← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عَنْهُ فِيهِ اخْتِلافًا، وهو مَذْهَبُ الشافِعِىِّ، وأبِى ثَوْرٍ، وأبِى عُبَيْدٍ. وحَكَى أبُو الخَطَّاب رِوَايةً أخْرَى عن أَحْمد أنَّه غَيْرُ واجِبٍ. وهذا مَذْهَبُ مالِكٍ، والثَّوْرِى، وأَصْحابِ الرأى، ورُوِىَ أيضًا عن سَعِيد بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاء، والحَسَن. ورُوِىَ عن عَلِىٍّ ومَكْحُول، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والأَوْزَاعِىِّ، فِيمَنْ نَسِىَ مَسْحَ رَأْسِهِ، فرَأَى في لِحْيَتِه بَلَلًا: يَمْسَحُ رَأْسَه بهِ، ولَمْ يَأْمُرُوهُ بإِعادَةِ غَسْلِ رِجْلَيْه. واخْتَارَه ابنُ المُنْذِر؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى أمَرَ بغَسْلِ الأَعْضاءِ، وعَطَفَ بَعْضَها عَلَى بَعْضِ بِوَاوِ الجَمْع، وهى لا تَقْتَضِى التَّرْتِيبَ، فكَيْفَما غَسَلَ كان مُمْتَثِلًا، ورُوِىَ عن عَلِىٍّ وابنِ مَسْعُودٍ: ما أُبَالِى بأَىِّ أعْضَائِى بَدَأْتُ. وقال ابنُ مَسْعُود: لا بَأْسَ أنْ تَبْدَأَ بِرِجْلَيْكَ قَبْلَ يَدَيْكَ في الوُضُوءِ. ولَنَا أنَّ في الآيةِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَى أنه أُرِيدَ بها التَّرْتِيب؛ فإنَّه أَدْخَلَ مَمْسُوحًا بَيْنَ مَغْسُولَيْنِ، والعَرَبُ لا تَقْطَعُ النَّظِيرَ عَنْ نَظِيرِهِ إلَّا لِفَائِدَةٍ، والفائِدَةُ ههُنَا التَّرْتِيبُ. فإنْ قِيلَ: فائِدَتُه اسْتِحْبابُ التَّرْتِيبِ. قُلْنَا: الآيةُ ما سِيقَتْ إلَّا لِبَيانِ الوَاجِب؛ ولهذا لَمْ يَذْكُرْ فيها شيئًا من السُّنَن، ولأَنَّه مَتَى اقْتَضَى اللَّفْظُ التَّرْتِيبَ كان مَأَمُورًا به، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوب، ولأن كُلّ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَكَاهُ مُرَتَّبًا، وهو مُفَسِّرٌ لِمَا في كِتَابِ اللهِ تَعالَى، وتَوَضَّأ مُرَتِّبًا، وقال: "هذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إلَّا به" (١). أي بِمِثْلِه، وما رُوِىَ عن عَلِىٍّ وابنِ مَسْعُودٍ قال أحمد: إنّما عَنَيَا بِهِ اليُسْرَى قَبْلَ اليُمْنَى، لأنَّ مَخْرَجَهُما من الكتابِ واحِدٌ. ثم قال أحْمَد: حَدَّثنَا جَرِير، عن قَابوُس، عن أبِيهِ، أنَّ عَلِيًّا سُئِلَ، فَقِيلَ له: أحَدُنَا يَسْتَعْجِلُ، فيَغْسِلُ شيئًا قَبْلَ شَىءٍ؟ قال: لا. حَتَّى يَكُونَ كما أمَرَ اللهُ تَعالَى، والرِّوايةُ الأُخْرَى عن ابنِ مَسْعُودٍ، ولا يُعْرَفُ لها أصْلٌ. فصل: ولا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ اليُمْنَى واليُسْرَى، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، لأنَّ مَخْرَجَهُما في الكِتابِ واحدٌ. قال اللهُ تَعالَى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ و ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾.

стр. 247

والفُقَهاءُ يَعُدّونَ اليَدَيْنِ عُضْوًا، والرِّجْلَيْنِ عُضْوًا، ولا يَجِبُ التَّرْتِيبُ في العُضْوِ الوَاحِدِ، وقد دَلَّ عَلَى ذلك قَوْلُ عَلِىٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ. فصل: وإذا نَكَسَ وُضُوءَهُ، فبَدَأَ بشَىءٍ مِنْ أَعْضائِه قَبْلَ وَجْهِهِ، لم يُحْتَسَبْ بما غَسَلَهُ قَبْلَ وَجْهِه، فإذا غَسَلَ وَجْهَهُ مع بَقَاءِ نِيَّتِه أو بَعْدَها بِزَمَنٍ يَسِيرٍ احْتُسِبَ له به، ثم يُرَتِّبُ الأَعْضاءَ الثَّلاثةَ. وإن غَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَه ثم غَسَلَ يَدَيْه ورِجْلَيْه، أعَادَ مَسْحَ رَأْسِه وغَسْلَ رِجْلَيْه. وإن غَسَلَ وَجْهَه ويَدَيْه ثم غَسَلَ رِجْلَيْه ثم مَسَحَ رَأْسَه، صَحَّ وُضُوؤُهُ إلّا غَسْلَ رِجْلَيْه. وإن نَكَسَ وُضُوءَهُ جَمِيعَه، لَمْ يَصِحّ له (٢) إلّا غَسْلُ وَجْهِه. وإن تَوَضَّأَ مُنَكِّسا أرْبَعَ مَرَّاتٍ، صَحَّ وُضُوؤُهُ، يَحْصُلُ لَهُ مِنْ كُلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ إذا كان مُتَقَارِبا. ومَذْهَبُ الشافِعِىِّ مِثْلُ ما ذَكَرْنا. ولو غَسَلَ أعْضاءَهُ دَفْعَةً واحدةً لم يَصِحّ له إلا غَسْلُ وَجْهِهِ، لأنه لم يُرَتِّبْ. وإن انْغَمَسَ في ماءٍ جَارٍ فلم يَمُرَّ عَلَى أعْضائِه إلا جِرْيَةٌ واحدةٌ فكذلك. وإن مَرَّ عليه أرْبَعُ جِرياتٍ، وقلنا: الغَسْلُ يُجْزِىءُ عنِ المَسْحِ. أجْزَأَه، كما لو تَوَضَّأَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وإن كان الماءُ راكِدًا، فقال بَعْضُ أصْحَابِنَا: إذا أخْرَجَ وَجْهَه ثم يَدَيْه ثم مَسَحَ رَأْسَه ثم خَرَجَ من الماءِ، أجْزَأَهُ؛ لأنَّ الحَدَثَ إنَّما يَرْتَفِعُ بانْفِصَالِ الماءِ عنِ العُضْوِ، ونَصَّ أحمدُ في رَجُلٍ أرادَ الوُضُوءَ فانْغَمَسَ في الماءِ، ثم خَرَجَ من الماءِ، فعَلَيْه مَسْحُ رَأْسِه وغَسْلُ رِجْلَيْهِ. وهذا يَدُلُّ علَى أنَّ الماءَ إذا كان جَارِيًا فمَرَّتْ عليه جِرْيةٌ واحِدةٌ، أنه يُجْزِئه مَسْحُ رَأْسِه [ثم يغسلُ] (٣) رِجْلَيْه. وإن اجْتَمَعَ الحَدَثان، سَقَطَ التَّرْتِيبُ والمُوالاةُ. على ما سَنَذْكُرهُ، إن شاءَ اللَّه تَعالَى. فصل: ولم يَذْكُر الخِرَقِىُّ المُوَالاةَ، وهى واجِبَةٌ عند أحمد، نَصَّ عَلَيْها في مَواضِعَ. وهذا قَوْلُ الأَوْزَاعِىِّ، وأحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. قال القاضِى: ونَقَلَ حَنْبَلُ، عن أحمدَ، أنها غَيْرُ واجِبَةٍ. وهذا قولُ أبى حَنِيفَةَ؛ لظاهِرِ الآية، ولأنَّ المَأْمُورَ به

стр. 248

غَسْلُ الأعْضاءِ، فكَيْفَمَا غَسَلَ جَازَ، ولأنها إحْدَى الطَّهَارَتَيْن، فلم تَجِب المُوالاةُ فيها كالغُسْلِ. وقال مالِك: إن تَعَمَّدَ التَّفْرِيقَ بَطَلَ، وإلَّا فَلَا. ولنا ما ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايةِ عُمَر، أن النبيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّى وفى ظَهْرِ قَدَمِه لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لم يُصِبْها الماءُ، فأمَرَه النبيُّ ﷺ أنْ يُعِيدَ الوُضُوءَ والصَّلاةَ (٤). ولَوْ لَمْ تَجِب المُوالاة لأَجْزَأهُ غَسْلُ اللُّمْعَةِ، ولأنها عِبَادَةٌ يُفْسِدها الحَدَثُ، فاشْتُرِطَت لها (٥) المُوالاةُ كالصَّلاةِ، والآيةُ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ الغَسْلِ، والنبىُّ ﷺ بَيَّنَ كَيْفِيَّتَه، وفَسَّرَ مُجْمَلَه بِفِعْلِهِ وأَمْرِهِ، فإنَّه لَمْ يَتَوَضَّأْ إلَّا مُتَوالِيًا، وأمَرَ تارِكَ المُوالَاةِ بإعادَةِ الوُضُوءِ، وغُسْلُ الجَنابَةِ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ عُضْوٍ واحِدٍ، بخلافِ الوُضوءِ. فصل: والمُوَالَاةُ الوَاجِبةُ أن لا يَتْرُكَ غَسْلَ عُضْوٍ حتى يَمْضِىَ زَمَنٌ يَجِفُ فيه العُضْوُ الذي قَبْله في الزَّمَانِ المُعْتَدِل؛ لأنه قد يُسْرِعُ جَفافُ العُضْوِ في بعضِ الزَّمانِ دونَ بَعْضٍ، ولا (٦) يُعْتَبَرُ ذلك فيما بين طَرَفَىِ الطَّهارَةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه (٧) روَايةٌ أُخْرَى، إنَّ حَدَّ التَّفْرِيقِ المُبْطِلَ ما يَفْحُشُ في العادَةِ؛ لأنَّه لم يُحَدّ في الشَّرْعِ، فَيُرْجَعُ فيه إلى العادَةِ، كالإِحْرازِ والتَّفَرُّقِ في البَيْعِ. فصل: وإن نَشِفَتْ أَعْضاؤُهُ لاشْتِغَالِهِ بوَاجِبٍ في الطَّهارَةِ أو مَسْنُونٍ، لم يُعَدّ تَفْرِيقًا، كما لو طَوَّلَ أرْكانَ الصَّلاةِ. قال أحمد: إذا كان في عِلَاجِ الوُضُوءِ فلا بَأْسَ، وإن كانَ لِوَسْوَسَةٍ تَلْحَقُه فكذلك؛ لأنه في عِلَاجِ الوُضُوءِ، وإن كان ذلك لِعَبَثٍ أو شيءٍ زائدٍ علَى المَسْنُونِ وأشْباهِه، عُدَّ تَفْرِيقًا. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ الوَسْوَسَةُ كذلك؛ لأنه مُشْتَغِلٌ بما ليس بمَفْرُوْضٍ ولا مَسْنُونٍ. ٣١ - مسألة؛ قال: (والوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً يُجْزِىءُ، والثَّلاثُ أَفْضَلُ) هذا قَوْلُ أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا أنَّ مالِكًا لم يُوَقِّتْ مَرَّةً ولا ثَلَاثًا، قال: إنَّما قالَ

стр. 249

اللهُ تَعالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. وقال الأَوْزَاعِىُّ، وسعِيدُ بنُ عبد العزيز (١): الوُضوءُ ثَلاثًا ثَلاثًا إلَّا غَسْلَ الرِّجْلَيْن، فإنَّه يُنَقِّيهما. وقد رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاس قال: تَوَضَّأَ النبيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً. رَوَاه البُخَارِىُّ (٢)، ورَوَى أبُو هُرَيْرَة، أنَّ النبيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (٣). وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وعن عَلِىٍّ، أنَّ النبيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا (٤). قال التِّرْمِذِىُّ: حَدِيثُ عليٍّ أحْسَنُ شيءٍ في هذا البابِ وأصَحُّ. وقال سَعِيد: حَدَّثَنا سَلَّام الطَّوِيلُ، عن زَيْدٍ العَمِّىِّ، عن مُعَاوِية بن قُرَّةَ، عن ابنِ عُمَر، أن رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ، فتَوَضَّأ مَرَّةً مَرَّةً، ثم قال: "هذا وَظِيفَةُ الوُضُوءِ، وُضُوءُ مَنْ لا يَقْبَلُ اللهُ له صَلاةً إلَّا بِهِ"، ثم تَحَدَّثَ ساعَةً، ثُمَّ دَعَا بماءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنٍ، فقال: "هَذَا وُضُوءٌ مَنْ تَوَضَّأَهُ ضَاعَفَ اللهُ له الأجْرَ مَرَّتَيْنِ"، ثم تَحَدَّثَ ساعةً، ثم دَعَا بَماءٍ، فتَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا، فقال: "هَذَا وُضُوئِى وَوُضُوءُ النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِى" (٥). ورَوَى ابنُ مَاجَه بإسْنَادِهِ عن أُبَىّ بنِ كَعْبٍ عن النبيِّ ﷺ نَحْوَ هذا، ورَوَى مُسْلِم في صَحِيحِهِ (٦)، أنَّ عُثْمانَ دَعَا

стр. 250

بوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ وغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثم مَضْمَضَ (٧) واسْتَنْثَرَ، ثم غَسَلَ وَجْهَه ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثم غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى إلى المَرْفِقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثم غَسَلَ يَدَهُ اليُسْرَى مثلَ ذلك، ثم مَسَحَ برَأْسِه، ثم غَسَلَ رِجْلَه اليُمْنَى إلى الكَعْبَيْنِ ثَلاثَ مرَّاتٍ، ثم غَسَلَ اليُسْرَى مثلَ ذلك، ثم قال: رأيتُ رَسُول اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هذا، ثم قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا، ثم قَامَ فرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِما نَفْسَه، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه". قال ابنُ شِهَابٍ: وكان (٨) عُلَماؤُنا يَقُولُون: هذا الوُضُوءُ أسْبَغُ ما يَتَوَضَّأُ به أَحدٌ للصَّلاةِ. فصل: وإن غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِه مَرَّةً وبَعْضَها أَكْثَر، جَازَ؛ لأنَّه إذا جَازَ ذلك في الكُلِّ جَازَ في البَعْضِ، وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فغَسَلَ وَجْهَه ثَلاثًا، وغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ، ومَسَحَ برَأْسِه مَرَّةً. مُتَّفَقٌ عليه (٩). فصل: قال أحْمدُ، ﵀: لا يَزِيدُ علَى الثَّلاثِ إلَّا رَجُلٌ مُبْتَلًى. وقال ابنُ المُبَارَك: لا آمَنُ مَن ازْدادَ علَى الثَّلاثِ أن يَأْثَمَ. وقال إبْرَاهِيم النَّخَعِىُّ: تَشْدِيدُ الوُضُوءِ مِنَ الشَّيْطانِ، لو كانَ هذا فَضْلًا لَأُوثِرَ به أصحابُ محمد ﷺ . ورَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، قال: جاءَ أَعْرَابِىٌّ إلى النبيِّ ﷺ فسَأَلَه عن الوُضُوءِ، فأرَاهُ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثم قال: "هذا (١٠) الوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ علَى هذا (١١) فَقَدْ أسَاءَ (١٢) وظَلَمَ". رَوَاه أبو داود، والنَّسائىُّ، وابنُ مَاجَه (١٣).

