الثَّمَرَةِ حتى يَبْدُوَ صلاحُها (٢). فمَفْهُومُه إباحَةُ بَيْعِها بعدَ بُدُوِّ صلاحِها، والمَنْهِىُّ عنه قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ عندَهم البَيْعُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فيَجِبُ أنْ يَكُونَ ذلك جائِزًا بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، وإلَّا لم يَكُنْ بُدُوُّ الصَّلاحِ غايَةً، ولا فائِدَةَ في ذِكْرِه. ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الثَّمَرَةِ حتى يَبْدُوَ صَلاحُها، وتَأْمَنَ العاهَةَ (٣). وتَعْلِيلُه بأمْنِ العاهَةِ يَدُلُّ على التَّبْقِيَةِ؛ لأنَّ ما يُقْطَعُ في الحالِ لا يُخافُ العاهَةُ عليه، وإذا بدا الصَّلاحُ فقد أُمِنَتِ العاهَةُ، فيَجِبُ أنْ يَجُوزَ بَيْعُه مُبَقًّى لِزَوالِ عِلَّة المَنْع، ولأنَّ النَّقْلَ والتَّحْوِيلَ يَجِبُ في المَبِيعِ بِحُكْمِ العُرْفِ، فإذا شَرَطَه جازَ، كما لو شَرَطَ نَقْلَ الطَّعامِ مِن مِلْكِ البائِعِ حَسَبَ الإِمكانِ. وفي هذا انْفِصالٌ عمَّا ذَكَرُوه.
فصل: ولا يَخْتَلِفُ المذهبُ أنَّ بُدُوَّ الصَّلاحِ في بعضِ ثَمَرَةِ النَّخْلَةِ، أو الشَّجَرَةِ صَلاحٌ لجميعِها، أعْنِى أنّه يُباحُ [بَيْعُ جميعِها] (٤) بذلك. ولا أعلمُ فيه اختلافًا، وهل يجوزُ بَيْعُ سائِر ما في البُسْتانِ مِن ذلك النَّوْعِ؟ فيه رِوايَتانِ؛ أظْهَرُهما جوازُه. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ، ومحمدِ بن الحسنِ. وعنه: لا يجوزُ إلَّا بَيْعُ ما بَدا صلاحُه؛ لأنَّ ما لم يَبْدُ صلاحُه داخلٌ في عُمُومِ النَّهْىِ، ولأنَّه لم يَبْدُ صلاحُه، فلم يَجُزْ بَيْعُه مِن غير شَرْطِ القَطْعِ، كالجِنْسِ الآخَرِ، وكالذي في البُسْتانِ الآخَرِ. وَوَجْهُ الأُولَى أنَّه بدا الصَّلاحُ في نَوْعِه مِن البُسْتانِ الذي هو فيه، فجازَ بَيْعُ جمِيعِه، كالشَّجَرَةِ الواحِدَةِ، ولأنَّ اعْتِبارَ بُدُوِّ الصَّلاحِ في الجميعِ يَشُقُّ، ويُؤَدِّى إلى الاشْتِراكِ واختلافِ الأيْدِى، فوَجَبَ أنْ يَتْبَعَ ما لم يَبْدُ صلاحُه مِن نَوْعِه لما بدا، على ما ذَكَرْنا فيما أُبِّر بَعْضُه دُونَ بعضٍ. فأمَّا نَوْعٌ آخَرُ مِن ذلك الجِنْسِ، فقال القاضى: لا يَتْبَعُه. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشَّافِعِيِّ. وقال محمد بن الحسنِ: ما كان مُتَقارِبَ الإِدراكِ، فبُدُوُّ صَلاحِ بَعْضِه يجوزُ به بَيْعُ جميعِه، وإنْ كان يَتَأَخَّرُ إدراكُ
стр. 2767
البعضِ تَأْخِيرًا كَثِيرًا، فالبَيْعُ جائِزٌ فيما أدْرَكَ، ولا يَجُوزُ في الباقِى. وقال أبو الخَطَّابِ: يجوزُ بَيْعُ ما في البُسْتانِ مِن ذلك الجِنْسِ. وهو الوَجْهُ الثّانِى لأصحابِ الشّافِعِيِّ؛ لأنّ الجِنْسَ الواحِدَ يُضَمُّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ في إكمالِ النِّصابِ في الزَّكاةِ، فيَتْبَعُه في جوازِ البَيْعِ، كالنَّوْعِ الواحِدِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ النَّوْعَيْنِ قد يَتَباعَدُ إدراكُهما، فلم يَتْبَعْ أحَدُهما الآخَرَ في بُدُوِّ الصَّلاحِ، كالجِنْسَيْنِ. ويُخالِفُ الزَّكاةَ؛ فإنّ القَصْدَ هو الغِنَى مِن جِنْسِ ذلك المالِ، لِتَقارُبِ مَنْفَعَتِه، وقِيامِ كُلِّ نَوْعٍ مَقامَ النَّوْعِ الآخَرِ في المَقْصُودِ. والمَعْنَى هاهُنا؛ هو تَقارُبُ إدراكِ أحَدِهما مِن الآخَرِ، ودَفْعُ الضَّرَرِ الحاصِلِ بالاشْتِراكِ، واخْتِلافِ الأَيْدِى، ولا يَحْصُلُ ذلك في النَّوْعَيْنِ، فصارَ في هذا كالجِنْسَيْنِ (٥).
فصل: فأمَّا النَّوْعُ الواحِدُ من بُسْتانَيْنِ، فلا يَتْبَعُ أحَدُهما الآخَرَ في جوازِ البَيْعِ حتى يَبْدُوَ الصَّلاحُ في أحَدِهما، مُتَجاوِرَيْنِ كانا أو مُتَباعِدَيْنِ، وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وحُكِىَ عن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى؛ أنّ بُدُوَّ الصَّلاحِ في شَجَرَةٍ مِن القَراحِ (٦) صلاحٌ له، ولما قارَبَه. وبهذا قال مالِكٌ؛ لأنَّهما يَتَقارَبانِ (٧) في الصَّلاحِ، فأشْبَها القَراحَ الواحِدَ. ولأنَّ المَقْصُودَ الأمْنُ مِن العاهَةِ، وقد وُجِدَ. والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأنَّه إنَّما جَعَلَ ما لم يَبْدُ صلاحُه بمَنْزِلَة ما بدا، وتابِعًا له، دَفْعًا لضَرَرِ الاشْتِراكِ، واخْتِلافِ الأيْدِى، وإلَّا فالأصلُ اعْتِبارُ كُلِّ شَىءٍ بِنَفْسِه. وما في قَراحٍ آخَرَ لا يُوجَدُ فيه هذا الضَّرَرُ، فوَجَبَ أنْ لا يَتْبَعَ الآخَرَ، كما لو تَباعَدا. وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بما لم يُجاوِرْه مِن ذلك النَّوْعِ. ولو بدا صَلاحُ بعضِ النَّوْعِ الواحِدِ، فأفْرَدَ بالبَيْعِ ما لم يَبْدُ صَلاحُه مِن بَقِيَّةِ النَّوْعِ مِن ذلك البُسْتانِ، لم يَجُزْ؛ لِدُخُولِه تحتَ عُمُومِ النَّهْىِ. ويُقَدَّرُ قِياسهُ على الصُّورَةِ المَخْصُوصَةِ مِن العُمُومِ،
стр. 2768
وهى ما إذا باعَه مع ما بدا صَلاحُه؛ لأنَّه دَخَلَ في جوازِ البَيْعِ تَبَعًا، دَفْعًا لِمَضَرَّةِ الاشْتِراكِ، واخْتِلافِ الأيْدِى. ولا يُوجَدُ ذلك هاهُنا، ولأنَّه قد يَدْخُلُ في البَيْعِ تَبَعًا ما يجوزُ إفرادُه، كالثَّمَرَةِ تُباعُ مع الأصلِ، والزَّرْعِ مع الأرْضِ، واللَّبَنِ في الضَّرْعِ مع الشّاةِ. ويَحْتَمِلُ الجَوازَ؛ لأنَّ الكُلَّ في حُكْمِ ما بدا صَلاحُه، ولأنّه يجوزُ بَيْعُه مع غيرِه، [فجازَ بَيْعُه] (٨) مُفْرَدًا، كالذى بدا صَلاحُه.
