْتعملُوه، أو عَلَا منها؛ كالعمامةِ والطَّيْلَسان (٢٤) والثَّوبِ الفَوْقانىِّ، فهو طاهرٌ، لا بأسَ بلُبْسِه، وما لاقَى عَوْراتِهم؛ كالسَّراويلِ والثوبِ السُّفْلانِىِّ والإِزَار، فقال أحمد: أحَبُّ إلىَّ أن يُعِيدَ. يعني: مَنْ صَلَّى فيه. فيَحْتَمِلُ وَجْهَين: أحدهما، وجوبُ الإِعادةِ. وهو قولُ القاضي. وكَرِهَ أبو حنيفة، والشافعيُّ، الإِزارَ (٢٥) والسَّراويلات؛ لأنهم يتعبَّدون (٢٦) بتَرْكِ النَّجاسة، ولا يتحَرَّزُونَ منها، فالظاهُر نجاسةُ ما وَلِىَ مَخْرَجَها. والثانى، لا يَجبُ. وهو قولُ أبى الخَطَّاب؛ لأن الأصْلَ الطهارةُ، فلا تزولُ بالشَّكِّ.
الضرب الثانى، غيرُ أهلِ الكتاب، وهم الْمَجُوسُ، وعَبَدَةُ الأوْثان، ونحوُهم، فحكمُ ثيابِهم حكمُ ثيابِ أهلِ الذِّمَّة، وأمَّا أوانِيهم، فقال القاضي: لا يُسْتَعْمَلُ ما اسْتعملُوه مِن آنيتهِم، لأنَّ أوَانِيَهم لا تخلُو مِن أطْعِمَتِهم، وذبائحهُم مَيْتةٌ، فلا تخلُو أوانِيهم من وَضْعِها فيها.
وقال أبو الخطَّاب: حُكْمُهم حكمُ أهلِ الكتاب، وثِيَابُهم وأوَانِيهم طاهرةٌ، مُباحةُ الاسْتعمالِ، ما لم يَتَيقَّنْ نَجاستَها. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ
стр. 168
وأصْحابَه توَضَّؤوا من مَزَادةِ (٢٧) مُشْرِكَةٍ. [مُتَّفَقٌ عليه] (٢٨). ولأن الأصْلَ الطهارةُ، فلا تزولُ بالشَّكِّ.
وظاهرُ كلامِ أحمدَ، ﵀، مثلُ قَوْلِ القاضي، فإنَّه قال في الْمَجُوسِ: لا يُؤْكَلُ مِن طَعامِهم إلَّا الفاكهةُ. لأن الظاهرَ نجاسةُ آنيتِهم المستعملةِ في أَطعمتِهم، فأشْبَهَتِ السَّراويلاتِ مِن ثِيَابِهم.
ومن يأكلُ الخنزيرَ مِن النَّصَارَى، في مَوْضِعٍ يُمْكِنُهم أَكْلُه، أو يأكلُ الميتةَ، أو يذبحُ بالسِّنِّ والظُّفُرِ ونحوِه، فحكمهُ حكمُ غيرِ أهلِ الكتاب؛ لِاتِّفاقِهم في نجاسةِ أطْعِمَتِهم. ومتى شَكَّ في الإِناءِ؛ هل استعملُوه في أطعمتِهم، أو لم يستعملوه، فهو طاهِر؛ لأنَّ الأصلَ طَهارتُه.
ولا نعلمُ خلافًا بين أهلِ العلمِ في إباحةِ الصَّلاةِ في الثوبِ الذي يَنْسِجُه الكُفَّارُ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ وأصْحابَه، إنَّما كان لِباسُهم مِن نَسْجِ الكُفَّارِ.
فأمَّا ثِيابُهم، التي يَلْبَسُونَها، فأباحَ الصلاةَ فيها الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال مالك في ثَوْبِ الكُفَّارِ: يَلْبَسُه علَى كلِّ حالٍ، وإن صَلَّى فيه يُعِيدُ، ما دام في الوقتِ.
ولنا أن الأصْلَ الطهارةُ، ولم تتَرجَّحْ جِهَةُ التَّنْجِيسِ فيه، فأشْبَهَ ما نسَجه الكُفَّارُ.