стр. 251

فصل: وإذا فَرَغَ من وُضُوئِه اسْتُحِبَّ أن يَرْفَعَ نَظَرَهُ إلى السَّماءِ، ثم يَقُولُ. ما رَوَاهُ مُسْلِم في صَحِيحِه (١٤)، عن عُمَر بن الخَطَّاب، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "مَا مِنْكُم مِنْ أحَدٍ يَتَوَضَّأ فيُبْلِغُ - أو فَيُسْبِغُ - الوُضُوءَ، ثم يقولُ: أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمدا عَبْدُه ورَسُولُه، إلَّا فُتِحَت له أَبْوابُ الجَنَّةِ الثَّمانِيةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيِّها شَاءَ". ورواه أبو بكر الخَلَّال بإسْنادِه، وفيه: "مَنْ تَوَضَّأَ فأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثم رَفَعَ نَظَرَه إلى السَّماءِ" وفيه: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِنَ التَّوَّابِينَ، واجْعَلْنِى مِنَ المُتَطَهِّرِينَ" (١٥). فصل: ولا بَأْسَ بالمُعَاوَنةِ عَلَى الوُضُوءِ؛ لما رَوَى المُغِيرة بن شُعْبة، أنه أَفْرَغَ عَلَى النبيِّ ﷺ في وُضُوئِهِ. رَواه مُسْلِم (١٦)، ورُوِىَ عن صَفْوان بن عَسَّال، قال: صَبَبْتُ عَلَى النبيِّ ﷺ في السَّفَرِ والحَضَرِ. وعَنْ أُمِّ عَيَّاش، وكانَتْ أَمَةً لِرُقَيَّةَ بنت رسولِ اللهِ ﷺ ، قالت: كُنْت أُوَضِّىءُ رَسُولَ اللهِ ﷺ [وأنا قائِمةٌ] (١٧) وهو قاعِدٌ. رَوَاهُما ابنُ مَاجَه (١٨). ورُوِىَ عن أحمد أنه قال: ما أُحِبُّ أنْ يُعِينَنِى على وُضُوئِى أحَدٌ؛ لأنَّ عُمَرَ قالَ ذلك. فصل: ولا بَأْسَ بِتَنْشِيفِ أَعْضَائِهِ بالمِنْدِيلِ مِنْ بَلَلِ الوُضُوءِ والغُسْلِ، قال الخَلَّالُ: المَنْقُولُ عن أحمد، أنَّه لا بَأْسَ بالتَّنْشِيفِ بعدَ الوُضُوءِ. ومِمَّنْ رُوِىَ عنه

стр. 252

أخْذُ المِنْدِيلِ بعدَ الوُضُوءِ عُثْمان، والحسن بن عَلِىّ، وأَنَس، وكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ. ونَهَى عنه جَابرُ بن عبد اللَّه. وكَرِهَهُ عَبْدُ الرَّحْمَن بن مَهْدِىّ، وجَماعةٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنّ مَيْمُونة رَوَتْ (١٩) أنَّ النبيَّ ﷺ اغْتَسَلَ فأتَيْتُه بالمِنْدِيلِ، فلم يُرِدْها، وجَعَلَ يَنْفُضُ الماءَ بيَدِهِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢٠). والأَوَّلُ أصَحُّ، لأنَّ الأصْلَ الإِبَاحَةُ، وتَرْكُ النبيِّ ﷺ لا يَدُلُّ عَلَى الكَرَاهةِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ قد يَتْرُكُ المُبَاحَ كما يَفْعَلُهُ، وقد رَوَى أبو بكر في "الشَّافِى" بإسْنَادِهِ، عَنْ عُرْوَة، عن عائِشَة، قالت: كانَ لِلنَّبِىِّ ﷺ خِرْقَةٌ يتَنَشَّفُ بها بَعْدَ الوُضُوء. وسُئل أحْمد عن هذا الحَدِيث، فقال: مُنْكَرٌ مُنْكَرٌ. ورُوىَ عن قَيْس بن سَعْدٍ، أن النبيَّ ﷺ اغْتَسَلَ، ثم أتَيْنَاهُ بمِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّةٍ (٢١)، فالْتَحَفَ بها (٢٢). إلَّا أنَّ التِّرْمِذِىَّ قال: لا يَصِحُّ في هذا البابِ شيءٌ (٢٣). ولا يُكْرَهُ نَفضُ الماء عن بَدَنِه بيَدَيْه؛ لحديثِ مَيْمُونة. ٣٢ - مسألة؛ قال: (وإذَا تَوَضَّأَ لِنَافِلَةٍ صَلَّى فَرِيضَةً) لا أعْلَمُ في هذه المَسْألةِ خِلَافًا؛ وذلك لأنَّ النافِلَةَ تَفْتَقِرُ إلى رَفْعِ الحَدَثِ كالفَرِيضَةِ، وإذا ارْتَفَعَ الحَدَثُ تَحَقَّقَ شَرْطُ الصَّلاةِ وارْتَفَعَ المانِعُ، فأُبِيحَ له الفَرْضُ، وكذلك كُلُّ ما يَفْتَقِرُ إلى الطَّهارةِ، كَمَسِّ المُصْحَفِ والطَّوافِ، إذا تَوَضَّأ له ارْتَفَعَ حَدَثُه، وصَحَّتْ طَهَارَتُه، وأُبِيحَ له سائِرُ ما يَحْتاجُ إلى الطَّهارةِ. وقد ذَكَرْنا ذلك فيما مَضَى.

стр. 253

فصل: يَجُوزُ أنْ يُصَلِّىَ بالوُضُوءِ ما لم يُحْدِثْ، ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. قال أَحْمد بنُ القَاسِمِ (١): سألتُ أَحْمد عَنْ الرّجُلِ (٢) صلَّى أكْثَرَ مِنْ خَمْسِ صَلَواتٍ بوُضُوءٍ واحِدٍ؟ قال: ما بَأْسٌ بهذَا إذا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوؤُهُ! ما ظَنَنْتُ أحَدًا أنْكَرَ هذا. وقال: صَلَّى النبيُّ ﷺ الصَّلَواتِ الخَمْسَ يَوْمَ الفَتْحِ بوُضُوءٍ واحِدٍ. ورَوَى أَنَسٌ قال: كان النبيُّ ﷺ يتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قلتُ: وكَيْفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ! قال: يُجْزِئ أحَدَنا الوُضُوءُ ما لَمْ يُحْدِثْ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ وأبو دَاوُد (٣). وفى مُسْلِم (٤)، عن بُرَيْدَة قال: صَلَّى النبيُّ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ خَمْسَ صَلَواتٍ بوُضُوءٍ واحِدٍ، ومَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فقال له عُمَر: إنِّي رَأيْتُكَ صَنَعْتَ شَيئًا لم تَكُنْ تَصْنَعُه، قال: "عَمْدًا صَنَعْتُهُ". فصل: وتَجْدِيدُ الوُضوُءِ مُسْتَحَبٌّ، نَصَّ أحمدُ عليه في رِوَايةِ مُوسَى بنِ

стр. 254

عِيسَى (٥)، ونَقَلَ حَنْبَلُ عنه أنَّه كان يَفْعَلُه؛ وذلك لما رَوَيْنا من الحَدِيث، وعن غُطَيْفٍ (٦) الهُذَلِىِّ، قال: رأيتُ ابنَ عُمَر يَوْمًا تَوَضَّأ لِكُلِّ صَلاةٍ، فقلتُ: أَصْلَحَكَ اللهُ، أفَرِيضَةٌ أَمْ سُنَّةٌ، الوُضُوءُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ؟ فقال: لا، لو تَوَضَّأْتُ لصَلاةِ الصُبْحِ لَصَلَّيْتُ به الصَّلَواتِ كُلَّها ما لَمْ أُحْدِثْ، ولكِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ فَلهُ عَشْرُ حَسَناتٍ". وإنَّما رَغِبْتُ في الحَسَناتِ. أخْرَجَهُ أبُو دَاوُد وابنُ مَاجَه (٧). وقد نَقَلَ علىُّ بنُ سَعِيد (٨)، عن أحمدَ: لا فَضْلَ فِيه. والأَوَّلُ أَصَحُّ. فصل: ولا بَأْسَ بالوُضُوءِ في المَسْجِدِ إذا لَمْ يُؤْذِ أحَدًا بوُضُوئِه، ولَمْ يَبُلَّ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ. قال ابنُ المُنْذِر: أَبَاحَ ذلك كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِنْ عُلَماءِ الأمْصارِ، منهم: ابنُ عُمرَ، وابنُ عَبَّاس، وعَطَاء، وطَاوُس، وأبو بكر بنُ محمد [بن عَمْرو بنِ حَزْم] (٩)، وابنُ جُرَيج، وعَوَامُّ أهْلِ العِلْمِ، قال: وبه نَقُولُ، إلا أن يَبُلّ مَكانًا يَجْتازُ النَاسُ فيه، فإنِّى أكْرَهُه، إلَّا أن يَفْحَصَ الحَصَى عن البَطْحاءِ، كما فُعِل لعطاء وطاوُس، فإذا تَوَضَّأَ رَدَّ الحَصَى عليه، فإنِّى لا أكْرَهُه، وقد رُوِىَ عن أحمد أنه يَكْرَهُه؛ صِيَانةً لِلْمَسْجِد عن البُصَاقِ والمُخَاطِ وما يَخْرُجُ من فَضَلاتِ الوُضُوءِ.

стр. 255

٣٣ - مسألة؛ قال: (ولا يَقْرأُ القُرْآنَ جُنُبٌ ولا حائِضٌ ولا نُفَسَاءُ) رُوِيَتِ الكَرَاهِيَةُ لذلك عن عُمَر، وعَلِىّ، والحَسَن، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِيِّ، وقَتَادَة، والشَّافِعِىِّ، وأَصْحابِ الرَّأْى. وقال الأَوْزَاعِىُّ: لا يَقْرَأُ إلَّا آيةَ الرّكُوبِ والنُّزُول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ (١)، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ (٢). وقال ابنُ عَبّاس: يَقْرَأُ وِرْدَهُ. وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّب: يَقْرَأُ القُرآنَ، أَلَيْسَ هُوَ في جَوْفهِ! وحُكِىَ عن مَالِكٍ: لِلْحَائِضِ القِرَاءَةُ دونَ الجُنُبِ؛ لأنَّ أَيَّامَها تَطُولُ، فلو (٣) مَنَعْنَاهَا مِنَ القراءةِ نَسِيَتْ. ولنا: ما رُوِىَ عَنْ عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَحْجُبُه، أو قال: يَحْجِزُه، عن قِراءةِ القُرآنِ شيءٌ، ليسَ الجَنَابةُ. رواه أبو داود، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (٤)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وعن ابنِ عُمَر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تَقْرَأُ الْحائِضُ ولا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرآنِ". رواه أبو دَاوُد، والتِّرْمِذِىّ (٥). وقال: يَرْوِيه إسْماعِيل بنِ عَيَّاش، [عن موسى بن عُقْبَةَ] (٦)، عن نافِعٍ، وقد ضَعَّفَ البُخَارِىُّ رِوَايَتَه عن أَهْلِ الحِجَازِ (٧)،