فصل: وإذا احتاجَتِ الثَّمَرَةُ إلى سَقْىٍ لَزِمَ البائِعَ ذلك، لأنّه يَجِبُ عليه تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ كامِلَةً، وذلك يَكُونُ بالسَّقْىِ. فإنْ قِيلَ: فلم قُلْتُمْ إنَّه إذا باعَ الأصلَ، وعليه ثَمَرَةٌ للبائِعِ، لا يَلْزَمُ المُشْتَرِىَ سَقْيُها؟ قُلْنا: لأنَّ المُشْتَرِىَ لا يَجِبُ عليه تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ، لأنَّه لم يَمْلِكْها مِن جِهَتِه، وإنَّما بَقِىَ مِلْكُه عليها، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا، فإنِ امْتَنَعَ البائِعُ مِن السَّقْىِ، لِضَرَرٍ يَلْحَقُ بالأصلِ، أُجبِرَ عليه؛ لأنّه دَخَلَ على ذلك.
فصل: ويجوزُ لِمُشْتَرِى الثَّمَرَةِ بَيْعُها في شَجَرِها. رُوِىَ ذلك (٩) عن الزُّبَيْرِ بن العَوّامِ، وزَيْدِ بن ثابِتٍ، والحسن بن أبى الحسنِ البَصْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، والشّافِعِيِّ، وابنِ المُنْذِر. وكَرِهَه ابنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبو سَلَمَةَ؛ لأنَّه بَيْعٌ له قبلَ قَبْضِه، فلم يَجُزْ، كما لو كان على وَجْهِ الأرْضِ، فلم يَقْبِضْه. ولَنا، أنَّه يجوزُ له التَّصَرُّفُ فيه، فجازَ له بَيْعُه، كما لو جَزَّهُ. وقولُهم: لم يَقْبِضْه. لا يَصِحُّ، فإنّ قَبْضَ كُلِّ شَىْءٍ بحَسَبِه، وهذا قَبْضُه التَّخْلِيَةُ، وقد وُجِدَتْ.
٧٢٥ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَةَ نَخْلٍ، فَبُدُوُّ صَلَاحِهَا أنْ تَظْهَرَ فِيهَا الْحُمرَةُ أوِ الصُّفْرَةُ. وَإنْ كَانَتْ ثَمَرَةَ كَرْمٍ فَصَلَاحُهَا أنْ تَتَمَوَّهَ، وَصَلَاحُ مَا سِوَى النَّخْلِ وَالْكَرْمِ أنْ يَبْدُوَ فِيهِ (١) النُّضْجُ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنّ ما كان من الثَّمَرَةِ يَتَغَيَّرُ لَوْنُه عندَ صلاحِه، كثَمَرَةِ النَّخْلِ،
стр. 2769
والعِنَبِ الأسْوَدِ، والإِجَاصِ، فَبُدُوُّ صلاحِه بذلك. وإنْ كان العِنَبُ أبْيَضَ، فصلاحُه بِتَمَوُّهِه؛ وهو أنْ يَبْدُوَ فيه الماءُ الحُلْوُ، ويَلِينَ، ويَصْفَرَّ (٢) لَوْنُه. وإنْ كان ممّا لا يَتَلَوَّنُ، كالتُّفّاحِ ونَحْوِه، فبِأنْ يَحْلُوَ، أو يَطِيبَ. وإنْ كان بِطِّيخًا، أو نحوَه، فبأنْ يَبْدُوَ فيه النُّضْجُ. وإنْ كان ممّا لا يَتَغَيَّرُ لَوْنُه، ويُؤْكَلُ طَيِّبًا، صِغارًا وكِبارًا، كالقِثّاءِ والخِيارِ، فصَلاحُه بُلُوغُه أنْ يُؤْكَلَ عادَةً. وقال القاضى، وأصْحابُ الشَّافِعِيِّ: بُلُوغُه أنْ يَتَناهَى عِظَمُهُ. وما قُلْناه أشْبَهُ بصلاحِه ممّا قالُوه؛ فإنَّ بُدُوُّ صلاحِ الشَّىْءِ ابْتِداؤُه، وتَناهِى عِظَمِه آخِرُ صلاحِه. ولأنّ بُدُوَّ الصَّلاحِ في الثَّمَرِ يَسْبِقُ حالَ الجِزازِ، فلا يجوزُ أنْ يُجْعَلَ بُدُوُّ الصَّلاحِ فيما يُقاسُ عليه بِسَبْقِه قَطْعَه عادَةً؛ إلَّا أنْ يُريدُوا بِتَناهِى عِظَمِه انْتِهاءَه إلى الحالِ التى جَرَتِ العادَةُ بأخْذِه فيها، فيكُونُ كما ذَكَرْنا. وما قُلْنا في هذا الفَصْلِ فهو قَوْلُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وكثيرٍ مِن أهلِ العلمِ، أو مُقارِبٌ له. وقال عَطاءٌ: لا يُباعُ حتى يُؤْكَلَ مِن التَّمْرِ قَلِيلٌ، أو كَثِيرٌ. ورُوِىَ نحوُه عن ابن عُمَرَ، وابن عَبّاسٍ. ولعلَّهم أرادوا صلاحَه للأكْلِ، فيَرْجِعُ مَعْناه إلى ما قُلْنا؛ فإنَّ ابنَ عَبّاسٍ قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن بَيْعِ النَّخْلِ حتى يَأْكُلَ منه، أو يُؤْكَلَ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وإنْ أرادوا حَقِيقَةَ الأَكْلِ كان ما ذَكَرْنا أوْلَى؛ لأنَّ ما رَوَوْه يَحْتَمِلُ صلاحَه للأكلِ، فيُحْمَلُ على ذلك، مُوافَقَةً لأكثرِ الأخبارِ، وهو ما رُوِىَ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنّه نَهَى عن بَيْعِ الثَّمَرَةِ (٤) حتى تَطِيبَ. مُتَّفَقٌ عليه (٥). ونَهَى أنْ تُباعَ الثَّمَرَةُ حتى تَزْهُوَ. قيل: وما تَزْهُو؟ قال:
стр. 2770
"تَحْمَارُّ أوْ تَصْفَارُّ". رواه البُخارِيُّ (٦). ونَهَى عن بَيْعِ العِنَبِ حتى يَسْوَدَّ. رواه التِّرْمِذِيُّ، وابنُ ماجَه (٧). والأحادِيثُ في هذا كَثِيرَةٌ، كُلُّها تَدُلُّ على هذا المعنى.
