← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

ولأَنَّ العَشْرَ بغيرِ هاءٍ عَدَدُ اللَّيَالِى، فإنَّها عَدَدُ المُؤَنَّثِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (٦). وأوَّلُ اللَّيَالِى العَشْرِ لَيْلَةُ إحْدَى وعشرين. والرِّوايَةُ الثانيةُ، يَدْخُلُ بعد صلاةِ الصُّبْحِ. قال حَنْبَلٌ، قال أحمدُ: أحَبُّ إلَىَّ أن يَدْخُلَ قبلَ اللَّيْلِ، ولكنْ حديثُ عائشةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُصَلِّى الفَجْرَ، ثم يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ. وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ. ووَجْهُه ما رَوَتْ عَمْرَةُ، عن عائشةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان إذا صَلَّى الصُّبْحَ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. مُتَّفَقٌ عليه (٧). وإن نَذَرَ اعْتِكافَ العَشْرِ، ففى وَقْتِ دُخُولِه الرِّوايَتَانِ جَمِيعًا. فصل: ومن اعْتَكَفَ العَشْرَ الأواخِرَ من رمضانَ، اسْتُحِبَّ أن يَبِيتَ لَيْلَةَ العِيدِ فى مُعْتَكَفِه. نَصَّ عليه أحمدُ. وَرُوِىَ عن النَّخَعِىِّ، وأبى مِجْلَزٍ، وأبى بكرِ بن عبدِ الرحمنِ، والمُطَّلِبِ ابن حَنْطب (٨)، وأبى قِلابةَ، [أنَّهم كانوا يَسْتَحِبُّونَ ذلك. ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِهِ عن أيَّوبَ، عن أبى قِلابةَ] (٩)، أنَّه كان يَبِيتُ فى المسجدِ لَيْلَةَ الفِطْرِ، ثم يَغْدُو كما هو إلى العِيدِ، وكان -يَعْنِى فى اعْتِكَافِه- لا يُلْقَى له حَصِيرٌ ولا مُصَلًّى يَجْلِسُ عليه، كان يَجْلِسُ كأنَّه بَعضُ القَوْمِ. قال: فأَتَيْتُه فى يَوْمِ الفِطْرِ، فإذا فى حِجْرِهِ جُوَيْرِيةٌ مُزَيَّنةٌ ما ظَنَنْتُها إلَّا بَعْضَ بَناتِه، فإذا هى أمَةٌ له، فأعْتَقَها، وغَدَا كما هو إلى العِيدِ. وقال إبراهيمُ: كانوا يُحِبُّونَ لمن اعْتَكَفَ العَشْرَ الأوَاخِرَ من

стр. 2137

رمضانَ، أن يَبِيتَ لَيْلَةَ الفِطْرِ فى المسجدِ، ثم يَغْدُوَ إلى المُصَلَّى من المسجدِ. فصل: وإذا نَذَرَ اعْتِكافَ شَهْرٍ، لَزِمَهُ شَهْرٌ بالأهِلَّةِ، أو ثلاثونَ يَوْمًا. وهل يَلْزَمُه التَّتابُعُ؟ على وَجْهَيْنِ؛ بِنَاءً على الرِّوَايَتَيْنِ فى نَذْرِ الصَّوْمِ. أحدُهما، لا يَلْزَمُه. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه مَعْنًى يَصِحُّ فيه التَّفْرِيقُ، فلا يَجِبُ فيه التَّتابُعُ بِمُطْلَقِ النَّذْرِ، كالصِّيامِ. والثانى، يَلْزَمُهُ التَّتابُعُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومَالِكٍ. وقال القاضى: يَلْزَمُهُ التَّتابُعُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لأنَّه مَعْنًى يَحْصُلُ فى اللَّيْلِ والنَّهارِ، فإذا أطْلَقَهُ اقْتَضَى التَّتابُعَ، كما لو حَلَفَ لا يُكَلِّمُ زَيْدًا شَهْرًا، كمُدَّةِ الإيلاءِ والعُنَّةِ والعِدَّةِ. وبهذا فَارَقَ الصِّيامَ، فإن أَتَى بِشَهْرٍ بين هِلَالَيْنِ، أجْزَأهُ ذلك، وإن كان نَاقِصًا. وإن اعْتَكَفَ ثلاثينَ يَوْمًا من شَهْرَيْنِ، جازَ، وتَدْخُلُ فيه اللَّيالِى؛ لأنَّ الشَّهْرَ عِبارَةٌ عنهما، ولا يُجْزِئُه أقلُّ من ذلك. وإن قال: للهِ عَلَىَّ أن أَعتَكِفَ أيَّامَ هذا الشَّهْرِ، أو لَيَالِىَ هذا الشَّهْرِ. لَزِمَهُ ما نَذَرَ، ولم يَدْخُلْ فيه غيرُه. وكذلك إنْ قال: شَهْرًا فى النَّهارِ، أو فى اللَّيْلِ. فصل: وإنْ قال: للَّه عَلَىَّ أن أعْتَكِفَ ثلاثين يَوْمًا. فعلى قَوْلِ القاضى، يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِى ما تَنَاوَلَهُ، والأيَّامُ المُطْلَقَةُ تُوجَدُ بدون التَّتَابُعِ، فلا يَلْزَمُه، كما لو قال: للهِ عَلَىَّ أن أصُومَ ثلاثينَ يَوْمًا. فعلى قَوْلِ القاضى: يَدْخُلُ فيه اللَّيَالِى الدَّاخِلَةُ فى الأيَّامِ المَنْذُورَةِ، كما لو نَذَرَ شَهْرًا. ومَن لم يُوجِب التَّتَابُعَ لا يَقْتَضِى أن تَدْخُلَ اللَّيَالِى فيه، إلَّا أن يَنْوِيَهُ. فإن نَوَى التَّتابُعَ، أو شَرَطَهُ، لَزِمَهُ، ودَخَلَ اللَّيْلُ فيه، ويَلْزَمُه ما بين الأيَّامِ من اللَّيَالِى. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُهُ من اللَّيَالِى بِعَدَدِ الأيَّامِ، إذا كان على وَجْهِ الجَمْعِ أو التَّثْنِيَةِ (١٠)، يَدْخُلُ فيه مِثْلُهُ من اللَّيَالِى، واللَّيَالِى تَدْخُلُ معها الأيَّامُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ

стр. 2138

لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (١١). وقال فى مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ (١٢). ولَنا، أنَّ اليَوْمَ اسْمٌ لِبَياضِ النَّهارِ، والتَّثْنِيَةُ والجَمْعُ تَكْرَارٌ لِلْوَاحِدِ، وإنَّما تَدْخُلُ اللَّيالِى تَبَعًا لِوُجُوبِ التَّتَابُعِ ضِمْنًا، وهذا يَحْصُلُ بما بين الأَيَّامِ خاصَّةً، فاكْتُفِىَ به. وأمَّا الآيَةُ فإنَّ اللهَ تعالى نَصَّ على اللَّيْلِ فى مَوْضِعٍ والنَّهارِ فى مَوْضِعٍ، فصارَ مَنْصُوصًا عليهما. فإن نَذَرَ اعْتِكافَ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، لَزِمَهُ يَوْمانِ وَلَيْلَةٌ بينهما. وإن نَذَرَ اعْتِكافَ يَوْمَيْنِ مُطْلَقًا، فعلى قَوْلِ القاضى، هو كما لو نَذَرَهُما مُتَتابِعَيْنِ. وكذلك لو نَذَرَ لَيْلَتَيْنِ، لَزِمَهُ اليَوْمُ الذى بَيْنَهما. وعلى قَوْلِ أبى الخَطَّابِ، لا يَلْزَمُه التَّتابُعُ، ولا ما بينهما، إلَّا بِلَفْظِهِ أو نِيَّتِه. فصل: وإن نَذَرَ اعْتِكافَ يَوْمٍ، لم يَجُزْ تَفْرِيقُه، ويَلْزَمُه أن يَدْخُلَ مُعْتَكَفَهُ قبل طُلُوعِ الفَجْرِ، ويَخْرُجَ منه بعدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وقال مالِكٌ: يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ من لَيْلَةِ ذلك اليَوْمِ، كقَوْلِنا فى الشَّهْرِ؛ لأنَّ اللَّيْلَ يَتْبَعُ النَّهارَ، بِدَلِيلِ ما لو كان مُتَتابِعًا. ولَنا، أنَّ اللَّيْلَةَ ليستْ من اليَوْمِ، وهى من الشَّهْرِ. قال الخَلِيلُ: اليَوْمُ اسْمٌ لما بين طُلُوعِ الفَجْرِ وغُرُوبِ الشَّمْسِ. وإنَّما دَخَلَ اللَّيْلُ فى المُتَتَابعِ ضِمْنًا، ولهذا خَصَصْناهُ بما بين الأيَّامِ. وإن نَذَرَ اعْتِكافَ لَيْلَةٍ، لَزِمَهُ دُخُولُ مُعْتَكَفِه قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، ويَخْرُجُ منه بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وليس له تَفْرِيقُ الاعْتِكافِ. وقال الشَّافِعِىُّ: له تَفْرِيقُه. هذا ظَاهِرُ كَلَامِه، قِيَاسًا على تَفْرِيقِ (١٣) الشَّهْرِ. ولَنا، أنَّ إطْلَاقَ اليَوْمِ يُفْهَمُ منه التَّتابُعُ، فَيَلْزَمُه (١٤)، كما لو قال: مُتَتَابِعًا. وفَارَقَ الشَّهْرَ، فإنَّه اسْمٌ لما بين الهِلَالَيْنِ، واسْمٌ لِثلاثِين يَوْمًا، واسْمٌ لغيرِ ذلك، واليَوْمُ لا يَقَعُ فى الظَّاهِرِ إلَّا على ما ذَكَرْنَا. وإن قال فى وَسَطِ

стр. 2139

النَّهَارِ: للهِ عَلَىَّ أن أعْتَكِفَ يَوْمًا مِن وَقْتِى هذا. لَزِمَهُ الاعْتِكافُ من ذلك الوَقْتِ إلى مثلِه، ويَدخُلُ فيه اللَّيْلُ؛ لأنَّه فى خِلالِ نَذْرِه، فصارَ كما لو نَذَرَ يَوْمَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، وإنَّما لَزِمَهُ بعضُ يَوْمَيْنِ لِتَعْيِينِه ذلك بِنَذْرِه، فَعَلِمْنَا أنَّه أرَادَ ذلك، ولم يُرِدْ يَوْمًا صَحِيحًا. فصل: وإن نَذَرَ اعْتِكافًا مُطْلَقًا، لَزِمَهُ ما يُسَمَّى به مُعْتَكِفًا، ولو سَاعَةً من لَيْلٍ أو نَهارٍ، إلَّا على قَوْلِنَا بِوُجُوبِ الصومِ فى الاعْتِكافِ، فيَلْزَمُه يَوْمٌ كامِلٌ، فأمَّا اللَّحْظَةُ، وما لا يُسَمَّى به مُعْتَكِفًا، فلا يُجْزِئُه، على الرِّوايَتَيْنِ جَمِيعًا. فصل: ولا يَتَعَيَّنُ شىءٌ من المساجدِ بِنَذْرِه الاعْتِكافَ فيه، إلَّا المَساجِدَ الثَّلَاثَةَ، وهى المسجدُ الحَرامُ، ومسجدُ النَّبِىِّ ﷺ ، والمسجدُ الأقْصَى؛ لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إِلَىِ ثَلَاثَة مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، والمَسجدِ الأَقْصَى، ومَسْجِدِى هذا". مُتَّفَقٌ عليه (١٥). ولو تَعَيَّنَ غيرُها بِتَعْيِينه، لَزِمَهُ المُضِىُّ إليه، واحْتَاجَ إلى شَدِّ الرِّحَالِ لِقَضاءِ نَذْرِهِ فيه، ولأنَّ اللهَ تعالى لم يُعَيِّنْ لِعِبادَتِه مَكانًا، فلم يَتَعَيَّنْ بِتَعْيينِ غيرِه. وإنَّما تَعَيَّنَتْ هذه المَساجِدُ الثَّلَاثَةُ لِلْخَبَرِ الوَارِدِ فيها، ولأنَّ العِبادَةَ فيها أَفْضَلُ، فإذا عَيَّنَ ما فيه فَضِيلَةٌ، لَزِمَتْهُ، كأنوَاعِ العِبادَةِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، فى صَحِيحِ قَوْلَيْهِ. وقال فى الآخَرِ: لا يَتَعَيَّنُ المسجدُ الأقْصَى؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "صَلَاةٌ فى مَسْجِدِى هذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيما سِوَاهُ، إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٦). وهذا يَدُلُّ على التَّسْوِيةِ،

