السَّوِيقِ فإنْ كان قُوتُه غيرَ ذلك من الحُبُوبِ، كالدُّخْنِ، والذُّرَةِ، والأُرْزِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يُجْزِئُ. ذَكَرَهُ القاضى؛ لأنَّه لا يُجْزِئُ فى الفِطْرَةِ. والثانى، يُجْزِئُ. اخْتَارَهُ أبو الخَطَّابِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ بالإطْعَامِ مُطْلَقًا، ولم يَرِدْ تَقْيِيدُه بِشىءٍ من الأجْناسِ، فَوَجَبَ إبْقاؤُهُ على إطْلاقِه، ولأنَّه أطْعَمَ المِسْكِينَ مِن طَعامِه، فأجْزَأَهُ، كما لو كان طَعامُه بُرًّا فأطعَمَه منه، وهذا أظْهَرُ.
فصل: وإن عَجَزَ عن العِتْقِ والصِّيامِ والإطْعامِ، سَقَطَتِ الكَفَّارَةُ عنه، فى إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ، بِدَلِيلِ أنَّ الْأَعْرَابِىَّ لمَّا دَفَعَ إليه النَّبِىُّ ﷺ التَّمْرَ، وأخْبَرَهُ بحاجَتِه إليه، وقال: "أَطْعِمْهُ أهْلَكَ". ولم يَأْمُرْه بِكَفَّارَةٍ أخرى. وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ. وقال الزُّهْرِىُّ: لا بُدَّ من التَّكْفِيرِ، وهذا خَاصٌّ لذلك الأعْرابِىِّ، لا يَتَعَدَّاهُ، بِدَلِيلِ أنَّه أخْبَرَ النَّبِىَّ ﷺ بإعْسارِه قبلَ أن يَدْفَعَ إليه العَرَقَ، ولم يُسْقِطها عنه، ولأنَّها كَفَّارَةٌ وَاجِبَةٌ، فلم تَسْقُطْ بالعَجْزِ عنها، كسَائِرِ الكَفَّاراتِ. وهذا رِوَايةٌ ثانية عن أحمدَ، وهو قياسُ قَوْلِ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وعن الشَّافِعِىِّ كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، الحَدِيثُ المَذْكُورُ، وَدَعْوَى التَّخْصِيصِ لا تُسْمَعُ بغيرِ دَلِيلٍ. وقَوْلُهم: إنَّه أخْبَرَ النَّبِىَّ ﷺ بِعَجْزِه فلم يُسْقِطْها. قُلْنَا: قد أسْقَطَها عنه بعدَ ذلك، وهذا آخِرُ الأمْرَيْنِ مِن رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على سائِرِ الكَفَّارَاتِ؛ لأنَّه اطِّرَاحٌ لِلنَّصِّ بالقِيَاسِ، والنَّصُّ أوْلَى، والاعْتِبارُ بِالعَجْزِ فى حَالَةِ الوُجُوبِ، وهى حالَةُ الوَطْءِ.
٤٩٧ - مسألة؛ قال: (وَإنْ جَامَعَ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ)
وجُمْلَتُه أنَّه إذا جامَعَ ثانِيًا قبلَ التَّكْفِيرِ عن الأوَّلِ، لم يَخْلُ مِن أن يكونَ فى يَوْمٍ واحِدٍ، أو فى يَوْمَيْنِ، فإنْ كان فى يَوْمٍ واحِدٍ، فكَفَّارَةٌ واحِدَةٌ تُجْزِئه، بغيرِ خِلافٍ
стр. 2032
بين أهْلِ العِلْمِ، وإن كان فى يَوْمَيْنِ من رمضانَ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، تُجْزِئُه كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ. وهو ظَاهِرُ إطْلَاقِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيَارُ أبى بكرٍ، ومذهبُ الزُّهْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّها جَزاءٌ عن جِنايَةٍ تَكَرَّرَ سَبَبُها قبلَ اسْتِيفَائِها، فيَجِبُ أنْ تَتَدَاخَلَ كالحَدِّ. والثانى: لا تُجْزِئُ واحِدَةٌ، ويَلْزَمُه كَفَّارَتَانِ. اخْتارَهُ القاضى، وبعضُ أصْحَابِنا. وهو قولُ مالِكٍ، واللَّيْثِ، والشَّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، ومَكْحُولٍ؛ لأنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، فإذا وَجَبَتِ الكَفَّارَةُ بإفْسادِهِ لم تَتَدَاخَلْ، كرَمَضَانَيْنِ، وكالحَجَّتَيْنِ.
٤٩٨ - مسألة؛ قال: (وإن كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ)
وجُمْلَتُه أنَّه إذا كَفَّرَ، ثم جامَعَ ثَانِيةً، لم يَخْلُ مِنْ أن يكونَ فى يومٍ واحِدٍ، أو فى يَومَيْنِ، فإن كان فى يومين، فعليه كَفَّارَةٌ ثانيةٌ، بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه، وإنْ كان فى يومٍ واحِدٍ. فعليه (١) كَفَّارَةٌ ثانيةٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. وكذلك يُخَرَّجُ فى كلِّ مَن لَزِمَهُ الإمْساكُ وحُرِّمَ عليه الجِماعُ فى نَهَارِ رمضانَ. وإن لم يَكُنْ صَائِمًا، مثل مَن لم يَعْلَمْ بِرُؤْيَةِ الهِلَالِ إلَّا بعد طُلُوعِ الفَجْرِ، أو نَسِىَ النِّيَّةَ، أو أكَلَ عَامِدًا، ثم جامَعَ، فإنَّه يَلْزَمُه كَفَّارَةٌ. وقال أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: لا شىء عليه بذلك الجِمَاعِ؛ لأنَّه لم يُصَادِفِ الصَّوْمَ، ولم يَمْنَعْ صِحَّتَهُ، فلم يُوجِبْ شيئا، كالجِمَاعِ فى اللَّيْلِ. ولَنا، أنَّ الصَّوْمَ فى رمضانَ عِبَادَةٌ تَجِبُ الكَفَّارَةُ بالجِماعِ فيها، فتَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الوَطْءِ إذا كان بعد التَّكْفِيرِ، كالحَجِّ، ولأنَّه وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لِحُرْمَةِ رمضانَ، فأوْجَبَ الكَفَّارَةَ كالأوَّلِ (٢)، وفَارَقَ الوَطْءَ فى اللَّيْلِ، فإنَّه غيرُ مُحَرَّمٍ. فإن قيل: الوَطْءُ الأوَّلُ تَضَمَّنَ هَتْكَ الصومِ، وهو مُؤَثِّرٌ فى الإيجابِ، فلا يَصِحُّ إلْحَاقُ غيرِه به. قُلْنا: هو مَلْغِىٌّ بمن طَلَعَ عليه الفَجْرُ وهو مُجامِعٌ فاسْتَدَامَ، فإنَّه
стр. 2033
تَلْزَمُه الكَفَّارَةُ، مع أنَّه لم يَهْتِكِ الصومَ.
فصل: إذا أصْبَحَ مُفْطِرًا يَعْتَقِدُ أنَّه من شعبانَ، فقامَتِ البَيِّنَةُ بالرُّؤْيَةِ، لَزِمَهُ الإمْساكُ والقَضاءُ فى قَوْلِ عَامَّةِ الفُقَهاءِ، إلَّا مَا رُوِىَ عن عَطاءٍ أنَّه قال: يَأْكُلُ بَقِيَّةَ يَوْمِه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا نَعْلَمُ أحَدًا قَالهُ غيرَ عَطاءٍ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ ذلك رِوَايَةً عن أحمدَ، ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَها غيرَه، وأظُنُّ هذا غَلَطًا؛ فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ على إيجابِ الكَفَّارَةِ على مَنْ وَطِئَ ثم كَفَّرَ ثم عادَ فوَطِئ فى يَوْمِه؛ لأنَّ حُرْمَةَ اليومِ لَم تَذْهَبْ، فإذا أوْجَبَ الكَفَّارَةَ على غيرِ الصَّائِمِ لِحُرْمَةِ اليومِ، فكيفَ يُبِيحُ الأكْلَ، ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على المُسافِرِ إذا قَدِمَ وهو مُفْطِرٌ وأشْبَاهِه؛ لأنَّ المُسافِرَ كان له الفِطْرُ ظاهِرًا وباطِنًا، وهذا لم يكنْ له الفِطْرُ فى الباطِنِ مُباحًا، فأشْبَهَ من أكَلَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ وقد كان طَلَعَ. فإذا تَقَرَّرَ هذا، فإنْ جامَعَ فيه، فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ، كالذى أصْبَحَ لا يَنْوِى الصِّيامَ، أو أكَلَ ثم جامَعَ. وإن كان جِمَاعُه قبلَ قِيامِ البَيِّنَةِ فحُكْمُه حُكْمُ مَن جَامَعَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ وقد كان طَلَعَ، على ما مَضَى فيه.
فصل: وكُلُّ من أفْطَرَ والصومُ لَازِمٌ له، كالمُفْطِرِ بغيرِ عُذْرٍ، والمُفْطِرِ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ وقد كان طَلَعَ، أو يَظُنُّ أنَّ الشَّمْسَ قد غابَتْ ولم تَغِبْ، أو النَّاسِى لِنِيَّةِ الصَّوْمِ، وَنحْوِهم، يَلْزَمُهم الإمْساكُ. لا نَعْلَمُ بينهم فيه (٣) اخْتِلافًا. إلَّا أنَّه يُخَرَّجُ على قَوْلِ عَطاءٍ فى المَعْذُورِ فى الفِطْرِ، إبَاحَةُ فِطْرِ بَقِيَّةِ يَوْمِه، قِيَاسًا على قَوْلِه فيما إذا قامَتِ البَيِّنَةُ بالرُّؤْيَةِ. وهو قَوْلٌ شَاذٌّ، لم يُعَرِّجْ عليه أهْلُ العِلْمِ.
فصل: فأمَّا مَن يُبَاح له الفِطْرُ فى أوَّلِ النَّهارِ ظَاهِرًا وباطِنًا، كالحائضِ والنُّفَساءِ والمُسافِرِ، والصَّبِىِّ، والمَجْنُونِ، والكَافِرِ، والمَرِيضِ، إذا زالَتْ أعْذَارُهم فى أثْناءِ النَّهارِ، فطَهُرَتِ الحَائِضُ والنُّفَسَاءُ، وأقَامَ المُسافِرُ، وبَلَغَ الصَّبِىُّ، وأفاقَ
стр. 2034
المَجْنُونُ، وأسْلَمَ الكافِرُ، وصَحَّ المَرِيضُ المُفْطِرُ، ففِيهم رِوايَتَانِ؛ إحْدَاهما، يَلْزَمُهم الإمْساكُ فى بَقِيَّةِ اليومِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، والحَسَنِ بن صالِحٍ، والعَنْبَرِىِّ؛ لأنَّه مَعْنًى لو وُجِدَ قبلَ الفَجْرِ أوْجَبَ الصِّيامَ، فإذا طَرَأَ بعد الفَجْرِ أوْجَبَ الإمْساكَ، كقِيامِ البَيِّنَةِ بِالرُّؤْيَةِ. والثانية، لا يَلْزَمُهم الإمْساكُ. وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. وَرُوِىَ ذلك عن جابِرِ بن زيدٍ، وَرُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: مَنْ أكَلَ أوَّلَ النَّهارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ. ولأنَّه أُبِيحَ له فِطْرُ أوَّلِ النَّهارِ ظَاهِرًا وباطِنًا، فإذا أفطَرَ كان له أن يَسْتَدِيمَهُ إلى آخِرِ النَّهارِ، كما لو دَامَ العُذْرُ. فإذا جامَعَ أحَدُ هؤلاءِ، بعد زَوَالِ عُذْرِهِ، انْبَنَى على الرِّوَايَتَيْنِ فى وُجُوبِ الإمْساكِ؛ فإنْ قُلْنا: يَلْزَمُه الإمْساكُ. فَحُكْمُه حُكْمُ مَن قامَتِ البَيِّنةُ بالرُّؤْيَةِ فى حَقِّه إذا جامَعَ. وإن قُلْنا: لا يَلْزَمُه الإمْساكُ. فلا شىءَ عليه. فإنْ كان أحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِن أحَدِ هؤلاءِ، والآخَرُ لا عُذْرَ له، فلِكُلِّ واحِدٍ حُكْمُ نَفْسِه، على مَا مَضَى. وإن كانا جَمِيعًا مَعْذُورَيْنِ فحُكْمُهما ما ذَكَرْنَاهُ، سواءٌ اتَّفَقَ عُذْرُهما، مثل أن يَقْدَمَا من سَفَرٍ، أو يَصِحَّا من مَرَضٍ، أو اخْتَلَفَ، مثل أنْ يَقْدَمَ الزَّوْجُ مِن سَفَرٍ وتَطْهُرَ المَرْأةُ مِن الحَيْضِ، فيُصِيبَها. وقد رُوِىَ عن جابِرِ بن يَزِيدَ أنَّه قَدِمَ من سَفَرٍ، فوَجَدَ امْرَأتَه قد طَهُرَتْ من حَيْضٍ، فأصَابَها. فأمَّا إن نَوَى الصومَ فى سَفَرِهِ أو مَرَضِه أو صِغَرِه، ثم زَالَ عُذْرُه فى أثْناءِ النَّهارِ، لم يَجُزْ له الفِطْرُ، رِوَايَةً واحِدَةً، وعليه الكَفَّارَةُ إن وَطِئ. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ، فى المُسَافِرِ خَاصَّةً: وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، له الفِطْرُ؛ لأنَّه أُبِيحَ له الفِطْرُ فى (٤) أوَّلِ النَّهارِ ظَاهرًا وبَاطِنًا، فكانتْ له اسْتِدامَتُه، كما لو قَدِمَ مُفْطِرًا. وليس بِصَحِيحٍ؛ فإنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ زَالَ قبل التَّرَخُّصِ، فلم يَكُنْ له ذلك، كما لو قَدِمَتْ به السَّفِينَةُ قبلَ قَصْرِ الصلاةِ، وكالمَرِيضِ يَبْرأُ، والصَّبِىِّ يَبْلُغُ. وهذا يَنْقُضُ ما ذَكَرُوهُ. ولو عَلِمَ الصَّبِىُّ
стр. 2035
أنَّه يَبْلُغُ فى أثْناء النَّهَارِ بالسِّنِّ، أو عَلِمَ المُسَافِرُ أنَّه يَقْدَمُ، لم يَلْزَمْهما الصِّيامُ قبلَ زَوَالِ عُذْرِهِما؛ لأنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ مَوْجُودٌ، فَيَثْبُتُ حُكْمُها، كما لو لم يَعْلَما ذلك.