فصل: وتُباحُ الصلاةُ في ثيابِ الصِّبْيَانِ، ما لم تُتَيَقَّنْ نَجاستُها. وبذلك قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ أبا قَتادةَ روَى، أن النبيَّ ﷺ صلَّى
стр. 169
وهو حامِلٌ أُمامةَ بنتَ أبي الْعاصِ بنِ الرَّبِيعِ. مُتَّفَقٌ عليه، (٢٩) وكان النبيُّ ﷺ يُصَلِّى فإذا سجَد وثَبَ الحسنُ والحسينُ علَى ظَهْرِه. (٣٠)
وتُكْرَهُ الصلاةُ فيه؛ لِمَا فيه من احْتمالِ غَلَبة النَّجاسةِ له.
وتَصِحُّ الصلاةُ في ثَوْبِ المرأةِ الذي تَحِيضُ فيه؛ إذا لم تتَحَقَّقْ إصابةُ النجاسةِ له؛ لأنَّ الأصْلَ الطهارةُ، والتَّوَقِّى لذلك أوْلَى؛ لأنه يَحْتَمِلُ إصابةُ النَّجاسة إيَّاه، وقد روَى أبو داود (٣١)، عن عائشة رَضِىَ اللَّه عنها، قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ لا يُصَلِّى في شُعُرِنا ولُحُفِنَا.
ولُعابُ الصِّبْيَان طاهِر، وتد روَى أبو هُرَيْرة، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ حامِلَ الحسينِ [بنِ عليٍّ] (٣٢) علَى عاتِقهِ، ولُعابُه يَسِيلُ عليه. (٣٣) [وحمَل أبو بكرٍ الحسنَ بن عليٍّ علَى عاتِقهِ، ولُعابهُ يَسِيلُ، وعليٌّ إلى جانِبهِ، وجعل أبو بكر يقول:
وَا بِأبِى شِبْهَ النَّبِيِّ ... لا شَبِيهًا بِعَلِيّ
وعليٌّ يضْحَكُ.] (٣٤)
стр. 170
فصل: وإذا صَبَغ في حُبِّ صَبَّاغٍ لم يجب غَسْلُ الثوبِ المصْبُوغِ، سواء كان الصَّبَّاغُ مُسْلِمًا أو كتابيًّا (٣٥). نصَّ عليه أحمدُ؛ لأن الأصلَ الطهارةُ، فإن تحقَّقتْ نجاستُه طَهُرَ بالغَسْلِ، وإن بَقِىَ اللَّوْنُ، بدليلِ قولِه ﵇ في الدَّمِ: "لَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ". (٣٦)
فصول في الفِطْرة: روَى أبو هُرَيْرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، والِاسْتِحْدَادُ، وقَصُّ الشَّارِبِ، وتَقْلِيمُ الأظْفَارِ، ونَتْفُ الإِبِطِ". مُتَّفَقٌ عليه. (٣٧) وروَى عبدُ اللَّه بن الزُّبَيْر، عن عائشة، رَضِىَ اللَّه عنها، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، والسِّوَاكُ، واسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وقَصُّ الأظْفَارِ، وغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، ونَتْفُ اْلإِبِطِ، وحَلْقُ الْعَانَةِ، وانْتِقَاصُ الْماءِ". قال بعضُ الرُّواةِ: ونَسِيتُ العاشرةَ، إلَّا أن تكونَ المَضْمَضةَ. (٣٨)
стр. 171
الاسْتِحْداد: حَلْقُ الْعَانةِ، [استفْعالٌ مِن الْحَدِيد.] (٣٩)
وانْتِقَاصُ الماء: الاسْتِنْجاء به؛ لأنَّ الماءَ يقْطَعُ البَوْلَ ويَرُدُّه.
قال أبو دواد: وقد رُوِىَ عن ابن عَبَّاسٍ نحوُ حديثِ عائشة، قال: خَمْسٌ كُلُّهَا في الرَّأْسِ. ذكَر منها الفَرْق. ولم يذْكُر إعْفاءَ اللِّحْيَة. (٤٠)
قال أحمد: الفَرْقُ سُنَّةٌ. قيل: يا أبا عبد اللَّه يُشْهِرُ نفسه! قال: النبيُّ ﷺ قد (٤١) فرَق، وأمَرَ بالفَرْقِ.
