"اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ (٤١) "، قالوا: وما اللَّعَّانان (٤١) يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: "الَّذِى يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أو في ظِلِّهِمْ". أخْرَجَهُ مُسْلِم (٤٢). والمَوْرِدُ: طَرِيقٌ.
ولا يَبُولُ تحتَ شجرةٍ مُثْمرةٍ، في حالِ كَوْنِ الثَّمرةِ عليها؛ لِئلَّا تَسْقُط عليه الثمرةُ فتَتَنَجَّس به. فأما في غَيْرِ حالِ الثَّمَرةِ فلا بَأْسَ، فإنَّ النبيَّ ﷺ ، كان أحَبَّ [ما اسْتَتَر بهِ لحاجتِه] (٤٣) هَدَفٌ أو حَائِشُ نَخْلٍ. ولا يَبُولُ في الماءِ الدائمِ، لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن البَوْلِ في الماءِ الراكدِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤٤)، ولأن الماءَ إن كان قَلِيلًا نَجَّسَهُ (٤٥)، وإن كان كثيرًا، فَرُبَّما تَغَيَّر بتَكْرارِ البَوْلِ فيه، فأمّا الجارِى فلا يَجُوزُ التَّغَوُّط فيه؛ لأنَّه يُؤْذِى مَنْ يَمُرّ به. وإن بالَ فِيهِ، وهو كثيرٌ لا يُؤَثِّرُ فيه البَوْلُ، فلا بَأْسَ؛ لأنَّ تَخْصِيصَ النبيِّ ﷺ الرَّاكِدَ بالنَّهْىِ عن البَوْلِ فيه دَلِيلٌ عَلَى أنَّ الجارِىَ بخِلَافِه. ولا يَبُولُ على ما نُهِىَ عن الاسْتِجْمارِ به؛ لأن هذا أبلغُ من الاسْتِجْمارِ به، فالنَّهْىُ ثَمَّ تَنْبِيهٌ عَلَى تَحْريمِ البَوْلِ عليه. ويُكْرَهُ أن يَبُولَ في شَقٍّ أو ثَقْبٍ؛ لما رَوَى عَبْدُ اللَّه بن سَرْجِسَ، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى أنْ يُبالَ في الجُحْرِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُد (٤٦)؛ ولأنَّه لا يَأْمَنُ أن يكونَ فيه حَيوانٌ يَلْسَعُه، أو يكونَ مَسْكَنًا للجِنِّ فيَتَأَذَّى بهم، فقد حُكِىَ أن سَعْدَ بن عُبادة (٤٧) بالَ في جُحْرٍ بالشَّامِ، ثم اسْتَلْقَى مَيِّتًا، فَسُمِعَتِ الجِنُّ
стр. 282
تَقُولُ:
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الخَزْ ... رَجِ سَعْدَ بن عبَادَهْ
ورَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْـ ... ـنِ فلَمْ نُخْطِىءْ فُؤَادَهْ
ولا يَبُولُ في مُسْتَحَمِّه، فإن عامَّة الوَسْوَاسِ مِنه، رَوَاهُ أبو داود، وابنُ مَاجَه (٤٨)، وقال (٤٩): سَمِعْتُ عَلِىَّ بن محمد الطَّنَافِسِىَّ، يقول: إنَّما هذا في الحَفِيرَةِ؛ فأما اليوم فمُغْتَسَلاتُهم الجِصُّ والصَّارُوجُ والقِيرُ (٥٠)، فإذا بالَ وأَرْسَلَ عليه الماءَ، فلا بَأْسَ به. وقد قِيل: إنَّ البُصَاقَ علَى البَوْلِ يُورِثُ الوَسْوَاسَ، وإِن البَوْلَ علَى النَّارِ يُورِثُ السَّقَمَ، وتَوَقِّى ذلك كُلِّه أَوْلَى. ويُكْرَهُ أن يَتَوَضَّأ علَى مَوْضِعِ بَوْلهِ، أو يَسْتَنْجِىَ عليه؛ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ به.
فصل: ويَعْتَمِدُ في حالِ جُلُوسِهِ علَى رِجْلهِ اليُسْرَى، لما رَوَى سُرَاقَة بن مالك، قال: أمَرَنا رَسُولُ اللهِ ﷺ أن نَتَوَكَّأ عَلَى اليُسْرَى، وأن نَنْصِبَ اليُمْنَى. رَوَاهُ الطَّبَرانِىُّ (٥١)، في "المُعْجَم"؛ ولأنَّه أسْهَلُ لخُرُوجِ الخارِجِ، ولا يُطِيلُ المُقَامَ أَكْثَر من قَدْرِ الحاجةِ؛ لأن ذلك يَضُرُّهُ، وقد قيل: إنه يُورِثُ الباسُورَ. وقيل: إنه يُدْمِى الكَبِدَ، ورُبَّما آذَى مَنْ يَنْتَظِرُه.
ويُسْتَحَبُّ أن يُغَطِّىَ رَأْسَه؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن أبي بكر الصِّدِّيق، رضى اللَّه عنه، ولأنَّه حالَ كَشْفِ العَوْرَة فيَسْتَحيِى فيها. ويَلْبَسَ حِذَاءَهُ؛ لِئَلَّا تَتَنَجَّس
стр. 283
رِجْلَاه. ولا يَذْكُر اللهَ تَعالَى على حاجَتِه إلَّا بقَلْبِه. وكَرِهَ ذلك ابنُ عَبّاس، وعَطَاء، وعِكْرِمة، وقال ابنُ سِيرِين، والنَّخَعِىُّ: لا بأسَ به؛ لأنَّ ذِكْرَ (٥٢) اللَّه تعالى مَحْمودٌ على كُلِّ حالٍ. ولنَا أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَرُدَّ السلامَ في هذه الحالَ، فَذِكْرُ اللهِ أَوْلَى. فإذا عَطَسَ حَمِدَ اللهَ بقَلْبِه ولم يتكلَّم. وقال ابنُ عَقِيلٍ فيه رِوايةٍ أخْرَى، إنه يَحْمَدُ اللهَ بِلِسانِه. والأَوَّل أُوْلَى؛ لما ذَكَرْناه، فإنَّه إذا لم يَرُدَّ السَّلامَ الواجِبَ، فما ليس بواجبٍ أوْلَى. ولا يُسَلِّم ولا يَرُدُّ على مُسَلِّمٍ؛ لما رَوَى ابنُ عُمرَ، أن رَجُلًا مَرَّ علَى النبيِّ ﷺ ، وهو يَبُولُ، فسَلَّم، فلم يَرُدَّ عليه (٥٣). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن جابِرٍ، أنَّ رَجُلًا مَرَّ علَى النبيِّ ﷺ وهو يَبُولُ، فسَلَّم عليه، فقال النبيُّ ﷺ : "إذَا رأَيْتَنِى علَى مِثْلِ هذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَىَّ؛ فإنَّكَ إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لم (٥٤) أرُدَّ عَلَيْكَ". رَوَاه ابنُ مَاجَه (٥٥). ولا يَتكلَّم؛ لما رَوَى أبُو سَعِيد قال، سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتَيْهما يَتَحدَّثَانِ، فَإنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ". رَوَاه أبُو دَاوُد (٥٦).
فصل: إذا أراد دُخُولَ الخَلاءِ ومعه شيءٌ فيه ذِكْرُ اللهِ تعالى، اسْتُحِبَّ وَضْعُه. قال أنَسُ بن مالِك: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا دَخَلَ الخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ. رواه ابنُ
стр. 284
ماجَه، وأبو داود (٥٧)، وقال: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ. وقيل: إنَّما كان النبيُّ ﷺ يَضَعُهُ؛ لأنَّ فيه "محمد رسول اللَّه" ثلاثة أسْطُر، فإنَّ احْتفَظ بما معه مما فيه ذِكْرُ اللهِ تَعالَى، واحْتَرزَ عليه من السُّقُوطِ، أو أدارَ فَصَّ الخاتَمِ إلى باطِنِ كَفِّه، فلا بَأْسَ. قال أحمد: الخاتَمُ إذا كان فيه اسمُ اللهِ يجْعلُه في باطِنِ كَفِّه، ويدخلُ الخَلاءَ. وقال عِكْرِمة: [اقلِبْهُ هكذا في باطِنِ كَفِّك] (٥٨) فاقْبِضْ عليه. وبه قال إسحاقُ، ورَخَّصَ فيه ابنُ المُسَيَّب، والحَسَن، وابنُ سِيرِين. وقال أحمد في الرَّجُلِ يدخلُ الخَلاءَ ومعه الدَّرَاهِمُ: أرْجُو أن لا يكونَ به بَأْسٌ.
فصل: ويُقَدِّمُ رِجْلَه اليُسْرَى في الدُّخُولِ، واليُمْنَى في الخُرُوجِ، ويقولُ عندَ دُخُولِه: بِسْمِ اللَّه، أعوذُ باللهِ من الخُبُثِ والخَبَائِثِ (٥٩)، ومِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. قال أحمد: يقول إذا دَخَل الخَلاءَ: أعوذُ باللهِ من الخُبُثِ والخَبائِثِ، وما دَخَلْتُ قَطُّ المُتَوَضَّأَ ولم أقُلْها، إلَّا أصَابَنِى ما أَكْرَهُ. وعن أنَس، أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا دخلَ الخَلاءَ قال: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من الخُبُثِ والْخَبائِثِ". مُتَّفَقٌ عليه (٦٠). وعن عَلِىّ قال: قال رَسولُ اللَّه ﷺ : "سِتْرُ مَا بَيْنَ
стр. 285
الْجِنِّ وعَوْرَاتِ بَنِى آدَمَ إذَا دَخَلَ الكَنِيفَ أنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ (٦١) ". وعن أبي أُمَامَة، أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يَعْجِزُ أحَدُكم إذا دَخَلَ مِرْفَقَه أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ من الرِّجْسِ النَّجِسِ الخَبِيثِ المُخْبِثِ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ". رواهما ابنُ مَاجَه (٦٢). قال أبو عُبَيْد: الخُبْثُ بسكون الباء: الشَّرُّ. والخَبائِثُ: الشَّياطِينُ. وقيل: الخُبُثُ، بضَمِّ الباء، والخَبائِثُ: ذُكْرَانُ الشياطينِ وإنَاثُهم. فإذا خرَج مِن الخَلَاء قال: غُفْرَانَكَ، الحمدُ للهِ الذي أذْهَبَ عَنِّى الأَذَى وَعافانِى. ورَوَى أنَسٌ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا خَرَجَ من الخَلاءِ قال: "غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ للهِ الَّذِى أذْهَبَ عَنِّى الْأَذَى وعَافَانِى". أخْرَجُه ابنُ ماجَه (٦٣). وقالت عائشة: كان رَسُولُ اللَّه ﷺ إذا خَرَجَ مِن الخَلاءِ قال: "غُفْرَانَكَ (٦٤) ". قال التِّرْمِذِىّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَبُولَ في الإِناءِ. قالت أُمَيْمَةُ بنتُ رُقَيْقَةَ: كان لِلنبىِّ ﷺ قَدَحٌ مِن عَيْدَانٍ (٦٥) يَبُولُ فيه، ويَضَعُه تحتَ السَّرِيرِ. رواهُ أبُو دَاوُد، والنَّسائِىُّ، وابنُ مَاجَه (٦٦).
стр. 286
باب ما ينْقُض الطَّهارة
٤٢ - مسألة؛ قال أبُو القاسِم: (والذي يَنْقُضُ الطَّهارةَ ما خرَجَ مِنْ قُبُلٍ أو دُبُرٍ)
وجُمْلةُ ذلك أنَّ الخارجَ من السَّبِيلَيْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُعْتادٍ كالبَوْلِ والغائِطِ والمَنِىِّ والمَذْىِ والوَدْىِ والرِّيحِ، فهذا يَنْقُضُ الوُضُوءَ إجْماعًا، قال ابنُ المُنْذِر: أجمعَ أهلُ العلمِ علَى أنَّ خُرُوجَ الغائِط من الدُّبُرِ وخُروجَ البَوْلِ من ذَكَرِ الرَّجُلِ وقُبُلِ المَرْأةِ، وخُرُوجَ المَذْىِ، وخُرُوجَ الرِّيحِ من الدُبُرِ، أحْداثٌ يَنْقُضُ كلُّ واحدٍ منها الطَّهارةَ، ويُوجِبُ الوُضُوءَ، ودَمُ الاسْتِحاضةِ يَنْقُضُ الطَّهارةَ في قَوْلِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ إلَّا في (١) قَوْل رَبِيعةَ. الضَّرْبُ الثانِى: نادرٌ كالدَّمِ والدُّودِ والحَصَا والشَّعْرِ، فيَنْقُضُ الوُضُوءَ أيضًا، وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ (٢)، وأصحابُ الرَّأْىِ. وكان عَطَاء، والحَسَن، وأبو مِجْلَز (٣)، والحَكَم، وحَمَّاد، والأَوْزَاعِىّ، وابنُ المبارك، يَرَوْنَ الوُضُوءَ من الدُّودِ يَخْرُجُ من الدُّبُرِ، ولم يُوجِبْ مالكٌ الوُضُوءَ مِن هذا الضَّرْبِ؛ لأنه نادِرٌ، أشْبَهَ الخارِجَ مِن غيرِ السَّبِيلِ. ولنَا أنَّه خارجٌ مِن السَّبِيلِ، أشْبَهَ المَذْىَ، ولأنَّه لا يَخْلُو من بِلَّةٍ تتعَلَّقُ به، فيَنْتَقِضُ الوُضُوء بها، وقد أمرَ النبيُّ ﷺ المُسْتَحاضةَ بالوُضُوءِ لكُلِّ صَلاةٍ ودَمُها نادِرٌ (٤) غيرُ مُعْتادٍ.