стр. 2140

فيما عدا هذين المَسْجِدَيْنِ. لأنَّ المَسْجِدَ الأقْصَى لو فُضِّلَتِ الصلاةُ فيه على غيرِه لَلَزِمَ أحَدُ أمْرَيْنِ؛ إمَّا خُرُوجُه من عُمُومِ هذا الحَدِيثِ، وإمَّا كَوْنُ فَضِيلَتِه بِأَلْفٍ مُخْتَصًّا بِالمسجِدِ الأقْصَى. ولَنا، أنَّه من المَساجِدِ التى تُشَدُّ الرِّحَالُ إليها، فتَعَيَّنَ بِالتَّعْيِينِ فى النَّذْرِ، كمسجدِ النَّبِىِّ ﷺ ، وما ذَكَرُوهُ لا يَلْزَمُ، فإنَّه إذا فُضِّلَ الفَاضِلُ بِألْفٍ، فقد فُضِّلَ المَفْضُولُ بها أيضًا. فصل: وإن نَذَرَ الاعْتِكافَ فى المَسْجِدِ الحَرامِ، لم يَكُنْ له الاعْتِكافُ فيما سِوَاه؛ لأنَّه أفْضَلُها، ولأن عمرَ نَذَرَ أن يَعْتَكِفَ لَيْلَةً فى المَسْجِدِ الحَرامِ فى الجَاهِلِيَّةِ، فسَألَ النَّبِىَّ ﷺ ؟ فقال: "أَوْفِ بنَذْرِكَ". مُتَّفَقٌ عليه (١٧). وإنْ نَذَرَ أن يَعْتَكِفَ فى مسجدِ النَّبِىِّ ﷺ ، جازَ له أَن يَعْتَكِفَ فى المسجدِ الحَرامِ، لأنَّه أفْضَلُ منه، ولم يَجُزْ أن يَعْتَكِفَ فى المَسْجِدِ الأقْصَى؛ لأنَّ مسجدَ النَّبِىِّ ﷺ أَفْضَلُ منه. وقال قَوْمٌ: مسجدُ النَّبِىِّ ﷺ أَفْضَلُ من المسجدِ الحَرامِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما دُفِنَ فى خْيرِ البِقاعِ، وقد نَقَلَهُ اللَّه تعالى من مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، فدَلَّ على أنَّها أفْضَلُ. ولَنا، قولُ رسولِ اللهِ ﷺ : "صَلَاةٌ فِى مَسْجِدِى (١٨) أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيما سِوَاه، إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ". وَرُوِىَ فى خَبَرٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "صَلَاةٌ فِى المَسْجِدِ الحَرَامَ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاه". رَوَاهُ ابن مَاجَه (١٩). فيَدْخُلُ فى عُمُومِه مسجدُ النَّبِىِّ ﷺ ، فتكونُ الصلاةُ فيه أفْضَلَ من

стр. 2141

مائةِ ألْفِ صلاةٍ فيما سِوَى مسجدِ النَّبِىِّ ﷺ . فأمَّا إن نَذَرَ الاعْتِكافَ فى المسجدِ الأقْصَى، جازَ له أن يَعْتَكِفَ فى المسجدَيْنِ الآخَرَيْنِ؛ لأنَّهما أفْضَلُ منه. وقد رَوَى الإمامُ أحمدُ، فى "مُسْنَدِه" (٢٠)، عن رِجالٍ من الأنْصارِ، من أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِىِّ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ، والنَّبِىُّ ﷺ فى مَجْلِسٍ قَرِيبًا من الْمَقَامِ، فسَلَّمَ على النَّبِىِّ ﷺ ، وقال: يا نَبِىَّ اللهِ، إنِّى نَذَرْتُ لئِنْ فَتَحَ اللَّه لِلنَّبِىِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَكَّةَ، لأُصَلِّيَنَّ فى بَيْتِ المَقْدِسِ، وإنِّى وجدتُ رَجُلًا من أهْلِ الشَّامِ هاهُنا فى قُرَيْشٍ، مُقْبِلًا معى ومُدْبِرًا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "هاهُنا فَصَلِّ ". فقال الرَّجُلُ قولَهُ هذا ثلاثَ مَرَّاتٍ، كلُّ ذلك يقولُ النَّبِىُّ ﷺ : "هاهُنَا فَصَلِّ". ثم قال الرَّابِعَةَ مقَالَتَه هذه، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "اذْهَبْ، فَصَلِّ فِيه، فَوَالَّذِى بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ لَوْ صَلَّيْتَ هاهُنَا لَقَضَى عَنْكَ ذلِكَ كُلَّ صَلَاةٍ فى بَيْتِ المَقْدِسِ". ومتى نَذَر الاعْتِكافَ فى غيرِ هذه المساجِدِ، فانْهَدَمَ مُعْتَكَفُه، ولم يُمْكِن المُقامُ فيه، لَزِمَهُ إتْمَامُ الاعْتِكافِ فى غيرِه، ولم يَبْطُلِ اعْتِكافُه. فصل: إذا نَذَرَ اعْتِكافَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ. صَحَّ نَذْرُهُ، فإنَّ ذلك مُمْكِنٌ، فإن قَدِمَ فى بعضِ النَّهَارِ، لَزِمَهُ اعْتِكافُ البَاقِى منه، ولم يَلْزَمْهُ قَضاءُ ما فاتَ؛ لأنَّه فاتَ قبل شَرْطِ الوُجُوبِ، فلم يَجِبْ، كما لو نَذَرَ اعْتِكافَ زَمَنٍ ماضٍ. لكنْ إذا قُلْنا: شَرْطُ صِحَّةِ الاعْتِكافِ الصومُ. لَزِمَهُ قَضاءُ يَومٍ كامِلٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه أن يَأْتِىَ بالاعْتِكافِ فى الصَّوْمِ فيما بَقِىَ من النَّهارِ، ولا قَضَاؤُه مُتَمَيِّزًا ممَّا قبلَه، فلَزِمَه يَوْمٌ كامِلٌ ضَرُورَةً، كما لو نَذَرَ صومَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه اعْتِكافُ ما بَقِىَ منه إذا كان صَائِمًا؛ لأنَّه قد وُجِدَ اعْتِكافٌ مع الصَّوْمِ. وإن قَدِمَ لَيْلًا، لم يَلْزَمْهُ

стр. 2142

شىءٌ؛ لأنَّ ما الْتَزَمَهُ بِالنَّذْرِ لم يُوجَدْ. فإن كان لِلنَّاذِرِ عُذْرٌ يَمْنَعُه الاعْتِكافَ عندَ قُدُومِ فُلَانٍ من حَبْسٍ، أو مَرَضٍ، قَضَى وكَفَّرَ؛ لِفَوَاتِ النَّذْرِ فى وَقْتِه، ويَقْضِى بَقِيَّةَ اليَوْمِ فقط، على حَسَبِ ما كان يَلْزَمُ فى الأداءِ، فى الرِّوَايَةِ المنصورة، وفى الأُخْرَى، يَقْضِى يَوْمًا كَامِلًا، بِنَاءً على اشْتِراطِ الصومِ فى الاعْتِكافِ.

стр. 2143

المغنى لمُوَفَّق الدين أبى محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقْدسىّ الجَمَّاعِيلىٌ الدِّمَشْقىّ الصَّالحِىّ الحَنْبَلِىّ ٥١٤ - ٦٢٠ هـ تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركى الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو الجزء الخامس دَار عَالَم الكُتب للطباعة والنشر والتوزيع الرياض

стр. 2144

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2145

المغنى

стр. 2146

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م الطبعهَ الثالثة ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م مصححة، منقحة دَار عَالمَ الكُتب للطباعة والنشر والتوزيع العليا -غرب مؤسسة التحلية- ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢ ص. ب ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس - ٤٦٣١٣٣٦ المملكة العربية السعودية

стр. 2147

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابُ الحَجِّ الحَجُّ فى اللُّغَةِ: القَصْدُ. وعن الخَلِيلِ، قال: الحَجُّ كَثْرَةُ القَصْدِ إلى من تُعَظِّمُهُ. قال الشَّاعِرُ (١): وأَشْهَدَ مِن عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرقَانِ المُزَعْفَرَا (٢) أى يَقْصِدُونَ. والسِّبُّ: العِمامَةُ. وفى الحَجِّ لُغَتانِ: الحَجُّ والحِجُّ (٣)، بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِها. والحَجُّ فى الشَّرْعِ: اسْمٌ لأفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ يَأْتِى ذِكْرُها، إن شاء اللهُ. وهو أحَدُ الأرْكانِ الخَمْسَةِ التى بُنِىَ عليها الإِسلامُ، والأصْلُ فى وُجُوبِهِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْمَاعُ؛ أمَّا الكِتَابُ، فَقَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٤). رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ: ومن كَفَرَ بِاعْتِقَادِهِ أنَّه غيرُ وَاجِبٍ. وقالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥). وأمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "بُنِىَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ" (٦). وذَكَرَ فيها الحَجَّ، ورَوَى مُسْلِمٌ (٧) بإسْنادِهِ عن أبى هُرَيْرَةَ، قال:

стр. 2148

خَطَبَنَا رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: "يَا أيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُم الْحَجَّ، فَحُجُّوا". فقال رجلٌ: أكُلَّ عَامٍ يا رسولَ اللهِ؟ فسَكَتَ حتى قالَها ثلاثًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَمَا اسْتَطَعْتُمْ". ثم قال: "ذَرُونِى مَا تَرَكْتُكُم، فَإنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، واخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإذَا أمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَدَعُوهُ". فى أخْبارٍ كَثِيرَةٍ سِوَى هذَيْنِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على وُجُوبِ الحَجِّ على المُسْتَطِيعِ فى العُمْرِ مَرَّةً واحِدَةً. ٥٣٨ - مسألة؛ قال أبو القاسمِ: (وَمَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً، وهُوَ بالِغٌ عَاقِلٌ، لَزِمَهُ الحَجُّ والعُمْرَةُ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الحَجَّ إنَّما يَجِبُ بِخَمْسِ شَرائِطَ: الإِسْلام، والعَقْل، والبُلُوغ، والحُرِّيَّة، والاسْتِطَاعَة. لا نَعْلَمُ فى هذا كلِّه اخْتِلافًا. فأمَّا الصَّبِىُّ والمَجْنُونُ فليسا بِمُكَلَّفَيْنِ، وقد رَوَى علىُّ بنُ أبى طالِبٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَشِبَّ، وعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقَال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وأمَّا العَبْدُ فلا يَجِبُ عليه؛ لأنَّه عِبادَةٌ تَطُولُ مُدَّتُها، وَتَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسافَةٍ، وتُشْتَرَطُ لها الاسْتِطاعةُ بالزَّادِ والرَّاحِلَةِ، ويُضَيِّعُ حُقُوقَ سَيِّدِه المُتَعَلِّقَةَ به، فلم يَجِبْ عليه كالجِهادِ. وأمَّا الكَافِرُ فغَيْرُ مُخاطَبٍ بِفُرُوعِ الدِّينِ خِطَابًا يُلْزِمُه أدَاءً، ولا يُوجِبُ قَضاءً. وغيرُ المُسْتَطِيعِ لا يَجِبُ عليه؛ لأنَّ اللَّه تعالى خَصَّ المُسْتَطِيعَ بالإِيجابِ عليه، فيَخْتَصُّ. بالوُجُوبِ، وقال

стр. 2149

اللهُ تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). فصل: وهذه الشُّرُوطُ الخَمْسَةُ تَنْقَسِمُ أقْسامًا ثَلَاثَةً؛ منها ما هو شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ والصِّحَّةِ، وهو الإِسلامُ والعَقْلُ، [فلا تجِبُ] (٣) على (٤) كافِرٍ ولا مَجْنُونٍ، ولا تَصِحُّ منهما؛ لأنَّهما ليسا من أهْلِ العِبَادَاتِ. ومنها ما هو شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ [والإِجْزاءِ، وهو البُلُوغُ والحُرِّيَّةُ، وليس بِشَرْطٍ لِلصِّحَّةِ، فلو حَجَّ الصَّبِىُّ والعَبْدُ صَحَّ حَجُّهُما، ولم يُجْزِئْهُما عن حَجَّةِ الإِسلامِ. ومنها ما هو شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ] (٥) فقط، وهو الاسْتِطاعَةُ، فلو تَجَشَّمَ غيرُ المُسْتَطِيعِ المَشَقَّةَ، وسارَ (٦) بغيرِ زَادٍ ورَاحِلَةٍ فحَجَّ، كان حَجُّهُ صَحِيحًا مُجْزِئًا، كما لو تَكَلَّفَ القِيامَ فى الصلاةِ والصِّيامِ مَن يسْقطُ عنه، أجْزَأَهُ. فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فى شَرْطَيْنِ، وهما، تَخْلِيَةُ الطَّرِيقِ، وهو أن لا يكونَ فى الطرَّيقِ مانِعٌ من عَدُوٍّ وَنحْوِه. وإمْكانُ المَسِيرِ، وهو أن تَكْمُلَ فيه هذه الشَّرَائِطُ والوَقْتُ مُتَّسِعٌ يُمْكِنُه الخُرُوجُ إليه. فرُوِىَ أنَّهما من شَرائِطِ الوُجُوبِ، فلا يَجِبُ الحَجُّ بِدُونِهما؛ لأنَّ اللهَ تعالى إنَّما فَرَضَ الحَجَّ على المُسْتَطِيعِ، وهذا غيرُ مُسْتَطِيعٍ، ولأنَّ هذا يَتَعَذَّرُ معه فِعْلُ الحَجِّ، فكان شَرْطًا، كالزَّادِ والرَّاحِلَةِ. وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ. ورُوِىَ أنَّهما ليسا من شَرائِطِ الوُجُوبِ، وإنَّما يُشْتَرَطَانِ لِلُزُومِ السَّعْىِ، فلو كَمَلَتْ هذه الشُّرُوطُ الخَمْسَةُ، ثم ماتَ قبلَ وُجُودِ هذيْن الشَّرْطَيْنِ، حُجَّ عنه بعد مَوْتِه، وإن أعْسَرَ قبلَ وُجُودِهما بَقِىَ فى ذِمَّتِه. وهذا ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، فَإنَّه لم يَذْكُرْهما؛ وذلك لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا

