← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

الخَبَرَ يُقْبَلُ فيه قَوْلُ المُخْبِرِ مع وُجُودِ المُخْبَرِ عنه، وفُلَانٌ عن فُلَانٍ، وهذا لا يُقْبَلُ فيه ذلك، فافْتَرَقَا. فصل: ولا يُقْبَلُ فيه شَهادَةُ رَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ، ولا شَهادَةُ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ وإن كَثُرْنَ، وكذلك سائِرُ الشُّهُورِ؛ لأنَّه ممَّا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، وليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به المالُ، فأشْبَهَ القِصَاصَ، وكان القِيَاسُ يَقْتَضِي مِثْلَ ذلك في رمضانَ، لكنْ تَرَكْنَاهُ احْتِياطًا لِلْعِبَادَةِ. فصل: وإذا صامُوا بِشَهادَةِ اثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ولم يَرَوْا هِلالَ شَوَّال، أَفْطَرُوا وَجْهًا وَاحِدًا. وإن صَامُوا بِشَهادَةِ وَاحِدٍ، فلم يَرَوُا الهِلالَ، ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، لا يُفْطِرُونَ؛ لِقَوْلِه ﵇: "وَإنْ شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأفْطِرُوا" (٣). ولأنَّه فِطْرٌ، فلم يَجُزْ أن يَسْتَنِدَ إلى شَهادَةِ واحِدٍ، كما لو شَهِدَ بِهِلالِ شَوَّال. والثاني، يُفْطِرُونَ. وهو مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ، ويُحْكَى عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الصومَ إذا وجَبَ، وَجَبَ الفِطْرُ لِاسْتِكمَالِ العِدَّةِ، لا (٤) بالشَّهادَةِ، وقد يَثْبُتُ تَبَعًا ما لا يَثْبُتُ أصْلًا، بِدَلِيلِ أنَّ النَّسَبَ لا يَثْبُتُ بِشَهادَةِ النِّساءِ، وتَثْبُتُ بها الوِلادَةُ، فإذا ثَبَتَتِ الوِلَادَةُ ثَبَتَ النَّسَبُ على وَجْهِ التَّبعِ لِلْوِلَادَةِ، كذا هاهُنا. وإن صَامُوا لأجْلِ الغَيْمِ لم يُفْطِرُوا وَجْهًا وَاحِدًا؛ لأنَّ الصَّوْمَ إنَّما كان على وَجْهِ الاحْتِياطِ، فلا يجوزُ الخُرُوجُ منه بمثلِ ذلك، واللهُ أعلمُ. ٥١٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُفْطِرُ إذَا رَآهُ وَحْدهُ) وَرُوِيَ هذا عن مالِكٍ، واللَّيْثِ. وقال الشَّافِعِيُّ: يَحِلُّ له أنْ يَأْكُلَ حيثُ لا يَرَاهُ أحَدٌ؛ لأنَّه يَتَيَقَّنُه من شَوَّال، فجازَ له الأكْلُ، كما لو قامَتْ به بَيِّنَةٌ. ولَنا، ما رَوَى أبو رَجاء عن أبي قِلابَةَ، أنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا المَدِينَةَ، وقد رَأَيَا الهِلالَ، وقد

стр. 2067

أصْبَحَ النَّاسُ صِيَامًا. فأتَيَا عمرَ. فذَكَرَا ذلك له، فقال لأحَدِهما: أصَائِمٌ أنْتَ؟ قال: بَلْ مُفْطِرٌ. قال: ما حَمَلَكَ على هذا؟ قال: لم أكُنْ لأصُومَ وقد رَأَيْتُ الهِلَالَ. وقال لِلآخَرِ، قال: أنا صَائِمٌ. قال: ما حَمَلَكَ على هذا؟ قال: لم أكُنْ لأُفْطِرَ والناسُ صِيَامٌ. فقال للذى أفْطَرَ: لولا مكانُ هذا لأوْجَعْتُ رَأْسَكَ. ثم نُودِي في النَّاسِ: أن اخْرُجُوا. أخْرَجَهُ سَعِيدٌ، عن ابنِ عُليَّةَ عن أيُّوبَ، عن أبي رَجَاء (٥). وإنَّما أرادَ ضَرْبَه لإفْطارِه بِرُؤْيَتِه، ودَفَعَ عنه الضَّرْب لِكَمالِ الشَّهَادَةِ به وبِصَاحِبِه. ولو جازَ له الفِطْرُ لَما أنْكَرَ عليه، ولا تَوَعَّدَهُ. وقالتْ عائشةُ: إنَّما يُفْطِرُ يومَ الفِطْرِ الإمامُ وجماعةُ المُسْلِمِينَ. ولم يُعْرَفْ لهما مُخَالِفٌ في عَصْرِهِما، فكان إجْمَاعًا، ولأنَّه يومٌ مَحْكُومٌ به من رمضانَ، فلم يَجُزِ الفِطْرُ فيه كاليومِ الذي قبلَه، وفارَقَ ما إذا قامَتِ البَيِّنَةُ، فإنَّه مَحْكُومٌ به مِن شَوَّال، بخِلافِ مَسْألَتِنا. وقَوْلُهم: إنَّه يَتَيَقَّنُ أنَّه من شَوَّال. قُلْنا: لا يَثْبُتُ اليَقِينُ؛ فإنَّه (٦) يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ الرَّائِي خُيِّلَ إليه، كما رُوِيَ أنَّ رجلًا في زَمَنِ عمرَ، قال: لقد رَأيْتُ الهِلالَ. فقال له: امْسَحْ عَيْنَكَ. فمَسَحَها، ثم قال له: تَرَاهُ؟ قال: لا. قال: لَعَلَّ شَعْرَةً من حاجِبِكَ تَقَوَّسَتْ على عَيْنِكَ، فَظَنَنْتَها هِلَالًا. أو ما هذا معناه. فصل: فإن رَآهُ اثْنانِ، ولم يَشْهَدَا عندَ الحاكِمِ، جازَ لِمَنْ سَمِعَ شَهَادَتَهما الفِطْرُ، إذا عَرَفَ عَدالَتَهما، ولِكُلِّ واحدٍ منهما الفِطْرُ بقَوْلِهما؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "وإذَا شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وأَفْطِرُوا" (٧). وإن شَهِدَا عند الحَاكِمِ، فَرَدَّ شَهادَتَهما؛ لِجَهْلِه بِحَالِهما، فلِمَنْ عَلِمَ عَدالَتَهما الفِطْرُ بِقَوْلِهما؛ لأنَّ رَدَّ الحَاكِمِ هاهُنا ليس تَحَكُّمٌ منه، وإنَّما هو تَوَقُّفٌ لِعَدَمِ عِلْمِه. فهو كالوُقُوفِ

стр. 2068

عن (٨) الحُكْمِ انْتِظَارًا لِلْبَيِّنَةِ، ولهذا لو ثبَتَتْ عَدالَتُهما بعدَ ذلك حُكِمَ بها، وإن لم يَعْرِفْ أحَدُهما عَدالَةَ صَاحِبِه، لم يَجُزْ له الفِطْرُ، إلَّا أن يَحْكُمَ بذلك الحاكِمُ، لئَلَّا يُفْطِرَ بِرُؤْيَتِه وَحْدَه. ٥١٧ - مسألة؛ قال: (وَإذَا اشْتَبَهَتِ الْأَشْهُرُ عَلَى الْأَسِيرِ، فَإنْ صَامَ شَهْرًا يُرِيدُ به شَهْرَ رَمَضَانَ، فوَافَقَه، أو مَا بَعْدَهُ، أجْزَأَهُ، وإن وَافَقَ ما قَبْلَهُ، لَمْ يُجْزِهِ) وجُمْلَتُه أنَّ مَن كان مَحْبُوسًا أو مَطْمُورًا، أو في بعض النَّواحِى النَّائِيَةِ عن الأمْصارِ لا يُمْكِنُه تَعَرُّفُ الأشْهُرِ بالخَبَرِ، فاشْتَبَهَتْ عليه الأشْهُرُ، فإنَّه يَتَحَرَّى ويَجْتَهِدُ، فإذا غَلَبَ على ظَنِّه عن أمَارَةٍ تَقُومُ في نَفْسِه دُخُولُ شَهْرِ رمضانَ صَامَه، ولا يَخْلُو من أرْبَعَةِ أحْوالٍ: أحدُهما، أنْ لا يَنْكَشِفَ له الحالُ، فإنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ، ويُجْزِئُه؛ لأنَّه أدَّى فَرْضَهُ باجْتِهَادِه. فأجْزَأَهُ، كما لو صَلَّى في يَوْمِ الغَيْمِ بالاجْتِهادِ. الثاني، أنْ يَنْكَشِفَ له أنَّه وَافَقَ الشَّهْرَ أو ما بعدَه، فإنَّه يُجْزِئُه في قَوْلِ عَامَّةِ الفُقَهَاءِ. وحُكِيَ عن الحسنِ بن صالِحٍ، أَنَّه لا يُجْزِئُه في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ؛ لأنَّه صامَهُ على الشَّكِّ، فلم يُجْزِئْهُ، كما لو صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فبانَ من رمضانَ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّه أدَّى فَرْضَه بالاجتِهادِ في مَحَلِّهِ، فإذا أصابَ أو لم يَعْلَم الحالَ أجْزَأَهُ، كالقِبْلَةِ إذا اشْتَبَهَتْ، أو الصلاةِ في يَوْمِ الغَيْمِ إذا اشْتَبَهَ وَقْتُها، وفارقَ يَوْمَ الشَّكِّ، فإنَّه ليس بمَحَلٍّ للاجْتِهادِ (٩)، فإنَّ الشَّرْعَ أمَرَ بِصَوْمِه (١٠) عندَ أمَارَةٍ عَيَّنَهَا، فما لم تُوجَدْ لم يَجُزِ الصومُ. الحالُ الثالث، وَافَقَ قبلَ الشَّهْرِ، فلا يُجْزِئُه، في قَوْلِ عَامَّةِ الفُقَهاءِ. وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُجْزِئُه في أحَدِ الوَجْهَيْنِ (١١)، كما لو