فصل: وقد نَقَل صَالِحٌ، عن أَبِيهِ، في المرأةِ يَخْرُجُ من فَرْجِها الرِّيحُ، ما خَرَجَ من السَّبِيلَينِ ففيه الوُضُوءُ. وقال القاضي: خُرُوجُ الرِّيحِ من الذَّكَرِ وقُبُلِ المرأةِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ الأَشْبَهُ بمَذْهَبِنا في الرِّيحِ يخْرُجُ مِن
стр. 287
الذَّكَرِ أنْ لا يَنْقُضَ؛ لأنَّ المثَانةَ ليس لها مَنْفَذٌ إلى الجَوْفِ، ولا جَعَلَها أصحابُنا جَوْفًا، ولم يُبْطِلُوا الصَّوْمَ بالحُقْنَةِ فيه، ولا نعلمُ لهذا وُجُودًا، ولا نَعْلَمُ وُجُودَه في حقِّ أحدٍ. وقد قيل: إنه يُعْلَمُ وُجُودُه بأنْ يُحِسَّ الإِنسانُ في ذَكَرِه دَبِيبًا. وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّ هذا لا يَحْصُلُ به اليَقِينُ، والطهارةُ لا تَنْتَقِضُ بالشَّكِ. فإنْ قُدِّرَ وُجُودُ ذلك يَقينًا نَقَضَ الطَهارةَ؛ لأنه خارجٌ من أحدِ السَّبِيلَيْن، فنَقَضَ، قِياسًا عَلَى سائرِ الخَوَارِجِ.
فصل: وإن قَطَّرَ في إحْلِيلِه دُهْنًا، ثم عاد فَخرجَ، نَقَضَ الوُضُوءَ؛ لأنَّه خارِجٌ مِنِ السَّبِيلِ، ولا يَخْلُو مِن بِلَّةٍ نَجِسَةٍ تَصْحَبه، فَيَنْتَقِضُ بها الوُضُوءُ، كما لو خَرَجت مُنْفرِدَةً. ولو احْتَشَى قُطْنًا في ذَكَرِه (٥)، ثم خَرَج وعليه بَلَلٌ، نَقَضَ الوُضُوءَ؛ لأنَّه لو خَرَج مُنْفَرِدًا لنقضَ (٦)، فكذلك إذا خَرَج مع غيرِه. فإن خرجَ ناشِفًا، فَفِيه وَجْهان: أحَدُهما، يَنْقُضُ؛ لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فأشْبَهَ سائرَ الخوارِج. والثانى، لا يَنْقُض؛ لأنَّه ليس بين المَثانةِ والجَوْفِ مَنْفَذٌ، فلا يكونُ خارِجًا مِن الجَوْفِ. ولو احْتَقَن في دُبُرِه، فرَجَعَتْ أجزاءٌ خَرَجَت من الفَرْجِ، نَقَضَت الوُضُوءَ. وهكذا لو وَطِىءَ امْرَأَتَه دونَ الفَرْجِ، فدَبَّ ماؤُه، فدَخَل الفَرْجَ، ثم خَرَج، نَقَضَ الوُضُوءَ، وعليهما الاسْتِنْجاءُ؛ لأنه خارجٌ مِن السَّبِيلِ لا يَخْلُو من بِلَّةٍ تَصْحَبه من الفَرْجِ. فإن لم يَعْلَما خرُوجَ شيءٍ منه، احْتَمَلَ وَجْهَيْن: أحدهما، النقْضُ فيهما؛ لأنَّ الغالبَ أنَّه لا يَنْفَكُّ عن الخُروجِ، فنَقَضَ كالنَّوْم. والثانى، لا يَنْقُضُ؛ لأنَّ الطَهارةَ مُتَيَقَّنَةٌ، فلا نَزُولُ عنها بالشَّكِّ، لكنْ إن كان المُحْتَقِنُ قد أدْخَلَ رَأسَ الزَّرَّاقةِ (٧) ثم أخْرَجَه، نَقَضَ الوُضُوءَ، وكذلك لو أدْخَلَ فيه مِيلًا أو غيرَه، ثم أَخْرَجَ، نَقَضَ الوُضُوءَ؛ لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فنَقَضَ، كسائرِ الخارِجِ.
стр. 288
فصل: قال أبُو الحارِث: سألتُ أحمد عن رَجُلٍ به عِلَّةٌ ربَّما ظَهَرت مَقْعَدَتُه؟ قال: إن عَلِم أنَّه يَظْهَرُ مَعَها نَدًى تَوَضَّأَ، وإنْ لم يَعْلَمْ فلا شىءَ عليه. ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ إنَّما أرادَ نَدًى يَنْفَصِلُ عنها؛ لأنَّه خارِجٌ من الفَرْجِ مُنْفَصِلٌ (٨)، فنَقَضَ كالخارجِ على الحَصَى، فأمَّا الرُّطُوبةُ اللَّازمةُ لها فلا تَنْقُض؛ لأنها لا تَنْفَكُّ عن رُطُوبةٍ، فلو نَقَضَت لنَقَضَ خُرُوجُها علَى كلِّ حالٍ، ولأنَّه شيءٌ لم يَنْفَصِلْ عنها، فلم يَنْقُضْ كسائرِ أجْزائِها، وقد قالوا فيمَن أخْرَجَ لِسانَه وعليه بَلَلٌ، ثم أدْخَلَه وابتلعَ ذلك البَلَل: [لم يُفْطِرْ] (٩)؛ لأنَّه لم يثْبُتْ له حُكْمُ الانْفِصالِ. واللهُ أعلمُ.
فصل: قد ذكرْنا أنَّ المَذْى ينقضُ الوُضُوءَ، وهو ما يخرُج زَلِجًا مُتَسَبْسِبًا عند الشَّهْوةِ، فيكونُ على رَأْسِ الذَّكَرِ. واختلفتِ الرِّوايةُ في حُكْمِه، فرُوِىَ أنه يُوجِبُ الوُضُوءَ وغَسْلَ الذَّكَرِ والأُنْثَيَيْن؛ لما رُوِىَ أن عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: كنتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ أسألَ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، لمكان ابْنَتِه، فأمَرْتُ المِقْدادَ بن الأسْوَدِ فسأَلَه، فقال: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وأُنْثيَيْهِ، ويَتَوَضَّأُ". رَواه أبو داود (١٠). وفى لفظٍ: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ويَتَوَضَّأُ". مُتَّفقٌ عليه (١١). وفى لفظٍ: "تَوَضَّأْ وانْضَحْ فَرْجَكَ (١٢) ". والأمرُ يقْتَضِى الوُجُوبَ؛ ولأنَّه خارجٌ بسببِ الشَّهْوةِ، فأوجبَ غَسْلًا زائِدًا علَى مُوجبِ البَوْلِ كالمَنِىِّ، فعلَى هذا يُجْزِئُه غَسْلةٌ واحدة؛ لأنَّ المأمورَ به غَسْلٌ مُطْلَقٌ، فيُوجِب ما يَقَعُ عليه اسمُ الغَسْلِ، وقد ثَبَتَ في قولِه في اللَّفْظِ الآخَر: "وانْضَحْ فَرْجَكَ"، وسواءٌ غَسَلَه قبلَ الوُضُوءِ أو بَعْدَه؛ لأنَّه غَسْلٌ
стр. 289
غيرُ مُرْتَبِطٍ بالوُضُوءِ، فلم يَتَرَتَّبْ عليه، كغُسْلِ الجَنابةِ (١٣). والرِّوايةُ الثانية، لا يَجِبُ أكثَرُ مِن الاسْتِنجاءِ والوُضُوءِ. رُوِى ذلك عن ابن عَبَّاس، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، وظاهرُ كلامِ الْخِرَقىِّ؛ لما رَوَى سَهْلُ بن حُنَيْفٍ، قال: كنتُ الْقَى من المَذْىِ شِدَّةً وعَناءً، فكنتُ أُكْثِرُ منه الاغْتِسالَ، فذكرتُ ذلك لرَسُولِ اللَّه ﷺ ، فقال: "إنَّما يُجْزِئُكَ مِنْ ذلكَ الْوُضُوءُ". أخْرجَه أبو داود، والتِّرْمِذِىُّ (١٤)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّه خارجٌ لا يُوجِبُ الاغْتِسالَ. فأشْبَهَ الوَدْىَ، والأمْرُ بالنَّضْحِ وغَسْلِ الذَكَرِ والأُنْثَيَيْنِ محمولٌ علَى الاسْتِحْبابِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُه. وقوله: "إنما يُجزِيكَ مِن ذَلِكَ الوُضُوءُ". صريحٌ في حُصُولِ الإِجْزاءِ بالوُضُوءِ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه.
فأما الوَدْىُ، فهو ماءٌ أَبْيضُ ثَخِينٌ، يخرجُ بعدَ البولِ كَدِرًا. فليس فيه وفى بَقيَّةِ الْخَوارِجِ إلَّا الوُضُوءُ. رَوَى الأَثْرَمُ بإسنادِه، عن ابنِ عَبَّاس، قال: المَنِىُّ والوَدْىُ والمَذْىُ، أما المَنِىُّ ففيه الغُسْلُ، وأما المَذْىُ والوَدْىُ ففيهما إسْباغُ الطُّهورِ.
٤٣ - مسألة؛ قال: (وخُرُوجُ البَوْلِ والْغَائِطِ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهِمَا)
لا تختلفُ الرِّوايةُ أنَّ الغائِطَ والبَوْلَ يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بخُرُوجِهما من السَّبِيلَيْنِ ومن غَيْرِهِما، ويستوِى قَلِيلُهما وكَثِيرُهما، سواءٌ كان السَّبِيلانِ مُنْسَدَّيْن أو مَفْتُوحَيْنِ مِن فوق المَعِدَةِ أو مِن تحتِها. وقال أصحابُ الشافِعىِّ: إن انْسَدَّ المَخْرَجُ، وانفتحَ آخرُ دون المَعِدَةِ، لَزِمَ الوُضُوءُ بالخارجِ منه قولًا واحدًا. وإن انْفَتَحَ فوق المَعِدَة، ففيه قولان: أحَدُهما، ينقُضُ (١) الوُضُوء. والثانى، لا يَنْقُضُه. وإنْ كان المعتادُ باقِيًا، فالمشهورُ أنه لا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بالخارجِ من غيرِه، وبَنَاهُ عَلَى أصْلِه في أنَّ الخارِجَ من غير السبيلينِ (٢) لا يَنْقُضُ. ولنا عُمومُ قولهِ تَعالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ
стр. 290
مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٣)، وقولُ صَفْوانَ بنِ عَسَّالٍ: أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ إذا كُنَّا مُسَافِرِين، أو سَفْرًا، أن لا نَنْزِعَ خِفَافَنا ثَلاثةَ أيامٍ ولَيالِيهِنَّ، إلَّا مِنْ جَنابةٍ، لكنْ من غائطٍ وبَوْلٍ ونَوْمٍ. (٤) قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وحَقِيقةُ الغائِطِ: المكانُ المُطْمَئِنُّ، سُمِّىَ الخارجُ به لمُجاوَرَتهِ إيَّاه، فإنَّ المُتَبَرِّزَ يتَحَرَّاه لحاجَتِه، كما سُمِّى عَذِرَة، وهى في الحقيقة فنِاءُ الدارِ؛ لأنَّه كان يُطْرحُ بالأَفْنِيَةِ، فسُمِّى بها للمُجَاوَرَةِ. وهذا من الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ التي صار المَجَازُ فيها أشْهَرَ من الحقيقةِ، وعندَ الإِطْلَاقِ يُفْهَمُ منه المَجازُ، ويُحْمَلُ عليه الكَلامُ لشُهْرَتِه، ولأنَّ الخارجَ غائِطٌ وبَوْلٌ، فنَقَضَ، كما لو خَرَجَ من السَّبِيلِ.
٤٤ - مسألة؛ قال: (وزَوَالُ الْعَقْلِ. إلَّا أنْ يَكُونَ [بِنَوْمٍ يَسِيرٍ] (١) جالِسًا أو قائِمًا)
زَوَالُ العَقْلِ علَى ضَرْبَيْن: نَوْمٍ، وغيرِه؛ فأمَّا غيرُ النَّوْمِ، وهو الجُنُونُ والإِغْماءُ والسُّكْرُ وما أشَبَهه من الأدْوِيةِ المُزِيلةِ للعَقْلِ، فيَنْقُضُ الوُضُوءَ يَسِيرُه وكَثِيرهُ إجماعًا، قال ابنُ المُنْذِر: أجمعَ العُلماءُ علَى وُجُوبِ الوُضُوءِ علَى المُغْمَى عليه؛ ولأنَّ هؤلاء حِسُّهُم أبْعَدُ مِن حِسِّ النَّائمِ، بدَلِيلِ أنهم لا يَنْتَبِهُون بالانتِباهِ، ففى إيجابِ الوُضُوءِ علَى النَّائمِ تَنْبِيهٌ عَلَى وُجُوبِه بما هو آكَدُ منه. الضَّرْبُ الثاني النومُ، وهو ناقِضٌ للوُضُوءِ في الجُمْلةِ، في قولِ عَامَّة أهلِ العِلْمِ، إلَّا ما حُكِىَ عن أبِي مُوسَى الأَشْعَرِىِّ، وأبى مِجْلَزٍ (٢) وحُمَيْدٍ الأعْرَجِ (٣)، أنه لا يَنْقُضُ. وعن سَعِيد بن
стр. 291
المُسَيَّب، أنَّه كان ينامُ مِرَارًا مُضْطَجِعًا يَنْتظرُ الصلاةَ، ثم يُصَلِّى ولا يُعِيدُ الوُضُوءِ. ولعَلَّهُم ذَهَبُوا إلى أن النَّوْمَ ليس بحَدَثٍ في نَفْسِه، والحَدَثُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِين بالشَّكِّ. ولنَا قولُ صَفْوانَ بنِ عَسَّالٍ: لكنْ من غائطٍ وبَوْلٍ ونَوْمٍ. وقد ذَكَرْنا أنه صحيحٌ. ورَوَى علىٌّ رَضِىَ اللَّه عنه، عن النبيِّ ﷺ قال: "الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ (٤)، فمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ". رواه أبو داود، وابنُ مَاجَه (٥). ولأنَّ النَّوْمَ مَظِنَّةُ الحَدَثِ، فأُقِيمَ مَقَامَه، كالْتِقاءِ الخِتَانَيْنِ في وُجُوبِ الغُسْلِ أُقِيمَ مَقَامَ الإِنْزَالِ.