فصل: ويلْزَمُ المُسَافِرَ والحَائِضَ والمَرِيضَ القَضَاءُ، إذا أفْطرُوا، بغيرِ خِلافٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥). والتَّقْدِيرُ: فأفْطَرَ. وقالتْ عائشةُ: كُنَّا نَحِيضُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فنُؤْمَرُ بِقَضاءِ الصَّوْمِ (٦). وإن أفَاقَ المَجْنُونُ، أو بَلَغَ الصَّبِىُّ، أوْ أسْلَمَ الكَافِرُ، فى أثْنَاء النَّهارِ، والصَّبِىُّ مُفْطِرٌ، ففى وُجُوبِ القَضاءِ رِوايَتَانِ؛ إحْدَاهما، لا يَلْزَمُهم ذلك؛ لأنَّهم لم يُدْرِكُوا وَقْتًا يُمْكِنُهم التَّلبُّسُ بالعِبادَةِ فيه، فأشْبَهَ ما لو زَالَ عُذْرُهُمْ بعدَ خُرُوجِ الوَقْتِ. والثانية: يَلْزَمُهم القَضاءُ؛ لأنَّهم أدْرَكُوا بعضَ وَقْتِ العِبادَةِ، فلَزِمَهم القَضاءُ، كما لو أدْرَكُوا بعضَ وَقْتِ الصلاةِ.
٤٩٩ - مسألة؛ قال: (وَإنْ أكَلَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، وقَدْ كَانَ طَلَعَ، أو أفْطَرَ يَظُنُّ أنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ، ولَمْ تَغِبْ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ)
هذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ من الفُقَهاءِ وغَيْرِهم. وحُكِىَ عن عُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، وإسحاقَ: لا قَضاءَ عليهم؛ لما رَوَى زيدُ بنُ وَهْبٍ، قال: كُنْتُ جَالِسًا فى مَسْجِدِ رسولِ اللهِ ﷺ فى رمضانَ، فى زَمَنِ عمرَ بن الخَطَّابِ، فأُتِينَا بِعِسَاسٍ (١) فيها شَرَابٌ من بَيْتِ حَفْصَةَ، فشَرِبْنَا، ونحنُ نَرَى أنَّه من اللَّيْلِ، ثم انْكَشَفَ السَّحابُ، فإذا الشَّمْسُ طَالِعَةٌ. قال: فجَعَلَ النَّاس يَقُولُونَ: نَقْضِى يَوْمًا مَكَانَه. فقال عمرُ: واللهِ لا نَقْضِيه، ما تَجَانَفْنَا (٢) لإثْمٍ (٣). ولأنَّه لم يَقْصِد
стр. 2036
الأكْلَ فى الصَّوْمِ، فلم يَلْزَمْه القَضاءُ، كالنَّاسِى. ولَنا، أنَّه أكَلَ مُخْتَارًا، ذَاكِرًا لِلصومِ، فأفْطَرَ، كما لو أكَلَ يَوْمَ الشَّكِّ، ولأنَّه جَهْلٌ بِوَقْتِ الصِّيامِ، فلم يُعْذَرْ به، كالجَهْلِ بِأَوَّلِ رمضانَ، ولأنَّه يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه (٤)، فأشْبَهَ أكْلَ العامِدِ، وفَارَقَ النَّاسِىَ، فإنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه. وأمَّا الخَبَرُ، فرَوَاهُ الأثْرَمُ، أنَّ عمرَ قال: مَنْ أَكَلَ فَلْيَقْضِ يَوْمًا مَكَانَه. ورَوَاهُ مالِكٌ فى "المُوَطَّأِ" (٥)، أن عمرَ قال: الخَطْبُ يَسِيرٌ. يَعْنِى خِفَّةَ القَضاءِ. ورَوَى هِشامُ بن عُرْوَةَ، عن فاطِمةَ امْرَأتِه، عن أسماءَ قالتْ: أفْطَرْنَا على عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ فى يَوْمٍ غَيْمٍ، ثم طَلَعَتِ الشَّمْسُ. قِيلَ لهِشامٍ: أُمِرُوا بالقَضَاءِ؟ قال (٦): بُدٌّ من قَضاءٍ؟ أخْرَجَهُ البُخَارِىُّ (٧).
فصل: وإن أكَلَ شَاكًّا فى طُلُوعِ الفَجْرِ، ولم يَتَبَيَّن الأمْرَ، فليس عليه قَضاءٌ، وله الأَكْلُ حتى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَ الفَجْرِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهذا (٨) قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ، وعَطَاءٍ، والأوْزاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنِ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنهم. وقال مَالِكٌ: يَجِبُ القَضاءُ؛ لأنَّ الأصْل بَقاءُ الصَّوْمِ فى ذِمَّتِه، فلا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ، ولأنَّه أكَلَ شَاكًّا فى النَّهارِ واللَّيْلِ، فلَزِمَهُ
стр. 2037
القَضاءُ، كما لو أكَلَ شَاكًّا فى غُرُوبِ الشَّمْسِ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٩). مَدَّ الأكْلَ إلى غايَةِ التَّبَيُّنِ، وقد يكونُ شَاكًّا قبلَ التَّبَيُّنِ، فلو لَزِمَهُ القَضاءُ لَحَرَّمَ عليه الأكْلَ، وقال النَّبِىُّ ﷺ : "فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا، حَتّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" (١٠) وكان رَجُلًا أَعْمَى، لا يُؤَذِّنُ حتى يُقالَ له: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. ولأنَّ الأصْلَ بَقاءُ اللَّيْلِ، فيكون زَمانُ الشَّكِّ منه ما لم يُعْلَمْ يَقِينُ زَوَالِه، بِخِلَافِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فإنَّ الأصْلَ بَقاءُ النَّهارِ، فبَنَى عليه.
فصل: وإن أكَلَ شَاكًّا فى غُرُوبِ الشَّمْسِ، ولم يَتَبَيَّنْ، فعليه القَضاءُ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النَّهارِ. وإنْ كان حِينَ الأَكْلِ ظَانًّا أن الشَّمْسَ قد غَرَبَتْ، أو أن الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، ثم شَكَّ بعد الأكْلِ، ولم يَتَبَيَّنْ، فلا قَضاءَ عليه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ يَقِينٌ أزالَ ذلك الظَّنَّ الذى بَنَى عليه، فأشْبَهَ ما لو صَلَّى بالاجْتِهادِ، ثم شَكَّ فى الإِصابَةِ بعد صلاتِه.
٥٠٠ - مسألة؛ قال: (ومُبَاحٌ لِمَنْ جَامَعَ بِاللَّيْلِ أنْ لَا يَغتَسِلَ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ، وَهُوَ عَلَى صَوْمِهِ)
وجُمْلَتُه، أن الجُنُبَ له أن يُؤَخِّرَ الغُسْلَ حتى يُصْبِحَ، ثم يَغْتَسِلَ، ويُتِمَّ صَوْمَهُ، فى قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، منهم علىٌّ، وابنُ مسعودٍ، وزَيْدٌ، وأبو الدَّرْدَاءِ، وأبو ذَرٍّ، وابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وعائشةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، فى أَهْلِ الحِجازِ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، فى أَهْلِ العِرَاقِ، والأوْزاعِىُّ فى أهْلِ الشَّامِ، واللَّيْثُ، فى أهْلِ مصرَ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدَةَ، فى
стр. 2038
أهْلِ الحَدِيثِ، ودَاوُدُ، فى أهْلِ الظَّاهِرِ. وكان أبو هُرَيْرَةَ يقول: لا صَوْمَ له. ويَرْوِى ذلك عن النَّبِىِّ ﷺ ، ثم رَجَعَ عنه (١)، قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ: رَجَعَ أبو هُرَيْرَةَ عن فُتْيَاهُ. وحُكِىَ عن الحسنِ، وسالِمِ بن عبدِ اللهِ، قالا (٢): يُتِمُّ صَوْمَهُ ويَقْضِى. وعن النَّخَعِىِّ فى رِوَايَةٍ: أنَّه (٣) يَقْضِى فى الفَرْضِ دُونَ التَّطَوُّعِ. وعن عُرْوَةَ، وطاوُسٍ: إن عَلِمَ بِجَنَابَتِه فى رمضانَ، فلم يَغْتَسِلْ حتى أصْبَح، فهو مُفْطِرٌ، وإن لم يَعْلَمْ. فهو صَائِمٌ. وحُجَّتُهم حَدِيثُ أبى هُرَيْرَةَ، الذى رَجَعَ عنه. ولَنا، ما رَوَى أبو بكرِ بن عبدِ الرحمنِ بن الحارِثِ بن هِشامٍ، قال: ذهبتُ أنا وأبى حتى دَخَلْنَا على عائشةَ، فقالتْ: أشْهَدُ على رسولِ اللهِ ﷺ إنْ كان لَيُصْبِحُ جُنُبًا، مِن جِمَاعٍ، مِن غيرِ احْتِلَامٍ، ثم يَصُومُه. ثم دَخَلْنَا على أُمِّ سَلَمَةَ، فقالتْ مثلَ ذلك، ثم أتَيْنَا أبا هُرَيْرَةَ، فأخْبَرْنَاهُ بذلك، فقال: هما أَعْلَمُ بذلك، إنَّما حَدَّثَنِيهِ الفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). قال الخَطَّابِىُّ (٥): أحسنُ ما سمعتُ فى خَبَرِ أبى هُرَيْرَةَ أنَّه مَنْسُوخٌ؛ لأنَّ الجِماعَ كان مُحَرَّمًا على الصَّائِمِ بعدَ النَّوْمِ، فلمَّا أبَاحَ اللهُ الجِماعَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، جازَ لِلْجُنُبِ إذا أصْبَحَ قبلَ أن يَغْتَسِلَ أن يَصُومَ. ورَوَتْ عائشةُ أن رَجُلًا قال لِرسولِ اللهِ ﷺ : إنِّى أُصْبِحُ جُنُبًا، وأنا أُرِيدُ الصِّيامَ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا، وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ"، فقال له الرَّجُلُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّك لستَ مِثْلَنَا، قد غَفَرَ اللهُ لك ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ. فغَضِبَ رسولُ اللهِ ﷺ وقال: "إنِّى لأَرْجُو أنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ للهِ،
стр. 2039
وأعْلَمَكُمْ بِمَا أتَّقِى". رَوَاهُ مالِكٌ، فى "مُوَطَّأِهِ"، ومُسْلِمٌ فى "صَحِيحِه" (٦).
٥٠١ - مسألة؛ قال: (وَكَذَلِك المَرْأَةُ إذَا انْقَطَعَ حَيْضُها مِنَ اللَّيْلِ، فَهِىَ صَائِمَةٌ إذَا نَوَتِ الصَّوْمَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وتَغْتَسِلُ إذَا أصْبَحَتْ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الحُكْمَ فى المَرْأةِ إذا انْقَطَعَ حَيْضُها مِن اللَّيْلِ، كالحُكْمِ فى الجُنُبِ، سَوَاءٌ، ويُشْتَرَطُ أنْ يَنْقَطِعَ حَيْضُها قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ؛ لأنَّه إن وُجِدَ جُزْءٌ منه فى النَّهَارِ أَفْسَدَ الصَّوْمَ، ويُشْتَرَطُ أن تَنْوِىَ الصَّوْمَ أيضا من اللَّيْلِ بعدَ انْقِطَاعِه؛ لأنَّه لا صِيامَ لمن لم يُبَيِّتِ الصِّيامَ من اللَّيْلِ. قال الأوْزاعِىُّ، والحسنُ ابن حَىّ، وعبدُ المَلِكِ بنُ الماجِشُون، والعَنْبَرِىُّ: تَقْضِى، فَرَّطَتْ فى الاغْتِسالِ أو لم تُفَرِّطْ؛ لأنَّ حَدَثَ (١) الحَيْضِ يَمْنَعُ الصومَ، بِخِلَافِ الجَنَابةِ. ولَنا، أنَّه حَدَثٌ يُوجِبُ الغُسْلَ، فتَأْخِيرُ الغُسْلِ منه إلى أن يُصْبِحَ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصومِ، كالجَنابَةِ، وما ذَكَرُوهُ لا يَصِحُّ، فإنَّ مَن طَهُرَتْ من الحَيْضِ ليستْ حَائِضًا، وإنَّما عليها حَدَثٌ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ، فهى كالجُنُبِ، فإنَّ الجِماعَ المُوجِبَ لِلْغُسْلِ لو وُجِدَ فى الصومِ أفْسَدَهُ، كالحَيْضِ، وبَقاءُ وُجُوبِ الغُسْلِ منه كبَقَاءِ وُجُوبِ الغُسْلِ من الحَيْضِ. وقد اسْتَدَلَّ بعضُ أهْلِ العِلْمِ بِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٢). فلمَّا أبَاحَ المُباشَرَةَ إلى تَبَيُّنِ الفَجْرِ، عُلِمَ أنَّ الغُسْلَ إنَّما يكونُ بَعْدَهُ.
