← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

فصل: وإن اسْتَنَابَهُ رَجُلٌ فى الحَجِّ، وآخَرُ فى العُمْرَةِ، وأذِنَا له فى القِرَانِ، فَفَعَلَ، جازَ؛ لأنَّه نُسُكٌ مَشْرُوعٌ. وإن قَرَنَ من غيرِ إذْنِهِما، صَحَّ، ووَقَعَ عنهما، ويَرُدُّ من نَفَقَةِ كُلِّ وَاحِدٍ منهما نِصْفَها؛ لأنَّه جَعَلَ السَّفَرَ عنهما بغيرِ إذْنِهِما. وإن أَذِنَ أحَدُهما دُونَ الآخَر، رَدَّ على غيرِ الآمِرِ نِصْفَ نَفَقَتِه وَحْدَه. وقال القاضى: إذا لم يَأْذَنا له ضَمِنَ الجَمِيعَ؛ لأنَّه أُمِرَ بِنُسُكٍ مُفْرَدٍ، ولم يَأْتِ به، فكان مُخَالِفًا، كما لو أُمِرَ بِحَجٍّ فاعْتَمَرَ. ولَنا، أنَّه أتَى بما أُمِرَ به، وإنَّما خَالَفَ فى صِفَتِه، لا فى أَصْلِه، فأشْبَهَ مَن أُمِرَ بالتَّمَتُّعِ فقَرَنَ. ولو أُمِرَ بأَحَدِ النُّسُكَينِ، فقَرَنَ بينه وبين النُّسُكِ الآخَر لِنَفْسِه، فالحُكمُ فيه كذلك، ودَمُ القِرَانِ على النّائِبِ إذا لم يُؤْذَنْ له فيه؛ لِعَدَمِ الإِذْنِ فى سَبَبِه، [وعليهما، إن أَذِنَا؛ لِوُجُودِ الإِذْنِ فى سَبَبِه] (٢٦). وإن (٢٧) أَذِنَ أحَدُهما دُونَ الآخَر، فعلَى الآذِنِ نِصْفُ الدَّمِ، ونِصْفُه على النَّائِبِ. فصل: وإن أُمِرَ بالحَجِّ، فحَجَّ، ثم اعْتَمَرَ لِنَفْسِه، أو أمَرَهُ بعُمْرَةٍ، فاعْتَمَرَ، ثم حَجَّ عن نَفْسِه، صَحَّ، ولم يَرُدَّ شيئا من النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به على وَجْهِه. وإن أمَرَهُ بالإِحْرَامِ من مِيقَاتٍ، فأَحْرَمَ من غيرِه، جازَ؛ لأنَّهما سَوَاءٌ فى الإِجْزَاءِ. وإن أمَرَهُ بالإِحْرَامِ من بَلَدِه، فأحْرَمَ من المِيقَاتِ، جازَ؛ لأنَّه الأفْضَلُ. وإن أمَرَهُ بالإِحْرامِ من المِيقَاتِ، فأحْرَمَ مِن بَلَدِه، جازَ، لأنه زِيَادَةٌ لا تَضُرُّ. وإن أمَرَهُ بالحَجِّ فى سَنَةٍ (٢٨)، أو بالاعْتِمَارِ فى شَهْرٍ، ففَعَلَهُ فى غيرِه، جازَ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه فى الجُمْلَةِ. فصل: فإن اسْتَنَابَه اثْنَانِ فى نُسُكٍ، فأحْرَمَ به عنهما، وَقَعَ عن نَفْسِه دُونَهما؛

стр. 2172

لأنَّه لا يُمْكِنُ وُقُوعُه عنهما، وليس أحَدُهما بأَوْلَى من صَاحِبِه. وإن أحْرَمَ عن نَفْسِه وغيرِه، وَقَعَ عن نَفْسِه؛ لأنَّه إذا وَقَعَ عن نَفْسِه ولم يَنْوِهَا، فمَعَ نِيَّتِه أوْلَى. وإن أحْرَمَ عن أحَدِهما غيرَ مُعَيِّنٍ، [احْتَمَلَ أن يَقَعَ] (٢٩) عن نَفْسِه أيضا؛ لأنَّ أحَدَهما ليس أوْلَى من الآخَر، فأشْبَهَ ما لو أحْرَمَ عنهما. واحْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ الإِحْرَامَ يَصِحُّ بالمَجْهُولِ، فصَحَّ عن المَجْهُولِ، وله (٣٠) صَرْفُهُ إلى من شَاءَ منهما. اخْتَارَهُ أبو الخَطَّابِ. فإن لم يَفْعَلْ حتى طَافَ شَوْطًا، وَقَعَ عن نَفْسِه، ولم يَكُنْ له صَرْفُه إلى أحَدِهما؛ لأنَّ الطَّوَافَ لا يَقَعُ عن غيرِ مُعَيَّنٍ. ٥٤٠ - مسألة؛ قال: (وحُكْمُ المَرْأَةِ إذَا كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ كَحُكْمِ الرَّجُلِ) ظَاهِرُ هذا أنَّ الحَجَّ لا يَجِبُ على المَرْأةِ التى لا مَحْرَمَ لها؛ لأنَّه جَعَلَهَا بالمَحْرَمِ كالرَّجُلِ فى وُجُوبِ الحَجِّ، فَمن لا مَحْرَمَ لها لا تكونُ كالرَّجُلِ، فلا يَجِبُ عليها الحَجُّ. وقد نَصَّ عليه أحمدُ، فقال أبو دَاوُدَ: قلتُ لأحمدَ: امْرَأَةٌ مُوسِرَةٌ، لم يكنْ لها مَحْرَمٌ، هل يَجِبُ (١) عليها الحَجُّ؟ قال: لا. وقال أيضا: المَحْرَمُ من السَّبِيلِ. وهذا قَوْلُ الحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ، أنَّ المَحْرَمَ من شَرَائِطِ لُزُومِ السَّعْىِ دُونَ الوُجُوبِ، فمتى فاتَها الحَجُّ بعدَ كَمَالِ الشَّرائِطِ الخَمْسِ، بمَوْتٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، أخرج عنها حَجَّة؛ لأنَّ شُرُوطَ الحَجِّ المُخْتَصَّة به قد كَمَلَتْ، وإنَّما المَحْرَمُ لِحِفْظِها، فهو كَتَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، وإمْكانِ المَسِيرِ. وعنه رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أنَّ المَحْرَمَ ليس بِشَرْطٍ فى الحَجِّ الوَاجِبِ. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أحمدَ يُسْأَلُ: هل يكونُ الرَّجُلُ مَحْرَمًا لأُمِّ امْرَأَتِه، يُخْرِجُها إلى الحَجِّ؟ فقال: أمَّا فى حَجَّةِ الفَرِيضَةِ

стр. 2173

فأَرجُو؛ لأنَّها تَخْرُج إليها مع النِّساءِ، ومع كلِّ مَن أمِنَتْهُ، وأمَّا فى غيرها، فَلَا. والمذهبُ الأوَّلُ، وعليه العَمَلُ. وقال ابنُ سِيرِينَ، ومالِكٌ والأَوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ: ليسَ المَحْرَمُ شَرْطًا فى حَجِّها بحَالٍ. قال ابنُ سِيرينَ: تَخْرُجُ مع رَجُلٍ من المُسْلِمِينَ، لا بَأْسَ به. وقال مالِكٌ: تَخْرُجُ مع جَماعَةِ النِّسَاءِ. وقال الشَّافِعِىُّ: تَخْرُجُ مع حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ ثِقَةٍ. وقال الأوْزَاعِىُّ: تَخْرُجُ مع قَوْمٍ عُدُولٍ، تَتَّخِذُ سُلَّمًا تَصْعدُ عليه وتَنْزِلُ، ولا يَقْرَبُها رَجُلٌ، إلَّا أنه يَأْخُذُ رَأْسَ البَعِيرِ، وتَضَعُ رِجْلَها على ذِرَاعِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: تَرَكُوا القَوْلَ بظَاهِرِ الحَدِيثِ، واشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ منهم شَرْطًا لا حُجَّةَ معه عليه، واحْتَجُّوا بأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَسَّرَ الاسْتِطَاعَةَ بالزَّادِ والرَّاحِلَةِ (٢)، وقال لِعَدِىِّ بن حاتِمٍ: "يُوشِكُ أنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ تَؤُمُّ البَيْتَ، لَا جِوَارَ مَعَها، لَا تَخَافُ إلَّا اللهَ" (٣). ولأنَّه سَفَرٌ واجِبٌ، فلم يُشْتَرَطْ له المَحْرَمُ، كالمُسْلِمَةِ إذا تَخَلَّصَتْ من أيْدِى الكُفَّارِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إلَّا وَمَعَها ذُو مَحْرَمٍ" (٤). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، يقول: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ، إلَّا وَمَعَها ذُو مَحْرَمٍ، ولَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَها ذُو مَحْرَمٍ". فقامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّى كُنْتُ فى غَزْوَةِ كذا، وانْطَلَقَتْ امْرَأَتِى حَاجَّةً. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "انْطَلِقْ فَاحْجُجْ مع امْرَأَتِكَ". مُتَّفَقٌ عليهما (٥). ورَوَى ابنُ عمرَ، وأبو سعيدٍ، نَحْوًا من حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ (٦).

стр. 2174

قال أبو عبدِ اللهِ: أمَّا أبو هُرَيْرَةَ فيقولُ: "يَوْمًا ولَيْلَةً". ويُرْوَى عن أبى هُرَيْرَةَ: "لا تُسَافِرُ سَفَرًا" أيضًا. وأمَّا حَدِيثُ أبى سعيدٍ يقولُ: "ثَلَاثَة أيَّامٍ". قلتُ: ما تقولُ أنْتَ؟ قال: لا تُسَافِرُ سَفَرًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، إلَّا مع ذِى مَحْرَمٍ. ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٧) بإسْنَادِهِ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ". وهذا صَرِيحٌ فى الحُكْمِ. ولأنَّها أَنْشَأَتْ سفرًا فى دار الإِسلامِ؛ فلم يَجُزْ بغيرِ مَحْرَمٍ، كحَجِّ التَّطَوُّعِ. وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على الرَّجُلِ، بِدَلِيلِ أنَّهم شَرَطُوا (٨) خُرُوجَ غيرِها معها، فجَعْلُ ذلك الغَيْرِ (٩) المَحْرَمَ الذى بَيَّنَه النَّبىُّ ﷺ فى أحَادِيثِنا أَولَى ممَّا اشْتَرَطُوهُ بالتَّحَكُّم من غيرِ دَلِيلٍ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ أنَّ الزادَ والرَّاحِلَةَ يُوجِبُ الحَجَّ، مع كَمالِ بَقِيَّة الشُّرُوطِ، ولذلك اشْتَرَطُوا تَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ، وإمْكانَ المَسِيرِ، وقَضاءَ الدَّيْنِ، ونَفَقَةَ العِيالِ، واشْتَرَطَ مالِكٌ إمْكانَ الثُّبُوتِ على الرَّاحِلَةِ، وهى غير مَذْكُورَةٍ فى الحَدِيثِ. واشْتَرَطَ كلُّ واحِدٍ منهم فى مَحَلِّ النِّزَاعِ شَرْطًا مِن عند نَفْسِه، لا مِن كِتابٍ (١٠) ولا من سُنَّةٍ، فما ذَكَرَه النَّبِىُّ ﷺ أوْلَى بالاشْتِرَاطِ، ولو قُدِّرَ التَّعَارُضُ، فحَدِيثُنا أخَصُّ وأَصَحُّ وأوْلَى بالتَّقْدِيمِ، وحَدِيثُ عَدِىٍّ يَدُلُّ على وُجُودِ السَّفَرِ، لا على جَوَازِه، ولذلك لم يَجُزْ فى غير الحَجِّ المَفْرُوضِ، ولم يَذْكُرْ فيه خُرُوجَ غيرِها مَعَها، وقد اشْتَرَطُوا هاهُنا خُرُوجَ غيرِها معها. وأمَّا الأسِيرَةُ إذا تَخَلَّصَتْ من أَيْدِى الكُفَّارِ، فإنَّ سَفَرَها سَفَرُ ضرُورَةٍ، لا يُقَاسُ عليه حالةُ الاخْتِيَارِ، ولذلك تَخْرُجُ فيه وَحْدَها؛ ولأنَّها تَدْفَعُ ضَرَرًا مُتَيَقَّنًا بِتَحَمُّلِ الضَّرَرِ المُتَوَهَّمِ، فلا يَلْزَمُ تَحَمُّلُ ذلك من غيرِ ضَرَرٍ أَصْلًا. فصل: والمَحْرَمُ زَوْجُها، أو مَن تَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ، بنَسَبٍ أو سَبَبٍ

стр. 2175

مُبَاحٍ، كأبِيها وابْنِها وأخِيها من نَسَبٍ أو رَضَاعٍ؛ لما رَوَى أبو سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ، أنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ فَصَاعِدًا، إلَّا ومَعَهَا أبُوهَا أوِ ابْنُها أوْ زَوْجُها أوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١١). قال أحمدُ: ويكونُ زَوْجُ أُمِّ المَرْأةِ مَحْرَمًا لها يَحُجُّ بها، ويُسافِرُ الرجلُ مع أُمِّ ولدِ جَدِّه، فإذا كان أخُوها من الرِّضَاعَةِ خَرَجَتْ معه. وقال فى أُمِّ امْرَأتِه: ويكون مَحْرَمًا لها فى حَجِّ الفَرْضِ، دون غيرِه. قال الأَثْرَمُ: كأنَّه ذَهَبَ إلى أنَّها لم تُذْكَرْ فى قَوْلِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (١٢). الآية. فأمَّا مَن تَحِلُّ له فى حالٍ، كعَبْدِها، وزَوْجِ أخْتِها، فليسا بمَحْرَمٍ لها. نَصَّ عليه أحمدُ. لأنَّهما غيرُ مَأْمُونَيْنِ عليها، ولا تَحْرُمُ عليهما علَى التَّأْبِيدِ، فهما كالأجْنَبِىِّ. وقد رُوِىَ عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ قال: "سَفَرُ المَرْأةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ" (١٣). أخْرَجَهُ سَعِيدٌ. وقال الشَّافِعِىُّ: عَبْدُها مَحْرَمٌ لها؛ لأنَّه يُباحُ له النَّظَرُ إليها، فكان مَحْرَمًا لها، كذِى رَحِمِها. والأوَّلُ أوْلَى. ويُفَارِقُ ذَا الرَّحِمِ؛ لأنَّه مَأْمُونٌ عليها، وتَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ، ويَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوهُ بالقَواعِدِ من النِّسَاءِ، وغير أُولِى الإِرْبَةِ من الرِّجَالِ. وأمَّا أُمُّ المَوْطُوءةِ بِشُبْهَةٍ، أو المَزْنِىِّ بها، أو ابْنَتِهما، فليس بمَحْرَمٍ لهما؛ فإنَّ (١٤) تَحْرِيمَهما بسَبَبٍ غيرِ مُباحٍ، فلم يَثْبُتْ به حُكْمُ المَحْرَمِيَّةِ كالتَّحْرِيمِ الثَّابِتِ باللّعَانِ، وليس له الخَلْوَةُ بهما، ولا النَّظَرُ إليهما لذلك. والكافِرُ ليس بمَحْرَمٍ لِلْمُسْلِمَةِ، وإن كانت ابْنَتَهُ. قال أحمدُ فى يَهُودِىٍّ أو نَصْرَانِىٍّ