فصل: والنَّوْمُ ينقسمُ ثلاثةَ أقسام: نَوْمُ المُضْطَجِعِ، فيَنْقُضُ الوُضُوءَ يَسِيرُه وكَثِيرُه، في قولِ كُلِّ مَنْ يقولُ بِنَقْضِهِ بالنَّوم. الثاني نومُ القاعِدِ، إن كان كَثِيرًا نَقَضَ، رِوايةً واحدةً، وإن كان يَسِيرًا لم يَنْقُضُ. وهذا قولُ حَمَّاد، والحكم، ومالِك، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَنْقُضُ وإن كَثُر، إذا كان القاعدُ مُتَمَكِّنًا (٦) مُفْضِيًا بمَحَلِّ الحَدَث إلى الأرْضِ؛ لِمَا رَوَى أنَس، قال: كان أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ : ينامُونَ، ثم يَقُومُونَ فيُصَلُّون، ولا يتَوَضَّؤُون (٧). قال التِّرْمِذِىّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفى لفظٍ قال: كان أصحابُ النبيِّ ﷺ ينتظرونَ العشاءَ الآخِرَةَ حتى تَخْفِقَ رُؤوسُهم، ثم يُصَلُّونَ، ولا يتَوَضَّؤُونَ (٨). وهذا إشارةٌ إلى جَمِيعهِم، وبه يتَخَصَّصُ عُمُومُ الحَدِيثَيْنِ الأَوَّلَيْن، ولأنه مُتَحَفِّظٌ عن خُرُوجِ الحَدَثِ، فلم يَنْقُضْ وُضُوءَه، كما لو كان نَوْمُه يَسِيرًا. ولنا عُمُومُ الحَدِيثَيْن الأَوَّلَيْن، وإنَّما خَصَّصْنَاهُما في اليَسِير لحدِيثِ أنَسٍ، وليس فيه بيانُ كَثْرةٍ
стр. 292
ولا قِلَّةٍ، فإنَّ النائِمَ يَخْفِقُ رَأْسُه مِنْ يَسِيرِ النَّوْمِ، فهو يَقِينٌ في اليَسِيرِ، فيُعْمَلُ به منه (٩)، وما زاد عليه فو مُحْتَمَل لا يُتْرَكُ له العُمُوم المُتَيَقَّنُ؛ ولأنَّ نَقْضَ الوُضُوءِ بالنَّوْمِ مُعَلَّلٌ (١٠) بإفْضائِه إلى الحَدَثِ، ومع الكَثْرَةِ والغَلَبَة يُفْضِى إليه، ولا يُحِسُّ بخُرُوجِهِ منه، بخلافِ اليَسِيرِ، ولا يَصِحُّ قياسُ الكَثِيرِ علَى اليَسِيرِ، لاخْتِلافِهِما في الإِفْضاءِ إلى الحَدَثِ. الثالثُ ما عدا هاتَيْنِ الحالتَيْنِ، وهو نَوْمُ (١١) القائِمِ والرَّاكِعِ والسَّاجِدِ، فرُوِىَ عن أحمدَ في جَميعِ ذلك روايتان: إحداهما، يَنْقُضُ. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه لم يَرِدْ في تَخْصِيصِهِ مِنْ عُمُومِ أحادِيث النَّقْضِ نَصٌّ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوص، لكَوْنِ القاعِدِ مُتَحَفِّظًا، لاعْتِمادِه بمَحَلِّ الحَدَثِ إلى الأرضِ، والراكعُ والساجدُ يَنْفَرِجُ مَحَلُّ الحَدَثِ منهما. والثانيةُ، لا يَنْقُضُ إلَّا إذا كَثُرَ. وذَهَبَ أبو حنيفة إلى أنَّ النَّوْمَ في حالٍ من أحوالِ الصلاةِ لا يَنْقُضُ وإنْ كَثُرَ؛ لما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كان يَسْجُدُ ويَنَامُ ويَنْفُخُ، ثم يقومُ فَيُصَلِّى، فقلتُ له: صَلَّيْتَ ولم تَتَوَضَّأ وقد نِمْتَ، فقال: "إنَّمَا الوُضُوءُ على مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا؛ فَإنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ". رَواهُ أبو داود (١٢)، ولأنَّه حال مِن أحْوالِ الصَّلاةِ. فأشْبَهت حال الجُلُوسِ. والظاهرُ عن أحمدَ التَّسْوِيَةُ بين القِيامِ والجُلُوسِ، لأنهما يَشْتَبِهانِ في الانْخِفاضِ واجتماعِ المَخْرَجِ، وربَّما كان القائمُ أبْعَدَ من الحَدَثِ لعَدَمِ التمَكُّنِ من الاسْتِثْقالِ في النومِ، فإنه لو اسْتَثْقَلَ لسَقَطَ. والظاهرُ عنه في الساجدِ التَّسْوِيةُ بينه وبين المُضْطَجِع؛ لأنَّه يَنْفَرِجُ مَحَلُّ الحَدَثِ، ويعَتْمِدُ بأعْضائِه علَى الأرضِ، ويتَهَيَّأُ لخُروجِ الخارجِ، فأشْبَهَ المُضْطَجِعَ. والحديثُ الذي ذَكَرُوه (١٣) مُنْكَرٌ. قالَه أبو داود. وقال ابنُ المُنْذِر: لا يَثْبُتُ، وهو
стр. 293
مُرْسَلٌ يَرْوِيه قَتَادةُ عن أبي العَالِية. قال شُعْبةُ: لم يسْمَع منه إلا أرْبَعة أحادِيثَ، ليس هذا منها.
فصل: واخْتَلَفتِ الروايةُ عن أحمدَ في القاعِدِ المُسْتَنِدِ والمُحْتَبِى. فعنه: لا يَنْقُضُ يَسِيرُه. قال أبو داود: سَمِعتُ أحمد قِيلَ له: الوُضُوءُ من النَّومِ؟ قال: إذا طالَ. قيل: فالمُحْتَبِى؟ قال يتَوَضَّأُ (١٤). قيلَ: فالمُتَّكِى؟ قال. الاتِّكَاءُ شَدِيدٌ، والمُتَسانِدُ كأنَّه أشَدُّ. يَعْنِى من الاحْتِباءِ. ورَأى منها كلِّها الوُضُوءَ، إلَّا أن يَغْفُوَ. يعني قليلًا. وعنه: يَنْقُضُ. يَعْنِى بكُلّ حالٍ؛ لأنه مُعْتَمِدٌ عَلَى شيءٍ، فهو كالمُضْطَجِعِ. والأَوْلَى أنَّه متى كان مُعْتَمِدًا بمَحَلِّ الحَدَثِ علَى الأرْضِ أن لا يَنْقُض منه إلَّا الكَثِيرُ؛ لأنَّ دَلِيلَ انْتِفاءِ النَّقْضِ في القاعِدِ لا تَفْرِيقَ فيه، فيُسَوَّى بين أحْوالِه.
فصل: واخْتَلَفَ أصْحابُنا في تَحْديدِ الكثيرِ من النَّومِ الذي يَنْقُضُ الوُضُوءَ؛ فقال القاضِى: ليس للقَلِيلِ حَدٌّ يُرْجَعُ إليه، وهو عَلَى ما جَرَتْ به العادةُ. وقيل: حَدُّ الكَثِيرِ ما يَتغَيَّرُ به النَّائِمُ عن هَيْئَتِه، مثل أن يَسْقُطَ على الأرضِ، ومنها أن يَرَى حُلْمًا. والصَّحِيحُ: أنه لا حَدَّ له؛ لأنَّ التَّحْديدَ إنما يُعْلَمُ (١٥) بتَوْقِيفٍ، ولا تَوْقِيفَ في هذا، فمتَى وَجَدْنا ما يَدُلُّ عَلَى الكَثْرةِ، مثل سُقُوطِ المُتَمَكِّنِ وغيره، انْتَقَضَ وُضُوؤُه. وإن شَكَّ في كثْرَتِه لم يَنْتَقِضْ وُضُوؤُه؛ لأنَّ الطَّهارةَ مُتَيَقَّنَةٌ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ.
فصل: ومَن لم يُغْلَبْ عَلَى عَقْلِه فلا وُضُوءَ عليه؛ لأنَّ النَّومَ الغَلَبةُ عَلَى العَقْلِ، قال بعضُ أهلِ اللُّغةِ، في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (١٦). السِّنَةُ: ابْتَداءُ النُّعَاسِ في الرَّأْسِ، فإذا وَصَلَ إلى القَلْبِ صَارَ نَوْمًا، قال الشاعر (١٧):
стр. 294
وَسْنان أَقْصَدهَ النُّعَاسُ فرَنَّقَتْ ... في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بنائِمِ
ولأنَّ الناقِضَ زَوَالُ العَقْلِ، ومَتَى كان العَقْلُ ثابِتًا وحِسُّه غيرُ زائِلٍ، مثلَ مَنْ يَسْمَعُ ما يُقال عندَه ويَفْهَمُه، فلم يُوجَدْ سَبَبُ النَّقْضِ في حَقِّه. وإن شَكَّ هل نامَ أمْ لَا، أو خَطر بِبَالِه شيءٌ لا يَدْرِى أَرُؤْيَا أو حَدِيثُ نَفْسٍ، فلا وُضُوءَ عَلَيْه.
٤٥ - مسألة؛ قال: (وَالِارْتِدادُ عَنِ الإِسْلَامِ)
وجملةُ ذلك أنَّ الرِّدَّة تَنْقُضُ الوُضُوءَ، وتُبْطِلُ التَّيَمُّمَ. وهذا قولُ الأَوْزَاعِىِّ، وأبِى ثَوْرٍ. وهى الإِتْيَانُ بما يَخْرُجُ به عن الإِسْلامِ؛ إمَّا نُطْقًا، أو اعْتِقادًا، أو شَكًّا يَنْقُلُ عن الإِسلامِ، فمتى عاوَدَ إسْلامَه، ورَجَع إلى دِينِ الحقِّ، فليس له الصَّلاةُ حتى يتَوَضَّأَ، وإن كان مُتَوَضِّئًا قبل رِدَّتِه. وقال أبُو حَنِيفة، ومالِك، والشافِعِىُّ: لا يَبْطُلُ الوُضُوءُ بذلك. وللشَّافِعِىِّ في بُطْلانِ التَّيَمُّمِ به قَوْلان؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ (١). فشَرَطَ المَوْتَ، ولأنها طَهارةٌ، فلا تَبْطُلُ بالرِّدَّةِ، كالغُسْلِ من الجَنابةِ. ولنا: قولُه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٢). والطهارةُ عَمَلٌ، وهى باقيةٌ حُكْمًا تَبْطُلُ بمُبْطِلاتِها، فيجِبُ أن تَحْبَطَ بالشِّرْكِ، ولأنَّها عبادةٌ يُفْسِدها الحَدَثُ، فأفْسَدَها الشِّرْكُ، كالصلاةِ والتيمُّمِ، ولأن الرِّدَّةَ حَدَثٌ، بدَلِيلِ قَوْلِ ابنِ عَبَّاس: الحَدَثُ حَدَثان؛ حَدَثُ اللِّسانِ، وحَدَثُ الفَرْجِ، وأشَدُّهُما حَدَثُ اللِّسانِ. وإذا أَحْدَثَ لم تُقْبَلْ صَلَاتُه بغيرِ وُضُوءٍ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أحَدِكم إذا أَحْدَثَ حتى يتَوَضَّأَ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وما ذَكَرُوه تَمَسُّكٌ بدَلِيلِ الخِطابِ،
стр. 295
والمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عليه، ولأنَّه شَرَطَ المَوْتَ لجمِيعِ المَذْكُورِ في الآية، وهو حُبُوطُ العَمَلِ والخُلُودُ في النارِ، وأما غُسْلُ الجَنابةِ فلا يُتَصَوَّرُ فيه الإِبْطالُ، وإنَّما يَجِبُ الغُسْل بسَبَبٍ جَدِيدٍ يُوجِبُه، وهنا يجبُ الغُسْل أيضًا عِنْدَ مَنْ أوْجَبَ عَلَى مَنْ أسْلَمَ الغُسْلَ.
فصل: ولا يَنْقُضُ الوُضُوءَ ما عدا الرِّدَّةَ مِن الكَلَامِ؛ من الكَذِبِ، والغِيبَةِ، والرَّفَثِ والقَذْفِ، وغيرها. نَصَّ عليه أحمدُ. قال ابنُ المُنْذِر: أجْمَعَ مَنْ نَحْفَظُ قَوْلَه مِنْ عُلَماءِ الأمْصارِ علَى أن القَذْفَ، وقَوْلَ الزُّورِ، والكَذِبَ، والغِيبَةَ، لا تُوجِبُ طَهارةً، ولا تَنْقُضُ وُضُوءًا، وقد رَوَيْنا عن غيرِ واحِدٍ من الأوائلِ أنهم أمَرُوا بالوُضُوءِ من الكلامِ الخَبِيثِ، وذلك اسْتِحْبابٌ عندنا مِمَّنْ أمَرَ به، ولا نَعْلمُ حُجَّةً تُوجبُ وُضُوءًا في شيء من الكلامِ، وقد ثَبَت أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ باللَّاتِ والعُزَّى (٤) فَلْيَقُلْ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ (٥) ". ولم يَأْمُرْ في ذلك بوُضُوءٍ.