стр. 2069

اشْتَبَه يَوْمُ عَرَفَةَ فوَقَفُوا قَبْلَهُ. ولَنا، أنَّه أتَى بالعِبادَةِ قبلَ وَقْتِها، فلم يُجْزِئْه، كالصلاةِ في يَوْمِ الغَيْمِ. وأمَّا الحَجُّ فلا نُسَلِّمُه إلَّا فيما إذا أخْطَأ النَّاسُ كُلُّهُم، لِعِظَمِ المَشَقَّة عليهم، وإن وَقَعَ ذلك لِنَفَرٍ منهم لم يُجْزِئْهم. ولأنَّ ذلك لا يُؤْمَنُ مِثْلُه في القَضاءِ، بخِلافِ الصَّوْمِ. الحالُ الرَّابع، أن يُوَافِقَ بَعْضُه رمضانَ دُونَ بَعْضٍ، فما وَافَقَ رمضانَ أو بعدَه أجْزَأَهُ، وما وَافَقَ قَبْلَه لم يُجْزِئْهُ. فصل: وإذا وَافَقَ صَوْمُه بعدَ الشَّهْرِ، اعْتُبِرَ أنْ يكونَ ما صَامَه بِعِدَّةِ أيَّامِ شَهْرِه الذي فاتَه، سَوَاءٌ وَافَقَ ما بين هِلالَيْنِ أو لم يُوَافِقْ، وسواءٌ كان الشَّهْرانِ تَامَّيْنِ أو ناقِصَيْنِ. ولا يُجْزِئُه أقَلُّ من ذلك. وقال القاضي: ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ: أنَّه إذا وَافَقَ شَهْرًا بين هِلَالَيْنِ أجْزَأَهُ، سَوَاءٌ كان الشَّهْرانِ تَامَّيْنِ أو ناقِصَيْنِ، أو أحَدُهما تَامًّا والآخَرُ نَاقِصًا. وليس بِصَحِيحٍ؛ فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١٢). ولأنَّه فاتَه شَهْرُ رمضانَ، فوَجَبَ أنْ يكونَ صِيامُه بِعِدَّةِ ما فَاتَه، كالمَرِيضِ والمُسافِرِ. وليس في كَلَامِ الخِرَقِيِّ تَعَرُّضٌ لهذا التَّفْصِيلِ، فلا يجوزُ حَمْلُ كَلَامِه على ما يُخالِفُ الكِتابَ والصَّوابَ. فإنْ قِيلَ: أليس إذا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ يُجْزِئُه ما بَيْنَ هِلاليْنِ؟ قُلْنا: الإطْلاقُ يُحْمَلُ على ما تَناوَلَهُ الاسْمُ، والاسْمُ يَتَناوَلُ ما بين الهِلالَيْنِ، وهاهُنا يَجِبُ قَضاءُ ما تَرَكَ، فيَجِبُ أن يُرَاعَى فيه عِدَّةُ المَتْرُوكِ، كما أنَّ مَن نَذَرَ صَلَاةً أَجْزَأَهُ رَكْعَتانِ، ولو تَرَكَ صَلَاةً وَجَبَ قَضاؤُها بِعِدَّةِ رَكَعاتِها، كذلك هاهُنا الوَاجِبُ بِعِدَّةِ ما فَاتَهُ من الأيَّامِ، سَوَاءٌ كان ما صامَهُ بين هِلالَيْنِ أو مِن شَهْرَيْنِ، فإنْ دَخَلَ في صِيامِه يومُ عِيدٍ لم يُعْتَدَّ به، وإن وَافَقَ أيَّامَ التَّشْرِيقِ، فهل يُعْتَدُّ بها؟ على رِوَايَتَيْنِ، بنَاءً على صِحَّةِ صَوْمِهَا على الفَرْضِ. فصل: وإن لم يَغْلِبْ على ظَنِّ الأسِيرِ دُخُولُ رمضانَ فصامَ، لم يُجْزِئْهُ، وإنْ

стр. 2070

وَافَقَ الشَّهْرَ؛ لأنَّه صامَهُ على الشَّكِّ، فلم يُجْزِئْهُ، كما لو نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ، إنْ كان غَدًا من رمضانَ فهو فَرْضِى. وإن غَلَبَ على ظَنِّه مِن غيرِ أمَارَةٍ، فقال القاضي: عليه الصِّيَامُ، ويَقْضِى إذا عَرَفَ الشَّهْرَ، كالَّذِي خَفِيَتْ عليه دَلائِلُ القِبْلَةِ ويُصَلِّى على حَسَبِ حَالِه ويُعِيدُ. وذَكَرَ أبو بكرٍ في مَن خَفِيَتْ عليه دَلائِلُ القِبْلَةِ هل يُعِيدُ؟ على وَجْهَيْنِ. كذلِك يُخَرَّجُ على قَوْلِه هاهُنا. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه يَتَحَرَّى، فمتى غَلَبَ على ظَنِّه دُخُولُ الشَّهْرِ صَحَّ صَوْمُه، وإن لم يَبْنِ على دَلِيلٍ؛ لأنَّه ليس في وُسْعِه مَعْرِفَةُ الدَّلِيلِ، ولا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. وقد ذَكَرْنَا مِثْلَ هذا في القِبْلَةِ. فصل: وإذا صامَ تَطَوُّعًا، فوافَقَ شَهْرَ رمضانَ، لم يُجْزِئْهُ. نَصَّ عليه أحمدُ، وبه قال الشَّافِعِيُّ. وقال أصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِئُه. وهذا يَنْبَنِي على تَعْيِينِ النِّيَّةِ لِرمضانَ، وقد مَضَى القَوْلُ فيه (١٣). ٥١٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُصَامُ [يَوْمُ الْعِيدِ] (١)، ولَا أيَّامُ التَّشْرِيقِ، لَا عَنْ فَرْضٍ، ولَا عَنْ تَطَوُّعٍ. فإنْ قَصَد لِصِيَامِهَا كَانَ عَاصِيًا، ولَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الفَرْضِ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ [صَوْمَ يَوْمَيِ] (٢) العِيدَيْنِ مَنْهِيٌّ عنه، مُحَرَّمٌ في التَّطَوُّعِ والنَّذْرِ المُطْلَقِ والقَضاءِ والكَفَّارَةِ. وذلك لما رَوَى أبو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابنِ أزْهَرَ، قال: شَهِدْتُ العِيدَ مع عمرَ بن الخَطَّابِ، فجاءَ فَصَلَّى، ثم انْصَرَفَ، فخَطَبَ النَّاسَ، فقال: إنَّ هذَيْن يَوْمَيْنِ نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن صِيَامِهما؛ يَوْمُ فِطْرِكُم مِن صِيامِكم، والآخَرُ يَوْمَ تَأْكُلُونَ فيه من نُسُكِكم (٣). وعن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ

стр. 2071

اللَّه ﷺ نَهَى عن صِيَامِ يَوْمَيْنِ؛ يَوم فِطْرٍ، ويَوْم أَضْحَى. وعن أبى سَعِيدٍ مِثْلُه. مُتَّفَقٌ عليهما (٤). والنَّهْىُ يَقْتَضِى فَسادَ المَنْهِىِّ عنه وتَحْرِيمَه. وأمَّا صَوْمُهما عن النَّذْرِ المُعَيَّنِ ففيه خِلافٌ. نَذْكُرُه بعدُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى. ٥١٩ - مسألة؛ قال: (وَفِى أيَّامِ التَّشْرِيقِ عَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، ﵀، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَصُومُهَا عَنِ الفَرْضِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ أيَّامَ التَّشْرِيقِ مَنْهِىٌّ عن صِيَامِها أيضا؛ لما رَوَى نُبَيْشَةُ الهُذَلِىُّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أيَّامُ التَّشْرِيقِ أيَّامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ، وَذِكْرٍ للهِ ". [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (١). ورُوِىَ عن عبْدِ اللهِ بن حُذَافَةَ، قال: بَعَثَنِى رسولُ اللهِ ﷺ أيَّامَ مِنًى أُنَادِى: "أيُّهَا النَّاسُ، إنَّها أيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وبِعَالٍ" (٢). إلَّا أنَّه من رِوَايَةِ

стр. 2072

الوَاقِدِىِّ، وهو ضَعِيفٌ. وعن عَمْرِو بن العاصِ، أنَّه قال: هذه الأَيَّامُ التى كان رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ بإِفْطَارِها، ويَنْهَى عن صِيامِها. قال مالِكٌ: وهى أيَّامُ التَّشْرِيقِ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٣). ولا يَحِلُّ صِيامُها تَطَوُّعًا، فى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وعن ابنِ الزُّبَيْرِ أنَّه كان يَصُومُها. وَرُوِىَ نحوُ ذلك عن ابْنِ عمرَ، والأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ. وعن أبى طَلْحَةَ أنَّه كان لا يُفْطِرُ إلَّا يَوْمَىِ العِيدَيْنِ. والظَّاهِرُ أنَّ هؤلاءِ لم يَبْلُغْهم نَهْىُ رسولِ اللهِ ﷺ عن صِيامِها، ولو بَلَغَهم لم يَعْدُوهُ إلى غيرِه. وقد رَوَى أبُو مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِىءٍ، أنَّه دَخَلَ مع عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو على أبِيهِ عَمْرِو بن العاصِ، فَقَرَّبَ إليهما طَعَامًا، فقال: كُلْ. فقال: إنِّى صَائِمٌ. فقال عَمْرٌو: كُلْ، فهذه الأَيَّامُ التى كان رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ بإِفْطَارِها، ويَنْهَى عن صِيَامِها (٤). والظَّاهِرُ أنَّ عَبْدَ اللهِ بن عَمْرٍو أفْطَرَ لمَّا بَلَغَهُ نَهْىُ رسولِ اللهِ ﷺ . وأمَّا صَوْمُها لِلْفَرْضِ، ففيه رِوايَتانِ؛ إحْدَاهُما: لا يجوزُ؛ لأنَّه مَنْهِىٌّ عن صَوْمِها، فأشْبَهَتْ يَوْمَىِ العِيدِ. والثانية، يَصِحُّ صَوْمُها لِلْفَرْضِ؛ لما رُوِىَ عن ابنِ عَمْرٍو، وعائشةَ، أنَّهما قالا: لم يُرَخِّصْ فى أيَّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يَصُمْنَ إلَّا لِمَن لم يَجِد الهَدْىَ. أى المُتَمَتِّع إذا عَدِمَ الهَدْىَ، وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٥). ويُقَاسُ عليه كُلُّ مَفْرُوضٍ. فصل: ويُكْرَهُ إفْرادُ يَوْمِ الجُمُعَةِ بالصَّوْمِ، إلَّا أن يُوافِقَ ذلك صَوْمًا كان