стр. 2176

أسْلَمَتِ ابْنَتُه: لا يُزَوِّجُها، ولا يُسافِرُ معها، ليس هو لها بمَحْرَمٍ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ: هو مَحْرَمٌ لها؛ لأنها مُحَرَّمَةٌ عليه على التَّأْبِيدِ. ولَنا، أنَّ إثْبَاتَ المَحْرَمِيَّة يَقْتَضِى الخَلْوَةَ بها، فيَجِبُ أنْ لا تَثْبُتَ لِكَافِرٍ على مُسْلِمَةٍ، كالحَضانَةِ لِلطِّفْلِ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ عليها أن يَفْتِنَها عن دِينِها كالطِّفْلِ، وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بأُمِّ المَزْنِىِّ بها، وابْنَتِها، والمُحَرَّمَةِ باللِّعانِ، وبالمَجُوسِىِّ مع ابْنتِه، ولا يَنْبَغِى أن يكونَ فى المَجُوسِىِّ خِلَافٌ؛ فإنَّه لا يُؤْمَنُ عليها، ويَعْتَقِدُ حِلَّها. نَصَّ عليه أحمدُ فى مَوَاضِعَ. ويُشْتَرَطُ فى المَحْرَمِ أن يكونَ بَالِغًا عَاقِلًا. قيل لأحمدَ: فيكونُ الصَّبِىُّ مَحْرَمًا؛ قال: لا، حتَّى يَحْتَلِمَ؛ لأنَّه لا يَقُومُ بِنَفْسِه، فكيف يَخْرُجُ مع امْرَأةٍ. وذلك لأنَّ المَقْصُودَ بالمَحْرَمِ حِفْظُ المَرْأَةِ، ولا يَحْصُلُ إلَّا، من البالِغِ العاقِلِ، فاعْتُبِرَ ذلك. فصل: ونَفَقَةُ المَحْرَمِ فى الحَجِّ عليها. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه مِن سَبِيلِها، فكان عليها نَفَقَتُه، كالرَّاحِلَةِ. فعلَى هذا يُعْتَبَرُ فى اسْتِطَاعَتِها أن تَمْلِكَ زادًا ورَاحِلَةً لها ولِمَحْرَمِها؛ فإن امْتَنَعَ مَحْرَمُها من الحَجِّ معها، مع بَذْلِها له نَفَقَتَه، فهى كمَن لا مَحْرَمَ لها؛ لأنَّها (١٥) لا يُمْكِنُها الحَجُّ بغير مَحْرَمٍ. وهل يَلْزَمُهُ إجَابَتُها إلى ذلك؟ على رِوَايَتَيْنِ. نَصَّ عليهما. والصَّحِيحُ أنَّه لا يَلْزَمُه الحَجُّ معها؛ لأنَّ فى الحَجِّ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، وكُلْفَةً عَظِيمَةً، فلا تَلْزَمُ أحَدًا لأجْلِ غيرِه، كما لم يَلْزَمْه أن يَحُجَّ عنها إذا كانت مَرِيضَةً. فصل: وإذا ماتَ مَحْرَمُ المَرْأةِ فى الطَّرِيقِ، فقال أحمدُ: إذا تَبَاعَدَتْ مَضَتْ، فقَضَتِ الحَجَّ. قِيلَ له (١٦): قَدِمَتْ من خُرَاسَانَ، فماتَ وَلِيُّها بِبَغْدَادَ؟ فقال: تَمْضِى إلى الحَجِّ، وإذا كان الفَرْضُ خاصَّةً فهو آكَدُ. ثمَّ قال:

стр. 2177

لا (١٧) بُدَّ لها من أن تَرْجِعَ. وهذا لأنَّها لا بُدَّ لها من السَّفَرِ بغيرِ مَحْرَمٍ، فَمُضِيُّها إلى قَضَاءِ حَجِّها أَوْلَى. لكنْ إن كان حَجُّها تَطَوُّعًا، وأمْكَنَها الإِقَامَةُ فى بَلَدٍ، فهو أوْلَى من سَفَرِها بغيرِ مَحْرَمٍ. فصل: وليس لِلرَّجُلِ مَنْعُ امْرَأتِه من حَجَّةِ الإسْلامِ. وبهذا قال النَّخَعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وهو الصَّحِيحُ من قَوْلَىِ (١٨) الشَّافِعِىِّ. وله قَوْلٌ آخَرُ، له مَنْعُها منه. بنَاءً على أن الحَجَّ على التَّرَاخِى. ولَنا، أنَّه فَرْضٌ، فلم يكنْ له مَنْعُها منه، كصوْمِ رمضانَ، والصَّلَوَاتِ الخَمْسِ. ويُسْتَحَبُّ أن تَسْتَأْذِنَه فى ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ. فإنْ أذِنَ، وإلَّا خَرَجَت بغيرِ إذْنِه. فأمَّا حَجُّ التَّطَوُّعِ، فله مَنْعُها منه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ أنَّ له مَنْعَها من الخُرُوجِ إلى الحَجِّ التَّطَوُّعِ. وذلك لأنَّ حَقَّ الزَّوْجِ وَاجِبٌ، فليس لها تَفْوِيتُه بما ليس بوَاجِبٍ، كالسَّيِّدِ مع عَبْدِه. وليس له مَنْعُها من الحَجِّ المَنْذُورِ؛ لأنَّه واجِبٌ عليها، أشْبَه حَجَّةَ الإِسلامِ. فصل: ولا تَخْرُجُ إلى الحَجِّ فى عِدَّةِ الوَفاةِ. نَصَّ عليه أحمدُ. قال: ولها أن تَخْرُجَ إليه فى عِدَّةِ الطَّلَاقِ المَبْتُوتِ. وذلك لأنَّ لُزُومَ المَنْزِلِ، والمَبِيتَ فيه (١٩)، واجِبٌ فى عِدَّةِ الوَفاةِ، وقُدِّمَ على الحَجِّ، لأنَّه يَفُوتُ، والطَّلَاقُ المَبْتُوتُ لا يَجِبُ فيه ذلك. وأمَّا عِدَّةُ الرَّجْعِيَّة، فالْمَرْأَةُ فيه بمَنْزِلَتِها فى صُلْبِ (٢٠) النِّكَاحِ، لأنَّها زَوْجَةٌ. وإذا خَرَجَتْ لِلْحَجِّ، فَتُوُفِّىَ زَوْجُها، وهى قَرِيبَةٌ، رَجَعَتْ لِتَعْتَدَّ فى مَنْزِلِها، وإن تَبَاعَدَتْ، مَضَتْ فى سَفَرِها. ذَكَرَهُ الخِرَقِىُّ فى مَوْضِعٍ آخَرَ.

стр. 2178

٥٤١ - مسألة؛ قال: (فَمَنْ فَرَّطَ فِيهِ (١) حَتَّى تُوُفِّىَ، أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِه حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن وَجَبَ عليه الحَجُّ، وأمْكَنَه فِعْلُه، وَجَبَ عليه على الفَوْرِ، ولم يَجُزْ له تَأْخِيرُه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ. وقال الشَّافِعِىُّ: يَجِبُ الحَجُّ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، وله تَأْخِيرُه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَّرَ أبا بكرٍ على الحَجِّ (٢)، وتَخَلَّفَ بالمَدِينَةِ، لا مُحَارِبًا، ولا مَشْغُولًا بشىءٍ، وتَخَلَّفَ أكْثَرُ الناسِ قادِرِينَ على الحَجِّ، ولأنَّه إذا أخَّرَه ثمَّ فَعَلَه فى السَّنَةِ الأُخْرَى لم يَكُنْ قَاضِيًا له، دَلَّ على أنَّ وُجُوبَه على التَّرَاخِى. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣). وقولُه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٤). والأمْرُ على الفَوْرِ. وَرُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ أَرَادَ الحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ (٥) ". رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٦). وفى رِوَايَةِ أحمدَ، وابن مَاجَه: "فَإنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ

стр. 2179

المَرِيضُ، وتَضِلُّ الضّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحاجَةُ". قال أحمدُ: ورَوَاهُ الثَّوْرِىُّ، ووَكِيعٌ، عن أبِى إِسْرائِيلَ، عن فُضَيْلِ بن عَمْرٍو، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن أخِيهِ الفَضْلِ، عن النَّبِيِّ ﷺ . وعن علىٍّ رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبْلِغُه إلَى بَيْتِ اللهِ، ولم يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أو نَصْرَانِيًّا". قال التِّرْمِذِىُّ (٧): لا نَعْرِفُه إلَّا من هذا الوَجْهِ، وفى إسْنَادِه مَقَالٌ: ورَوَى سَعِيدُ بن مَنْصُورٍ، بإسْنَادِه عن عبدِ الرحمنِ بن سَابِط، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ، ولمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإسْلَامِ، لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حابِسٌ، أو سُلْطَانٌ جائِرٌ، أو حَاجَةٌ ظَاهِرةٌ، فَلْيَمُتْ عَلَى أىِّ حالٍ شَاءَ، يَهُودِيًّا، أو نَصْرَانِيًّا" (٨). وعن عمرَ نحوُه من قَوْلِه. وكذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّه عنهم. ولأنَّه أحَدُ أرْكانِ الإسلامِ، فكان وَاجِبًا على الفَوْرِ، كالصِّيامِ. ولأنَّ وُجُوبَه بِصِفَةِ التَّوَسُّعِ يُخْرِجُه عن رُتْبَةِ الوَاجِباتِ، لأنَّه يُؤَخَّرُ إلى غيرِ غَايَةٍ، ولا يَأْثَمُ بالمَوْتِ قبلَ فِعْلِه، لِكَوْنه فَعَلَ ما يَجُوزُ له فِعْلُه، وليس على المَوْتِ أمَارَةٌ يَقْدِرُ بعدَها على فِعْلِه. فأمَّا النَّبِىُّ ﷺ ، فإنَّما فَتَحَ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وإنَّما أخَّرَهُ سَنَةَ تِسْعٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّه كان له عُذْرٌ، من عَدَمِ الاسْتِطَاعَةِ، أو كَرِهَ رُؤْيَة المُشْرِكِينَ عُرَاةً حَوْلَ البَيْتِ، فأَخَّرَ الحَجَّ حتَّى بَعَثَ أبا بكرٍ يُنَادِى: "أنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، ولَا يَطُوفَ بالْبَيْتِ عُرْيَانٌ" (٩). ويَحْتَمِلُ أنَّه أخَّرَهُ بأمْرِ اللهِ تعالى لِتَكُونَ حَجَّتُه (١٠) حَجَّةَ الوَدَاعِ فى السَّنَةِ التى اسْتَدَارَ فيها الزَّمَانُ كَهَيْئَتِه يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّموَاتِ والأَرْضَ، ويُصَادِفَ وَقْفَتُه (١١) الجُمُعَةَ، ويُكْمِلَ اللهُ دِينَه.

стр. 2180

ويُقال: إنَّه اجْتَمَعَ يَوْمَئِذٍ أعْيَادُ أهْلِ كُلِّ دِينٍ، ولم يَجْتَمِعْ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ. فأمَّا تَسْمِيَةُ فِعْلِ الحَجِّ قَضَاءً، فإنَّه يُسَمَّى بذلك، قال اللهُ تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (١٢)، وعلى أنَّه لا يَلْزَمُ من الوُجُوبِ على الفَوْرِ تَسْمِيَةُ القَضاءِ؛ فإنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ على الفَوْرِ، ولو أخَّرَها لا تُسَمَّى قَضاءً، والقَضاءُ الوَاجِبُ على الفَوْرِ إذا أخَّرَهُ لا يُسَمَّى قَضاءَ القَضَاء، ولو غَلبَ على ظَنِّه فى الحَجِّ أنَّه لا يَعِيشُ إلى سَنَةٍ أُخْرَى، لم يَجُزْ له تَأْخِيرُه، فلو أَخَّرَهُ لا يُسَمَّى قَضاءً. إذا ثَبَتَ هذا عُدْنَا إلى شَرْحِ مَسْألَةِ الكِتَابِ، فنَقُولُ: متى تُوُفِّىَ مَنْ وَجَبَ عليه الحَجُّ ولم يَحُجَّ، وَجَبَ أن يُخْرَجَ عنه من جَمِيعِ مَالِه ما يُحَجُّ به عنه ويُعْتَمَرُ، سَوَاءٌ فَاتَه بِتَفْرِيطٍ أو بغيرِ تَفْرِيطٍ. وبهذا قال الحسنُ، وطَاوُسٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ: يَسْقُطُ بالمَوْتِ؛ فإنْ وَصَّى بها فهى من الثُّلُثِ. [وهذا قولُ] (١٣) الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ؛ لأنَّه عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَتَسْقُطُ بالمَوْتِ، كالصلاةِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ امْرأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عن أَبِيهَا، مَاتَ ولم يَحُجَّ؟ قال: "حُجِّى عَنْ أبِيكِ". وعنه، أنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أن تَحُجَّ، فماتَتْ، فأتَى أخوهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فسَأَلَهُ عن ذلك؟ فقال: "أرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكَ دَيْنٌ، كُنْتَ (١٤) قَاضِيَهُ؟ " قال: نعم. قال: "فَاقْضُوا (١٥) اللهَ، فَهُوَ أحَقُّ بالقَضَاءِ" (١٦). رَوَاهُما النَّسَائِىُّ (١٧). ورَوَى هذا أبو دَاوُدَ الطَّيَالِيسىُّ، عن شُعْبَةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ . ولأنَّه حَقٌّ اسْتَقَرَّ عليه،