فصل: وليس في القَهْقَهةِ وضوءٌ. رُوِىَ ذلك عن عُرْوة، وعَطَاء، والزُّهْرِيِّ، ومالِك، والشّافِعِيِّ، وإسْحاق، وابنِ المُنْذِر. وقال أصحابُ الرَّأْيِ: يجبُ الوضوءُ مِن القَهْقَهةِ داخِلَ الصلاةِ دونَ خارِجِها. ورُوِىَ ذلك عن الحَسَن، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ؛ لما رَوَى أبو العالِيَة (٦)، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُصَلِّي، فجاءَ ضَرِيرٌ فتَرَدَّى في بِئْرٍ، فضَحِكَ طَوَائِفُ، فأمرَ النبيُّ ﷺ الذين ضَحِكُوا أن يُعِيدُوا
стр. 296
الوُضُوءَ والصَّلاةَ (٧). ورُوِىَ مِنْ غيرِ طريقِ أبِى العاليةِ بأسَانِيدَ ضِعَافٍ (٨)، وحاصِلُه يَرْجعُ إلى أبى العالِيَةِ، كذلك قال عبدُ الرحمن بن مَهْديٍّ، والإِمامُ أحمد، والدَّارَقُطْنِيُّ. ولنا: أنه مَعْنًى لا يُبْطِلُ الوُضُوءَ خارِجَ الصَّلاةِ، فلم يُبْطِلْهُ داخلها كالكلامِ، وأنه ليس بحَدَثٍ ولا يُفْضِى إليه. فأشْبَهَ سائرَ ما لا يُبْطِلُ، ولأنَّ الوجوبَ مِن الشَّارِعِ، ولم يَصِحَّ (٩) عن الشَّارعِ في هذا إيجابُ الوضوءِ (١٠) , ولا في شيءٍ يُقاسُ هذا عليه، وما رَوَوْهُ مُرْسَلٌ لا يَثْبُتُ. وقد قال ابنُ سِيرِينَ: لا تأخُذُوا بمَرَاسِيلِ الحَسَن وأبى العَالِية، فإنَّهما لا يُبَالِيانِ عَمَّنْ أخَذَا. والمُخالِفُ في هذه المسألةِ يَرُدُّ الأخْبارَ الصَّحِيحةَ لمُخالَفَتِها الأُصولَ (١١)، فكيف (١٢) يُخَالفُها هَهُنَا بهذا الخَبَرِ الضَّعِيفِ عندَ أهلِ المَعْرِفةِ!
٤٦ - مسألة؛ قال: (ومَسُّ الفَرْجِ)
الفَرْجُ: اسمٌ لمَخْرَجِ الحَدَثِ، ويتناولُ الذَّكَرَ والدُبُرَ وقُبُلَ المرأةِ، وفى نَقْضِ الوُضُوءِ بجَمِيعِ ذلك خلافٌ في المَذْهَبِ وغيرِه؛ فنَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ مُفَصَّلًا:
ونَبْدَأ بالكلامِ في مَسِّ الذَّكَرِ، فإنه آكَدُها. فعن أحمدَ فيه رِوَايَتَان: إحْدَاهُما، يَنْقُضُ الوُضُوءَ. وهر مذهب ابنِ عُمَر، وسَعِيد بن المُسَيَّب، وعَطاء، وأَبان بن عثمان (١)، وعُرْوَة، وسُلَيْمان بن يَسَار (٢)، والزُّهْرِيِّ، والأَوْزَاعِيِّ، والشّافِعِيِّ، وهو المَشْهُورُ عن مالِك، وقد رُوِىَ أيضًا عن عُمَر بن الخَطّاب، وأبِى هُرَيْرَة، وابنِ
стр. 297
سِيرِينَ، وأبِى العَالِيةِ. والرّواية الثانية، لا وُضُوءَ فِيهِ. رُوِى ذلك عن عَلِىّ، وعَمَّار، وابنِ مَسْعُود، وحُذَيْفةَ (٣)، وعِمْرَان بن حُصَين (٤)، وأبىِ الدَّرْدَاء (٥)، وبه قال رَبِيعَةُ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ المُنْذِر، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لما رَوَى قَيْسُ بنُ طَلْقٍ، عن أبيه، قال: قَدِمْنا علَى نبىِّ اللهِ ﷺ فجاءَ رَجُلٌ كأنه بَدَويٌّ، فقال: يا رسولَ اللَّه ما تَرَى في مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَه بعد ما يتَوَضَّأ؟ فقال: "وَهَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ، أو مُضْغَةٌ مِنْكَ! ". رَواه أبُو دَاوُد، والنَّسَائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابنُ مَاجَه (٦)، ولأنه عُضْوٌ منه، فكان كسائِرِه، ووَجْهُ الرِّواية الأُولَى ما رَوَتْ بُسْرةُ بنت صَفْوان، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ" (٧). وعن جابرٍ مثلُ ذلك، وعن أُمِّ حَبِيبَةَ، وأبِى أيُّوب قالا: سَمِعْنا رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول: "مَنْ مَسَّ فَرْجَه فَلْيَتَوَضَّأْ". وفي الباب عن أبيِ هُرَيْرة، رَوَاهُنَّ ابنُ مَاجَه (٨). وقال أحمد: حَدِيث بُسْرةَ وحَدِيثُ أُمِّ
стр. 298
حبيبة صَحِيحان. وقال التِّرمِذِيُّ: حَدِيثُ بُسْرَة حسنٌ صَحِيحٌ. وقال البُخَارِيُّ: أصَحُّ شيءٍ في هذا الباب حَدِيثُ بُسْرَةَ. وقال أبُو زُرْعَة: حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبة أيضًا صَحِيحٌ، وقد رُوِىَ عن (٩) بِضْعَةَ عَشَرَ من الصَّحابةِ. فأمَّا خَبَر قَيْس، فقال أبو زُرْعة، وأبو حاتِم: قَيْس مِمَّن (١٠) لا تَقُومُ برِوَايَتِهِ حُجَّةٌ. ثم إن حَدِيثَنا مُتأخِّرٌ؛ لأنَّ أبَا هُرَيْرَة قد رَواهُ، وهو متأخِّرُ الإِسْلامِ، صَحِبَ النبيَّ ﷺ أرْبَعَ سِنِين، وكان قُدُومُ طلق علَى رسولِ اللهِ ﷺ وهم (١١) يُؤَسِّسُون المَسْجِدَ أوَّل زَمَنِ الهِجْرَةِ، فيكونُ حَدِيثُنا ناسِخًا له. وقياسُ الذَكَرِ علَى سائرِ البَدَنِ لا يستقيمُ؛ لأنه تتَعلَّقُ به أحكامٌ يَنْفَرِد بها؛ مِن وُجُوبِ الغُسْلِ بإيلاجِه والحَدِّ والمَهْرِ، وغيرِ ذلك.
فصل: فعَلَى رِوَاية النَّقْضِ لا فَرْقَ بين العامِدِ وغيرِه. وبه قال الأوزاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاق، وأبُو أيُّوب، وأبُو خَيْثَمة (١٢)؛ لعُمُومِ الخَبَرِ. وعن أحمد: لا يَنْتَقِضُ الوُضُوء إلا بمَسِّهِ قاصِدًا مَسَّه. قال أحْمَد بنُ الحُسَيْن: قِيلَ لأَحْمَد: الوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ؟ فقال: هَكَذا - وقَبَضَ عَلَى يَدِه - يعنِى إذا قَبَضَ عليه. وهذا قولُ مَكْحُول، وطَاوُس، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْر، وحُمَيْد الطَّوِيل (١٣)، قالوا: إن مَسَّه يُرِيدُ وُضُوءًا، وإلَّا فلَا شىءَ عليه؛ لأنَّه لَمْسٌ، فلا يَنْقُضُ الوُضُوءَ من غيرِ قَصْدٍ كلَمْسِ النِّساءِ.
فصل: ولا فَرْقَ بين بَطنِ الكَفِّ وظَهْرِه. وهذا قولُ عَطَاء، والأَوْزَاعِيّ، وقال مالِك، واللَّيْثُ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاق: لا يَنْقُضُ مَسُّه إلَّا بباطِنِ كَفِّه؛ لأنَّ ظاهرَ الكَفِّ ليس بآلةٍ لِلْمَسِّ، فأشْبَهَ ما لو مَسَّه بِفَخْذِه. واحْتَجَّ أحمدُ بحَدِيثِ النبيِّ
стр. 299
- ﷺ : "إذا أَفْضَى أحَدُكُمْ بيدِهِ إلَى فَرْجِهِ لَيْسَ بَيْنَهُما سُتْرَة فَلْيَتَوَضَّأْ". وفى لَفْظٍ "إذا أَفْضَى أحَدُكُمْ إلَى ذَكَرِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الوُضُوءُ". رواه الشَّافِعِيُّ في مُسْنَدهِ (١٤) وظاهِرُ كَفِّه مِنْ يَده، والإِفْضاءُ: اللَّمْسُ (١٥) مِن غيرِ حائلٍ، ولأنّه جزءٌ مِن يدِه تتعلَّقُ به الأحكامُ المُعَلَّقَةُ على مُطْلَقِ اليدِ، فأشْبَهَ باطِنَ الكَفِّ.
فصل: ولا يَنْقُضُ مَسُّه بذِرَاعِه. وعن أحمدَ أنَّه يَنْقُضُ؛ لأنَّه مِن يَدهِ، وهو قَوْلُ عَطاء، والأوْزَاعِيِّ. والصحيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ علَى مُطْلَقِ اليَدِ في الشَّرْعِ لا يتَجاوَزُ الكُوعَ، بدليلِ قَطْعِ السارِقِ، وغَسْلِ اليَدِ مِن نَوْمِ اللَّيلِ، والمَسْحِ في التَيَمُّمِ، وإنَّما وَجَبَ غَسْلُه في الوُضُوءِ لأنَّه قَيَّدَه بالمَرافِقِ، ولأنه ليس بآلةٍ لِلْمَسِّ، أشْبَهَ العَضُدَ، وكَوْنُه مِن يِده يبْطُلُ بالعَضُدِ، فإنَّه لا خِلافَ بين العُلَماءِ فيه.
فصل: ولا فَرْقَ بين ذَكَرِه وذَكَرِ غيرِه. وقال داود: لا يَنْقُضُ مَسُّ ذَكَر غَيْرِه؛ لأنَّه لا نَصَّ فيه، والأَخْبارُ إنَّما وَرَدَتْ في ذَكَرِ نَفْسِه، فَيقْتَصَرُ عليه. ولنا، أنَّ مَسَّ ذَكَرِ غَيْرِه مَعْصِيةٌ، وأَدْعَى إلى الشَّهْوَةِ، وخُرُوجُ الخارِجِ، وحاجةُ الإِنسانِ تَدْعُو إلى مَسِّ ذَكَرِ نَفْسِه، فإذا انْتَقَضَ بمَسِّ ذَكَرِ نَفْسِه فَبِمَسِّ ذَكَرِ غيرِه أَوْلَى، وهذا تَنْبِيهٌ يُقَدَّمُ علَى الدَّلِيلِ، وفى بعض ألفاظِ خَبَرِ بُسْرةَ: "مَنْ مَسَّ الذَكَرَ فَلْيَتَوَضَّأْ".
فصل: ولا فَرْقَ بين ذَكَرِ الصغيرِ والكبيرِ. وبه قال عَطَاء، والشَّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْر. وعن الزُّهْرِيِّ، والأَوْزَاعِيِّ: لا وُضُوءَ علَى مَنْ مَسَّ ذَكَرَ الصَّغيرِ؛ لأنَّه يجوزُ مَسُّه، والنَّظَرُ إليه، وقد رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قَبَّلَ زُبَيْبَةَ (١٦) الحَسَن، ورُوِىَ أنَّ النبيَّ ﷺ مَسَّ زُبَيْبَةَ الحَسَنِ ولم يَتَوَضَّأْ. ولنا عُمُوم قوله: "مَنْ مَسَّ الذَّكَرَ
стр. 300
فَلْيَتَوَضَّأْ"، ولأنَّه ذَكَرُ آدَمِيٍّ مُتَصِلٌ به، أشْبَهَ الكَبِيرَ، والخبرُ ليس بثابتٍ. [ثم إن نَقْضَ اللَّمْسِ لا يَلْزَمُ منه كَوْنُ القُبْلَةِ ناقِضَةً] (١٧)، ثم ليس فيه أنَّه صَلَّى ولم يتَوَضَّأْ، فيَحْتَمِلُ أنَّه لم يتَوَضَّأْ في مَجْلِسِه، وجَوَازُ اللَّمْسِ والنَّظَرِ يَبْطُلُ بذَكَرِ نَفْسِه.
فصل: وفَرْجُ المَيِّتِ كفَرْجِ الحَيِّ لبقاءِ الاسْمِ والحُرْمَةِ، لاتِّصالِه بجُمْلَةِ الآدَمِىِّ، وهو قولُ الشَّافِعِيِّ. وقال إسحاق: لا وُضُوءَ عليه. وفى الذَّكَرِ المَقْطُوعِ وَجْهان: أحَدُهما، يَنْقُضُ؛ لبقاءِ اسْمِ الذَّكَرِ. والآخَرُ لا يَنْقُضُ؛ لذهابِ الحُرْمةِ، وعَدَم الشَّهْوةِ بمسِّه، فأشْبَهَ ثِيْلَ الجَمَلِ (١٨). ولو مَسَّ القُلْفَةَ التي تُقْطَعُ في الخِتَانِ قبلَ قَطْعِها، انْتَقَضَ وُضُوؤُه؛ لأنَّها من جِلْدَةِ الذَّكَرِ. وإن مَسَّها بعدَ القَطْعِ، فلا وُضُوءَ عليه؛ لزَوَالِ الاسْمِ والحُرْمَةِ.
فصل: فأمَّا مَسُّ حَلْقَةِ الدُّبُرِ، فعنه رِوَايَتان أيضًا: إحداهما لا يَنْقُضُ الوُضُوءَ. وهو مَذْهَبُ مالك. قال الخَلَّالُ: العَمَلُ والأشْيَعُ في قَوْلِه وحُجَّتِه، أنَّه لا يَتَوَضَّأُ مِنْ مَسِّ الدُّبُرِ؛ لأنَّ المَشْهُورَ مِن الحديث "مَنْ مَسَّ ذَكَرهُ فَلْيَتَوَضَّأْ"، وهذا ليس في مَعْناه؛ لأنَّه لا يَقْصِدُ مَسَّه، ولا يُفْضِى إلى خُرُوجِ خارِجٍ. والثانية، يَنْقُضُ. نَقلَها أبُو دَاوُد. وهو مَذْهَبُ عَطَاء، والزُّهْرِيِّ، والشَّافِعِيّ؛ لعُمُومِ قوله: "مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ"، ولأنَّه أحدُ الفَرْجَيْنِ، أشْبَهَ الذَّكَرَ.
فصل: وفي مَسِّ المَرْأةِ فَرْجَها أيضًا روايتان: إحداهما، يَنْقُضُ؛ لعُمُوم قولِه: "مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ". ورَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ, عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أَيُّمَا امْرَأةٍ مَسَّتْ فَرْجَها فَلْتَتَوَضَّأْ (١٩) ". ولأنَّها آدَمِيٌّ مَسَّ فَرْجَه، فانْتَقَضَ وُضُوؤُه كالرَّجُلِ. والأُخْرَى، لا يَنْتَقِضُ. قال المَرُّوذِىّ: قِيلَ لأبِى عَبْدِ اللَّه: فالجارِيةُ إذا مَسَّتْ فَرْجَها أعَلَيْها وُضُوءٌ؟ قال: لم أسْمَعْ في هذا بشيءٍ.