فصل: فأمَّا الخِتَانُ فواجِبٌ علَى الرِّجالِ، وَمكْرُمَةٌ في حَقِّ النِّساءِ، وليس بواجبٍ عليهنَّ. هذا قولُ كثيرٍ من أهلِ العلم. قال أحمد: الرجلُ أشَدُّ، وذلك أن الرجلَ إذا لم يَخْتَتِنْ، فتلك الجِلْدةُ مُدَلَّاةٌ على الكَمَرةِ، ولا يُنَقَّى ما ثَمَّ، والمرأةُ أهْوَنُ.
قال أبو عبد اللَّه: وكان ابنُ عباس يُشَدِّدُ في أمْرِه، ورُوِىَ عنه أنه لا حَجَّ له ولا صَلاة. يعني: إذا لم يَخْتَتِنْ، والحسنُ يُرَخِّص فيه، يقول: إذا أسْلَمَ لا يُبالِى أن لا يَخْتَتِنَ. يقول: أسْلَمَ الناسُ؛ الأسْوَدُ، والأبيضُ، لم يُفَتَّشْ أحَدٌ منهم، ولم يَخْتَتِنُوا.
والدليلُ على وُجوبِه: أنَّ سَتْرَ العورةِ واجبٌ، فلولا أن الخِتانَ واجبٌ (٤٢) لم يَجُزْ هَتْكُ حُرْمةِ المختُونِ بالنَّظَرِ إلى عَوْرتهِ مِنْ أجْلِه، ولأنه مِن شِعارِ المسلمين، فكان واجبًا، كسائرِ شِعارِهم، وإن أسْلَمَ رجلٌ كبيرٌ فخاف علَى نفسِه الخِتانَ، (٤٣) سقَط عنه؛ لأن الغُسْلَ والوُضوءَ وغيرَهما يسْقُطُ إذا خاف علَى نَفْسِه
стр. 172
منه، فهذا أوْلَى. وإن أَمِنَ علَى نَفْسِه لَزِمَه فِعْلُه، قال حَنْبَل: (٤٤) سألتُ أبا عبد اللَّه عن الذِّمِّىِّ إذا أسْلَمَ، تَرَى له أن يُطَهَّرَ بالخِتَانَة؟ قال: لا بُدَّ له مِن ذاك. قلتُ: وإن كان كبيرًا أو كبيرةً؟ قال: أحَبُّ إليَّ أن يتَطَهَّرَ؛ لأنَّ الحديثَ: "اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ ثَمانِينَ سَنَةً"، (٤٥) قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٤٦)
ويُشْرَعُ الخِتَانُ في حَقِّ النِّساءِ أيضًا. قال أبو عبد اللَّه: حديثُ النبيِّ ﷺ : "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ" (٤٧) فيه بَيانُ أنَّ النِّساءَ كُنَّ يَخْتَتِنَّ، وحديثُ عمر: إنَّ خَتَّانةً خَتَنَتْ، فقال: "أبْقِى مِنْهُ شَيْئًا إذَا خَفَضْتِ". وروَى الْخَلَّالُ، بإسْنادِه، عن شَدَّادِ بن أوْسٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ لِلنِّساءِ". (٤٨) وعن جابرِ بن زيد مثلُ ذلك مَوْقوفًا عليه، ورُوِىَ عن النبيِّ
стр. 173
- ﷺ ، أنه قال لِلْخافِضَةِ: "أَشِمِّى وَلَا تَنْهَكِى، (٤٩) فَإنَّهُ أَحْظَى لِلزَّوْجِ، وأَسْرَى لِلْوَجْهِ". (٥٠)
والخَفْضُ: خِتَانَةُ المرأةِ.