٥٠٢ - مسألة؛ قال: (وَالْحَامِلُ إِذَا خافَتْ عَلَى جَنِينِهَا، والمُرْضِعُ عَلَى وَلَدِهَا، أفْطَرَتَا، وقَضَتَا، وأطْعَمَتَا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا)
وجُمْلَةُ ذلك أن الحَامِلَ والمُرْضِعَ، إذا خَافَتَا على أنْفُسِهما، فلهما الفِطْرُ،
стр. 2040
وعليهما القَضاءُ فحَسْبُ. لا نَعْلَمُ فيه بينَ أهْلِ العِلْمِ اخْتِلافًا؛ لأنَّهما بِمَنْزِلَةِ المَرِيضِ الخائِفِ على نَفْسِه. وإن خَافَتَا على وَلَدَيْهما أفْطَرَتَا، وعليهما القَضاءُ وإطْعَامُ مِسْكِينٍ عن كلِّ يَوْمٍ. وهذا يُرْوَى عن ابْنِ عمرَ. وهو المشهورُ من مذهبِ الشَّافِعِىِّ. وقال اللَّيْثُ: الكَفَّارَةُ على المُرْضِعِ دون الحَامِلِ. وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن مالِكٍ، لأنَّ المُرْضِعَ يُمْكِنُها أن تَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِها، بِخِلافِ الحامِلِ، ولأنَّ الحَمْلَ مُتَّصِلٌ بالحَامِلِ، فالخَوْفُ عليه كالخَوْفِ على بعضِ أعْضائِها. وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والحسنُ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا كَفَّارَةَ عليهما؛ لما رَوَى أَنَسُ بنُ مَالِكٍ هو (١) رَجُلٌ [من بَنِى كَعْبٍ] (٢)، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وعن الحَامِلِ والمُرْضِعِ الصَّوْمَ -أو- الصِّيَامَ" واللهِ لقد قالَهما رسولُ اللهِ ﷺ أحَدَهما أو كِلَيْهِما. رَوَاهُ النَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (٣). وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ولم يَأْمُرْ (٤) بِكَفَّارَةٍ، ولأنَّه فِطْرٌ أُبِيحَ لِعُذْرٍ، فلم يَجِبْ به كَفَّارَةٌ، كالفِطْرِ لِلْمَرَضِ (٥). ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٦). وهما دَاخِلَتَانِ فى عُمُومِ الآية. قال ابنُ عَبَّاسٍ: كانتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ، والمَرْأةِ الكَبِيرَةِ، وهما يُطِيقانِ الصيامَ، أن يُفْطِرَا، ويُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، والحُبْلَى والمُرْضِعُ إذا خافَتَا على أوْلَادِهِما، أفْطَرَتَا، وأَطْعَمَتَا. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٧). وَرُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، ولا مُخَالِفَ لهما فى (٨) الصَّحابَةِ.
стр. 2041
ولأنَّه فِطْرٌ بِسَبَبِ نَفْسٍ عاجِزَةٍ عن طَرِيقِ الخِلْقَةِ، فوَجَبَتْ به الكَفَّارَةُ، كَالشَّيْخِ الهِمِّ (٩)، وخَبَرُهمْ لم يَتَعَرَّضْ لِلْكَفَّارَةِ، فكانتْ مَوْقُوفَةً على الدَّلِيلِ، كالقَضاءِ، فإنَّ الحَدِيثَ لم يَتَعَرَّضْ له، والمَرِيضُ أخَفُّ حالًا من هاتَيْنِ؛ لأنَّه يُفْطِرُ بِسَبَبِ نَفْسِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الوَاجِبَ في إطْعَامِ المِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ، أو نِصْفُ صاعٍ من تَمْرٍ، أو شَعِيرٍ. والخِلافُ فيه، كالخِلافِ في إطْعامِ المَساكِينِ في كَفَّارَةِ الجِماعِ، إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ القَضاءَ لازِمٌ لهما. وقال ابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ: لا قَضَاءَ عَليهما؛ لأنَّ الآيةَ تَنَاوَلَتْهُما، وليس فيها إلَّا الإِطْعَامُ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْحَامِلِ والمُرْضِعِ الصَّوْمَ" (١٠). ولَنا، أنَّهما يُطِيقَانِ القَضاءَ، فَلَزِمَهُما، كالحائِضِ والنُّفَساءِ، والآيةُ أوْجَبَتِ الإطْعامَ، ولم تَتَعَرَّضْ لِلْقَضاءِ، فأخَذْنَاهُ من دَلِيلٍ آخَرَ. والمُرَادُ بِوَضْعِ الصَّوْمِ وَضْعُهُ في مُدَّةِ عُذْرِهما، كما جاءَ في حَدِيثِ عَمْرِو بن أُمَيَّةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّ اللَّه وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ" (١١). ولا يُشْبِهَانِ الشَّيْخَ الهِمَّ، لأنَّه عاجِزٌ عن القَضاءِ، وهما يَقْدِرَانِ عليه. قال أحمدُ: أذْهَبُ إلى حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ. يعنى ولا أقولُ بِقَوْلِ ابنِ عَبَّاسٍ وابنِ عمرَ في مَنْعِ القَضاءِ.
٥٠٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ أَفْطَرَ، وأطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الشَّيْخَ الكَبِيرَ، والعَجُوزَ، إذا كان يُجْهِدُهما الصَّومُ، ويَشُقُّ عليهما مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فلهما أن يُفْطِرَا ويُطْعِمَا لِكُلِّ يَوْم مِسْكِينًا. وهذا قولُ
стр. 2042
علىٌّ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وطاوُسٍ، وأبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ. وقال مَالِكٌ: لا يَجِبُ عليه شىءٌ؛ لأنه تَرَكَ الصَّومَ لِعَجْزِه، فلم تَجِبْ فِدْيَةٌ، كما لو تَرَكَه لِمَرَضٍ اتَّصَلَ به المَوْتُ. ولِلشَّافِعِيِّ قَوْلانِ كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، الآيَةُ، وقولُ ابنِ عَبَّاسٍ في تَفسِيرِها: نَزَلَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ. ولأنَّ الأداءَ صَوْمٌ وَاجِبٌ، فجازَ أن يسْقُطَ إلى الكَفَّارَةِ كالقَضاءِ. وأمَّا المَرِيضُ إذا مَاتَ، فلا يَجِبُ الإِطْعامُ؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّي إلى أن يَجِبَ على المَيِّتِ ابْتِدَاءً، بِخِلافِ ما إذا أَمْكَنَهُ الصَّوْمُ، فلم يَفْعَلْ حتى مَاتَ، لأنَّ وُجُوبَ الإِطْعامِ يَسْتَنِدُ إلى حالِ الحَياةِ، والشَّيْخُ الهِمُّ له ذِمَّةٌ صَحِيحَةٌ، فإن كان عَاجِزًا عن الإِطْعَامِ أيضا فلا شىْءَ عليه، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١).
فصل: والمَرِيضُ الذى لا يُرْجَى بُرْؤُهُ، يُفْطِرُ، ويُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا؛ لأنه في مَعْنَى الشَّيْخِ. قال أحمدُ، ﵀، في مَن به شَهْوَةُ الجِمَاعِ غَالِبَةٌ، لا يَمْلِكُ نَفْسَهُ، ويَخافُ أن تَنْشَقَّ أُنْثَيَاهُ: أَطْعِمْ. أباحَ له الفِطْرَ؛ لأنَّه يَخافُ على نَفْسِه، فهو كالمَرِيضِ، ومن يَخَافُ على نَفْسِه الهَلَاكَ لِعَطَشٍ أو نَحْوِهِ، وأَوْجَبَ الإِطْعَامَ بَدَلًا عن الصِّيامِ، وهذا مَحْمُولٌ على مَن لا يَرْجُو إمْكانَ القَضاءِ، فإنْ رَجَا ذلك فلا فِدْيَةَ عليه، والواجبُ انْتِظَارُ القَضاءِ وفِعْلُه إذا قَدَرَ عليه، لِقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢). وإنَّما يُصارُ إلى الفِدْيَةِ عند اليَأْسِ من القَضاءِ، فإن أَطْعَمَ مع إياسِه (٣)، ثم قَدَرَ على الصِّيامِ، احْتَمَلَ أنْ لا يَلْزَمَه؛ لأنَّ ذِمَّتَه قد بَرِئَتْ بأداءِ الفِدْيَةِ التى كانتْ هى الواجبَ (٤)
стр. 2043
عليه، فلم يَعُدْ (٥) إلى الشُّغْلِ بما بَرِئَتْ منه، ولهذا قال الخِرَقِيُّ: فمَن كان مَرِيضًا لا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أو شَيْخًا لا يَسْتَمْسِكُ على الرَّاحِلَةِ، أقامَ من يَحُجُّ عنه ويَعْتَمِرُ، وقد أجْزَأَ عنه، وإن عُوفِىَ. واحْتَمَلَ أن يَلْزَمَهُ القَضاءُ؛ لأنَّ الإِطْعامَ بَدَلُ إياسٍ (٦)، وقد تَبَيَّنَّا ذهابَ الإِياسِ (٧)، فأشْبَهَ مَن اعْتَدَّتْ بالشُّهُورِ عند اليَأْسِ من الحَيْضِ، ثم حاضَتْ.
٥٠٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ، أوْ نَفِسَتْ، أَفْطَرَتْ وقَضَتْ (١)؛ فَإنْ صَامَتْ، لَمْ يُجْزِئْهَا)
أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ علَى أن الحَائِضَ والنُّفَساءَ لا يَحِلُّ لهما الصومُ، وأنَّهما يُفْطِرانِ رمضانَ، ويَقْضِيانِ، وأنَّهما إذا صامَتا لم يُجْزِئْهُما الصَّوْمُ. وقد قالتْ عائشةُ: كُنَّا نَحِيضُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فنُؤْمَرُ بقَضاءِ الصَّوْمِ، ولا نُؤْمَرُ بِقَضاءِ الصلاةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). والأمْرُ إنَّما هو للنَّبِيِّ ﷺ . وقال أبو سَعِيدٍ: قال النَّبِيُّ ﷺ : "ألَيْسَ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضتْ لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ، فَذلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣). والحائِضُ والنُّفَساءُ سَوَاءٌ؛ لأنَّ دَمَ النِّفاسِ هو دَمُ الحَيْضِ، وحُكْمُه حُكْمُه. ومتى وُجِدَ الحَيْضُ في جُزْءٍ من النَّهَارِ فَسَدَ صَوْمُ ذلك اليومِ، سَوَاءٌ وُجِدَ في أَوَّلِه أو في آخِرِه، ومتى نَوَتِ الحائِضُ الصومَ، وأمْسَكَتْ، مع عِلْمِها بِتَحْرِيمِ ذلك، أتَمَّتْ، ولم يُجْزِئْها.
стр. 2044
٥٠٥ - مسألة؛ قال: (فَإنْ أمْكَنَها الْقَضَاءُ فَلَمْ تَقْضِ حَتَّى مَاتَتْ، أُطْعِمَ عَنْهَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن ماتَ وعليه صِيامٌ من رمضانَ، لم يَخْلُ من حالَيْنِ؛ أحدُهما، أن يَمُوتَ قبلَ إمْكانِ الصِّيامِ، إمَّا لِضِيقِ الوَقْتِ، أو لِعُذْرٍ من مَرَضٍ أو سَفَرٍ، أو عَجْزٍ عن الصومِ، فهذا لا شىءَ عليه في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وحُكِىَ عن طاوُسٍ وقَتَادَةَ أنَّهما قالا: يَجِبُ الإِطْعامُ عنه؛ لأنَّه صَوْمٌ وَاجِبٌ سَقَطَ بِالعَجْزِ عنه، فَوجَبَ الإِطْعامُ عنه، كالشَّيْخِ الهِمِّ إذا تَرَكَ الصِّيامَ، لِعَجْزِهِ عنه. ولَنا، أنَّه حَقٌّ للهِ تعالى وَجَبَ بِالشَّرْعِ، ماتَ مَن يَجِبُ عليه قبلَ إمْكانِ فِعْلِه، فسَقَطَ إلى غيرِ بَدَلٍ، كالحَجِّ. ويُفَارِقُ الشَّيْخَ الهِمَّ؛ فإنَّه يجوزُ ابْتِدَاءُ الوُجُوبِ عليه، بِخِلافِ المَيِّتِ. الحالُ الثاني، أن يَمُوتَ بعدَ إمْكانِ القَضاءِ، فالوَاجِبُ أن يُطْعَمَ عنه لِكُلِّ يَوْمِ مِسْكِينٌ. وهذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن عائشةَ، وابنِ عَبَّاسٍ. وبه قال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ (١)، والشَّافِعِيُّ، [والحسنُ ابن حَيٍّ] (٢)، وابنُ عُلَيَّةَ، وأبُو عُبَيْدٍ، في الصَّحِيحِ عنهم. وقال أبو ثَوْرٍ: يُصامُ عنه. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ؛ لما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). [وروَى ابنُ عَبَّاسٍ عنه] (٤) نَحْوَهُ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ مَاجَه (٥)، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ
стр. 2045
قال: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا". قال التِّرْمِذِيُّ (٦): الصَّحِيحُ عن ابنِ عمرَ مَوْقُوفٌ. وعن عائشةَ أيضا، قالتْ: يُطْعَمُ عَنْهُ في قَضاءِ رمضانَ، ولا يُصَامُ عنه (٧). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه سُئِلَ عن رَجُلٍ ماتَ وعليه نَذْرٌ؟ يَصُومُ شَهْرًا، وعليه صَوْمُ رمضانَ. قال: أمَّا رمضانُ فَلْيُطْعَمْ عنه، وأمَّا النَّذْرُ، فيُصَامُ عنه. رَوَاهُ الأثْرَمُ في "السُّننِ". ولأنَّ الصَّوْمَ لا تَدْخُلُه النِّيَابَةُ حالَ الحَياةِ، فكذلك بعد الوَفاةِ، كالصلاةِ، فأمَّا حَدِيثُهم فهو في النَّذْرِ؛ لأنَّه قد جاءَ مُصَرَّحًا به في بَعْضِ أَلْفَاظِهِ، كذلك رَوَاهُ البُخَارِيُّ عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: قالتِ امْرَأَةٌ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّى ماتَتْ وعليها صَوْمُ نَذْرٍ، فأقْضِيه عنها؟ قال: "أرَأيْتِ لَوْ كَانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أكَانَ يُؤَدِّي ذلِكَ عَنْهَا؟ " قالت: نعم. قال: "فَصُومِى عَنْ أُمِّكِ" (٨). وقالت عائشةُ، وابنُ عَبَّاسٍ كقَوْلِنَا، وهما رَاوِيَا حَدِيثِهم، فَدَلَّ على ما ذَكَرْنَاهُ.