стр. 301
قلتُ لأبي عَبْدِ اللَّه: حَدِيثُ عبد اللَّه بن عَمْرو، عن النبيِّ ﷺ : "أيُّمَا امْرَأةٍ مَسَّتْ فَرْجَها فَلْتَتَوَضَّأْ". فتَبَسَّم، وقال: هذا حدِيثُ الزُّبَيْدِىّ (٢٠)، وليس حديثُه (٢١) بذاك. ولأنَّ الحديثَ المَشْهُورَ في مَسِّ الذَّكَرِ، وليس مَسُّ المَرْأةِ فَرْجَها في مَعْناه؛ لكَوْنِه لا يدعُو إلى خُروجِ خارجٍ، فلم يَنْقُضْ.
فصل: فأما لَمْسُ فَرْجِ الخُنْثَى المُشْكِل، فلَا يَخْلُو من أن يكون اللَّمْسُ مِنْه أو مِنْ غَيْرِه؛ فإن كان اللَّمْسُ مِنْه فلَمَسَ أحَدَ فَرْجَيْه، لم يَنْتَقِضْ وُضُوؤُه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ المَلْمُوسُ خِلْقةً زائدةً. وإنْ لَمَسَهُما جميعًا، وقلنا: لا يَنْقُضُ وُضُوءَ المرأةِ مَسُّ فَرْجِها. لم يَنْتَقِضْ وُضُوؤُه (٢٢)؛ لجَوازِ أن يكونَ امْرأةً مَسَّتْ فَرْجَها، أو خِلْقةً زائدةً. وإن قُلنا: يَنْقُضُ. انتقَضَ وُضُوؤُه؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يكونَ أحدُهما فَرْجًا. وإن كان اللَّامِسُ رَجُلًا، فمَسَّ الذَّكَرَ لغيرِ شَهْوةٍ، لم يَنْتَقِضْ وُضُوؤُه. وإن مَسَّه لشَهْوةٍ، انْتَقَضَ وُضُوؤُه في ظاهرِ المَذْهَبِ؛ فإنَّه إن كان ذَكَرًا فقد مَسَّه، وإن كان أُنْثَى فقد مَسَّها لِشَهْوةٍ. وإن مَسَّ قُبُلَ المرأةِ لم يَنْتَقِضْ وُضُوؤُه؛ لجوازِ أن يكون خِلْقةً زائدةً مِن رَجُلٍ. وإن مَسَّهُما جميعًا لِشَهْوةٍ، انْتَقَضَ وُضُوؤُه؛ لما ذَكَرْنا في الذَّكَرِ. وإن كان لغيرِ شَهْوةٍ، انْتَقَضَ وُضُوؤُه في الظاهرِ؛ لأنَّه لا يَخْلُو من أن يكونَ مَسَّ ذَكَرَ رَجُلٍ أو فَرْجَ امرأةٍ. وإن كان اللَّامِسُ امْرأةً، فَلمَسَت أحَدَهما لغيرِ شَهْوةٍ، لم يَنْتَقِضْ وُضُوؤُها. وإن لَمَسَت الذَّكَرَ لشَهْوةٍ، لم يَنْتَقِضْ وُضُوؤُها؛ لجوازِ أن يكونَ خِلْقةً زائدةً مِن امرأةٍ. فإن مَسَّت فَرْجَ المرأةِ لشَهْوةٍ، انْبَنَى على مَسِّ المرأةِ الرَّجُلَ لشَهْوةٍ؛ فإن قلنا: يَنْقُضُ. انْتَقَض وُضُوؤُها ههنا لذلك. وإلَّا لم يَنْتَقِضْ. وإن مَسَّتْهُما جميعًا لغيرِ شَهْوةٍ، وقلنا: إنَّ مَسَّ فَرْجِ المرأةِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ. انْتَقَض وُضُوؤُها ههنا، وإلَّا فَلَا. وإن كان اللَّامِسُ خُنْثَى مُشْكِلًا لم يَنْتَقِضْ
стр. 302
وُضُوؤُه، إلَّا أن يجمعَ بين الفَرْجَيْن في اللَّمْسِ. ولو مَسَّ أحدُ الخُنْثَيَيْن ذَكَرَ الآخَرِ، ومَسَّ الآخَرُ فَرْجَه، وكان (٢٣) اللَّمْسُ منهما لشَهْوةٍ (٢٤)، فلا وُضُوءَ على واحدٍ منهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما علَى انْفِرادِه يَقِينُ الطَّهارةِ باقٍ في حَقِّه، والحَدَثُ مَشْكُوكٌ فيه. فلا نَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ؛ لأنه يَحْتَمِلُ أن يكونَا جَمِيعًا امْرَأَتَيْنِ، فلا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ لامِسِ الذَّكَرِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَا رَجُلَيْن، فلا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ لامِس الفَرْجِ. وإن مَسَّ كُلُّ واحدٍ منهما ذَكَرَ الآخَرِ، احتمل أن يكونا امْرَأتيْنِ، وقد مَسَّ كُلُّ واحد منهما خِلْقةً زائِدَةً من الآخَرِ. وإن مَسَّ كُلُّ واحدٍ منهما قُبُلَ الآخَرِ، احْتَمَلَ أن يكونَا رَجُلَيْنِ.
فصل: ولا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بمَسِّ ما عدا الفَرْجَيْنِ من سائرِ البَدَنِ، كالرَّفْغِ (٢٥) والأُنْثَيَيْنِ (٢٦) والإِبْطِ، في قَوْلِ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ؛ إلا أنه رُوِىَ عن عُرْوَة أنَّه (٢٧) قال: مَنْ مَسَّ أُنْثَيَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ. وقال الزُّهْرِىُّ: أحَبُّ إلَىَّ أن يَتَوَضَّأَ. وقال عِكْرِمة: مَنْ مَسَّ ما بين الفَرْجَيْنِ فَلْيَتَوَضَّأ. وقَوْلُ الجُمْهورِ أَوْلَى؛ لأنَّه لا نَصَّ في هذا، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ فيه، ولا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ المَلْمُوسِ أيضًا؛ لأن الوُجُوبَ من الشَّرْعِ، وإنما وَرَدَت السُّنَّةُ في اللَّامِسِ.
ولا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بمَسِّ فرْجِ بَهِيمةٍ. وقال اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ: عليه الوُضُوءُ. وقال عَطَاء: مَنْ مَسَّ قُنْبَ (٢٨) حِمَارٍ، عليه الوُضُوءُ، ومَنْ مَسَّ ثَيْلَ جَمَلٍ لا وُضُوءَ عليه. وما قلناه قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، وهو أوْلَى؛ لأنَّ هذا ليس بمَنْصُوصٍ علَى النَّقْضِ به، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، فلا وَجْهَ لِلْقَوْلِ به.
стр. 303
٤٧ - مسألة؛ قال: (والقَىْءُ الفاحِشُ، والدَّمُ الفاحِشُ، والدُودُ الفاحِشُ يَخْرُجُ مِنَ الجُرُوحِ)
وجُمْلتُه أنَّ الخارِجَ من البَدَنِ غيرِ السَّبِيلِ يَنْقسمُ قِسْمَيْن: طاهِرًا، ونَجِسًا؛ فالطاهرُ لا يَنْقُضُ الوُضُوءَ علَى حالٍ مّا، والنَّجِسُ يَنْقُضُ الوُضُوءَ في الجُمْلَةِ، روايةً واحدةً. رُوِى ذلك عن ابنِ عَبَّاس، وابنِ عُمَر، وسَعيدِ بنِ المُسَيَّب، وعَلْقَمة، وعَطَاء، وقَتَادة، والثَّوْرِىّ، وإسحاق، وأصحابِ الرَّأْىِ. وكان مالِك، ورَبِيعة، والشاِفِعِىُّ، وأبو ثَوْر، وابنُ المُنْذِر، لا يُوجِبُون منه وُضُوءًا، وقال مَكْحُول: لا وُضُوءَ إلَّا فيما خَرَجَ من قُبُلٍ أو دُبُرٍ؛ لأنَّه خارجٌ من غيرِ المَخْرَجِ، مع بَقاءِ المَخْرَجِ، فلم يتعلَّقْ به نَقْضُ الطَّهارةِ، كالبُصَاقِ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا يُمْكِنُ قِياسُه علَى مَحَلِّ النَّصِّ، وهو الخارِجُ مِن السَّبِيلَيْن، لكَوْنِ الحُكْمِ فيه غيرَ مُعَلَّلٍ، ولأنَّه لا يَفْتَرِقُ الحالُ بين قَلِيلِه وكَثِيرهِ، وطاهِرِه ونَجِسِه؛ وههنا بخِلَافِه، فامْتَنَعَ القِيَاسُ. ولنا ما رَوَى أبُو الدَّرْدَاء: أنَّ النبيَّ ﷺ قَاءَ [فَتَوَضَّأ، فَلَقِيتُ ثَوْبان في مَسْجِدِ دِمَشْق فذكَرْتُ له ذلك. فقال] (١) ثَوْبانُ: صَدَق، أنا صَبَبْتُ له وَضُوءَهُ. رواه الأَثَرْمُ، والتِّرمِذِىّ (٢)، وقال: هذا أصَحُّ شيءٍ في هذا البابِ (٣). قِيلَ لأحْمدَ: حَدِيثُ ثوبان ثَبَتَ عِنْدك؟ قال: نَعَم. ورَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِه، عن ابنِ جُرَيْج، عن أبيه، قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : "إذا قَلَسَ (٤) أحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ". قال ابنُ جُرَيْجٍ: وحَدَّثَنى ابنُ أبِي مُلَيْكَة، عن عائِشَة، عن النَّبىِّ ﷺ مِثْلَ ذلك (٥). وأيضًا فإنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنا مِن الصَّحابةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم،
стр. 304
فيَكُونُ إجْماعًا، ولأنه خارِجٌ يَلْحَقُه حُكْمُ التَّطْهِيرِ، فنَقَضَ الوُضُوءَ كالخارِجِ مِن السَّبِيلِ، وقِيَاسُهم مَنْقُوضٌ بما إذا انْفَتَح مَخْرَجٌ دونَ المَعِدَةِ.
فصل: وإنما يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بالكَثِيرِ من ذلك دونَ اليَسِير. وقال بعضُ أَصْحابِنا: فيه رِوَايةٌ أخرى، أنَّ اليَسِيرَ يَنْقُضُ. ولا نعرفُ هذه الرِّواية، ولم يَذْكُرْها الخَلَّالُ في "جامِعِه" إلَّا في القَلْسِ، واطَّرَحَها. وقال القاضِى: لا يَنْقُضُ، روايةً واحدةً. وهو المشهورُ عن الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّه عنهم. قال ابنُ عبَّاس في الدَّم: إذا كان فاحِشًا فعليه الإِعادَةُ. وابنُ أبِى أَوْفَى (٦) بَزَقَ دَمًا ثم قامَ فصَلَّى. وابنُ عُمَر عَصَر بَثْرَةً فخَرَجَ دَمٌ، وصَلَّى، ولم يتَوَضَّأْ. قال أبو عبد اللَّه: عِدَّةٌ من الصَّحابةِ تكَلَّمُوا فيه، وأبُو هُرَيْرة كان يُدْخِلُ أصَابِعَه في أنْفِه، وابنُ عمر عَصَرَ بَثْرَةً، وابنُ أبِى أَوْفَى عَصَر دُمَّلًا، وابنُ عبَّاس قال: إذا كان فاحِشًا، وجابرُ أدْخَلَ أصَابِعَه في أنْفِه، وابنُ المُسَيَّب أدخلَ أصَابِعَه العَشَرة في أنْفِه، وأخْرَجَها مُتَلَطِّخةً بالدَّم. يَعْنِى (٧): وهو في الصَّلاةِ.
وقال أبو حَنِيفة: إذا سالَ الدَّمُ، فَفِيه الوُضُوءُ، وإن وَقَفَ عَلَى رَأْسِ الجُرْحِ، لم يَجِبْ؛ لعُمُومِ قَوْلِه ﵇: "مَن قاءَ أو رَعَفَ في صَلاتِه فَلْيَتَوَضَّأْ (٨) ". ولنا، ما رَوَيْنا عن الصَّحابةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا. وقد رَوَى الدَّارَقُطنِىُّ (٩)، بإسْنادِه، عن النَّبىِّ ﷺ ، أنه قال: "لَيْسَ الوُضُوءُ من القَطْرَةِ والقَطْرَتَيْنِ (١٠) ". وحَدِيثُهم لا تُعْرَفُ صِحَّتُه، ولم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَنِ، وقد تَرَكُوا العَمَلَ به، فإنَّهم قالوا: إذا كان دُونَ مِلْءِ الفَمِ، لم يَجِبْ الوُضُوءُ منه.
стр. 305
فصل: وظاهِرُ مَذْهَبِ أَحمد أنَّ الكَثِيرَ الذي يَنْقُضُ الوُضُوءَ لا حَدَّ له أكثرُ مِن أنه يكونَ فاحِشًا. وقيل: يا أبا عبدِ اللَّه، ما قَدْرُ الفاحِشِ؟ قال: ما فَحُشَ في قَلْبِك. [وقيل له: مثلُ أي شيءٍ يكونُ الفاحِشُ؟ [قال] (١١) قال ابن عبَّاسٍ: ما فَحُشَ في قَلْبِكَ] (١٢). وقد نُقِلَ عنه أنه سُئِلَ: كم الكَثِير؟ فقال: شِبْرٌ في شِبْرٍ. وفي موضعٍ قال: قَدْرُ الكَفِّ فاحِشٌ. وفي موضعٍ قال: الذي يُوجِبُ الوُضُوءَ من ذلك إذا كان مِقْدارَ ما يَرْفَعُه الإِنسانُ بأصَابِعه الخَمْسِ من القَيْحِ والصَّدِيدِ والقَىْء، فلا بَأْسَ به. فَقِيلَ له: إن كان مِقْدَارَ عشرةِ أصَابِع؟ فرآهُ كَثِيرًا. قال الخَلَّالُ: والذي اسْتَقَرَّ عليه (١٣) قَوْلُه في الفاحِشِ، أنَّه علَى قَدْرِ ما يَسْتَفْحِشُه كُلُّ إنسانٍ في نَفْسِه. قال ابنُ عَقِيلٍ: إنما يُعْتَبَرُ ما يَفْحُشُ في نُفُوسِ أوْسَاطِ الناسِ، لا المُتَبَذِّلِين، ولا المُوَسْوِسِين، كما رجَعْنا في يَسِيرِ اللُّقَطَةِ الذي لا يَجِبُ تعْريفُه إلى ما لا تَتْبعُه نُفُوسُ أوْساطِ الناس. ونَصُّ أحمدَ في هذا كما حَكَيْناه، وذهَبَ إلى قولِ ابنِ عَبّاس، رَضِىَ اللهُ عنه.