٧٢٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَالْباذِنْجَانِ، وَمَا أشْبَهَهُ، إلَّا لَقَطَةً لَقَطَةً (١))
وجُملَةُ ذلك؛ أنّه إذا باعَ ثَمَرَةَ شَىْءٍ مِن هذه البُقُولِ لم يَجُزْ إلَّا بَيْعُ المَوْجُودِ منها، دُونَ المَعْدُومِ. وبهذا قال أبو حنيفَةَ، والشَّافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: يَجُوزُ بَيْعُ الجميعِ؛ لأنَّ ذلك يَشُقُّ تَمْيِيزُه، فجُعِلَ ما لم يَظْهَرْ تَبَعًا لما ظَهَرَ، كما أنّ ما لم يَبْدُ صلاحُه تَبَعٌ لما بدا. ولنا، أنَّها ثَمَرَةٌ لم تُخْلَقْ، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كما لو باعَها قبلَ ظُهُورِ شىءٍ منها، والحاجَةُ تَنْدَفِعُ بِبَيْعِ أُصُولِه، ولأنَّ ما لم يَبْدُ صلاحُه يجوزُ إفرادُه بِالبَيْعِ، بخِلافِ ما لم يُخْلَقْ. ولأنَّ ما لم يُخْلَقْ مِن ثَمَرَةِ النَّخْلِ لا يجوزُ بَيْعُه تَبَعًا لما خُلِقَ، وإنْ كان ما لم يَبْدُ صَلاحُه تَبَعًا لما بدا. إذا تَقَرَّرَ هذا، فإنْ باعَها قبلَ بُدُوِّ صلاحِهَا، لم يَجُزْ إلَّا بِشَرْطِ القَطْعِ، فإنْ كان بَعْدَ بُدُوِّ صَلاحِها (٢) جازَ مُطْلَقًا، وبِشَرْطِ القَطْعِ، والتَّبْقِيَةِ، على ما ذَكَرْنا في ثَمَرَةِ الأشجارِ. وقد بَيَّنَّا بماذا يكونُ بُدُوُّ صلاحِه.
فصل: قال القاضِى: ويَصِحُّ بَيْعُ أُصُولِ هذه البُقُولِ التى تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُها مِن غير شَرْطِ القَطْع. وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ. ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الأُصُولِ صِغارًا أو كِبارًا، مُثْمِرَةً أو غيرَ مُثْمِرَةٍ؛ لأنّه أصلٌ تَتَكَرَّرُ (٣) فيه الثَّمَرَةُ، فأشْبَهَ
стр. 2771
الشَّجَرَ. فإنْ باعَ المُثْمِرَ منه، فثَمَرَتُه الظّاهِرَةُ للبائِعِ، مَتْرُوكَةٌ إلى حِينِ بُلُوغِها، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَها المُبْتاعُ. فإنْ حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى فهى لِلْمُشْتَرِى. فإنِ اخْتَلَطَتْ بثَمَرَةِ البائِعِ، ولم تَتَمَيَّزْ (٤)، كان الحُكْمُ فيها كثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ إذا اخْتَلَطَت بثَمَرَةٍ أُخْرَى، على ما مَرَّ حُكمُه.
فصل: ولا يجوزُ بَيْعُ ما المَقْصُودُ منه مَسْتُورٌ في الأرضِ، كالجَزَرِ، والفُجْلِ، والبَصَلِ، والثُّومِ حتى يُقْلَعَ، ويُشاهَدَ. وهذا قولُ الشَّافِعِيِّ، وابن المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأْىِ. وأباحَهُ مالِكٌ، والأوزاعِيُّ، وإسحاقُ؛ لأنّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه، فأشْبَهَ بَيْعَ ما لم يَبْدُ صلاحُه تَبَعًا لما بدا. ولَنا، أنَّه مَبِيعٌ مَجْهُولٌ، لم يَرَه، ولم يُوصَفْ له، فأشْبَهَ بَيْعَ الحَمْلِ. ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الغَرَرِ. رواه مُسْلِمٌ (٥). وهذا غَرَرٌ. وأمَّا بَيْعُ ما لم يَبْدُ صلاحُه، فإنّما جازَ بَيْعُه لأنَّ الظاهِرَ أنّه يَتَلاحَقُ في الصَّلاحِ، ويَتْبَعُ بَعضُه بعضًا. فإنْ كان ممّا تُقْصَدُ فُرُوعُه وأُصُولُه، كالبَصَلِ المَبِيعِ أخْضَرَ، والكُرّاثِ، والفُجْلِ، أو كان المَقْصُودُ فُرُوعَه، فالأوْلَى جوازُ بَيْعِه؛ لأنَّ المَقْصُودَ منه ظاهِرٌ، فأشْبَهَ الشَّجَرَ، والحِيطانَ التى لها أساساتٌ مَدْفُونَةٌ. ويَدْخُلُ ما لم يَظْهَرْ في البَيْعِ تَبَعًا، فلا تَضُرُّ جَهالَتُه، كالحَمْلِ في البَطْنِ، واللَّبَنِ في الضَّرْعِ مع (٦) الحَيَوانِ، وإنْ كان مُعْظَمُ المَقْصُودِ منه أُصُولَه، لم يَجُزْ بَيْعُه في الأرضِ؛ لأنّ الحُكْمَ للأغْلَبِ. فإنْ تساويا لم يَجُزْ؛ لأنَّ الأصلَ اعْتِبارُ الشَّرْطِ في الجميعِ، وإنّما سَقَطَ اعْتِبارُه فيما كان مُعْظَمُ المَقْصُودِ منه ظاهرًا تَبَعًا، ففيما عَداهُ يَبْقَى على الأصلِ.
فصل: ويَجُوزُ بَيْعُ الجَوْزِ واللَّوْزِ والبَاقِلَّا الأخْضَرِ في قِشْرَتِه مَقْطوعًا، وفي شَجَرِه، وبَيْعُ (٦) الحَبِّ المُشْتَدِّ في سُنْبُلِه، وبَيْعُ (٦) الطَّلْع قبلَ تَشَقُّقِه، مَقْطُوعًا
стр. 2772
على وَجْهِ الأرضِ، وفي شَجَرِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ. وقال الشَّافِعيُّ: لا يجوزُ، حتى يُنْزَعَ عنه قِشْرُه الأعْلَى، إلَّا في الطَّلْعِ والسُّنْبُلِ. في أحَدِ القَوْلَيْنِ. واحْتَجَّ بأنَّه مَسْتُورٌ بما لا يُدَّخَرُ عليه، ولا مَصْلَحَةَ فيه، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كتُرابِ الصَّاغَةِ والمَعادِنِ، وبَيْعِ الحَيَوانِ المَذْبُوحِ في سَلْخِه. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الثِّمارِ حتى يَبْدُوَ صلاحُها (٧)، وعن بَيْعِ السُّنْبُلِ حتى يَبْيَضَّ، ويَأْمَنَ العاهَةَ (٨). فمَفْهُومُه إباحَةُ بَيْعِه (٩) إذا بدا صَلاحُه (١٠) وابْيَضَّ سُنْبُلُه، ولأنّه مَسْتُورٌ بحائِلٍ مِن أصْلِ خِلْقَتِه (١١)، فجازَ بَيْعُه كالرُّمّانِ، والبَيْضِ، والقِشْرِ الأسْفَلِ. ولا يَصِحُّ قَوْلُهُم: ليس مِن مَصْلَحَتِه. فإنّه لا قِوامَ له في شَجَرَهِ إلَّا به، والباقِلَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا، وقِشْرُه يَحْفَظُ رُطُوبَتَه. ولأنَّ الباقِلَّا يُباعُ في أسواقِ المُسْلِمِينَ مِن غيرِ نَكِيرٍ، فكان ذلك إجماعًا. وكذلك الجَوْزُ، واللَّوْزُ في شَجَرِهما. والحَيَوانُ المَذْبُوحُ يَجُوزُ بَيْعُه (١٢) في سَلْخِه، فإنّه إذا جازَ بَيْعُه قَبْلَ ذَبْحِه، وهو يُرادُ للذَّبْحِ، فكذلك إذا ذُبِحَ. كما أنَّ الرُّمّانَةَ إذا جازَ بَيْعُها قبلَ كَسْرِها، فكذلك إذا كُسِرَتْ. وأمّا تُرابُ الصّاغَةِ والمَعْدِنِ، فلَنا فيهما مَنْعٌ، وإنْ سُلِّمَ، فليس ذلك من أصلِ الخِلْقَةِ في تُرابِ الصّاغَةِ، ولا بَقاؤُه فيه مِن مَصْلَحَتِه، بخلافِ مَسْأَلَتِنا.