стр. 2150

سُئِلَ: ما يُوجِبُ الحَجَّ؟ . قال: "الزَّادُ والرَّاحِلَةُ". قال التِّرْمِذِىُّ (٧): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وهذا له زَادٌ ورَاحِلَةٌ، ولأنَّ هذا عُذْرٌ يَمْنَعُ نَفْسَ الأداءِ، فلم يَمْنَع الوُجُوبَ كالعَضْبِ (٨)، ولأنَّ إمْكانَ الأداءِ ليس بِشَرْطٍ فى وُجُوبِ العِباداتِ، بِدَلِيلِ ما لو طَهُرَتِ الحَائِضُ، أو بَلَغَ الصَّبِىُّ، أو أفاقَ المَجْنُونُ، ولم يَبْقَ من وَقْتِ الصلاةِ ما يُمْكِنُ أداؤُها فيه، والاسْتِطَاعَةُ مُفَسَّرَةٌ بالزَّادِ والرَّاحِلَةِ، فيَجِبُ المَصِيرُ إلى تَفْسِيرِه، والفَرْقُ بينهما وبين الزَّادِ والرَّاحِلَةِ، أنَّه يَتَعذَّرُ مع فَقْدِهِما الأداءُ دون القَضاءِ، وفَقْدُ الزَّادِ والرَّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ معه الجَمِيعُ، فافْتَرَقَا. فصل: وإمْكانُ المَسِيرِ مُعْتَبَرٌ بما جَرَتْ به العادَةُ، فلو أَمْكَنَهُ المَسِيرُ بأن يَحْمِلَ على نَفْسِه وَيسِيرَ سَيْرًا يُجاوِزُ العادَةَ، أو يَعْجِزَ عن تَحْصِيلِ آلةِ السَّفَرِ، لم يَلْزَمْهُ السَّعْىُ. وتَخْلِيَةُ الطَّرِيقِ هو أن تكونَ مَسْلُوكةً، لا مانِعَ فيها، بَعِيدَةً كانتْ أو قَرِيبَةً، بَرًّا كان أو بَحْرًا، إذا كان الغالِبُ السَّلامَةَ، فإن لم يَكُنِ الغالِبُ السَّلامَةَ، لم يَلْزَمْهُ سُلُوكُهُ، فإنْ كان فى الطَّرِيقِ عَدُوٌّ يَطْلُبُ خَفارَةً، فقال القاضى: لا يَلْزَمُهُ السَّعْىُ، وإن كانتْ يَسِيرَةً؛ لأنَّها رِشْوَةٌ، فلا يَلْزَمُ بَذْلُهَا فى العِبادَةِ، كالكَبِيرَةِ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان ذلك مِمَّا لا يُجْحِفُ بمَالِه، لَزِمَهُ الحَجُّ؛ لأنَّها غَرَامَةٌ يَقِفُ إمْكانُ الحَجِّ على بَذْلِها، فلم يَمْنَع الوُجُوبَ مع إمْكَانِ بَذْلِها، كثَمَنِ الماءِ وعَلَفِ البَهائِمِ. فصل: والاسْتِطاعَةُ المُشْتَرَطَةُ مِلْكُ الزَّادِ والرَّاحِلَةِ. وبه قال الحسنُ، ومُجَاهِدٌ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. قال التِّرْمِذِىُّ: والعَمَلُ عليه عندَ أهْلِ العِلْمِ. وقال عِكْرِمَةُ: هى الصِّحَّةُ. وقال الضَّحَّاكُ: إن كان شَابًّا

стр. 2151

فلْيُؤَاجِرْ نَفْسَه بأَكْلِهِ وعَقِبِه، حتى يَقْضِىَ نُسُكَه. وعن مالِكٍ: إن كان يُمْكِنُه المَشْىُ، وعَادَتُه سُؤَالُ الناس، لَزِمَهُ الحَجُّ؛ لأنَّ هذه الاسْتِطاعَةُ فى حَقِّه، فهو كواجِدِ الزَّادِ والرَّاحِلَةِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَسَّرَ الاسْتِطاعَةَ بالزَّادِ والرَّاحِلَةِ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى تَفْسِيرِه، فرَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٩)، بإسْنَادِه عن جابِرٍ، وعبدِ اللهِ ابن عمرَ، وعبدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاص، وأنَسٍ، وعائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ ما السَّبِيلُ؟ قال: "الزَّادُ والرَّاحِلَةُ". ورَوَى ابنُ عمرَ، قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، ما يُوجِبُ الحَجَّ؟ قال: "الزَّادُ والرَّاحِلَةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (١٠). وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ، ورَوَى الإِمامُ أحمدُ، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، عن يُونُسَ، عن الحسنِ، قال: لمَّا نَزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١١) قال رَجلٌ: يا رسولَ اللهِ، ما السَّبِيلُ؟ قال: "الزَّادُ والرَّاحِلَةُ" (١٢). ولأنَّها عِبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، فاشْتُرِطَ لِوُجُوبِها الزَّادُ والرَّاحِلَةُ، كالجِهادِ، وما ذَكَرُوه ليس باسْتِطَاعَةٍ، فإنَّه شَاقٌّ، وإن كان عَادَةً، والاعْتِبارُ بِعُمُومِ الأحْوَالِ دُونَ خُصُوصِها، كما أنَّ رُخَصَ السَّفَرِ تَعُمُّ مَن يَشُقُّ عليه، ومن لا يَشُقُّ عليه. فصل: ولا يَلْزَمُه الحَجُّ بِبَذْلِ غَيْرِه له، ولا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا بذلك، سواءٌ كان الباذِلُ قَرِيبًا أو أجْنَبِيًّا، وسَوَاءٌ بَذَلَ له الرُّكُوبَ والزَّادَ، أو بَذَلَ له مَالًا. وعن الشَّافِعِىِّ أنَّه إذا بَذَلَ له وَلَدُه ما يَتَمَكَّنُ به من الحَجِّ، لَزِمَهُ؛ لأنَّه أمْكَنَه الحَجُّ مِن غيرِ مِنَّةٍ تَلْزَمُه، ولا ضَرَرٍ يَلْحَقُه، فلَزِمَهُ الحَجُّ، كما لو مَلَكَ الزَّادَ والرَّاحِلَةَ. ولَنا، أنَّ قولَ النَّبِىِّ ﷺ يُوجِبُ الحَجَّ "الزَّادُ والرَّاحِلَةُ"، يَتَعَيَّنُ فيه تَقْدِيرُ مِلْكِ ذلك،

стр. 2152

أو مِلْكِ ما يَحْصُلُ به، بِدَلِيلِ ما لو كان الباذِلُ أجْنَبِيًّا، ولأنَّه ليس بمالِكٍ لِلزَّادِ والرَّاحِلَةِ، ولا ثَمَنِهما، فلم يَلْزَمْهُ الحَجُّ، كما لو بَذَلَ له وَالِدُه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَلْزَمُه مِنَّةٌ، ولو سَلَّمْنَاهُ (١٣) فَيَبْطُلُ [ببَذْلِ الوالِدَةِ] (١٤)، وبَذْلِ (١٥) مَن لِلْمَبْذُولِ (١٦) عليه أيَادٍ كَثِيرَةٌ ونِعَمٌ. فصل: ومَن تَكَلَّفَ الحَجَّ مِمَّنْ لا يَلْزَمُه، فإن أمْكَنَهُ ذلك مِن غيرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ بغيرِه، مثل أن يَمْشِىَ ويَكْتَسِبَ بِصِنَاعَةٍ كالخَرْزِ، أو مُعَاوَنَةِ من يُنْفِقُ عليه، أو يُكْتَرَى لِزَادِه، ولا يَسْأَلُ النَّاسَ، اسْتُحِبَّ له الحَجُّ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (١٧) فَقَدَّمَ ذِكْرَ الرِّجَالِ. ولأنَّ فى ذلك مُبَالَغَةً فى طاعَةِ اللهِ ، وخُرُوجًا من الخِلافِ. وإن كان يَسْأَلُ النَّاسَ، كُرِهَ له الحَجُّ؛ لأنَّه يُضَيِّقُ على النَّاسِ، ويَحْصُلُ كَلًّا عليهم فى الْتِزَامِ ما لا يَلْزَمُه. وسُئِلَ أحمدُ عَمَّنْ يَدْخُلُ البادِيَةَ بلا زَادٍ ولا رَاحِلَةٍ؟ فقال: لا أُحِبُّ له ذلك، هذا يَتَوَكَّلُ على أزْوَادِ النَّاسِ. فصل: ويَخْتَصُّ اشْتِرَاطُ الرَّاحِلَةِ بالبَعِيدِ الذى بَيْنَه وبين البَيْتِ مَسافَةُ القَصْرِ، فأمَّا القَرِيبُ الذى يُمْكِنُه المَشْىُ، فلا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الرَّاحِلَةِ فى حَقِّهِ؛ لأنَّها مَسافَةٌ قَرِيبَةٌ، يُمْكِنُه المَشْىُ إليها، فلَزِمَهُ، كالسَّعْى إلى الجُمُعَةِ. وإن كان مِمَّنْ لا يُمْكِنُه المَشْىُ، اعْتُبِرَ وُجُودُ الحُمولَةِ فى حَقِّهِ؛ لأنَّه عاجِزٌ عن المَشْىِ، فهو كالبَعِيدِ. وأمَّا الزَّادُ فلا بُدَّ منه، فإن لمْ يَجِدْ زَادًا، ولا قَدَرَ على كَسْبِه، لم يَلْزَمْهُ الحَجُّ.

стр. 2153

فصل: والزَّادُ الذى تُشْتَرَطُ القُدْرَةُ عليه، هو ما يَحْتاجُ إليه فى ذَهابِهِ وَرُجُوعِهِ؛ من مَأْكُولٍ ومَشْرُوبٍ وكُسْوَةٍ، فإن كان يَمْلِكُه، أو وَجَدَهُ يُباعُ بِثَمَنِ المِثْلِ فى الغَلاءِ والرُّخْصِ، أو بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ لا تُجْحِفُ بمَالِه، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ، وإن كانت تُجْحِفُ بمَالِه، لم يَلْزَمْهُ، كما قُلْنَا فى شِرَاءِ الماءِ لِلْوُضُوءِ. وإذا كان يَجِدُ الزَّادَ فى كلِّ مَنْزِلَةٍ، لم يَلْزَمْهُ حَمْلُه، وإن لم يَجِدْهُ كذلك، لَزِمَهُ حَمْلُه. وأمَّا الماءُ وعَلَفُ البَهائِمِ، فإن كان يُوجَدُ فى المَنازِلِ التى يَنْزِلُها على حَسَبِ العَادَةِ، وإلَّا لم يَلْزَمْهُ حَمْلُه من بَلِدِه، ولا مِن أقْرَبِ البُلْدانِ إلى مَكَّةَ، كأطْرَافِ الشَّامِ ونَحْوِها؛ لأنَّ هذا يَشُقُّ، ولم تَجْرِ العادَةُ به، ولا يَتَمَكَّنُ من حَمْلِ الماءِ لِبَهائِمِه فى جَمِيعِ الطَّرِيقِ، والطَّعَامُ بِخِلافِ ذلك، ويُعْتَبَرُ أيضا قُدْرَتُه على الآلاتِ التى يَحْتاجُ إليها، كالغَرَائِرِ ونَحْوِها، وأوْعِيَةِ الماءِ وما أشْبَهَهَا؛ لأنَّه مِمَّا لا يُسْتَغْنَى عنه، فهو كأَعْلافِ البَهائِمِ. فصل: وأمَّا الرَّاحِلَةُ، فيُشْتَرَطُ أن يَجِدَ رَاحِلَةً تَصْلُحُ (١٨) لِمِثْلِه، [إمَّا شِراءً أو كِرَاءً] (١٩)، لِذَهَابِه ورُجُوعِه، ويَجِدُ ما يَحْتاجُ إليه من آلَتِها التى تَصْلُحُ لمِثْلِه، فإن كان مِمَّنْ يَكْفِيهِ الرَّحْلُ والقَتَبُ، ولا يَخْشَى السُّقُوطَ، أجْزَأ وُجُودُ ذلك. وإن كان مِمَّنْ لم تَجْرِ عَادَتُه بذلك، ويَخْشَى السُّقُوطَ عنهما، اعْتُبِرَ وُجُودُ مَحْمَلٍ وما أشْبَهه، مِمَّا لا مَشَقَّةَ فى رُكُوبِهِ، ولا يُخْشَى السُّقُوطُ عنه؛ لأنَّ اعْتِبارَ الرَّاحِلَةِ فى حَقِّ القَادِرِ على المَشْىِ، إنَّما كان لِدَفْعِ المَشَقَّةِ، فيَجِبُ أن يُعْتَبَرَ هاهُنا ما تَنْدَفِعُ به المَشَقَّةُ. وإن كان مِمَّنْ لا يَقْدرُ على خِدْمَةِ نَفْسِه، والقِيَامِ بِأمْرِه، اعْتُبِرَتِ القُدْرَةُ على من يَخْدِمُه، لأنَّه مِن سَبِيلِه. فصل: ويُعْتَبَرُ أن يكونَ هذا فَاضِلًا عما يَحْتاجُ إليه لِنَفَقَةِ عِيالِه الذين تَلْزَمُه