فصل: والقَيْحُ والصَّدِيدُ كالدَّمِ فيما ذَكَرْناه، وأَسْهَلُ وأَخَفُّ منه حُكْمًا عند أبى عبدِ اللَّه؛ لوُقُوعِ الاخْتِلافِ فيه، فإنَّه رُوِىَ عن ابنِ عُمَر، والحَسَن، أنهم لم يَرَوا القَيْحَ والصَّدِيدَ كالدَّمِ. وقال أبو مِجْلَزٍ في الصَّدِيد: لا شىءَ، إنما ذَكَر اللهُ الدَّمَ المَسْفُوحَ. وقال الأَوْزَاعِىُّ في قُرْحَةٍ سالَ منها كَغُسَالةِ اللَّحْمِ: لا وُضُوءَ فيه. وقال إسحاق: كل ما سِوَى الدَّمِ لا يُوجِبُ وُضُوءًا. وقال مجاهد، وعَطَاء، وعُرْوَة، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وقَتَادةُ، والحَكَمُ، واللَّيْثُ: القَيْحُ بمَنْزِلَةِ الدَّمِ. فلذلك خَفَّ حُكْمُه عنده (١٤)، واختيارهُ مع ذلك إلْحَاقُه بالدَّمِ، وإثْباتُ مِثْل حُكْمِه فيه، ولكن الذي يَفْحُشُ منه يكون (١٥) أَكْثرَ مِن الذي يَفحُشُ من الدَّمِ.
стр. 306
فصل: والقَلْسُ كالدَّمِ، يَنْقُضُ الوُضُوءَ منه ما فَحُشَ. قال الخَلَّالُ: الذي أجْمَعَ عليه أصحابُ أبِى عبد اللَّه عنه، أنه إذا كان فاحِشًا أعادَ الوُضُوءَ منه. وقد حُكِىَ عنه فيه الوُضُوءُ إذا مَلأ الفَمَ. وقِيل عنه: إذا كان أقَلَّ من نِصْفِ الفَمِ لا يَتَوَضَّأُ. والأَوَّل المَذْهَبُ. وكَذَلِكَ الحُكُمُ في الدُّودِ الخارِجِ مِنَ الجَسَدِ، إذَا كانَ كَثِيرًا نَقَضَ الوُضُوءَ، وإنْ كَانَ يَسِيرًا، لم يَنْقُضْ، والكَثِيرُ ما فَحُشَ في النَّفْسِ.
فصل: فأما الجُشَاءُ فلا وُضُوءَ فِيهِ. لا نَعْلَمُ فِيهِ خلافًا، قالَ مُهَنَّا: سألتُ أبَا عَبْدِ اللهِ عن الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ الرِّيحُ مِثْل الجُشَاءِ الكَثيرِ؟ قالَ: لا وُضُوءَ عَلَيْه. وكذلك النُّخَاعَةُ لا وُضُوء فيها، سواء كانَتْ مِنَ الرَّأْسِ أو الصَّدْرِ؛ لأَنَّها طاهِرَةٌ، أَشْبَهتِ البُصَاقَ.
٤٨ - مسألة؛ قال: (وأَكْلُ لَحْمِ الجَزُورِ)
وجُمْلَةُ ذَلكَ أنَّ أَكْلَ لَحْمِ الإِبِلِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ علَى كُلِّ حالٍ، نِيئًا ومَطْبُوخًا، عالِمًا كانَ أو جَاهِلًا. وبِهَذَا قالَ جابرُ بنُ سَمُرَةَ (١)، ومُحَمَّدُ بن إسْحَاق (٢)، وأبو خَيْثَمة، ويَحْيَى بن يَحْيَى (٣)، وابنُ المُنْذِر، [وهو أحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ] (٤). قالَ الخطابِىُّ: ذَهَبَ إلَى هذَا عامّةُ أصْحَابِ الحدِيثِ. وقال الثَّوْرِىُّ، ومالِك، والشَّافِعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: لَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ بِحَالٍ؛ لأنَّهُ رُوِى عَنِ ابنِ عَبَّاس، عَنِ النبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قَالَ: "الوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ لا مِمَّا يَدْخُلُ (٥) ". ورُوِىَ عَنْ
стр. 307
جابِرٍ، قالَ: كانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَرْكَ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ. رَوَاهُ أبو داود (٦). ولأنَّه مَأْكُولٌ أشْبَهَ سَائِرَ المأكُولاتِ، وقد رُوِىَ عَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ أنَّه قالَ في الذِى يأكلُ مِنْ لُحُوم الإِبِلِ: إنْ كان لا يَعْلَمُ ليس عليْه وُضُوءٌ، وإنْ كانَ الرَّجُلُ قد عَلِمَ وسَمِعَ، فهذا عليه واجبٌ؛ لأنَّهُ قد عَلِمَ، فليس هو كمَنْ لا يَعْلَمُ ولا يَدْرِى. قال الخَلَّالُ: وعلَى هذا اسْتَقَرَّ قَوْلُ أبِى عبدِ اللهِ في هذا الباب. ولنا ما رَوَى البَراءُ بنُ عازِبٍ، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن لُحُومِ الإِبِلِ، فقال: "تَوَضَّؤُوا مِنْهَا". وسُئِلَ عَنْ لُحُومِ الغَنَمِ، فقالَ: "لَا يَتَوَضَّأُ مِنْها". [رَوَاهُ أبو داود] (٧). ورَوَى جابرُ بنُ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، أخْرَجَه مُسْلِمٌ (٨)، ورَوَى الإِمامُ أحمدُ (٩) بإسْنادِه، عَنْ أُسَيْدِ بنِ حُضَيْر، قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ، ولَا تَتَوضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ". ورَوَى ابنُ مَاجَه (١٠)، عن عبدِ اللَّه بنِ عَمْرو، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، قال أحمدُ، وإسحاقُ بنُ رَاهُويَه: فِيهِ حَدِيثانِ
стр. 308
صَحِيحانِ عنِ النَّبىِّ ﷺ ؛ حَدِيثُ البَرَاءِ، وحَدِيثُ جَابرِ بنِ سَمُرَةَ. وحَدِيثهُم عنِ ابنِ عَبَّاسٍ لا أصْلَ له، وإنَّما هو مِنْ قَوْلِ ابنِ عَبَّاس، مَوْقُوفٌ عليه، ولو صَحَّ لوَجَبَ تَقْدِيمُ. حَدِيثِنَا عليه؛ لِكَوْنِه أصَحَّ منه وأخَصَّ، والخاصُّ يُقَدِّمُ علَى العامِّ، وحَدِيثُ جابِرٍ لا يُعَارِضُ حَدِيثَنا أيضًا؛ لِصِحَّتِه وخُصُوصِه. فإنْ قِيلَ: فحَدِيثُ جابرٍ مُتَأَخِّرٌ، فَيَكُونُ ناسِخًا. قُلْنَا: لَا يَصِحُّ النَّسْخُ بهِ لوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ؛ أحدها، أنَّ الأمْرَ بالوُضُوءِ من لُحُومِ الإِبِلِ مُتَأخِّرٌ عن نَسْخِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النارُ، أو مُقَارِنٌ له؛ بدَلِيلِ أنَّه قَرَنَ الأمْرَ بالوُضُوءِ من لحومِ الإِبِلِ بالنَّهْىِ عن الوُضُوءِ من لُحُومِ الغَنَمِ، وهى مِمَّا مَسَّتِ النارُ، فإمَّا أنْ يكونَ النَّسْخُ حَصَلَ بهذا النَّهْىِ، وإمَّا أنْ يكونَ بِشَىءٍ قَبْلَه؛ فإنْ كان به، فالأمْرُ بالوُضُوءِ مِن لُحُومِ الإبِلِ مُقَارِنٌ لِنَسْخِ الوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النارُ، فكيف [يجوزُ أنْ] (١١) يكونَ مَنْسُوخًا به؟ ومِنْ شُرُوط النَّسْخِ تأَخُّرُ النَّاسِخِ، وإنْ كان النَّسْخُ (١٢) قَبْلَهُ، لم يَجُزْ أنْ يُنْسَخَ بِما قبلَهُ. الثاني، أنَّ أكْلَ لُحُومِ الإِبِلِ إنَّما نَقَضَ؛ لِكَوْنِه مِنْ لُحُومِ الإبِلِ، لا لِكَوْنه مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، ولِهَذَا يَنْقُضُ وإنْ كَانَ نِيئًا، فنَسْخُ إحْدَى الجِهَتَيْنِ لا يَثْبُتُ به نَسْخُ الجِهَةِ الأُخْرَى، كما لو حُرِّمَتِ المَرْأةُ للرَّضاعِ، ولِكَوْنها رَبِيبَةً، فنَسْخُ التَّحْرِيمِ بالرَّضَاعِ لَمْ يكنْ نَسْخًا لتَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ. الثَّالِثُ، أنَّ خَبَرَهُم عامٌّ وخَبَرُنَا خَاصٌّ، والعامُّ لا يُنْسَخُ بهِ الخاصُّ؛ لأَنَّ مِنْ شَرْطِ (١٣) النَّسْخِ تَعَذُّرَ الجَمْعِ، والجَمْعُ بينَ الخاصِّ والعامِّ مُمْكِنٌ بتَنْزِيلِ العامِّ علَى ما عدا مَحَلِّ التَّخْصِيصِ. الرَّابِعُ: أنَّ خَبَرَنَا صَحِيحٌ مُسْتَفِيضٌ، ثَبَتَتْ له قُوَّةُ الصِّحَّةِ والاسْتِفاضَةِ والخُصُوص، وخَبَرُهُمْ ضَعِيفٌ؛ لعَدَمِ هذِه الوُجُوهِ الثَّلَاثةِ فِيهِ، فلا يجوزُ أنْ يكونَ ناسِخًا لَهُ. فإن قِيلَ: الأمْرُ بالوُضُوءِ في خبرِكم يَحْتَمِلُ الاسْتِحْبابَ، فنَحْمِلُه عليه. ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أرَادَ بالوُضُوءِ [قبلَ الطَّعَامِ وبعدَه] (١٤) غَسْلَ اليَدَيْنِ (١٥)؛ لأنَّ الوُضُوءَ إذَا أُضِيفَ إلى الطَّعَامِ، اقْتَضَى
стр. 309
غَسْلَ اليَدِ، كما كانَ ﵇ يأْمُرُ بالوُضُوءِ قبلَ الطَّعَامِ وبعدَه، وخُصَّ ذَلِكَ بلَحْمِ الإِبِلِ؛ لأنَّ فِيهِ مِن الحرارةِ والزُّهُومةِ (١٦) ما ليس في غيره. قُلْنا: أَمَّا الأوَّلُ فَمُخَالِفٌ للظَّاهِرِ مِن ثلاثةِ أَوْجُهٍ: أحدُها، أنَّ مُقْتَضَى الأَمْرِ الوُجُوبُ. الثاني، أنَّ النَّبىَّ ﷺ سُئِلَ عَن حُكْمِ هذا اللَّحْم، فأجابَ بالأَمْرِ بالوُضُوءِ منه، فلا يَجُوزُ حَمْلُه علَى غَيْرِ الوُجُوبِ؛ لأنَّه يَكونُ تَلْبِيسًا علَى السَّائِلِ، لا جوابًا. الثالثُ، أنَّه ﵇ قَرَنَه بالنَّهْىِ عَنِ الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ، والمُرَادُ بالنَّهْىِ ههُنا نَفْىُ الإِيجَابِ لا التَّحْرِيمُ، فيَتَعَّينُ حَمْلُ الأَمْرِ عليه (١٧) علَى الإِيجَابِ، ليَحْصُلَ الفَرْقُ. وأمَّا الثاني فلا يَصِحُّ لوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ: أحَدُها، أنَّه يَلْزَمُ منه حَمْلُ الأَمْرِ علَى الاسْتِحْبابِ، فإنَّ غَسْلَ اليَدِ بمُفْرَدِهِ غيرُ وَاجِبٍ، وقد بَيَّنَا فَسَادَهُ. الثاني، أنَّ الوُضُوءَ إذا جَاءَ عَلَى لِسَانِ الشَّارِعِ، وَجَبَ حَمْلُه علَى المَوْضُوعِ الشَّرعِىِّ دُونَ اللُّغَوِىِّ؛ لأنَّ الظاهِرَ منه، أنَّه إنَّما يَتَكَلَّمُ بمَوْضُوعَاتِهِ. الثالثُ، أنَّه خَرَجَ جَوابًا لسُؤالِ السَّائِلِ عَنْ حُكْمِ الوُضُوءِ مِنْ لُحُومِها، والصَّلَاةِ في مَبَارِكِها، فلا يُفْهَمُ مِنْ ذلك سوى الوُضُوء المُرَادِ للصَّلاةِ. الرابعُ، أنَّهُ لو أُرادَ غَسْلَ اليَدِ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ لَحْمِ الغَنَمِ؛ فإنَّ غَسْلَ اليَدِ منهما مُسْتَحَبٌّ، ولِهَذَا قالَ: "مَنْ بَاتَ وَفِى يَدِهِ رِيحُ غَمَرٍ (١٨) فأَصَابَهُ شيءٌ، فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ (١٩) ". وما ذكروهُ مِنْ زيادةِ الزُّهُومَةِ فأمْرٌ يَسِيرٌ، لا يَقْتَضِى التَّفْرِيقَ. واللهُ أعلمُ. ثم لا بدَّ مِن دَلِيلٍ نَصْرِفُ به اللَّفْظَ عن ظَاهِرِهِ ويجبُ أنْ يكونَ الدَّلِيلُ له مِنَ القُوَّةِ بقَدْرِ قُوَّةِ الظَّواهِرِ المَتْرُوكةِ، وأقوَى مِنْها، وليس لهم دَلِيلٌ، وقِيَاسُهم فَاسِدٌ؛ فإنَّه طَرْدِىٌّ لا مَعْنَى فيه، وانْتِفاءُ
стр. 310
الحُكْمِ في سَائِرِ المأكُولَاتِ لانْتِفاءِ المُقْتَضِى، لا لِكَوْنِهِ مَأْكُولًا، فلَا أثرَ لِكَوْنهِ مَأكُولًا، ووُجُودُهُ كعَدَمِه. ومِنَ العَجَبِ أنَّ مُخَالِفينَا في هَذِهِ المَسْأَلَةِ، أوْجَبُوا الوُضُوءَ بأحادِيثَ ضَعِيفةٍ تُخَالِفُ الأُصُولَ؛ فأبو حَنِيفة أوْجَبَهُ بالقَهْقَهةِ في الصَّلَاةِ دُون خارِجِها، بحدِيثٍ مِنْ مَرَاسِيل أبِى العَالِيَةِ، ومالِكٌ والشَّافِعِىُّ أوْجَبَاهُ بمَسِّ الذَكَرِ، بحَدِيثٍ مُخْتَلَفٍ فيه، مُعَارَضٍ بِمْثلِهِ دُونَ مَسِّ (٢٠) بَقِيَّةِ الأعْضَاءِ، وتركوا هذا الحدِيثَ الصَّحِيحَ الَّذِى لا مُعارِضَ لَهُ، مع بُعْدِه عن التَّأْوِيلِ، وقُوَّةِ الدَّلَالَةِ فيه، لمُخَالَفَتِه لِقَياسٍ طَرْدِىٍّ.