стр. 2181

تَدْخُلُه النِّيَابَةُ، فلم يَسْقُطْ بالمَوْتِ كالدَّيْنِ. ويُخَرَّجُ عليه الصلاةُ، فإنَّها لا تَدْخُلُها النِّيَابَةُ، والعُمْرَةُ كالحَجِّ فى القَضاءِ، فإنَّها وَاجِبَةٌ، وقد أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ أبا رَزِينٍ أن يَحُجَّ عن أبِيهِ ويَعْتَمِرَ (١٨)، ويكونُ ما يُحَجُّ به ويُعْتَمَرُ من جَمِيعِ مَالِه؛ لأنَّه دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ، فكان من جَمِيعِ المالِ، كدَيْنِ الآدَمِىِّ. فصل: ويُسْتَنَابُ مَن يَحُجُّ عنه من حيثُ وَجَبَ عليه، إمَّا من بَلَدِه أو مِن المَوْضِعِ الذى أيْسَرَ (١٩) فيه. وبهذا قال الحسنُ، وإسحاقُ، ومَالِكٌ فى النَّذْرِ. وقال عَطاءٌ فى النَّاذِرِ: إن لم يَكُنْ نَوَى مَكانًا، فمِنْ مِيقَاتِه. واخْتَارَهُ ابنُ المُنْذِرِ. وقال الشَّافِعِىُّ فى مَن عليه حَجَّةُ الإسْلامِ: يُسْتَأْجَرُ مَن يَحُجُّ عنه من المِيقَاتِ؛ لأنَّ الإحْرامَ لا يَجِبُ مِن دُونِه. ولَنا، أنَّ الحَجَّ واجِبٌ على المَيِّتِ من بَلَدِه، فوَجَبَ أن يَنُوبَ عنه منه؛ لأنَّ القَضاءَ يكونُ على وَفْقِ الأداءِ، كقَضاءِ الصلاةِ والصِّيامِ، وكذلك الحُكْمُ فى حَجِّ النَّذْرِ والقَضاءِ، فإن كان له وَطَنانِ اسْتُنِيبَ من أقْرَبهما. فإن وَجَبَ عليه الحَجُّ بخُرَاسَانَ وماتَ بِبَغْدادَ، أو وَجَبَ عليه بِبَغْدَادَ فمات بخُرَاسانَ، فقال أحمدُ: يُحَجُّ عنه من حَيْثُ وَجَبَ عليه، لا مِن حَيْثُ مَوْته. ويَحْتَمِلُ أن يُحَجَّ عنه مِن أقْرَبِ المَكانَيْنِ؛ لأنَّه لو كان حَيًّا فى أقْرَبِ المَكَانَيْنِ، لم يَجِبْ عليه الحَجُّ مِن أبْعَدَ منه، فكذلك نَائِبُه. فإن أحَجَّ عنه من دون ذلك، فقال القاضى: إن كان دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ أجْزَأَهُ؛ لأنَّه فى حُكْمِ القَرِيبِ، وإن كان أبْعَدَ لم يُجْزِئْه؛ لأنَّه لم يُؤَدِّ الوَاجِبَ بِكَمَالِه. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه ويكونُ مُسِيئًا، كمَنْ وَجَبَ عليه الإحْرامُ من المِيقاتِ، فأحْرَمَ مِن دُونِهِ. فصل: فإن خَرجَ لِلْحَجِّ، فماتَ فى الطَّرِيقِ، حُجَّ عنه من حيثُ ماتَ؛ لأنَّه أسْقَطَ بعضَ ما وَجَبَ عليه، فلم يَجِبْ ثانِيًا. وكذلك إن ماتَ نائِبُه، اسْتُنِيبَ من

стр. 2182

حَيْثُ ماتَ لذلك. ولو أَحْرَمَ بالحَجِّ، ثمَّ ماتَ، صَحَّتِ النِّيَابَةُ عنه فيما بَقِىَ من النُّسُكِ، سواء كان إحْرَامُه لِنَفْسِه أو لِغَيْرِه. نَصَّ عليه؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَدْخُلُها النِّيَابَةُ، فإذا ماتَ بعدَ فِعْلِ بَعْضِها قُضِىَ عنه بَاقِيها، كالزَّكَاةِ. فصل: فإن لم يُخْلِفْ تَرِكَةً تَفِى بالحَجِّ من بَلَدِه، حُجَّ عنه من حيثُ تَبْلُغُ. وإن كان عليه دَيْنٌ لآدَمِىٍّ تَحَاصَّا، ويُؤْخَذُ لِلْحَجِّ حِصَّتُه، فيُحَجُّ بها من حيثُ تَبْلُغُ. قال أحمدُ، فى رجلٍ أوْصَى أن يُحَجَّ عنه، ولا تَبْلُغُ النَّفَقَة؟ قال: يُحَجُّ عنه من حيثُ تَبْلُغُ النَّفَقَةُ لِلرَّاكِبِ من غير مَدِينَتِه. وهذا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا أمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (٢٠). ولأنَّه قَدَرَ على أداءِ بعض الوَاجِبِ، فَلَزِمَهُ، كالزَّكاةِ. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ الحَجَّ يَسْقُطُ؛ لأنَّه قال فى رجلٍ أوْصَى بِحَجَّةٍ واجِبَةٍ، ولم يُخْلِفْ ما تَتِمُّ به حَجَّةٌ، هل يُحَجُّ عنه من المَدِينَةِ، أو من حيثُ تَتِمُّ الحَجَّةُ؟ فقال: ما يكونُ الحَجُّ عِنْدِى إلَّا من حيثُ وَجَب عليه. وهذا تَنْبِيهٌ على سُقُوطِه عَمَّنْ عليه دَيْنٌ لا تَفِى تَرِكَتُه به وبالحَجِّ، فإنَّه إذا أسْقَطَهُ مع عَدَمِ المُعَارِضِ، فمع المُعَارِضِ (٢١) بحَقِّ الآدَمِىِّ المُؤَكَّدِ أَوْلَى وأحْرَى. ويَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ عَمَّنْ عليه دَيْنٌ وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ حَقَّ الآدَمِىِّ المُعَيَّنِ أوْلَى بالتَّقْدِيمِ لِتَأَكُّدِه، وحَقُّه حَقُّ اللهِ تعالى، مع أنَّه لا يُمْكِنُ أداؤُه على الوَجْهِ الوَاجِبِ. فصل: وإن أوْصَى بحَجِّ تَطَوُّعٍ، فلم يَفِ ثُلُثُه بالحَجِّ من بَلَدِه، حُجَّ به من حَيْثُ يَبْلُغُ (٢٢)، أو يُعَان به فى الحَجِّ. نَصَّ عليه. وقال: التَّطَوُّعُ ما يُبَالى مِن أين كان، ويُسْتَنَابُ عن المَيِّتِ ثِقَةً بأَقَلِّ ما يُوجَد، إلَّا أن يَرْضَى الوَرَثَةُ بِزِيَادَةٍ، أو يكونَ قد أَوْصَى بشىءٍ، فيجوزُ ما أوْصَى به ما لم يَزِدْ على الثُّلُثِ.

стр. 2183

فصل: يُسْتَحَبُّ أن يَحُجُّ الإنْسانُ عن أبَوَيْهِ، إذا كانا مَيِّتَيْنِ أو عاجِزَيْنِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ أيا رَزِينٍ، فقال: "حُجَّ عَنْ أبِيكَ، واعْتَمِرْ" (٢٣). وسَأَلَتِ امْرَأةٌ رسولَ اللهِ ﷺ عن أبِيهَا، ماتَ ولم يَحُجَّ؟ فقال: "حُجِّى عَنْ أبِيكِ" (٢٤). ويُسْتَحَبُّ البدَايَةُ (٢٥) بالحَجِّ في الأُمِّ، إن كان تَطَوُّعًا أو وَاجِبًا عليهما. نَصَّ عليه أحمدُ فى التَّطَوُّعِ؛ لأنَّ الأُمَّ مُقَدَّمَةٌ فى البِرِّ، قال أبو هُرَيْرَةَ: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِى؟ قال: "أُمُّكَ". قال: ثمَّ مَن؟ قال: "أُمُّكَ". قال: ثمَّ مَن؟ قال: "أُمُّكَ". قال: ثمَّ مَن؟ قال: "أُبُوكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، والبُخَارِىُّ (٢٦). وإن كان الحَجُّ وَاجِبًا على الأَبِ دُونَها، بَدَأ به؛ لأنَّه وَاجِبٌ، فكان أوْلَى من التَّطَوُّعِ. ورَوَى زيدُ بن أرْقَمَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا حَجَّ الرَّجُلُ عَن وَالِدَيْه يُقْبَلُ مِنْهُ ومِنْهُمَا، واسْتَبْشَرَتْ أرْوَاحُهُما فِى السَّمَاءِ، وكُتِبَ عِنْدَ اللهِ بَرًّا". وعن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَجَّ عَنْ أبَوَيْهِ، أوْ قَضَى عَنْهُمَا مَغْرَمًا، بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الْأَبْرَارِ". وعن جابِرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَجَّ عَنْ أبِيهِ أو أُمِّه، فَقَدْ قَضَى عَنْهُ حَجَّتَهُ، وكانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ". رَوَى ذلك كُلَّه الدَّارَقُطْنِىُّ (٢٧).

стр. 2184

٥٤٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، ولَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِه، رَدَّ مَا أخذَ، وَكَانَتِ الْحَجَّةُ عَنْ نَفْسِهِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه ليس لمن لم يَحُجَّ حَجَّةَ الإسلامِ أن يَحُجَّ عن غيرِه، فإن فَعَلَ وَقَعَ إحْرَامُه عن حَجَّةِ الإسلامِ. وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: يَقَعُ الحَجُّ باطِلًا، ولا يَصِحُّ (١) عنه ولا عن غيرِه. وَرُوِى ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ لأنَّه لمَّا كان من شَرْطِ (٢) طَوَافِ الزِّيارَةِ تَعْيينُ النِّيَّةِ، فمتى نَوَاهُ لغيرِه ولم يَنْوِ لِنَفْسِه، [لم يقعْ لنفسِه، كذا الطَّوَافُ حامِلًا لغيرِه] (٣) لم يَقَعْ عن نَفْسِه. وقال الحسنُ، وإبراهيمُ، وأيُّوبُ السَّخْتِيَانِىُّ، وجعفرُ بن مُحمدٍ، ومالِكٌ وأبو حنيفةَ: يجوزُ أن يَحُجَّ عن غيرِه مَن لم يَحُجَّ عن نَفْسِه. وحُكِىَ عن أحمدَ مِثْلُ ذلك. وقال الثَّوْرِىُّ: إنْ كان يَقْدِرُ على الحَجِّ عن نَفْسِه حَجَّ عن نَفْسِه، وإن لم يَقْدِرْ على الحَجِّ عن نَفْسِه حَجَّ عن غيرِه. واحْتَجُّوا بأنَّ الحَجَّ ممَّا تَدْخُلُه النِّيَابَةُ، فجازَ أن يُؤَدِّيَهُ عن غيرِه مَن لم يُسْقِطْ فَرْضَهُ عن نَفْسِه، كالزَّكَاةِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عن شُبْرُمَةَ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شُبْرُمَةُ؟ " قال: قَرِيبٌ لى. قال: "هَلْ حَجَجْتَ قَطُّ؟ " قال: لا. قال: "فَاجْعَلْ هذِهِ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ احْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ". رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٤)، وهذا لَفْظُه. ولأنَّه حَجَّ عن غيرِه قبلَ الحَجِّ عن نَفْسِه، فلم يَقَعْ عن الغيرِ، كما لو كان صَبِيًّا. ويُفَارِقُ الزَّكَاةَ، فإنَّه يَجُوزُ أن يَنُوبَ عن الغيرِ، وقد بَقِىَ عليه بعضُها، وهاهُنا لا يجوزُ أن

стр. 2185

يَحُجَّ عن الغيرِ مَن شَرَعَ فى الحَجِّ قبلَ إتْمَامِه، ولا يَطُوفَ عن غيرِه مَن لم يَطُفْ عن نَفْسِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ عليه رَدَّ ما أخَذَ من النَّفَقَةِ؛ لأنَّه لم يَقَعِ الحَجُّ عنه، فأشْبَهَ ما لو لم يَحُجَّ. فصل: وإن أحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ أو نَذْرٍ مَن لم يَحُجَّ حَجَّةَ الإسلامِ، وَقَعَ عن حَجَّة الإسلامِ. وبهذا قال ابنُ عمرَ، وأنَسٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يَقَعُ ما نَوَاهُ. وهو رِوَايَةٌ أُخْرَى عن أحمدَ، وقَوْلُ أبي بكرٍ، لما تَقَدَّمَ. ولَنا، أنَّه أحْرَمَ بالحَجِّ وعليه فَرْضُه، فوَقَعَ عن فَرْضِه كالمُطْلَقِ. ولو أحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ، وعليه مَنْذُورَةٌ، وقَعَتْ عن المَنْذُورَةِ؛ لأنَّها واجبَةٌ، فهى كحَجَّةِ الإسلامِ، والعُمْرَةُ كالحَجِّ فيما ذَكَرْنَا؛ لأنَّها أحَدُ النُّسُكَيْنِ، فأشْبَهَتِ الآخَرَ، والنَّائِبُ كالمَنُوبِ عنه فى هذا، فمتى أَحْرَمَ النّائِبُ بِتَطَوُّعٍ، أو نَذْرٍ عَمَّنْ لم يَحُجّ حَجَّةَ الإسلامِ، وَقَعَتْ عن حَجَّةِ الإسلامِ؛ لأنَّ النَّائِبَ يَجْرِى مَجْرَى المَنُوبِ عنه. وإن اسْتَنابَ رَجُلَيْنِ فى حَجَّةِ الإسْلامِ، ومَنْذُورٍ أو تَطوُّعٍ، فأيُّهما سَبَقَ بالإِحْرامِ، وَقَعَتْ حَجَّتُه عن حَجَّةِ الإسْلامِ، وتَقَعُ الأُخْرَى تَطَوُّعًا، أو عن النَّذْرِ؛ لأنَّه لا يَقَعُ الإِحْرامُ عن غيرِ حَجَّةِ الإسلامِ، ممَّن هى عَليه، فكذلك مِن نَائِبِه. فصل: إذا كان الرجلُ قد أسْقَطَ فَرْضَ أحدِ النُّسُكَيْنِ عنه، دُونَ الآخَرِ، جازَ أنْ يَنُوبَ عن غيرِه، فيما أَدَّى فَرْضَه دُونَ الآخَرِ. ولَيْسَ لِلصَّبِىِّ والعَبْدِ أن يَنُوبَا فى الحَجِّ عن غَيْرِهما؛ لأنَّهما لم يُسْقِطَا فَرْضَ الحَجِّ عن أنْفُسِهِما، فهما كالحُرِّ البالِغِ فى ذلك، وأوْلَى منه. ويَحْتَمِلُ أنَّ لهما النِّيَابَةَ فى حَجِّ التَّطَوُّعِ دون الفَرْضِ؛ لأنَّهما من أهْلِ التَّطَوُّعِ دون الفَرْضِ، ولا يُمْكِنُ أن تَقَعَ الحَجَّةُ التى نَابَا فيها عن فَرْضِهِما؛ لِكَوْنِهما ليسا من أهْلِه، فبَقِيَتْ لمن فُعِلَتْ عنه. وعلى هذا لا يَلْزَمُهما