فصل: فأمَّا صَوْمُ النَّذْرِ فيَفْعَلُهُ الوَلِيُّ عنه، وهذا قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ، واللَّيْثِ، وأبِى عُبَيْدٍ، وأبى ثَوْرٍ. وقال سائِرُ مَن ذَكَرْنَا من الفُقَهاءِ: يُطعِمُ عنه؛ لما ذَكَرْنَا في صَوْمِ رمضانَ. ولَنا، الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ التى رَوَيْناها قبلَ هذا، وسُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ أحَقُّ بِالاتِّباعِ، وفيها غُنْيَةٌ عن كلِّ قَوْلٍ، والفَرْقُ بين النَّذْرِ وغيرِه أنَّ النِّيابَةَ تَدْخُلُ العِبادَةَ بِحَسبِ خِفَّتِها، والنَّذْرُ أخَفُّ حُكْمًا؛ لِكَوْنِه لم يَجِبْ بِأصْلِ الشَّرْعِ، وإنَّما أوْجَبَهُ النَّاذِرُ على نَفْسِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الصَّوْمَ ليسَ بِواجِبٍ على الوَلِيِّ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَبَّهَهُ بالدَّيْنِ، ولا يَجِبُ على الوَلِيِّ قَضاءُ دَيْنِ المَيِّتِ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِه إنْ كانتْ له تَرِكَةٌ، فإن لم يَكُنْ له تَرِكَةٌ، فلا شىءَ على
стр. 2046
وَارِثِه، لكن يُسْتَحَبُّ أن يَقْضِى عنه، لِتَفْرِيغِ ذِمَّتِه، وفَكِّ رِهَانِه، كذلك هاهُنا، ولا يَخْتَصُّ ذلك بِالوَلِيِّ، بل كلُّ مَن صامَ عنه قَضَى ذلك عنه، وأَجْزَأَ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ، فأشْبَهَ قَضاءَ الدَّيْنِ عنه (٩).
٥٠٦ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ لَمْ تَمُتِ المُفَرِّطَةُ حَتَّى أَظَلَّهَا شَهْرُ رَمَضَانَ آخَرُ، صَامَتْهُ، ثُمَّ قَضَتْ مَا كَانَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أطْعَمَتْ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وكَذَلِكَ حُكْمُ المَرِيضِ والمُسَافِرِ في المَوْتِ والحَيَاةِ، إذَا فَرَّطَا فِي القَضَاءِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَنْ عليه صَوْمٌ من رمضانَ، فله تَأْخِيرُه ما لم يَدْخُلْ رمضانُ آخَرُ؛ لما رَوَتْ عائشةُ قالت: كان يكونُ عَلَىَّ الصِّيامُ من شهرِ رمضانَ، فما أقْضِيه حتى يَجِىءَ شعبانُ. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولا يجوزُ له (٢) تَأْخِيرُ القَضاءِ إلى رمضانَ آخَرَ مِن غيرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، لم تُؤَخِّرْ إلى ذلك، ولو أمْكَنَها لأخَّرَتْهُ، ولأنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، فلم يَجُزْ تَأْخِيرُ الأُولَى عن الثانيةِ، كالصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ. فإنْ أَخَّرَهُ عن رمضانَ آخَرَ نَظَرْنَا؛ فإن كان لِعُذْرٍ فليس عليه إلَّا القَضَاءُ، وإنْ كان لغيرِ عُذْرٍ، فعليهِ مع القَضاءِ إطْعَامُ مِسْكِينٍ لكلِّ يَوْمٍ. وبهذا قال ابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ عمرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ. وقال الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، وأبو حنيفةَ: لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه صَوْمٌ واجِبٌ، فلم يَجِبْ عليه في تَأْخِيرِهِ كَفَّارَةٌ،
стр. 2047
كما لو أَخَّرَ الأداءَ والنَّذْرَ. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، أنَّهم قالوا: أَطْعِمْ عن كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. ولم يَرِدْ (٣) عن غَيْرِهم من الصَّحابَةِ خِلَافُهم. ورُوِىَ مُسْنَدًا من طَرِيقٍ ضَعِيفٍ، ولأنَّ تَأْخِيرَ صومِ رمضانَ عن وَقْتِه إذا لم يُوجِب القَضاءَ، أوْجَبَ الفِدْيَةَ، كالشَّيْخِ الهِمِّ (٤).
فصل: فإن أَخَّرَهُ لغيرِ عُذْرٍ حتى أَدْرَكَهُ رمضانانِ أو أكْثَرُ، لم يَكُنْ عليه أكْثَرُ من فِدْيَةٍ مع القَضاءِ؛ لأنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لا يَزْدَادُ بها الوَاجِبُ، كما لو أَخَّرَ الحَجَّ الوَاجِبَ سِنِينَ، لم يَكُنْ عليه أكْثَرُ من فِعْلِهِ.
فصل: وإن ماتَ المُفَرِّطُ بعدَ أن أدْرَكَهُ رمضانُ آخَرُ، أُطْعِمَ عنه لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ واحِدٌ. نَصَّ عليه أحمدُ، فيما رَوَى عنه أبو دَاوُدَ، أنَّ رَجُلًا سَألَه عن امْرَأَةٍ أفْطَرَتْ رمضانَ، ثم أدْرَكَها رمضانُ آخَرُ، ثم ماتَتْ؟ قال: يُطْعَمُ عنها. قال له السَّائِلُ: كم أُطْعِمُ؟ قال: كم أفْطَرَتْ؟ قال: ثلاثِينَ يَوْمًا. قال اجْمَعْ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، وأطْعِمْهم مَرَّةً واحِدَةً، وأشْبِعْهم. قال: ما أُطْعِمُهم؟ قال خُبْزًا ولَحْمًا إن قَدَرْتَ من أوْسَطِ طَعَامِكم. وذلك لأنَّه بإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ واحِدَةٍ، أزَالَ تَفْرِيطَهُ بالتَّأْخِيرِ، فصارَ كما لو ماتَ من غيرِ تَفْرِيطٍ. وقال أبو الخَطَّابِ: يُطْعَمُ عنه لِكُلِّ يَوْمٍ فَقِيرَانِ؛ لأنَّ المَوْتَ بعدَ التَّفْرِيطِ بدون التَّأْخِيرِ عن رمضانَ آخَرَ يُوجِبُ كَفَّارَةً، والتَّأْخِيرُ بدون المَوْتِ يُوجِبُ كَفَّارَةً، فإذا اجْتَمَعَا وَجَبَتْ كَفَّارَتانِ، كما لو فَرَّطَ في يَوْمَيْنِ.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في جَوَازِ التَّطَوُّعِ بالصَّوْمِ، ممَّن عليه صَوْمُ فَرْضٍ، فنَقَلَ عنه حَنْبَلٌ أَنَّه قال: لا يجوزُ له أن يَتَطَوَّعَ بالصَّوْمِ، وعليه صَوْمٌ من الفَرْضِ حتى يَقْضِيَه، يَبْدَأُ بالفَرْضِ، وإن كان عليه نَذْرٌ صَامَهُ يعنى بعدَ
стр. 2048
الفَرْضِ. ورَوَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ (٥) بإسْنَادِه عن أبى هُرَيْرَةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ صَامَ تَطوُّعًا، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَىْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، فَإنَّهُ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ". ولأنَّه عِبادَةٌ يَدْخُلُ في جُبْرَانِها المالُ، فلم يَصِحَّ التَّطَوُّعُ بها قبلَ أداءِ فَرْضِها، كَالحَجِّ. وَرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يَجوزُ له التَّطَوُّعُ؛ لأنَّها عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ مُوَسَّعٍ، فجازَ التَّطَوُّعُ في وَقْتِها قبلَ فِعْلِها، كالصلاة يَتَطَوَّعُ في أَوَّلِ وَقْتِها، وعليه يُخَرَّجُ الحَجُّ. ولأنَّ التَّطَوُّعَ بالحَجِّ يَمْنَعُ فِعْلَ واجِبِهِ المُتَعَيِّنِ (٦)، فأَشْبَهَ صَوْمَ التَّطَوُّعِ في رمضانَ، بِخِلافِ مَسْأَلَتِنَا. والحَدِيثُ يَرْوِيه ابنُ لَهِيعَةَ، وفيه ضَعْفٌ، وفي سِيَاقِه (٧) ما هو مَتْرُوكٌ، فإنَّه قال في آخِرِهِ: "وَمَنْ أدْرَكَهُ رَمَضَانُ، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَىْءٌ لم يُتَقَبَّلْ مِنْهُ". ويُخَرَّجُ في التَّطَوُّعِ بالصلاةِ في حَقِّ مَن عليه القَضَاءُ مثلُ ما ذَكَرْنَاهُ في الصَّوْمِ.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في كَراهِيَةِ (٨) القَضاءِ في عَشْرِ ذِى الحجَّةِ، فرُوىَ أنَّه لا يُكْرَهُ. وهو قولُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والشَّافِعِيِّ، وإسحاقَ؛ لما رُوِىَ عن عمرَ ابن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه كان يَسْتَحِبُّ قَضاءَ رمضانَ في العَشْرِ. ولأنَّه أيامُ عِبَادَةٍ، فلم يُكْرَهِ القَضاءُ فيه، كعَشْرِ المُحَرَّمِ. والثانية، يُكْرَه القَضاءُ فيه. رُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، لأنَّه يُرْوَى عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه كَرِهَهُ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إلَى اللهِ مِنْ هذِهِ الأَيَّامِ" يَعْنِى أَيَّامَ العَشْرِ. قالوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللهِ؟ قال: "وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، إلَّا رَجُلٌ (٩) خَرَجَ بِنَفْسِه ومَالِهِ، فَلَمْ
стр. 2049
يَرْجِعْ بِشَىْءٍ [مِنْ ذلِكَ] (١٠). فاسْتُحِبَّ إخْلاؤُها لِلتَّطَوُّعِ، لِيَنالَ فَضِيلَتَها. ويَجْعَلُ القَضاءَ في غيرِها. وقال بعضُ أصْحَابِنا: هاتانِ الرِّوايَتَانِ مَبْنِيَّتانِ على [الرِّوَايَتَيْنِ في] (١١) إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ قبلَ صَوْمِ الفَرْضِ وتَحْرِيمِهِ (١٢)، فمَن أباحَهُ كَرِهَ القَضاءَ فيها، لِيُوَفِّرَهَا (١٣) على التَّطَوُّعِ، لِيَنَالَ فَضْلَه (١٤) فيها مع فِعْلِ القَضاءِ، ومن حَرَّمَهُ لم يَكْرَهْهُ فيها، بل اسْتَحَبَّ فِعْلَهُ فيها، لئلَّا يَخْلُوَ من العِبادَةِ بالكُلِّيَّةِ. ويَقْوَى عِنْدِي أنَّ هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ فَرْعٌ على إباحَةِ التَّطَوُّعِ قبلَ الفَرْضِ، أمَّا على رِوَايَةِ التَّحْرِيمِ، فيكونُ صَوْمُها تَطوُّعًا قبلَ الفَرْضِ مُحَرَّمًا، وذلك أبْلَغُ من الكَرَاهَةِ. واللهُ أعلمُ.
٥٠٧ - مسألة؛ قال: (ولِلْمَرِيضِ أنْ يُفْطِرَ إذَا كَانَ الصَّوْمُ يَزِيدُ في مَرَضِهِ، فَإن تَحَمَّلَ وصَامَ، كُرِهَ له ذلِكَ، وأَجْزَأَهُ)
أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على إباحَةِ الفِطْرِ لِلْمَرِيضِ في الجُمْلَةِ. والأصْلُ فيه قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) والمَرَضُ المُبِيحُ لِلْفِطْرِ هو الشَّدِيدُ الذي يَزِيدُ بِالصومِ أو يُخْشَى تَبَاطُؤُ بُرْئِه. قِيلَ لأحمدَ: متى يُفْطِرُ المَرِيضُ؟
стр. 2050
قال: إذا لم يَسْتَطِعْ. قيل: مثلُ الحُمَّى؟ قال: وأىُّ مَرَضٍ أشَدُّ مِن الحُمَّى! وحُكِىَ عن بَعْضِ السَّلَفِ أنَّه أباحَ الفِطْرَ بكل مَرَضٍ، حتى من وَجَعِ الإِصْبَعِ والضِّرْسِ؛ لِعُمُومِ الآية فيه، ولأنَّ المُسَافِرَ يُبَاحُ له الفِطْرُ وإن لم يَحْتَجْ إليه، فكذلك المَرِيضُ. ولنَا، أنَّه شاهِدٌ لِلشَّهْرِ، لا يُؤْذِيهِ الصومُ، فلَزِمَهُ، كالصَّحِيحِ، والآية مَخْصُوصَةٌ في المُسافِرِ والمَرِيضِ جَمِيعًا، بِدَلِيلِ أنَّ المُسافِرَ لا يُباحُ له الفِطْرُ في السَّفَرِ القَصِيرِ، والفَرْقُ بين المُسافِرِ والمَرِيضِ، أنَّ السَّفَرَ اعْتُبِرَتْ فيه المَظِنَّةُ، وهو السَّفَرُ الطَّوِيلُ، حيثُ لم يُمْكِن اعْتِبارُ الحِكْمَةِ بِنَفْسِها، فإنَّ قَلِيلَ المَشَقَّةِ لا يُبِيحُ، وكَثِيرَها لا ضَابِطَ له في نَفْسِه، فاعْتُبِرَتْ بِمَظِنَّتِها، وهو السَّفَرُ الطَّوِيلُ، فدَارَ الحُكْمُ مع المَظِنَّةِ وُجُودًا وعَدَمًا، والمَرَضُ لا ضابِطَ له؛ فإنَّ الأمراضَ تَخْتَلِفُ، منها ما يَضُرُّ صاحِبَهُ الصومُ، ومنها ما لا أثَرَ لِلصومِ فيه، كوَجَعِ الضِّرْسِ، وجُرْحٍ في الإِصْبَعِ، والدُّمَّلِ، والقَرْحَةِ اليَسِيرَةِ، والجَرَبِ، وأشْباهِ ذلك، فلم يَصْلُح المَرَضُ ضَابِطًا، وأمْكنَ اعْتِبارُ الحِكْمَةِ، وهو ما يُخافُ منه الضَّرَرُ، فَوَجَبَ اعْتِبارُه بذلك (٢). فإذا ثَبَتَ هذا، فإن تَحَمَّلَ المَرِيضُ وصامَ مع هذا، فقد فَعَلَ مَكْرُوهًا؛ لما يَتَضَمَّنُه من الإِضْرَارِ بِنَفْسِه، وتَرْكِه تَخْفِيفَ اللهِ تعالى، وقَبُولِ رُخْصَتِه (٣)، ويَصِحُّ صَوْمُه ويُجْزِئُه؛ لأنَّه عَزِيمَةٌ تَرْكُها رُخْصةٌ، فإذا تَحَمَّلَه أجْزَأهُ، كالمَرِيضِ الذى يُباحُ له تَرْكُ الجُمُعَةِ إذا حَضَرَها، والذى يُباحُ له تَرْكُ القِيامِ في الصلاةِ إذا قامَ فيها.