стр. 2154

مَؤُونَتُهُم، فى مُضِيِّه ورُجُوعِه؛ لأنَّ النَّفَقَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، وهم أحْوَجُ، وحَقُّهُم آكَدُ، وقد رَوَى عبدُ اللهِ بن عَمْرٍو، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "كَفَى بالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢٠). وأن يكونَ فَاضِلًا عمَّا يَحْتاجُ هو وأهْلُه إليه، من مَسْكَنٍ وخَادِمٍ ومَا لَا بُدَّ منه، وأنْ يكونَ فَاضِلًا عن قَضاءِ دَيْنِه؛ لأنَّ قَضاءَ الدَّيْنِ من حَوَائِجه الأصْلِيَّةِ، ويَتَعَلَّقُ به حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، فهو آكَدُ، ولذلك مَنَعَ الزَّكَاةَ، مع تَعَلُّقِ حُقُوقِ الفُقَرَاءِ بها، وحاجَتِهِم إليها، فالحَجُّ الذى هو خَالِصُ حَقِّ اللهِ تعالَى أوْلَى، وسَوَاءٌ كان الدَّيْنُ لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، أو من حُقُوقِ اللهِ تعالى، كزَكاةٍ فى ذِمَّتِهِ، أو كَفَّارَاتٍ ونَحْوِها. وإن احْتاجَ إلى النِّكَاحِ، وخافَ على نَفْسِهِ العَنَتَ، قَدَّمَ التَّزْوِيجَ؛ لأنَّه وَاجِبٌ عليه، ولا غِنَى به عنه، فهو كنَفَقَتِه، وإن لم يَخَفْ، قَدَّمَ الحَجَّ؛ لأنَّ النِّكَاحَ تَطَوُّعٌ، فلا يُقَدَّمُ على الحَجِّ الوَاجِبِ. وإن حَجَّ مَنْ تَلْزَمُه هذه الحُقُوقُ وضَيَّعَها، صَحَّ حَجُّهُ؛ لأنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بذِمَّتِه، فلا تَمْنَعُ صِحَّةَ فِعْلِه. فصل: ومَن له عَقَارٌ يحْتاجُ إليه لِسُكْناهُ، أو سُكْنَى عِيالِه، أو يَحْتاجُ إلى أُجْرَتِه لِنَفَقَةِ نَفْسِه أو عِيالِه، أو بِضَاعَةٌ متى نَقَصَها اخْتَلَّ رِبْحُها فلم يَكْفِهم، أو سَائِمَةٌ يَحْتاجُونَ إليها، لم يَلْزَمْهُ الحَجُّ، وإن كان له من ذلك شىْءٌ فَاضِلٌ عن حاجَتِه، لَزِمَهُ بَيْعُه فى الحَجِّ. فإن كان له مَسْكَنٌ وَاسِعٌ يَفْضُلُ عن حَاجَتِه، وأمْكَنَهُ بَيْعُهُ وشِرَاءُ ما يَكْفِيهِ، ويَفْضُلُ قَدْرُ ما يَحُجُّ به، لَزِمَهُ. وإن كانت له كُتُبٌ يَحْتاجُ إليها، لم يَلْزَمْهُ بَيْعُها فى الحَجِّ. وإن كانتْ ممَّا لا يَحْتاجُ إليها، أو كان له بكِتابٍ نُسْخَتانِ، يَسْتَغْنِى بأحَدِهما، باعَ ما لا يَحْتاجُ إليه، فإن كان له دَيْنٌ على مَلِىءٍ باذِلٍ له يَكْفِيه لِلْحَجِّ، لَزِمَهُ؛ لأنَّه قَادِرٌ، وإن كان على مُعْسِرٍ، أو تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُه عليه، لم يَلْزَمْهُ.

стр. 2155

فصل: وتَجِبُ العُمْرَةُ على مَنْ يَجِبُ عليه الحَجُّ، فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وزيدِ بنِ ثابِتٍ، وابنِ عمرَ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وسعيدِ ين جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، والشَّافِعِىُّ فى أحَدِ قَوْلَيْه. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَيْسَتْ وَاجِبَةً، ورُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ. وبه قال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لما رَوَى جابِرٌ، أنَّ النَّبىَّ ﷺ سُئِلَ عن العُمْرَةِ، أوَاجِبَةٌ هى؟ قال: "لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرُوا فَهُوَ أفْضَلُ". أخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ (٢١)، وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وعن طَلْحَةَ، أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "الحَجُّ جِهَادٌ، والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٢٢). ولأنَّه نُسُكٌ غيرُ مُوَقَّتٍ، فلم يكنْ وَاجِبًا، كالطَّوَافِ المُجَرَّدِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢٣). ومُقْتَضَى الأمْرِ الوُجُوبُ، ثم عَطَفَها على الحَجِّ، والأصْلُ التَّسَاوِى بين المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عليه. قال ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّها لَقَرِينَةُ الحَجِّ فى كِتابِ اللهِ. وعن الضَّبِّىِّ بن مَعْبَدٍ قال: أتَيْتُ عمرَ، فقلتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنِّى أَسْلَمْتُ، وإنِّى وَجدتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَىَّ فأهْلَلْتُ بهما، فقال عمرُ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ (٢٤). وعن أبى رَزِينٍ، أنَّه أتَى النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ: إنَّ أبى شَيْخٌ كَبِيرٌ، لا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ، ولا العُمْرَةَ، ولا

стр. 2156

الظَّعْنَ. قال: "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ، واعْتَمِرْ". رَواهُ أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (٢٥)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وذَكَرَهُ أحمدُ، ثم قال: وحديثٌ يَرْوِيهِ سعيدُ بن عبدِ الرحمنِ الجُمَحِىُّ، عن عُبَيْدِ اللَّه (٢٦)، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: جاءَ رجلٌ إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فقال: أَوْصِنِى. قال: "تُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَحُجُّ، وتَعْتَمِرُ". ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِهِ عن أبِى بكرِ بن مُحمدِ بن عَمْرِو بن حَزْمٍ، عن أبِيه، عن جَدِّهِ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كَتَبَ إلى أهْلِ اليَمَنِ، وكان فى الكِتَابِ: "إنَّ العُمْرَةَ هِىَ الحَجُّ الأَصْغَرُ". ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّيْنَا من الصَّحابَةِ، ولا مُخَالِفَ لهم نَعْلَمُه، إلَّا ابنَ مسعودٍ، على اخْتِلَافٍ عنه. وأمَّا حديثُ جابِرٍ، فقال التِّرْمِذِىُّ، قال الشَّافِعِىُّ: هو ضَعِيفٌ، لا تَقُومُ بِمِثْلِه الحُجَّةُ، وليس فى العُمْرَةِ شَىءٌ ثابِتٌ بأنها تَطَوُّعٌ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: رُوِىَ ذلك بأسانِيدَ لا تَصِحُّ، ولا تَقُومُ بِمِثْلِها الحُجَّةُ. ثم نَحْمِلُه على المَعْهُودِ، وهى العُمْرَةُ التى قَضَوْها حين أُحْصِرُوا فى الحُدَيْبِيَة، أو على العُمْرَةِ التى اعْتَمَرُوها مع حَجَّتِهم، مع النَّبِىِّ ﷺ ، فإنَّها لم تَكُنْ واجِبَةً علَى مَن اعْتَمَرَ، أو نَحْمِلُه على ما زَادَ على العُمْرَةِ الواحِدَةِ، وتُفَارِقُ العُمْرَةُ الطَّوَافَ؛ لأنَّ مِن شَرْطِها الإِحْرَامَ، والطَّوَافُ بخِلافِه. فصل: وليس على أهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال: كان ابنُ عَبَّاسٍ

стр. 2157

يَرَى العُمْرَةَ وَاجِبَةً، ويقولُ: يا أهْلَ مَكَّةَ: ليس عليكم عُمْرَةٌ، إنَّما عُمْرَتُكمْ طَوَافُكم بالبَيْتِ. وبهذا قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ. قال عَطاءٌ: ليس أحَدٌ من خَلْقِ اللهِ إلَّا عليه حَجٌّ وعُمْرَةٌ واجِبَتان، لا بُدَّ منهما لِمَن اسْتَطاعَ إليهما سَبِيلًا، إلَّا أهْلَ مَكَّةَ، فإنَّ عليهم حَجَّةً، وليس عليهم عُمْرَةٌ، من أجْلِ طَوَافِهم بِالبَيْتِ. ووَجْهُ ذلك أنَّ رُكْنَ العُمْرَةِ ومُعْظَمَها الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، وهم يَفْعَلُونَه فأجْزَأَ عنهم. وحَمَلَ القاضى كلامَ أحمدَ على أنَّه لا عُمْرَةَ عليهم مع الحَجَّةِ؛ لأنَّه يَتَقَدَّمُ منهم فِعْلُها فى غيرِ وَقْتِ الحَجِّ. والأمْرُ على ما قُلْناهُ. فصل: وتُجْزِئُ عُمْرَةُ المُتَمَتِّعِ، وعُمْرَةُ القَارِنِ، والعُمْرَةُ من أدْنَى الحِلِّ عن العُمْرَةِ الوَاجِبَةِ، ولا نَعْلَمُ فى إجْزَاءِ عُمْرَةِ التَّمتُّعِ خِلَافًا. كذلك قال ابنُ عمرَ، وعَطاءٌ، وطَاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، ولا نَعْلَمُ عن غَيْرِهِمْ خِلَافَهم. وَرُوِىَ عن أحمدَ أنَّ عُمْرَةَ القَارِنِ لا تُجْزِئُ. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ. وعن أحمدَ أنَّ العُمْرَةَ من أدْنَى الحِلِّ لا تُجْزِئُ عن العُمْرَةِ الوَاجِبَةِ. وقال: إنَّما هى من أرْبَعَةِ أمْيالٍ. واحْتَجَّ على أنَّ عُمْرَةَ القَارِنِ لا تُجْزِئُ أنَّ عائشةَ حين حاضَتْ أعْمَرَها من التَّنْعِيمِ (٢٧)، فلو كانت عُمْرَتُها فى قِرَانِها أجْزَأَتْها لَمَا أعْمَرَها بَعْدَها. ولَنا، قولُ الضَّبِّىِّ بن مَعْبَدٍ: إنِّى وَجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَىَّ، فأهْلَلْتُ بهما. فقال عمرُ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ (٢٨). وهذا يَدُلُّ على أنَّه أحْرَمَ بهما يَعْتَقِدُ أداءَ ما كَتَبَه اللهُ عليه منهما، والخُرُوجَ عن عُهْدَتِهما، فصَوَّبَهُ عمرُ، وقال: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ. وحديثُ عائشةَ حين قَرَنَتِ الحَجَّ والعُمْرَةَ، فقال لها النَّبِىُّ ﷺ حين حَلَّتْ منهما: "قَدْ حَلَلْتِ من حَجِّكِ وعُمْرَتِك" (٢٩). وإنَّما أعْمَرَها النَّبِىُّ ﷺ من التَّنْعِيمِ قَصْدًا

стр. 2158

لِتَطْييبِ قَلْبِها، وإجَابَةِ مَسْألَتِها، لا لأنَّها كانت وَاجِبَةً عليها. ثم إن لم تكنْ أجْزَأتْها عُمْرَةُ القِرَانِ، فقد أجْزَأتْها العُمْرَةُ من أدْنَى الحِلِّ، وهو أحَدُ ما قَصَدْنا الدَّلَالَةَ عليه. ولأنَّ الواجِبَ عُمْرَةٌ واحِدَةٌ، وقد أتَى بها صَحِيحَةً، فَتُجْزِئُه، كعُمْرَةِ المُتَمَتِّعِ (٣٠). ولأنَّ عُمْرَةَ القَارِنِ أحَدُ نُسُكَىِ القِرَانِ، فأجْزَأتْ، كالحَجِّ، والحَجُّ من مَكَّةَ يُجْزِئُ فى حَقِّ المُتَمَتِّعِ، فالعُمْرَةُ من أدْنَى الحِلِّ فى حَقِّ المُفْرِدِ أوْلَى. وإذا كان الطَّوَافُ المُجَرَّدُ يُجْزِئُ عن العُمْرَةِ فى حَقِّ المَكِّىِّ، فلَأن تُجْزِئَ العُمْرَةُ المُشْتَمِلَةُ على الطَّوَافِ وغيرِه أوْلَى. فصل: ولا بأسَ أن يَعْتَمِرَ فى السَّنَةِ مِرَارًا. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأنَسٍ، وعائشةَ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ، والشَّافِعِىِّ. وكَرِهَ العُمْرَةَ فى السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ومالِكٌ. وقال النَّخَعِىُّ: ما كانوا يَعْتَمِرُونَ فى السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَفْعَلْهُ. ولَنا، أنَّ عائشةَ اعْتَمَرَتْ فى شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ بِأمْرِ النَّبِىِّ ﷺ ، عُمْرَةً مع قِرَانِها، وعُمْرَةً بعد حَجِّها (٣١)، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِما بَيْنَهُما". مُتَّفَقٌ عليه (٣٢). وقال