стр. 2186

رَدُّ ما أخَذَا لذلك، كالبَالِغِ الحُرِّ الذى قد حَجَّ عن نَفْسِه. فصل: إذا أَحْرَمَ بالمَنْذُورَةِ مَنْ عليه حَجَّةُ الإِسلامِ، فوَقَعَتْ عن حَجَّةِ الإِسلامِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّ المَنْذُورَةَ لا تَسْقُطُ عنه. وهو قولُ ابنِ عمرَ وأنَسٍ، وعَطاءٍ؛ لأنَّها حَجَّةٌ واحِدَةٌ، فلا تُجْزِئُ عن حَجَّتَيْنِ، كما لو نَذَرَ حَجَّتَيْنِ، فحَجَّ واحِدَةً. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَ؛ لأنَّه قد أتَى بالحَجَّةِ ناوِيًا بها نَذْرَهُ، فأجْزَأَتْه، كما لو كان مِمَّنْ أسْقَطَ فَرْضَ الحَجِّ عن نَفْسِه. وقد نَقَلَ أبو طَالِبٍ، عن أحمدَ، فى مَن نَذَرَ أن يَحُجَّ وعليه حَجَّةٌ مَفْرُوضَةٌ، فأَحْرَمَ عن النَّذْرِ، وَقَعَتْ عن المَفْرُوضِ، ولا يَجِبُ عليه شىءٌ آخَرُ. وهذا مثلُ ما لو نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ فقَدِمَ فى يَوْم من رمضانَ، فنَوَاهُ عن فَرْضِه ونَذْرِه، على رِوَايَةٍ. وهذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَةَ. ورَوَى سَعِيدٌ بإسْنَادِه عن ابنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ أنَّهما قالا، في رَجُلٍ نَذَرَ أن يَحُجَّ، ولم يكنْ حَجَّ الفَرِيضةَ، قال: يُجْزِئُ لهما جَمِيعًا. وسُئِلَ عِكْرِمَةُ عن ذلك؟ فقال: يَقْضِى حَجُّه (٥) عن نَذْرِهِ، وعن حَجَّةِ الإسلامِ، أرَأَيْتُمْ لو أن رَجُلًا نَذَرَ أن يُصَلِّىَ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فصَلَّى العَصْرَ، أليس ذلك يُجْزِئُه من العَصْرِ ومن النَّذْرِ؟ قال: وذَكَرْتُ قَوْلِى لابنِ عَبّاسٍ، فقال: أصَبْتَ. أو أحْسَنْتَ. ٥٤٣ - مسألة؛ قال: (ومَنْ حَجَّ وهُوَ غَيْرُ بَالِغٍ، فبَلَغَ، أو عَبْدٌ فَعَتَقَ، فَعَلَيْهِ الْحَجُّ) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، إلَّا مَن شَذَّ عنهم ممَّن لا [يُعْتَدُّ بِقَوْلِه] (١) خِلَافًا، على أنَّ الصَّبِىَّ إذا حَجَّ فى حالِ صِغَرِه، والعَبْدَ إذا حَجَّ فى حالِ رِقِّه، ثمَّ بَلَغَ الصَّبِىُّ وعَتَقَ العَبْدُ، أنَّ عليهما حَجَّةَ الإِسلامِ، إذا وَجَدَا إليها سَبِيلًا. كذلك قال ابنُ عَبَّاسٍ، وعَطاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ،

стр. 2187

وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال التِّرْمِذِىُّ: وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عليه. وقال الإمامُ أحمدُ، عن محمدِ بن كَعْبٍ القُرَظِىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنِّى أُرِيدُ أنْ أُجَدِّدَ فى صُدُورِ المُؤْمِنِينَ عَهْدًا، أَيُّمَا صَبِىٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، فَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الحَجُّ، وأيّما مَمْلُوكٍ حَجَّ به أَهْلُه، فَماتَ، أجْزَأَتْ عَنْهُ، فَإنْ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ الحَجُّ". رَوَاهُ سَعِيدٌ، فى "سُنَنِه" (٢)، والشَّافِعِىُّ، فى "مُسْنَدِه"، عن ابنِ عَبَّاسٍ من قَوْلِه (٣). ولأنَّ الحَجَّ عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَعَلَها قبل وَقْتِ وُجُوبِها، فلم يَمْنَعْ ذلك وُجُوبَها عليه فى وَقْتِها، كما لو صَلَّى قبلَ الوَقْتِ، وكما لو صَلَّى، ثمَّ بَلَغ فى الوَقْتِ. فصل: فإن بَلَغَ الصَّبِىُّ، أو عَتَقَ العَبْدُ بِعَرَفَةَ، أو قبلَها، غيرَ مُحْرِمَين، فأحْرَما وَوَقَفَا بِعَرَفَةَ، وأتمَّا المَنَاسِكَ، أجْزَأهُما عن حَجَّةِ الإِسلامِ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّه لم يَفُتْهُما شىءٌ من أرْكانِ الحَجِّ، ولا فَعَلَا شيئًا منها قبلَ وُجُوبِه. وإن كان البُلُوغُ والعِتْقُ وهما مُحْرِمَانِ، أجْزَأهُما أيضًا عن حَجَّةِ الإِسلامِ. كذلك قال ابنُ عَبَّاسٍ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ. وقالَه الحسنُ فى العَبْدِ. وقال مالِكٌ: لا يُجْزِئُهما. واخْتَارَه ابنُ المُنْذِرِ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا يُجْزِئُ العَبْدَ، فأمَّا الصَّبِىُّ، فإن جَدَّدَ إحْرَامًا بعدَ أن احْتَلَمَ قبلَ الوُقُوفِ، أجْزَأَهُ، وإلَّا فلا؛ لأنَّ إحْرَامَهُما لم يَنْعَقِدْ وَاجِبًا، فلا يُجْزِئُ عن الوَاجِبِ، كما لو بَقِيَا على حَالِهما. ولَنا، أنَّه أدْرَكَ الوُقُوفَ حُرًّا بالِغًا، فأجْزَأَهُ، كما لو أحْرَمَ تِلك السَّاعَةَ. قال أحمدُ: قال طَاوُسٌ، عن ابنِ عَبَّاسٍ: إذا أُعْتِقَ (٤) العَبْدُ بِعَرَفَةَ، أجْزَأتْ عنه

стр. 2188

حَجَّتُه؛ فإنَّ أُعْتِقَ بِجَمْعٍ (٥)، لم تُجْزِئْ عنه. وهؤلاء يقولون: لا تُجْزِئُ. ومالِكٌ يقولُه أيضًا، كيف لا يُجْزِئه، وهو لو أحْرَمَ تلك السَّاعَةَ كان حَجُّهُ تَامًّا! وما أعْلَمُ أحَدًا قال لا يُجْزِئُه إلَّا هؤلاء. والحُكْمُ فيما إذا أُعْتِقَ العَبْدُ وبَلَغَ الصَّبِىُّ بعدَ خُرُوجِهِما من عَرَفَةَ، فعَادَا إليها قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ، كالحُكْمِ فيما إذا كان ذلك فيها؛ لأنَّهما قد أَدْرَكا من الوَقْتِ ما يُجْزِئُ ولو كان لَحْظَةً. وإن لم يَعُودَا، أو كان ذلك قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ من يَوْمِ النَّحْرِ، لم يُجْزِئْهما عن حَجَّةِ الإسلامِ، ويُتِمَّانِ حَجَّهما تَطَوُّعًا؛ لِفَوَاتِ الوُقُوفِ المَفْرُوضِ، ولا دَمَ عليهما؛ لأنَّهما حَجَّا تَطَوُّعًا بإِحْرَامٍ صَحِيحٍ من المِيقَاتِ، فأشْبَها البالِغَ الذى يَحُجُّ تَطَوُّعًا. فإن قيل فلم لا قُلْتُم: إنَّ الوُقُوفَ الذى (٦) فَعَلاهُ يَصِيرُ فَرْضًا، كما قُلْتُم فى الإحْرامِ الذى أحْرَمَ به قبلَ البُلُوغِ يَصِيرُ بعد بُلُوغِه فَرْضًا؟ قُلْنا: إنَّما اعْتَدَدْنَا له بإحْرَامِه المَوْجُودِ بعدَ بُلُوغِه، وما قَبْلَه (٧) تَطَوُّعٌ لم يَنْقَلِبْ فَرْضًا، ولا اعْتُدَّ له به، فالوُقُوفُ مثلُه، فنَظِيرُه أن يَبْلُغَ وهو واقِفٌ بِعَرفَةَ، فإنَّه يُعْتَدُّ له بما أدْرَكَ من الوُقُوفِ، ويَصِير فَرْضًا دُونَ ما مَضَى. فصل: وإذا بَلَغَ الصَّبِىُّ، أو عَتَقَ العَبْدُ قبلَ الوُقُوفِ، أو فى وَقْتِه، وأمْكَنَهما الإِتْيانُ بالحَجِّ، لَزِمَهُما ذلك؛ لأنَّ الحَجَّ وَاجِبٌ على الفَوْرِ، فلا يجوزُ تَأْخِيرُه مع إمْكانِه، كالبَالِغِ الحُرِّ. وإن فاتَهما الحَجُّ، لَزِمَتْهما العُمْرَةُ؛ لأنَّها واجِبَةٌ أمْكَنَ فِعْلُها، فأشْبَهَتِ الحَجَّ، ومتى أمْكَنَهُما ذلك فلم يَفْعَلَا، اسْتَقَرَّ الوُجُوبُ عليهما، سَوَاءٌ كانا مُوسِرَيْنِ أو مُعْسِرَيْنِ؛ لأنَّ ذلك وَجَبَ عليهما بإمْكانِه فى مَوْضِعِه، فلم يَسْقُطْ بِفَواتِ القُدْرَةِ بعدَه.

стр. 2189

فصل: والحُكْمُ فى الكافِرِ يُسْلِمُ، والمَجْنُونِ يُفِيقُ، حُكْمُ الصَّبِىِّ يَبْلُغُ (٨) فى جَمِيعِ ما فَصَّلْنَاهُ، إلَّا أنَّ هذيْن لا يَصِحُّ منهما إحْرَامٌ، ولو أحْرَما لم يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهما؛ لأنَّهما من غيرِ أهْلِ العِبادَاتِ، ويكونُ حُكْمُهما حُكْمَ مَن لم يُحْرِمْ. فصل: وقد بَقِىَ من أحْكامِ حَجِّ العَبْدِ أرْبَعَةُ فُصُولٍ: أحَدُها، فى حُكْمِ إحْرَامِه. الثانى، فى حُكْمِ نَذْرِهِ لِلْحَجِّ. الثالثُ، فى حُكْمِ ما يَلْزَمُه من الجناياتِ على إحْرَامِه. الرابعُ، حُكْمُ إفْسادِهِ وفَوَاتِه. الفصل الأوَّلُ فى إحْرَامِه: وليسَ لِلْعَبْدِ أن يُحْرِمَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ به حُقُوقَ سَيِّدِه الوَاجِبَةَ عليه، بالْتِزَامِ ما ليس بِوَاجِبٍ، فإن فَعَلَ، انْعَقَدَ إحْرامُه صَحِيحًا، لأنَّها عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَصَحَّ من العَبْدِ الدُّخُولُ فيها بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، كالصلاةِ والصَّوْمِ، ولِسَيِّدِه تَحْلِيلُه فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لأنَّ فى بَقائِه عليه تَفْوِيتًا لِحَقِّه من مَنافِعِه بِغيرِ إذْنِه، فلم يلْزَمْ ذلك سَيِّدَه، كالصَّوْمِ المُضِرِّ بِبَدِنِه. وهذا اخْتِيارُ ابنِ حامِدٍ. وإذا حَفَلَه منه كان حُكْمُه حُكْمَ المُحْصَرِ. والثانية، ليس له تَحْلِيلُه. وهو اخْتِيارُ أبي بكرٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه التَّحَلُّلُ مِن تَطَوُّعِه، فلم يَمْلِكْ تَحْلِيلَ عَبْدِه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه الْتَزَمَ التَّطَوُّعَ باخْتِيارِ نَفْسِه، فنَظِيرُه أن يُحْرِمَ عَبْدُه بإذْنِه، وفى مَسْألَتِنَا يُفَوِّتُ حَقَّه الوَاجِبَ بغيرِ اخْتِيَارِه. فأمَّا إن أحْرَمَ بإذْنِ سَيِّدِه، فليس له تَحْلِيلُه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: له ذلك؛ لأنَّه مَلَّكَهُ مَنَافِعَ نَفْسِه، فكان له الرُّجُوعُ فيها، كالمُعِيرِ يَرْجِعُ فى العارِيَّةِ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، عَقَدَه بإِذْنِ سَيِّدِه، فلم يكنْ لِسَيِّدِه مَنْعُه منه (٩)، كالنِّكاحِ، ولا يُشْبِهُ العَارِيَّةَ، لأنَّها ليستْ لازِمَةً. ولو أعارَه شيئًا لِيَرْهَنَهُ، فرَهَنَهُ، يَكُنْ له الرُّجُوعُ

стр. 2190

فيه. ولو بَاعَه سَيِّدُه بعدَ ما أَحْرَمَ فحُكْمُ مُشْتَرِيه فى تَحْلِيلِه حُكْمُ بائِعِه سَوَاءً؛ لأنَّه اشْتَرَاهُ مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ، فأشْبَهَ الأمَةَ المُزَوَّجَةَ والمُسْتَأْجَرَةَ. فإن عَلِمَ المُشْتَرِى بذلك، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ. وإن لم يَعْلَمْ، فله الفَسْخُ؛ لأنَّه يَتَضَرَّرُ بِمُضِىِّ العَبْدِ فى حَجِّه، لِفَوَاتِ مَنَافِعِه، إلَّا أن يكونَ إحْرَامُه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ونقول: له تَحْلِيلُه. فلا يَمْلِكُ الفَسْخَ؛ لأنَّه يُمْكِنُه دَفْعُ الضَّرَرِ عنه. ولو أذِنَ له سَيِّدُه فى الإحْرامِ، ثمَّ رَجَعَ قبلَ أن يُحْرِمَ، وعَلِمَ العَبْدُ بِرُجُوعِه قبلَ الإِحْرَامِ، فهو كمَنْ لم يُؤْذَنْ (١٠) له. وإن لم يَعْلَمْ حتَّى أحْرَمَ، فهل يكونُ حُكْمُه حُكْمَ مَن أحْرَمَ بإذْنِ سَيِّدِه؟ على وَجْهَيْنِ، بنَاءً على الوَكِيلِ، هل يَنْعَزِلُ بالعَزْلِ قبل العِلْمِ؟ على رِوَايَتَيْن. الفصل الثانى: إذا نَذَرَ العَبْدُ الحَجَّ، صَحَّ نَذْرُه؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ، فانْعَقَدَ نَذْرُهُ كالحُرِّ. ولِسَيِّدِه مَنْعُه من المُضِىِّ فيه؛ لأنَّ فيه تَفْوِيت حَقِّ سَيِّدِه الوَاجبِ، فمُنِعَ منه، كما لو لم يَنْذُرْ. ذَكَرَه القاضى، وابنُ حامِدٍ. وَرُوِىَ عن أحمدَ أَنَّه قال: لا يُعْجِبُنِى مَنْعُه من الوَفَاءِ به. وذلك لما فيه من أدَاءِ الوَاجِبِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ ذلك على الكَرَاهَةِ، لا على التَّحْرِيمِ؛ لما ذَكَرْنَا، ويَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ؛ لأنَّه وَاجِبٌ، فلم يَمْلِكْ مَنْعَه منه، كسائِرِ الواجِباتِ. والأَوَّلُ أَوْلَى. فإن أُعْتِقَ، لَزِمَه الوَفَاءُ به بعدَ حَجَّةِ الإسلامِ. فإن أحْرَمَ به أوَّلًا انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإسلامِ، كالحُرِّ إذا نَذَرَ حَجًّا. الفصل الثالث فى جِنَايَاتِه: وما جَنَى على إحْرَامِه لَزِمَه حُكْمُه. وحُكْمُه فيما يَلْزَمُه حُكْمُ الحُرِّ المُعْسِرِ فَرْضُه الصِّيَامُ. وإن تَحَلَّلَ بِحَصْرِ عَدُوٍّ، أو حَلَّلَهُ سَيِّدُه، فعليه الصِّيامُ، لا يَتَحَلَّلُ قبلَ فِعْلِه كالحُرِّ، وليس لِسَيِّدِه أن يَحُولَ بينه وبين الصَّوْمِ. نَصَّ عليه؛ لأنَّه صَوْمٌ واجِبٌ، أشْبَهَ صَوْمَ رمضانَ. فإن مَلَّكَهُ السَّيِّدُ