فصل: والصَّحِيحُ (٤) الذى يَخْشَى المَرَضَ بالصِّيامِ، كالمَرِيضِ الذى يَخافُ زِيَادَتَهُ في إباحَةِ الفِطْرُ؛ لأنَّ المَرِيضَ إنَّما أُبِيحَ له الفِطْرُ خَوْفًا ممَّا يَتَجَدَّدُ بِصِيامِه،
стр. 2051
من زِيادَةِ المَرَضِ وتَطَاوُلِه، فالخَوْفُ من تَجَدُّدِ المَرَضِ في مَعْناه. قال أحمدُ في مَن به شَهْوَةٌ غالِبَةٌ لِلْجِماعِ، يَخافُ أن تَنْشَقَّ أُنْثَياهُ (٥)، فله الفِطْرُ. وقال في الجارِيَةِ: تَصُومُ إذا حاضَتْ، فإنْ جَهَدَهَا الصومُ فَلْتُفْطِرْ، ولتَقْضِ. يعنى إذا حَاضَتْ وهى صَغِيرَةٌ لم تَبْلُغْ خَمْسَ عَشَرَةَ سنةً. قال القاضي: هذا إذا كانت تَخافُ المَرَضَ بِالصِّيامِ، أُبِيحَ لها الفِطْرُ، وإلَّا فلا.
فصل: ومَن أُبِيحَ له الفِطْرُ لِشِدَّةِ شَبَقِه، إن أمْكَنَهُ اسْتِدْفاعُ الشَّهْوَةِ بغيرِ الجِماعِ (٦)، كالاسْتِمْناءِ بِيَدِه، أو بِيَدِ امْرَأتِه أو جَارِيَتِه، لم يَجُزْ له الجِماعُ؛ لأنَّه فِطْرٌ لِلضَّرُورَةِ، فلم تُبَحْ له الزِّيادَةُ على ما تَنْدَفِعُ به الضَّرُورَةُ، كأكْلِ المَيْتَةِ عندَ الضَّرُورَةِ. وإن جامَعَ فعليه الكَفَّارَةُ. وكذلك إنْ أمْكَنَه دَفْعُها بما لا يُفْسِدُ صَوْمَ غيرِه، كوَطْءِ زَوْجَتِه أو أمَتِه الصَّغِيرَةِ، أو الكِتَابِيَّةِ، أو [المُباشَرَةِ للكَبِيرَةِ] (٧) المُسْلِمةِ دُونَ الفَرْجِ، أو الاسْتِمْناء بِيَدِها أو بِيَدِه، لم يُبَحْ له إفْسادُ صومِ غيرِه؛ لأنَّ الضَّرُورَةَ إذا انْدَفَعَتْ لم يُبَحْ له ما وَرَاءهَا، كالشِّبَعِ من المَيْتَةِ إذا انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ بِسَدِّ الرَّمَقِ. وإنْ لم تَنْدَفِع الضَّرُورَةُ إلَّا بِإِفْسَادِ صَوْمِ غيرِه، أُبِيحَ ذلك؛ لأنَّه ممَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إليه، فأُبِيحَ كفِطْرِه، وكالحامِلِ والمُرْضِعِ يُفْطِرانِ خَوْفًا على وَلَدَيْهما. فإنْ كان له أمْرَأتانِ؛ حَائِضٌ، وطَاهِرٌ صَائِمَةٌ، ودَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إلى وَطْءِ إحْداهُما، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ: أحدُهما، وَطْءُ الصَّائِمَةِ أوْلَى؛ لأنَّ اللَّه تعالى نَصَّ على النَّهْىِ عن وَطْءِ الحائِضِ في كِتَابِه، ولأنَّ وَطْأها فيه أَذًى لا يَزُولُ بالحاجَةِ إلى الوَطْءِ. والثاني: يَتَخَيَّرُ؛ لأنَّ وَطْءَ الصَّائِمَةِ يُفْسِدُ صِيامَها، فتَتَعارَضُ المَفْسَدَتان، فيَتَساوَيانِ.
стр. 2052
٥٠٨ - مسألة؛ قال: (وكَذَلِك المُسَافِرُ)
يَعْنِى أنَّ المُسَافِرَ يُباحُ له الفِطْرُ، فإنْ صَامَ كُرِهَ له ذلك، وأجْزَأَهُ. وجَوَازُ الفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ ثَابِتٌ بالنَّصِّ والإِجْماعِ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ على أنَّه إن صامَ أَجْزَأَهُ. ويُرْوَى عن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّه لا يَصِحُّ صَوْمُ المُسافِرِ. قال أحمدُ: كان عمرُ وأبو هُرَيْرَةَ يَأْمُرَانِه بالإِعادَةِ. وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبيه عبد الرحمنِ بن عَوْفٍ، أنَّه قال: الصَّائِمُ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ (١). وقال بهذا قَوْمٌ من أهْلِ الظَّاهِرِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِى السَّفَرِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأنَّه ﵇ أفْطَرَ في السَّفَرِ، فلمَّا بَلَغَهُ أنَّ قَوْمًا صَامُوا، قال: "أُولئِكَ (٣) العُصَاةُ" (٤). ورَوَى ابنُ مَاجَه (٥)، بإسْنَادِه عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الصَّائِمُ فِى رَمَضَانَ في السَّفَرِ، كَالمُفْطِرِ فِى الحَضَرِ". وعَامَّةُ أهْلِ العِلْمِ
стр. 2053
على خِلافِ هذا القَوْلِ، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا قَوْلٌ يُرْوَى عن عبدِ الرحمنِ بن عَوْفٍ، هَجَرَهُ الفُقَهاءُ كُلُّهم، والسُّنَّةُ تَرُدُّهُ، وحُجَّتُهم ما رُوِىَ عن حَمْزَةَ بن عَمْرٍو الأَسْلَمِيّ، أنَّه قال للنَّبِيِّ ﷺ أَصُومُ في السَّفَرِ؟ وكان كَثِيرَ الصِّيَامِ، قال: "إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وإنْ شِئْتَ فأفْطِرْ" [مُتَّفَقٌ عليه] (٦). وفي لَفْظٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، أنَّه قال لِرسولِ اللهِ ﷺ : أَجِدُ قُوَّةً على الصِّيَامِ في السَّفَرِ، فهل عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ قال: "هِىَ رُخْصَةُ اللهِ (٧)، فَمَنْ أخَذَ بِهَا فحَسَنٌ، ومَنْ أحَبَّ أنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ". وقال أنَسٌ: كُنَّا نُسافِرُ مع النَّبِيِّ ﷺ ، فلم يَعِبِ الصَّائِمُ على المُفْطِرِ، ولا المُفْطِرُ على الصَّائِمِ. مُتَّفَقٌ عليه (٨). وكذلك رَوَى أبو سَعِيدٍ (٩). وأحادِيثُهم مَحْمُولَةٌ على تَفْضِيلِ الفِطْرِ على الصِّيامِ.
فصل: والأفْضَلُ عند إمَامِنَا، ﵀، الفِطْرُ في السَّفَرِ، وهو مذهبُ ابنِ
стр. 2054
عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ: الصَّوْمُ أفْضَلُ لمن قَوِىَ عليه. ويُرْوَى ذلك عن أنَسٍ، وعثمانَ بن أبى العاصِ. واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن سَلَمَةَ (١٠) بن الْمُحَبَّق، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ يَأْوِى إلى شِبَعٍ، فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أدْرَكَهُ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١١)، ولأنَّ مَن خُيِّرَ بين الصَّوْمِ والفِطْرِ، كان الصَّوْمُ له (١٢) أفْضَلَ كالتَّطَوُّعِ. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، ومُجاهِدٌ، وقَتَادَةُ: أفْضَلُ الأمْرَيْنِ أيْسَرُهما؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (١٣). ولما رَوَى أبو دَاوُدَ (١٤)، عن حَمْزَةَ بن عَمْرٍو، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ، أُعَالِجُه وأُسَافِرُ عليه، وأكْرِيهِ، وإنَّه رُبَّما صَادَفَنِي هذا الشَّهْرُ -يعنى رَمَضَانَ- وأنا أجِدُ القُوَّةَ، وأنا شَابٌّ، وأجِدُنِي أنْ أَصُومَ، يا رسولَ اللهِ، أَهْوَنَ عَلَيَّ مِن أنْ أُؤَخِّرَ، فيكونُ دَيْنًا عَلَيَّ، أفأصُومُ يا رسولَ اللَّه أعْظَمُ لأجْرِى، أو (١٥) أفْطِرُ؟ قال: "أيَّ ذلِكَ شِئْتَ يا حَمْزَةُ". ولَنا، ما تَقَدَّمَ من الأخْبارِ في الفَصْلِ الذى قَبْلَه، ورُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "خَيْرُكُمْ الَّذِى يُفْطِرُ في السَّفَرِ ويَقْصُرُ" (١٦). ولأنَّ في الفِطْرِ خُرُوجًا من الخِلافِ، فكان أفْضَلَ، كالقَصْرِ. وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالمَرِيضِ وبصَوْمِ الأيَّامِ المَكْرُوهِ صَوْمُها.
٥٠٩ - مسألة؛ قال: (وقَضَاءُ شَهْرِ رَمَضَانَ مُتَفَرِّقًا يُجْزِئ، والمُتَتَابِعُ أَحْسَنُ)
هذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وأنَسِ بن مالِكٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ مُحَيْرِيزٍ، وأبي قِلابَةَ،
стр. 2055
ومُجاهِدٍ، وأهْلِ المَدِينَةِ، والحسنِ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وعُبَيْدِ اللهِ بن عَبْدِ اللهِ ابن عُتْبَةَ. وإليه ذَهَبَ مالِكٌ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ. وحُكِىَ وُجُوبُ التَّتَابُعِ عن عليٍّ، وابنِ عمرَ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ. وقال دَاوُدُ: يَجِبُ، ولا يُشْتَرَطُ؛ لما رَوَى ابنُ المُنْذِرِ، بإسْنادِه عن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ، فَلْيَسْرُدْهُ، وَلا يَقْطَعْهُ" (١). ولَنا، إطْلَاقُ قَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ (٢). غيرَ مُقَيَّدٍ بالتَّتابُعِ. فإن قِيلَ: قد رُوِىَ عن عائشةَ، أنَّها قالتْ: نَزَلَتْ "فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ" فَسَقَطَتْ "مُتَتَابِعَاتٍ" (٣). قُلْنا: هذا لم يَثْبُتْ عِنْدَنَا صِحَّتُه، ولو صَحَّ فقد سَقَطَتِ اللَّفْظَةُ المُحْتَجُّ بها. وأيضا قولُ الصَّحابَةِ، قال ابنُ عُمَرَ: إن سافرَ؛ فإن شاءَ فَرَّقَ، وإن شاءَ تابَعَ. وَرُوِىَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ (٤). وقال أبو عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاحِ، في قَضاءِ رمضانَ: إنَّ اللَّه لم يُرَخِّصْ لَكُم في فِطْرِه، وهو يُرِيدُ أن يَشُقَّ عَلَيْكُمْ في قَضَائه. ورَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنَادِه عن محمدِ بن المُنْكَدِرِ، أنَّه قال: بَلَغَنِى أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن تَقْطِيعِ قَضاءِ رمضانَ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُم دَيْنٌ، فَقَضَاهُ مِنَ الدِّرْهَمِ والدِّرْهَمَيْنِ، حَتَّى يَقضِىَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، هَلْ كَانَ ذلِكَ قَاضِيًا دَيْنَه؟ " قالوا: نعم، يا رسولَ اللهِ. قال: "فَاللهُ أحَقُّ بِالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ مِنْكُمْ" (٥). ولأنَّه صومٌ لا يَتَعَلَّقُ بزَمانٍ (٦) بِعَيْنِه. فلم يَجِبْ فيه التَّتابُعُ، كالنَّذْرِ المُطْلَقِ، وخَبَرُهم لم يَثْبُتْ صِحَّتُه، فإنَّ أهْلَ السُّنَنِ لم
стр. 2056
يَذْكُرُوه، ولو صَحَّ حَمَلْنَاهُ على الاسْتِحْبابِ، فإنَّ المُتَتابعَ أحْسَنُ؛ لما فيه من مُوَافَقَةِ الخَبَرِ، والخُرُوجِ من الخِلَافِ وشَبَهِهِ بالأدَاءِ، واللهُ أعلمُ.