٧٢٧ - مسألة؛ قال: (وَكَذَلِك الرَّطْبَةُ كُلَّ جَزَّةٍ)
وجُمْلَةُ ذلك؛ أنّ الرَّطْبَةَ وما أَشْبَهَها، ممّا تَثْبُتُ أُصُولُه في الأرض، ويُؤْخَذُ ما ظَهَرَ منه بالقَطْعِ، دَفْعَةً بعدَ دَفْعَةٍ، كالنَّعْناعِ، والهِنْدِبا، وشِبْهِهِما، لا يجوزُ
стр. 2773
بَيْعُه إلَّا أنْ يَبِيعَ الظّاهِرَ منه، بِشَرْطِ القَطْعِ في الحالِ. وبذلك قال الشّافِعِيُّ. وَرُوِىَ ذلك عن الحَسَنِ وعَطاءٍ. ورَخَّصَ مالِكٌ في أنْ يَشْتَرِىَ جَزَّتَيْنِ، وثلاثًا. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما في الأرضِ منه مَسْتُورٌ، وما يَحْدُثُ منه مَعْدُومٌ، فلا يجوزُ بَيْعُه، كما لا يجوزُ بَيْعُ ما يَحْدُثُ مِن الثَّمَرَةِ. فإذا ثَبَتَ هذا، فمتى اشْتَراها قَبْلُ (١)، لم يَجُزْ له إبقاؤها؛ لأنَّ ما لم يَظهَرْ منها أعيانٌ لم يَتَناوَلْها البَيْعُ، فيكونُ ذلك للبائِعِ إذا ظَهَرَ، فَيُفْضِى إلى اخْتِلاطِ المَبِيعِ بغيرِه، والثَّمَرَةُ بخلافِ ذلك. فإنْ أَخَّرَها حتى طَالَتْ (٢)، فالحُكْمُ فيها كالثَّمَرةِ إذا اشْتَراها قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، ثم تَرَكَها حتى بدا صلاحُها.
فصل: وإنِ اشْتَرَى قَصِيلًا مِن شَعِيرٍ، ونحوِه، فقَطَعَه، ثم عادَ فَنَبَتَ، فهو لصاحِبِ الأرضِ؛ لأنّ المُشْتَرِىَ تَرَكَ الأصلَ على سَبيلِ الرَّفْضِ لها، فسَقَطَ حَقُّه منها، كما يَسْقُطُ حَقُّ صاحِبِ الزَّرْعِ مِن السَّنابِلِ التى يُخَلِّفُها، ولذلك أُبِيحَ لِكُلِّ أحَدٍ (٣) الْتِقاطُها. ولو سَقَطَ مِن الزَّرْعِ حَبٌّ، ثم نَبَتَ من العامِ المُقْبِلِ، فهو لصاحِبِ الأرضِ. نَصَّ أحمدُ على هاتَيْنِ المَسْأَلَتَيْنِ. وممَّا يُؤَكِّدُ ما قُلنا؛ أنّ البائِعَ لو أرادَ التَّصَرُّفَ في أرضِه، بَعْدَ فَصْلِ الزَّرْعِ، بما يُفْسِدُ الأُصُولَ ويَقْلَعُها، كان له ذلك، ولم يَمْلِكِ المُشْتَرِى مَنْعَه منه. ولو كان الباقى مُسْتَحَقًّا له، لمَلَكَ (٤) مَنْعَه منه.
٧٢٨ - مسألة؛ قال: (وَالْحَصَادُ عَلَى الْمُشْتَرِى. فَإنْ شَرَطَهُ عَلَى البَائِعِ بَطَلَ الْبَيْعُ)
الكلامُ في هذه المَسْأَلَةِ في فَصْلَيْنِ؛
الأوَّلُ، أنّ مَنِ اشْتَرَى زَرْعًا، أو جَزَّةً من الرَّطْبَةِ ونَحْوِها، أو ثَمَرَةً في أُصُولِها،
стр. 2774
فإنّ حَصادَ الزَّرْعِ، وجَذَّ الرَّطْبَةِ، وجَزازَ الثَّمَرَةِ، وقَطْعَهَا، على المُشْتَرِى؛ لأنّ نَقْلَ المَبِيعِ، وتَفْرِيغَ مِلْكِ البائِعِ منه على المُشْتَرِى، كنَقْلِ الطَّعامِ المَبِيعِ من دارِ البائِعِ. ويُفارِقُ الكَيْلَ، والوَزْنَ، فإنَّهما على البائِعِ؛ لأنَّهما مِن مُؤْنَةِ التَّسْلِيمِ إلى المُشْتَرِى، والتَّسْلِيمُ على البائِعِ، وهاهُنا حَصَلَ التَّسْلِيمُ بالتَّخْلِيَةِ بدُونِ القَطْعِ، بِدَلِيلِ جوازِ بَيْعِها، والتَّصَرُّفِ فيها. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، والشّافِعِيِّ. ولا أعْلَمُ فيه مُخَالِفًا.