فصل: والاسْتِحْدادُ: حَلْقُ الْعانةِ. وهو مُسْتحَبٌّ؛ لأنه مِن الفِطْرةِ، ويَفْحُشُ بِتَرْكِه، فاسْتُحِبَّتْ إزالتُه، وبأىِّ شيءٍ أزالَه صاحبُه فلا بَأْسَ؛ لأن المقصودَ إزالتُه. قيل لأبي عبد اللَّه: تَرَى أن يأخُذَ الرجلُ سِفْلَتَه بالْمِقْرَاضِ، وإنْ لم يَسْتَقْصِ؟ قال: أرجُو أن يُجْزِىءَ، إن شاءَ اللَّه. قيل: يا أبا عبد اللَّه، ما تقولُ في الرجلِ إذا نَتَفَ عانَتَه؟ قال: وهل يَقْوَى علَى هذا أحَدٌ؟ وإن اطَّلَى بنُورَةٍ (٥١) فلا بَأْسَ، إلَّا أنه لا يَدَع أحَدًا يَلِى عَوْرَتَه، إلَّا مَن يَحِلُّ له الاطِّلاعُ عليها؛ مِن زَوْجةٍ، أو أَمَةٍ. قال أبو العباس النَّسائِيُّ: (٥٢) ضَربْتُ لأبي عبد اللَّه نُورَةً، ونَوَّرْتُه بها، فلما بلَغ إلى عانَتِهِ نَوَّرَها هو. وروَى الخَلَّالُ، بإسْناده عن نافع، قال: كنتُ أطْلِى ابنَ عمَر، فإذا بلَغ عانَتَه نَوَّرَها هو بيَدِه. وقد رُوِىَ ذلك عن النبيِّ ﷺ ، قال الْمَرُّوذِىُّ: (٥٢) كان أبو عبد اللَّه لا يدخلُ الحمَّامَ، وإذا احْتاجَ إلى النُّورَةِ تنَوَّرَ في البيتِ، وأصْلَحْتُ له غيرَ مَرَّةٍ نُورَةً تَنَوَّرَ بها، واشتريتُ له جِلْدًا لِيَدَيْهِ (٥٣)، فكان يُدْخِلُ يدَيْه (٥٣) فيه، ويُنَوِّرُ
стр. 174
نَفْسَه. والحَلْقُ أفضلُ لموافقتِه الخبرَ، وقد قال ابن عمر: هو ممَّا أحْدَثُوا مِن النَّعِيمِ. يعني: النُّورَةَ.
فصل: ونَتْفُ الإِبْطِ سُنَّةٌ؛ لأنّه من الفِطْرَةِ، ويَفْحُشُ بِتَرْكِهِ. وإن أَزَالَ الشَّعْرَ بالحَلْق أو النُّورَةِ جازَ، ونَتْفُهُ أَفْضَلُ لمُوافَقتِه الخَبَرَ، قال حرب: قُلْتُ لإِسحاق: نَتْفُ الإِبْطِ أحَبُّ إليكَ أو بِنُورَةٍ؟ قال: نَتْفُهُ إن قَدَرَ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ؛ لأنَّه من الفِطْرَةِ، ويَتَفَاحَشُ إذا تَركها، ورُبَّما حَكَّ به الوَسَخُ، فيجتمعُ تَحْتَها من المَواضِعِ المُنْتِنَةِ، فتَصِيرُ رائحةُ ذلك في رُءُوسِ الأَصابِعِ. ورُبَّما مَنَعَ وُصُولَ ماءِ (٥٤) الطَّهارِة إلى ما تَحْتَه، وقد روينا في خَبَرٍ: أن النبيَّ ﷺ قالَ: "مالِى لا أسْهُو؟ وأنْتُم تَدْخُلونَ عَلَيَّ قُلْحًا (٥٥) ورُفْغُ (٥٦) أَحَدِكُم بين ظُفْرِه وأُنْمُلَتِه". (٥٧) ومعناه: أنَّ أَحَدَكُم يُطِيلُ أَظفارَهُ ثم يَحُكُّ بها رُفْغَهُ ومَواضِعَ النَتْنِ، فتَصِيرُ رائحةُ ذلك تَحْتَ أَظْفَارِهِ. ورُوِىَ في حَديثٍ مُسَلْسَلٍ قد سَمِعْناه أنَّ عَلِيًّا ﵁ قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يومَ الخَمِيس، ثم قال: "يا علِيّ، قَصُّ الظُّفْرِ ونَتْفُ الإِبْطِ وحَلْقُ العانةِ يومَ الخَمِيس، والغُسْلُ والطِّيبُ واللِّبَاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ". ورُوِىَ في حَدِيثٍ "مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخالِفًا لَمْ يَرَ في عَيْنَيْهِ رَمَدًا". (٥٨) وفَسَّرَهُ أبو عَبْد اللَّه ابن بَطَّةَ بأنْ يَبْدَأ