فصل: وفِى شُرْبِ لَبَنِ الإِبِلِ رِوَايَتَانِ: إحداهُما، يَنْقُضُ الوُضُوءَ؛ لِمَا رَوَى أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ وأَلْبانِها". رَوَاهُ الإِمامُ أَحْمَدُ، فِى "المُسْنَدِ" (٢١). وفِى لَفْظٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ أَلْبانِ الإِبِلِ، فقالَ: "تَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبانِها"، وسُئِلَ عَنْ أَلْبانِ الغَنَمِ، فقالَ: "لَا تَتَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبانِها". رَوَاه ابنُ مَاجَه (٢١)، وروَى نحوَه. عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو (٢١). والثانيةُ، لا وُضُوءَ فِيه؛ لأنَّ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ إنما وَرَدَ في اللَّحْمِ. وقَوْلُهم: فِيهِ حَدِيثانِ صَحِيحانِ. يَدُلُّ علَى أنَّه لا صَحِيحَ فيه سِوَاهُما، والحُكْمُ ههُنا غَيرُ مَعْقُولٍ، فيَجِبُ الاقْتِصَارُ علَى مَوْرِدِ النَّصِّ فيهِ.
وفِيمَا سِوَى اللَّحْم مِنْ أجْزَاءِ البَعِيرِ؛ مِنْ كَبِدِه، وطِحَالِه، وسَنَامِه، ودُهنِه، ومَرَقهِ، وكَرِشِه، ومُصْرَانِه، وَجْهَانِ: أحَدُهُما، لَا يَنْقُضُ؛ لأَنَّ النَّصَّ لَمْ يتناوَلْهُ. والثانى، يَنْقُضُ؛ لأَنَّه مِنْ جُمْلَةِ الجَزُورِ، وإطْلاقُ اللَّحْمِ في الحَيوَانِ يُرادُ به جُمْلَتُه؛ لأنَّه أَكْثَرُ ما فيه، ولذلك لَمَّا حَرَّم اللَّه تَعالَى لَحْمَ الخِنْزِيرِ، كان تَحْرِيمًا لجُمْلَتِه، كذا ههُنَا.
فصل: وما عدا لَحْم الجَزُورِ مِنْ الأَطْعِمَةِ لا وُضُوءَ فيه، سَوَاءٌ مَسَّتْهُ النَّارُ أو لم تَمَسَّه. هذا قَوْلُ أَكثرِ أهْلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن الخُلَفاءِ الرَّاشدِينَ، وأُبَىِّ بنِ
٤٩ - مسألة؛ قال: (وغَسْلُ المَيِّتِ)
اخْتَلَفَ أصْحَابُنا في وُجُوبِ الوُضُوءِ منْ غَسْلِ المَيِّتِ؛ فقال أكثرُهم بوُجُوبهِ، سواء كان المَغْسُولُ صَغِيرًا أو كَبِيرًا، ذَكَرًا أو أُنْثَى، مُسْلِمًا أو كافِرًا. وهو قَوْلُ إسْحَاق، والنَّخَعِىِّ، ورُوِىَ ذَلِكَ عَنِ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، فرُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ أنَّهما كانا يَأْمُرَانِ غاسِلَ المَيِّتِ بالوُضُوءِ. وعن أبِى هُرَيْرةَ، قال: أقَلُّ ما فِيه الوُضُوء. ولا نَعْلَمُ لهم مُخَالِفًا في الصَّحَابةِ. ولأَنَّ الغالِبَ فيه (١) أنَّه لا يَسْلَمُ الغاسِلُ (٢) أنْ تَقَع يَدُهُ علَى فرْجِ المَيِّتِ، فكان مَظِنَّةُ ذلك قائِمًا مَقَامَ حَقِيقَتِه، كما أُقِيمَ النومُ مَقَامَ الحَدَثِ. وقالَ أبو الحسن التَّمِيمِىُّ: لا وُضُوءَ فيه. وهذا قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاء، وهو الصَّحِيحُ إن شاء اللهُ؛ لأنَّ الوُجُوبَ من الشَّرْعِ. ولم يَرِدْ في هذا نَصٌّ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوص عليه، فَبَقِىَ علَى الأَصْلِ، ولأَنَّه غَسْل آدَمِىٍّ. فأشْبَهَ غَسْلَ الحَىِّ. وما رُوِى عن أحمدَ في هذا يُحْمَلُ علَى الاسْتِحْبابِ دُونَ الإيجَابِ؛ فإنَّ كلامَه يَقْتَضِى نَفْىَ الوُجُوبِ، فإنَّه تَرَكَ العَمَلَ بالحَدِيثِ المَرْوِىِّ عنِ النَّبىِّ ﷺ : "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ (٣) ". وعَلَّلَ ذلك بأنَّ الصَّحِيحَ أَنَّه مَوْقُوفٌ علَى أبى هُرَيْرة. فإذا لم يُوجِب الغَسْلَ بقَوْلِ أبى هُرَيْرة، مع احْتِمالِ أنْ يكونَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فلَأنْ لا يُوجِبَ الوُضُوءَ بقَوْلِه، مع عَدَمَ ذلك الاحْتِمال، أَوْلَى وأَحْرَى.
٥٠ - مسألة؛ قال: (ومُلَاقاةُ جِسْمِ الرَّجُلِ للمَرْأةِ لِشَهْوَةٍ)
المَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أحمدَ، ﵀، أنَّ لَمْسَ النِّسَاءِ لِشَهْوةٍ يَنْقُضُ الوُضُوءَ، ولا يَنْقُضُه لِغَيْرِ شَهْوَةٍ. وهذا قَوْلُ عَلْقَمة، وأبى عُبَيْدَة، والنَّخَعِىِّ، والحَكَم،
стр. 313
وحَمَّاد، ومالِك، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاق، والشَّعْبِىِّ، فإنَّهُم قَالُوا: يَجِبُ الوُضُوءُ علَى مَنْ قَبَّلَ لِشَهْوةٍ، ولا يَجِبُ علَى مَنْ قَبَّل لِرَحْمةٍ. ومِمَّن أوْجَبَ الوُضُوءَ في القُبْلَةِ ابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عُمَرَ، والزُّهْرِىُّ، وزَيْدُ بنُ أسْلَم، ومَكْحُول، ويَحْيَى الأَنْصَارِىّ، ورَبِيعةُ، والأَوْزَاعِىُّ، وسعِيدُ بن عبد العزيزِ، والشَّافِعِىُّ. قال أحمدُ: المَدَنِيُّونَ والكُوفِيُّونَ مازالُوا يَرَوْنَ أنَّ القُبْلَةَ مِن اللَّمْسِ تَنْقُضُ الوُضوُءَ، حتَّى كان بأخَرَةٍ وصارَ فِيهم أبو حَنِيفة، فقالُوا: لا تَنْقُضُ الوُضُوءَ. ويأخُذُونَ بحَدِيثِ عُرْوةَ، ونَرَى أنه غَلَطٌ. وعَنْ أَحْمَدَ، رِوَاية ثانِية، لا يَنْقُضُ اللَّمْسُ بحالٍ. ورُوِىَ ذلك عَنْ عَلِىٍّ، وابنِ عَبَّاس، وعَطَاء، وطَاوُس، والحَسَنِ، ومَسْرُوقٍ، وبه قال أبو حَنِيفَة، إلَّا أنْ يَطَأَهَا دُونَ الفَرْجِ فيَنْتَشِرَ فِيها، لما رَوَى حَبِيبٌ، عن عُرْوَةَ، عن عائِشَة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَبَّلَ امْرَأةً مِنْ نِسائِه، وخَرَجَ إلى الصَّلاةِ، ولم يَتَوَضَّأْ. رَوَاه أبو دَاوُد، وابنُ مَاجَه، وغَيْرُهُما (١). وهو حَدِيث مَشْهُورٌ، رَوَاه إبْرَاهِيمُ التَّيْمِىُّ (٢) عن عائِشَة أيْضًا (٣)، ولأنَّ الوُجُوبَ مِنَ الشَّرْعِ، ولم يَرِدْ بهذا شَرْعٌ، ولا هو في مَعْنَى ما وَرَدَ الشَّرْعُ به، وقَوْلُه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٤). أرادَ به الجِمَاعَ، بدَلِيلِ أنَّ المَسَّ أُرِيدَ به الجِماعُ (٥) فكَذَلِكَ اللَّمْسُ، ولأَنَّهُ ذَكَرَهُ بلَفْظِ المُفَاعَلَةِ، والمُفَاعلةُ لا تكونُ مِنْ أقَلَّ من اثْنَيْن. وعن أحمد، رواية ثالِثَة، أنَّ اللَّمْسَ يَنْقُضُ بكُلِّ حالٍ. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، لعُمُومِ قولِه تَعالَى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾،
стр. 314
وحَقِيقَةُ اللّمْسِ مُلَاقَاةُ البَشَرَتَيْنِ، قال اللهُ تَعالَى مُخْبِرًا عن الجِنّ أنَّهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ (٦)، وقال الشَّاعِرُ: (٧)
* لَمَسْتُ بكَفِّى كَفَّهُ أطْلُبُ الغِنَى *
وقرَأَهَا ابنُ مَسْعُود: (أَوْ لَمَسْتُم النِّسَاءَ). وأما حَدِيث القُبْلَة فَكُلُّ طُرُقِهِ مَعْلولَة، قال يَحْيَى بن سَعِيدٍ: احْكِ عَنِّى أنَّ هذا الحدِيثَ شِبْهُ لَا شَىْءَ. وقال أَحْمَدُ: نَرَى أنهُ غَلَّطَ الْحَدِيْثَيْنِ جَمِيعًا - يَعْنِى حَدِيثَ إبْرَاهِيم التَّيْمِىّ، وحَدِيثَ عُرْوة - فإنَّ إبْرَاهِيَم التَّيمِىَّ لا (٨) يَصِحّ سَمَاعُه مِنْ عائِشَة، وعُرْوَةُ المَذْكُورُ ههُنا عُرْوَة المُزَنِىُّ (٩)، ولم يُدْرِكْ عائِشَة، كذلك قالَه سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ، قالَ: ما حَدَّثَنا حَبِيبٌ إلَّا عن عُرْوَةَ المُزَنِىِّ، ليس هو عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ. وقال إسْحَاقُ: لا تَظُنُّوا أنَ حَبِيبًا لَقِىَ عُرْوَةَ. وقال: قد يُمْكِنُ أن يُقَبِّلَ الرَّجُلُ امْرَأتَه لغَيْرِ شَهْوةٍ بِرًّا بها، وإكْرَامًا لهَا، ورَحْمةً، ألا تَرَى إلى ما جاءَ عنِ النَّبىِّ ﷺ ، أنه قَدِمَ من سَفَرٍ فَقَبَّلَ فاطمةَ. فالقُبْلَةُ تكُونُ لِشَهْوةٍ ولِغَيْرِ شَهْوةٍ. ويَحْتَمِلُ أنه قبَّلهَا مِنْ وراءِ حائلٍ، واللَّمْسُ لغيرِ شَهْوةٍ لا يَنْقُضُ، لأنَّ النَّبىَّ ﷺ كانَ يَمَسُّ زَوْجَتَه في الصَّلَاةِ وتَمَسُّه. ولو كانَ ناقِضًا للوُضُوءِ لم يَفْعَلْه، قالَتْ عائِشَةُ: إنْ كانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ليُصَلِّى، وإنِّى لمُعْتَرضَةٌ بين يَدَيْهِ اعْتِراضَ الجِنَازَةِ، فإذَا أرادَ أن يَسْجُدَ غَمَزَنِى فقَبَضْتُ رِجْلِى. مُتَّفَقٌ عليه (١٠). وفي حَدِيثٍ آخَر: فإذا أرَادَ أن يُوتِرَ مَسَّنِى
стр. 315
برِجْلهِ (١١). ورَوَى الحَسَنُ قال: كان النَّبىُّ ﷺ جالِسًا في مَسْجِدِه في الصَّلاةِ فقَبَضَ علَى قَدَمِ عائِشَةَ غيرَ مُتَلَذِّذٍ. رَوَاهُ إسْحاقُ بإسْنادهِ، والنَّسائِىُّ (١٢). وعَنْ عائِشَة قالَتْ: فَقَدْتُ النبيَّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ، فجَعَلْتُ أطْلُبُه، فوَقَعَتْ يَدى علَى قَدَمَيْهِ، وهُمَا مَنْصُوبَتَان، وهو ساجِدٌ، وهو يقولُ: "أَعُوذُ برِضَاكَ مِن سَخَطِكَ، وبِمُعافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ". رَوَاهُما النَّسائىُّ، ورَوَاه مُسْلِم (١٣). وصَلَّى النَّبِىُّ ﷺ حامِلًا أُمَامَةَ بِنْتَ أبِى العاصِ بنِ الرَّبِيع، إذا سَجَدَ وَضَعَها، وإذا قامَ حَمَلَها. مُتَّفَقٌ عليه (١٤). والظاهرُ أنَّه لا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّها، ولأنَّهُ لَمْسٌ لِغَيْرِ شَهْوةٍ فلم يَنْقُضْ،
стр. 316
كلَمْسِ ذَوَاتِ المَحارِمِ، يُحَقِّقُهُ أنَّ اللَّمْسَ ليس بحَدَثٍ في نَفْسِه، وإنما نَقَضَ لأنَّه يُفْضِى إلى خُرُوجِ المَذْىِ [أو المَنِىِّ] (١٥)، فاعْتُبِرَت الحالةُ التي تُفْضِى إلى الحَدَثِ فيها، وهى حالةُ الشَّهْوَةِ.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ الأَجْنَبِيَّةِ وذَاتِ المَحْرَمِ، والكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَنْقُضُ لَمْسُ ذَواتِ المحارِمِ، ولا الصَّغِيرةِ، في أحَدِ القَوْلَيْنِ؛ لأنَّ لَمْسَهُما لا يُفْضِى إلى خُرُوجِ خارِجٍ، أشْبَهَ لَمْسَ الرَّجُلِ الرَّجُلَ (١٦). ولنا، عُمُومُ النَّصِّ، واللَّمْسُ الناقِضُ تُعْتبَرُ فيه الشَّهْوَةُ، ومتى وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ فلا فَرْقَ بينَ الجَمِيعِ.