стр. 2073

يَصُومُهُ، مثل مَنْ يَصُومُ يوما ويُفْطِرُ يوما فيُوَافِقُ صومُه يَومَ الجُمُعَةِ، ومنْ عادَتُه صومُ أوَّلِ يومٍ من الشَّهْرِ، أو آخِره، أو يومِ نِصْفِه، ونَحْوِ ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رِوَايَةِ الأثْرَمِ. قال: قِيلَ لأبى عبدِ اللهِ: صِيامُ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ فذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْىِ أن يُفْرَدَ، ثم قال: إلَّا أن يكونَ فى صِيامٍ كان يَصُومُهُ، وأمَّا أن يُفْرَدَ فلا. قال: قلتُ: رجلٌ كان يصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا، فوَقَعَ فِطْرُهُ يومَ الخَمِيسِ، وصَوْمُهُ يومَ الجُمُعَةِ، وفِطْرُهُ يومَ السَّبْتِ، فصامَ الجُمُعَةَ مُفْرَدًا؟ فقال: هذا الآن لم يَتَعَمَّدْ صَوْمَه خَاصَّة، إنَّما كُرِهَ أن يَتَعَمَّدَ الجُمُعَةَ. وقال أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ: لا يُكْرَهُ إفْرادُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّه يَوْمٌ، فأشْبَه سائِرَ الأيَّامِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ". وقال محمدُ بن عَبَّادٍ: سألتُ جَابِرًا، أنَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ قال. نعم. مُتَّفَقٌ عليهما (٦). وعن جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارِثِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ عليها يومَ الجُمُعَةِ، وهى صَائِمَةٌ، فقال: "أصُمْتِ أَمْسِ؟ " قالتْ: لا. قال: "أَتُرِيدِينَ أنْ تَصُومِى غَدًا؟ " قالتْ: لا. قال: "فَأَفْطِرى". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٧). وفيه أحادِيثُ سِوَى هذه، وسُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ أحَقُّ أن تُتَّبَعَ. وهذا

стр. 2074

الحَدِيثُ يَدُلُّ على أنَّ (٨) المَكْرُوهَ إفْرَادُهُ؛ لأنَّ نَهْيَهُ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِها لم تَصُمْ أمْسِ ولا غَدًا. فصل: قال أصْحابُنا: يُكْرَهُ إفْرادُ يَوْمِ السَّبْتِ بالصَّوْمِ؛ لما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ بُسْرٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ". أخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ (٩)، وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرُوِىَ أيضا عن عبدِ اللهِ بن بُسْرٍ، عن أُخْتِه الصَّمَّاءِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكَمُ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أحَدُكُمْ إلا لِحَاءَ عِنَبٍ، أو عُودَ شَجَرَةٍ، فَلْيَمْضُغْهُ". أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ (١٠). وقال: اسْمُ أُخْتِ عبدِ اللهِ بن بُسْرٍ هُجَيْمة (١١)، أو جُهَيْمة. قال الأثْرَمُ: قال أبو عبدِ اللهِ: أمَّا صِيامُ يَوْمِ السَّبْتِ يَفْتَرِدُ (١٢) به فقد جاءَ فيه حَدِيثُ الصَّمَّاءِ، وكان يحيى بنُ سعِيدٍ يَتَّقِيه، أى أن يُحَدِّثَنِى به، وسَمِعْتُه من أبى عاصِمٍ. والمَكْرُوهُ إفْرادُهُ، فإن صامَ معه غيرَه لم يُكْرَهْ؛ لحديثِ أبى هُرَيْرَةَ وَجُوَيْرِيَةَ. وإنْ وافَقَ صَوْمًا لإِنْسانٍ، لم يُكْرَهْ، لما قَدَّمْنَاهُ. وقال أَصْحابُنا: ويُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ النَّيْرُوزِ (١٣) ويَوْمِ المِهْرَجَانِ (١٤)

стр. 2075

بِالصَّوْمِ؛ لأنَّهما يَوْمانِ يُعَظِّمُهما الكُفَّارُ، فيكون تَخْصِيصُهما بالصِّيامِ دونَ غَيْرِهما مُوَافَقَةً لهم فى تَعْظِيمِهما، فَكُرِهَ كَيَوْم السَّبْتِ. وعلى قِياسِ هذا، كلُّ عِيدٍ لِلْكُفَّارِ، أو يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ (١٥). فصل: ويُكْرَهُ إفْرادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ. قال أحمدُ: وإنْ صامَهُ (١٦) رَجُلٌ، أفْطَرَ فيه يَوْمًا أو أيَّامًا، بِقَدْرِ ما لا يَصُومُه كُلَّه. ووَجْهُ ذلك، ما رَوَى أحمدُ (١٧)، بإسْنَادِهِ عن خَرَشَة بن الْحُرِّ، قال: رَأَيْتُ عمرَ يَضْرِبُ أَكُفَّ المُتَرَجِّبِينَ، حتى يَضَعُوهَا فى الطَّعَامِ. ويقولُ: كُلُوا، فإنَّما هو شَهْرٌ كانت (١٨) تُعَظِّمُه الجَاهِلِيَّةُ (١٩). وبإسْنَادِهِ عن ابْنِ عمرَ، أنَّه كان إذا رَأَى النّاسَ، وما يُعِدُّونَ لِرَجَبٍ، كَرِهَهُ، وقال: صُومُوا منه، وأَفْطِرُوا. وعن ابنِ عَبَّاسٍ نحوُه، وبإسْنَادِهِ من أبى بَكْرَةَ، أنَّه دَخَلَ على أهْلِهِ، وعِنْدَهُمْ سِلَالٌ جُدُدٌ وكِيزَانُ، فقال: ما هذا؟ فقالوا: رَجَبٌ نَصُومُه. قال: أجَعَلْتُمْ رَجَب رمضانَ، فأكْفَأَ السِّلالَ، وكَسَرَ الكِيزَانَ. قال أحمدُ: مَن كان يَصُومُ السَّنَةَ صَامَهُ، وإلَّا فلا يَصُومُه مُتَوَالِيًا، يُفْطِرُ فيه، ولا يُشَبِّهُه بِرمضانَ. فصل: ورَوَى أبو قَتادَةَ، قال: قِيلَ: يا رسولَ اللهِ، فكيف بمن صامَ الدَّهْرَ؟ قال: "لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ، أوْ لَمْ يَصُمْ ولَمْ يُفْطِرْ". قال التِّرْمِذِىُّ (٢٠): هذا

стр. 2076

حَدِيثٌ حَسَنٌ. وعن أبى موسى، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ" (٢١). قال الأثْرَمُ: قيل لأبى عبدِ اللهِ: فَسَّرَ مُسَدِّدٌ قَوْلَ أبى موسى: "مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ". فلا يَدْخُلُها. فَضَحِكَ وقال: مَن قال هذا؟ فأَيْنَ حديثُ عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَرِهَ ذلك (٢٢)، وما فيه من الأحادِيثِ؟ قال أبو الخَطَّابِ: إنَّما يُكْرَهُ إذا أدْخَلَ فيه يَوْمَىِ العِيدَيْنِ وأيَّامَ التَّشْرِيقِ، لأنَّ أحمدَ قال: إذا أَفْطَرَ يَوْمَى العِيدَيْنِ وأيَّامَ التَّشْرِيق رَجَوْتُ أنْ لا يكونَ بذلك بَأْسٌ. وَرُوِىَ نحوُ هذا عن مَالِكٍ. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ جَمَاعَةً من الصَّحابَةِ كانوا يَسْرُدُون الصَّوْمَ، منهم: أبو طَلْحَةَ. قيل: إنَّه صامَ بعدَ مَوْتِ النَّبِىِّ ﷺ أرْبَعِينَ سَنَةً. ويَقْوَى (٢٣) عندى، أنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ مَكْرُوهٌ، وإنْ لم يَصُمْ هذه الأيَّامَ، فإنْ صامَها قد فَعَلَ مُحَرَّمًا، وإنَّما كُرِهَ صَوْمُ الدَّهْرِ لما فيه من المَشَقَّةِ، والضَّعْفِ، وشِبْهِ التَّبَتُّلِ المَنْهِىِّ عنه؛ بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لِعبدِ اللهِ بن عَمْرٍو: "إنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وتَقُومُ اللَّيْلَ؟ " فقلتُ: نعم. قال: "إنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذلِكَ هَجَمَتْ (٢٤) لَهُ عَيْنُكَ، ونَفِهَتْ (٢٥) له النَّفْسُ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّه". قلتُ: فإنّى أُطِيقُ أكْثَرَ من ذلك. قال: "فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إذَا لَاقَى". وفى

стр. 2077

رِوَايَةٍ: "وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ". فقلتُ: إنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِن ذلك. قال: "لَا أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٢٦). ٥٢٠ - مسألة؛ قال: (وَإذَا رُؤِىَ الْهِلَالُ نَهَارًا، قَبْلَ الزَّوَالِ أوْ بَعْدَهُ، فَهُوَ لِلَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المشهورَ عن أحمدَ، أنَّ الهِلالَ إذا رُؤِىَ نَهَارًا قبلَ الزَّوَالِ أو بعدَه، وكان ذلك فى آخِرِ رمضانَ، لم يُفْطِرُوا بِرُؤْيَتِه. وهذا قولُ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأنَسٍ، والأوْزاعِىِّ، ومالِكٍ، واللَّيْثِ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبى حنيفةَ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو يوسفَ: إنْ رُؤِىَ قبلَ الزَّوَالِ فهو لِلَّيْلَةِ الماضِيَةِ، وإنْ كان بعدَه فهو لِلَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه. رَوَاهُ سَعِيدٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "صُومُوا لِرُؤْيَتِه، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه" (١). وقد رَأَوْهُ، فيَجِبُ الصَّوْمُ والفِطْرُ، ولأنَّ ما قبلَ الزَّوَالِ أَقْرَبُ إلى الماضِيَةِ. وحُكِىَ هذا رِوَايَةً عن أحمدَ. ولَنا، ما رَوَى أبو وَائِلٍ، قال: جاءَنَا كِتابُ عمرَ، ونَحْنُ بِخَانِقِينَ (٢)، أن الأهِلَّةَ بَعْضُها أكْبَرُ من بَعْضٍ، فإذا رَأَيْتُمُ الهِلالَ نَهَارًا فلا تُفْطِرُوا حتى تُمْسُوا، إلَّا أن يَشْهَدَ رَجُلانِ أنَّهما رَأياهُ بالأمْسِ عَشِيَّةً (٣). ولأنَّه قولُ ابنِ