стр. 175
بخِنْصَرِ اليُمْنَى ثم الوُسْطَى ثم الإِبْهامِ ثم البِنْصَرِ ثم السَّبَّابةِ ثم بإبْهامِ اليُسْرَى ثم الوُسْطَى ثم الخِنْصَرِ ثم السَّبَّابةِ ثم البِنْصَرِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ غَسْلُ رُءُوسِ الأَصَابِعِ بعد قَصِّ الأظْفارِ، وقد قِيلَ: إنَّ الحَكَّ بالأَظْفارِ قَبْلَ غَسْلِها يَضُرُّ بالجَسَدِ. وفي حديثِ عائشةَ "غَسْل البَرَاجِمِ" في تَفْسِيرِ الفِطرْةِ، فيحتمل أنه أراد ذلك، وقال الخطابيُّ: البَرَاجِمُ: العُقَدُ التي في ظُهُورِ الأصابِعِ، والرَّوَاجِبُ: ما بين البَرَاجِمِ. قال: (٥٩) تَنْظِيفُ المَواضِعِ التي تَتَشَنَّجُ (٦٠) ويَجْتَمعُ فيها الوَسَخُ. (٦١)
ويُسْتَحَبُّ دَفنُ ما قَلَّمَ مِنْ أَظْفارِهِ أو أزَالَ من شَعَرِه، لما رَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِه عن مِيل بنت مِشْرَح (٦٢) الأشْعَريَّة قالت: رأيتُ أبي يُقَلِّم أظْفارَه ويَدْفِنُها، ويقول: رأيتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَفْعَلُ ذلك. (٦٣) وعن ابنِ جُرَيْج، عن النبي ﷺ ، قال: كان يُعْجِبهُ دَفْنُ الدَّمِ. وقال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عن الرَّجُلِ يأخذُ من شَعْرِهِ وأظْفارِه أَيَدْفِنُه أمْ يُلْقِيهِ؟ قال: يَدْفِنُه، قلت: بَلَغَك فيه شيءٌ؟ قال: كان ابنُ عُمَرَ يَدْفِنُه. وروينا عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنه أَمَرَ بدَفْنِ الشَّعْرِ والأظْفارِ، وقال: "لَا يَتَلَعَّبُ (٦٤) به سحرةُ بَنِى آدَمَ". [أو كما قال: ولأنه مِن أجزائه، فاسْتُحِبَّ دَفْنُه كأعضائه]. (٦٥)
فصل: واتِّخاذُ الشَّعْرِ أَفْضَلُ من إزَالتِهِ. قال أبو إسحاق: سُئِلَ أبُو عَبْد اللَّه عنِ الرَّجُلِ يَتَّخِذُ الشَّعْرَ؟ فقال: سُنَّةٌ حَسَنةٌ، لو أمْكَنَنَا اتَّخَذْناهُ. وقال: كان للنبيِّ
стр. 176
- ﷺ جُمَّةٌ. (٦٦) وقال: تِسْعَةٌ من أصحابِ النبي ﷺ لهم شَعْرٌ. وقال: عَشَرَةٌ لهم جُمَمٌ. وقال في بعضِ الحديثِ: إن شَعْرَ النبيِّ ﷺ كان إلى شَحمةِ أُذُنَيْهِ. (٦٧) وفى بعض الحديثِ: إلى مَنْكِبَيْه. ورَوَى البراءُ بن عازِب، قال: ما رأيتُ [مِنْ ذِى] (٦٨) لِمَّة في حُلَّةٍ حَمْراء أحْسَنَ من رسولِ اللَّه ﷺ ، له شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْه. مُتَّفَقٌ عليه. (٦٩) ورَوَى ابنُ عُمَرَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "رأيتُ ابنَ مَرْيَمَ لَهُ لِمَّةٌ" (٧٠).