٥١٠ - مسألة؛ قال: (ومَنْ دَخَلَ فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ، فخَرَجَ مِنهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإنْ قَضَاهُ فَحَسَنٌ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن دَخَلَ في صِيامِ تَطَوُّعٍ، اسْتُحِبَّ له إتْمَامُه، ولم يَجِبْ، فإن خَرَجَ منه، فلا قَضَاءَ عليه، رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ. أنَّهما أصْبَحَا صائِمَيْنِ، ثم أفْطَرَا، وقال ابنُ عمرَ: لا بَأْسَ به، ما لم يَكُنْ نَذْرًا أو قَضاءَ رمضانَ. وقال ابنُ عَبَّاسٍ: إذا صامَ الرَّجُلُ تَطَوُّعًا، ثم شاءَ أنْ يَقْطَعَهُ قَطَعَهُ، وإذا دَخَلَ في صلاةٍ تَطَوُّعًا، ثم شاءَ أن يَقْطَعَها قَطَعَها (١). وقال ابنُ مسعودٍ: متى أصْبَحْتَ تُرِيدُ الصَّوْمَ، فأنْتَ على أحدِ النَّظَرَيْنِ، إن شِئْتَ صُمْتَ، وإن شِئْتَ أفْطَرْتَ (٢). هذا مذهبُ أحمدَ، والثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وإسحاقَ. وقد رَوَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، إذا أجْمَعَ على الصِّيامِ، فأوْجَبَهُ على نَفْسِه، فأفْطَرَ مِن غير عُذْرٍ، أعادَ يَوْمًا مكانَ ذلك اليَوْمِ. وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه اسْتَحَبَّ ذلك، أو نَذَرَهُ لِيكونَ مُوَافِقًا لِسائِرِ الرِّوايَاتِ عنه. وقال النَّخَعِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومالِكٌ: يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ (٣) فيه ولا يَخْرُجُ منه إلا بِعُذْرٍ، فإن خَرَجَ قَضَى. وعن مالِكٍ: لا قَضاء عليه. واحْتَجَّ مَن أوْجَبَ القَضاءَ بما رُوِيَ عن عائشةَ، أنَّها قالتْ: أصْبَحْتُ أنا وحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ، فأُهْدِيَ لنا حَيْسٌ (٤)، فأفْطَرْنَا، ثم سَألْنَا رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: "اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَه" (٥). ولأنَّها عِبادَةٌ تَلْزَمُ بالنَّذْرِ فلَزِمَتْ
стр. 2057
بِالشُّرُوعِ فيها، كالحَجِّ والعُمْرَةِ. ولَنا، ما رَوَى مُسْلِمٌ، وأبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ (٦)، عن عائشةَ، قالتْ دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا، فقال: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَىْءٌ؟ ". فقلتُ: لا. قال: "فَإنِّي صَائِمٌ". ثم مَرَّ بي (٧) بعد ذلك اليَوْمِ، وقد أُهْدِيَ إلَيَّ حَيْسٌ، فَخَبَأْتُ له منه، وكان يُحِبُّ الحَيْسَ. قلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنَّه أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ، فخَبَأْتُ لك منه، قال: "أَدْنِيهِ، أمَا إنِّي قد أَصْبَحْتُ وَأَنَا صَائِمٌ". فأكَلَ منه، ثم قال لنا: "إنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ؛ فَإِنْ شَاءَ أمْضَاهَا، وإنْ شَاءَ حَبَسَها". هذا لَفْظُ رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وهو أتَمُّ من غَيْرِه. ورَوَتْ أُمُّ هانِىءٍ، قالتْ: دَخَلْتُ (٨) على رسولِ اللهِ ﷺ ، فأُتِيَ بِشَرَابٍ، فنَاوَلَنِيهِ فشَرِبْتُ منه، ثم قلتُ: يا رسُولَ اللَّه، لقد أفْطَرْتُ وكنتُ صَائِمَةً. فقال لها: "أكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا؟ " قالت: لا. قال: "فَلَا يَضُرُّكِ إنْ كَانَ تَطَوُّعًا". رَوَاهُ سَعِيدٌ، وأبو دَاوُدَ (٩)، والأثْرَمُ. وفي لَفْظٍ قالتْ: قلتُ، إنِّي صَائِمَةٌ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ المُتَطَوِّعَ أمِيرُ نَفْسِهِ، فَإنْ شِئْتِ فَصُومِي، وإنْ شِئْتِ فَأفْطِرِى" (١٠). ولأنَّ كُلَّ صَوْمٍ لو أتَمَّهُ
стр. 2058
كان تَطَوُّعًا إذا خَرَجَ منه لم يَجِبْ قَضَاؤُه، كما لو اعْتَقَدَ أنَّه من رمضانَ فبانَ مِن شعبانَ أو من شَوَّال. فأمَّا خَبَرُهم، فقال أبو دَاوُدَ: لا يَثْبُتُ. وقال التِّرْمِذِيُّ: فيه مَقالٌ. وضَعَّفَهُ الجُوزَجَانِيُّ وغيرُه، ثم هو مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ له إتْمامُه، وإن خَرَجَ منه اسْتُحِبَّ قَضاؤُهُ؛ لِلْخُرُوجِ من الخِلافِ، وعَمَلًا بِالخَبَرِ الذي رَوَوْهُ.
فصل: وسائِرُ النَّوافِلِ من الأعْمالِ حُكْمُها حُكْمُ الصِّيامِ، في أَنَّها لا تَلْزَمُ بالشُّرُوعِ، ولا يَجِبُ قَضاؤُها إذا خَرَجَ منها، إلَّا الحَجَّ والعُمْرَةَ، فإنَّهما يُخالِفانِ سَائِرَ العِبَادَاتِ في هذا، لِتَأكُّدِ إحْرَامِهِما، ولا يَخْرُجُ منهما بإفْسادِهما. ولو اعْتَقَدَ أنَّهما واجِبانِ، ولم يكونَا وَاجِبَيْنِ، لم يَكُنْ له الخُرُوجُ منهما. وقد رُوِيَ عن أحمدَ في الصلاةِ ما يَدُلُّ على أنَّها تَلْزَمُ بالشُّرُوعِ، فإنَّ الأثْرَمَ قال: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرَّجُلُ يُصْبِحُ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا، أيكونُ بالخِيارِ؟ والرَّجُلُ يَدْخُلُ في الصلاةِ ألَهُ أَن يَقْطَعَها؟ فقال: الصلاةُ أشَدُّ، أما الصلاةُ فلا يَقْطَعُها. قيل له: فإن قَطَعَها قَضَاهَا؟ قال: إنْ قَضَاهَا فليس فيه اخْتِلافٌ. ومالَ أبو إسحاقَ الجُوزَجَانِيُّ إلى هذا القَوْلِ، وقال: الصلاةُ ذَاتُ إحْرَامٍ وإحْلالٍ، فلَزِمَتْ بالشُّرُوعِ فيها، كالحَجِّ. وأكْثَرُ أصْحَابِنَا على أنَّها لا تَلْزَمُ أيضا. وهو قولُ ابنِ عَبَّاسٍ؛ لأنَّ ما جازَ تَرْكُ جَمِيعِه جازَ تَرْكُ بَعْضِه، كالصَّدَقَةِ، والحَجُّ والعُمْرَةُ يُخالِفانِ غَيْرَهما.
فصل: ومن دَخَلَ في واجِبٍ، كقَضاءِ رمضانَ، أو نَذْرٍ مُعَيَّنٍ أو مُطْلَقٍ، أو صِيامِ كَفَّارَةٍ، لم يَجُزْ له الخُرُوجُ منه؛ لأنَّ المُتَعَيِّنَ وَجَبَ عليه الدُّخُولُ فيه، وغيرَ المُتَعَيِّنِ تَعَيَّنَ بِدُخُولِه فيه، فصارَ بِمَنْزِلَةِ الفَرْضِ المُتَعَيِّنِ، وليس في هذا خِلافٌ بِحَمْدِ اللهِ.
٥١١ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كَانَ لِلْغُلَامِ عَشْرُ سِنِينَ، وأطَاقَ الصِّيَامَ، أُخِذَ بِهِ)
يَعْنِي أنَّه يُلْزَمُ الصِّيَامَ، يُؤْمَرُ به ويُضْرَبُ على تَرْكِه، لِيَتَمَرَّنَ عليه، ويَتَعَوَّدَهُ، كما
стр. 2059
يُلْزَمُ الصلاةَ ويُؤْمَرُ بها، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أَنَّه يُؤْمَرُ بِالصِّيَامِ إذا أطَاقَه، عَطاءٌ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ، وقَتَادَةُ، والشَّافِعِيُّ. وقال الأوْزاعِيُّ: إذا أطاقَ صومَ ثلاثةِ أيَّامٍ تِبَاعًا، لا يَخُورُ فِيهِنَّ ولا يَضْعُفُ، حُمِّلَ صومَ شهرِ رمضانَ. وقال إسحاقُ: إذا بَلَغَ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ أحبُّ أنْ يُكَلَّفَ الصومَ لِلْعادَةِ. واعْتِبارُه بالعَشْرِ أولَى؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِالضَّرْبِ على الصلاةِ عِنْدَها (١)، واعْتِبارُ الصَّوْمِ بالصلاةِ أحسَنُ لِقُرْبِ إحْدَاهُما من الأُخْرَى، واجْتِمَاعِهِما في أنَّهما عِبادَتَانِ بَدَنِيَّتَانِ من أرْكانِ الإسلامِ، إلَّا أن الصَّوْمَ أشَقُّ فاعْتُبِرَتْ له الطَّاقَةُ، لأنَّه قد يُطِيقُ الصلاةَ مَنْ لا يُطِيقُه.
فصل: ولا يَجِبُ عليه الصَّوْمُ حتى يَبْلُغَ. قال أحمدُ في غُلامٍ احْتَلَمَ: صامَ ولم يترُكْ، والجارِيَةُ إذا حاضَتْ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وذَهَبَ بعضُ أصْحابِنَا إلى إِيجابِه على الغُلامِ المُطِيقِ له إذا بَلَغَ عَشْرًا؛ لما رَوَى ابنُ جُرَيْجٍ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ بن أبي لَبِيبَةَ، عن أبِيهِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا أطَاقَ الْغُلَامُ صِيَامَ ثَلَاثَة أيَّامٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ" (٢). ولأنَّه عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، أشْبَهَ الصلاةَ، وقد أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بأن يُضْرَبَ على الصلاةِ من بَلَغَ عَشْرًا. والمذهبُ الأوَّلُ. قال القاضي: المذهبُ عندى، رِوَايَةً واحِدَةً، أنَّ الصَّلاةَ والصومَ لا تَجِبُ حتى يَبْلُغَ، وما قالَه أحمدُ في مَن تَرَكَ الصلاةَ يَقْضِيها. نَحْمِلُه على الاسْتِحْبابِ؛ وذلك لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ
стр. 2060
الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ" (٣). ولأنَّه عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فلم تَجِبْ على الصَّبِيِّ، كالحَجِّ. وحَدِيثُهُمْ مُرْسَلٌ، ثم نَحْمِلُه على الاسْتِحْبابِ، وسَمَّاهُ وَاجِبًا، تَأْكِيدًا لِاسْتِحْبابِه، كقَوْلِه ﵇: "غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" (٤).
فصل: إذا نَوَى الصَّبِيُّ الصومَ من اللَّيْلِ، فبَلَغَ في أثْناءِ النَّهارِ بالاحْتِلامِ أو السِّنِّ، فقال القاضي: يُتِمُّ صَوْمَه، ولا قَضاءَ عليه. لأنَّ نِيَّةَ صَوْمِ رمضانَ حَصَلَتْ لَيْلًا فيُجْزِئُهُ كالبالِغِ. ولا يَمْتَنِعُ أن يكونَ أوَّلُ الصومِ نَفْلًا وبَاقِيه فَرْضًا، كما لو شَرَعَ في صَوْمِ يَوْمٍ تَطَوُّعًا، ثم نَذَرَ إتْمَامَهُ. واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه يَلْزَمُه القَضاءُ؛ لأنَّه عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ بَلَغَ في أثْنائِها بعد مُضِيِّ بعضِ أرْكَانِها، فلَزِمَتْه إعادَتُها، كالصلاةِ، والحَجِّ إذا بَلَغَ بعد الوُقُوفِ، وهذا لأنَّه بِبُلُوغِه يَلْزَمُه صومُ جَمِيعِه، والماضِي قبلَ بُلُوغِه نَفْلٌ، فلم يُجْزِ عن الفَرْضِ، ولهذا لو نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ يَقْدَمُ فُلَانٌ فقَدِمَ والنَّاذِرُ صَائِمٌ لَزِمَهُ القَضَاءُ، فأمَّا ما مَضَى من الشَّهْرِ قبلَ بُلُوغِه، فلا قَضاءَ عليه، وسَوَاءٌ كان قد صامَهُ أو أَفْطَرَهُ، هذا قولُ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. وقال الأوْزاعِيُّ: يَقْضِيه إن كان أفْطَرَهُ وهو مُطِيقٌ لِصِيامِهِ. ولَنا، أنَّه زَمَنٌ مَضَى في حالِ صِباه، فلم يَلْزَمْهُ قَضاءُ الصَّوْمِ فيه، كما لو بَلَغَ بعدَ انْسِلاخِ رمضانَ. وإن بَلَغَ الصَّبِيُّ وهو مُفْطِرٌ، فهل يَلْزَمُه إمْساكُ ذلك اليَوْمِ وقَضَاؤُهُ؟ على رِوَايَتَيْنِ.
٥١٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، صَامَ مَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ بَقِيَّةِ شَهْرِهِ)
أمَّا صومُ ما يَسْتَقْبِلُه من بَقِيَّةِ شَهْرِهِ، فلا خِلافَ فيه، وأما قَضاءُ ما مَضَى من
стр. 2061
الشَّهْرِ قبلَ إسْلامِه، فلا يَجِبُ. وبهذا قال الشَّعْبِيُّ (١)، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وقال عَطاءٌ: عليه قَضَاؤُهُ. وعن الحَسَنِ كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّ ما مَضَى عِبادَةٌ خَرَجَتْ في حالِ كُفْرِه، فلم يَلْزَمْهُ قَضاؤُه، كالرمضانَ الماضِي.
فصل: فأمَّا اليومُ الذي أسْلَمَ فيه، فإنَّه يَلْزَمُه إمْسَاكُه ويَقْضِيه. هذا المَنْصُوصُ عن أحمدَ. وبه قال ابنُ (٢) المَاجِشُون، وإسحاقُ. وقال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذرِ: لا قَضاءَ عليه؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ في زَمَنِ العِبادَةِ ما يُمْكِنُه التَّلَبُّسُ بها فيه، فأشْبَهَ ما لو أسْلَمَ بعدَ خُرُوجِ اليومِ، وقد رُوِيَ ذلك عن أحمدَ. ولَنا، أنَّه أدْرَكَ جُزْءًا من وَقْتِ العِبادَةِ فلَزِمَتْهُ، كما لو أدْرَكَ جُزْءًا من وَقْتِ الصلاةِ.
فصل: فأمَّا المَجْنُونُ إذا أفاقَ في أثْناءِ الشَّهْرِ، فعليه صومُ ما بَقِيَ من الأيَّامِ، بغيرِ خِلافٍ. وفي قَضاءِ اليَومِ الذي أفاقَ فيه وإمْسَاكِهِ رِوايَتانِ. ولا يَلْزَمُهُ قَضاءُ ما مَضَى. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، والشَّافِعِيُّ في الجَدِيدِ. وقال مالِكٌ: يَقْضِى، وإن مَضَى عليه سِنُونَ. وعن أحمدَ مثلُه، وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في (٣) القَدِيمِ؛ لأنَّه مَعْنًى يُزِيلُ العَقْلَ، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ الصومِ، كالإغْماءِ. وقال أبو حنيفةَ: إنْ جُنَّ جَمِيعَ الشَّهْرِ، فلا قَضاءَ عليه، وإن أفاقَ في أثْنَائِه قَضَى، ما مَضَى؛ لأنَّ الجُنُونَ لا يُنافِي الصَّوْمَ، بِدَلِيلِ ما لو جُنَّ في أثْناءِ الصومِ لم يَفْسُدْ، فإذا وُجِدَ في بَعْضِ الشَّهْرِ، وَجَبَ القَضاءُ، كالإغْماءِ. ولَنا، أنَّه مَعْنًى يُزِيلُ التَّكْلِيفَ، فلم يَجِبِ القَضاءُ في زَمانِه، كالصِّغَرِ والكُفْرِ. ونَخُصُّ (٤) أبا حَنِيفَةَ بأنَّه مَعْنًى، لو وُجِدَ في جَمِيعِ الشَّهْرِ (٥) أسْقَطَ القَضاءَ، فإذا وُجِدَ في بَعْضِه أسْقَطَه، كالصِّغَرِ والكُفْرِ،
стр. 2062
ويُفارِقُ الإغْماءَ في ذلك.