стр. 2078

مسعودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، ومَن سَمَّيْنَا من الصَّحابَةِ، وخَبَرُهم مَحْمُولٌ على ما إذا رُؤِىَ عَشِيَّةً، بِدَلِيلِ ما لو رُؤِىَ بعد الزَّوَالِ. ثم إنَّ الخَبَرَ إنَّما يَقْتَضِى الصَّوْمَ والفِطْرَ من الغَدِ، بِدَلِيلِ ما لو رَآهُ عَشِيَّةً. فأمَّا إنْ كانت الرُّؤْيَةُ فى أَوَّلِ رمضانَ، فالصَّحِيحُ أيضا، أنَّه لِلَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ. وهو قولُ مالِكٍ، وأبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لِلْماضِيَةِ، فيَلْزَمُ قَضاءُ ذلك اليَوْمِ، وإمْساكُ بَقِيَّتهِ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ، والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ ما كان لِلَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ فى آخِرِه، فهو لها فى أَوَّلِه، كما لو رُؤِىَ بعد العَصْرِ. ٥٢١ - مسألة؛ قال: (والاخْتِيَارُ تَأْخِيرُ السَّحُورِ، وتَعْجِيلُ الفِطْرِ) الكلامُ فى هذه المَسْألَةِ فى فَصْلَيْنِ: أحدُهما، فى السَّحُورِ، والكلامُ فيه فى ثلاثة أشْياء؛ أحدُها، فى اسْتِحْبابِه. ولا نَعْلَمُ فيه بين العُلَماءِ خِلافًا. وقد رَوَى أنَسٌ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "تَسَحَّرُوا؛ فَإنَّ فى السَّحُورِ بَرَكَةً". مُتَّفَقٌ عليه (١). وعن عَمْرِو بن العاصِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وصِيَام أهْلِ الكِتَابِ أكْلَةُ السَّحَرِ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٢)، وقال:

стр. 2079

حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ (٣)، بإسْنَادِه عن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "السَّحُورُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، ولَوْ أنْ يَجْرَعَ أحَدُكُمْ جُرْعَةً من مَاءٍ، فَإنَّ اللهَ ومَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى المُتَسَحِّرِينَ". الثانى، فى وَقْتِه. قال أحمدُ: يُعْجِبُنِى تَأْخِيرُ السَّحُورِ؛ لما رَوَى زَيْدُ بن ثابِتٍ، قال: تَسَحَّرْنَا مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ ، ثم قُمْنَا إلى الصلاةِ. قلتُ: كم كان قَدْرُ ذلك؟ قال: خَمْسِينَ آية. مُتَّفَقٌ عليه (٤). ورَوَى العِربَاضُ بن سارِيَةَ، قال: دَعَانِى رسولُ اللهِ ﷺ إلى السَّحُورِ، فقال: هَلُمَّ إلى الغَداءِ المُبَارَكِ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ (٥). سَمَّاهُ غَدَاءً لِقُرْبِ وَقْتِه منه. ولأنَّ المَقْصُودَ بِالسَّحُورِ التَّقَوِّى على الصَّوْمِ، وما كان أقْرَبَ إلى الفَجْرِ كان أعْوَنَ على الصَّوْمِ. قال أبو دَاوُدَ: قال أبو عبدِ اللهِ: إذا شَكَّ فى الفَجْرِ يَأْكُلُ حتى يَسْتَيْقِنَ طُلُوعَهُ. وهذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وعَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ. قال أحمدُ: يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٦). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا يَمْنَعْكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ

стр. 2080

أذَانُ بِلَالٍ، وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ، ولكِن الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ فى الأُفُقِ". قال التِّرْمِذِىُّ (٧): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى أبو قِلابَةَ قال: قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِىَ اللَّه عنه، وهو يَتَسَحَّرُ: يا غُلامُ، أَجِفِ البَابَ، لا يَفْجَأنَا الصُّبْحُ. وقال رجلٌ لابنِ عَبَّاسٍ: إنِّى أتَسَحَّرُ؛ فإذا شَكَكْتُ أمْسَكْتُ. فقال ابنُ عَبَّاسٍ: كُلْ ما شَكَكْتَ، حتى لا تَشُكَّ. فأمَّا الجِماعُ فلا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُه؛ لأنَّه ليس ممَّا يُتَقَوَّى به، وفيه خَطَرُ وُجُوبِ الكَفَّارَةِ، وحُصُولُ الفِطْرِ به. الثالث، فيما يُتَسَحَّرُ به. وكلُّ ما حَصَلَ من أكْلٍ وشُرْبٍ (٨) حَصَلَ به فَضِيلَةُ السَّحُورِ؛ لِقَوْلِه ﵇: "وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أحَدُكُمْ جُرْعَةً من مَاءٍ". ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "نِعْمَ سَحُورُ المُؤْمِنِ التَّمْرُ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٩). الفصل الثانى، فى تَعْجِيلِ الفِطْرِ. وفيه أُمُورٌ ثلاثةٌ؛ أحَدُها، فى اسْتِحْبَابِه. وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ لما رَوَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ السَّاعِدِىُّ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لا يزَالُ النَّاسُ (١٠) بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). وعن أبى عَطِيَّةَ، قال: دَخَلْتُ أنَا ومَسْرُوقٌ على عَائِشَةَ، فقال مَسْرُوقٌ: رَجُلانِ من أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أحَدُهما يُعَجِّلُ الإِفْطارَ ويُعَجِّلُ المَغْرِبَ، والآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطارَ ويُؤَخِّرُ

стр. 2081

المَغْرِبَ؟ قالتْ: مَن الذى يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ ويُعَجِّلُ المَغْرِبَ؟ قال: عبدُ اللهِ (١٢). قالت: هكذا كان رسولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٣). وعن أبى هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَحَبُّ عِبَادِى إلَىَّ أسْرَعُهُمْ فِطْرًا". قال التِّرْمِذِىُّ (١٤): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غرِيبٌ. وقال أنَسٌ: ما رَأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّى حتى يُفْطِرَ، ولو على شَرْبَةٍ من مَاءٍ. رَوَاهُ ابنُ عبدِ البَرِّ (١٥)، الثانى، فيما يُفْطرُ عليه. يُسْتَحَبُّ أن يُفْطِرَ على رُطَبَاتٍ، فإن لم يَكُنْ فعلى تَمَرَاتٍ، فإن لم يَكُنْ فعلى المَاءِ؛ لما رَوَى أنَسٌ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ على رُطَبَاتٍ قبلَ أنْ يُصَلِّىَ، فإن لم يَكُنْ فعَلَى تَمَرَاتٍ، فإن لم يَكُنْ تَمَراتٌ حَسَا حَسَواتٍ (١٦) مِنْ (١٧) ماءٍ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والأثْرَمُ، والتِّرْمِذِىُّ (١٨)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وعن سَلْمان (١٩) بن عامِرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ على تَمْرٍ، فَإنْ لم يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْماءِ، فإنَّهُ طَهُورٌ".

стр. 2082

أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٢٠)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. الثالثُ، فى الوِصَالِ، وهو أن لا يُفْطِرَ بين اليَوْمَيْنِ بِأكْلٍ ولا شُرْبٍ. وهو مَكْرُوهٌ فى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. ورُوِىَ عن ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّه كان يُوَاصِلُ اقْتِدَاءً بِرسولِ اللهِ ﷺ . ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: وَاصَلَ رسولُ اللهِ ﷺ فى رمضانَ، فوَاصَلَ النَّاسُ، فَنَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن الوِصَالِ، فقالوا: إنَّك تُوَاصِلُ. قال: "إنِّى لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّى أُطْعَمُ وأُسْقَى". مُتَّفَقٌ عليه (٢١). وهذا يَقْتَضِى اخْتِصَاصَه بذلك، ومَنْعَ إلْحَاقِ غَيْرِه به. وقَوْلُه: "إنِّى أُطْعَمُ وأُسْقَى". يَحْتَمِلُ أنَّه يُرِيدُ أنَّه يُعانُ على الصِّيَامِ، ويُغْنِيه اللهُ تعالى عن الشَّرابِ والطَّعَامِ، بِمَنْزِلَةِ من طَعِمَ وشَرِبَ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ، إنِّى أُطْعَمُ حَقِيقَةً، وأُسْقَى حَقِيقَةً، حَمْلًا لِلَّفْظِ على حَقِيقَتِه. والأوَّلُ أَظْهَرُ، لِوَجْهَيْنِ: أحدُهما، أنَّه لو طَعِمَ وشَرِبَ حَقِيقَةً لم يَكُنْ مُوَاصِلًا، وقد أقَرَّهم على قَوْلِهم: إنَّكَ تُوَاصِلُ. والثانى، أنَّه قد رُوِىَ أنَّه قال: "إنِّى أَظَلُّ يُطْعِمُنِى رَبِّى ويَسْقِينِى" (٢٢). وهذا يَقْتَضِى أنَّه فى النَّهارِ، ولا يَجُوزُ الأكْلُ فى

стр. 2083

النَّهارِ له ولا لِغَيرِه. إذا ثَبت هذا، فإنَّ الوِصَالَ غيرُ مُحَرَّمٍ. وظاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِىِّ أنَّه مُحَرَّمٌ، تَقْرِيرًا لِظَاهِرِ النَّهْىِ فى التَّحْرِيمِ. ولَنا، أنَّه تَرك الأَكْل والشُّرْب المُباح، فلم يَكُنْ مُحَرَّمًا، كما لو تَرَكَه فى حَالِ الفِطْرِ. فإن قِيلَ: فصَوْمُ يَوْمِ العِيدِ مُحَرَّمٌ، مع كَوْنِه تَرْكًا لِلْأَكْلِ والشُّرْبِ المُباحِ. قُلْنا: ما حُرِّمَ تَرْكُ الأَكْلِ والشُّرْبِ بِنَفْسِه؛ وإنَّما حُرِّمَ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ، ولهذا لو تَرَكَهُ مِن غيرِ نِيَّةِ الصَّوْمِ لم يَكُنْ مُحَرَّمًا. وأما النَّهْىُ فإنَّما أتَى به رَحْمَةً لهم، ورِفْقًا بهم؛ لما فيه من المَشَقَّةِ عليهم. كما نَهَى عبدَ اللهِ بن عَمْرٍو عن صِيامِ النَّهارِ، وقِيامِ اللَّيْلِ، وعن قِرَاءَةِ القُرْآنِ فى أَقَلَّ من ثَلَاثٍ. قالتْ عائشةُ: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن الوِصَالِ، رَحْمَةً لهم (٢٣). وهذا لا يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ، ولهذا لم يَفْهَمْ منه أصْحابُ النَّبِىِّ ﷺ التَّحْرِيمَ، بِدَلِيلِ أنَّهم وَاصَلُوا بعدَه، ولو فَهِمُوا منه التَّحْرِيمَ لما اسْتَجَازُوا فِعْلَهُ. قال أبو هُرَيْرَةَ: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن الوِصَالِ، فلمَّا أبَوْا أن يَنْتَهُوا، وَاصَلَ بهم يَوْمًا ويَوْمًا، ثم رَأوا الهِلَالَ. فقال: "لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ". كالْمُنَكِّلِ لهم حِينَ أَبَوْا أن يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عليه (٢٤). فإن وَاصَلَ من سَحَرٍ إلى سَحَرٍ جازَ؛ لما رَوَى أبو سَعِيدٍ، أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أرَادَ أنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ" أخْرَجَهُ البُخَارِىُّ (٢٥). وتَعْجِيلُ الفِطْرِ أفْضَلُ، لما قَدَّمْنَاهُ.