стр. 2159

علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: فى كل شَهْرٍ مَرَّة. وكان أنَسٌ إذا حَمَّمَ رَأْسُهُ (٣٣) خَرَجَ فَاعْتَمَرَ. رَوَاهُما الشَّافِعِىُّ، فى "مُسْنَدِهِ" (٣٤). وقال عِكْرِمَةُ: يَعْتَمِرُ إذا أمْكَنَ المُوسَى من شَعْرِهِ. وقال عَطاءٌ: إن شاءَ اعْتَمَرَ فى كل شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ. فأمَّا الإِكْثارُ من الاعْتِمارِ، والمُوَالَاةُ بَينهما، فلا يُسْتَحَبُّ فى ظَاهِرِ قَوْلِ السَّلَفِ الذى حَكَيْنَاهُ. وكذلك قال أحمدُ: إذا اعْتَمَرَ فلا بُدَّ من أن يَحْلقَ أو يُقَصِّرَ، وفى عَشَرَةِ أيَّامٍ يُمْكِنُ حَلْقُ الرَّأْس. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُسْتَحَبُّ أن يَعْتَمِرَ فى أقَلَّ من عَشَرَةِ أيَّامٍ. وقال فى رِوَايَةِ الأَثْرَمِ: إن شاءَ اعْتَمَرَ فى كلِّ شَهْرٍ. وقال بعضُ أصْحابِنا: يُسْتَحَبُّ الإِكْثارُ من الاعْتِمارِ. وأقوالُ السَّلَفِ وأحْوَالُهم تَدُلُّ على ما قُلْنَاهُ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأصْحَابَه لم يُنْقَلْ عنهم المُوَالَاةُ بينهما، وإنَّما نُقِلَ عنهم إنْكارُ ذلك، والحَقُّ فى اتِّبَاعِهم. قال طَاوُسٌ: الذين يَعْتَمِرُونَ من التَّنْعِيمِ، ما أَدْرِى يُؤْجَرُونَ عليها أو يُعَذَّبُونَ؟ قيل له: فلم يُعَذَّبُونَ؟ قال: لأنَّه يَدَعُ الطَّوَافَ بالبَيْتِ، ويَخْرُجُ إلى أرْبَعَةِ أمْيَالٍ ويَجِىءُ، وإلى أن يَجِىءَ من أَرْبَعَةِ أمْيَالٍ قد طافَ مائتَىْ طَوَافٍ، وكلَّما طَافَ بالبَيْتِ كان أَفْضَلَ من أن يَمْشِىَ فى غيرِ شىءٍ. وقد اعْتَمَر النَّبِىُّ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ فى أرْبَعِ سَفْرَاتٍ، لم يَزِدْ فى كل سَفْرَةٍ على عُمْرَةٍ واحدةٍ، ولا أحَدٌ مِمَّنْ معه، ولم يَبْلُغْنَا أنَّ أحَدًا منهم جَمَعَ بين عُمْرَتَيْنِ فى سَفَرٍ واحِدٍ معه، إلَّا عائشةَ حين حاضَتْ فأعْمَرَها من التَّنْعِيمِ؛ لأنَّها اعْتَقَدَتْ أنَّ عُمْرَةَ قِرَانِها بَطَلَتْ، ولهذا قالتْ: يا رسولَ اللهِ، يَرْجِعُ النّاسُ بحَجٍّ وعُمْرَةٍ، وأَرْجِعُ أنا بِحَجَّةٍ. فأعْمَرَها لذلك. ولو كان فى هذا فَضْلٌ لَما اتَّفَقُوا على تَرْكِهِ. فصل: ورَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "عُمْرَةٌ فِى رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً". مُتَّفَقٌ عليه (٣٥). قال أحمدُ: مَن أَدْرَكَ يَوْمًا من رمضانَ، فقد

стр. 2160

أدْرَكَ عُمْرَةَ رمضانَ. وقال إسحاقُ: يعنى هذا الحديث مثل ما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ قال: "مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ، فَقَد قَرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ" (٣٦). وقال أنَسٌ: حَجَّ النَّبِىُّ ﷺ حَجَّةً واحِدَةً، واعْتَمَرَ أرْبَعَ عُمَرٍ؛ واحِدَةً فى ذِى القَعْدَةِ، وعُمْرَةَ الحُدَيْبِيةِ، وعُمْرَةً مع حَجَّتِه، وعُمْرَةَ الجِعْرَانةِ (٣٧) إذ قَسَمَ غَنِيمَةَ حُنَيْنٍ. وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عليه (٣٨). وقال أحمدُ: حَجَّ النَّبِىُّ ﷺ حَجَّةَ الوَدَاعِ. قال: وَرُوِىَ عن مُجاهِدٍ، أنَّه قال: حَجَّ قبلَ ذلك حَجَّةً أُخْرَى. وما هو يَثْبُتُ عِنْدِى. وَرُوِىَ عن جَابِرٍ، قال: حَجَّ النَّبِىُّ ﷺ ثَلَاثَ حِجَجٍ؛ حَجَّتَيْنِ قبلَ أن يُهاجِرَ، وحَجَّةً بعد ما هَاجَرَ (٣٩). وهذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. فصل: وَرُوِىَ عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "تَابِعُوا

стр. 2161

بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَإنَّهُما يَنْفِيَانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِى الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولَيْسَ [لِلْحَجَّة الْمَبْرُورَةِ] (٤٠) ثَوَابٌ إلَّا الجَنَّةَ". قال التِّرْمِذِىُّ (٤١) هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وعن أبى هُرَيْرَةَ، ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَتَى هذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٤٢). وهو فى "المُوَطَّأِ" (٤٣). ٥٣٩ - مسألة؛ قال: (فَإنْ كَانَ مَرِيضًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أو شَيْخًا لا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أقَامَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ ويَعْتَمِرُ، وقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ وإنْ عُوفِىَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن وُجِدَتْ فيه شَرائِطُ وُجُوبِ الحَجِّ، وكان عاجِزًا عنه لِمَانِعٍ مَأْيُوسٍ من زَوَالِه، كزَمَانَةٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى زَوَالُه، أو كان نِضْوَ (١) الخَلْقِ، لا يَقْدِرُ على الثُّبُوتِ على الرَّاحِلَةِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ غيرِ مُحْتَمَلَةٍ، والشَّيْخُ الفَانِى، وَمَن كان مثلَه متى وَجَدَ مَنْ يَنُوبُ عنه فى الحَجِّ، ومالًا يَسْتَنِيبُه به، لَزِمَهُ ذلك. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: لا حَجَّ عليه، إلَّا أن يَسْتَطِيعَ بِنَفْسِه، ولا

стр. 2162

أرَى له ذلك؛ لأنَّ اللَّه تَعَالَى قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢). وهذا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، ولأنَّ هذه عِبَادَةٌ لا تَدْخُلُها النِّيَابَةُ مع القُدْرَةِ، فلا تَدْخُلُها مع العَجْزِ، كالصَّوْمِ والصلاةِ. ولنَا، حديثُ أبى رَزِينٍ (٣)، ورَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ امْرَأةً مِن خَثْعَمٍ قالتْ: يا رسولَ اللَّه، [إنَّ فَرِيضَةَ اللَّه على عِبَادِه فى الحَجِّ أَدْرَكَتْ أبِى شَيخًا كَبِيرًا، لا يَسْتَطِيعُ أن يَثْبُتَ على الرَّاحِلَةِ، أفَأَحُجُّ عنه؟ قال: "نَعَمْ". وذلك فى حَجَّةِ الوَدَاعِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وفى لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ] (٥)، قالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبِى شَيْخٌ كَبِيرٌ، عليه فَرِيضَةُ اللهِ فى الحَجِّ، وهو لا يَسْتَطِيعُ أن يَسْتَوِىَ على ظَهْرِ بَعِيرِه. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "فَحُجِّى عَنْهُ". وسُئِلَ علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن شَيْخٍ لا يَجِدُ الاسْتِطَاعَةَ، قال: يُجَهِّزُ عنه. ولأنَّ هذه عِبادَةٌ تَجِبُ بإفْسادِها الكَفَّارَةُ، فجازَ أن يَقُومَ غيرُ فِعْلِه فيها مَقَامَ فِعْلِهِ، كالصَّوْمِ إذا عَجَزَ عنه افْتَدَى، بخِلافِ الصلاةِ.

стр. 2163

فصل: فإن لم يَجِدْ مالًا يَسْتَنِيبُ به، فلا حَجَّ عليه. بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الصَّحِيحَ لو لم يَجِدْ ما يَحُجُّ به، لم يَجِبْ عليه، فالمَرِيضُ أوْلَى. وإن وَجَدَ مَالًا، ولم يَجِدْ مَن يَنُوبُ عنه، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يَنْبَنِى على الرِّوَايَتَيْنِ فى إمْكَانِ المَسِيرِ، هل هو من شَرائِطِ الوُجُوبِ، أو من شَرَائِط لُزُومِ السَّعْىِ؟ فإن قُلْنا: من شَرائِط لُزُومِ السَّعْىِ. ثَبَتَ الحَجُّ فى ذِمَّتِه، هذا يُحَجُّ عنه بعد مَوْتِه. وإن قُلْنا: من شَرائِطِ الوُجُوبِ لم يَجِبْ عليه شَىءٌ. فصل: ومَتَى أحَجَّ هذا عن نَفْسِه، ثم عُوفِى، لم يَجِبْ عليه حَجٌّ آخَرُ. وهذا قَوْلُ إسحاقَ. وقال الشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ: يَلْزَمُه؛ لأنَّ هذا بَدَلُ إياسٍ، فإذا بَرَأ، تَبَيَّنَّا أنَّه لم يَكُنْ مَأْيُوسًا منه، فلَزِمَهُ الأصْلُ، كالآيِسَةِ إذا اعْتَدَّتْ بالشُّهُورِ، ثم حاضَتْ، لا تُجْزِئُها تلك العِدَّةُ. ولَنا، أنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فخَرَجَ من العُهْدَةِ، كما لو لم يَبْرَأْ، أو نقول: أَدَّى حَجَّةَ الإِسْلَامِ بأمْرِ الشَّارِعِ، فلم يَلْزَمْه حَجٌّ ثَانٍ، كما لو حَجَّ بِنَفْسِه، ولأنَّ هذا يُفْضِى إلى إيجابِ حَجَّتَيْنِ عليه، ولم يُوجِب اللهُ عليه إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً. وقَوْلُهم: لم يكنْ مَأْيُوسًا من بُرْئِه. قُلْنَا: لو لم يكنْ مَأْيُوسًا منه، لَما أُبِيحَ له أن يَسْتَنِيبَ، فإنَّه شَرْطٌ لِجَوَازِ الاسْتِنَابَةِ. أمَّا الآيِسَةُ إذا اعْتَدَّتْ بالشُّهُورِ، فلا يُتَصَوَّرُ عَوْدُ حَيْضِها، فإن رَأتْ دَمًا، فليس بِحَيْضٍ، ولا يَبْطُلُ به اعْتِدادُها، ولكن مَن ارْتَفَعَ حَيْضُها لا تَدْرِى ما رَفَعَه، إذا اعْتَدَّتْ سَنَةً، ثم عادَ حَيْضُها، لم يَبْطُل اعْتِدادُها. فأمَّا إنْ عُوفِىَ قبلَ فَراغِ النَّائِبِ من الحَجِّ، فيَنْبَغِى أن لا يُجْزِئَهُ الحَجُّ؛ لأنَّه قَدَرَ على الأصْلِ قبلَ تَمَامِ البَدَلِ، فلَزِمَه، كالصَّغِيرَةِ ومَن ارْتَفَعَ حَيْضُها، إذا حاضَتَا قبلَ إتْمَامِ عِدَّتِهِما بالشُّهُورِ، وكالمُتَيَمِّمِ إذا رَأى الماءَ فى صَلاتِه. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه، كالمُتَمَتِّعِ إذا شَرَعَ فى الصِّيامِ ثم قَدَرَ على الهَدْىِ، والمُكَفِّرِ إذا قَدَرَ على الأصْلِ بعد الشُّرُوعِ فى البَدَلِ. وإن بَرَأ قبل إحْرَامِ النّائِبِ، لم يُجْزِئْهُ بحَالٍ.