стр. 256

وقال: إِنَّما رِوَايَتُه عن أَهْلِ الشامِ. وإذا ثَبَتَ هذا في الجُنُبِ فَفِى الحائِضِ أَوْلَى؛ لأنَّ حَدَثَها آكَدُ، ولذلك حَرَّمَ الوَطْءَ، ومَنَعَ الصِّيامَ، وأَسْقَطَ الصَّلَاةَ، وسَاوَاها في سائِرِ أحْكَامِها. فصل: ويَحْرُمُ عليهم قراءةُ آيةٍ. فأمَّا بَعْضُ آيةٍ؛ فإنْ كان مِمَّا لا يَتَمَيَّزُ به القرآن عن غَيْرهِ كالتَّسْمِيةِ، والحَمْدِ للَّه، وسائرِ الذِّكْرِ، فإنْ لَمْ يُقْصَدْ به القُرآنُ، فلا بَأْسَ؛ فإنَّه لا خِلَافَ في أنَّ لهم ذِكْرَ اللهِ تعالى، ويحتاجون إلى التَّسْمِيةِ عندَ اغْتِسَالهِمِ، ولا يُمْكِنُهم التَّحَرُّزُ مِن هذا. وإنْ قَصَدُوا به القِراءةَ أو كان ما قَرَءُوهُ شيئًا يتَمَيَّزُ به القرآنُ عن غيرِه من الكلامِ، فَفِيه رِوَايتان: إحْدَاهُما، لا يَجُوزُ، ورُوِىَ عن عَلِيٍّ ﵁، أنه سُئِلَ عن الجُنُبِ يَقْرَأُ القُرآنَ؟ فقال: لا، ولا حَرْفًا. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىّ؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ في النَّهْىِ، ولأنَّه قُرآنٌ، فَمُنِعَ مِن قَراءَتِه، كالآيةِ. والثانية لا يُمْنَعُ منه، وهو قولُ أبي حَنِيفة؛ لأنَّه لا يَحْصُل به الإِعْجازُ، ولا يُجْزِىءُ في الخُطْبةِ، ويَجُوزُ إذا لم يُقْصَدْ به القُرآنُ، وكذلك إذا قُصِدَ. فصل: وليس لهم اللُّبْثُ في المَسْجِد، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٨). ورَوَتْ عائشةُ، قالت: جاء النَّبِىُّ ﷺ ، وبُيُوتُ أصحابهِ شارِعةٌ في المسجدِ، فقال: "وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ؛ فَإنِّى لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ ولَا جُنُبٍ". رَواه أبو داود (٩)، ويُبَاحُ العبورُ للحاجةِ؛ مِن أخذِ شيءٍ، أو تَرْكهِ، أو كونِ الطريقِ فيه، فأمَّا لغيرِ ذلك فلا يَجُوزُ بحالٍ. ومِمَّن نُقِلَت عنه الرُّخْصةُ في العُبورِ: ابنُ مَسْعود، وابنُ عَبّاس، وابنُ المُسَيَّب، وابن جُبَيْر، والحسن، ومالك، والشَّافِعيُّ. وقال الثَّوْرِىُّ وإسحاقُ: لا يَمُرُّ في المَسْجدِ إلَّا أنْ لا يجدَ بُدًّا، فيَتَيَمَّمَ. وهو قَوْلُ أصحابِ الرَّأْىِ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ

стр. 257

- ﷺ : "لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ ولَا جُنُبٍ". ولنا قَوْلُ اللَّه تَعالَى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، والاسْتِثْناءُ مِن المَنْهِىِّ عنه إباحةٌ، وعن عائشة، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال لها: "نَاوِلِينى الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسجِدِ". قالت: إنِّي حائضٌ، قال: "إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ". رواه مُسْلم (١٠). وعن جابر قال: كُنَّا نَمُرُّ في الْمَسْجِدِ ونَحْنُ جُنُبٌ. رواه ابنُ المُنْذِر. وعن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، قال: كان أصحابُ رَسُولِ اللَّه ﷺ يَمْشُونَ في المسجدِ وهم جُنُبٌ. رواه ابنُ المُنْذِر أيضًا. وهذا إشارةٌ إلى جَمِيعِهم، فيكونُ إجْماعًا. فصل: فأمَّا المُسْتَحاضةُ، ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، فلهم اللُّبْثُ في المَسْجدِ والعُبورُ إذا أَمِنُوا تَلْوِيثَ المَسْجدِ؛ لما رُوِىَ عن عائشة، أنَّ امرأةً مِن أزْواجِ رَسُولِ اللَّه ﷺ اعْتَكَفتْ معه وهى مُسْتَحاضةٌ، فكانتْ ترَى الحُمْرةَ والصُّفْرةَ، وربَّما وَضَعتِ الطَّسْتَ تَحْتَها وهى تُصَلِّى. رواه البُخارِىُّ (١١). ولأنه حَدَثٌ لا يَمْنَعُ الصلاةَ فلم يَمْنَع اللُّبْثَ، كخرُوجِ الدَّمِ اليَسِيرِ مِن أَنْفِه. فإنْ خاف تَلْوِيثَ المسجدِ فليس له العُبورُ؛ فإن المسجدَ يُصانُ عن هذا، كما يُصانُ عن البَوْلِ فيه. ولو خَشِيَتِ الحائِضُ تَلْوِيثَ المسجدِ بالعُبورِ فيه، لم يكن لها ذلك. فصل: وإن خاف الجُنُبُ علَى نفسِه أو مالِه، أو لم يُمْكِنْه الخروجُ مِن المسجدِ، أو لم يجدْ مكانًا غيرَه، أو لم يُمْكِنْه الغُسْلُ ولا الوُضُوء، تَيَمَّمَ، ثم أقام في المسجدِ، ورُوِىَ عن عَلِيٍّ، وابنِ عَبَّاس، وسَعِيد بن جُبَيْر، ومُجاهِد، والحسن بن مُسْلِم بن يَنَّاق (١٢)، في تَأْوِيلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. يَعْنِى

стр. 258

مُسَافِرِينَ لا يَجِدُون ماءً، فيَتَيَمَّمُون. وقال بعضُ أصحابنا: يَلْبَثُ بغيرِ تَيمُّمٍ، لأن التَيمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ. وهذا غير صَحِيحٍ؛ لأنه يخالفُ قَوْلَ مَنْ سَمَّيْنا مِن الصَّحابةِ، ولأنَّ هذا أمرٌ يُشْتَرطُ له الطَّهارةُ فوَجبَ التَّيمُّمُ له عند العَجْزِ عنها، كالصلاةِ وسائرِ ما يُشْتَرطُ له الطَّهارةُ. وقولُهم: لا يَرْفَعُ الحَدَثَ. قُلْنا: إلا أنَّه يقومُ مَقَامَ ما يَرْفَعُ الحَدَثَ، في إباحةِ ما يُسْتَباحُ به. فصل: إذا توَضَّأ الجُنُبُ فله اللُّبْثُ في المسجدِ في قولِ أصحابِنا وإسحاق. وقال أَكْثَرُ أهلِ العِلْمِ: لا يَجُوزُ؛ للآيةِ والخَبَرِ. واحتَجَّ أصحابُنا بما رُوِىَ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَم (١٣)، قال: كان أصحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يتحدَّثُونَ في المسجدِ على غيرِ وُضُوءٍ، وكان الرَّجُلُ يكون جُنُبًا فيتَوَضَّأُ، ثم يَدْخُلُ، فيتحَدَّث. وهذا إشارةٌ إلى جَمِيعِهم، فيكونُ إجْماعًا يُخَصُّ به العُمُومُ، ولأنَّه إذا توَضَّأَ خَفَّ حُكْمُ الحَدَثِ، فأشْبَهَ التَّيَمُّمَ عندَ عَدَمِ الماءِ، ودَلِيلُ خِفَّتِه أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ الجُنُبَ به إذا أراد النَّوْمَ، واسْتِحْبابُه لِمَنْ أرادَ الأَكْلَ ومُعَاوَدَةَ الوَطْءِ. فأما الحائضُ إذا تَوَضَّأت فلا يُباحُ لها اللُّبْثُ؛ لأن وُضُوءَها لا يَصِحُّ. ٣٤ - مسألة؛ قال: (ولا يَمَسُّ المُصْحَفَ إلَّا طاهِرٌ) يعني طاهِرًا من الحَدَثَيْنِ جميعًا. رُوِىَ هذا عن ابنِ عُمَر، والحَسَن، وعَطَاء، وطاوُس، والشَّعْبِىِّ، والقاسم بن محمد، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشافِعِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، ولا نَعْلَمُ مخالفًا لهم إلَّا داود؛ فإنَّه أباحَ مَسَّهُ، واحْتَجَّ بأنَّ النبيَّ ﷺ كَتَبَ في كِتَابِه آيةً إلَى قَيْصَرَ. وأباحَ الحَكَمُ وحَمَّادٌ مَسَّهُ بظاهِرِ الكَفِّ؛ لأنَّ آلةَ المَسِّ باطِنُ اليَدِ، فيَنْصَرِفُ النَّهْىُ إليه دُونَ غَيْرِه. ولنا قولُه تَعالَى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا

стр. 259

الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١). وفى كتابِ النبيِّ ﷺ لِعَمْرِو بن حَزْم (٢) "أن لا يَمَسَّ القرآنَ إلا طاهِرٌ (٣) ". وهو كتابٌ مشهورٌ، رَوَاه أبُو عبيد في "فضائلِ القرآنِ" وغيرِه، ورَوَاه الأَثْرَمُ، فأمَّا الآية التي كَتَب بها النبيُّ ﷺ فإنَّما قَصَدَ بها المُرَاسَلَة، والآيةُ في الرِّسالةِ أو كتابِ فِقْهٍ أو نَحْوِه لا تَمْنَع مَسَّهُ، ولا يَصِيرُ الكتابُ بها مُصْحَفًا، ولا تَثْبُتُ له حُرْمَتُه، إذا ثَبَت هذا فإنَّه لا يَجُوزُ له مَسُّه بشيءٍ من جَسَدِه، لأنَّه مِنْ جَسَدِه، فأشْبَهَ يَدَه. وقَوْلُهم: إن المَسَّ إنَّمَا يَخْتَصُّ بباطِنِ اليَدِ؛ ليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّ كُلَّ شيءٍ لَاقَى شَيْئًا فقد مَسَّهُ. فصل: ويَجُوزُ حَمْلُه بِعِلَاقَتِهِ. وهذا قولُ أبى حَنِيفة، ورُوِىَ ذلك عن الحَسَنِ، وعَطَاء، وطَاوُس، والشَّعْبِىِّ، والقاسِمِ، وأبِى وائِلٍ (٤)، والحَكَم، وحَمَّاد، ومَنَع منه الأَوْزَاعِىُّ، ومالِك، والشّافِعِىُّ، قال مالِك: أَحْسَنُ ما سَمِعْتُ أنه لا يَحْمِلُ المُصْحَفَ بِعِلَاقَتِه ولا في غِلَافِهِ إلَّا وهو طاهِرٌ؛ وليس ذلك لأنَّه يُدَنِّسه، ولكن تَعْظِيمًا للقُرآنِ. واحْتَجُّوا بأنّه مُكلَّفٌ مُحْدِثٌ قاصدٌ لِحَمْلِ المُصْحَفِ، فلم يَجُزْ, كما لو حَمَلَه مع مَسِّهِ. ولنا: أنَّه غيرُ مَاسٍّ له، فلم يُمْنَعْ منه، كما لَوْ حَمَلَه في رَحْلِهِ، ولأنَّ النَّهْىَ إنَّما يتناوَلُ المَسّ، والحَمْلُ ليس بِمَسٍّ، فلم يتناوَلْه النَّهْىُ، وقِياسُهم فاسِدٌ؛ فإنَّ العِلَّةَ في الأصْلِ مَسُّهُ، وهو غيرُ مَوْجُودٍ في الفَرْعِ، والحَمْلُ لا أثرَ له، فلا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ به. وعلَى هذا لو حَمَلَه بِعِلَاقةٍ أو بحائِلٍ بينَه وبينَه مِمَّا لا يَتْبَعُه في البَيْعِ، جازَ؛ لما ذَكَرْنا. وعِندَهم لا يَجُوزُ. ووَجْهُ المَذْهَبَيْن ما تَقَدَّم.

стр. 260

ويجوزُ تَقْلِيبُه بعُودٍ ومَسُّه به، وكَتْبُ المُصْحَفِ بِيَدِه من غيرِ أن يَمَسَّه، وفى تَصَفُّحِه بكُمِّهِ روايتان. وخَرَّجَ القاضِى في مَسِّ غِلَافِه وحَمْلِه بعِلَاقتِه روايةً أخرى أنَّه لا يَجُوزُ؛ بناءً عَلَى مَسِّه بِكُمِّهِ. والصحيحُ: جَوَازُه؛ لأنَّ النَّهْىَ إنما يتناولُ مَسَّه، والحَمْلُ ليسَ بِمَسٍّ. فصل: ويَجُوزُ مَسُّ كُتُبِ التفسيرِ والفِقْهِ وغيرِها، والرسائلِ، وإن كان فيها آياتٌ من القرآنِ، بدليل أنَّ النبيَّ ﷺ كَتَبَ إلى قَيْصَر كتابًا فيه آيةٌ، ولأنَّها لا يقَعُ عليها اسمُ مُصْحَفٍ، ولا تَثْبُتُ لها حُرْمَتُه. وفي مَسِّ صِبْيانِ الكَتَاتِيبِ ألْوَاحَهُم التي فيها القرآنُ وَجْهان: أحدهما، الجوازُ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ، فلو اشْترَطْنا الطهارةَ أدَّى إلى تَنْفِيرِهم عن حِفْظِه. والثانى، المَنْعُ؛ لدُخُولهِم في عُمُومِ الآية. وفى الدَّرَاهِمِ المكتوبِ عليها القرآنُ وَجْهان: أحدهما، المَنْعُ، وهو مذهبُ (٥) أبي حَنِيفة. وكَرِهَه عَطَاء، والقَاسِمُ، والشَّعْبِيُّ؛ لأنَّ القرآنَ مكتوبٌ عليها، فأشْبَهَتِ الوَرَقَ. والثانى، الجَوَازُ؛ لأنه لا يقعُ عليها اسْمُ المُصْحَفِ، فأشْبَهَت كُتُبَ الفِقْهِ، ولأنَّ في الاحْتِرازِ منها مَشَقَّةٌ، أشْبَهت ألْواحَ الصِّبْيانِ. فصل: وإن احْتاجَ المُحْدِثُ إلى مَسِّ المُصْحَفِ عندَ عَدَمِ الماءِ، تَيَمَّمَ، وجازَ مَسُّه. ولو غَسَل المُحْدِثُ بعضَ أعضاءِ الوُضُوءِ، لم يَجُزْ له مَسُّه به قبلَ إتْمامِ وُضُوئِه؛ لأنَّه لا يكونُ مُتَطَهِّرًا إلَّا بغَسْلِ الجَمِيعِ. فصل: ولا يَجُوزُ المُسَافَرةُ بالمُصْحَفِ إلى دارِ الحَرْبِ؛ لما رَوَى ابنُ عُمَر، قال: قال رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لا تُسَافِرُوا بالْقُرْآنِ إلَى أرْضِ الْعَدُوِّ؛ مَخَافَةَ أنْ تَنَالَهُ أيْدِيهِمْ" (٦).