٥١٣ - مسألة؛ قال: (وإذَا رَأى هِلَالَ شَهْرِ رَمَضانَ وَحْدَهُ، صَامَ)
المَشهورُ في المذهبِ أنَّه مَتَى رَأى الهِلالَ وَاحِدٌ لَزِمَهُ الصِّيامُ، عَدْلًا كان أو غيرَ عَدْلٍ، شَهِدَ عندَ الحَاكِمِ أو لم يَشْهَدْ، قُبِلَتْ شَهادَتُه أو رُدَّتْ. وهذا قولُ مالِكٍ، واللَّيْثِ، والشَّافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ. وقال عَطاءٌ، وإسحاقُ: لا يَصُومُ. وقد رَوَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ: لا يَصُومُ إلَّا في جَماعَةِ النَّاسِ. ورُوِيَ نَحْوُه عن الحسنِ وابْنِ سِيرِينَ؛ لأنَّه يَوْمٌ مَحْكُومٌ به من شعبانَ، فأشْبَهَ التَّاسِعَ والعِشْرِينَ. ولَنا، أنَّه تَيَقَّنَ (١) أنَّه مِن رمضانَ فلَزِمَهُ صومُه، كما لو حَكَمَ به الحاكِمُ. وكَوْنُه مَحْكُومًا به من شعبانَ ظَاهِرٌ في حَقِّ غيرِه، وأمَّا في الباطِنِ فهو يَعْلَمُ أنَّه مِن رمضانَ، فلَزِمَهُ صِيامُه كالعَدْلِ.
فصل: فإن أفْطَرَ ذلك اليَوْمَ بِجِمَاعٍ، فعليه الكَفَّارَةُ. وقال أبو حنيفةَ: لا تَجِبُ؛ لأنَّها عُقُوبَةٌ، فلا تَجِبُ بِفِعْلٍ مُخْتَلَفٍ فيه، كالحَدِّ. ولَنا، أنَّه أفْطَرَ يَوْمًا من رمضانَ بِجِمَاعٍ، فوجَبَتْ (٢) عليه الكَفَّارَةُ، كما لو قُبِلَتْ شَهادَتُه، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الكَفَّارَةَ عُقُوبَةٌ، ثم قِيَاسُهم يَنْتَقِضُ بِوُجُوبِ الكَفَّارَةِ في السَّفَرِ القَصِيرِ، مع وُقُوعِ الخِلافِ فيه.
٥١٤ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَانَ عَدْلًا، صُوِّمَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ)
المشهورُ عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ في هِلَالِ رمضانَ قَوْلُ وَاحِدٍ عَدْلٍ، ويَلْزَمُ النَّاسَ الصِّيَامُ بِقَوْلِهِ. وهو قولُ عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ المُبارَكِ، والشَّافِعِيِّ في
стр. 2063
الصَّحِيحِ عنه. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: اثْنَيْن أعْجَبُ إلَيَّ. قال أبو بكرٍ: إنْ رَآه وَحْدَهُ، ثم قَدِمَ المِصْرَ، صامَ النَّاسُ بِقَوْلِه، على ما رُوِيَ في الحَدِيثِ (١)، وإن كان الوَاحِدُ في جَمَاعَةِ النَّاسِ، فذَكَرَ أَنَّه رَآهُ دُونَهم، لم يُقْبَلْ إلَّا قَوْلُ اثْنَيْنِ؛ لأنَّهم يُعايِنُونَ ما عايَنَ. وقال عُثمانُ بنُ عَفانَ، ﵁: لا يُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ. وهو قولُ مالِكٍ، واللَّيْثِ، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ؛ لما رَوَى عبدُ الرحمنِ بن زَيْدِ بن الخَطَّابِ، أنَّه خَطَبَ النَّاسَ في (٢) اليَوْمِ الذي يشكُّ فيه. فقال: إنِّي جَالَسْتُ أصْحابَ رسولِ اللهِ ﷺ وسألْتُهم، وإنَّهم حَدَّثُونِي أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "صُومُوا لِرُؤْيَتِه، وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه، وانْسُكُوا، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ، وَإنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ، فَصُومُوا وأفْطِرُوا". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٣). ولأنَّ هذه شهادَةٌ على رُؤْيَةِ الهِلَالِ، فأشْبَهَتِ الشَّهادَةَ على هِلَالِ شَوَّال، وقال أبو حنيفةَ في الغَيْمِ كقَوْلِنَا، وفي الصَّحْوِ: لا يُقْبَلُ إلَّا الاسْتِفَاضَةُ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن تَنْظُرَ الجَماعَةُ إلى مَطْلَعِ الهِلالِ، وأبْصارُهم صَحِيحَةٌ، والمَوَانِعُ مُرْتَفِعَةٌ، فيَرَاهُ واحِدٌ دُونَ البَاقِينَ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ قال: جاءَ أعْرَابِيٌّ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: رَأيتُ الهِلالَ. قال، "أتَشْهَدُ (٤) أن لَا إلهَ إلّا اللهُ وأن مُحَمّدًا عَبْدُهُ (٥) ورَسُولُه؟ " قال: نعم. قال: "يا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ، فَلْيَصُومُوا غَدًا". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ (٦). ورَوَى ابنُ عمرَ، قال: تَرَاءَى النّاسُ الهِلالَ،
стр. 2064
فأخْبَرْتُ رسولَ اللهِ ﷺ أنِّي رَأيْتُه. فصامَ وأمَرَ النَّاسَ بِصِيامِه. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٧). ولأنَّه خَبَرٌ عن وَقْتِ الفَرِيضَةِ فيما طَرِيقُه المُشَاهَدَةُ، فقُبِلَ من وَاحِدٍ، كالخَبَرِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصلاةِ، ولأنَّه خَبَرٌ دِينيٌّ يَشْتَرِكُ فيه المُخْبِرُ والمُخْبَرُ، فَقُبِلَ من واحِدٍ عَدْلٍ، كالرِّوَايَةِ، وخَبَرُهم إنَّما يَدُلُّ بِمَفْهُومِه، وخَبَرُنَا أشْهَرُ منه، وهو يَدُلُّ بِمَنْطُوقِه، فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ويُفَارِقُ الخَبَرَ عن هِلَالِ شَوَّال، فإنَّه خُرُوجٌ من العِبادَةِ، وهذا دُخُولٌ فيها، وحَدِيثُهم في هِلَالِ شَوَّال يُخالِفُ مَسْألَتَنَا، وما ذَكَرَهُ أبو بكرٍ، وأبو حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يجوزُ انْفِرَادُ الوَاحِدِ به مع لَطَافَةِ المَرْئِيِّ وبُعْدِه، ويجوزُ أن تَخْتَلِفَ مَعْرِفَتُهم بالمَطْلِعِ ومَوَاضِعُ قَصْدِهم وحِدَّةُ نَظَرِهم، ولهذا لو حَكَمَ بِرُؤْيَتِه حَاكِمٌ بِشَهَادَةِ واحِدٍ، جازَ، ولو شَهِدَ شَاهِدانِ، وَجَبَ قَبُولُ شَهادَتِهما، ولو كان مُمْتَنِعًا على ما قَالُوهُ لم يَصِحَّ فيه حُكْمُ حَاكِمٍ، ولا يثْبُتُ أو بِشَهَادةِ (٨) اثْنَيْنِ، ومَن مَنَعَ ثُبُوتَهُ بِشَهادَةِ اثْنَيْنِ، رَدَّ عليه الخَبَرُ الأوَّلُ، وقِياسُه على سَائِرِ الحقوق وسائِرِ الشُّهُورِ، ولو أنَّ جَمَاعَةً في مَحْفِلٍ، فشَهِدَ اثْنَانِ منهم أَنَّه طَلَّقَ زَوْجَتَه، أو أعْتَقَ عَبْدَهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهما دونَ مَن أَنْكَرَ، ولو أنَّ اثْنَيْنِ من أهْلِ الجُمُعَةِ شَهِدَا على الخَطِيبِ أنَّه قال على المِنْبَرِ في الخُطْبَةِ شَيْئًا، لم يَشْهَدْ به غَيْرُهما، لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهما، وكذلك لو شَهِدَا عليه بِفِعْلٍ، وإن كان غَيْرُهُما
стр. 2065
يُشَارِكُهُما في سَلامَةِ السَّمْعِ وصِحَّةِ البَصَرِ، كذا هاهُنا.
فصل: وإن أخْبَرَهُ مُخْبِرٌ بِرُؤْيَةِ الهِلَالِ يَثِقُ بِقَوْلِه، لَزِمَهُ الصومُ. وإن لم يَثْبُتْ ذلك عندَ الحَاكِم؛ لأنَّه خَبَرٌ بِوَقْتِ العِبادَةِ، يَشْتَرِكُ فيه المُخْبِرُ والمُخْبَرُ، أشْبَه الخَبَرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، والخَبَرَ عن دُخُولِ وَقْتِ الصلاةِ. ذَكَرَ ذلك ابنُ عَقِيلٍ. ومُقْتَضَى هذا أنَّه يَلْزَمُه قَبُولُ الخَبَرِ، وإن رَدَّهُ الحَاكِمُ؛ لأنَّ رَدَّ الحَاكِمِ يجوزُ أن يكونَ لِعَدَمِ عِلْمِه بِحالِ المُخْبِرِ، ولا يَتَعَيَّنُ ذلك في عَدَمِ العَدَالَةِ، وقد يَجْهَلُ الحاكِمُ عَدَالَةَ مَن يَعْلَمُ غَيْرُه عَدَالَتَهُ.
فصل: فإن كان المُخْبِرُ امْرَأَةً فقِيَاسُ المذهبِ قَبُولُ قَوْلِها. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه خَبَرٌ دِينِيٌّ. فأشْبَهَ الرِّوَايَةَ، والخَبَرَ عن القِبْلَةِ، ودُخُولَ وَقْتِ الصلاةِ، ويَحْتَمِلُ أن لا تُقْبَلَ؛ لأنَّه شَهادَةٌ بِرُؤْيَةِ الهِلالِ، فلم يُقْبَلْ فيه قَوْلُ امْرَأةٍ، كهِلالِ شَوَّال.
٥١٥ - مسألة؛ قال: (ولا يُفْطِرُ إلَّا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ)
وجُمْلَةُ ذلك أَنَّه لا يُقْبَلُ في هِلالِ شَوَّال إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ. في قولِ الفُقَهَاءِ جَمِيعِهم، إلَّا أبا ثَوْرٍ، فإنَّه قال: يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ؛ لأنَّه أحَدُ طَرَفَىْ شهرِ رمضانَ، أشْبَهَ الأوَّلَ، ولأنَّه خَبَرٌ يَسْتَوِي فيه المُخْبِرُ والمُخْبَرُ، أشْبَهَ الرِّوَايَةَ وأخْبارَ الدِّياناتِ. ولَنا، خَبَرُ عبدِ الرحمنِ بن زيدِ بن الخَطَّابِ (١)، وعن ابنِ عمرَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّه أجازَ شَهادةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ على رُؤْيَةِ الهِلالِ، وكان لا يُجِيزُ على شَهَادَةِ الإفْطارِ إلَّا شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ (٢). ولأنَّها شَهَادَةٌ على هِلالٍ لا يُدْخَلُ بها في العِبادَةِ، فلم تُقْبَلْ فيه إلَّا شهادَةُ اثْنَيْنِ كسائرِ الشُّهُود، وهذا يُفَارِقُ الخَبَرَ؛ لأنَّ
стр. 2066
الخَبَرَ يُقْبَلُ فيه قَوْلُ المُخْبِرِ مع وُجُودِ المُخْبَرِ عنه، وفُلَانٌ عن فُلَانٍ، وهذا لا يُقْبَلُ فيه ذلك، فافْتَرَقَا.
فصل: ولا يُقْبَلُ فيه شَهادَةُ رَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ، ولا شَهادَةُ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ وإن كَثُرْنَ، وكذلك سائِرُ الشُّهُورِ؛ لأنَّه ممَّا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، وليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به المالُ، فأشْبَهَ القِصَاصَ، وكان القِيَاسُ يَقْتَضِي مِثْلَ ذلك في رمضانَ، لكنْ تَرَكْنَاهُ احْتِياطًا لِلْعِبَادَةِ.
فصل: وإذا صامُوا بِشَهادَةِ اثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ولم يَرَوْا هِلالَ شَوَّال، أَفْطَرُوا وَجْهًا وَاحِدًا. وإن صَامُوا بِشَهادَةِ وَاحِدٍ، فلم يَرَوُا الهِلالَ، ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، لا يُفْطِرُونَ؛ لِقَوْلِه ﵇: "وَإنْ شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأفْطِرُوا" (٣). ولأنَّه فِطْرٌ، فلم يَجُزْ أن يَسْتَنِدَ إلى شَهادَةِ واحِدٍ، كما لو شَهِدَ بِهِلالِ شَوَّال. والثاني، يُفْطِرُونَ. وهو مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ، ويُحْكَى عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الصومَ إذا وجَبَ، وَجَبَ الفِطْرُ لِاسْتِكمَالِ العِدَّةِ، لا (٤) بالشَّهادَةِ، وقد يَثْبُتُ تَبَعًا ما لا يَثْبُتُ أصْلًا، بِدَلِيلِ أنَّ النَّسَبَ لا يَثْبُتُ بِشَهادَةِ النِّساءِ، وتَثْبُتُ بها الوِلادَةُ، فإذا ثَبَتَتِ الوِلَادَةُ ثَبَتَ النَّسَبُ على وَجْهِ التَّبعِ لِلْوِلَادَةِ، كذا هاهُنا. وإن صَامُوا لأجْلِ الغَيْمِ لم يُفْطِرُوا وَجْهًا وَاحِدًا؛ لأنَّ الصَّوْمَ إنَّما كان على وَجْهِ الاحْتِياطِ، فلا يجوزُ الخُرُوجُ منه بمثلِ ذلك، واللهُ أعلمُ.