стр. 2164

فصل: ومَنْ يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِه، والمَحْبُوسُ ونَحْوُه، ليس له أن يَسْتَنِيبَ. فإن فَعَلَ، لم يُجْزِئْهُ، وإن لم يَبْرَأْ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: له ذلك. ويكونُ ذلك مُرَاعًى، فإن قَدَرَ على الحَجِّ بِنَفْسِه لَزِمَهُ، وإلَّا أَجْزَأَهُ ذلك؛ لأنَّه عَاجِزٌ عن الحَجِّ بِنَفْسِه، أشْبَهَ المَأْيُوسَ من بُرْئِه. ولَنا، أنَّه يَرْجُو القُدْرَةَ على الحَجِّ بِنَفْسِه، فلم يكنْ له الاسْتِنَابَةُ، ولا تُجْزِئُه إن فَعَلَ، كالفَقِيرِ، وفَارَقَ المَأْيُوسَ من بُرْئِه؛ لأنَّه عاجِزٌ على الإِطْلَاقِ، آيِسٌ من القُدْرَةِ على الأصْلِ، فأشْبَهَ المَيِّتَ. ولأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَدَ فى الحَجِّ عن الشَّيْخِ الكَبِيرِ، وهو مِمَّنْ لا يُرْجَى منه الحَجُّ بِنَفْسِه، فلا يُقاسُ عليه إلَّا مَن كان مثلَه. فعلى هذا إذا اسْتَنابَ مَن يَرْجُو القُدْرَةَ على الحَجِّ بِنَفْسِه، ثم صارَ مَأْيُوسًا من بُرْئِه، فعليه أن يَحُجَّ عن نَفْسِه مَرَّةً أُخْرَى؛ لأنَّه اسْتَنابَ فى حالٍ لا تجوزُ له الاسْتِنَابَةُ فيها، فأَشْبَهَ الصَّحِيحَ. فصل: ولا يجوزُ أن يَسْتَنِيبَ مَن يَقْدِرُ على الحَجِّ بِنَفْسِه فى الحَجِّ الوَاجِبِ إجْماعًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَنْ عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ، وهو قادِرٌ على أن يَحُجَّ، لا يُجْزِئُ عنه أن يَحُجَّ غيرُه عنه. والحَجُّ المَنْذُورُ كحَجَّةِ الإِسْلامِ، فى إبَاحَةِ الاسْتِنَابَةِ عند العَجْزِ، والمَنْعِ منها مع القُدْرَةِ؛ لأنَّها حَجَّةٌ واجِبَةٌ، فأمَّا حَجُّ التَّطَوُّعِ، فيَنْقَسِمُ أقْسامًا ثلاثةً: أحدُها، أن يكونَ مِمَّنْ لم يُؤَدِّ حَجَّةَ الإِسْلامِ، فلا يَصِحُّ (٦) أن يَسْتَنِيبَ فى حَجَّةِ التَّطَوُّعِ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ أن يَفْعَلَه (٧) بِنَفْسِه، فبِنائِبِه أوْلَى. الثانى، أن يكونَ مِمَّنْ قد أَدَّى حَجَّةَ الإِسْلامِ، وهو عَاجِزٌ عن الحَجِّ بِنَفْسِه، فيَصِحُّ أن يَسْتَنِيبَ فى التَّطَوُّعِ، فإنَّ ما جَازَتِ الاسْتِنَابَةُ فى فَرْضِه، جازَتْ فى نَفْلِه، كالصَّدَقَةِ. الثالث، أن يكونَ قد أَدَّى حَجَّةَ الإِسْلامِ، وهو قادِرٌ على الحَجِّ بِنَفْسِه، فهل له أن يَسْتَنِيبَ فى حَجِّ التَّطَوُّعِ؟

стр. 2165

فيه رِوايَتانِ؛ إحْدَاهما، يجوزُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّها حَجَّةٌ لا تَلْزَمُه بِنَفْسِه، فجَازَ أن يَسْتَنِيبَ فيها، كالمَعْضُوبِ (٨). والثانية، لا يجوزُ. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه قادِرٌ على الحَجِّ بِنَفْسِه، فلم يَجُزْ أن يَسْتَنِيبَ فيه، كالفَرْضِ. فصل: فإن كان عاجِزًا عنه عَجْزًا مَرْجُوَّ الزَّوَالِ، كالمَرِيضِ مَرَضًا يُرْجَى بُرْؤُه، والمَحْبُوسِ، جازَ له أن يَسْتَنِيبَ فيه؛ لأنَّه حَجٌّ لا يَلْزَمُه، عَجَزَ عن فِعْلِه بنَفْسِه، فَجازَ له أن يَسْتنِيبَ فيه، كالشَّيْخِ الكَبِير، والفَرْقُ بينَه وبينَ الفَرْضِ، أَن الفَرْضَ عِبادَةُ العُمْرِ، فلا يَفُوتُ بِتَأْخِيرِه عن هذا العامِ، والتَّطَوُّعُ مَشْرُوعٌ فى كلِّ عَامٍ، فيَفُوتُ حَجُّ هذا العامِ بِتَأْخِيرِه، ولأنَّ حَجَّ الفَرْضِ إذا ماتَ قبلَ فِعْلِه، فُعِلَ بعد مَوْتِه، وحَجَّ التَّطَوُّعِ لا يُفْعَلُ، فيَفُوتُ. فصل: وفى الاسْتِئْجَارِ على الحَجِّ، والأذانِ، وتَعْلِيمِ القُرْآنِ والفِقْهِ، ونَحْوِه، ممَّا يَتَعَدَّى نَفْعُه، ويَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكون من أَهْلِ القُرْبَةِ، رِوَايَتانِ: إحْداهُما، لا يجوزُ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، وإسحاقَ. والأُخْرَى، يجوزُ. وهو مذهبُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وابْنِ المُنْذِرِ، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أَحَقُّ ما أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرًا كِتَابُ اللهِ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٩). وأخَذَ أصْحابُ النَّبِىِّ ﷺ الجُعْلَ على الرُّقْيَةِ بكِتَابِ اللهِ، وأخْبَرُوا بذلك النَّبِىَّ ﷺ ، فَصَوَّبَهُم فيه (١٠). ولأنَّه يجوزُ أَخْذُ

стр. 2166

النَّفَقَةِ عليه، فجازَ الاسْتِئْجَارُ عليه، كبِناءِ المساجِدِ والقَنَاطِرِ. ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى أنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ كان يُعَلِّمُ رَجُلًا القُرْآنَ، فأهْدَى لَه قَوْسًا، فسَألَ النَّبِىَّ ﷺ عن ذلك، فقال له: "إنْ سَرَّكَ أنْ تَتَقَلَّدَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ، فَتَقَلَّدْهَا" (١١). وقال النَّبِىُّ ﷺ لِعُثمانَ بن أبى العَاصِ: "وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا، لَا يَأْخُذُ عَلَى أذَانِهِ أَجْرًا" (١٢). ولأنَّها عِبادَةٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُها أن يكونَ من أهْلِ القُرْبَةِ، فلم يَجُزْ أخْذُ الأُجْرَةِ عليها، كالصلاةِ، والصَّوْمِ. وأمَّا الأحادِيثُ التى فى أخْذِ الجُعْلِ والأُجْرَةِ، فإنَّما كانت فى الرُّقْيَةِ، وهى قَضِيَّةٌ فى عَيْنٍ، فتَخْتَصُّ بها. وأمَّا بِناءُ المَساجِدِ، فلا يَخْتَصّ فَاعِلُه أن يكونَ من أَهْلِ القُرْبَةِ، ويجوزُ أن يَقَعَ قُرْبَةً وغيرَ قُرْبَةٍ، فإذا وَقَعَ بأُجْرَةٍ لم يكنْ قُرْبَةً، ولا عِبَادَةً، ولا يَصِحُّ (١٣) هاهُنا أن يكونَ غيرَ عِبادَةٍ، ولا يجوزُ الاشْتِرَاكُ فى العِبادَةِ، فمتى فَعَلَهُ مِن أجْلِ الأُجْرَةِ خَرَجَ عن كَوْنِه عِبَادَةً، فلم يَصِحَّ، ولا يَلْزَمُ مِن جَوَازِ أَخْذِ النَّفَقَةِ جَوَازُ أَخْذِ الأُجْرَةِ، بِدَلِيلِ القَضاءِ والشَّهادَةِ والإِمامَةِ، يُؤْخَذُ عليها الرِّزْقُ من بَيْتِ المالِ، وهو نَفَقَةٌ فى المَعْنَى، ولا يجوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عليها. وفائِدَةُ الخِلَافِ، أنَّه متى لم يَجُزْ أَخْذُ الأُجْرَةِ عليها، فلا يكونُ إلَّا نَائِبًا مَحْضًا، وما يُدْفَعُ إليه من المالِ يكونُ نَفَقَةً لِطرَيقِه، فلو ماتَ، أو أُحْصِرَ، أو مَرِضَ، أو ضَلَّ الطَّرِيقَ، لم يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ لِمَا أنْفَقَ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه إِنْفاقٌ بإذْنِ صَاحِبِ المالِ، فأشْبَهُ ما لو أذِنَ له فى سَدِّ بَثْقٍ (١٤) فَانْبَثَقَ ولم يَنْسَدَّ. وإذا نَابَ عنه آخَرُ، فإنَّه يَحُجُّ من حَيْثُ بَلَغَ النائِبُ

стр. 2167

الأَوَّلُ من الطَّرِيقِ، لأنَّه حَصَلَ قَطْعُ هذه المَسَافَةِ بمالِ المَنُوبِ عنه، فلم يكنْ عليه الإِنْفَاقُ دَفْعَةً أُخْرَى، كما لو خَرَجَ بِنَفْسِه فماتَ فى بَعْضِ الطَّرِيقِ، فإنَّه يُحَجُّ عنه من حيثُ انْتَهَى. وما فَضَلَ معه من المالِ رَدَّه، إلَّا أن يُؤْذَنَ له فى أخْذِهِ، ويُنْفِقُ على نَفْسِه بِقَدْرِ الحاجَةِ من غيرِ إسْرَافٍ ولا تَقْتِيرٍ، وليس له التَّبَرُّعُ بشىءٍ منه، إلَّا أن يُؤْذَنَ له فى ذلك. قال أحمدُ، فى الذى يَأْخُذُ دَرَاهِمَ لِلحَجِّ: لا يَمْشِى، ولا يُقَتِّرُ فى النَّفَقَةِ، ولا يُسْرِفُ. وقال فى رَجُلٍ أخَذَ حَجَّةً عن مَيِّتٍ، فَفَضَلَتْ معه فَضْلَةٌ: يَرُدُّها، ولا يُنَاهِدُ (١٥) أحَدًا إلَّا بِقَدْرِ ما لا يكون سَرَفًا، ولا يَدْعُو إلى طَعامِهِ، ولا يَتَفَضَّلُ. ثم قال: أمَّا إذا أُعْطِىَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أو كذا وكذا، فقِيلَ له: حُجَّ بهذه. فَلَهُ أن يَتَوَسَّعَ فيها، وإن فَضَلَ شْىءٌ فهو له. وإذا قال المَيِّتُ: حُجُّوا عَنِّى حَجَّةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ (١٦). فَدَفَعُوهَا إلى رَجُلٍ، فله أن يَتَوَسَّعَ فيها، وما فَضَلَ فهو له. وإن قُلْنا: يجوزُ الاسْتِئْجَارُ على الحَجِّ. جازَ أن يَقَعَ الدَّفْعُ إلى النائِبِ مِن غيرِ اسْتِئْجَارٍ، فيكونُ الحُكْمُ فيه على ما مَضَى. وإنْ اسْتَأْجَرَه لِيَحُجَّ عنه أو عن مَيِّتٍ، اعْتَبَرَ فيه شُرُوطَ الإِجارَةِ؛ من مَعْرِفَةِ الأُجْرَةِ، وعَقْدِ الإِجارَةِ، وما يَأْخُذُه أُجْرَةً له يَمْلِكُه، ويُبَاحُ له التَّصَرُّفُ فيه، والتَّوَسُّعُ به (١٧) فى النَّفَقَةِ وغيرِها، وما فَضَلَ فهو له، وإن أُحْصِرَ، أو ضَلَّ الطَّرِيقَ، أو ضَاعَتِ النَّفَقَةُ منه، فهو فى ضَمَانِه، والحَجُّ عليه، وإن ماتَ، انْفَسَخَتِ الإِجَارَةُ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه تَلِفَ، فَانْفَسَخَ العَقْدُ، كما لو ماتَتِ البَهِيمَةُ المُسْتَأْجَرَةُ، ويكونُ الحَجُّ أيضًا من مَوْضِعٍ بَلَغَ إليه النَّائِبُ، وما لَزِمَهُ من الدِّمَاءِ فعليه؛ لأنَّ الحَجَّ عليه. فصل: فأمَّا النَّائِبُ غيرُ المُسْتَأْجَرِ، فما لَزِمَهُ من الدِّماءِ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ، فعليه فى مَالِهِ؛ لأنَّه لم يُؤْذَنْ له فى الجِنَايَةِ، فكان مُوجِبَها عليه، كما لو لم يكنْ نائِبًا، ودَمُ