стр. 2084

فصل: ويُسْتَحَبُّ تَفْطِيرُ الصَّائِمِ؛ لما رَوَى زَيْدُ بن خَالِدٍ الجُهَنِىُّ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَىْءٌ". قال التِّرْمِذِىُّ (٢٦): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فصل: رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: كان النَّبِىُّ ﷺ إذا أَفْطَرَ، قال: "اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنَا، وعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْنَا، فتَقَبَّلْ مِنَّا، إنَّكَ أنْتَ السَّمِيِعُ العَلِيمُ". وعن ابنِ عمرَ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا أَفْطَرَ، يقول: "ذهَبَ الظَّمَأُ، وابْتَلَّتِ العُرُوقُ، وَثَبَتَ الأَجْرُ، إن شَاءَ اللهُ". وإسْنَادُه حَسَنٌ، ذَكَرَهما الدَّارَقُطْنِىُّ (٢٧). ٥٢٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، وإنْ فَرَّقَهَا، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ صَوْمَ سِتَّةِ أَيَّامٍ من شَوَّال مُسْتَحَبٌّ عند كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن كَعْبِ الأحْبارِ، والشَّعْبِىِّ، ومَيْمُونِ بن مِهْرانَ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وكَرِهَهُ مالِكٌ. وقال: ما رأيْتُ أحَدًا من أهْلِ الفِقْهِ يَصُومُها، ولم يَبْلُغْنِى ذلك عن أحَدٍ من السَّلَفِ، وأنَّ أهْلَ العِلْمِ يَكْرَهُونَ ذلك، ويَخَافُونَ بِدْعَتَهُ، وأن يُلْحَقَ بِرمضانَ ما ليس منه. ولَنا، ما رَوَى أبو أيُّوبَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ". رَوَاهُ أبو

стр. 2085

دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقال أحمدُ: هو مِن ثلاثةِ أَوْجُهٍ عن النَّبِىِّ ﷺ . ورَوَى سَعِيدٌ، بإسْنَادِه عن ثَوْبَانَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، شَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وصَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الفِطْرِ، وذلِكَ تَمَامُ سَنَةٍ" (٢). يَعْنِى أنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثَالِها، فالشَّهْرُ بِعَشَرَةٍ والسِّتَّةُ بِسِتِّينَ يَوْمًا. فذلك اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، وهو سَنَةٌ كَامِلَةٌ، ولا يَجْرِى هذا مَجْرَى التَّقْدِيمِ لِرمضانَ، لأنَّ يَوْمَ الفِطْرِ فَاصِلٌ. فإن قِيلَ: فلا دَلِيلَ فى هذا الحَدِيثِ على فَضِيلَتِها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ شَبَّهَ صِيامَها بِصِيَامِ الدَّهْرِ، وهو مَكْرُوهٌ. قُلْنا: إنَّما كُرِهَ صَوْمُ الدَّهْرِ؛ لما فيه من الضَّعْفِ والتَّشْبِيهِ بِالتَّبَتُّلِ، لولا ذلك لَكان (٣) فَضْلًا عَظِيمًا، لِاسْتِغْرَاقِه الزَّمانَ بِالعِبادَةِ والطَّاعَةِ، والمُرَادُ بالخَبَرِ التَّشْبِيهُ به فى حُصُولِ العِبَادَةِ به، على وَجْه عَرِىٍّ عن المَشَقَّةِ، كما قال ﵇: "مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ" (٤). ذَكَرَ ذلك حَثًّا على صِيَامِها، وبَيانِ فَضْلِهَا، ولا خِلافَ فى اسْتِحْبَابِها. ونَهَى عبدَ اللهِ بن عَمْرٍو عن قِرَاءَةِ القُرْآنِ فى أَقَلَّ من ثَلاثٍ (٥).

стр. 2086

وقال: "مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَكَأَنَّما قَرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ" (٦). أرَادَ التَّشْبِيهَ بِثُلُثِ القُرْآنِ فى الفَضْلِ، لا فى كَرَاهةِ الزِّيادَةِ عليه. إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بين كَوْنِها مُتَتابِعَةً أو مُفَرَّقَةً، فى أوَّلِ الشَّهْرِ أو فى آخِرِه؛ لأنَّ الحديثَ وَرَدَ بها مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقْيِيدٍ، ولأنَّ فَضِيلَتَها لِكَوْنِها تَصِيرُ مع الشَّهْرِ سِتَّةً وثلاثِينَ يَوْمًا، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها؛ فيكونُ ذلك كثلاثِمائِة وسِتِّينَ يَوْمًا، وهى (٧) السَّنَةُ كُلُّها، فإذا وُجِدَ ذلك فى كلِّ سَنَةٍ صارَ كصِيامِ الدَّهْرِ كلِّه (٨)، وهذا المَعْنَى يَحْصُلُ مع التَّفْرِيقِ. واللهُ أعلمُ. ٥٢٣ - مسألة؛ قال: (وصِيَامُ يَوْمِ (١) عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، ويَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ) وجُمْلَتُه أنَّ صِيامَ هذَيْنِ اليَوْمَيْنِ مُسْتَحَبٌّ؛ لما رَوَى أبو قَتادَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه (٢) قال فى (٣) صِيَامِ (٤) عَرَفَةَ: "إنِّى أحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى

стр. 2087

قَبْلَهُ والسَّنَةَ التى بَعْدَهُ" (٥). وقال فى صِيامِ عَاشُورَاءَ: "إنى أحْتَسِبُ على اللَّه أن يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٦). إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ عَاشُورَاءَ هو اليومُ العاشِرُ من المَحَرَّمِ. وهذا قولُ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، والحسنِ؛ لما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بِصَوْمِ يومِ عَاشُورَاءَ العَاشِرِ من المُحَرَّمِ. أخْرجَه (٧) التِّرْمِذِىُّ (٨)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: التَّاسِعِ. وَرُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يصومُ التَّاسِعَ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بمَعْنَاه (٩). ورَوَى عنه عَطَاءٌ، أنَّه قال: "صُومُوا التَّاسِعَ والعَاشِرَ، ولا تَشَبَّهُوا باليَهُودِ" (١٠). إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يُسْتَحَبُّ صَوْمُ التَّاسِعِ والعَاشِرِ لذلك. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ إسحاقَ. قال أحمدُ: فإن اشْتَبَهَ عليه أَوَّلُ الشَّهْرِ صامَ ثلاثةَ أيَّامٍ. وإنَّما يَفْعَلُ ذلك لِيَتَيَقَّنَ صَوْمَ التَّاسِعِ والعاشِرِ. فصل: واخْتُلِفَ فى صومِ عاشُوراءَ، هل كان وَاجِبًا؟ فذَهَبَ القاضى إلى أنَّه لم

стр. 2088

يَكُنْ وَاجِبًا. وقال: هذا قِياسُ المَذْهَبِ. واسْتَدَلَّ بشَيْئَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، أمَرَ مَن لم يَأْكُلْ بِالصَّوْمِ، والنِّيَّةُ فى اللَّيْلِ شَرْطٌ فى الوَاجِبِ. والثانى، أنَّه لم يَأْمُرْ مَن أكَلَ بالقَضاءِ، ويَشْهَدُ لهذا ما رَوَى مُعَاوِيَةُ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ هذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، لَمْ يَكْتُبِ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُم، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ" (١١). وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه كان مَفْرُوضًا؛ لِمَا رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صامَهُ وأمَرَ بِصِيامِه، فلما افْتُرِضَ رمضانُ كان هو الفَرِيضَةَ، وتَرَك عَاشُورَاءَ، فمن شاءَ صامَهُ ومَن شاءَ تَرَكَهُ (١٢). وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وحديثُ مُعاوِيَةَ مَحْمُولٌ على أنَّه أرادَ، ليس هو مَكْتُوبًا عليكم الآن. وأمَّا تَصْحِيحُه بِنِيَّةٍ من النَّهَارِ، وتَرْكُ الأمْرِ بِقَضائِه، فيَحْتَمِلُ أنْ نقولَ: مَن لم يُدْرِك اليومَ بِكَمالِه لم يَلْزَمْهُ قَضَاؤُه. كما قُلْنَا فى مَن أَسْلَمَ وبَلَغَ فى أثْنَاءِ يَوْمٍ من رمضانَ. على أنَّه قد رَوَى أبو دَاوُدَ (١٣)، أنَّ أسْلَمَ أتَتِ النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: "صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هذَا؟ " قالوا: لا. قال: "فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَاقْضُوهُ". فصل: فأمَّا يَوْمُ عَرَفَةَ: فهو اليَوْمُ التَّاسِعُ من ذِى الحِجَّةِ، سُمِّىَ بذلك، لأنَّ

стр. 2089

الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فيه. وقِيلَ: سُمِّىَ يوْمَ عَرَفَةَ، لأنَّ إبراهيمَ ﵇ أُرِىَ فى المَنَامِ لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ أنَّه يُؤْمَرُ بِذَبْحِ ابْنِه، فأصْبَحَ يَوْمَه يَتَرَوَّى، هل هذا من اللهِ أو حُلْمٌ؟ فسُمِّىَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فلمَّا كانتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ رَآه أيْضًا فأصْبَحَ يَوْمَ عَرَفَة، فعَرَفَ أنَّه من اللهِ، فسُمِّىَ يَوْمَ عَرَفَةَ. وهو يَوْمٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ، وعِيدٌ كَرِيمٌ، وفَضْلُه كَبِيرٌ. وقد صَحَّ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّ صِيامَهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ (١٤). فصل: وأيَّامُ عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ كُلُّها شَرِيفَةٌ مُفَضَّلَةٌ يُضاعَفُ العَمَلُ فيها، ويُسْتَحَبُّ الاجْتِهادُ فى العِبادَةِ فيها؛ لما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ أيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أحَبُّ إلَى اللهِ مِنْ هذِهِ الْأيَّامِ العَشْرِ". قالوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجِهَادُ فى سَبِيلِ اللهِ؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ولَا الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللهِ، إلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِه ومَالِه، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذلِكَ بِشَىْءٍ" (١٥). وهو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وعن أبى هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ قال: "مَا مِن أيَّامٍ أحَبُّ إلَى (١٦) اللهِ أنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا، مِنْ عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ، يُعْدَلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْها بِصِيَامِ سَنَةٍ، وقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ". وهذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، أخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ (١٧). ورَوَى أبو دَاوُدَ (١٨)، بإسْنادِه عن بعضِ أزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِى الحِجَّةِ، ويَوْمَ عَاشُورَاءَ.