стр. 2191

هَدْيًا، وأذِنَ له في إهْدَائِه، وقلنا: إنَّه يَمْلِكُه. فهو [كالواجِدِ للهَدْىِ] (١١)، لا يَتَحَلَّلُ إلَّا به. وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُه. فَفَرْضُه الصِّيامُ. وإن أذِنَ له سَيِّدُه في تَمَتُّعٍ أو قِرَانٍ، فعليه الصِّيامُ بَدَلًا عن الهَدْىِ الوَاجِبِ بهما. وذكر القاضى أنَّ على سَيِّدِه تَحَمُّلَ ذلك عنه؛ لأنَّه بِإذْنهِ، فكان على من أذِنَ فيه، كما لو فَعَلَهُ النائِبُ بإذْنِ المُسْتَنِيبِ. وليس بِجَيِّدٍ؛ لأنَّ الحَجَّ لِلْعَبْدِ، وهذا من مُوجِبَاتِه، فيكونُ عليه، كالمَرْأةِ إذا حَجَّتْ بإذْنِ زَوْجِها. ويُفَارِقُ من حَجَّ عن غَيْرِه؛ فإنَّ الحَجَّ لِلْمُسْتَنِيبِ فمُوجِبُه عليه. وإن تَمَتَّعَ أو قَرَنَ (١٢) بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فالصِّيامُ عليه بغيرِ خِلَافٍ. وإن أفْسَدَ حَجَّهُ، فعليه أن يَصُومَ لذلك؛ فإنَّه (١٣) لا مَالَ له، فهو كالمُعْسِرِ من الأحْرَارِ. الفصل الرابع: إذا وَطِئَ العَبْدُ [فى إحْرامِه] (١٤) قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، فَسَدَ، ويَلْزَمُه المُضِىُّ فى فاسِدِه، كالحُرِّ، لكنْ إن كان الإحْرامُ مَأْذُونًا فيه، فليس لِسَيِّدِه إخْرَاجُه منه؛ لأنَّه ليس له مَنْعُه من صَحِيحِه، فلم يكن له مَنْعُه من فَاسِدِه، وإن كان الإحْرَامُ بغير [إذْنِ سَيِّدِه] (١٥)، فله تَحْلِيلُه منه؛ لأنَّه يَمْلِكُ تَحْلِيلَه من صَحِيحه، فالفَاسِدُ أوْلَى، وعليه القَضاءُ، سواءٌ كان الإحْرامُ مَأذُونًا فيه، أو غيرَ مَأذُونٍ، ويَصِحُّ القَضَاءُ فى حَالِ رِقِّهِ؛ لأنَّه وَجَبَ [فى حَالِ الرِّقِّ] (١٦)، فَصَحَّ فيه (١٧)، كالصلاةِ والصِّيامِ. ثم إن كان الإحْرامُ الذى أفْسَدَهُ مَأذُونًا فيه، فليس له

стр. 2192

مَنْعُه من قَضائِه؛ لأنَّ إذْنَه فى الحَجِّ الأوَّلِ إذْنٌ فى مُوجِبِه ومُقْتَضَاه، ومن مُوجِبِه القَضاءُ لما أفْسَدَه. فإن كان الأوَّلُ غيرَ مَأذُونٍ فيه، احْتَمَلَ أن لا يَمْلِكَ مَنْعَه من قَضَائِه؛ لأنَّه واجِبٌ، وليس لِلسَّيِّدِ مَنْعُه من الوَاجِباتِ. واحْتَمَلَ أنَّ له مَنْعَه منه؛ لأنَّه يَمْلِكُ مَنْعَه من الحَجِّ الذى شَرَعَ فيه بِغَيْرِ إذْنِه، فكذلك هذا. فإن أُعْتِقَ قبلَ القَضاءِ، فليس له فِعْلُه قبلَ حَجَّةِ الإسلامِ؛ لأنَّها آكَدُ. فإن أحْرَمَ بالقَضاءِ، انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإسلامِ، وبَقِىَ القَضاءُ فى ذِمَّتِه. وإن عَتَقَ فى أثْنَاءِ الحَجَّةِ الفَاسِدَةِ، وأدْرَكَ من الوُقُوفِ ما يُجْزِئُه، أجْزَأهُ القَضاءُ عن حَجَّةِ الإسلامِ؛ لأنَّ المَقْضِىَّ لو كان صَحِيحًا أجْزَأَهُ، فكذلك قَضاؤُه. وإن أُعْتِقَ بعدَ ذلك، لم يُجْزِئْهُ القَضاءُ عن حَجَّةِ الإسلامِ؛ لأنَّ المَقْضِىَّ لا تُجْزِئُه، فكذلك قَضاؤُه. والمُدَبَّرُ، والمُعَلَّقُ عِتْقُه بِصِفَةٍ، وأمُّ الوَلَدِ، والمُعْتَقُ بَعْضُه، حُكْمُه حُكْمُ القِنِّ فيما ذَكَرْنَاهُ. ٥٤٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا حُجَّ بِالصَّغِيرِ، جُنِّبَ مَا يَتَجَنَّبُه الكَبِيرُ، ومَا عَجَزَ عَنْهُ مِنَ عَمَلِ الحَجِّ عُمِلَ عَنْهُ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الصَّبِىَّ يَصِحُّ حَجُّهُ، فإن كان مُمَيِّزًا أحْرَمَ بإذْنِ وَلِيِّهِ، وإن كان غيرَ مُمَيِّزٍ أحْرَمَ عنه وَلِيُّهُ؛ فيَصِير مُحْرِمًا بذلك. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وَرُوِىَ عن عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْعَقِدُ إحْرامُ الصَّبِىِّ، ولا يَصِيرُ مُحْرِمًا بإحْرَامِ وَلِيِّهِ؛ لأنَّ الإحْرَامَ سَبَبٌ يَلْزَمُ به حُكْمٌ، فلم يَصِحَّ من الصَّبِىِّ، كالنَّذْرِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: رفَعتِ امرأةٌ صَبِيًّا، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، ألِهَذا حَجٌّ؟ قال: "نَعَمْ، وَلَكِ أجْرٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وغيرُه من الأئِمَّةِ (١). ورَوَى البُخَارِىُّ (٢)، عن السَّائِبِ بن يَزِيدَ، قال: حُجَّ بى مع النَّبِىِّ ﷺ ، وأنا ابنُ

стр. 2193

سَبْع سِنِينَ. ولأنَّ أبا حنيفة قال: يَجْتَنِبُ ما يَجْتَنِبُه المُحْرِم. ومَن اجْتَنَبَ (٣) ما يَجْتَنِبُه المُحْرِمُ كان إحْرَامُه صَحِيحًا. والنَّذْرُ لا يَجِبُ به شيءٌ، بخِلافِ مَسْألَتِنَا. و الكلامُ في حَجِّ الصَّبِىِّ في فُصُولٍ أربَعَةٍ: في الإحْرامِ عنه، أو منه، وفيما يَفْعَلُه بِنَفْسِه، أو بغيرِه، وفي حُكْمِ جِنَايَاتِه على إحْرَامِه، وفيما يَلْزَمُه من القَضَاءِ والكَفَّارَةِ. الفصل الأوَّلُ في الإحْرَامِ (٤): إنْ كان مُمَيِّزًا أحْرَمَ بإذْنِ وَلِيِّه. وإن أحْرَمَ بدونِ إذْنِه، لم يَصِحَّ (٥)؛ لأنَّ هذا عَقْدٌ يُؤَدِّى إلى لُزُومِ مالٍ، فلم يَنْعَقِدْ من الصَّبِىِّ بِنَفْسِه، كالبَيْعِ. وإن كان غيرَ مُمَيِّزٍ، فأحْرَمَ عنه مَن له وِلَايةٌ على مَالِه، كالأبِ والوَصِىِّ وأمِينِ الحَاكِمِ، صَحَّ. ومَعْنَى إحْرَامِه عنه أنه يَعْقِدُ له الإحْرامَ، فيَصِحُّ لِلصَّبِىِّ دون الوَلِىِّ كما يَعْقِدُ النِّكاحَ له. فعلى هذا يَصِحُّ أن يَعْقِدَ الإحْرامَ عنه، سواءٌ كان مُحْرِمًا أو حَلَالًا ممَّن عليه حَجَّةُ الإسلامِ، أو كان قد حَجَّ عن نَفْسِه. فإن أحْرَمَتْ أُمُّه عنه، صَحَّ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "ولَكِ أجْرٌ". ولا يُضافُ الأجْرُ إليها إلَّا لِكَوْنِه تَبَعًا لها في الإحْرَامِ. قال الإمامُ أحمدُ، في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: يُحْرِمُ عنه أبوه (٦) أو وَلِيُّه. واخْتَارَهُ ابنُ عَقِيلٍ، وقال: المالُ الذى يَلْزَمُ بالإحْرامِ لا يَلْزَمُ الصَّبِىَّ، وإنَّما يَلْزَمُ مَن أدْخَلَهُ في الإحْرامِ. في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وقال القاضي: ظَاهِرُ كلامِ أحمدَ أَنَّه لا يُحْرِمُ عنه إلَّا وَلِيُّهُ؛ لأَنَّه لا وِلَايَةَ لِلأُمِّ على مَالِه، والإحْرَامُ

стр. 2194

يَتَعَلَّقُ به إلْزَامُ مالٍ، فلا يَصِحُّ مِن غيرِ ذي وِلَايَةٍ، كشِرَاءِ شيءٍ له، فأمَّا غيرُ الأُمِّ وَالوَلِىِّ (٧) من الأقارِبِ، كالأخِ والعَمِّ وابْنِه، فَيُخَرَّجُ فيهم وَجْهَان، بِنَاءً على القَوْلِ في الأُمِّ. أمَّا الأجَانِبُ، فلا يَصِحُّ إحْرَامُهُم عنه، وَجْهًا واحِدًا. الفصل الثاني: أنَّ كُلَّ ما أمْكَنَه فِعْلُه بِنَفْسِه، لَزِمَه فِعْلُه، ولا ينوبُ غيرُه عنه فيه، كالوُقُوفِ والمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، ونَحْوِهما، وما عَجَزَ عنه عَمِلَهُ الوَلِىُّ عنه. قال جابِرٌ: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ حُجَّاجًا، ومَعَنَا النِّسَاءُ والصِّبْيَانُ، فأحْرَمْنَا عن الصِّبْيَانِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، في "سُنَنِه". ورَوَاهُ ابنُ مَاجَه، في "سُنَنِه" (٨) فقال: فلَبَّيْنَا عن الصِّبْيَانِ، وَرَمَيْنَا عَنْهُم. ورَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (٩)، قال: فكُنَّا نُلَبِّي عن النِّسَاءِ، وَنرْمِى عن الصِّبْيَانِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: كلُّ مَن حَفِظْتُ عنه من أهْلِ العِلْمِ يَرَى الرَّمْىَ عن الصَّبِىِّ الذى لا يَقْدِرُ على الرَّمْىِ، كان ابنُ عمَرَ يَفْعَلُ ذلك. وبه قال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وعن ابنِ عمرَ: أنَّه كان يَحُجُّ صِبْيَانُه وهم صِغَارٌ، فمَن اسْتَطَاعَ منهم أن يَرْمِىَ رَمَى، ومَن لم يَسْتَطِعْ أن يَرْمِىَ رَمَى عنه. وعن أبي إسحاقَ، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، طَافَ بابْنِ الزُّبَيْرِ في خِرْقَةٍ. رَوَاهما الأثْرَمُ. قال الإمامُ أحمدُ: يَرْمِى عن الصَّبِىِّ أبَوَاهُ أو وَلِيُّه. قال القاضى: إن أمْكَنَه أن يُنَاوِلَ النائِبَ الحَصَى نَاوَلَه، وإن لم يُمْكِنْهُ اسْتُحِبَّ أن يُوضَعَ الحَصَى في يَدِه فَيَرْمِىَ عنه. وإن وضَعَهَا في يَدِ الصَّغِيرِ، ورَمَى بها، فجَعَلَ يَدَهُ كالآلةِ، فحَسَنٌ. ولا يجوزُ أن يَرْمِىَ عنه إلَّا مَن قَدْ رَمَى عن نَفْسِه؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَنُوبَ عن الغَيْرِ وعليه فَرْضُ نَفْسِه. وأما الطَّوَافُ، فإنَّه إن أمْكَنَهُ المَشْىُ مَشَى، وإلَّا طِيف به مَحْمُولًا أو راكِبًا، فإنَّ أبا بكرٍ طاف بابنِ الزُّبَيْرِ في خِرْقَةٍ. ولأنَّ الطَّوَافَ بالكَبِيرِ مَحْمُولًا لِعُذْرٍ يجوزُ، فالصَّغِيرُ أوْلَى. ولا فَرْقَ بين أن يَكُونَ الحامِلُ له حَلَالًا، أو حَرَامًا ممَّن