стр. 261

بابُ الاسْتِطابةِ والحَدَثِ الاسْتِطابةُ: هي الاسْتِنْجاءُ بالماءِ أو بالأَحْجارِ، يقال: اسْتَطابَ، وأَطَابَ: إذا اسْتَنْجَى؛ سُمِّىَ اسْتِطابةً لأنَّه يُطَيِّبُ جَسَدَه بإزالةِ الخَبَثِ عنه، قال الشاعر، يَهْجُو رَجُلا (٧): يارَخَمًا قَاظَ علَى عُرْقُوبِ (٨) يُعْجِلُ كَفَّ الْخَارِىءِ الْمُطِيبِ والاسْتِنْجاءُ: اسْتِفْعالٌ مِن (٩) نَجَوْتُ الشَّجرةَ، أي: قَطَعْتُها، فكَأَنَّه قَطَعَ الأَذَى عنه، وقال ابنُ قُتَيْبَة: هو مَأْخوذٌ من النَّجْوَةِ، وهى ما ارْتَفَعَ من الأرض، لأنَّ مَنْ أرادَ قَضاءَ الحاجةِ اسْتَتَرَ بها. والاسْتِجْمارُ: اسْتِفْعالٌ من الجِمَارِ، وهي الحِجارَةُ الصّغَارُ؛ لأنَّه يَسْتَعْمِلُها في اسْتِجْمارهِ. ٣٥ - مسألة؛ قال: (وليس عَلَى مَنْ نامَ أو خَرَجتْ منه رِيحٌ اسْتِنْجاءٌ) لا نَعْلمُ في هذا خِلافا. قال أبو عبد اللَّه: ليس في الرِّيحِ اسْتِنْجاءٌ؛ في كتابِ اللهِ، ولا في سُنَّةِ رَسُولهِ، إنَّما عليه الوُضُوءُ، وقد رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ [أنَّه قال] (١): "من اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فليس مِنَّا". رَوَاه الطَّبَرَانِيُّ في "مُعْجَمِه الصَّغِير (٢) "، وعن زَيْدِ بنِ أَسْلَم في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. إذَا قُمْتُمْ

стр. 262

مِن النَّومَ، ولم يأْمُرْ بغيره، فدَلَّ علَى أنه لا يَجِبُ؛ ولأنَّ الوُجُوبَ من الشَّرْعِ، ولم يَرِدْ بالاسْتِنْجاءِ هُنَا نَصٌّ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه؛ لأنَّ الاسْتِنْجاءَ إنَّما شُرِعَ لإِزَالةِ النَّجاسةِ، ولا نَجَاسةَ ههُنا. ٣٦ - مسألة؛ قال: (والاسْتِنْجاءُ لِمَا خرَجَ من السَّبِيلَيْنِ) هذا فيه إضْمارٌ، وتَقْدِيرُه: والاسْتِنْجاءُ واجبٌ. فَحَذَفَ خَبَر المُبْتَدإ (١) اخْتِصارًا، وأرادَ ما خَرَج غيرَ الرِّيحِ؛ لأنه قد بَيَّنَ حُكْمَها، وسواءٌ كان الخارِجُ مُعْتادًا، كالبَولِ والغائِطِ، أو نادِرًا، كالحَصَى والدُودِ والشَّعْرِ، رَطْبًا أو يابِسًا. ولو احْتقَنَ فرَجَعَت أجْزَاءٌ خَرَجَتْ مِن الفَرْجِ، أو وَطِىءَ رَجُلٌ امْرأتَهُ دونَ الفَرْجِ فدَبَّ ماؤُه إلى فَرْجِها ثم خَرَج منه، فعليهما الاسْتِنْجاءُ علَى ظاهرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ، وقد صَرَّحَ به القاضي وغيرُه. ولو أدْخَلَ المِيلَ في ذَكَرِه، ثم أخْرَجَه، لَزِمَه الاسْتِنْجاءُ؛ لأنه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فأشْبَهَ الغائِطَ المُسْتَحْجِرَ، والقياسُ أن لا يجب مِنْ ناشِفٍ لا يُنجِّسُ المَحَلَّ، للمعنَى الذي ذَكَرْنا في الرِّيحِ، وهو قولُ الشافِعىِّ. وهكذا الحُكْمُ في الطَّاهِرِ، وهو المَنِىُّ إذا حَكَمْنا بطَهارتِه. والقولُ بوُجُوبِ الاسْتِنْجاءِ في الجُملة قولُ أَكْثر أهلِ العِلْمِ، وحُكِىَ عن ابنِ سِيرِينَ، فِيمَنْ صَلَّى بِقَومٍ ولم يَسْتَنْجِ: لا أعلمُ به بَأْسًا. وهذا يَحْتَمِلُ أن يكونَ فِيمَنْ لم يَلْزَمْه الاسْتِنْجاءُ، كَمَنْ لَزِمَه الوُضُوءُ لِنَوَمٍ أو خُرُوجِ رِيحٍ، أو من تَرَكَ الاسْتِنْجاءَ ناسِيًا، فيكونُ مُوافِقًا لقَوْلِ الجماعةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه لم يَرَ وُجُوبَ الاسْتِنْجاءِ. وهذا قولُ أبِي حَنِيفَةَ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "مَن اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فقد أَحْسَنَ، ومَنْ لَا فلَا حَرَجَ". رَوَاه أبو دَاوُد (٢)؛ ولأنها نَجاسةٌ يُكْتَفَى فيها بالمَسْحِ، فلم تَجِبْ إِزالَتُها

стр. 263

كيَسِيرِ الدَّمِ. ولَنا قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "إذا ذَهَبَ أحَدُكُم إلى الغائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بثَلاثَةِ أحْجارٍ، فإنَّها تُجْزِىءُ عَنْهُ". رَوَاهُ أبُو دَاوُد (٣)، وقال: "لا يَسْتَنْجِى أحَدُكُم بِدُونِ ثَلاثَةِ أحجارٍ". رَوَاه مُسْلِم (٤)، وفى لَفْظٍ لمُسْلِم (٥): لقد نَهانَا أَن نَسْتَنْجِىَ بدُونِ ثَلاثةِ أَحْجَارٍ. فأمَرَ، والأَمْرُ يقْتَضِى الوُجُوب. وقال: "فإنَّها تُجْزِىءُ عَنْهُ". والإِجْزَاءُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الواجبِ، ونَهَى عن الاقْتِصارِ علَى أَقَلَّ من ثلاثةٍ، والنَّهْىُ يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ، وإذا حَرُمَ تَرْكُ بعضِ النَّجاسةِ فَتَرْكُ جَمِيعِها أَوْلَى. وقال ابنُ المُنْذِر: ثَبَتَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قال: "لا يَكْفِى أَحَدَكُم دُونَ ثَلاثةِ أحْجارٍ". وأمرَ بالعَدَدِ في أخْبارٍ كثيرةٍ، وقولهُ: "لا حَرَجَ". يعني في تَرْكِ الوِتْرِ، لا فِي تَرْكِ (٦) الاسْتِجْمارِ؛ لأنَّ المأمورَ به في الخبرِ الوِتْر، فيعودُ نَفْىُ الحَرَجِ إليه، وأمَّا الاجْتِزَاءُ بالمَسْحِ فيه فَلِمَشَقَّةِ الغَسْلِ، لكثرةِ تَكَرُّرِه في مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ. فصل: وهو مُخَيَّرٌ بين الاسْتِنْجاءِ بالماءِ أو الأَحْجارِ، في قولِ أَكْثرِ أهلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن سَعْدِ بن أبي وَقَّاص، وابنِ الزُّبَيْر، أنَّهما أنْكَرَا الاسْتِنْجاءَ بالماءِ. وقال

стр. 264

سَعِيدُ بن المُسَيَّب: وهل يَفْعَلُ ذلك إلا النساءُ! وقال عَطَاء: غَسْلُ الدُّبُر مُحْدَثٌ. وكان الحسنُ لا يَسْتَنْجِى بالماءِ. ورُوِىَ عن حُذَيْفةَ القَوْلان جَميعًا. وكان ابنُ عُمَر لا يَسْتَنْجِى بالماءِ ثم فَعَلَه، وقال لنافعٍ: جَرَّبْناهُ فوَجَدْناهُ صالِحًا. وهو مَذْهبُ رافِع بن خَدِيج، وهو الصحيحُ؛ لما رَوَى أَنَسٌ، قال: كان النبيُّ ﷺ يَدْخلُ الخلاءَ فأحْمِلُ أنا وغلامٌ نَحْوِى إداوةً (٧) مِن ماءٍ وعَنَزَةً (٨)، فيَسْتَنْجِى بالماءِ. مُتَّفَقٌ عليه (٩)، وعن عائشة، أنها قالت: مَرِّنَّ أَزْوَاجَكُنَّ أن يَسْتَطِيبوُا بالماءِ؛ فإنِّى أَسْتَحْيِيهِمْ، وإنَّ رسول اللَّه ﷺ كان يَفْعَلُه (١٠). قال التِّرْمِذِىّ: هذا حديثٌ صحيحٌ. رواه سَعِيد، ورَوَى أبُو هُرَيرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "نَزَلَتْ هَذِه الآيَةُ فِي أهْلِ قُبَاءَ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (١١) قال: "كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ هذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ". رَوَاه أبُو داود، وابنُ مَاجَه (١٢). ولأنه يُطَهِّرُ المَحَلَّ، ويُزِيلُ النجاسةَ، فجَازَ، كما لو كانتِ النَّجاسةُ على مَحَلِّ آخرَ. وإن أرادَ الاقْتِصارَ على أحَدِهما فالماءُ أَفْضَلُ؛ لما رَوَيْنا من الحديثِ، ولأنَّه يُطَهِّرُ المَحَلَّ، ويُزِيلُ العَيْنَ والأَثَرَ، وهو أبلغُ في التَّنْظِيفِ. وإنْ اقْتَصَرَ عَلَى الحَجَرِ أجْزَأهُ، بغيرِ خلافٍ بين أهلِ العِلْمِ؛ لما ذَكَرْنا من الأخبارِ؛ ولأنه إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم. والأفضلُ أن يَسْتَجْمِرَ بالحَجَر، ثم يُتْبِعَه الماءَ. قال أحمد: إنْ جَمَعَهُما فهو أحَبُّ

стр. 265

إلَىَّ؛ لأنَّ عائشةَ قالت: مَرِّنَّ أزْوَاجَكُنَّ أنْ يُتْبِعُوا الْحِجَارَةَ الْمَاءَ مِنْ أَثَرِ الغائِطِ والبَوْلِ؛ فَإنِّى أَسْتَحْيِيهِم، كان النبيُّ ﷺ يَفْعَلُه. احْتَجَّ به أحمدُ، ورَوَاه سَعِيد، ولأنَّ الحَجَرَ يُزِيلُ عَيْنَ النَّجاسةِ فلا تُصيبُها يَدُهُ، ثم يأتِى بالماءِ فَيُطَهِّرُ المَحَلَّ، فيكونُ أبلغَ في التَّنْظِيفِ وأَحْسَنَ. ٣٧ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ لَمْ يَعْدُوَا (١) مَخْرَجَهُمَا أَجْزَأَهُ ثَلَاثَةُ أحْجَارٍ إذَا أَنْقَى بِهِنَّ، فَإنْ أَنْقَى بِدُونِ الثَّلاثةِ لَمْ يُجْزِهِ، حَتَّى يَأْتِىَ بالعَددِ، وَإِنْ لَمْ يُنْقِ بالثَّلَاثةِ زادَ حَتَّى يُنْقِىَ). قولُه: "يَعْدُوَا مَخْرجَهما" يعني الخَارِجَيْن مِن السَّبِيلَين إذا لم يتجَاوزَا مَخْرجَهما. يُقال: عَداكَ الشَّرُّ. أي: تجاوَزَك. والمُراد، واللهُ أعلمُ، إذا لم يتجَاوز المخرجَ بما لم تَجْرِ العادةُ به، فإنَّ اليسيرَ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، والعادةُ جاريةٌ به، وإذا كان كذلك فإنَّه يُجْزِئُه ثلاثةُ أَحْجارٍ مُنْقِيَة. ومعنى الإِنْقاء إزَالةُ عَيْنِ النَّجاسةِ وبِلَّتِها، بحيثُ يخرجُ الحَجَرُ نَقِيًّا وليس عليه أثرٌ إلَّا شيئًا يَسِيرًا. ويُشْترَطُ الأمران جَمِيعًا؛ الإنْقاءُ، وإكْمالُ الثلاثةِ، أَيُّهما وُجِدَ دُونَ صاحِبه لم يَكْفِ، وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ وجَمَاعةٌ. وقال مالِكٌ ودَاوُد: الواجبُ الإِنْقاءُ دُونَ العَدَدِ؛ لِقَولِهِ ﷺ : "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِر، مَنْ فَعَلَ فقَدْ أحْسَنَ ومَنْ لَا فَلَا حَرَجَ". ولنَا قَوْلُ سَلْمان: "لقد نَهَانا - يعني النبيَّ ﷺ أن نَسْتَنْجِىَ بأقَلَّ من ثلاثةِ أحْجارٍ (٢) ". وما ذَكَرْنا من الأحاديث، وحَدِيثهُم قد أجَبْنا عنه فيما مَضَى. فصل: وإذا زادَ علَى الثَّلاثةِ اسْتُحِبَّ أنْ لا يَقْطَعَ إلَّا علَى وِتْرٍ؛ لقَوْلِه ﷺ : "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِر". مُتَّفَقٌ عليه، فيَسْتَجْمِرُ خَمْسًا أو سَبْعًا أو تِسْعًا أو ما زاد على ذلك، فإنِ اقْتَصرَ على شَفْعٍ مُنْقِيَةٍ، فيما زادَ علَى الثلاثةِ جازَ؛ لقوله ﷺ : "ومَنْ لَا فَلَا حَرَجَ".