стр. 177
قال الخَلَّالُ: سألتُ أحمدَ بن يحيى - يعني (٧١) ثَعْلَبًا - عن اللِّمَّةِ؟ فقال: ما أَلَمَّت بالأُذُنِ. والجُمَّة: ما طالتْ. وقد ذَكَر البراءُ بن عازِب في حدِيثِه: أن شَعْرَ النبيِّ ﷺ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْه، وقد سَمَّاهُ لِمَّة.
ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ شَعْرُ الإِنسانِ عَلَى صِفَةِ شَعْرِ النبيِّ ﷺ ، إذا طالَ فإلى مَنْكِبَيْه، وإن قَصُرَ (٧٢) فإلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْه. وإن طَوَّلَهُ فلا بَأْسَ، نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال أبو عُبَيْدة: كان له عَقِيصَتَان، (٧٣) وعُثْمان (٧٤) له عَقِيصَتان.
وقال وائلُ بنُ حُجْر: أتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ ولى شَعْرٌ طَوِيلٌ، فلمَّا رآنِى قال: "ذُبَابٌ ذُبَابٌ". (٧٥) فَرَجَعْتُ فَجَززْتُه، ثم أَتَيْتُه من الغد، فقال: "لم أَعْنِكَ، وَهَذَا أحْسَنُ". رَوَاه ابنُ مَاجَه. (٧٦)
ويُسْتَحَبُّ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ وإكرامُه، لما روَى أبو هُرَيْرَة [أنَّ النبيَّ ﷺ ، قال: ] (٧٧) "مَنْ كانَ لَهُ شَعْرٌ فلْيُكْرِمْهُ". رواه أبُو دَاوُدَ. (٧٨)
ويُسْتَحَبُّ فَرْقُ الشَّعْرِ، لأنَّ النبيَّ ﷺ فَرَقَ شَعْرَهُ، وذكره من الفِطْرَةِ في حَدِيثِ ابنِ عَبَّاس، (٧٩) وفى شُرُوطِ عُمَرَ عَلَى أهلِ الذِّمَّةِ: أن لا يَفْرُقُوا شُعُورَهُم، لِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بالمُسْلِمِينَ.
стр. 178
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في حَلْقِ الرَّأْسِ. [فرُوِىَ عنه] (٨٠) أنَّه مَكْرُوهٌ، لما رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال في الخَوارجِ: "سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ". (٨١) فجَعَلَهُ علامةً لَهُم. وقال عُمَرُ لصبيغ: لو وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا لضَرَبْتُ الذي فيه عَيْنَاك بالسَّيْفِ. ورُوِى عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا تُوضَعُ النَّواصِى إلَّا في حَجٍّ أو عُمْرَةٍ". أخرجه (٨٢) الدَّارقُطْنِىُّ، في "الأَفْراد"، (٨٣) ورَوَى أبُو موسَى عن النبيِّ ﷺ [أنه قال: ] (٨٤) "ليسَ مِنَّا مَنْ حَلَق" رواهُ الإِمامُ أحمدُ. (٨٥) وقال ابنُ عَبَّاس: الذي يَحْلِقُ رَأسَهُ في المِصْرِ شَيْطانٌ. قال أحمد: كانُوا يَكْرَهُون ذلك. وروى عنه: لا يُكْرَهُ ذلك لكن تَرْكَهُ أَفْضَلُ. قال حَنْبَل: كنتُ أنَا وأَبِى نَحْلِقُ رُءُوسَنَا في حياةِ أبي عَبْدِ اللَّه، فَيَرانَا ونَحْنُ نَحْلِقُ فلا يَنْهانَا، [عن ذلك] (٨٦) , وكان هو يأخذُ رَأسَهُ بالْجَلَمَيْنِ (٨٧) ولا يَحْفِيه ويأخُذُه وسطًا. وقد رَوَى ابنُ عُمَرَ أن رَسولَ اللَّه ﷺ ، رَأَى غُلَامًا قد حَلَق بَعْضَ رَأْسِه وتَرَكَ بَعْضَه، فَنَهاهُم عن ذلك. أخرجَه (٨٨) مُسْلمِ، وفى لفظٍ قال: "احْلِقْه كُلَّه أوْ دَعْهُ كُلَّه". وَرُوِىَ عن عَبْد اللَّه
стр. 179
ابنِ جَعْفَر، أن النبيَّ ﷺ لما جاءَ نَعِىُّ جَعْفَر أَمْهَلَ آل جَعْفَر ثلاثًا أن يَأْتِيَهم، ثم أتاهُم، فقال: "لا تَبْكُوا عَلَى أخِى بَعْدَ اليَوْمِ"، ثم قال: "ادْعُوا بَنِى أَخِى"، فَجِئَ بِنَا، قال: "ادْعُوا لِىَ الحَلَّاقَ" (٨٩) فأَمَرَ بِنَا فَحَلَقَ رُءُوسَنا. رَوَاهُ [أبو دَاوُد، والطَّيَالِسِيُّ، ] (٩٠) ولأنَّه لا يُكْرَهُ استئصالُ الشَعَرِ بالمِقْراضِ. وهذا في معناه، وقولُ النبي ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ" يَعْنِى في المُصِيبةِ، لأنَّ فيه "أو صَلَقَ (٩١) أو خَرَقَ". قال ابنُ عبد البَرِّ: وقد أَجْمَعَ العُلماءُ [في جميع الأمْصارِ] (٩٢) على إباحَةِ الحَلْق، وكَفَى بهذَا حُجَّة.