стр. 2195

أسْقَطَ الفَرْضَ عن نَفْسِه، أو لم يُسْقِطْه، لأنَّ الطَّوَافَ لِلْمَحْمُولِ لا لِلْحَامِلِ، ولذلك صَحَّ أن يَطُوفَ رَاكِبًا على بَعِيرٍ، وتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ في الطَّائِفِ به. فإن لم يَنْوِ الطَّوَافَ عن الصَّبِىِّ لم يُجْزِئْه؛ لأنَّه لمَّا لم تُعْتَبَرِ النِّيَّةَ من الصَّبِيِّ اعْتُبِرَتْ من غَيْرِه، كما في الإحْرَامِ. فإن نَوَى الطَّوَافَ عن نَفْسِه وعن الصَّبِىِّ احْتَمَلَ وُقوعُه عن نَفْسِه، كالحَجِّ إذا نَوَى به عن نَفْسِه وغيرِه، واحْتَمَلَ أن يَقَعَ عن الصَّبِيِّ، كما لو طَافَ بِكَبِيرٍ ونَوَى كُلُّ واحِدٍ منهما عن نَفْسِه، [لأنَّ الحامِلَ] (١٠) أوْلَى، واحْتَمَلَ أن يَلْغُوَ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ، لِكَوْنِ الطَّوَافِ لا يَقَعُ عن غيرِ مُعَيَّنٍ. وأمَّا الإحْرَامُ فإنَّ الصَّبِىَّ يُجَرَّدُ كما يُجَرَّدُ الكَبِيرُ، وقد رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّها كانت تُجَرِّدُ الصِّبْيانَ إذا دَنَوْا من الحَرَمِ. قال عَطَاءٌ: يُفْعَلُ بالصَّغِيرِ كما يُفْعَلُ بالكَبِيرِ (١١)، ويُشْهَدُ به المَنَاسِكُ كُلُّها إلَّا أنَّه لا يُصَلَّى عنه. الفصلُ الثالِثُ، في مَحْظُورَاتِ الإحْرَامِ: وهى قِسْمانِ؛ ما يَخْتَلِفُ عَمْدُهُ وسَهْوُهُ، كاللّبَاسِ والطِّيبِ، وما لا يَخْتَلِفُ، كالصَّيْدِ، وحَلْقِ الشَّعْرِ، وتَقْلِيمِ الأظْفَارِ. فالأوَّلُ، لا فِدْيَةَ على الصَّبِىِّ فيه؛ لأنَّ عَمْدَهُ خَطَأٌ. والثاني، عليه فيه الفِدْيَةُ. وإن وَطِئَ أفْسَدَ حَجَّه، ويَمْضِى في فاسِدِه. وفى القَضَاءِ عليه وَجْهَانِ، أحَدُهما، لا يَجِبُ؛ لِئَلَّا تَجِبَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ على مَن ليس من أهْلِ التَّكْلِيفِ. والثاني، يَجِبُ؛ لأنَّه إفْسَادٌ مُوجِبٌ لِلْفِدْيةِ، فأوْجَبَ القَضاءَ، كَوَطْءِ البَالِغِ، فإن قَضَى بعد البُلُوغِ بَدَأ بحَجَّةِ الإسلامِ. فإن أحْرَمَ بالقَضاءِ قَبْلَها، انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإسلامِ. وهل تُجْزِئُه عن القَضاءِ؟ يُنْظَرُ، فإن كانتِ الفاسِدَةُ قد أدْرَكَ فيها شيئا من الوُقُوفِ بعدَ بُلُوغِه، أجْزَأ عنهما جميعا، وإلَّا لم يُجْزِئْه، كما قُلْنا في العَبْدِ

стр. 2196

على ما مَضَى. ال فَصْلُ الرَّابِعُ، فيما يَلْزَمُه من الفِدْيَةِ: قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ جِنَايَاتِ الصِّبْيانِ لازِمَةٌ لهم في أمْوَالِهِم. وذَكَرَ أصْحَابُنا في الفِدْيَةِ التى تَجِبُ بِفِعْلِ الصَّبِىِّ وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما في مَالِه؛ لأنَّها وَجَبَتْ بِجِنَايَتِه، أشْبَهَتِ الجِنايَةَ على الآدَمِىِّ. والثاني على الوَلِىِّ، وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّه حَصَلَ بعَقْدِه أو إذْنِه، فكان عليه، كنَفَقَةِ حَجِّه. فأمَّا النَّفَقَةُ، فقال القاضي: ما زادَ على نَفَقَة الحَضَرِ، في (١٢) مَالِ الوَلِيِّ؛ لأنَّه كَلَّفَه ذلك، ولا حاجَةَ به إليه. وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ. وحُكِىَ عن القاضي أنه ذَكَرَ في الخِلَافِ أنَّ النَّفَقَة كُلَّها على الصَّبِىِّ؛ لأنَّ الحَجَّ له، فنَفَقَتُه عليه، كالبَالِغِ، ولأنَّ فيه مَصْلَحَةً له لِتَحْصِيلِ (١٣) الثَّوَابِ له، ويَتَمَرَّنُ (١٤) عليه، فصَارَ كأجْرِ المُعَلِّمِ والطَّبِيبِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ فإنَّ الحَجَّ لا يَجِبُ في العُمْرِ إلَّا مَرَّةً. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ، فلا يجوزُ تَكْلِيفُه بَذْلَ مَالِه مِن غيرِ حَاجَةٍ إليه (١٥) لِلتَّمَرُّنِ عليه، واللهُ أعلمُ. فصل: إذا أُغْمِىَ على بالِغٍ، لم يَصِحَّ أن يُحْرِمَ عنه رَفِيقُه. وبه قال الشَّافِعِيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ، ويَصِيرُ مُحْرِمًا بإحْرَامِ رَفِيقِه عنه (١٦) اسْتِحْسَانًا؛ لأنَّ ذلك مَعْلُومٌ من قَصْدِه، ويَلْحَقُه مَشَقَّةٌ في تَرْكِه، فأجْزَأ عنه إحْرَامُ غيرِه. ولَنا، أنَّه بَالِغٌ، فلم يَصِرْ مُحْرِمًا بإحْرَامِ غيرِه، كالنَّائِمِ، ولو أنَّه أذِنَ في ذلك وأجَازَه، لم يَصِحَّ، فمع عَدَمِ هذا أوْلَى أنْ لا يَصِحَّ.

стр. 2197

٥٤٥ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا، كَانَ الطَّوَافُ لَهُ دُونَ حَامِلِه) أمَّا إذا طِيفَ به مَحْمُولًا لِعُذْرٍ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أن يَقْصِدَا جَمِيعًا عن المَحْمُولِ، فيَصِحَّ عنه دُونَ الحامِلِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ، أو يَقْصِدَا جَمِيعًا عن الحامِلِ، فيَقَعَ عنه أيضا، ولا شىْءَ لِلْمَحْمُولِ، أو يَقْصِدَ كُلُّ واحِدٍ منهما الطَّوَافَ عن نَفْسِه، فإنَّه يَقَعُ لِلْمَحْمُولِ دُونَ الحامِلِ. وهذا أحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِيِّ، والقَوْلُ الآخَرُ، يَقَعُ لِلْحَامِلِ؛ لأنَّه الفاعِلُ. وقال أبو حنيفةَ: يَقَعُ لهما؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما طائِفٌ بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، فأجْزَأ الطَّوَافُ عنه، كما لو لم يَنْوِ صَاحِبُه شيئا، ولأنَّه لو حَمَلَهُ بِعَرَفَات، لكان الوُقُوفُ عنهما، كذا هاهُنا. وهذا القَوْلُ حَسَنٌ. وَوَجْهُ الأوَّلِ أنَّه طَوَافٌ أجْزَأهُ عن المَحْمُولِ، فلم يَقَعْ عن الحامِلِ، كما لو نَوَيَا جميعا المَحْمُولَ، ولأنَّه طَوَافٌ واحِدٌ، فلا يَقَعُ عن شَخْصَيْنِ، والرَّاكِبُ لا يَقَعُ طَوَافُه إلَّا عن واحِدٍ. وأمَّا إذا حَمَلَهُ بعَرَفَةَ (١)، فما حَصَلَ الوُقُوفُ بالحَمْلِ، فإنَّ المَقْصُودَ الكَوْنُ في عَرَفَات، وهما كائِنَانِ بها، والمَقْصُودُ هاهُنا الفِعْلُ، وهو واحِدٌ، فلا يَقَعُ عن شَخْصَيْنِ، ووُقُوعُه عن المَحْمُولِ أوْلَى؛ لأنَّه لم يَنْوِ بِطَوَافِه إلّا لِنَفْسِه، والحامِلُ لم يُخْلِصْ قَصْدَهُ بالطَّوافِ لِنَفْسِه، فإنَّه لو لم يَقْصِدِ الطَّوَافَ بالمَحْمُولِ لَما حَمَلَهُ، فإنَّ تمَكُّنَه من الطَّوَافِ لا يَقِفُ على حَمْلِه، فصارَ المَحْمُولُ مَقْصُودًا لهما، ولم يَخْلُصْ قَصْدُ الحامِلِ لِنَفْسِه، فلم يَقَعْ عنه، لِعَدَمِ التَّعْيِينِ. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ، في "شَرْحِه": لا يُجْزِئ الطَّوَافُ عن واحِدٍ منهما؛ لأنَّ فِعْلًا واحِدًا لا يَقَعُ عن اثْنَيْنِ، وليس أحَدُهما أوْلَى به من الآخَرِ. وقد ذَكَرْنَا أنَّ المَحْمُولَ به أوْلَى، لِخُلُوصِ نِيَّتِه لِنَفْسِه، وقَصْدِ الحامِلِ له، ولا يَقَعُ عن الحامِلِ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ. فإن نَوَى أحَدُهما نَفْسَه دُونَ الآخَرِ، صَحَّ الطَّوَافُ له. وإن عُدِمَتِ النِّيَّة منهما، أو نَوَى كُلُّ واحِدٍ منهما الآخَرَ، لم يَصِحَّ لِوَاحِدٍ منهما.

стр. 2198

بابُ ذِكْرِ المَواقِيتِ ٥٤٦ - مسألة؛ قال أبو القاسم، ﵀: (وَميقَاتُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن ذِي الحُلَيْفَةِ، وَأهْلِ الشَّامِ ومِصْرَ والمَغرِبِ مِنَ الجُحْفَةِ، وأهْلِ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ، وأهْلِ الطَّائِفِ ونَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وأهْلِ المَشْرِقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المَوَاقِيت المَنصُوصَ عليها الخَمْسَةُ التى ذَكَرَها الخِرَقِىُّ، ﵀، وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أربَعَةٍ منها، وهى: ذُو الحُلَيْفَة (١)، والجُحْفَة (٢)، وقَرْن (٣)، ويَلَمْلَمُ (٤)، واتَّفَقَ أئِمَّةُ النَّقْلِ على صِحَّةِ الحَدِيثِ عن رسولِ اللَّه ﷺ فيها، فمِن ذلك ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: وَقَّتَ رسولُ اللهِ ﷺ لِأهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، ولِأهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، ولِأهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ، ولِأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، قال: فَهُنَّ لَهُنَّ، ولِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْر أهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ والعُمْرَةَ، فمَنْ كانَ دُونَهُنَّ مُهَلُّهُ مِن أَهْله، وكَذلِكَ أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا. وعن ابنِ عُمَرَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "يُهِلُّ (٥) أهْلُ الْمَدِينَةِ من ذِي الحُلَيْفَةِ، وأهْلُ الشَّامِ مِنَ الجُحْفَةِ، وأهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". قال ابنُ عمرَ: وذُكِرَ لى ولم أسْمَعْه أنَّه قال: "وأهْلُ اليَمَنِ من يَلَمْلَمَ". مُتَّفَقٌ عليهما (٦). فأمَّا ذاتُ

стр. 2199

عِرْقٍ (٧) فمِيقَاتُ أهْلِ المَشْرِقِ، في قولِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ، وهو مذهبُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ إحْرَامَ العِرَاقِىِّ مِن ذاتِ عِرْقٍ إحْرَامٌ من المِيقَاتِ. ورُوِىَ عن أنَسٍ أنَّه كان يُحْرِمُ من العَقِيقِ (٨). واسْتَحْسَنَهُ الشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ. وكان الحسنُ بنُ صَالِحٍ يُحْرِمُ من الرَّبَذَةِ (٩). وَرُوِىَ ذلك عن خُصَيْفٍ (١٠) والقَاسِمِ بن عبدِ الرحمنِ. وقد رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَقَّتَ لأهْلِ المَشْرِقِ العَقِيقَ. قال التِّرْمِذِىُّ (١١): وهو حَدِيثٌ حَسَنٌ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: العَقِيقُ أوْلَى وأحْوَطُ مِن ذاتِ عِرْقٍ، وذاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُهم بإجْمَاعٍ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَن وَقَّتَ ذَاتَ

стр. 2200

عِرْقٍ، فرَوَى أبو دَاوُدَ, والنَّسَائىُّ (١١)، وغيرُهما، بإسْنَادِهم، عن القاسِمِ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وَقَّتَ لأهْل العِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. وعن أبي الزُّبَيْرِ، أنَّه سَمِعَ جابِرًا سُئِلَ عن المُهَلِّ؟ قال: سَمِعْتُه -وأحْسبُه رَفَعَ إلى النَّبِىِّ ﷺ يقول: "مُهَلُّ أهْلِ المَدِينَةِ مِنْ ذِى الحُلَيْفَةِ، والطَّرِيقُ الآخَرُ مِنَ الجُحْفَةِ، ومُهَلُّ أهْلِ العِرَاقِ مِنْ ذاتِ عِرْقٍ، ومُهَلُّ أهْلِ نَجْدٍ من قَرْنٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، في "صَحِيحِه" (١٢). وقال قومٌ آخَرُونَ: إنَّما وَقَّتَها عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، فرَوَى البُخَارِىُّ (١٣)، بإسنَادِهِ عن ابنِ عمرَ، قال: لمَّا فُتِحَ هذان المِصْرَانِ، أتَوْا عمرَ، فقالوا: يا أمِيرَ المُؤْمِنينَ، إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لأهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وهو جَوْرٌ (١٤) عن طَرِيقِنا، وإنَّا إن أرَدْنا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنا. قال: فانْظُرُوا حَذْوَها من طَرِيقِكُمْ. فحَدَّ لهم ذاتَ عِرْقٍ. ويجوزُ أن يكونَ عمرُ ومَن سَأَلَهُ لم يَعْلَمُوا تَوْقِيتَ النَّبِيِّ ﷺ ذاتَ عِرْقٍ، فقال ذلك بِرَأْيِه، فأصَابَ، ووَافَقَ قوْلَ النَّبِىِّ ﷺ فقد كان كَثِيرَ الإصابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنه. وإذا ثَبَتَ تَوْقِيتُها عن النَّبِىِّ ﷺ وعن عمَرَ، فالإحْرَامُ منه أوْلَى، إن شاءَ اللهُ تعالى. فصل: وإذا كان المِيقاتُ قَرْيَةً فانْتَقَلَتْ إلى مكان آخَرَ، فمَوْضِعُ الإحْرامِ من الأولَى، وإن انتقَلَ الاسْمُ إلى الثانيةِ؛ لأنَّ الحُكْمَ تَعَلَّقَ بذلك المَوْضِع، فلا يَزُولُ بِخَرَابِه. وقد رَأى سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ رَجُلًا يُرِيدُ أن يُحْرِمَ مِن ذاتِ عِرْقٍ، فأخَذَ بِيَدِه