стр. 266

فصل: وكَيْفَما حَصَل الإِنْقَاءُ في الاسْتِجْمارِ أجْزَأَهُ. وذكر القاضي أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُمرَّ الحَجَرَ الأَوَّلَ مِنْ مُقَدَّمِ صَفْحَتِه (٣) اليُمْنَى إلى مُؤَخَّرِها، ثم يُدِيرَه عَلَى اليُسْرَى، حتَّى (٤) يَرْجِعَ به إلى المَوْضِع الذي بَدَأ منه؛ ثم يُمِرَّ الثانىَ مِن مُقَدَّمِ صَفْحَتِه اليُسْرَى كذلك؛ ثم يُمِرَّ الثالثَ علَى المَسْرُبَةِ (٥) والصَّفْحَتَيْنِ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "أَوَ لَا يَجِدُ أحَدُكمْ حَجَرَيْنِ للصَّفْحَتَيْنِ وحَجَرًا للمَسْرُبَةِ! ". رَوَاه الدَّارَقُطْنِىُّ (٦). وقال: إسنادُه (٧) حَسَنٌ. ويَنْبَغِى أنْ يَعُمَّ المَحَلَّ بكلِّ واحدٍ من الأحْجارِ؛ لأنَّه إذا لم يَعُمّ به كان ذلك تَلْفِيقًا، فيكون بمنزلةِ مَسْحةٍ واحدةٍ، ولا يكون تَكْرَارًا. ذكر هذا الشَّرِيف أبو جعفر (٨)، وابنُ عَقِيل، وقالا: معنَى الحديثِ البِدايةُ بهذهِ المواضعِ، ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه لكُلِّ جِهَةٍ مَسْحَةٌ، لظاهرِ الخَبَرِ. واللهُ أعلمُ. فصل: ويُجْزِئُه الاسْتِجْمارُ في النَّادرِ (٩)، كما يُجْزِىءُ في المُعْتادِ. ولأصحابِ الشّافِعِىِّ وَجْهٌ، أنَّه لا يُجْزِىءُ في النَّادرِ. قال ابنُ عبد البَرِّ: ويَحْتَمِلُ أن يكونَ قَوْلَ مالكٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بغَسْلِ الذَّكَرِ مِنَ المَذْىِ، والأَمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: واسْتَدَلُّوا بأنَّ الآثارَ كُلَّها علَى اختلافِ ألْفاظِها وأسانِيدِها ليس فيها ذِكْرُ اسْتِنْجاءٍ، إنَّما هو الغَسْلُ؛ ولأنَّ النَّادرَ لا يَتكَرَّرُ، فلا يَشُقُّ (١٠) اعْتبارُ الماءِ فيه، فوَجَبَ، كغَسْلِ غيرِ هذا المَحَلِّ. ولنَا أن الخَبَرَ عامٌّ في الجَمِيعِ؛ وأنَّ الاسْتِجْمارَ في النَّادرِ إنَّما وَجَب ما صَحِبَه مِن بِلَّةِ المُعْتادِ، ثم إنْ لم يَشُقَّ فهو في

стр. 267

مَحَلِّ المَشَقَّةِ، فتُعْتَبَرُ مَظِنَّةُ المَشَقَّةِ دون حَقِيقَتِها، كما جاز الاسْتِجْمارُ علَى نَهْرٍ جارٍ، وأمَّا المَذْىُ فمُعْتادٌ كثيرٌ، وربما كان في بعضِ الناسِ أكثَر مِن البَوْلِ، قال عِليُّ بن أبي طالب (١١)، رَضِىَ اللَّه عنه: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فقال النبيُّ ﷺ : "ذاك ماءُ الفَحْلِ، ولِكُلِّ فَحْلٍ ماءٌ". وقال سَهْلُ بن حُنَيْف (١١): كُنْتُ رَجُلا مَذَّاءً فكنتُ أُكْثِر منه الاغْتِسال. ولهذا أوْجَبَ مالكٌ منه الوُضُوءَ، وهو لا يُوجِبُه من النَّادِر، فليس هو من مَسْألتِنا، ويجبُ غَسْلُ الذَّكَر منه والأُنْثَيَينِ في إحْدَى الرِّوَايَتيْن تَعَبُّدًا. والأُخْرَى أنَّه لا يَجِبُ، وأمْرُه ﷺ بغَسْلِه للاسْتِحْبابِ، قِياسًا علَى سائرِ ما يخرُجُ. واللهُ أعلمُ. فصل: ولا يَسْتَجْمِرُ بيَمينهِ؛ لقول سَلْمَان في حَدِيثهِ: إنَّه لَيَنْهانَا أن يَسْتَنْجِىَ أحَدُنا بيَمِينهِ. رَوَاهُ مُسْلِم (١٢)، ورَوَى أبو قَتَادَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "لا يُمْسِكَنَّ أحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بَيمِينِهِ، ولا يتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بيَمِينِهِ". مُتَّفَقٌ عليه (١٣). فإنْ كان يَسْتَنْجِى من غائطٍ أخذَ الحجرَ بشِمَالِه فمَسَحَ به. وإن كان يَسْتَنْجِى من البَوْلِ، وكان الحجرُ كبيرا، أخذَ ذَكَرَهُ بشِمَالِه فمَسَحَ به. وإن كان صَغِيرًا فأمكَنَهُ أن

стр. 268

يَضَعَه بين عَقِبَيْه، أو بين أصابِعهِ، ويَمْسَح ذَكَرَه عليه، فَعَلَ، وإن لم يُمْكِنْه، أمْسَكَه بيَمِينه، ومَسَح بيَسَارِه؛ لموضِعِ الحاجةِ. وقيل: يُمْسِك ذَكَرَه بيَمِينه، ويَمْسَح بشِمَالِه؛ ليكونَ المَسْحُ بغيرِ اليَمينِ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "لا يُمْسِكَنَّ أحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمينِه". وإذا أمْسَكَ الحَجَرَ باليَمينِ، ومَسَحَ الذَّكَرَ عليه، لم يكن ماسِحًا باليَمينِ، ولا مُمْسِكًا للذَّكَرِ بها، وإنْ كان أقْطَعَ اليُسْرَى، أو بها مَرَضٌ، اسْتَجْمَرَ بِيَمينِه؛ للحاجةِ. ولا يُكْرَه الاسْتِعانةُ بها في الماءِ؛ لأن الحاجةَ داعيةٌ إليه. وإن اسْتَجْمَرَ بِيَمينِهِ مَع الغِنَى عنه، أجْزَأَهُ في قَوْلِ أكْثرِ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن بعض أهلِ الظاهرِ أنَّه لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه مَنْهِيٌّ عنه، فلم يُفِدْ مَقْصُودَه، كما لو اسْتَنْجَى بالرَّوْثِ والرِّمَّةِ، فإنَّ النَّهْىَ يتناولُ الأمْرَيْن، والفَرْقُ بينهما أن الرَّوْثَ آلةُ الاسْتِجْمارِ المُباشِرةُ للمَحَلِّ وشَرْطُه، فلم يَجُز اسْتِعْمالُ المَنْهِىِّ عنه فيها، واليدُ ليست المُباشرةَ للمَحَلِّ ولا شَرْطا فيه، إنَّما يتناوَلُ بها الحَجَرَ المُلَاقِى للمَحَلِّ، فصار النَّهْىُ عنها نَهْىَ تأْديبٍ، لا يَمْنَعُ الإِجْزَاءَ. فصل: ويبدأُ الرَّجُلُ في الاسْتِنْجاءِ بالقُبُلِ؛ لِئَلَّا تَتَلَوَّثَ يدُه إذا شَرَعَ في الدُّبُرِ، لأنَّ قُبُلَه بارزٌ تُصِيبُه اليدُ إذا مَدَّها إلى الدُّبُرِ. والمرأةُ مُخَيَّرةٌ في البدايةِ بأَيِّهما شاءتْ، لعَدَمِ ذلك فيها. ويُسْتَحَبُّ أن يَمْكُثَ بعدَ البَوْلِ قليلًا، ويَضَعَ يَدَهُ على أصْلِ الذَّكَرِ من تحتِ الأُنْثَيَيْن، ثم يَسْلِتَه إلى رَأْسِه فيَنْتُر (١٤) ذَكَرَه ثلاثًا برِفْقٍ. قال أحمد: إذا تَوَضَّأْتَ فضَعْ يَدَك في سِفْلَتِكَ، ثم اسْلِتْ ماثَمَّ حتَّى يَنْزِلَ، ولا تجعلْ ذلك مِن هَمِّكَ، ولا تَلْتفِتْ إلى ظَنِّك. وقد رَوَى يَزْدادُ اليَمانِىُّ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا بالَ أحَدُكم فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَه ثَلاثَ مَرَّاتٍ". [رَواه الإمامُ أحمدُ] (١٥).

стр. 269

وإذا اسْتَنْجَى بالماء ثم فَرَغَ، اسْتُحِبَّ له دَلْكُ يَدِه بالأرْضِ؛ لما رُوِىَ عن مَيْمُونة، أنَّ النبيَّ ﷺ فَعَل ذلك. رَوَاهُ البُخارِىّ (١٦). ورُوِىَ أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى حاجَتَه، ثم اسْتَنْجَى مِنْ تَوْرٍ، ثُمَّ (١٧) دَلَكَ يَدَه بالأَرْضِ. أخرجَهُ ابنُ مَاجَه (١٨). وإنِ اسْتَنْجَى عَقِيبَ انقِطاعِ البَوْلِ، جازَ؛ لأنَّ الظاهرَ انْقِطاعُه، وقد قيل: إن الماءَ يَقْطَعُ البَوْلَ. ولذلك سُمِّىَ الاسْتِنْجاءُ انْتِقاصَ الماءِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَنْضَحَ على فَرْجِه وسَرَاويله؛ ليُزِيلَ الوَسْوَاس عنه. قال حَنْبَلُ: سألتُ أحمَد، قلتُ: أَتَوَضَّأُ وأسْتَبْرِىءُ، وأَجِدُ في نَفْسِى أنِّى قد أحْدَثْتُ بَعْدُ (١٩)! قال: إذا تَوَضَّأْتَ فاسْتَبْرِىءْ، وخُذْ كَفًّا من ماءٍ فَرُشَّه على فَرْجِكَ، ولا تَلْتِفَتْ إليه، فإنَّه يذهبُ إنْ شاء اللهُ. وقد رَوَى أبُو هُرَيْرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "جاءَنِى جِبْرِيلُ، فقالَ: يا مُحمَّدُ، إذا تَوَضَّأْتَ فانْتَضِحْ". وهو حديثٌ غَرِيبٌ (٢٠). ٣٨ - مسألة؛ قال: (والخَشَبُ والخِرَقُ وكُلُّ ما أُنْقِىَ بِهِ فَهُوَ كَالأَحْجَارِ) هذا الصَّحيحُ من المَذْهبِ، وهو قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلم. وفيه روايةٌ أخرى، لا يُجْزِىءُ إلَّا الأحْجَارُ. اخْتارها أبو بكر، وهو مذهب داود؛ لأن النبيَّ ﷺ أمَرَ بالأَحْجارِ، وأمْرُه يقْتَضِى الوُجُوبَ، ولأنَّه مَوْضِعُ رُخْصةٍ وَرَدَ الشرعُ فيها بآلةٍ مَخْصُوصةٍ، فوجبَ الاقْتِصارُ عليها، كالتُّرَابِ في التَّيَمُّمِ. ولنَا ما روَى أبو داود (١)،