الفصلُ الثَّانى، إذا شَرَطَه على البائِعِ، فاخْتَلَفَ أصحابُنا؛ فقال الخِرَقِيُّ: يَبْطُلُ البَيْعُ. وقال ابنُ أبى مُوسَى: لا يجوزُ. وقيلَ: يجوزُ. فإنْ قُلْنا: لا يجوزُ. فهل يَبْطُلُ البَيْعُ لِبُطلانِ الشَّرْطِ؟ على رِوايَتَيْنِ. وقال القاضى: المذهبُ جوازُ الشَّرْطِ. ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ، وأبو بَكْرٍ. ولم (١) أجِدْ هذا الذى ذَكَرَه الخِرَقِيُّ رِوايَةً في المذهبِ. واخْتَلَفَ أصحابُ الشَّافِعِيِّ أيضًا؛ فقال بعضُهم: إذا شَرَطَ الحَصادَ على البائِعِ فَسَدَ البَيْعُ، قولًا واحِدًا. وقال بعضُهم: يَكُونُ على قَوْلَيْنِ. فَمن أفْسَدَه (٢) قال: لا يَصِحُّ لثلاثةِ مَعَانٍ؛ أحَدُها، أنَّه شَرَطَ العَمَلَ في الزَّرْعِ قبلَ أنْ يَمْلِكَه. والثَّاني، أنَّه شَرَطَ ما لا يَقْتَضِيه العَقْدُ. والثّالثُ، أنَّه شَرَطَ تَأْخِيرَ التَّسْلِيمِ؛ لأنَّ معنى ذلك تَسْلِيمُه مَقْطُوعًا. ومَن أجازَه قال: هذا بَيْعٌ، وإجارَةٌ؛ لأنّه باعَهُ الزَّرْعَ، وآجَرَه نَفْسَه على حصادِه، وكُلُّ واحِدٍ مِنهما يَصِحُّ إفرادُه بالعَقْدِ، فإذا جَمَعَهُما جازَ، كالعَيْنَيْنِ. وقولُهم: شَرَطَ العَمَلَ فيما لا يَمْلِكُه. يَبْطُلُ بِشَرْطِ رَهْنِ المَبِيعِ على الثَّمَنِ في البَيْعِ. والثّاني، يَبْطُلُ بِشَرْطِ الرَّهْنِ، والكَفِيلِ، والخِيارِ. والثّالثُ، ليس بِتَأْخِيرٍ؛ لأنّه يُمْكِنُه تَسْلِيمُه قائِمًا، ولأنَّ الشَّرْطَ مِن المُتَسَلِّمِ، فليس ذلك بِتَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ. فإذا فَسَدَتْ هذه المعاني صَحَّ؛ لما ذَكَرْناه. فإنْ قيل: فالبَيْعُ يُخالِفُ حُكْمُه حُكْمَ الإِجارَةِ؛ لأنّ الضَّمانَ يَنْتَقِلُ في البَيْعِ بِتَسْلِيمِ العَيْنِ، بخِلافِ الإِجارَةِ، فكَيْفَ يَصِحُّ الجَمْعُ بينَهما؟ قُلنا: كما يَصِحُّ بَيْعُ الشِّقْصِ، والسَّيْفِ،
стр. 2775
وحُكْمُهُما مُخْتَلِفٌ؛ فإنّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ في الشِّقْصِ دُونَ السَّيْفِ، ويجوزُ الجَمْعُ بينهما. وقولُ الخِرَقِيِّ: إنَّ العَقْدَ هاهُنا يَبْطُلُ. يَحْتَمِلُ أنْ يَخْتَصَّ بهذه المَسْأَلَةِ وشِبْهِها، ممَّا يُفْضِى الشَّرْطُ فيه إلى التَّنازُعِ، فإنَّ البائِعَ رُبَّما أرادَ قَطْعَها مِن أعلاها، لِيَبْقَى له منها بَقِيَّةٌ، والمُشْتَرِى يُرِيدُ الاسْتِقْصاءَ عليها، لِيَزِيدَ له ما يأخُذُه، فَيُفْضِى إلى التَّنازُعِ، وهو مَفْسَدَةٌ، فيَبْطُلُ البَيْعُ مِن أجْلِه. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقاسَ عليه ما أشْبَهَه، مِن اشْتِرَاطِ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ؛ لما ذَكَرْنا في صَدْرِ المَسْأَلَةِ. والأوَّلُ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنّه قال في مَوْضِعٍ آخَرَ: ولا يَبْطُلُ البَيْعُ بِشَرْطٍ واحدٍ. والثَّاني، أنّ المذهبَ، أنَّه يَصِحُّ اشْتِراطُ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ، مِثْلُ أنْ يَشْتَرِىَ ثَوْبًا، ويَشْتَرِطَ (٣) على بائِعِه خِياطَتَه قَمِيصًا، أو فِلْعَةً (٤)، ويَشْتَرِطَ حَذْوَها نَعْلًا، أو جُرْزَةَ (٥) حَطَبٍ، ويَشْتَرِطَ حَمْلَها إلى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ مُهَنَّا، وغيرِه. حتى قال القاضِى: لم أجِدْ بما قال الخِرَقِىُّ رِوايَةً في أنَّه لا يَصِحُّ. واحْتَجَّ أحمدُ بأنّ محمّدَ بن مَسْلَمَةَ (٦) اشْتَرَى مِن نَبَطِىٍّ جُرْزَةَ حَطَبٍ، وشارَطَه على حَمْلِها. وبه قال إسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ أنْ يَشْتَرِىَ فِلْعَةً، ويَشْتَرِطَ على البائِعِ تَشْرِيكَها (٧). وحُكِىَ عن ابنِ أبى ثَوْرٍ، والثَّوْرِيِّ أنّهما أبْطَلا العَقْدَ بهذا الشَّرْطِ؛ لأنّه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأشْبَهَ سائِرَ الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ، ورُوِىَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه نَهَى عن بَيْعٍ، وشَرْطٍ (٨). ولَنا، ما تَقَدَّمَ، ولم يَصِحَّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ
стр. 2776
نَهَى عن بَيْعٍ، وشَرْطٍ. إنَّما الصَّحِيحُ أنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن شَرْطَيْنِ فى بَيْعٍ. كذا ذَكَرَه التِّرْمِذِيُّ (٩). وهذا دالٌّ بِمَفْهُومِه على جوازِ الشَّرْطِ الواحِدِ. قال أحمدُ: إنَّما النَّهْىُ عن شَرْطَيْنِ فى بَيْعٍ، أمّا الشَّرْطُ الواحِدُ فلا بَأْسَ به.
فصل: ولا بُدَّ مِن كَوْنِ المَنْفَعَةِ مَعْلُومَةً لهما، لِيَصِحَّ اشْتِراطُها، لأنَّنا نَزَّلْنَا ذلك مَنْزِلَةَ الإجارَةِ. فلو اشْتَرَطَ حَمْلَ الحَطَبِ إلى مَنْزِلِه، والبائِعُ لا يَعْرِفُ مَنْزِلَه، لم يَصِحَّ. ولو اشْتَرَطَ حَذْوَها نَعْلًا، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ صِفَتِها، كما لو اسْتَأْجَرَه على ذلك ابْتداءً. قال أحمدُ، فى الرَّجُلِ يَشْتَرِى النَّعْلَ، على أنْ يَحْذُوَها: جائِزٌ إذا أرادَ (١٠) الشِّراكَ. وإنْ تَعَذَّرَ العَمَلُ بِتَلَفِ المَبِيعِ قبلَه، أو بِمَوْتِ البائِعِ انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، ورَجَعَ المُشْتَرِى عليه بِعِوَضٍ ذلك. وإنْ تَعَذَّرَ بمَرَضٍ أُقِيمَ مُقَامَه مَن يَعْمَلُ العَمَلَ، والأُجْرَةُ عليه، كَقَوْلِنا فى الإِجارَةِ.