وأمّا اسْتِئْصالُ الشَّعْرِ بالمِقْرَاضِ فغَيْرُ مَكْرُوهٍ روايةً واحدةً. قال أحمد: إنَّما كَرِهُوا الحَلْقَ بالمُوسَى وأمّا بالمِقْراضِ فلَيْسَ به بَأْسٌ، لأنَّ أَدِلَّةَ الكَراهةِ تَخْتَصُّ بالحَلْقِ.
فصل: فأمَّا حَلْق بَعْضِ الرَّأْسِ فَمَكْرُوهٌ. ويُسَمَّى القَزَعُ، لما ذَكَرْنا من حديثِ ابنِ عُمَر، ورَوَاه أبُو داوُد، (٩٣) ولَفْظُه، أن النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ القَزَعِ وقال:
стр. 180
"احْلِقْهُ كُلَّه أو دَعْهُ كُلَّه". (٩٤) وفى شُرُوطِ عُمَر على أهلِ الذِّمَّةِ: أن يَحْلِقُوا مَقادِمَ رُءُوسِهِم لِيَتَميَّزُوا بذلك عن المُسْلِمينَ. فَمَنْ فَعَلهُ من المُسْلِمِين كان مُتَشَبِّهًا بهم.
فصل: ولا تَخْتَلِفُ الرِّوايةُ في كَرَاهةِ حَلْقِ الْمَرأَةِ رَأْسَها مِنْ غيرِ ضَرُورَةٍ. قال أبُو مُوسَى: بَرِئَ رَسُولُ اللَّه ﷺ من الصَّالِقَةِ والحالِقَةِ. مُتَّفَقٌ عليه، (٩٥) ورَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِه عن قَتَادَة عَنْ عِكْرِمَة قال: نَهَى النبيُّ ﷺ أن تَحْلِقَ المرأةُ رَأْسَها. (٩٦) قال الحَسَنُ: هي مُثْلَةٌ. قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه يَسْألُ عنِ المرأةِ تَعْجِزُ عن شَعْرِها وعن مُعَالَجَتهِ، أتأخُذُه على حديثِ مَيْمُونة؟ قال: لأىِّ شيءٍ تَأْخُذُه؟ قيلَ لَهُ: لا تَقْدِرُ عَلَى الدُّهْنِ وما يُصْلِحُه وتَقَعُ فيه الدَّوَابُّ. قال: إذا كان لضَرُورَةٍ، فأرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأْسٌ.
فصل: ويُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ، لما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْب [، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: ] (٩٧) نَهَى رَسُولُ اللَّه ﷺ عن نَتْفِ الشَّيْبِ، وقال: "إنَّهُ نُورُ الإِسْلامِ". (٩٨) وعن طارِقِ بنِ حَبِيبٍ، أنَّ حَجَّامًا أَخَذَ من شاربِ النبيِّ ﷺ فرَأى شَيْبَةً في لِحْيَتهِ فأَهْوَى إليها ليأخُذَهَا، فأَمْسَكَ النبيُّ ﷺ يَدَهُ، وقال: "مَنْ