стр. 270

عن خُزَيْمَةَ (٢)، قال: سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن الاسْتِطابةِ، فقال: "بِثَلَاثةِ أحْجارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ (٣) ". فلولا أنه أراد الحَجَرَ وما في معناه لم يَسْتَثْنِ منها الرَّجِيعَ، لأنَّه لا يحتاجُ إلى ذِكْرِه، ولم يكن لتَخْصِيصِ الرَّجِيعِ بالذِّكْرِ مَعْنًى. وفي حديثِ سَلْمان، عن النبيِّ ﷺ ، إنَّه ليَنْهانَا أن نَسْتَنْجِىَ بأقَلَّ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ، وأن نَسْتَجْمِرَ بَرجِيعٍ أو عَظْمٍ. رواهُ مُسْلم (٤)، وتَخْصِيصُ هذيْن بالنَّهْىِ عنهما يدلُّ على أنَّه أرادَ الحِجارَةَ، وما قام مَقَامَها. ورَوَى طَاوُس، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذا أتَى أحَدُكُم البَرَازَ فَلْيُنَزِّهْ قِبْلَةَ اللهِ، ولا يَسْتَقْبِلْهَا ولَا يَسْتَدْبِرْهَا، ولْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثةِ أحْجَارٍ، أو ثَلَاثةِ أعْوَادٍ، أو ثلاثِ حَثَياتٍ مِنْ تُرابٍ". رَواهُ الدَّارقُطْنِىُّ (٥)، وقال: وقد رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، والصَّحيحُ أنه مُرْسَلٌ ورَواهُ سعيدٌ، في "سُنَنِه" مَوْقُوفًا على طَاوُس. ولأنَّه متى وَرَدَ النَّصُّ بشيءٍ لِمَعْنًى مَعْقُولٍ، وَجَبَ تَعْدِيتُه إلى ما وُجِدَ فيه المَعْنَى، والمَعْنَى ههُنَا إزالةُ عَيْنِ النَّجاسةِ، وهذا يَحْصُلُ بغيرِ الأَحْجارِ، كحُصُولِه بها، وبهذا يَخْرُجُ التَّيَمُّمُ؛ فإنَّه غيرُ مَعْقُولٍ، ولا بُدَّ أن يكونَ ما يُسْتَجْمَرُ به مُنَقِّيًا؛ لأنَّ الإِنْقَاءَ مُشْتَرَطٌ في الاسْتِجْمارِ، فأمَّا الزَّلِجُ كالزُّجَاجِ والفَحْمِ الرِّخْوِ وشِبْههما ممَّا لا يُنَقِّى، فلا يُجْزِىءُ؛ لأنه لا يَحْصُلُ منه المقصودُ. ويُشْتَرَط كَوْنُه طاهِرًا، فإنْ كان نَجِسًا لم يُجْزِه، وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنِيفة: يُجْزِئُه؛ لأنَّه يُجَفِّفُ كالطَّاهِرِ. ولنَا، أنَّ ابنَ مَسْعُودٍ جاء إلى النبيِّ ﷺ بحَجَرَيْن ورَوْثَةٍ يَسْتَجْمِرُ بها، فأخَذَ الحَجَرَيْنِ وألْقَى الرَّوْثَة، وقال: "هذِهِ رِكْسٌ". رَواهُ البُخَارِىُّ (٦)، وفى لَفْظٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (٧)، قال: "إِنَّها رِكْسٌ". يعني

стр. 271

نَجِسًا، وهذا تَعْلِيلٌ من النبيِّ ﷺ يجبُ المصيرُ إليه، ولأنه إزالةُ نَجَاسةٍ، فلا يَحْصُلُ بالنَّجاسةِ كالغَسْلِ، فإن اسْتَنْجَى بنَجِسٍ احْتَمَلَ أنْ لا يُجْزِئَه الاسْتِجْمارُ بعدَه؛ لأنَّ المَحَلَّ تَنَجَّسَ بنجاسةٍ مِن غيرِ المخْرَجِ، فلم يُجْزِىءْ فيها غيرُ الماءِ، كما لو تَنَجَّسَ ابتداءً، ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه؛ لأنَّ هذه النَّجاسةَ تابعةٌ لنجاسةِ المَحَلِّ، فزالتْ بزَوَالِها. ٣٩ - مسألة؛ قال: (إلا الرَّوْثَ والعِظَامَ والطَّعَامَ) . وجُمْلتُه، أنه لا يجوزُ الاسْتِجْمارُ بالرَّوْثِ ولا العِظامِ، ولا يُجْزِىءُ في قَوْلِ أَكْثَرِ أهلِ العِلْم، وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشافِعِىُّ، وإسْحَاق. وأباحَ أبو حنيفة الاسْتِنْجاءَ بهما؛ لأنَّهما يُجفِّفانِ النَّجاسةَ، ويُنَقِّيان المَحَلَّ، فَهُما كالحَجَرِ. وأباح مالكٌ الاسْتِنْجاءَ بالطَّاهرِ منهما. وقد ذَكَرْنا نَهْىَ النبيِّ ﷺ عنهما، ورَوَى مُسْلِم (١)، عن ابنِ مَسْعُود، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا تَسْتَنْجُوا بالرَّوْثِ ولا بالعِظامِ؛ فإنَّه زَادُ إخْوَانِكُم مِنَ الجِنِّ". ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٢)، أن النبيَّ ﷺ نَهَى أن نَسْتَنْجِىَ برَوْثٍ أو عَظْمٍ؛ وقال: "إنَّهُما لا يُطَهِّرانِ". وقال: إسنادٌ صحيحٌ. ورَوَى أبُو دَاوُد (٣)، عنه ﵇، أنه قال لِرُوَيْفِع بن ثَابِت، أبي بَكْرةَ (٤): "أَخْبِرِ النَّاسَ أنَّه مَنِ اسْتَنْجَى برَجِيعٍ أو عَظْمٍ فَهُوَ بَرِىءٌ مِنْ (٥) مُحَمَّدِ". وهذا عامٌّ في الطَّاهرِ منها، والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفَسَادَ وعَدَمَ الإِجْزاءِ. فأما الطَّعَامُ فتَحْرِيمُه مِن طَريقِ التَّنْبِيه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ عَلَّلَ النَّهْىَ عن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ، في حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ،

стр. 272

بكَوْنِهِما زادَ إخْوَانِنَا مِنَ الجِنِّ، فزَادُنا مع عِظَمِ حُرْمَتِه أَوْلَى. فإنَّ قِيلَ: فقد نَهَى عن الاسْتِنْجاءِ باليَمينِ، كَنَهْيهِ ههُنَا، ولم (٦) يَمْنَعْ ذلك الإِجْزَاءَ ثَمَّ، كذا ههنا. قُلْنا: قد بَيَّنَ في الحديثِ أنَّهما لا يُطَهِّران، ثم الفَرْقُ بينهما أنَّ النَّهْىَ ههنا لمعنًى في شَرْطِ الفِعْلِ، فمنَع صِحَّتَه، كالنَّهْىِ عن الوُضُوءِ بالماءِ النَّجِسِ، وثَمَّ لمعنًى في آلةِ الشَّرْطِ، فلم يَمْنَعْ كالوُضُوءِ من إناءٍ مُحَرَّمٍ. فصل: ولا يجوزُ الاسْتِنْجاء بما له حُرْمَة؛ كشىءٍ كُتِبَ فيه فِقْهٌ، أو حَدِيثُ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ لما فيه من هَتْكِ الشَّرِيعةِ، والاسْتِخْفافِ بحُرْمَتِها، فهو في الحُرْمةِ أعْظَمُ مِن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ. ولا يجوزُ بمُتَّصلٍ بحَيَوانٍ، كيدِه وعَقِبِه، وذَنَبِ بهيمةٍ وصُوفِها المُتَّصِلِ بها. وقال بعضُ أصحابنا: يَجْمَعُ المُسْتَجْمَرُ به سِتَّ خِصَالٍ؛ أن يكون طاهِرًا، جامِدًا، مُنَقِّيًا، غيرَ مَطْعُومٍ، ولا حُرْمَةَ له، ولا مُتَّصِل (٧) بحَيَوانٍ. ٤٠ - مسألة؛ قال: (والحَجَرُ الكَبِيرُ الَّذِى له ثَلَاثُ شُعَبٍ يَقُومُ مَقَامَ ثَلَاثَةِ أحْجَارٍ) وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وإسْحاق، وأبُو ثَوْر. وعن أحمدَ، رواية أخرى: لا يُجْزِىءُ أَقَلُّ مِن ثلاثةِ أحجارٍ. وهو قول أبي بَكر ابن المُنْذِر؛ لقوله ﵇: "لا يَسْتَنْجِى أحَدُكُمْ بدُونِ ثَلَاثةِ أحْجارٍ"، "وَلَا يَكْفِى أحَدَكُمْ دُونَ ثَلاثةِ أحْجارٍ". ولأنَّه إذا اسْتَجْمَرَ بحَجرٍ تَنَجَّسَ؛ فلا يجوزُ الاسْتِجْمارُ به ثانِيًا، كالصَّغِيرِ. ولنَا، أنَّه إن اسْتَجْمَرَ ثلاثًا مُنَقِّيةً بما وُجِدَت فيه شُرُوط الاسْتِجْمارِ، أَجْزَأَه، كما لو فصَله ثلاثةً صِغارًا واسْتَجْمَرَ بها، إذ لا فَرْقَ بين الأَصْلِ والفَرْعِ إلَّا فَصْلُه، ولا أثَرَ لذلك في التَّطهِيرِ، والحديثُ يقْتَضِى ثلاثَ مَسَحاتِ بحَجَرٍ دون عَيْنِ الأَحْجارِ، كما يقال: ضَرَبْتُه ثلَاثةَ أسْواطٍ. أي ثلاثَ ضَرَباتٍ بسَوْطٍ. وذلك لأنَّ معناه مَعْقولٌ، ومُرَادُه مَعْلومٌ، ولذلك لم نَقْتَصِرْ علَى لَفْظِه فى غيرِ الأحجارِ، بل أَجَزْنا الخَشَبَ

стр. 273

والخِرَقَ والمَدَرَ، والمعنى مِن ثَلَاثةٍ حاصِلٌ مِن ثَلاثِ شُعَبٍ أو مِنْ (١) مَسْحِهِ ذَكَرَهُ في صَخْرةٍ عَظِيمةٍ، بثلاثةِ مَواضِعَ منها، أو في حائطٍ، أو أرْضٍ، فلا مَعْنَى للجُمُودِ علَى اللَّفْظِ مع وُجُودِ ما يُسَاوِيه من كُلِّ وَجْهٍ. وقَوْلُهم: تَنَجَّس. قُلْنا: إنَّما تَنَجَّس ما أصابَ النَّجاسة، والاسْتِجْمارُ حاصِلٌ بغيرِه، فأشْبَهَ ما لو تَنَجَّسَ جانِبهُ بغيرِ الاسْتِجْمار، ولأنَّه لو اسْتَجْمَر به ثلاثةٌ لحَصَلَ لكلِّ واحدٍ منهم مَسْحَةٌ، وقام مَقَام ثلاثةِ أحْجارٍ، فكذلك إذا اسْتَجْمَر به الواحدُ، ولو اسْتَجْمَر ثلاثةٌ بثلاثةِ أحْجارٍ لكُلِّ حَجَرٍ منها ثلاثُ شُعَبٍ، فاسْتَجْمَر كُلُّ واحدٍ منهم مِن كُلِّ حَجَرٍ بشُعْبةٍ، أجْزَأهم. ويَحْتَمِلُ علَى قَوْلِ أبي بكر أن لا يُجْزِئَهم. فصل: ولو اسْتَجْمَر بحَجَرٍ، ثم غَسَلَ أو كَسَرَ ما تَنَجَّسَ منه، واسْتَجْمَر به ثانِيًا، ثم فَعَلَ ذلك واسْتَجْمَرَ به ثالِثًا، أجْزَأَهُ؛ لأنَّه حَجَرٌ يُجْزِىءُ غيرَه الاسْتِجْمارُ به، فأجْزَأَهُ كغَيْرِه. ويَحْتَمِلُ علَى قَوْلِ أبى بكرٍ أن لا يُجْزِئَه؛ مُحافَظَةً على صُورَةِ اللَّفْظِ، وهو بَعِيدٌ. ٤١ - مسألة؛ قال: (وما عَدَا المَخْرَجَ فَلا يُجْزِىءُ فيه إلَّا الماءُ) . وبها قال الشَّافِعِيُّ، وإسحاق، وابنُ المُنْذِرِ. يَعْنِى إذا تَجاوزَ المَحَلَّ بما لَمْ تَجْرِ به العادةُ، مثلَ أن يَنْتَشِرَ إلى الصَّفْحَتَيْن وامْتَدَّ في الحَشَفَةِ، لم يُجْزِه إلَّا الماءُ؛ لأنَّ الاسْتِجْمارَ في المَحَلِّ المُعْتَادِ رُخصةٌ لأَجْلِ المَشَقَّةِ في غَسْلِه لتَكَرُّرِ النَّجاسة فيه، فما لا تَتَكَرَّرُ النَّجاسةُ فيه لا يُجْزِىءُ فيه إلَّا الغَسْلُ، كسَاقِهِ وفَخِذِه، ولذلك قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه: إنَّكُم كُنْتُمْ تَبْعَرُونَ بَعْرًا، وأنتُم اليومَ تَثْلِطُونَ ثَلْطًا (١)، فأتْبِعُوا الماءَ الأَحْجَارَ. وقولُه ﷺ : "يَكْفِى أحَدَكُمْ ثلاثةُ أَحْجارٍ" (٢). أراد ما لم يُجَاوِزْ (٣)