فصل: ويَصِحُّ أنْ يَشْتَرِطَ البائِعُ نَفْعَ المَبِيعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، مِثْلُ أنْ يَبِيعَ دارًا، ويَسْتَثْنِىَ سُكْنَاها شَهْرًا، أو جَمَلًا، ويَشْتَرِطَ ظَهْرَه إلى مكانٍ مَعْلُومٍ، أو عَبْدًا، ويَسْتَثْنِىَ خِدْمَتَه سَنَةً. نَصَّ على هذا أحمدُ. وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وقال الشَّافِعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْى: لا يَصِحُّ الشَّرْطُ؛ لِنَهْىِ النَّبِيِّ ﷺ عن بَيْعٍ وشَرْطٍ، ولأنَّه يُنافِى مُقْتَضَى البَيْعِ، فأشْبَه ما لو شَرَطَ أن
стр. 2777
لا يُسَلِّمَه، وذلك؛ لأنَّه شَرَطَ تَأْخِيرَ تَسْلِيمِ المَبِيعِ إلى أن يَسْتَوْفِىَ البائِعُ مَنْفَعَتَهُ، ولأنَّ مُقْتَضَى البَيْعِ مِلْكُ المَبِيعِ ومَنافِعِه، وهذا شَرْطٌ يُنافِيهِ، وقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَبْطُلُ البَيْعُ والشَّرْطُ، نَقَلَها عبدُ اللَّه بن محمدٍ الفَقِيهُ (١١)، فى الرَّجُلِ يَشْتَرِى من الرَّجُلِ جارِيَةً، ويَشْتَرِطُ أن تَخْدِمَهُ، فالبَيْعُ باطِلٌ. وهذه الرِّوايَةُ لا (١٢) تَدُلُّ على مَحَلِّ النِّزاعِ فى هذه المَسْألَةِ، فإنَّ اشْتِراطَ خِدْمَةِ الجَارِيَةِ بَاطِلٌ لوَجْهَيْنِ، أحدُهما، أنَّها مَجْهُولَةٌ، وإطْلاقُها يَقْتَضِى خِدْمَتَها أبدًا، وهذا لا خِلافَ فى بُطْلانِه، إنَّما الخِلافُ فى اشْتِراطِ مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ. الثانى، أنَّه (١٣) يَشْتَرِطُ خِدْمَتَها بعد زَوالِ مِلْكِه عنها، فيُفْضِى إلى الخَلْوَةِ بها، والخَطَرِ بِرُؤْيَتِها، وصُحْبَتِها، ولا يُوجَدُ هذا فى غيرِها، ولذلك مُنِعَ إِعارَةُ الجارِيَةِ الشَّابَّةِ لغيرِ مَحْرَمِها. وقال مالِكٌ: إذا اشْتَرطَ رُكُوبًا إلى مَكانٍ قَرِيبٍ، جازَ، وإن كان إلى مكانٍ بَعِيدٍ كُرِهَ؛ لأنَّ اليَسِيرَ (١٤) تَدْخُلُه الْمسامَحَةُ. ولنا، ما رَوَى جابِرٌ: أنَّه باعَ النَّبِيَّ ﷺ جَمَلًا، واشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إلى المَدِينَةِ. وفى لَفْظٍ قال: فبِعْتُه بأُوقِيَّةٍ، واسْتَثْنَيْتُ حُمْلانَهُ إلى أهْلِى. مُتَّفَقٌ عليه (١٥). وفى لفظٍ قال: فَبِعْتُه منه بِخَمْسِ أواقٍ، قال: قلتُ: على أنَّ لى ظَهْرَهُ إلى المَدِينَةِ. قال: "ولك ظَهْرُه إلى المَدِينَةِ". ورواهُ مُسْلِمٌ (١٦). ولأنَّ
стр. 2778
النَّبِيَّ ﷺ : نَهَى عن الثُّنْيَا إلَّا أن تُعْلَمَ (١٧). وهذه مَعْلُومَةٌ، ولأنَّ المَنْفَعَةَ قد تَقَعُ مُسْتَثْناةً بالشَّرْعِ على المُشْتَرِى فيما إذا اشْتَرَى نَخْلَةً مُؤْبَّرَةً، أو أَرْضًا مَزْرُوعَةً، أو دارًا مُؤْجَرَةً، أو أَمَةً مُزَوَّجَةً، فجازَ أن يَسْتَثْنِيَها، كما لو اشْتَرَطَ البائِعُ الثَّمَرَةَ قبل التَّأْبِيرِ، ولم يَصِحَّ نَهْىُ النَّبيِّ ﷺ عن بَيْعٍ وَشرْطٍ (١٨). وإنَّما نَهَى عن شَرْطَيْنِ فى بَيْعٍ (١٨)، فمَفْهُومُه إباحَةُ الشَّرْطِ الواحدِ، وقياسُهُم يَنْتَقِضُ بِاشْتِراطِ الخِيارِ والتَّأْجِيلِ فى الثَّمَنِ.
فصل: وإن باعَهُ (١٩) أمَةً، واسْتَثْنَى وَطْأَها مُدَّةً مَعْلُومَةً، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الوَطْءَ لا يُباحُ فى غير مِلْكٍ أو نِكاحٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٢٠)، وفارَقَ اشْتِراطَ وَطْءِ المُكاتَبَةِ حيث نُبيحُه؛ لأنَّ المُكاتَبَةَ مَمْلُوكَةٌ، فَيُسْتَباحُ وَطْؤُها بالشَّرْطِ فى المَحَلِّ المَمْلُوكِ. واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ، أنَّه لا يُباحُ وَطْؤُها أيضًا. وهو قولُ أَكْثَرِ الفُقَهاءِ.
فصل: وإن باعَ المُشْتَرِى العَيْنَ المُسْتَثْنَاةَ مَنْفَعَتُها، صَحَّ الْبَيْعُ، وتكون فى يَدِ المُشْتَرِى الثانى مُسْتَثْنَاةً أيضًا، فإنْ كان عالِمًا (٢١) بذلك، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ، فلم يَثْبُتْ له خِيارٌ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، فإنَّ لم يَعْلَمْ، فله خِيارُ الفَسْخِ؛ لأنَّه عَيْبٌ، فهو كما لو اشْتَرَى أمَةً مُزَوَّجَةً، أو دَارًا مُؤْجَرَةً. وإن أَتْلَفَ المُشْتَرِى العينَ، فعليه أُجْرَةُ (٢٢) المِثْلِ؛ لِتَفْوِيتِ المَنْفَعةِ المُسْتَحَقَّةِ لغيرِه،
стр. 2779
وثَمَنُ المَبِيعِ، وإن تَلِفَتِ العينُ بتَفْرِيطِه، فهو كَتَلَفِها بِفِعْلِه. نَصَّ عليه أحْمَدُ. وقال: يَرْجِعُ البائِعُ على المُبْتاعِ بَأُجْرَةِ المِثْلِ. قال القاضى: مَعْناهُ عندى، القَدْرُ الذى نَقَصَهُ البائِعُ لأجْلِ الشَّرْطَ. وظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ خِلافُ هذا؛ لأنَّه يَضْمَنُ ما فاتَ بِتَفْرِيطِه، فضَمِنَهُ بِعِوَضِه، وهو أُجْرَةُ المِثْلِ، فأمَّا إن تَلِفَتْ بغيرِ فِعْلِه، ولا بتَفْرِيطِه، لم يَضْمَنْ. قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: فعَلَى المُشْتَرِى أن يَحْمِلَه على غيرِه؛ لأنَّه كان له حمْلَان؟ قال: لا. إنَّما شَرَطَ هذا عليه بِعَيْنِه. ولأنَّه لم يَمْلِكْها البائِعُ من جِهَتِه، فلم يَلْزَمْهُ عِوَضُها، كما لو تَلِفَتِ النَّخْلَةُ المُؤَبَّرةُ، بِثَمَرَتِها أو غيرُ (٢٣) المُؤَبَّرَةِ إذِ اشْتَرَطَ البَائِعُ ثَمَرَتَها، وكما لو باعَ حَائِطًا، واسْتَثْنَى منه شَجَرَةً بِعَيْنِها فتَلِفَتْ. وقال القاضى: عليه ضَمانُها، أخْذًا من عُموم كَلامِ أحْمَدَ. وإذا تَلِفَتِ العَيْنُ، رَجَعَ البائِعُ على المُبْتاعِ بأُجْرَةِ المِثْلِ، وهو مَحْمُولٌ على حالَةِ التَّفْرِيطِ على ما ذَكَرْنا.