стр. 2201

حتى خَرَجَ به من البُيُوتِ، قطَعَ الوَادِىَ، فأتَى به المَقَابِرَ، فقال: هذه ذاتُ عِرْقٍ الأُولَى. ٥٤٧ - مسألة؛ قال: (وَأهْلُ مَكَّةَ إذَا (١) أرَادُوا الْعُمْرَةَ، فَمِنَ الْحِلِّ، وإذَا (٢) أرَادُوا الْحَجَّ، فَمِنْ مَكَّةَ) أهْلُ مَكَّةَ، مَن (٣) كان بها، سَوَاءٌ كان مُقِيمًا بها أو غَيْرَ مُقِيمٍ؛ لأنَّ كُلَّ مَن أتَى على مِيقَاتٍ كان مِيقَاتًا له، فكذلك كُلُّ مَن كان بمَكَّةَ فهى مِيقَاتُه لِلْحَجِّ؛ وإن أرادَ العُمْرَةَ فمِن الحِلِّ. لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. ولذلك أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ عَبدَ الرحمنِ ابنَ أبي بكرٍ أن يُعْمِرَ عائشةَ من التَّنْعِيمِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وكانت بمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ، والأصْلُ في هذا قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "حَتَّى أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّون مِنْهَا" (٥). يَعْنِى لِلْحَجِّ. وقال أيضا: "وَمَنْ كَانَ أهْلُهُ دُونَ المِيقَاتِ فَمِنْ حَيْثُ يُنْشِئُ، حَتَّى يَأْتِىَ ذلِكَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ" (٥). وهذا في الحَجِّ. فأمَّا في العُمْرَةِ فمِيقَاتُها في حَقِّهِم الحِلُّ، مِن أىِّ جَوَانِبِ الحَرَمِ شاءَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ . أمَرَ بإعْمارِ عائشةَ من التَّنْعِيمِ، وهو أدْنَى الحِلِّ إلى مَكَّةَ. وقال ابنُ سِيرِينَ: بَلَغَنِى أنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَقَّتَ لِأهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ (٦). وقال ابنُ عَبَّاسٍ: يا أهْلَ مَكَّةَ، مَنْ أتَى منكم العُمْرَةَ، فلْيَجْعَلْ بَيْنَه وبَيْنَها بَطْنَ مُحَسِّرٍ (٧). يَعْنِى إذا أحْرَمَ بها من ناحِيَةِ المُزْدَلِفَة. وإنَّما لَزِمَ الإحْرَامُ من الحِلِّ، لِيَجْمَعَ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، فإنَّه لو أحْرَمَ من الحَرَمِ، لمَا جَمَعَ بينهما فيه، لأنَّ أفْعالَ العُمْرَةِ كُلَّها في الحَرَمِ، بخِلَافِ الحَجِّ،

стр. 2202

فإنَّه يَفْتَقِرُ إلى الخُرُوجِ إلى عَرَفَةَ، فيَجْتَمِع له الحِلُّ والحَرَمُ، والعُمْرَةُ بخِلَافِ ذلك. ومِن أيِّ الحِلِّ أحْرَمَ جازَ. وإنَّما أعْمَرَ النَّبِىُّ ﷺ عائشةَ من التَّنْعِيمِ؛ لأنَّها أقْرَبُ الحِلِّ إلى مَكَّةَ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، في المَكِّىِّ، كلَّما تَباعَدَ في العُمْرَةِ فهو أعْظَمُ لِلْأَجْرِ، هى على قَدْرِ تَعَبِهَا. وأمَّا إنْ أرَادَ المَكِّىُّ الإحْرَامَ بالحَجِّ، فمِن مَكَّةَ؛ لِلْخَبَرِ الذى ذَكَرْنَا، ولأنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا فَسَخُوا الحَجَّ، أمَرَهم فأحْرَمُوا من مَكَّةَ. قال جابِرٌ: أمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ لمَّا حَلَلْنَا، أنْ نُحْرِمَ إذا تَوَجَّهْنَا من الأبْطَح. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨). وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا فَرْقَ بين قَاطِنِى مَكَّةَ وبين غَيْرِهم ممَّن هو بها، كالمُتَمَتِّعِ إذا حَلَّ، ومن فَسَخَ حَجَّهُ بها. ونُقِلَ عن أحمدَ في مَن اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ من أهْلِ مَكَّةَ، [ثم تَمَتَّعَ] (٩)، أنَّه يُهِلُّ بالحَجِّ من المِيقاتِ، فإنْ لم يَفْعَلْ، فعليه دَمٌ. والصَّحِيحُ خِلافُ هذا؛ لما دَلَّتْ عليه الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ إنَّما أرَادَ أنَّ المُتَمَتِّعَ يَسْقُطُ عنه الدَّمُ إذا خَرَجَ إلى المِيقَاتِ، ولا يَسْقُطُ إذا أحْرَمَ من مَكَّةَ. وهذا في غيرِ المَكِّىِّ، أمَّا المَكِّىُّ فلا يَجِبُ عليه دَمُ مُتْعَةٍ بحالٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١٠). وذَكَرَ القاضى في مَن دَخَلَ مَكَّةَ يَحُجُّ عن غيرِه، ثم أرَادَ أن يَعْتَمِرَ بعدَه لِنَفْسِه، أو دَخَلَ يَحُجُّ لِنَفْسِه، ثم أرَادَ أن يَعْتَمِرَ لغيرِه، أو دَخَلَ بِعُمْرَةٍ لِنَفْسِه، ثم أرَادَ أن يَحُجَّ أو يَعْتَمِرَ لغيرِه، أو دَخَلَ بِعُمْرَةٍ لغيرِه، ثم أرَادَ أن يَحُجَّ أو يَعْتَمِرَ لِنَفْسِه، أنَّه في جَمِيعِ ذلك يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ، فيُحْرِمُ منه، فإن لم يَفْعَلْ، فعليه دَمٌ. قال: وقد قال أحمدُ، في رِوَايةِ

стр. 2203

عبدِ اللهِ: إذا اعْتَمَرَ عن غيرِه، ثم أرَادَ الحَجَّ لِنَفْسِه، يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ، أو اعْتَمَرَ عن نَفْسِه، يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ، [وإن دَخَلَ مَكَّةَ بغيرِ إحْرَامٍ، ثم أرَادَ الحَجَّ, يَخْرُجُ إلى المِيقاتِ] (١١). واحْتَجَّ له القاضى، بأنَّه جاوَزَ المِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ، غيرَ مُحْرِمٍ لِنَفْسِه، فلَزِمَه دَمٌ إذا أحْرَمَ دُونَه، كمَنْ جاوَزَ المِيقَاتَ غيرَ مُحْرِمٍ. وعلى هذا لو حَجَّ عن شَخْصٍ واعْتَمَرَ عن آخَرَ، أو اعْتَمَرَ عن إنْسَانٍ ثم حَجَّ أو اعْتَمَرَ عن آخَرَ، فكذلك. وظاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِىِّ أنَّه لا يَلْزَمُه الخُرُوجُ إلى المِيقَاتِ في هذا كُلِّه؛ لما ذَكَرْنا من أنَّ كُلَّ مَن كان بِمَكَّةَ كالقَاطِنِ بها، وهذا حاصِلٌ بمَكَّةَ حَلالًا (١٢) على وَجْهٍ مُبَاحٍ، فأشْبَهَ المَكِّىَّ. وما ذَكَرَهُ القَاضِى تَحَكُّمٌ لا يَدُلُّ عليه خَبَرٌ، ولا يَشْهَدُ له أثَرٌ، وما ذَكَرَهُ من المَعْنَى فاسِدٌ لِوُجُوهٍ: أحدُها، أنَّه لا يَلْزَمُ أن يكونَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ عن نَفْسِه حالَ مُجَاوَزَة المِيقَاتِ، فإنَّه قد يَبْدُو له بعدَ ذلك. الثاني، أنَّ هذا لا يَتَنَاوَلُ من أحْرَمَ عن غيرِه. الثالث، أنَّه لو وَجَبَ بهذا الخُرُوجُ إلى المِيقَاتِ، لَلَزِم المُتَمَتِّعَ والمُفْرِدَ؛ لأنَّهما تجَاوَزَا المِيقاتَ، مُرِيدِينَ لغيرِ النُّسُكِ الذى أحْرَمَا به. الرابع، أن المَعْنَى في الذى يُجَاوِزُ المِيقَاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، أنَّه فَعَلَ ما لا يَحِلُّ له فِعْلُه، وَترَكَ الإحْرَامَ الوَاجِبَ عليه في مَوْضِعِه، فأحْرَمَ من دُونِه. فصل: ومِن أيِّ الحَرَمِ أحْرَمَ بالحَجِّ جازَ؛ لأنَّ المَقْصُودَ من الإحْرامِ به الجَمْعُ في النُّسُكِ بين الحِلِّ والحَرَمِ، وهذا يَحْصُلُ بالإحْرَامِ مِن أيِّ مَوْضِعٍ كان، فجازَ، كما يجوزُ أن يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ مِن أيِّ مَوْضِعٍ كان مِن الحِلِّ، ولذلك قال النَّبِىُّ ﷺ لأصْحَابِهِ في حَجَّةِ الوَدَاعِ: "إذَا أرَدْتُمْ أنْ تَنْطَلِقُوا إلى مِنًى، فأهِلُّوا مِنَ البَطْحَاءِ: (١٣). ولأنَّ ما اعْتُبِرَ فيه الحَرَمُ اسْتَوَتْ فيه البَلْدَةُ وغَيْرُها، كالنَّحْرِ.

стр. 2204

فصل: فإن أحْرَمَ من الحِلِّ؛ نَظَرْتَ، فإن أحْرَمَ من الحِلِّ الذى يَلِى المَوْقِفَ فعليه دَمٌ؛ لأنَّه أحْرَمَ من دون المِيقاتِ. وإنْ أحْرَمَ من الجانِبِ الآخَرِ، ثم سَلَكَ الحَرَمَ، فلا شىءَ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ، في رَجُلٍ أحْرَمَ لِلْحَجِّ من التَّنْعِيمِ، فقال: ليس عليه شيءٌ. وذلك لأنَّه أحْرَمَ قبلَ مِيقَاتِه، فكان كالمُحْرِمِ قبلَ بَقِيَّةِ المَوَاقِيتِ. ولو أحْرَمَ مِن الحِلِّ، ولم يَسْلُكِ الحَرَمَ، فعليه دَمٌ؛ لأنَّه لم يَجْمَعْ بين الحِلِّ والحَرَمِ. فصل: وإن أحْرَمَ بالعُمْرَةِ من الحَرَمِ، انْعَقَدَ إحْرامُه بها، وعليه دَمٌ؛ لِتَرْكِه الإحْرامَ من المِيقاتِ. ثم إن خَرَجَ إلى الحِلِّ قبلَ الطَّوَافِ، ثم عادَ، أجْزَأهُ؛ لأنَّه قد جَمَعَ بين الحِلِّ والحَرَمِ. وإن لم يَخْرُجْ حتى قَضَى عُمْرَتَه، صَحَّ أيضا؛ لأنَّه قد أتى بأرْكَانِها، وإنما أخَلَّ بالإحْرامِ من مِيقَاتِها، وقد جَبَرَهُ، فأشْبَهَ مَنْ أحرَمَ مِن دونِ المِيقاتِ بالحَجِّ. وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وأحَدُ قوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. والقولُ الثانِى، لا تَصِحُّ عُمْرَتُه؛ لأنَّه نُسُكٌ، فكان مِن شَرْطِه الجَمْعُ بين الحِلِّ والحَرَمِ، كالحَجِّ. فعلى هذا وُجُودُ هذا الطَّوَافِ كعَدَمِه، وهو باقٍ على إحْرَامِه حتى يَخْرُجَ إلى الحِلِّ، ثم يَطُوفُ بعد ذلك ويَسْعَى. وإن حَلَقَ قبلَ ذلك، فعليه دَمٌ. وكذلك كُلُّ ما فَعَلَهُ من مَحْظُورَاتِ إحرَامِه، فعليه فِدْيَتُه. وإن وَطِئَ، أفْسَدَ عُمْرَتَهُ، ويَمْضِى في فاسِدِها، وعليه دَمٌ لإفْسَادِها، ويَقْضِيها بعُمْرَةٍ من الحِلِّ. ثم إنْ كانت العُمْرَةُ التى أفْسَدَها عُمْرَةَ الإسلامِ، أجْزَأهُ قَضَاؤُها عن عُمْرَةِ الإسلامِ، وإلَّا فلا. ٥٤٨ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُه دُونَ الْمِيقَاتِ, فَمِيقَاتُه مِنْ مَوْضِعِهِ) يَعْنِى إذا كان مَسْكَنُه أقْرَبَ إلى مَكَّةَ من المِيقاتِ، كان مِيقاتُه مَسْكَنَه. هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وبه يقولُ مالِكٌ، وطاوُسٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن مُجاهِدٍ، قال: يُهِلُّ من مَكَّةَ. ولا يَصِحُّ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال في

стр. 2205

حديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، مُهَلُّهُ مِنْ أهْلِهِ" (١). وهذا صَرِيحٌ، والعَمَلُ به أوْلَى. فصل: إذا كان مَسْكَنُه قَرْيَةً، فالأفْضَلُ أن يُحْرِمَ من أبْعَدِ (٢) جَانِبَيْها. وإن أحْرَمَ من أقرَبِ جَانِبَيْها جازَ. وهكذا القولُ في المَوَاقِيتِ التى وَقَّتَها رسولُ اللهِ ﷺ إذا كانت قرْيَةً، والحِلَّةُ كَالقَرْيَةِ، فيما ذَكَرْنَا. وإن كان مَسْكَنُه مُنْفَرِدًا، فمِيقاتُه مَسْكَنُه، أو حَذْوُه، وكلُّ مِيقَاتٍ فحَذْوُه بمنْزِلَتِه. ثم إن كان مَسْكَنُه في الحِلِّ، فإحْرَامُه منه لِلْحَجِّ والعُمْرَةِ مَعًا، وإن كان في الحَرَمِ، فإحْرَامُه لِلْعُمْرَةِ من الحِلِّ, لِيَجْمَعَ في النُّسُكِ بين الحلِّ والحَرَمِ، كالمَكِّىِّ، وأما الحَجُّ فيَنْبَغِى أن يجوزَ له الإحْرامُ (٣) مِن أىِّ الحَرَمِ شاءَ، كالمَكِّىِّ. ٥٤٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُه عَلَى مِيقَاتٍ، فإذَا حَاذَى أقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إلَيْهِ أحْرَمَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ من سَلَكَ طَرِيقًا بين مِيقَاتَيْنِ، فإنَّه يَجْتَهِدُ حتى يكونَ إحْرَامُه بِحَذْوِ المِيقاتِ، الذي هو إلى طَرِيقِه أقْرَبُ؛ لما رَوَيْنَا أنَّ أهْلَ العِرَاقِ قالوا لِعمرَ: إنَّ قَرْنًا جَوْرٌ عن طَرِيقِنا. فقال: انْظُرُوا حَذْوَهَا مِن طَرِيقِكُمْ فَوَقَّتَ لهم ذَاتَ عِرْقٍ (١). ولأنَّ هذا ممَّا يُعْرَفُ بالاجْتِهَادِ والتَّقْدِيرِ، فإذا اشْتَبَه دَخَلَهُ الاجْتِهَادُ، كالقِبْلَةِ. فصل: فإن لم يَعْرِفْ حَذْوَ المِيقَاتِ المُقَارِبِ لِطَرِيقِه، احْتَاطَ، فأحْرَمَ مِن بعدُ، بحيثُ يَتَيَقَّن (٢) أنَّه لم يُجَاوِز المِيقاتَ إلَّا مُحْرِمًا؛ لأنَّ الإحْرامَ قبل المِيقاتِ