стр. 2090

٥٢٤ - مسألة؛ قال: (ولا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ أنْ يَصُومَ، لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ) أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ الفِطْرَ يومَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. وكانت عائشةُ، وابنُ الزُّبَيْرِ، يَصُومَانِه. وقال قَتادَةُ: لا بَأْسَ به إذا لم يَضْعُفْ عن الدُّعاءِ. وقال عَطاءٌ: أَصُومُ فى الشِّتاءِ ولا أصُومُ فى الصَّيْفِ. لأنَّ كَرَاهَةَ صَوْمِه إنَّما هى مُعَلَّلَةٌ (١) بالضَّعْفِ عن الدُّعاءِ، فإذا قَوِىَ عليه، أو كان فى الشِّتاءِ، لم يَضْعُفْ، فتزُولُ الكَرَاهَةُ. ولَنا، ما رُوِىَ عن أُمِّ الفَضْلِ بنت الحارِثِ، أنَّ ناسًا تَمارَوْا بين يَدَيْها يومَ عَرَفَةَ فى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال بَعْضُهُم: صَائِمٌ. وقال بَعْضُهم: ليس بصائِمٍ. فأرْسَلَتْ إليه بِقَدَحٍ من لَبَنٍ، وهو واقِفٌ على بَعِيرِهِ بِعَرَفَات، فَشَرِبَهُ النَّبِىُّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (٢). وقال ابنُ عمرَ: حَجَجْتُ مع النَّبِىِّ ﷺ ، فلم يَصُمْه -يَعْنِى يومَ عَرَفَةَ- ومع أبى بكرٍ فلم يَصُمْهُ، ومع عمرَ فلم يَصُمْه، ومع عثمانَ فلم يَصُمْهُ، وأنا لا أصُومُه، ولا آمُرُ به، ولا أنْهَى عنه. أخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ (٣)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى أبو دَاوُدَ (٤)، بإسْنادِه عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن صِيامِ يومِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ.

стр. 2091

ولأنَّ الصَّوْمَ يُضْعِفُه، ويَمْنَعُه الدُّعاءَ فى هذا اليَوْمِ المُعَظَّمِ، الذى يُسْتَجابُ فيه الدُّعاءُ، فى ذلك المَوْقِفِ الشَّرِيفِ، الذى يُقْصَدُ مِن كلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، رَجاءَ فَضْلِ اللَّه فيه، وإجابةِ دُعَائِه به، فكان تَرْكُه أفْضَلَ. فصل: رُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَفضَلُ الصِّيَامِ بعد شهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّم". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٥)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فصل: وأفْضَلُ الصِّيامِ أن تَصُومَ يَوْمًا وتُفْطِرَ يَوْمًا؛ لما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال له: "صُمْ يَوْمًا، [وأَفْطِرْ يَوْمًا] (٦)، فَذلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ". فقلتُ: إنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِن ذلك. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ". مُتَّفَقٌ عليه (٧). فصل: ورَوَى أبو دَاوُدَ (٨)، بإسْنَادِه عن أُسامَةَ بن زيدٍ، أنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ كان يَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ والخَمِيسِ، فسُئِلَ عن ذلك، فقال: "إنَّ أعْمَالَ النَّاسِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ والخَمِيسِ". ٥٢٥ - مسألة؛ قال: (وأَيَّامُ البِيضِ الَّتِى حَضَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى صِيَامِهَا، هِىَ الثَّالِثُ عَشَرَ والرَّابِعُ عَشَرَ والخامِسُ عَشَرَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ صِيامَ ثلاثةِ أيَّامٍ من كلِّ شَهْرٍ مُسْتَحَبٌّ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.

стр. 2092

وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أوْصانِى خَلِيلِى بثلاثٍ؛ صِيَامِ ثَلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَىِ الضُّحَى، وأنْ أُوتِرَ قبلَ أن أنَامَ. وعن عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال له: "صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ؛ فإنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثَالِها، وذلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ". مُتَّفَقٌ عليهما (١). ويُسْتَحَبُّ أن يَجْعَلَ هذه الثَّلَاثَةَ أيَّامَ البِيض؛ لما رَوَى أبو ذَرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يَا أبَا ذَرٍّ، إذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشَرْةَ، وأرْبَعَ عَشَرَةَ، وخَمْسَ عَشَرَةَ". أخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ (٢)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى النَّسائِىُّ (٣)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لِأعْرابِىٍّ: "كُلْ". قال: إنِّى صَائِمٌ. قال: "صَوْمُ مَاذا؟ ". قال: صَوْمُ ثَلَاثَة أيَّامٍ من الشَّهْرِ. قال: "إنْ كُنْتَ صَائِمًا فَعَلَيْكَ بالغُرِّ الْبِيضِ؛ ثَلَاثَ عَشرَةَ، وأرْبَعَ عَشرَةَ، وخَمْسَ عَشرَةَ". وعن مِلْحَانَ القَيْسِىّ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنا أن نَصُومَ البِيضَ؛ ثَلَاثَ عَشرَةَ، وأرْبَعَ عَشرَةَ، وخَمْسَ عَشرَةَ. وقال: "هُوَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ". أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ (٤). وسُمِّيَتْ أيَّام البِيضِ لِابْيِضاضِ لَيْلِها كلِّه بالقَمَرِ، والتَّقْدِير: أيَّامِ اللَّيَالِى البِيضِ. وقِيل: إنَّ اللهَ تَابَ على آدَمَ فيها، وبَيَّضَ صَحِيفَتَه. ذَكَرَهُ أبو الحسنِ التَّمِيمِىُّ. فصل: ويَجِبُ على الصَّائِمِ أنْ يُنَزَّهَ صَوْمَهُ عن الكَذِبِ والغِيبَةِ والشَّتْمِ. قال

стр. 2093

أحمدُ: يَنْبَغِى لِلصَّائِمِ أنْ يَتَعاهَدَ صَوْمَه من لِسانِه، ولا يُمَارِى، ويَصُونَ صَوْمَه، كانوا إذا صامُوا قَعدُوا فى المَساجِدِ، وقالوا: نَحْفَظُ صَوْمَنا. ولا يَغْتابُ أحَدًا، ولا يَعْمَلُ عَمَلًا يَجْرَحُ به صَوْمَه. وقال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ لمْ يَدَعْ قَؤلَ الزُّورِ، والعَمَلَ به، فلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فى أن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ". وقال أبو هُرَيْرَةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "قَالَ اللهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إلَّا الصِّيَامَ، فَإنَّهُ لِى، وَأَنا أَجْزِى بِهِ، الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلَا يَرْفُثْ، ولا يَصْخَبْ، فَإنْ سَابَّه أحَدٌ أو قَاتَلَه، فَلْيَقُلْ: إنِّى امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عند اللهِ من رِيحِ المِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَان يَفْرَحُهُما، إذا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِه". مُتَّفَقٌ عليهما (٥). فصل: فى لَيْلَةِ القَدْرِ: وهى لَيْلَةٌ شَرِيفَةٌ مُبَارَكَةٌ مُعَظَّمَةٌ مُفَضَّلَةٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (٦). قِيلَ: مَعْنَاهُ العَمَلُ فيها خَيْرٌ من العَمَلِ فى ألْفِ شَهْرٍ ليس فيها لَيْلَةُ القَدْرِ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه". مُتَّفَقٌ عليه (٧). وقيل: إنَّما سُمِّيَتْ لَيْلَةَ

стр. 2094

القَدْرِ؛ لأنَّه يُقَدَّرُ فيها ما يَكُونُ فى تِلْكَ السَّنَةِ من خَيْرٍ ومُصِيبَةٍ، ورِزْقٍ وبَرَكَةٍ. يُرْوَى ذلك عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قال اللهُ تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٨). وسَمَّاهَا مُبَارَكَةً، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (٩). وهى لَيْلَةُ القَدْرِ؛ بدَلِيلِ قَوْلِه سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١٠). وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (١١). يُرْوَى أنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ به من بَيْتِ العِزَّةِ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فى لَيْلَةِ القَدْرِ، ثم نَزَل به على النَّبىِّ ﷺ نُجُومًا فى ثَلَاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً (١٢). وهى بَاقِيَةٌ لم تُرْفَعْ؛ لما رَوَى أبو ذَرٍّ قال، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، لَيْلَةُ القَدْرِ رُفِعَتْ مع الأنْبِيَاءِ، أو هى بَاقِيَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ قال: "بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". قلتُ: فى رمضانَ أو فى غَيرْهِ؟ فقال: "فِى رَمَضَانَ". فقلتُ: فى العَشْرِ الأوَّلِ، أو الثانى، أو الآخِر؟ فقال: "فِى العَشْرِ الآخِرِ" (١٣). وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ على أنَّها فى رمضانَ. وكان ابنُ مسعودٍ يقولُ: مَن يَقُمِ الحَوْلَ يُصِبْها. يُشيرُ إلى أنَّها فى السَّنَةِ كُلِّها. وفى كِتَابِ اللهِ تعالى ما يُبَيِّنُ أنَّها فى رمضانَ؛ لأنَّ اللهَ أخْبَرَ أنَّه أنْزَلَ القُرْآنَ فى لَيْلَةِ القَدْرِ، وأنَّه أنْزَلَهُ فى رمضانَ، فيَجِبُ أن تَكُونَ لَيْلَةُ القَدْرِ فى رمضانَ؛ لئَلَّا يَتَناقَضَ الخَبَرَانِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ذَكَرَ أنَّها فى رمضانَ فى حَدِيثِ أبى ذَرٍّ، وقال: "الْتَمِسُوهَا فى العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِى كُلِّ وَتْرٍ". مُتَّفَقٌ عليه (١٤). وقال أُبَىُّ بنُ

стр. 2095

كَعْبٍ: واللهِ لقد عَلِمَ ابنُ مسعودٍ أنَّها فى رمضانَ، ولكنَّه كَرِهَ أن يُخْبِرَكُم، فَتَتَّكِلُوا. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يُسْتَحَبُّ ظَلَبُها فى جَمِيعِ لَيالِى رمضانَ، وفى العَشْرِ الأوَاخِرِ آكَدُ، وفى لَيَالِى الوَتْرِ منه آكَدُ. وقال أحمدُ: هى فى العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وفى وَتْرٍ من اللَّيَالِى، لا يُخْطِئُ إن شاءَ اللَّه، كذا رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "اطْلُبُوهَا فى العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فى ثَلَاثٍ بَقِينَ، أو سَبْعٍ بَقِينَ، أو تِسْعٍ بَقِينَ" (١٥). ورَوَى سالِمٌ عن أبِيه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أنَّها فَى العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَالْتَمِسُوهَا فى العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فى الوَتْرِ مِنْها". مُتَّفقٌ عليه (١٦). وقالت عائشةُ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا دَخَلَ (١٧) العَشْرُ الأَوَاخِرُ من رمضانَ، أحْيَا اللَّيْلَ، وأَيْقَظَ أهْلَه، وشَدَّ المِئْزَرَ". مُتَّفَقٌ عليه (١٨). قالت: وكان يَجْتَهِدُ فى العَشْرِ الأَوَاخِرِ ما لا يَجْتَهِدُ فى غيرِها (١٩). وقال علىٌّ، رَضِىَ اللَّه