فصل: وإذا اشْتَرَطَ البائِعُ مَنْفَعَةَ المَبِيعِ، وأرادَ المُشْتَرِى أن يُعْطِيَهُ ما يَقُومُ مقامَ المَبِيع فى المَنْفَعَةِ، أو يُعَوِّضَهُ عنها لم يَلْزَمْهُ قَبُولُه، وله اسْتِيفاءُ المَنْفَعَةِ من غير المَبِيعِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بها، فأشْبَه ما لو اسْتَأْجَرَ عَيْنًا، فبَذَلَ له الآخَرُ (٢٤) مِثْلَها، ولأنَّ البائِعَ قد يكونُ له غَرَضٌ فى اسْتِيفاءِ مَنافِعِ تِلك العَينِ، فلا يُجْبَرُ على قَبُولِ عِوَضِها. فإن تَراضَيَا على ذلك، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، ولا يَخْرُجُ عنهما، وإن أرادَ البائِعُ إعارَةَ العَيْنِ، أو إجارَتَها لمن يَقُومُ مَقامَهُ، فلَهُ ذلك فى قِياسِ المَذْهَبِ؛ لأنَّها مَنافِعُ مُسْتَحَقَّةٌ له، فملَك ذلك فيها (٢٥)، كمنافِعِ الدَّارِ المُسْتَأْجَرَةِ والمُوصَى بمَنافِعِهَا، ولا يَجُوزُ إجارَتُها إلَّا لمِثْلِه فى الانْتِفاعِ، فإنْ أرادَ إجارَتَها أو إعارَتَها لمن يَضُرُّ بِالعَيْنِ بِانْتِفاعِه، لم يَجُزْ ذلك. كما لا يجوزُ له إجارَةُ
стр. 2780
العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ لمن لا يَقُومُ مَقامَه. ذَكَرَ ذلك ابنُ عَقِيلٍ.
فصل: إذا اشْتَرَطَ المُشْتَرِى مَنْفَعَةَ البائِعِ فى المَبِيعِ، فأقامَ البائِعُ مَقامَهُ مَن يَعْمَلُ العَمَلَ، فله ذلك؛ لأنَّه هاهُنا بمَنْزِلَةِ الأَجِيرِ المُشْتَرِكِ، يجوزُ أن يَعْمَلَ العَمَلَ بِنَفْسِه، وبمن يَقُومُ مَقامَهُ. وإن أرادَ بَذْلَ العِوَضِ عن ذلك، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِىَ قَبُولُه، وإن أرادَ المُشْتَرِى أخْذَ العِوَضِ عنه، لم يَلْزَمِ البائِعَ بَدَلُه؛ لأنَّ المُعاوَضَةَ عَقْدُ تَرَاضٍ، فلم يُجْبَرْ عليه أحَدٌ. وإن تَراضَيا عليه، احتَمَلَ الجَوازَ، لأنَّها مَنْفَعَةٌ يجوزُ أخْذُ العِوضِ عنها، لو لم يَشْتَرِطْها، فإذا مَلَكَها المُشْتَرِى، جازَ له أخْذُ العِوَضِ عنها، كما لو اسْتَأْجَرَها، وكما يَجوزُ أن يُؤْجِرَ المَنافِعَ المُوصَى بها من وَرَثَةِ المُوصِى، ويحْتَمِلُ أن لا يجوزَ، لأنَّه مُشْتَرَطٌ بِحُكْمِ العادَةِ والاسْتِحْسانِ لأجْلِ الحاجَةِ، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالقَرْضِ، فإنَّه يجوزُ أن يَرُدَّ فى الخُبْزِ والخَمِيرِ أقَلَّ أو أَكْثَرَ. ولو أراد أن يَأْخُذَ بِقَدْرِ خُبْزِه وكَسْرِه بِقَدْرِ الزِّيادَةِ الجائِزَةِ، لم يَجُزْ. ولأنَّه أخْذُ عِوَضٍ عن مِرْفَقٍ مُعْتَادٍ جَرَتِ العادَةُ بالعَفْوِ عنه دون أخْذِ العِوَضِ، فأشْبَهَ المنافِعَ المُسْتَثْناةَ شَرْعًا، وهو ما لو باعَ أَرضًا فيها زَرْعٌ لِلْبائِعِ، واسْتَحَقَّ تَبْقِيَتَهُ إلى حينِ الحَصادِ، فلو أخَذَهُ قَصِيلًا لِيَنْتَفِعَ بالأَرْضِ إلى وَقْتِ الحَصَادِ، لم يكنْ له ذلك.
فصل: ولو قال: بِعْتُكَ هذه الدَّارَ وأجَرْتُكَها شَهْرًا. لم يَصِحَّ، لأنَّه إذا باعَهُ فقد مَلَكَ المُشْتَرِى المَنَافِعَ، فإذا أجَرَهُ إيَّاها، فقد شَرَطَ أن يكونَ له بَدَلٌ فى مُقابَلَةِ ما مَلَكَهُ المُشْتَرِى، فلم يَصِحَّ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن قَفِيزِ الطَّحَّانِ (٢٦). ومعناه أن يَسْتَأْجِرَ طَحَّانًا، لِيَطْحَنَ له كِراءً بِقَفِيزٍ منه، فيَصِيرَ كأنَّه شَرَطَ عمَلَه فى القَفِيزِ عِوَضًا عن عَمَلِه فى باقِى الكِراءِ المَطْحُونِ. ويَحْتَمِلُ الجَواز، بِناءً على اشْتِراطِ مَنْفَعَةِ البائِعِ فى المَبِيعِ.
стр. 2781
فصل: وإن شَرَطَ فى المَبِيعِ (٢٧) إن هو باعَهُ فالبائِعُ أحَقُّ به بالثَّمَنِ. فرَوَى المَرُّوذِيُّ (٢٨) عنه أنَّه قال: فى مَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا شَرْطَانِ فى بَيْعٍ" (٢٩). يعنى أنَّه فاسِدٌ؛ لأنَّه شَرَطَ أن يَبِيعَه إيَّاهُ، وأن يُعْطِيَهُ إيَّاهُ بالثَّمَنِ الأَوَّلِ، فهما شَرْطانِ فى بَيْعٍ نُهِىَ عَنْهُما، ولأنَّه يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، لأنَّه شَرَطَ أن لا يَبِيعَه [مِن غيرِه] (٣٠) إذا أعْطاهُ ثَمَنَهُ، فهو كما لو شَرَطَ أن لا يَبِيعَهُ إلَّا من فُلانٍ، أو أن لا يَبِيعَهُ أصْلًا، ورَوَى عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: البَيْعُ جائِزٌ؛ لما رُوِىَ عن ابن مَسْعُودٍ، أنَّه قال: ابْتَعْتُ من امْرَأَتِى زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ جارِيَةً، وشَرَطْتُ لها إن بِعْتُها، فهى لها بالثَّمَنِ الذى ابْتَعْتُها به، فذَكَرْتُ ذلك لِعُمَرَ، فقال: لا تَقْرَبْها ولأحَدٍ فيها شَرْطٌ. [قال إسْماعيلُ] (٣١): فذَكَرْتُ لأحمدَ الحَدِيثَ، فقال: البَيْعُ جَائِزٌ، و"لا تقْرَبْها"؛ لأنَّه كان فيها شَرْطٌ واحِدٌ لِلمرأةِ. ولم يَقُلْ عمرُ فى ذلك البَيْعِ: فاسِدٌ. فحمَلَ الحَدِيثَ على ظاهِرِه، وأخذَ به. وقد اتَّفَقَ عمرُ وابنُ مَسْعُودٍ على صِحَّتِه، والقِياسُ يَقْتَضِى فَسادَهُ. ويحتَمِلُ أن يُحْمَلَ كَلامُ أحْمَدَ فى رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ على فَسادِ الشَّرْطِ، وفى رِوايَةِ إسْماعيلَ بنِ سعيدٍ على جَوازِ البَيْعِ، فيكونُ البَيْعُ صَحِيحًا، والشَّرْطُ فاسِدًا، كما لو اشْتَراها بِشَرْطِ أن لا يَبِيعَها. وقولُ أحمدَ (٣٢): "لا تَقْرَبْها". قد رُوِىَ مثلُه فى مَن اشْتَرَطَ فى الأمَةِ أن لا يَبِيعَها ولا يَهَبَها، أو شَرَطَ عليه وَلاءَها، ولا يَقْرَبُها. والبَيْعُ جائِزٌ. واحتجَّ بحَدِيثِ عمرَ: "لا تَقْرَبْها ولأَحَدٍ فيها مَثْنَوِيَّةٌ". قال القاضى: وهذا على الكَرَاهَةِ لا على التَّحْرِيمِ. قال ابنُ عَقِيلٍ: عندى أنَّه إنَّما مُنِعَ من الوَطْءِ؛ لمكان الخِلافِ فى العَقْدِ، لِكَوْنِه يَفْسُدُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ فى بعض المَذاهِبِ. واللَّه أعلمُ.