стр. 2206

جائِزٌ، وتَأْخِيرَهُ عنه لا يجوزُ، فالاحْتِيَاطُ فِعْلُ ما لا شَكَّ فيه. ولا يَلْزَمُه الإِحْرامُ حتى يَعْلَمَ أنَّه قد حاذَاهُ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ. فإن أحْرَمَ، ثم عَلِمَ بعدُ أنَّه قد جاوَزَ ما يُحَاذِيه من المَواقِيتِ غيرَ مُحْرِمٍ، فعليه دَمٌ. وإن شَكَّ فى أقْرَبِ المِيقَاتَيْنِ إليه، فالحُكْمُ في ذلك على ما ذَكَرْنا في المَسْأَلَةِ قبلَها. وإن كانتا مُتَسَاوِيَتَيْنِ في القُرْبِ إليه، أحْرَمَ من حَذْوِ أَبْعَدِهما. ٥٥٠ - مسألة؛ قال: (وَهذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا، ولِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِها، مِمَّنْ أرَادَ حَجًّا أوْ عُمْرَةً) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن سَلَكَ طَرِيقًا فيها مِيقَاتٌ فهو مِيقَاتُه، فإذا حَجَّ الشَّامِيُّ من المَدِينَةِ فمَرَّ بذِى الحُلَيْفَة فهى مِيقَاتُه، وإن حَجَّ من اليَمَنِ فمِيقَاتُه يَلَمْلَمُ، وإن حَجَّ من العِرَاقِ فمِيقَاتُه ذَاتُ عِرْقٍ. وهكذا كُلُّ من مَرَّ على مِيقَاتٍ غيرِ مِيقَاتِ بَلَدِه صارَ مِيقَاتًا له. سُئِلَ أحمدُ عن الشَّامِىِّ يَمُرُّ بالمَدِينَةِ يُرِيدُ الحَجَّ، مِن أَيْنَ يُهِلُّ؟ قال: من ذِى الحُلَيْفَة. قيل: فإنَّ بَعْضَ الناسِ يَقُولُ يُهِلُّ من مِيقَاتِه من الجُحْفَةِ. فقال: سُبْحَانَ اللهِ، أليس يَرْوِى ابنُ عَبّاسٍ عن النَّبِيِّ ﷺ : "هُنَّ لَهُنَّ، ولِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ" (١). وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ. وقال أبو ثَوْرٍ في الشَّامِيِّ يَمُرُّ بالمَدِينَةِ: له أن يُحْرِمَ من الجُحْفَةِ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ. وكانت عائشةُ، ﵂، إذا أرَادَتِ الحَجَّ أحْرَمَتْ من ذِى الحُلَيْفَة، وإذا أرادَتِ العُمْرَةَ أحْرَمَتْ من الجُحْفَةِ. ولَعَلَّهم يَحْتَجُّونَ بأنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "فَهُنَّ لَهُنَّ، ولِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ". ولأنَّه مِيقَاتٌ، فلم يَجُزْ تَجاوُزُه بغيرِ إحْرامٍ لمن يُرِيدُ النُّسُكَ، كسَائِرِ المَوَاقِيتِ. وخَبَرُهم أُرِيدَ به مَنْ لم يَمُرَّ على مِيقاتٍ آخَرَ،

стр. 2207

بِدَلِيلِ ما لو مَرَّ بِمِيقَاتٍ غيرِ ذِى الحُلَيْفَة، لم يَجُزْ له تَجاوُزُه بغيرِ إحْرَامٍ، بغيرِ خِلافٍ. وقد رَوَى سَعِيدٌ، عن سفيانَ، عن هشامِ بن عُرْوَةَ، عن أبِيه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وَقَّتَ لمَن سَاحَلَ من أهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ. ولا فَرْقَ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ في هذا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَهُنَّ لَهُنَّ، ولِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ حَجًّا أو عُمْرَةً". فصل: فإن مَرَّ مِن غيرِ طَرِيقِ ذِى الحُلَيْفَة، فمِيقَاتُه الجُحْفَةُ، سواء كان شَامِيًّا أو مَدَنِيًّا؛ لما رَوَى أبو الزُّبَيْرِ، أنَّه سَمِعَ جابِرًا يُسْأَلُ عن الْمُهَلِّ، فقال: سَمِعْتُه -أَحْسَبُهُ رَفَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ - يقولُ: "مُهَلُّ أَهْلِ المَدِينَةِ مِنْ ذِى الحُلَيْفَةِ، والطَّرِيقُ الآخَرُ من الجُحْفَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). ولأنَّه مَرَّ على أحَدِ المَواقِيتِ دونَ غيرِه، فلم يَلْزَمْهُ الإِحْرامُ قبلَه، كسَائِرِ المَواقِيتِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ أبا قتَادَةَ حين أحْرَمَ أصْحَابُه دُونَه في قِصَّةِ صَيْدِه لِلْحِمَارِ الوَحْشِيِّ (٣)، إنَّما تَرَكَ الإِحْرَامَ لِكَوْنِه لم يَمُرَّ على ذِى الحُلَيْفَةِ، فأخَّرَ إحْرَامَه إلى الجُحْفَةِ. إذْ لو مَرَّ عليها لم يَجُزْ له تَجاوُزُها مِن غيرِ إحْرَامٍ. ويُمْكِنُ حَمْلُ حديثِ عائشةَ في تَأْخِيرِها إحْرَامَ العُمْرَةِ إلى الجُحْفَةِ على هذا، وأنَّها لا تَمُرُّ في طَرِيقِها على ذِى الحُلَيْفَةِ؛ لِئَلَّا يكونَ فِعْلُها مُخَالِفًا لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولِسَائِرِ أهْلِ العِلْمِ. ٥٥١ - مسألة؛ قال: (وَالاخْتِيَارُ أنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ، فَإنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ) لا خِلافَ في أنَّ مَن أَحْرَمَ قبلَ المِيقَاتِ يَصِيرُ مُحْرِمًا، تَثْبُتُ في حَقِّهِ أحْكامُ الإِحْرامِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَنْ أحْرَمَ قبلَ المِيقاتِ أنَّه مُحْرِمٌ. ولكنَّ الأفْضَلَ الإِحْرَامُ من المِيقاتِ، ويُكْرَهُ قَبْلَه. رُوِىَ نحوُ ذلك عن

стр. 2208

عمرَ، وعُثْمانَ. رَضِىَ اللَّه عنهما. وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، ومالِكٌ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: الأفْضَل الإِحْرامُ مِن بَلَدِه. وعن الشَّافِعِيِّ كالمَذْهَبَيْنِ. وكان عَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ، وعبدُ الرحمنِ، وأبو إسحاقَ، يُحْرِمُونَ من بُيُوتِهم. واحْتَجُّوا بما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّها سَمِعَتْ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "مَنْ أَهَلَّ بحَجَّةٍ أو عُمْرَةٍ مِنَ المَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه ومَا تَأَخَّرَ، أو وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ". شَكَّ عبدُ اللهِ أيَّتَهما (١) قال. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢). وفى لَفْظٍ رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٣): "مَنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ، غُفِرَ لَهُ". وأَحْرَمَ ابنُ عمَرَ مِن إِيلِيَاء (٤). ورَوَى النَّسَائِىُّ، وأبو دَاوُدَ (٥)، بإسْنَادِهِما عن الضَّبِّيِّ بن مَعْبَدٍ، قال: أَهْلَلْتُ بالحَجِّ والعُمْرَةِ، فلمَّا أتَيْتُ العُذَيْبَ لَقِيَنِي سَلْمانُ بن رَبِيعَةَ، وزيدُ بن صُوحَانَ، وأنا أُهِلُّ بهما، فقال أحَدُهما: ما هذا بأَفْقَهَ من بَعِيرِه. فأتَيْتُ عمَرَ، فذَكَرْتُ له ذلك. فقال: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ . وهذا إحْرَامٌ به قبلَ المِيقَاتِ. وَرُوِىَ عن عمرَ وعليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهما، في قَوْلِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٦). إتْمَامُهُما أن تُحْرِمَ بهما من دُوَيْرَةِ أهْلِكَ (٧). ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَه أحْرَمُوا من المِيقاتِ، ولا

стр. 2209

يَفْعَلُونَ إلَّا الأفْضَلَ. فإن قيلَ: إنَّما فُعِلَ هذا لِتَبْيِينِ الجَوَازِ، قُلْنا: قد حَصَلَ بَيَانُ الجَوَازِ بِقَوْلِه، كما في سَائِرِ المَوَاقِيتِ. ثم لو كان كذلك لَكان أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ وخُلَفَاؤُه يُحْرِمُونَ من بُيُوتِهم، ولَما تَوَاطَأُوا على تَرْكِ الأفْضَل، واخْتِيَارِ الأدْنَى، وهم أهْلُ التَّقْوَى والفَضْلِ، وأفْضَلُ الخَلْقِ، ولهم من الحِرْصِ على الفَضَائِلِ والدَّرَجاتِ ما لهم. وقد رَوَى أبو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ، في "مُسْنَدِه"، عن أبي أيُّوبَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يَسْتَمْتِعُ أحَدُكُم بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنَّهُ لَا يَدْرِى مَا يَعْرِضُ لَهُ في إحْرَامِهِ" (٨). ورَوَى الحسنُ، أنَّ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ أحْرَمَ من مِصْرِه، فبَلَغ ذلك عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، فغَضِبَ، وقال: يَتَسَامَعُ الناسُ أنَّ رَجُلًا من أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أحْرَمَ من مِصْرِهِ. وقال: إن عبدَ اللهِ بنَ عَامِرٍ أحْرَمَ من خُرَاسَانَ، فلما قَدِمَ على عثمانَ لَامَهُ فيما صَنَعَ، وكَرِهَهُ له. رَوَاهُما سَعِيدٌ، والأثْرَمُ (٩)، وقال البُخَارِىُّ: كَرِهَ عثمانُ أنْ يُحْرِمَ من خُرَاسَانَ أوَ كِرْمَانَ. ولأنَّه أحْرَمَ قبلَ المِيقَاتِ، فكُرِهَ، كالإِحْرَامِ بالحَجِّ قبلَ أشْهُرِه. ولأنَّه تَغْرِيرٌ بالإِحْرَامِ، وتَعَرُّضٌ لِفِعْلِ مَحْظُورَاتِه، وفيه مَشَقَّةٌ على النَّفْسِ، فكُرِهَ، كالوِصَالِ في الصَّوْمِ. قال عَطاءٌ: انْظُرُوا هذه المَوَاقِيتَ التي وُقِّتَتْ لكم، فخُذُوا بِرُخْصَةِ اللهِ فيها، فإنَّه عَسَى أن يُصِيبَ أحَدُكم ذَنْبًا في إحْرَامِه، فيكونَ أعْظَمَ لِوزْرِه، فإنَّ الذَّنْبَ في الإِحْرَامِ أَعْظَمُ مِن ذلك. فأمَّا حَدِيثُ الإِحْرامِ من بَيْتِ المَقْدِسِ، ففيه

стр. 2210

ضَعْفٌ، يَرْوِيه ابنُ أبي فُدَيْكٍ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ؛ وفيهما مَقَالٌ. ويَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَ هذا بِبَيْتِ المَقْدِسِ دونَ غيرِه، لِيَجْمَعَ بين الصلاةِ في المَسْجِدَيْنِ في إحْرَامٍ واحِدٍ، ولذلك أحْرَمَ ابنُ عمرَ منه، ولم يكن يُحْرِم من غيرِه إلَّا من المِيقَاتِ. وقولُ عمرَ لِلضَّبِّيِّ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ. يعني في القِرَانِ، والجَمْعِ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ، لَا في الإِحْرَامِ من قَبْلِ المِيقَاتِ، فإنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ الإِحْرَامُ من المِيقَاتِ، بَيَّنَ ذلك بِفِعْلِه وقَوْلِه، وقد بَيَّنَ أنَّه لم يُرِدْ ذلك إنْكَارُه على عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ إحْرَامَهُ من مِصْرِهِ. وأمَّا قولُ عمَرَ وعليٍّ، فإنَّما (١٠) قالا: إتْمَامُ العُمْرَةِ أنْ تُنْشِئَها من بَلَدِكَ. ومعناه أن تُنْشِئَ لها سَفَرًا مِن بَلَدِكَ، تَقْصِدُ له، ليس أن تُحْرِمَ بها من أهْلِكَ. قال أحمدُ: كان سفيانُ يُفَسِّرُه بهذا. وكَذَلِكَ فَسَّرَهُ به أحمدُ. ولا يَصِحُّ أن يُفَسَّرَ بِنَفْسِ الإِحْرامِ؛ لأنَّ (١١) النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَه ما أحْرَمُوا بها مِن بُيُوتِهم، وقد أمَرَهم اللهُ بإتْمَامِ العُمْرَةِ، فلو حُمِلَ قَوْلُهم على ذلك لَكان النَّبِيُّ ﷺ وأصْحَابُه تَارِكِينَ لِأمْرِ اللهِ. ثم إنَّ عمرَ وعليًّا ما كانا يُحْرِمَانِ إلَّا من المِيقاتِ, أفَتَرَاهما يَرَيَانِ أنَّ ذلك ليس بإتْمامٍ لهما (١٢) ويَفْعَلَانِه! هذا لا يَنْبَغِى أن يَتَوَهَّمَهُ أحَدٌ. ولذلك أنْكَرَ عمرُ على عِمْرَانَ إحْرَامَه من مِصْرِه، واشْتَدَّ عليه، وكَرِهَ أن يَتَسَامَعَ النّاسُ، مخَافَةَ أن يُؤْخَذَ به. أفَتَرَاهُ كَرِهَ إتْمَامَ العُمْرَةِ واشْتَدَّ عليه أن يَأْخُذَ الناسُ بالأفْضَلِ! هذا لا يجوزُ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهما في ذلك على ما حَمَلَهُ عليه الأئِمَّةُ، واللهُ أعلمُ. ٥٥٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أرَادَ الْإِحْرَامَ، فَجاوَزَ المِيقَاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنَ المِيقَاتِ، فإنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِه فعَلَيْه دَمٌ، وإنْ رَجَعَ مُحْرِمًا إلَى المِيقَاتِ)
следующие страницы →