стр. 2168

المُتْعَةِ والقِرَانِ، إن أُذِنَ له فى ذلك، على المُسْتَنِيبِ؛ لأنَّه أذِنَ فى سَبَبِهما، وإن لم يُؤْذَنْ له، فعليه؛ لأنَّه كجِنَايَتِه، ودَمُ الإِحْصارِ على المُسْتَنِيبِ؛ لأنَّه للتَّخَلُّصِ (١٨) من مَشَقَّةِ السَّفَرِ، فهو كنَفَقَةِ الرُّجُوعِ. وإن أَفْسَدَ حَجَّهُ، فالقَضاءُ عليه، ويَرُدُّ ما أَخَذَ؛ لأنَّ الحَجَّةَ لم تُجْزِئ عن المُسْتَنِيبِ؛ لِتَفْرِيطِه وجِنَايَتِه. وكذلك إن فَاتَهُ الحَجُّ بِتَفْرِيطِه. وإن فاتَ بغيرِ تَفْرِيطٍ، احْتُسِبَ له بالنَّفَقَةِ؛ لأنَّه لم يَفُتْ بِفِعْلِه، فلم يكُنْ مُخَالِفًا، كما لو ماتَ. وإن قُلْنا بِوُجُوبِ القَضَاءِ، فهو عليه فى نَفْسِه، كما لو دَخَلَ فى حَجٍّ ظَنَّ أنَّه عليه، ولم يكنْ، ففَاتَهُ. فصل: وإذا سَلَكَ النَّائِبُ طَرِيقًا يُمْكِنُه سُلُوكُ أقْرَبَ منه، ففَاضِلُ النَّفَقَةِ فى مَالِه. وإن تَعَجَّلَ عَجَلَةً يُمْكِنُه تَرْكُها، فكذلك. وإن أقَامَ بمَكَّةَ أكْثَرَ من مُدَّةِ القَصْرِ، بعدَ إمْكَانِ السَّفَرِ لِلرُّجُوعِ، أَنْفَقَ من مالِ نَفْسِه؛ لأنَّه غيرُ مَأْذُونٍ له فيه. فأمَّا منَ لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ قبلَ ذلك، فله النَّفَقَةُ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ له فيه، وله نَفَقَةُ الرُّجُوعِ، وإن أقَامَ بمَكَّةَ سِنِينَ ما لم يَتَّخِذْها دَارًا، فإن اتَّخَذَها دَارًا، ولو سَاعَةً، لم يكنْ له نَفَقَةُ رُجُوعِه؛ لأنَّه صَارَ بِنِيِّةِ الإِقَامَةِ مَكِّيًّا، فسَقَطَتْ نَفَقَتُه، فلم تُعَدَّ. وإن مَرِضَ فى الطَّرِيقِ، فعَاد، فله نَفقَةُ رُجُوعِه؛ لأنَّه لا بُدَّ له منه، حَصَلَ بغيرِ تَفْرِيطِه، فأَشْبَهَ ما لو قُطِعَ عليه الطَّرِيقُ [أو أُحْصِرَ] (١٩). وإن قال: خِفْتُ أن أمْرَضَ فرَجَعْتُ. فعليه الضَّمَانُ؛ لأنَّه مُتَوَهِّمٌ. وعن أحمدَ، فى مَنْ مَرِضَ فى الكُوفَةِ، فرَجَعَ، يَرُدُّ ما أخَذَ. وفى جَمِيعِ ذلك إذا أَذِنَ له فى النَّفَقَةِ، فله ذلك؛ لأنَّ المالَ لِلْمُسْتَنِيبِ، فجَازَ ما أذِنَ فيه. وإن شَرَطَ أحَدُهما أنَّ الدِّمَاءَ الوَاجِبَةَ عليه على غيرِه، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لأنَّ ذلك مِن مُوجِبَاتِ فِعْلِه، أو الحَجِّ الوَاجِبِ عليه، فلم يَجُزْ شَرْطُه على غيرِه، كما لو شَرَطَه على أجْنَبِىٍّ.

стр. 2169

فصل: يجوزُ أن يَنُوبَ الرَّجُلُ عن الرَّجُلِ والمَرْأةِ، والمَرْأَةُ عن الرَّجُلِ والمَرْأَةِ، فى الحَجِّ، فى قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ العِلْمِ. لا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا، إلَّا الحسنَ بن صالِحٍ، فإنَّه كَرِهَ حَجَّ المَرْأَةِ عن الرَّجُلِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذه غَفْلَةٌ عن ظَاهِر السُّنَّةِ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ المَرْأَةَ أن تَحُجَّ عن أَبِيها (٢٠)، وعليه يَعْتَمِدُ من أجازَ حَجَّ المَرْءِ عن غيرِه، وفى البابِ حَدِيثُ أبى رَزِينٍ (٢١)، وأحادِيثُ سِوَاهُ. فصل: ولا يجوزُ الحَجُّ ولَا (٢٢) العُمْرَةُ عن حَىٍّ إلَّا بإذْنِه، فَرْضًا كان أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَدْخُلُها النِّيَابَةُ، فلم تَجُزْ عن البالِغِ العاقِلِ إلَّا بإذْنِه، كالزَّكاةِ، فأمَّا المَيِّتُ، فتجوزُ عنه بغيرِ إذْنٍ، وَاجِبًا كان أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمرَ بالحَجِّ عن المَيِّتِ، وقد عَلِمَ أنَّه لا إذْنَ له، وما جَازَ فَرْضُه جَازَ نَفْلُه، كالصَّدَقَةِ. فعلَى هذا كلُّ ما يَفْعَلُه النائِبُ عن المُسْتَنِيبِ، ممَّا لم يُؤْمَرْ به، مثلُ أن يُؤْمَرَ بحَجٍّ فَيَعْتَمِرَ، أو بِعُمْرَةٍ فَيَحُجَّ، يَقَعُ عن المَيِّتِ؛ لأنَّه يَصِحُّ عنه من غيرِ إِذْنِه، ولا يَقَعُ عن الحَىِّ؛ لِعَدَمِ إذْنِه فيه، وَيَقَعُ عَمَّنْ فَعَلَه؛ لأنَّه لما تَعَذَّرَ وُقُوعُه عن المَنْوِىِّ عنه، وَقَعَ عن نَفْسِه، كما لو اسْتَنَابَه رَجُلَانِ، فأحْرَمَ عنهما جَمِيعًا، وعليه رَدُّ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما أُمِرَ به، فأشْبَه ما لو لم يَفْعَلْ شيئا. فُصُولٌ فى مُخَالَفَةِ النَّائِبِ: إذا أمَرَهُ بحَجٍّ فتَمَتَّعَ أو اعْتَمَر لِنَفْسِه من المِيقَاتِ، ثم حَجَّ، نَظَرْتَ؛ فإن خَرَجَ إلى المِيقَاتِ فأحْرَمَ منه بالحَجِّ، جَازَ، ولا شىءَ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وإن أَحْرَمَ بالحَجِّ من مَكَّةَ، فعليه دَمٌ؛ لِتَرْكِ مِيقَاتِه، ويَرُدُّ من النَّفَقَةِ بِقَدْرِ ما تَرَكَ من إحْرَامِ الحَجِّ فيما

стр. 2170

بين المِيقَاتِ ومَكَّةَ. وقال القاضى: لا يَقَعُ فِعْلُه عن الآمِرِ، ويَرُدُّ جَمِيعَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أتَى بغيرِ ما أُمِرَ به. وهو مَذهبُ أبى حنيفةَ. ولَنا، أنَّه إذا أحْرَمَ من المِيقاتِ فقد أتَى بالحَجِّ صَحِيحًا من مِيقَاتِه، وإن أحْرَمَ به من مَكَّةَ، فما أخَلَّ إلَّا بما يَجْبُرُه الدَّمُ، فلم تَسْقُطْ نَفَقَتُه، كما لو تَجَاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فأحْرَمَ دونه. وإن أمَرَه بالإِفْرَادِ فقَرَنَ، لم يَضْمَنْ شَيْئًا. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُ؛ لأنَّه مُخَالِفٌ. ولَنا، أنَّه أتَى بما أُمِرَ به وزِيَادَةً، فصَحَّ ولم يَضْمَنْ، كما لو أمَرَهُ بِشِراءِ شاةٍ بِدِينَارٍ، فاشْتَرَى به (٢٣) شَاتَيْنِ تُسَاوِى إحْدَاهُما دِينارًا. ثم إن كان أَمَرَهُ بالعُمْرَةِ بعدَ الحَجِّ ففَعَلَها، فلا شىءَ عليه، وإن لم يَفْعَلْ، رَدَّ من النَّفَقَةِ بِقَدْرِها. فصل: وإن أمَرَهُ بالتَّمَتُّعِ فقَرَنَ، وَقَعَ عن الآمِرِ، لأنَّه أمَرَ بهما، وإنَّما خَالَفَ فى أنَّه أمَرَهُ بالإِحْرَامِ بالحَجِّ من مَكَّةَ، فأحْرَمَ به من (٢٤) المِيقَاتِ. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يَرُدُّ شَيْئًا من النَّفَقَةِ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وقال القاضى: يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّ غَرَضَه فى عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ وتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ التَّمَتُّعِ، وقد خَالَفَه فى ذلك، وفَوَّتَهُ عليه. وإن أَفْرَدَ وَقَعَ عن المُسْتَنِيبِ أيضا، ويَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أخَلَّ بالإِحْرَامِ بالعُمْرَةِ من المِيقاتِ، وقد أمَرَهُ به، وإحْرَامُه بالحَجِّ من المِيقَاتِ زِيادَةٌ لا يَسْتَحِقُّ به شيئا. فصل: [فأمَّا إن] (٢٥) أمَرَهُ بالقِرَانِ فأفْرَدَ أو تَمَتَّعَ، صَحَّ، وَوَقَعَ النُّسُكانِ عن الآمِرِ، ويَرُدُّ من النَّفَقَةِ بِقَدْرِ ما تَرَكَ من إحْرَامِ النُّسُكِ الذى تَرَكَهُ من المِيقَاتِ. وفى جَمِيعِ ذلك، إذا أمَرَه بالنُّسُكَيْنِ، ففَعَلَ أحَدَهما دُونَ الآخَرِ، رَدَّ من النَّفَقَةِ بِقَدْرِ ما تَرَكَ، ووَقَعَ المَفْعُولُ عن الآمِرِ، ولِلنَّائِبِ من النَّفَقَةِ بِقَدْرِهِ.

стр. 2171

فصل: وإن اسْتَنَابَهُ رَجُلٌ فى الحَجِّ، وآخَرُ فى العُمْرَةِ، وأذِنَا له فى القِرَانِ، فَفَعَلَ، جازَ؛ لأنَّه نُسُكٌ مَشْرُوعٌ. وإن قَرَنَ من غيرِ إذْنِهِما، صَحَّ، ووَقَعَ عنهما، ويَرُدُّ من نَفَقَةِ كُلِّ وَاحِدٍ منهما نِصْفَها؛ لأنَّه جَعَلَ السَّفَرَ عنهما بغيرِ إذْنِهِما. وإن أَذِنَ أحَدُهما دُونَ الآخَر، رَدَّ على غيرِ الآمِرِ نِصْفَ نَفَقَتِه وَحْدَه. وقال القاضى: إذا لم يَأْذَنا له ضَمِنَ الجَمِيعَ؛ لأنَّه أُمِرَ بِنُسُكٍ مُفْرَدٍ، ولم يَأْتِ به، فكان مُخَالِفًا، كما لو أُمِرَ بِحَجٍّ فاعْتَمَرَ. ولَنا، أنَّه أتَى بما أُمِرَ به، وإنَّما خَالَفَ فى صِفَتِه، لا فى أَصْلِه، فأشْبَهَ مَن أُمِرَ بالتَّمَتُّعِ فقَرَنَ. ولو أُمِرَ بأَحَدِ النُّسُكَينِ، فقَرَنَ بينه وبين النُّسُكِ الآخَر لِنَفْسِه، فالحُكمُ فيه كذلك، ودَمُ القِرَانِ على النّائِبِ إذا لم يُؤْذَنْ له فيه؛ لِعَدَمِ الإِذْنِ فى سَبَبِه، [وعليهما، إن أَذِنَا؛ لِوُجُودِ الإِذْنِ فى سَبَبِه] (٢٦). وإن (٢٧) أَذِنَ أحَدُهما دُونَ الآخَر، فعلَى الآذِنِ نِصْفُ الدَّمِ، ونِصْفُه على النَّائِبِ. فصل: وإن أُمِرَ بالحَجِّ، فحَجَّ، ثم اعْتَمَرَ لِنَفْسِه، أو أمَرَهُ بعُمْرَةٍ، فاعْتَمَرَ، ثم حَجَّ عن نَفْسِه، صَحَّ، ولم يَرُدَّ شيئا من النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به على وَجْهِه. وإن أمَرَهُ بالإِحْرَامِ من مِيقَاتٍ، فأَحْرَمَ من غيرِه، جازَ؛ لأنَّهما سَوَاءٌ فى الإِجْزَاءِ. وإن أمَرَهُ بالإِحْرَامِ من بَلَدِه، فأحْرَمَ من المِيقَاتِ، جازَ؛ لأنَّه الأفْضَلُ. وإن أمَرَهُ بالإِحْرامِ من المِيقَاتِ، فأحْرَمَ مِن بَلَدِه، جازَ، لأنه زِيَادَةٌ لا تَضُرُّ. وإن أمَرَهُ بالحَجِّ فى سَنَةٍ (٢٨)، أو بالاعْتِمَارِ فى شَهْرٍ، ففَعَلَهُ فى غيرِه، جازَ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه فى الجُمْلَةِ. فصل: فإن اسْتَنَابَه اثْنَانِ فى نُسُكٍ، فأحْرَمَ به عنهما، وَقَعَ عن نَفْسِه دُونَهما؛