٥١٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُفْطِرُ إذَا رَآهُ وَحْدهُ)
وَرُوِيَ هذا عن مالِكٍ، واللَّيْثِ. وقال الشَّافِعِيُّ: يَحِلُّ له أنْ يَأْكُلَ حيثُ لا يَرَاهُ أحَدٌ؛ لأنَّه يَتَيَقَّنُه من شَوَّال، فجازَ له الأكْلُ، كما لو قامَتْ به بَيِّنَةٌ. ولَنا، ما رَوَى أبو رَجاء عن أبي قِلابَةَ، أنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا المَدِينَةَ، وقد رَأَيَا الهِلالَ، وقد
стр. 2067
أصْبَحَ النَّاسُ صِيَامًا. فأتَيَا عمرَ. فذَكَرَا ذلك له، فقال لأحَدِهما: أصَائِمٌ أنْتَ؟ قال: بَلْ مُفْطِرٌ. قال: ما حَمَلَكَ على هذا؟ قال: لم أكُنْ لأصُومَ وقد رَأَيْتُ الهِلَالَ. وقال لِلآخَرِ، قال: أنا صَائِمٌ. قال: ما حَمَلَكَ على هذا؟ قال: لم أكُنْ لأُفْطِرَ والناسُ صِيَامٌ. فقال للذى أفْطَرَ: لولا مكانُ هذا لأوْجَعْتُ رَأْسَكَ. ثم نُودِي في النَّاسِ: أن اخْرُجُوا. أخْرَجَهُ سَعِيدٌ، عن ابنِ عُليَّةَ عن أيُّوبَ، عن أبي رَجَاء (٥). وإنَّما أرادَ ضَرْبَه لإفْطارِه بِرُؤْيَتِه، ودَفَعَ عنه الضَّرْب لِكَمالِ الشَّهَادَةِ به وبِصَاحِبِه. ولو جازَ له الفِطْرُ لَما أنْكَرَ عليه، ولا تَوَعَّدَهُ. وقالتْ عائشةُ: إنَّما يُفْطِرُ يومَ الفِطْرِ الإمامُ وجماعةُ المُسْلِمِينَ. ولم يُعْرَفْ لهما مُخَالِفٌ في عَصْرِهِما، فكان إجْمَاعًا، ولأنَّه يومٌ مَحْكُومٌ به من رمضانَ، فلم يَجُزِ الفِطْرُ فيه كاليومِ الذي قبلَه، وفارَقَ ما إذا قامَتِ البَيِّنَةُ، فإنَّه مَحْكُومٌ به مِن شَوَّال، بخِلافِ مَسْألَتِنا. وقَوْلُهم: إنَّه يَتَيَقَّنُ أنَّه من شَوَّال. قُلْنا: لا يَثْبُتُ اليَقِينُ؛ فإنَّه (٦) يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ الرَّائِي خُيِّلَ إليه، كما رُوِيَ أنَّ رجلًا في زَمَنِ عمرَ، قال: لقد رَأيْتُ الهِلالَ. فقال له: امْسَحْ عَيْنَكَ. فمَسَحَها، ثم قال له: تَرَاهُ؟ قال: لا. قال: لَعَلَّ شَعْرَةً من حاجِبِكَ تَقَوَّسَتْ على عَيْنِكَ، فَظَنَنْتَها هِلَالًا. أو ما هذا معناه.
فصل: فإن رَآهُ اثْنانِ، ولم يَشْهَدَا عندَ الحاكِمِ، جازَ لِمَنْ سَمِعَ شَهَادَتَهما الفِطْرُ، إذا عَرَفَ عَدالَتَهما، ولِكُلِّ واحدٍ منهما الفِطْرُ بقَوْلِهما؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "وإذَا شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وأَفْطِرُوا" (٧). وإن شَهِدَا عند الحَاكِمِ، فَرَدَّ شَهادَتَهما؛ لِجَهْلِه بِحَالِهما، فلِمَنْ عَلِمَ عَدالَتَهما الفِطْرُ بِقَوْلِهما؛ لأنَّ رَدَّ الحَاكِمِ هاهُنا ليس تَحَكُّمٌ منه، وإنَّما هو تَوَقُّفٌ لِعَدَمِ عِلْمِه. فهو كالوُقُوفِ
стр. 2068
عن (٨) الحُكْمِ انْتِظَارًا لِلْبَيِّنَةِ، ولهذا لو ثبَتَتْ عَدالَتُهما بعدَ ذلك حُكِمَ بها، وإن لم يَعْرِفْ أحَدُهما عَدالَةَ صَاحِبِه، لم يَجُزْ له الفِطْرُ، إلَّا أن يَحْكُمَ بذلك الحاكِمُ، لئَلَّا يُفْطِرَ بِرُؤْيَتِه وَحْدَه.
٥١٧ - مسألة؛ قال: (وَإذَا اشْتَبَهَتِ الْأَشْهُرُ عَلَى الْأَسِيرِ، فَإنْ صَامَ شَهْرًا يُرِيدُ به شَهْرَ رَمَضَانَ، فوَافَقَه، أو مَا بَعْدَهُ، أجْزَأَهُ، وإن وَافَقَ ما قَبْلَهُ، لَمْ يُجْزِهِ)
وجُمْلَتُه أنَّ مَن كان مَحْبُوسًا أو مَطْمُورًا، أو في بعض النَّواحِى النَّائِيَةِ عن الأمْصارِ لا يُمْكِنُه تَعَرُّفُ الأشْهُرِ بالخَبَرِ، فاشْتَبَهَتْ عليه الأشْهُرُ، فإنَّه يَتَحَرَّى ويَجْتَهِدُ، فإذا غَلَبَ على ظَنِّه عن أمَارَةٍ تَقُومُ في نَفْسِه دُخُولُ شَهْرِ رمضانَ صَامَه، ولا يَخْلُو من أرْبَعَةِ أحْوالٍ: أحدُهما، أنْ لا يَنْكَشِفَ له الحالُ، فإنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ، ويُجْزِئُه؛ لأنَّه أدَّى فَرْضَهُ باجْتِهَادِه. فأجْزَأَهُ، كما لو صَلَّى في يَوْمِ الغَيْمِ بالاجْتِهادِ. الثاني، أنْ يَنْكَشِفَ له أنَّه وَافَقَ الشَّهْرَ أو ما بعدَه، فإنَّه يُجْزِئُه في قَوْلِ عَامَّةِ الفُقَهَاءِ. وحُكِيَ عن الحسنِ بن صالِحٍ، أَنَّه لا يُجْزِئُه في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ؛ لأنَّه صامَهُ على الشَّكِّ، فلم يُجْزِئْهُ، كما لو صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فبانَ من رمضانَ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّه أدَّى فَرْضَه بالاجتِهادِ في مَحَلِّهِ، فإذا أصابَ أو لم يَعْلَم الحالَ أجْزَأَهُ، كالقِبْلَةِ إذا اشْتَبَهَتْ، أو الصلاةِ في يَوْمِ الغَيْمِ إذا اشْتَبَهَ وَقْتُها، وفارقَ يَوْمَ الشَّكِّ، فإنَّه ليس بمَحَلٍّ للاجْتِهادِ (٩)، فإنَّ الشَّرْعَ أمَرَ بِصَوْمِه (١٠) عندَ أمَارَةٍ عَيَّنَهَا، فما لم تُوجَدْ لم يَجُزِ الصومُ. الحالُ الثالث، وَافَقَ قبلَ الشَّهْرِ، فلا يُجْزِئُه، في قَوْلِ عَامَّةِ الفُقَهاءِ. وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُجْزِئُه في أحَدِ الوَجْهَيْنِ (١١)، كما لو
стр. 2069
اشْتَبَه يَوْمُ عَرَفَةَ فوَقَفُوا قَبْلَهُ. ولَنا، أنَّه أتَى بالعِبادَةِ قبلَ وَقْتِها، فلم يُجْزِئْه، كالصلاةِ في يَوْمِ الغَيْمِ. وأمَّا الحَجُّ فلا نُسَلِّمُه إلَّا فيما إذا أخْطَأ النَّاسُ كُلُّهُم، لِعِظَمِ المَشَقَّة عليهم، وإن وَقَعَ ذلك لِنَفَرٍ منهم لم يُجْزِئْهم. ولأنَّ ذلك لا يُؤْمَنُ مِثْلُه في القَضاءِ، بخِلافِ الصَّوْمِ. الحالُ الرَّابع، أن يُوَافِقَ بَعْضُه رمضانَ دُونَ بَعْضٍ، فما وَافَقَ رمضانَ أو بعدَه أجْزَأَهُ، وما وَافَقَ قَبْلَه لم يُجْزِئْهُ.
فصل: وإذا وَافَقَ صَوْمُه بعدَ الشَّهْرِ، اعْتُبِرَ أنْ يكونَ ما صَامَه بِعِدَّةِ أيَّامِ شَهْرِه الذي فاتَه، سَوَاءٌ وَافَقَ ما بين هِلالَيْنِ أو لم يُوَافِقْ، وسواءٌ كان الشَّهْرانِ تَامَّيْنِ أو ناقِصَيْنِ. ولا يُجْزِئُه أقَلُّ من ذلك. وقال القاضي: ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ: أنَّه إذا وَافَقَ شَهْرًا بين هِلَالَيْنِ أجْزَأَهُ، سَوَاءٌ كان الشَّهْرانِ تَامَّيْنِ أو ناقِصَيْنِ، أو أحَدُهما تَامًّا والآخَرُ نَاقِصًا. وليس بِصَحِيحٍ؛ فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١٢). ولأنَّه فاتَه شَهْرُ رمضانَ، فوَجَبَ أنْ يكونَ صِيامُه بِعِدَّةِ ما فَاتَه، كالمَرِيضِ والمُسافِرِ. وليس في كَلَامِ الخِرَقِيِّ تَعَرُّضٌ لهذا التَّفْصِيلِ، فلا يجوزُ حَمْلُ كَلَامِه على ما يُخالِفُ الكِتابَ والصَّوابَ. فإنْ قِيلَ: أليس إذا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ يُجْزِئُه ما بَيْنَ هِلاليْنِ؟ قُلْنا: الإطْلاقُ يُحْمَلُ على ما تَناوَلَهُ الاسْمُ، والاسْمُ يَتَناوَلُ ما بين الهِلالَيْنِ، وهاهُنا يَجِبُ قَضاءُ ما تَرَكَ، فيَجِبُ أن يُرَاعَى فيه عِدَّةُ المَتْرُوكِ، كما أنَّ مَن نَذَرَ صَلَاةً أَجْزَأَهُ رَكْعَتانِ، ولو تَرَكَ صَلَاةً وَجَبَ قَضاؤُها بِعِدَّةِ رَكَعاتِها، كذلك هاهُنا الوَاجِبُ بِعِدَّةِ ما فَاتَهُ من الأيَّامِ، سَوَاءٌ كان ما صامَهُ بين هِلالَيْنِ أو مِن شَهْرَيْنِ، فإنْ دَخَلَ في صِيامِه يومُ عِيدٍ لم يُعْتَدَّ به، وإن وَافَقَ أيَّامَ التَّشْرِيقِ، فهل يُعْتَدُّ بها؟ على رِوَايَتَيْنِ، بنَاءً على صِحَّةِ صَوْمِهَا على الفَرْضِ.
فصل: وإن لم يَغْلِبْ على ظَنِّ الأسِيرِ دُخُولُ رمضانَ فصامَ، لم يُجْزِئْهُ، وإنْ
стр. 2070
وَافَقَ الشَّهْرَ؛ لأنَّه صامَهُ على الشَّكِّ، فلم يُجْزِئْهُ، كما لو نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ، إنْ كان غَدًا من رمضانَ فهو فَرْضِى. وإن غَلَبَ على ظَنِّه مِن غيرِ أمَارَةٍ، فقال القاضي: عليه الصِّيَامُ، ويَقْضِى إذا عَرَفَ الشَّهْرَ، كالَّذِي خَفِيَتْ عليه دَلائِلُ القِبْلَةِ ويُصَلِّى على حَسَبِ حَالِه ويُعِيدُ. وذَكَرَ أبو بكرٍ في مَن خَفِيَتْ عليه دَلائِلُ القِبْلَةِ هل يُعِيدُ؟ على وَجْهَيْنِ. كذلِك يُخَرَّجُ على قَوْلِه هاهُنا. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه يَتَحَرَّى، فمتى غَلَبَ على ظَنِّه دُخُولُ الشَّهْرِ صَحَّ صَوْمُه، وإن لم يَبْنِ على دَلِيلٍ؛ لأنَّه ليس في وُسْعِه مَعْرِفَةُ الدَّلِيلِ، ولا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. وقد ذَكَرْنَا مِثْلَ هذا في القِبْلَةِ.
فصل: وإذا صامَ تَطَوُّعًا، فوافَقَ شَهْرَ رمضانَ، لم يُجْزِئْهُ. نَصَّ عليه أحمدُ، وبه قال الشَّافِعِيُّ. وقال أصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِئُه. وهذا يَنْبَنِي على تَعْيِينِ النِّيَّةِ لِرمضانَ، وقد مَضَى القَوْلُ فيه (١٣).
٥١٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُصَامُ [يَوْمُ الْعِيدِ] (١)، ولَا أيَّامُ التَّشْرِيقِ، لَا عَنْ فَرْضٍ، ولَا عَنْ تَطَوُّعٍ. فإنْ قَصَد لِصِيَامِهَا كَانَ عَاصِيًا، ولَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الفَرْضِ)
أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ [صَوْمَ يَوْمَيِ] (٢) العِيدَيْنِ مَنْهِيٌّ عنه، مُحَرَّمٌ في التَّطَوُّعِ والنَّذْرِ المُطْلَقِ والقَضاءِ والكَفَّارَةِ. وذلك لما رَوَى أبو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابنِ أزْهَرَ، قال: شَهِدْتُ العِيدَ مع عمرَ بن الخَطَّابِ، فجاءَ فَصَلَّى، ثم انْصَرَفَ، فخَطَبَ النَّاسَ، فقال: إنَّ هذَيْن يَوْمَيْنِ نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن صِيَامِهما؛ يَوْمُ فِطْرِكُم مِن صِيامِكم، والآخَرُ يَوْمَ تَأْكُلُونَ فيه من نُسُكِكم (٣). وعن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