فأمَّا لَمْسُ المَيِّتةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدُهما، يَنْقُضُ؛ لعُمُومِ الآيةِ. والثانى، لا يَنْقُضُ. اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أبو جعفر، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأَنَّها ليستْ مَحَلًّا للشَّهْوَةِ، فهى كالرَّجُلِ.
فصل: ولا يَخْتصُّ اللَّمْسُ الناقِضُ باليَدِ، بَلْ أىُّ شيءٍ منه (١٦) لاقَى شَيْئًا مِنْ بَشَرَتها مع الشَّهْوةِ، انْتَقَضَ وُضُوؤُه به، سَوَاءٌ كان عُضْوًا أصْلِيًّا، أوْ زائِدًا. وحُكِىَ عن الأَوْزاعِىِّ: لا يَنْقُضُ اللَّمْسُ إلَّا بأَحَدِ أعْضاءِ الوُضُوءِ. ولنا، عُمُومُ النَّصِّ، والتَّخْصِيصُ بغَيْرِ دَلِيلٍ تَحَكُّم لا يُصارُ إليه. ولا يَنْقُضُ مَسُّ شَعْرِ المرأةِ، ولا ظُفْرِها، ولا سِنِّها، وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ. ولا يَنْقُضُ لَمْسُها بشَعْرِهِ ولا سِنِّهِ ولا ظُفْرِه؛ لأنَّ ذلك ممَّا لا يَقَعُ الطَّلَاقُ علَى المرأةِ بتَطْلِيقهِ ولا الظِّهَار. ولا يَنْجُسُ الشَّعْرُ بمَوْتِ الحيوانِ، ولا بِقَطْعِهِ منه في حَياتِه.
فصل: وإنْ لَمَسَها مِنْ وَرَاءِ حائِلٍ، لم يَنْتَقِضْ وُضُوؤُهُ، في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ
стр. 317
العِلْمِ. وقال مالِك، واللَّيْثُ: يَنْتَقِضُ إنْ كان ثَوْبًا رَقِيقًا. وكذلك قال رَبِيعةُ: إذا غمَزَها مِنْ وَرَاءِ ثَوْبٍ رَقِيقٍ لشَهْوةٍ؛ لأنَّ الشَّهْوةَ مَوْجُودةٌ. وقال المَرُّوذِىّ: لا نَعْلَمُ أحَدًا قالَ ذَلِكَ غيرَ مالِكٍ واللَّيْث. ولنا، أنَّهُ لم يَلْمَسْ جِسْمَ المَرْأَةِ؛ فأشْبَهَ ما لو لَمَسَ ثِيابَها، والشَّهْوَةُ بمُجَرَّدِها لا تَكْفِى، كما لو مَسَّ رَجُلًا بشَهْوةٍ (١٧)، أو وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ مِنْ غَيْرِ لَمْسٍ.
فصل: وإنْ لمَسَت امْرَأةٌ رَجُلًا، ووُجِدَت الشهوةُ منهما، فظاهرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ نَقْضُ وُضُوئِهما، بمُلاقاةِ بَشَرَتهما. وقد سُئِلَ أحْمَدُ عنِ المَرْأَةِ إذا مَسَّت زَوْجَها؟ قال: ما سَمِعْتُ فيه شيئًا، ولكن هي شَقِيقةُ الرَّجُلِ. يُعْجِبُنِى أنْ تَتَوَضَّأَ. لأَنَّ المَرْأةَ أحدُ المشتركَيْنِ في اللَّمْسِ، فهى كالرَّجُلِ. ويَنْتَقِضُ وُضوءُ المَلْمُوسِ إذا وُجِدَتْ منه الشَّهْوةُ؛ لأنَّ ما يَنْتَقِضُ بالْتِقاءِ البَشَرَتَيْنِ، لا فَرْقَ فيهِ بين اللَّامِسِ والمَلْمُوسِ، كالْتِقاءِ الخِتَانَيْنِ. وفيه رِوَايةٌ أُخْرَى: لا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ المرأةِ، ولا وُضُوءُ المَلْمُوسِ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كالرِّوايَتَيْنِ. وَوَجْهُ عَدَمِ النَّقْضِ أنَّ النصَّ إنَّما وَرَدَ بالنَّقْضِ بمُلامَسةِ النِّسَاءِ، فيَتَنَاوَلُ اللَّامِسَ مِن الرِّجَالِ، فيخْتَصُّ به النَّقْضُ، كَلَمْسِ الفَرْجِ، ولأنَّ المَرْأَةَ والمَلْمُوسَ لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوص؛ لأنَّ اللَّمْسَ مِنَ الرَّجُلِ مع الشَّهْوةِ مَظِنَّةٌ لخُرُوجِ المَذْىِ الناقِضِ، فأُقِيمَ مَقَامَهُ، ولا يُوجَدُ ذلك في حَقِّ المرأةِ، والشَّهْوةُ مِن اللَّامِسِ أشَدُّ منها في المَلْمُوسِ، وأَدْعَى إلى الخُرُوجِ، فلا يَصِحُّ القياسُ عليهما، وإذا امْتَنَعَ النَّصُّ والقِياسُ لم يَثْبُتِ الدليلُ.
فصل: ولا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بِلَمْسِ عُضْوٍ مَقْطُوعٍ مِن المَرْأَةِ؛ لزَوَالِ الاسْمِ، وخُرُوجهِ عن أنْ يَكُونَ مَحَلًّا للشَّهْوةِ. ولا بمَسِّ رَجُلٍ ولا صَبِىٍّ، ولا بمَسِّ (١٨) المَرْأَةِ المَرْأةَ؛ لأنَّه لَيْسَ بدَاخِلٍ في الآيةِ، ولا هُوَ في مَعْنَى ما فِي الآيةِ، لأنَّ المَرْأةَ مَحَلٌّ لشَهْوةِ الرَّجُلِ شَرْعًا وطَبْعًا، وهذا بخِلَافِهِ. ولا بمَسِّ البَهِيمَةِ؛ لذلك. ولا بمَسِّ خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُه رَجُلًا ولا امْرأةً. ولا بمَسِّ الخُنْثَى لرَجُلٍ
стр. 318
أو امْرَأةٍ؛ لذلك، والأَصْلُ الطهارةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ. ولا أعْلَمُ في هذا كُلِّه خِلَافًا.
٥١ - مسألة؛ قال: (مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهارةَ وشَكَّ في الحَدَثِ، أو تَيَقَّنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطَّهَارَةِ، فَهُوَ عَلَى مَا تَيَقَّنَ مِنْهُما)
يَعْنى: إذَا عَلِمَ أنَّه تَوَضَّأَ، وشَكَّ هَلْ أَحْدَثَ، أوْ لَا، بَنَى عَلَى أنه مُتَطَهِّرٌ. وإنْ كان مُحْدِثًا فشَكَّ؛ هل تَوَضَّأ، أوْ لَا، فهو مُحْدِثٌ. يَبْنِى في الحالتيْنِ على ما عَلِمَه قَبْلَ الشَّكِّ، ويُلْغِى الشَّكَّ، وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأهلُ العِرَاقِ، والأَوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ، فيما عَلِمْنا، إلَّا الحَسَنَ ومالِكًا، فإن الحَسَنَ قال: إن شَكَّ في الحَدَثِ في الصَّلَاةِ، مَضَى فيها، وإنْ كانَ قَبْلَ الدُخُولِ فيها، تَوَضَّأَ. وقال مالِكٌ: إن شَكَّ في الحَدَثِ إنْ كانَ يسْتَنْكِحُه (١) كثيرًا، فهو على وُضُوئِه. وإن كان لا يَسْتَنْكِحُه (١) كثيرًا، تَوَضَّأَ؛ لأنَّه [قد دخَل] (٢) في الصَّلَاةِ مَعَ الشَّكِّ. ولنا، ما رَوَى عبدُ اللهِ بن زَيْدٍ قال: شُكِىَ إلَى النبيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إليه وهو في الصَّلاةِ أنَّه يَجِدُ الشىءَ، قال: "لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أو يَجِدَ رِيحًا". مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولمُسْلِم عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا وَجَدَ أحَدُكُمْ
стр. 319
في بَطْنِه شَيْئًا فأَشْكَلَ عَلَيْه، أخَرَجَ مِنْهُ [شَىْءٌ] (٤) أمْ لَا (٥)، فلَا يَخْرُجْ (٦) مِنَ المَسْجِدِ حتى يَسْمَعَ صَوْتًا أو يَجِدَ رِيحًا" (٧). ولأنَّه إذا شَكَّ تعارَضَ عندَه الأمْران، فيَجِبُ سُقُوطُهُما، كالبَيِّنَتَيْن إذا تعَارَضَتَا، ويَرْجعُ إلَى اليَقِين (٨)، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّه أحَدُهما، أو يَتَساوَى الأَمْرانِ عِنْدَه؛ لأَنَّ غَلَبةَ الظَّنِّ إذا لم تَكنْ مَضْبُوطةً بضابطٍ شَرْعِىٍّ، لا يُلْتَفَتُ إليْها، كما لا يَلْتَفِتُ الحاكِمُ إلى قَوْلِ أحدِ المُتَدَاعِيَيْنِ إذا غَلَبَ على ظَنِّه صِدْقُه بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
فصل: إذا تَيَقَّنَ الطهارةَ والحَدَثَ معًا، ولم يَعْلَمِ الآخِرَ منهما، مثل مَنْ تَيَقَّنَ أنَّه كان في وَقْتِ الظُهْرِ مُتَطَهِّرًا مَرَّةً ومُحْدِثًا أخْرَى، ولا يَعْلَمُ أيُّهما كان بعدَ صَاحِبهِ، فإنَّهُ يَرْجِعُ إلى حالِهِ قبلَ الزَّوَالِ؛ فإنْ كانَ مُحْدِثًا فهو الآن مُتَطَهِّرٌ؛ لأنَّه مُتَيَقِّنٌ أنَّه قد انْتَقَلَ عن هذا الحَدَثِ إلى الطَّهارةِ، ولم يَتَيَقَّنْ زَوَالهَا، والحَدَثُ المُتَيَقَّنُ بعدَ الزَّوَالِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قبلَ الطَّهَارَةِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ بعدَها، فوُجُودُه بعدَها مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزولُ عن طَهَارَةٍ مُتَيَقَّنةٍ بِشَكٍّ، كما لو شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِرَجُلٍ أنَّه وَفَى زَيْدًا حَقَّه وهو مائةٌ، فأقامَ المَشْهُودُ عليه بَيِّنةً بإقْرارِ خَصْمِه له بمائةٍ، لم يَثْبُتْ له حَقٌّ؛ لاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ إقْرارُه قبلَ الاسْتِيفاءِ منه. وإنْ كانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا فهو الآن مُحْدِثٌ؛ لما ذَكَرْنَا في الطَّرَفِ الآخَرِ.
فصل: وإن تَيَقَّنَ أنَّه في وَقْت الظُهْرِ نَقَضَ طَهارَته وتَوَضَّأ عن حَدَثٍ، وشَكَّ في السابِقِ منهما، نَظَرَ؛ فَإنْ كانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا، فهو علَى طَهارَةٍ؛ لأنَّه تَيَقَّنَ أنه نَقَضَ تِلْكَ الطهارةَ، ثم تَوَضَّأَ، إذْ لا يُمْكِنُ أن يَتَوَضَّأ عن حَدَثٍ مع بَقَاءِ تلك الطهارةِ، ونَقْضُ هذه الطَّهَارَةِ الثانِيةِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ،
стр. 320
وإنْ كانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُحْدِثًا، فهو الآنَ مُحْدِثٌ؛ لأنه تَيَقَّنَ أنه انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى الطَهَارَةِ ثم نَقَضَها، والطَّهَارَةُ بعدَ نَقْضِها مَشْكُوكٌ فِيها. واللهُ أعلمُ.
فهذَا جَمِيعُ نَواقِضِ الطَّهَارَةِ. ولا تَنْتَقِضُ بغَيْرِ ذَلِكَ في قَوْلِ عامَّة العُلَماء، إلَّا أنَّه قد حُكِىَ عن مُجَاهدٍ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ: في قَصِّ الشَّارِبِ، وتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، ونَتْفِ الإِبْطِ، الوُضُوءُ. وقَوْلُ جُمْهورِ العُلَماء بخِلَافِهم، ولَا نَعْلَمُ فيما يَقُولُونَ حُجَّةً. واللهُ سبحانَه أعْلَمُ.