стр. 2096

عنه: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُوقِظُ أهْلَهُ فى العَشْرِ الأوَاخِر (٢٠). وقالت عائشةُ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يجاوِرُ فى العَشْرِ الأَوَاخِرِ من رمضانَ (٢١). وفى لَفْظٍ لِلْبُخَارىِّ: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فى الوَتْرِ، فى العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ" (٢٢). وكُلُّ هذه الأحادِيثِ صَحِيحَةٌ. فصل: واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فى أرْجَى هذه اللَّيَالِى، فقال أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ: هى ليلةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ. [قال زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ: قلتُ لأُبَىّ بن كَعْبٍ: أما عَلِمْتَ أبا المُنْذِرِ، أنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ؟ ] (٢٣) قال: بَلَى أخْبَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أنَّها لَيْلَةٌ صَبِيحَتُها تَطْلُعُ الشَّمْسُ ليس لَها شُعاعٌ. فعَدَدْنا، وحَفِظْنَا، واللهِ لقد عَلِمَ ابنُ مسعودٍ أنَّها فى رمضانَ، وأنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، ولكِنَّه كَرِهَ أن يُخْبِرَكُم، فتَتَّكِلُوا. قال التِّرْمِذِىُّ (٢٤): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَوَى أبو ذَرٍّ فى حَدِيثٍ فيه طُولٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَقُمْ فى رمضانَ حتى بَقِىَ سَبْعٌ، فقامَ بهم، حتى مَضَى نَحْوٌ من ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثم قامَ بهم فى لَيْلَة خَمْسٍ

стр. 2097

وعِشْرِينَ، حتى مَضَى نحوٌ من شَطْرِ اللَّيْلِ، حتى كانتْ لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، فجَمَعَ نِسَاءَهُ وأَهْلَه، واجْتَمَعَ النّاسُ، قال: فقامَ بهم حتى خَشِينَا أن يَفُوتَنَا الفَلَاحُ. يَعْنِى السَّحُورَ. مُتَّفَقٌ عليه (٢٥). وحُكِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: سُورَةُ القَدْرِ ثَلَاثُونَ كَلِمَةً، السَّابِعَةُ والعِشْرُونَ منها ﴿هِىَ﴾ (٢٦). ورَوَى أبو دَاوُدَ (٢٧)، بإسْنَادِه عن مُعاوِيَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، فى لَيْلَةِ القَدْرِ، قال: "لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ". وقيل: آكَدُها لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وعِشْرِينَ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّ عبدَ اللهِ بن أُنَيْسٍ، سَأَلَهُ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّى أكُونُ بِبَادِيَةٍ يقال لها الوَطَاة (٢٨)، وإنِّي بِحَمْدِ اللَّه أُصَلِّى بهم، فمُرْنِى بِلَيْلَةٍ من هذا الشَّهْرِ أنْزِلُها فى المَسْجِدِ، فأُصَلِّيها فيه. فقال: "انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وعِشْرِينَ، فَصَلِّها فِيهِ، وإنْ أحْبَبْتَ أن تَسْتَتِمَّ آخِرَ هذَا الشَّهْرِ فَافْعَلْ، وإنْ أحْبَبْتَ فَكُفَّ". فكان إذا صَلَّى العَصْرَ دَخَلَ المَسْجِدَ، فلم يَخْرُجْ إلَّا فى حَاجَةٍ، حتى يُصَلِّىَ الصُّبْحَ، فإذا صَلَّى الصُّبْحَ كانت دَابَّتُه بِبابِ المَسْجِدِ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ مُخْتَصَرًا (٢٩). وقيل: آكَدُها لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَيْلَةُ القَدْرِ أوَّلُ لَيْلَةٍ من السَّبْعِ الأَوَاخِرِ" (٣٠). ورُوِىَ عن بعضِ الصَّحابَةِ، أنَّه قال: لم نَكُنْ نَعُدُّ

стр. 2098

عَدَدَكُمْ هذا، وإنَّما (٣١) نَعُدُّ من آخِرِ الشَّهْرِ. يعنى أنَّ السَّابِعَةَ والعِشْرِينَ هى أوَّلُ لَيْلَةٍ من السَّبْعِ الأواخِرِ. ورَوَى أبو ذَرٍّ، قال: صُمْنَا مع رسولَ اللهِ ﷺ شهرَ رمضانَ، فلم يَقُمْ بِنا حتى كانت لَيْلَةُ سَبْعٍ بَقِيَتْ، فقام بِنا نَحْوًا من ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثم لم يَقُمْ لَيْلَةَ سِتٍّ، فلما كانت لَيْلَةُ خَمْسٍ قام بِنا النَّبِىُّ ﷺ نَحْوًا من نِصْفِ اللَّيْلِ، فقُلْنا: يا رسولَ اللَّه، لو نَفَلْتَنَا قِيامَ هذه اللَّيْلَة؟ فقال: "إنَّ الرَّجُلَ إذَا صَلَّى مَعَ الإمَامِ حتى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ له قِيَامُ لَيْلَةٍ". فلمَّا كانتْ لَيْلَةُ ثلاثٍ، قامَ بِنا حتى خَشِينَا أن يَفُوتَنا الفَلاحُ. فقلتُ: وما الفَلاحُ؟ قال: السَّحُورُ. وأيْقَظَ فى تلك اللَّيْلَةِ أهْلَهُ ونِسَاءَهُ وبَناتَهُ. رَوَاهُ سَعِيدٌ (٣٢). وقيل: آكَدُهَا لَيْلَةُ إحْدَى وعِشْرِينَ؛ لما رَوَى أبو سعيدٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فى العَشْرِ الأوَاخِرِ، فى الوَتْرِ، وإنِّى رَأيْتُ أَنِّى أسْجُدُ فى صَبِيحَتِهَا فى مَاءٍ وطِينٍ". قال: فجاءَتْ سَحَابَةٌ، فمَطَرَتْ حتى سالَ سَقْفُ المَسْجِدِ، وكان من جَرِيدِ النَّخْلِ، فأُقِيمَتِ الصلاةُ، فرأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ فى الماءِ والطِّينِ، حتى رَأيْتُ أثَرَ الماءِ والطِّينِ فى جَبْهَتِه. وفى حديثٍ: "فى صَبِيحَةِ إحْدَى وعِشْرِينَ". مُتَّفَقٌ عليه (٣٣). قال التِّرْمِذِىُّ (٣٤): قد رُوِىَ أنَّها لَيْلَةُ

стр. 2099

إحْدَى وعِشْرِينَ، ولَيْلَةُ ثلاثٍ وعِشْرِينَ، ولَيْلَةُ خَمْسٍ وعِشْرِينَ، ولَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، ولَيْلَةُ تِسْعٍ وعِشْرِينَ، وآخِرُ لَيْلَةٍ. وقال أبو قِلابةَ: إنَّها تَنْتَقِلُ فى لَيَالِى العَشْرِ. قال الشَّافِعِىُّ: كان هذا عِنْدِى -واللهُ أعْلَمُ- أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُجِيبُ على نحو ما يُسْألُ. فعلى هذا كانتْ فى السَّنَةِ التى رَأَى أبو سعيدٍ النَّبِىَّ ﷺ يَسْجُدُ فى الماءِ والطِّينِ لَيْلَة إحْدَى وعِشْرِينَ، وفى السَّنَةِ التى أمَرَ عبدَ اللَّه بن أُنَيْسٍ لَيْلَةَ ثلاثٍ وعِشْرِينَ، وفى السَّنَةِ التى رَأَى أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ عَلامَتَها لَيْلَةَ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، وقد تُرَى علامَتُها فى غير هذه اللَّيَالِى. قال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: أبْهَمَ اللهُ تعالى هذه اللَّيْلَةَ على الأُمَّةِ لِيَجْتَهِدُوا فى طَلَبِها، ويَجِدُّوا فى العِبادَةِ فى الشَّهْرِ كُلِّه طَمَعًا فى إدْراكِها، كما أخْفَى ساعةَ الإِجابةِ فى يَوْمِ الجُمُعَةِ، لِيُكْثِرُوا من الدُّعاءِ فى اليَوْمِ كُلِّه، وأخْفَى اسْمَهُ الأعْظَمَ فى الأسْماءِ ورِضاهُ فى الطَّاعَاتِ، لِيَجْتَهِدُوا فى جَمْعِها، وأخْفَى الأجَلَ وقِيامَ السَّاعَةِ، لِيَجِدَّ النَّاسُ فى العَمَلِ، حَذَرًا منهما. فصل: فأمَّا عَلامَتُها، فالمَشْهُورُ فيها ما ذَكَرَهُ أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّ "الشَّمْسَ تَطْلُعُ من صَبِيحَتِها بَيْضَاءَ لا شُعاعَ لها" (٣٥). وفى بعضِ الأحادِيثِ: "بَيْضَاءَ مثل الطَّسْتِ" (٣٦). وَرُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّها (٣٧): لَيْلَةٌ (٣٨) [بَلْجَةٌ سَمْحَةٌ] (٣٩)، لَا حَارَّةٌ ولَا بَارِدَةٌ، تَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا لَا شُعَاعَ لَهَا (٤٠).

стр. 2100

فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَجْتَهِدَ فيها فى الدُّعاءِ، ويَدْعُوَ فيها بما رُوِىَ عن عائشةَ، أنَّها قالتْ: يا رسولَ اللَّه، إن وَافَقْتُهَا بِمَ أدْعُو؟ قال: "قُولِى: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّى" [رواه التِّرْمِذِىُّ] (٤١).