стр. 274

مَحلَّ العادةِ؛ لما ذَكَرْنا. فصل: والمرأةُ البِكْرُ كالرَّجُلِ؛ لأنَّ عُذْرَتَها تمنعُ انتشارَ البَوْلِ. فأمَّا الثَّيِّبُ فإن خَرَجَ البولُ بحِدَّةٍ فلم يَنْتَشِر، فكذلك، وإن تَعَدَّى إلى مَخْرَجِ الحَيْضِ، فقال أصحابُنا: يَجِبُ غَسْلُه؛ لأنَّ مَخْرَجَ الحَيْضِ والوَلَدِ غيرُ مَخْرَجِ البَوْلِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَجِبَ؛ لأنَّ هذا عادةٌ في حَقِّها، فكَفَى فيه الاسْتِجْمارُ، كالمُعْتادِ في غيرِها، ولأنَّ الغَسْلَ لو لَزِمَها، مع اعْتِيادِه، لَبَيَّنَهُ النبيُّ ﷺ لأزْواجِه، لكَوْنِه مِمَّا يُحْتاجُ إلى مَعْرِفَتِه. وإن شَكَّ في انتشارِ الخارجِ إلى ما يُوجِبُ الغَسْلَ، لم يَجِبْ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُه، والمُسْتَحَبُّ الغَسْلُ احْتِياطًا. فصل: والأَقْلَفُ إن كان مُرْتَتِقًا لا تَخْرُجُ بَشَرَتُه من قُلْفَتِه فهو كالمُخْتَتنِ، وإن كان يُمْكِنُه كَشْفُها كَشَفَها، فإذا بالَ واسْتَجْمَرَ أعادَها، فإن تَنَجَّسَتْ بالبولِ لَزِمَهُ غَسْلُها، كما لو انْتَشَرَ إلى الحَشَفَةِ. فصل: وإن انْسَدَّ المَخْرَجُ المُعتادُ وانْفَتَح آخر، لم يُجْزِه الاسْتِجْمارُ فيه؛ لأنَّه غيرُ السَّبيلِ المُعتادِ. وحُكِىَ عن بعضِ أصحابِنا أنه يُجْزِئهُ؛ لأنه صارَ مُعْتادًا. ولنَا، أنَّ هذا نادرٌ بالنِّسْبةِ إلى سائرِ النَّاس، فلم تَثْبُتْ فيه أحكامُ الفَرْجِ، فإنَّه لا يَنْقُضُ الوُضُوءَ مَسُّه، ولا يَجِبُ بالإِيلاجِ فيه حَدٌّ ولا مَهْرٌ ولا غُسْلٌ، ولا غيرُ ذلك من الأَحْكامِ، فأشْبَهَ سائرَ البَدَنِ. فصل: ظاهرُ كلامِ أَحْمد أنَّ مَحَلَّ الاسْتِجْمارِ بعدَ الإِنْقاءِ طاهرٌ، فإنَّ أحمد بن الحُسَيْن (٤)، قال: سألتُ أبَا عَبْدِ اللَّه عن الرَّجُلِ يَبُولُ ويسْتَبْرِىءُ ويَسْتَجْمِرُ يَعْرَقُ في سَرَاوِيلِه؟ قال: إذا اسْتَجْمَر ثَلاثًا فلا بَأْسَ. وسأَلَهُ رَجُلٌ، فقال: إذا اسْتَنْجَيْتُ مِن الغائِطِ يُصِيبُ (٥) ذلك الماءُ موضِعًا منِّى آخَرَ؟ فقال أحمد: قد جاء في الاسْتِنْجاءِ ثَلاثةُ أحْجارٍ، فاسْتَنْجِ أنْتَ بثَلاثةِ أحْجارٍ، ثم لا تُبَالِ ما أصَابَكَ من

стр. 275

ذلك الماء. قال: وسألتُ أحمدَ عن رَشِّ الماءِ علَى الخُفِّ إذا لم يَسْتَجْمِرِ الرَّجُلُ؟ قال: أحَبُّ إلَيَّ أن يَغْسِلَه ثلاثًا. وهذا قول ابنُ حامِدٍ. وظاهرُ قَوْلِ المتأَخِّرِينَ من أصحابِنا أنه نَجِسٌ، وهو قول الشّافِعِىِّ، وأبى حَنِيفَة. فلو قَعَدَ المُسْتَجْمِرُ في ماءٍ قَليلٍ نَجَّسَه، ولو عَرِقَ كان عَرَقُه نَجِسًا؛ لأنه مَسْحٌ للنَّجاسةِ، فلم يطْهُرْ به مَحَلُّها كسائرِ المَسْحِ. ووَجْهُ الأوَّلِ قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "لا تَسْتَنْجُوا برَوْثٍ ولا عَظْمٍ، فإنَّهُمَا لا يُطَهِّرانِ". فمَفْهُومُه أنَّ غيرَهما يُطَهِّرُ، ولأنَّ الصحابةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، كان الغالبُ عليهمِ الاسْتِجْمارُ، حتَّى إنَّ جماعةً منهم أنكَرُوا الاسْتِنْجاءَ بالماءِ، وسَمَّاهُ بعضُهُم بِدْعَةً، وبلادُهم حَارَّةً، والظاهرُ أنَّهم لا يَسْلَمُون من العَرَقِ، فلم يُنْقَلْ عنهم تَوَقِّى ذلك، ولا الاحْتِرازُ منه، ولا ذِكْرٌ لِذلك (٦) أصْلًا، وقد نُقِل عن ابنِ عُمَر، أنَّه بالَ بالمُزْدَلِفَةِ، فأدْخَلَ يدَه فنَضَحَ فَرْجَه مِن تحتِ ثِيابهِ، وعن إبراهيمَ النَّخَعِىِّ نحوُ ذلك، ولولا أنَّهما اعْتَقدَا طَهَارَتَه ما فَعَلَا ذلك. فصل: إذا اسْتَنْجَى بالماءِ لم يَحْتَجْ إلى تُرابٍ. قال أحمد: يُجْزِئُه الماءُ وَحْدَه. ولم يُنْقَلْ عن النبيِّ ﷺ أنه اسْتَعْمَلَ التُرابَ مع الماءِ في الاسْتِنْجاءِ، ولا أَمَرَ به. فأما عَدَد الغَسَلات فقد اخْتُلِفَ عن أحمدَ فيها؛ فقالَ، في رِوَايةِ ابْنهِ صالِح: أقَلُّ ما يُجْزِئُه من الماءِ سَبْعُ مَرَّاتٍ. وقال، في روايةِ محمد بنِ الحَكَمِ: ولكن المَقْعَدَةُ يُجْزِىءُ أن تُمْسَحَ بثلاثةِ أحْجارٍ أو تَغْسِلها ثلاثَ مَرَّاتٍ، ولا يُجْزِىءُ عندى إذا كان في الجَسَدِ أنْ يغْسِلَه ثلاثَ مَرَّاتٍ، وذلك لِمَا رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَغْسِلُ مَقْعَدَتَه ثَلاثًا. روَاهُ ابنُ مَاجَه (٧). وقال أبو داود: سُئِلَ أَحْمَدُ عن حَدِّ الاسْتِنْجاء بالماءِ؟ فقال: يُنَقِّى. وظاهِرُ هذا أنَّه لا عَدَدَ فيه، إنَّما الواجبُ الإِنْقاءُ، وهذا أصَحُّ؛ لأنَّه يَصِحّ عن النبيِّ ﷺ في ذلك عَدَدٌ، ولا أَمَرَ به، ولا بُدَّ من الإِنْقاءِ علَى الرِّواياتِ كُلِّها، وهو أن تَذْهَبَ زُلُوجةُ (٨) النَّجاسةِ وآثارُها.

стр. 276

فُصُولٌ في أدبِ التَّخَلِّى لا يَجُوزُ اسْتِقبالُ القِبْلَةِ في الفَضَاءِ لقَضاء الحاجةِ، في قَوْلِ أَكْثَرِ أهلِ العِلْمِ؛ لما رَوَى أبو أَيُّوب، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ . "إذَا أَتَى أحَدُكُم الْغَائِطَ فلا يَسْتَقْبِلِ القِبْلةَ ولَا يُوَلِّها ظَهْرَهُ، ولكِنْ (٩) شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا". قال أبُو أَيُّوب: فَقَدِمْنَا الشامَ فوَجَدْنا مَرَاحِيضَ قد بُنِيَت نحو الكَعْبةِ، فنَنْحَرِفُ عنها، ونَسْتَغْفِرُ اللَّه . مُتَّفَقٌ عليه (١٠). ولِمُسْلِمَ (١١)، عن أبي هُرَيْرة، عن رسولِ اللَّه ﷺ : "إذا جَلَسَ أحَدُكُم عَلَى حَاجَتِهِ فلَا يَسْتَقْبِل القِبْلَةَ ولا يَسْتَدْبِرْهَا". وقال عُرْوةُ (١٢) ورَبِيعَةُ (١٣)، ودَاوُد: يَجُوزُ اسْتِقْبالُها واسْتِدْبَارُها؛ لما رَوَى جابر، قال: نَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلةَ بِبَوْلٍ، فرأيتُه قبلَ أن يُقْبَضَ بعامٍ يَسْتَقْبِلُها (١٤). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وهذا دَلِيلٌ على النَّسْخِ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه.

стр. 277

ولنا، أحادِيثُ النَّهْىِ، وهى صَحِيحةٌ؛ وحَدِيثُ جابرٍ يَحْتَمِلُ أنَّه رَآهُ في البُنْيَانِ، أو مُسْتَتِرًا بشيءٍ، ولا يَثْبُتُ النَّسْخُ بالاحْتِمالِ، ويتَعَّينُ حَمْله على ما ذَكَرْنا، ليكونَ مُوافِقًا للأحاديثِ التي نَذْكُرها. فأما في البُنْيَانِ، أو إذا كان بينه وبين القِبْلَةِ شيءٌ يَسْتُرُه، فَفِيه رِوَايَتان: إحداهما؛ لا يَجُوزُ أيضًا. وهو قولُ الثَّوْرِىّ وأبي حَنِيفَة، لعُمُومِ الأحادِيثِ في النَّهْىِ. والثانية، يَجُوزُ اسْتِقْبَالُها واسْتِدْبارُها في البُنْيانِ، رُوى ذلك عن العَبَّاسِ، وابنِ عُمَر، رضى اللَّه عنهما، وبه قال مالِك، والشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِر، وهو الصَّحِيحُ؛ لحدِيثِ جابرٍ، وقد حَمَلْناه على أنه كان في البُنْيانِ، ورَوَتْ عائشةُ أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ ذُكِرَ لَهُ أنَّ قَوْمًا يَكْرَهُونَ اسْتِقْبالَ القِبْلَةِ بِفُرُوجِهِم، فقال رَسُولُ اللَّه ﷺ : " [أو قَدْ فَعَلُوهَا] (١٥) اسْتَقْبِلُوا بمَقْعَدَتِى القِبْلَة (١٦) ". رَوَاهُ أصحابُ السُّنَنِ (١٧). [وأكثرُ أَصْحابِ] (١٨) المَسانِيد؛ منهم أبو داود الطَّيَالِسِىّ، رَوَاه عن خالد بنِ الصَّلْتِ، عن عِرَاك بن مالك، عن عائشة. قال أبُو عَبْد اللَّه: أحْسَن ما رُوِى في الرُّخْصَة حَدِيثُ عائِشة، وإن كان مُرْسَلًا؛ فإنَّ مخْرَجَه حَسَنٌ. قال أحمد: عِرَاك لم يَسْمَعْ من عائشة فَلذلك سَمَّاهُ مُرْسَلًا. وهذا كلُّه (١٩) في البُنْيانِ، وهو خاصٌّ يُقَدَّمُ عَلَى العامِّ. وعن مَرْوان الأصْفَر، قال: رأيتُ ابنَ عُمَر أناخَ راحِلَتَه مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ثم جَلَسَ يَبُولُ إليها. فقلتُ: يا أبا عبدِ الرحمن، أَلَيْسَ قد نُهِىَ عن هذا؟ قال. بَلَى إنَّما نُهِى عن هذا في الفَضَاءِ، فإذا كان بَيْنَك وبينَ القِبْلةِ شيءٌ يَسْتُرُك فلا بَأْسَ. رواه أبو داود (٢٠). وهذا تَفْسِيرٌ لنَهْىِ رَسُولِ اللهِ ﷺ العامِّ،

стр. 278

وفيه جَمْعٌ بين الأَحَادِيثِ، فيَتَعَيَّن المَصِيرُ إليه. وعن أحمد: أنه يَجُوزُ اسْتِدْبارُ الكَعْبة في البُنْيانِ والفَضَاءِ جَمِيعًا؛ لما رَوَى ابنُ عُمَر، قال: رَقِيتُ يومًا (٢١) عَلَى بَيْت حَفْصَةَ، فرأَيتُ النبيَّ ﷺ علَى حاجَتِه، مُسْتَقْبِلَ الشامِ مُسْتَدْبِرَ الكَعْبةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢٢). فصل: ويُكْرَهُ أن يَسْتَقْبِلَ الشمسَ والقَمَرَ بفَرْجِهِ؛ لِمَا فِيهِما من نُورِ اللهِ تَعالَى. فإن اسْتَترَ عنهما بشيءٍ فلا بَأْسَ؛ لأنه لو اسْتَتَرَ عن القِبْلةِ جازَ، فههُنا أَوْلَى. ويُكْرَه أن يَسْتَقْبِلَ الرِّيحَ؛ لِئَلَّا تَرُدَّ عليه رَشَاشَ البَوْلِ، فَيُنَجِّسَه. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَسْتَتِرَ عن الناسِ، فإن وَجَد حائِطًا أو كَثِيبًا أو شَجرةً أو بَعِيرًا اسْتَتَرَ به، وإن لم يَجِدْ شيئًا أبْعَدَ حتَّى لا يَراهُ أحدٌ؛ لما رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن أَتَى الْغائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنَ الرَّمْلِ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ (٢٣) ". ورُوِىَ عنه ﵇، أنه خَرَجَ ومَعَه دَرَقَةٌ (٢٤)، ثُمَّ اسْتَتَر بها، ثُمّ بالَ (٢٥). وعن جابرٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا أرادَ البَرَازَ انْطَلَقَ حتَّى لا يَراهُ أحدٌ (٢٦). والبَرَازُ: المَوْضِعُ البارِزُ، سُمِّى قَضَاءُ الحاجةِ به؛ لأنها تُقْضَى فِيهِ. وعن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبة، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا ذَهَبَ أبْعَدَ (٢٧). رَوَى أحادِيثَ هذا

стр. 279

ال فَصْلِ كلها أبُو دَاوُد وابنُ مَاجَه. وقال عبدُ اللهِ بنُ جَعْفَرٍ: كان أحَبَّ ما اسْتَتَر به النبيُّ ﷺ لحاجَتِه هَدَفٌ أو حائِشُ نَخْلٍ (٢٨). رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٢٩). فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَرْتَادَ لِبَوْلِه مَوْضِعًا رَخْوًا؛ لئلَّا يَتَرَشَّشَ عليه، قال أبو موسى: كنتُ معَ النبيِّ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ، فأراد أنْ يَتَبَوَّلَ، فأتَى دَمِثًا (٣٠) في أصْلِ حائِطٍ، فبَالَ، ثم قال: "إذَا أرَادَ أحَدُكُمْ أنْ يَبُولَ (٣١) فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِه (٣٢) ". ويُسْتَحَبُّ أن يَبُولَ قاعِدًا؛ لِئَلَّا يَتَرَشَّشَ عليه، قال ابنُ مَسْعُود: مِنَ الجَفَاءِ أن تَبُولَ وأنتَ قائِمٌ. وكان سَعْدُ بنُ إبراهيم (٣٣) لا يُجِيزُ شَهادةَ مَنْ بالَ قائِمًا، قالت عائشةُ: مَنْ حَدَّثَكُم أن رَسُولَ اللَّه ﷺ كان يَبُولُ قائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوه، ما كان يَبُولُ إلَّا قاعِدًا (٣٤). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا أصَحُّ شيءٍ في البابِ. وقد رُوِيت الرُّخْصَة فيه