стр. 2172

لأنَّه لا يُمْكِنُ وُقُوعُه عنهما، وليس أحَدُهما بأَوْلَى من صَاحِبِه. وإن أحْرَمَ عن نَفْسِه وغيرِه، وَقَعَ عن نَفْسِه؛ لأنَّه إذا وَقَعَ عن نَفْسِه ولم يَنْوِهَا، فمَعَ نِيَّتِه أوْلَى. وإن أحْرَمَ عن أحَدِهما غيرَ مُعَيِّنٍ، [احْتَمَلَ أن يَقَعَ] (٢٩) عن نَفْسِه أيضا؛ لأنَّ أحَدَهما ليس أوْلَى من الآخَر، فأشْبَهَ ما لو أحْرَمَ عنهما. واحْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ الإِحْرَامَ يَصِحُّ بالمَجْهُولِ، فصَحَّ عن المَجْهُولِ، وله (٣٠) صَرْفُهُ إلى من شَاءَ منهما. اخْتَارَهُ أبو الخَطَّابِ. فإن لم يَفْعَلْ حتى طَافَ شَوْطًا، وَقَعَ عن نَفْسِه، ولم يَكُنْ له صَرْفُه إلى أحَدِهما؛ لأنَّ الطَّوَافَ لا يَقَعُ عن غيرِ مُعَيَّنٍ. ٥٤٠ - مسألة؛ قال: (وحُكْمُ المَرْأَةِ إذَا كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ كَحُكْمِ الرَّجُلِ) ظَاهِرُ هذا أنَّ الحَجَّ لا يَجِبُ على المَرْأةِ التى لا مَحْرَمَ لها؛ لأنَّه جَعَلَهَا بالمَحْرَمِ كالرَّجُلِ فى وُجُوبِ الحَجِّ، فَمن لا مَحْرَمَ لها لا تكونُ كالرَّجُلِ، فلا يَجِبُ عليها الحَجُّ. وقد نَصَّ عليه أحمدُ، فقال أبو دَاوُدَ: قلتُ لأحمدَ: امْرَأَةٌ مُوسِرَةٌ، لم يكنْ لها مَحْرَمٌ، هل يَجِبُ (١) عليها الحَجُّ؟ قال: لا. وقال أيضا: المَحْرَمُ من السَّبِيلِ. وهذا قَوْلُ الحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ، أنَّ المَحْرَمَ من شَرَائِطِ لُزُومِ السَّعْىِ دُونَ الوُجُوبِ، فمتى فاتَها الحَجُّ بعدَ كَمَالِ الشَّرائِطِ الخَمْسِ، بمَوْتٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، أخرج عنها حَجَّة؛ لأنَّ شُرُوطَ الحَجِّ المُخْتَصَّة به قد كَمَلَتْ، وإنَّما المَحْرَمُ لِحِفْظِها، فهو كَتَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، وإمْكانِ المَسِيرِ. وعنه رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أنَّ المَحْرَمَ ليس بِشَرْطٍ فى الحَجِّ الوَاجِبِ. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أحمدَ يُسْأَلُ: هل يكونُ الرَّجُلُ مَحْرَمًا لأُمِّ امْرَأَتِه، يُخْرِجُها إلى الحَجِّ؟ فقال: أمَّا فى حَجَّةِ الفَرِيضَةِ

стр. 2173

فأَرجُو؛ لأنَّها تَخْرُج إليها مع النِّساءِ، ومع كلِّ مَن أمِنَتْهُ، وأمَّا فى غيرها، فَلَا. والمذهبُ الأوَّلُ، وعليه العَمَلُ. وقال ابنُ سِيرِينَ، ومالِكٌ والأَوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ: ليسَ المَحْرَمُ شَرْطًا فى حَجِّها بحَالٍ. قال ابنُ سِيرينَ: تَخْرُجُ مع رَجُلٍ من المُسْلِمِينَ، لا بَأْسَ به. وقال مالِكٌ: تَخْرُجُ مع جَماعَةِ النِّسَاءِ. وقال الشَّافِعِىُّ: تَخْرُجُ مع حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ ثِقَةٍ. وقال الأوْزَاعِىُّ: تَخْرُجُ مع قَوْمٍ عُدُولٍ، تَتَّخِذُ سُلَّمًا تَصْعدُ عليه وتَنْزِلُ، ولا يَقْرَبُها رَجُلٌ، إلَّا أنه يَأْخُذُ رَأْسَ البَعِيرِ، وتَضَعُ رِجْلَها على ذِرَاعِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: تَرَكُوا القَوْلَ بظَاهِرِ الحَدِيثِ، واشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ منهم شَرْطًا لا حُجَّةَ معه عليه، واحْتَجُّوا بأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَسَّرَ الاسْتِطَاعَةَ بالزَّادِ والرَّاحِلَةِ (٢)، وقال لِعَدِىِّ بن حاتِمٍ: "يُوشِكُ أنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ تَؤُمُّ البَيْتَ، لَا جِوَارَ مَعَها، لَا تَخَافُ إلَّا اللهَ" (٣). ولأنَّه سَفَرٌ واجِبٌ، فلم يُشْتَرَطْ له المَحْرَمُ، كالمُسْلِمَةِ إذا تَخَلَّصَتْ من أيْدِى الكُفَّارِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إلَّا وَمَعَها ذُو مَحْرَمٍ" (٤). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، يقول: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ، إلَّا وَمَعَها ذُو مَحْرَمٍ، ولَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَها ذُو مَحْرَمٍ". فقامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّى كُنْتُ فى غَزْوَةِ كذا، وانْطَلَقَتْ امْرَأَتِى حَاجَّةً. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "انْطَلِقْ فَاحْجُجْ مع امْرَأَتِكَ". مُتَّفَقٌ عليهما (٥). ورَوَى ابنُ عمرَ، وأبو سعيدٍ، نَحْوًا من حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ (٦).

стр. 2174

قال أبو عبدِ اللهِ: أمَّا أبو هُرَيْرَةَ فيقولُ: "يَوْمًا ولَيْلَةً". ويُرْوَى عن أبى هُرَيْرَةَ: "لا تُسَافِرُ سَفَرًا" أيضًا. وأمَّا حَدِيثُ أبى سعيدٍ يقولُ: "ثَلَاثَة أيَّامٍ". قلتُ: ما تقولُ أنْتَ؟ قال: لا تُسَافِرُ سَفَرًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، إلَّا مع ذِى مَحْرَمٍ. ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٧) بإسْنَادِهِ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ". وهذا صَرِيحٌ فى الحُكْمِ. ولأنَّها أَنْشَأَتْ سفرًا فى دار الإِسلامِ؛ فلم يَجُزْ بغيرِ مَحْرَمٍ، كحَجِّ التَّطَوُّعِ. وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على الرَّجُلِ، بِدَلِيلِ أنَّهم شَرَطُوا (٨) خُرُوجَ غيرِها معها، فجَعْلُ ذلك الغَيْرِ (٩) المَحْرَمَ الذى بَيَّنَه النَّبىُّ ﷺ فى أحَادِيثِنا أَولَى ممَّا اشْتَرَطُوهُ بالتَّحَكُّم من غيرِ دَلِيلٍ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ أنَّ الزادَ والرَّاحِلَةَ يُوجِبُ الحَجَّ، مع كَمالِ بَقِيَّة الشُّرُوطِ، ولذلك اشْتَرَطُوا تَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ، وإمْكانَ المَسِيرِ، وقَضاءَ الدَّيْنِ، ونَفَقَةَ العِيالِ، واشْتَرَطَ مالِكٌ إمْكانَ الثُّبُوتِ على الرَّاحِلَةِ، وهى غير مَذْكُورَةٍ فى الحَدِيثِ. واشْتَرَطَ كلُّ واحِدٍ منهم فى مَحَلِّ النِّزَاعِ شَرْطًا مِن عند نَفْسِه، لا مِن كِتابٍ (١٠) ولا من سُنَّةٍ، فما ذَكَرَه النَّبِىُّ ﷺ أوْلَى بالاشْتِرَاطِ، ولو قُدِّرَ التَّعَارُضُ، فحَدِيثُنا أخَصُّ وأَصَحُّ وأوْلَى بالتَّقْدِيمِ، وحَدِيثُ عَدِىٍّ يَدُلُّ على وُجُودِ السَّفَرِ، لا على جَوَازِه، ولذلك لم يَجُزْ فى غير الحَجِّ المَفْرُوضِ، ولم يَذْكُرْ فيه خُرُوجَ غيرِها مَعَها، وقد اشْتَرَطُوا هاهُنا خُرُوجَ غيرِها معها. وأمَّا الأسِيرَةُ إذا تَخَلَّصَتْ من أَيْدِى الكُفَّارِ، فإنَّ سَفَرَها سَفَرُ ضرُورَةٍ، لا يُقَاسُ عليه حالةُ الاخْتِيَارِ، ولذلك تَخْرُجُ فيه وَحْدَها؛ ولأنَّها تَدْفَعُ ضَرَرًا مُتَيَقَّنًا بِتَحَمُّلِ الضَّرَرِ المُتَوَهَّمِ، فلا يَلْزَمُ تَحَمُّلُ ذلك من غيرِ ضَرَرٍ أَصْلًا. فصل: والمَحْرَمُ زَوْجُها، أو مَن تَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ، بنَسَبٍ أو سَبَبٍ

стр. 2175

مُبَاحٍ، كأبِيها وابْنِها وأخِيها من نَسَبٍ أو رَضَاعٍ؛ لما رَوَى أبو سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ، أنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ فَصَاعِدًا، إلَّا ومَعَهَا أبُوهَا أوِ ابْنُها أوْ زَوْجُها أوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١١). قال أحمدُ: ويكونُ زَوْجُ أُمِّ المَرْأةِ مَحْرَمًا لها يَحُجُّ بها، ويُسافِرُ الرجلُ مع أُمِّ ولدِ جَدِّه، فإذا كان أخُوها من الرِّضَاعَةِ خَرَجَتْ معه. وقال فى أُمِّ امْرَأتِه: ويكون مَحْرَمًا لها فى حَجِّ الفَرْضِ، دون غيرِه. قال الأَثْرَمُ: كأنَّه ذَهَبَ إلى أنَّها لم تُذْكَرْ فى قَوْلِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (١٢). الآية. فأمَّا مَن تَحِلُّ له فى حالٍ، كعَبْدِها، وزَوْجِ أخْتِها، فليسا بمَحْرَمٍ لها. نَصَّ عليه أحمدُ. لأنَّهما غيرُ مَأْمُونَيْنِ عليها، ولا تَحْرُمُ عليهما علَى التَّأْبِيدِ، فهما كالأجْنَبِىِّ. وقد رُوِىَ عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ قال: "سَفَرُ المَرْأةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ" (١٣). أخْرَجَهُ سَعِيدٌ. وقال الشَّافِعِىُّ: عَبْدُها مَحْرَمٌ لها؛ لأنَّه يُباحُ له النَّظَرُ إليها، فكان مَحْرَمًا لها، كذِى رَحِمِها. والأوَّلُ أوْلَى. ويُفَارِقُ ذَا الرَّحِمِ؛ لأنَّه مَأْمُونٌ عليها، وتَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ، ويَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوهُ بالقَواعِدِ من النِّسَاءِ، وغير أُولِى الإِرْبَةِ من الرِّجَالِ. وأمَّا أُمُّ المَوْطُوءةِ بِشُبْهَةٍ، أو المَزْنِىِّ بها، أو ابْنَتِهما، فليس بمَحْرَمٍ لهما؛ فإنَّ (١٤) تَحْرِيمَهما بسَبَبٍ غيرِ مُباحٍ، فلم يَثْبُتْ به حُكْمُ المَحْرَمِيَّةِ كالتَّحْرِيمِ الثَّابِتِ باللّعَانِ، وليس له الخَلْوَةُ بهما، ولا النَّظَرُ إليهما لذلك. والكافِرُ ليس بمَحْرَمٍ لِلْمُسْلِمَةِ، وإن كانت ابْنَتَهُ. قال أحمدُ فى يَهُودِىٍّ أو نَصْرَانِىٍّ
следующие страницы →