стр. 2101

كتابُ الاعْتِكافِ الاعْتِكافُ فى اللُّغَةِ: لُزُومُ الشَّىءِ، وحَبْسُ النَّفْسِ عليه، بِرًّا كان أو غيرَه، ومنه قَوْلُه تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (١). وقال: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (٢). قال الخَلِيلُ: عَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ. وهو فى الشَّرْعِ: الإِقامَةُ فى المسجدِ، على صِفَةٍ نَذْكُرُها، وهو قُرْبَةٌ وطَاعَةٌ. قال اللهُ تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ (٣). وقال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٤). وقالت عائشةُ: كان النَّبِىُّ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ. مُتَّفَقٌ عليه (٥). ورَوَى ابنُ مَاجَه، فى "سُنَنِه" (٦)، عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّه قال فى المُعْتَكِفِ: "هو يَعْكِفُ الذُّنُوبَ، ويُجْرَى لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الحَسَنَاتِ كُلِّهَا". وهذا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ. وفى إسْنَادِه فَرْقَد السَّبَخِىُّ (٧) قال أبو دَاوُدَ: قلتُ لأحمدَ، ﵀: تَعْرِفُ فى فَضْلِ

стр. 2102

الاعْتِكَافِ شَيْئًا؟ قال: لا، إلَّا شيئًا ضعيفا. ولا نَعْلَمُ بين العُلَماءِ خِلافًا فى أَنَّه مَسْنُونٌ. ٥٢٦ - مسألة؛ قال أبو القاسم، ﵀: (وَالاعْتِكَافُ سُنَّةٌ، إلَّا أنْ يَكُونَ نَذْرًا، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ) لا خِلافَ فى هذه الجُمْلَةِ بحمدِ اللَّه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الاعْتِكافَ (١) لا يَجِبُ على الناسِ فَرْضًا، إلَّا أنْ يُوجِبَ المَرْءُ على نَفْسِه الاعْتِكافَ نَذْرًا، فيَجِبُ عليه. وممَّا يَدُلُّ على أنَّه سُنَّةٌ، فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، ومُدَاوَمَتُه عليه، تَقَرُّبًا إلى اللَّه تعالى، وطَلَبًا لِثَوَابِه، واعْتِكافُ أَزْوَاجِه معه وبَعْدَه، ويَدُلُّ على أنَّه غيرُ واجِبٍ أنَّ أصْحابَه لم يَعْتَكِفُوا، ولا أمَرَهُم النَّبِىُّ ﷺ به، إلَّا مَن أرَادَهُ. وقال ﵇: "مَنْ أرَادَ أنْ يَعْتَكِفَ، فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ (٢) ". ولو كان وَاجِبًا لمَا عَلَّقَهُ بالإِرادَةِ. وأمَّا إذا نَذَرَه، فيَلْزَمُه؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣). وعن عمرَ، أنَّه قال: يا رسولَ اللَّه، إنِّى نَذَرْتُ أن أعْتَكِفَ لَيْلَةً فى المَسْجِدِ الحَرامِ. فقال النَّبِىُّ

стр. 2103

- ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ، ومُسْلِمٌ (٤). فصل: وإن نَوَى اعْتِكافَ (٥) مُدَّةٍ لم تَلْزَمْهُ، فإنْ شَرَعَ فيها فله إتْمامُها، وله الخُرُوجُ منها متى شاءَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: تَلْزَمُه بِالنِّيَّةِ مع الدُّخُولِ فيه، فإنْ قَطَعَهُ لَزِمَهُ قَضاؤُه. وقال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: لا يَخْتَلِفُ فى ذلك الفُقَهَاءُ، ويَلْزَمُه القَضَاءُ عند جَمِيعِ العُلَماءِ. وقال: وإن لم يَدْخُلْ فيه فالقَضاءُ مُسْتَحَبٌّ. ومن العُلَماءِ من أوْجَبَهُ وإن لم يَدْخُلْ فيه، واحْتَجَّ بما رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِن رمضانَ، فاسْتَأَذَنَتْهُ عائشةُ، فأذِنَ لها، فأمَرَتْ بِبِنَائِها فضُرِبَ، وسألتْ حَفْصَةُ أن تَسْتَأْذِنَ لها رسولَ اللَّه ﷺ فَفَعَلَتْ، فأمَرَتْ بِبِنائِها فضُرِبَ، فلما رَأتْ ذلك زينبُ بِنْتُ جَحْشٍ أَمَرَتْ بِبِنائِها فضُرِبَ، قالتْ: وكان رسولُ اللهِ ﷺ إذا صَلَّى الصُّبحَ دَخَل مُعْتَكَفَهُ، فلمَّا صَلَّى الصُّبحَ انْصَرَفَ، فَبَصُرَ بالأبنِيَةِ، فقال: "مَا هذَا؟ "، فقالوا: بِناءُ عائشةَ، وحَفْصَةَ، وزينبَ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "آلْبِرَّ أرَدْتُنَّ! مَا أَنَا بِمُعْتَكِفٍ" فرَجَعَ. فلما أفْطَرَ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِن شَوَّال. مُتَّفَقٌ على مَعْنَاه (٦). ولأنَّها عِبَادَةٌ

стр. 2104

تَتَعَلَّقُ بِالمَسْجِدِ، فلَزِمَتْ بالدُّخُولِ فيها، كالحَجِّ. ولم يَصْنَعِ ابنُ عبدِ البَرِّ شيئًا، وهذا ليس بِإِجماعٍ، ولا نَعْرِفُ هذا القَوْلَ عن أحَدٍ سِوَاهُ، وقَد قال الشَّافِعِىُّ: كُلُّ عَمَلٍ لَكَ أن لا تَدْخُلَ فيه، فإذا دَخَلْتَ فيه فخَرَجْتَ منه، فليس عليك أن تَقْضِىَ، إلَّا الحَجَّ والعُمْرَةَ. ولم يَقَعِ الإِجْماعُ على لُزُومِ نَافِلَةٍ بِالشُّرُوعِ فيها سِوَى الحَجِّ والعُمْرَةِ. وإذا كانتِ العِباداتُ التى لها أصْلٌ فى الوُجُوبِ لا تَلْزَمُ بالشُّرُوعِ، فما ليس له أصْلٌ فى الوُجُوبِ أوْلَى، وقد انْعَقَدَ الإِجْماعُ على أنَّ الإِنْسانَ لو نَوَى الصَّدَقَةَ بمالٍ مُقَدَّرٍ، وشَرَعَ فى الصَّدَقَةِ به، فأخْرَجَ بَعْضَه، لم تَلْزَمْهُ الصَّدَقَةُ بِبَاقِيهِ، وهو نَظِيرُ الاعْتِكافِ؛ لأنَّه غيرُ مُقَدَّرٍ بِالشَّرْعِ، فأشْبَهَ الصَّدَقَةَ. وما ذَكَرَه حُجَّةٌ عليه؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَرَكَ اعْتِكافَه، ولو كان وَاجِبًا لمَا تَرَكَهُ، وأزْوَاجُه تَرَكْنَ الاعْتِكافَ بعد نِيَّتِه وضَرْبِ أَبْنِيَتِهِنَّ له، ولم يُوجَدْ عُذْرٌ يَمْنَعُ فِعْلَ الواجِبِ، ولا أُمِرْنَ بِالقَضاءِ، وقَضاءُ النَّبِىِّ ﷺ له لم يَكُنْ وَاجِبًا عليه، وإنَّما فَعَلَهُ تَطَوُّعًا؛ لأنَّه كان إذا عَمِلَ عَمَلًا أثْبَتَهُ، وكان فِعْلُه لِقَضائِه كفِعْلِه لِأدائِه، على سَبِيلِ التَّطَوُّعِ به، لا على سَبِيلِ الإِيجابِ، كما قَضَى السُّنَّةَ التى فَاتَتْهُ بعد الظُّهْرِ وقبلَ الفَجْرِ، فتَرْكُه له دَلِيلٌ على (٧) عَدَمِ الوُجُوبِ، لِتَحْرِيمِ تَرْكِ الواجِبِ، وفِعْلُه لِلْقَضاءِ لا يَدُلُّ على الوُجُوبِ؛ لأنَّ قَضاءَ السُّنَنِ مَشْرُوعٌ. فإن قيل: إنَّما جازَ تَرْكُه، ولم يُؤْمَرْ تارِكُه من النِّساءِ بِقَضائِه، لِتَرْكِهِنَّ إيَّاه قبلَ الشُّرُوعِ. قُلْنَا: فقد سَقَطَ الاحْتِجَاجُ؛ لِاتِّفَاقِنَا على أَنَّه لا يَلْزَمُ قَبْلَ شُرُوعِه فيه، فلم يَكُن القَضاءُ دَلِيلًا على الوُجُوبِ، مع الاتِّفاقِ على انْتِفائِه. ولا يَصِحُّ قِياسُه على الحَجِّ والعُمْرَةِ؛ لأنَّ الوُصُولَ إليهما لا

стр. 2105

يَحْصُلُ فى الغَالِبِ إلَّا بعدَ كُلْفَةٍ عظيمةٍ (٨)، ومَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وإنْفاقِ مالٍ كَثِيرٍ، ففى إبْطالِهما تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ، وإبْطالٌ لأعْمالِه الكَثِيرَةِ، وقد نُهِينَا عن إضاعَةِ المالِ، وإبْطالِ الأعْمالِ، وليس فى تَرْكِ الاعْتِكافِ بعد الشُّرُوعِ فيه مالٌ يَضِيعُ، ولا عَمَلٌ يَبْطُلُ، فإنَّ ما مَضَى من اعْتِكافِه، لا يَبْطُلُ بِتَرْكِ اعْتِكَافِ المُسْتَقْبَلِ، ولأنَّ النُّسُكَ يَتَعَلَّقُ بِالمسجدِ الحَرامِ على الخُصُوصِ، والاعْتِكافُ بِخِلافِه. ٥٢٧ - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ بِلَا صَوْمٍ، إلَّا أنْ يَقُولَ فِى نَذْرِهِ بِصَوْمٍ) المَشهورُ فى المذهبِ أنَّ الاعْتِكافَ يَصِحُّ بغيرِ صَوْمٍ. رُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وابْنِ مسعودٍ، وسعيدِ بن المُسَيَّبِ، وعمرَ بن عبدِ العزيزِ، والحسنِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ فى الاعْتِكافِ. قال: إذا اعْتَكَفَ يَجِبُ عليه الصَّوْمُ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وعائشةَ. وبه قال الزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، والحسنُ بن يحيى؛ لما رُوِىَ عن عائشةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ". رَوَاهُ الدَّارَقُطنِىُّ (١). وعن ابنِ عمرَ، أن عمرَ جَعَلَ عليه أن يَعْتَكِفَ فى الجَاهِلِيَّةِ، فسَألَ النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: "اعْتَكِفْ، وصُمْ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢). ولأنَّه لُبْثٌ فى مَكانٍ مَخْصُوصٍ. فلم يَكُنْ بِمُجَرَّدِه قُرْبَةً، كالوُقُوفِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، عن عمرَ، أنَّه قال: يا رسولَ اللَّه، إنِّى نَذَرْتُ فى الجَاهِلِيَّةِ أن أعْتَكِفَ لَيْلَةً فى المسجدِ الحَرامِ. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٣). ولو كان الصَّوْمُ شَرْطًا لمَا صَحَّ اعْتِكافُ اللَّيْلِ، لأنَّه
следующие страницы →