стр. 280

عن عُمَر، وعَلِىّ، وابنِ عُمَر، وزيدِ بن ثابتٍ، وسَهْلِ بنِ سعد (٣٥)، وأنس، وأبي هُرَيْرَة، وعُرْوَة. ورَوَى حُذَيْفَة أن النبيَّ ﷺ أتَى سُبَاطةَ (٣٦) قَوْمٍ، فبالَ قائِمًا. رَوَاه البُخَارِىُّ، وغيرُه (٣٧). ولَعَلَّ النبيَّ ﷺ فَعلَ ذلك لتَبْيِينِ الجَوَازِ، ولم يَفْعَلْه إلا مَرةً واحدةً (٣٨)، ويَحْتَمِلُ أنَّه كان في مَوْضِعٍ لا يتمَكَّنُ مِن الجُلوسِ فيه. وقيل: فَعَلَ ذلك لِعِلَّةٍ كانت بمَأْبِضِه. والمَأْبِضُ: ما تحت الرُّكبةِ من كلِّ حيوانٍ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ لا يَرْفَعَ ثَوْبَه حتَّى يَدْنُوَ من الأرضِ؛ لما رَوَى أبُو دَاوُد (٣٩)، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه كان إذا أرادَ الحاجةَ لا يَرْفَعُ ثَوْبَه حتى يَدْنُوَ مِن الأرضِ. ولأنَّ ذلك أسْتَرُ له، فيكونُ أَوْلَى. فصل: ولا يجوزُ أن يَبُولَ في طريقِ الناسِ، ولا مَوْرِدِ ماءٍ، ولا ظِلٍّ يَنْتَفِعُ بهِ الناسُ؛ لما رَوَى مُعاذ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ؛ البَرازَ في الْمَوَارِدِ، وقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، والظِّلِّ". رَوَاهُ أبُو دَاوُد (٤٠)، قال رسولُ اللهِ ﷺ :

стр. 281

"اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ (٤١) "، قالوا: وما اللَّعَّانان (٤١) يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: "الَّذِى يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أو في ظِلِّهِمْ". أخْرَجَهُ مُسْلِم (٤٢). والمَوْرِدُ: طَرِيقٌ. ولا يَبُولُ تحتَ شجرةٍ مُثْمرةٍ، في حالِ كَوْنِ الثَّمرةِ عليها؛ لِئلَّا تَسْقُط عليه الثمرةُ فتَتَنَجَّس به. فأما في غَيْرِ حالِ الثَّمَرةِ فلا بَأْسَ، فإنَّ النبيَّ ﷺ ، كان أحَبَّ [ما اسْتَتَر بهِ لحاجتِه] (٤٣) هَدَفٌ أو حَائِشُ نَخْلٍ. ولا يَبُولُ في الماءِ الدائمِ، لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن البَوْلِ في الماءِ الراكدِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤٤)، ولأن الماءَ إن كان قَلِيلًا نَجَّسَهُ (٤٥)، وإن كان كثيرًا، فَرُبَّما تَغَيَّر بتَكْرارِ البَوْلِ فيه، فأمّا الجارِى فلا يَجُوزُ التَّغَوُّط فيه؛ لأنَّه يُؤْذِى مَنْ يَمُرّ به. وإن بالَ فِيهِ، وهو كثيرٌ لا يُؤَثِّرُ فيه البَوْلُ، فلا بَأْسَ؛ لأنَّ تَخْصِيصَ النبيِّ ﷺ الرَّاكِدَ بالنَّهْىِ عن البَوْلِ فيه دَلِيلٌ عَلَى أنَّ الجارِىَ بخِلَافِه. ولا يَبُولُ على ما نُهِىَ عن الاسْتِجْمارِ به؛ لأن هذا أبلغُ من الاسْتِجْمارِ به، فالنَّهْىُ ثَمَّ تَنْبِيهٌ عَلَى تَحْريمِ البَوْلِ عليه. ويُكْرَهُ أن يَبُولَ في شَقٍّ أو ثَقْبٍ؛ لما رَوَى عَبْدُ اللَّه بن سَرْجِسَ، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى أنْ يُبالَ في الجُحْرِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُد (٤٦)؛ ولأنَّه لا يَأْمَنُ أن يكونَ فيه حَيوانٌ يَلْسَعُه، أو يكونَ مَسْكَنًا للجِنِّ فيَتَأَذَّى بهم، فقد حُكِىَ أن سَعْدَ بن عُبادة (٤٧) بالَ في جُحْرٍ بالشَّامِ، ثم اسْتَلْقَى مَيِّتًا، فَسُمِعَتِ الجِنُّ

стр. 282

تَقُولُ: نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الخَزْ ... رَجِ سَعْدَ بن عبَادَهْ ورَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْـ ... ـنِ فلَمْ نُخْطِىءْ فُؤَادَهْ ولا يَبُولُ في مُسْتَحَمِّه، فإن عامَّة الوَسْوَاسِ مِنه، رَوَاهُ أبو داود، وابنُ مَاجَه (٤٨)، وقال (٤٩): سَمِعْتُ عَلِىَّ بن محمد الطَّنَافِسِىَّ، يقول: إنَّما هذا في الحَفِيرَةِ؛ فأما اليوم فمُغْتَسَلاتُهم الجِصُّ والصَّارُوجُ والقِيرُ (٥٠)، فإذا بالَ وأَرْسَلَ عليه الماءَ، فلا بَأْسَ به. وقد قِيل: إنَّ البُصَاقَ علَى البَوْلِ يُورِثُ الوَسْوَاسَ، وإِن البَوْلَ علَى النَّارِ يُورِثُ السَّقَمَ، وتَوَقِّى ذلك كُلِّه أَوْلَى. ويُكْرَهُ أن يَتَوَضَّأ علَى مَوْضِعِ بَوْلهِ، أو يَسْتَنْجِىَ عليه؛ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ به. فصل: ويَعْتَمِدُ في حالِ جُلُوسِهِ علَى رِجْلهِ اليُسْرَى، لما رَوَى سُرَاقَة بن مالك، قال: أمَرَنا رَسُولُ اللهِ ﷺ أن نَتَوَكَّأ عَلَى اليُسْرَى، وأن نَنْصِبَ اليُمْنَى. رَوَاهُ الطَّبَرانِىُّ (٥١)، في "المُعْجَم"؛ ولأنَّه أسْهَلُ لخُرُوجِ الخارِجِ، ولا يُطِيلُ المُقَامَ أَكْثَر من قَدْرِ الحاجةِ؛ لأن ذلك يَضُرُّهُ، وقد قيل: إنه يُورِثُ الباسُورَ. وقيل: إنه يُدْمِى الكَبِدَ، ورُبَّما آذَى مَنْ يَنْتَظِرُه. ويُسْتَحَبُّ أن يُغَطِّىَ رَأْسَه؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن أبي بكر الصِّدِّيق، رضى اللَّه عنه، ولأنَّه حالَ كَشْفِ العَوْرَة فيَسْتَحيِى فيها. ويَلْبَسَ حِذَاءَهُ؛ لِئَلَّا تَتَنَجَّس

стр. 283

رِجْلَاه. ولا يَذْكُر اللهَ تَعالَى على حاجَتِه إلَّا بقَلْبِه. وكَرِهَ ذلك ابنُ عَبّاس، وعَطَاء، وعِكْرِمة، وقال ابنُ سِيرِين، والنَّخَعِىُّ: لا بأسَ به؛ لأنَّ ذِكْرَ (٥٢) اللَّه تعالى مَحْمودٌ على كُلِّ حالٍ. ولنَا أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَرُدَّ السلامَ في هذه الحالَ، فَذِكْرُ اللهِ أَوْلَى. فإذا عَطَسَ حَمِدَ اللهَ بقَلْبِه ولم يتكلَّم. وقال ابنُ عَقِيلٍ فيه رِوايةٍ أخْرَى، إنه يَحْمَدُ اللهَ بِلِسانِه. والأَوَّل أُوْلَى؛ لما ذَكَرْناه، فإنَّه إذا لم يَرُدَّ السَّلامَ الواجِبَ، فما ليس بواجبٍ أوْلَى. ولا يُسَلِّم ولا يَرُدُّ على مُسَلِّمٍ؛ لما رَوَى ابنُ عُمرَ، أن رَجُلًا مَرَّ علَى النبيِّ ﷺ ، وهو يَبُولُ، فسَلَّم، فلم يَرُدَّ عليه (٥٣). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن جابِرٍ، أنَّ رَجُلًا مَرَّ علَى النبيِّ ﷺ وهو يَبُولُ، فسَلَّم عليه، فقال النبيُّ ﷺ : "إذَا رأَيْتَنِى علَى مِثْلِ هذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَىَّ؛ فإنَّكَ إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لم (٥٤) أرُدَّ عَلَيْكَ". رَوَاه ابنُ مَاجَه (٥٥). ولا يَتكلَّم؛ لما رَوَى أبُو سَعِيد قال، سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتَيْهما يَتَحدَّثَانِ، فَإنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ". رَوَاه أبُو دَاوُد (٥٦). فصل: إذا أراد دُخُولَ الخَلاءِ ومعه شيءٌ فيه ذِكْرُ اللهِ تعالى، اسْتُحِبَّ وَضْعُه. قال أنَسُ بن مالِك: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا دَخَلَ الخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ. رواه ابنُ

стр. 284

ماجَه، وأبو داود (٥٧)، وقال: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ. وقيل: إنَّما كان النبيُّ ﷺ يَضَعُهُ؛ لأنَّ فيه "محمد رسول اللَّه" ثلاثة أسْطُر، فإنَّ احْتفَظ بما معه مما فيه ذِكْرُ اللهِ تَعالَى، واحْتَرزَ عليه من السُّقُوطِ، أو أدارَ فَصَّ الخاتَمِ إلى باطِنِ كَفِّه، فلا بَأْسَ. قال أحمد: الخاتَمُ إذا كان فيه اسمُ اللهِ يجْعلُه في باطِنِ كَفِّه، ويدخلُ الخَلاءَ. وقال عِكْرِمة: [اقلِبْهُ هكذا في باطِنِ كَفِّك] (٥٨) فاقْبِضْ عليه. وبه قال إسحاقُ، ورَخَّصَ فيه ابنُ المُسَيَّب، والحَسَن، وابنُ سِيرِين. وقال أحمد في الرَّجُلِ يدخلُ الخَلاءَ ومعه الدَّرَاهِمُ: أرْجُو أن لا يكونَ به بَأْسٌ. فصل: ويُقَدِّمُ رِجْلَه اليُسْرَى في الدُّخُولِ، واليُمْنَى في الخُرُوجِ، ويقولُ عندَ دُخُولِه: بِسْمِ اللَّه، أعوذُ باللهِ من الخُبُثِ والخَبَائِثِ (٥٩)، ومِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. قال أحمد: يقول إذا دَخَل الخَلاءَ: أعوذُ باللهِ من الخُبُثِ والخَبائِثِ، وما دَخَلْتُ قَطُّ المُتَوَضَّأَ ولم أقُلْها، إلَّا أصَابَنِى ما أَكْرَهُ. وعن أنَس، أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا دخلَ الخَلاءَ قال: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من الخُبُثِ والْخَبائِثِ". مُتَّفَقٌ عليه (٦٠). وعن عَلِىّ قال: قال رَسولُ اللَّه ﷺ : "سِتْرُ مَا بَيْنَ

стр. 285

الْجِنِّ وعَوْرَاتِ بَنِى آدَمَ إذَا دَخَلَ الكَنِيفَ أنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ (٦١) ". وعن أبي أُمَامَة، أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يَعْجِزُ أحَدُكم إذا دَخَلَ مِرْفَقَه أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ من الرِّجْسِ النَّجِسِ الخَبِيثِ المُخْبِثِ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ". رواهما ابنُ مَاجَه (٦٢). قال أبو عُبَيْد: الخُبْثُ بسكون الباء: الشَّرُّ. والخَبائِثُ: الشَّياطِينُ. وقيل: الخُبُثُ، بضَمِّ الباء، والخَبائِثُ: ذُكْرَانُ الشياطينِ وإنَاثُهم. فإذا خرَج مِن الخَلَاء قال: غُفْرَانَكَ، الحمدُ للهِ الذي أذْهَبَ عَنِّى الأَذَى وَعافانِى. ورَوَى أنَسٌ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا خَرَجَ من الخَلاءِ قال: "غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ للهِ الَّذِى أذْهَبَ عَنِّى الْأَذَى وعَافَانِى". أخْرَجُه ابنُ ماجَه (٦٣). وقالت عائشة: كان رَسُولُ اللَّه ﷺ إذا خَرَجَ مِن الخَلاءِ قال: "غُفْرَانَكَ (٦٤) ". قال التِّرْمِذِىّ: هذا حديثٌ حسنٌ. فصل: ولا بَأْسَ أن يَبُولَ في الإِناءِ. قالت أُمَيْمَةُ بنتُ رُقَيْقَةَ: كان لِلنبىِّ ﷺ قَدَحٌ مِن عَيْدَانٍ (٦٥) يَبُولُ فيه، ويَضَعُه تحتَ السَّرِيرِ. رواهُ أبُو دَاوُد، والنَّسائِىُّ، وابنُ مَاجَه (٦٦).
следующие страницы →