стр. 2782
٧٢٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا بَاعَ حَائِطًا وَاسْتَثْنَى مِنْهُ صَاعًا (١)، لَمْ يَجُزْ. وَإِنِ اسْتَثْنَى مِنْهُ نَخْلَةً أَوْ شَجَرَةً بِعَيْنِها، جَازَ)
الكلامُ فى هذه المَسْأَلَةِ فى فَصْلَ يْنِ؛ أحدُهما، أنَّه إذا باعَ ثَمَرَةَ بُسْتَانٍ، واسْتَثْنَى صَاعًا، أو آصُعًا، أو مُدًّا، أو أمْدادًا، أو باعَ صُبْرَةً واسْتَثْنَى منها مثلَ ذلك، لم يَجُزْ. ورُوِىَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، والشَّافِعِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسْحَاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحَابِ الرَّأْى. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يجوزُ، وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ، وسَالِمِ بن عبدِ اللهِ، ومالِكٍ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الثُّنْيَا إلَّا أن تُعْلَمَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (٢) وقال: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ (٣)، وهذه ثُنْيا مَعْلُومَةٌ، ولأنَّه اسْتَثْنَى مَعْلُومًا أَشْبَهَ ما (٤) إذا اسْتَثْنَى منها جُزْءًا. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن الثُّنْيَا. رَوَاهُ البُخارِيُّ (٥). ولأنَّ المَبِيعَ مَعْلُومٌ بالْمُشاهَدَةِ لا بالقَدْرِ، والاسْتِثْناءُ يُغَيِّرُ حُكْمَ المُشاهَدَةِ؛ لأنَّه لا يَدْرِى كم يَبْقَى فى حُكْمِ المُشاهَدَةِ، فلم يَجُزْ، ويُخالِفُ الجزْءَ؛ فإنَّه لا يُغَيِّرُ حُكْمَ المُشاهَدَةِ، ولا يَمْنَعُ المَعْرِفَةَ بها.
فصل: وإن باعَ شَجَرَةً، أو نَخْلَةً، واسْتَثْنَى أرْطالًا مَعْلُومَةً، فالحُكْمُ فيه كما لو باعَ حَائِطًا واسْتَثْنَى آصُعًا. وقال القاضى فى "شَرْحِه": يَصِحُّ؛ لأنَّ الصَّحابةَ، رَضِىَ اللَّه عنهم، أجازُوا (٦) اسْتِثْناءَ سَواقِطِ الشَّاةِ. والصَّحِيحُ، ما ذَكَرْناهُ. وهذا
стр. 2783
أشْبَهُ بمَسْأَلَةِ الصَّاعِ من الحائِطِ وإليها أقْرَبُ، والمعنى الذى ذَكَرْنَاهُ فيها مُتَحَقِّقٌ هاهُنا، فلا يَصِحُّ. واللهُ أعلمُ. ال فصل الثاني، أَنَّه إذا اسْتَثْنَى نَخْلَةً، أو شَجَرَةً بِعَيْنِها، جازَ. ولا نَعْلَمُ فى ذلك خِلافًا؛ وذلك لأنَّ المُسْتَثْنَى مَعْلُومٌ، ولا يُؤَدِّى إلى جَهالَةِ المُسْتَثْنَى منه. وإنِ اسْتَثْنَى شَجَرَةً غيرَ مُعَيَّنَةٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ غيرُ مَعْلُومٍ، فصار المَبِيعُ والمُسْتَثْنَى مَجْهُولَيْنِ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أَنَّه باعَ ثَمَرَتَه بأَرْبَعَةِ آلافٍ، واسْتَثْنَى طَعَامَ الْفِتْيانِ (٧). وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه اسْتَثْنَى نَخْلًا مُعَيَّنًا بقَدْرِ طَعَامِ الْفِتْيانِ (٧)؛ لأنَّه لو حُمِلَ على غير ذلك لَكان (٨) مُخالِفًا لِنَهْىِ النَّبيِّ ﷺ عن الثُّنْيَا إلَّا أن تُعْلَمَ. ولأنَّ المُسْتَثْنَى (٩) متى كان مَجْهُولًا لَزِمَ أن يكون الباقِى بعدَه مَجْهُولًا، فلا يَصِحُّ بَيْعُه، كما لو قال: بِعْتُكَ من هذه الثَّمَرَةِ طَعَامَ الفِتْيانِ (٧).
فصل: وإنِ اسْتَثْنَى جُزْءًا مَعْلُومًا من الصُّبْرَةِ أو الحائِطِ مُشاعًا، كثُلُثٍ، أو رُبْعٍ، أو أجْزَاءٍ، كسُبعَيْنِ، أو ثلاثةِ أثْمَانٍ، صَحَّ البَيْعُ والاسْتِثْناءُ. ذَكَرَهُ أصْحَابُنا. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ. وقال أبو بكرٍ، وابنُ أبي مُوسَى: لا يجوزُ. ولَنا، أنَّه لا يُؤَدِّى إلى جَهالَةِ المُسْتَثْنَى ولا المُسْتَثْنَى منه، فصَحَّ، كما لو اشْتَرَى شَجَرَةً بعَيْنِها؛ وذلك لأنَّ مَعْنى: بعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ إلَّا ثُلُثَها. أى بِعْتُكَ ثُلُثَيْها. وقوله: إلَّا رُبْعَها معناه: بِعْتُكَ ثَلَاثَةَ أَرْباعِها. ولو باعَ حَيَوانًا، واسْتَثْنَى ثُلُثَه، جازَ، وكان مَعْناهُ بِعْتُكَ ثُلُثَيْهِ. ومنَع منه القاضى أبو يَعْلَى قِياسًا على اسْتِثْناءِ الشَّحْمِ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الشَّحْمَ مَجْهُولٌ لا يَصِحُّ إفْرادُه بالبَيْعِ، وهذا مَعْلُومٌ، ويَصِحُّ إفْرادُه بالبَيْعِ، فصَحَّ اسْتِثْناؤُه، كالشَّجَرَةِ المُعَيَّنَةِ، وقِياسُ المَعْلُومِ على المَجْهُولِ فى الفَسادِ لا يَصِحُّ، فعلى هذا يَصِيرانِ شَرِيكَيْنِ فيه، لِلْمُشْتَرِى ثُلُثاهُ وللبائِعِ ثُلُثُه.
стр. 2784
فصل: فإن قال: بِعْتُكَ قَفِيزًا من هذه الصُّبْرَةِ إلَّا مَكُوكًا. جازَ؛ لأنَّ القَفِيزَ مَعْلُومٌ، والمَكُوكَ مَعْلُومٌ، فلا يُفْضِى إلى الجَهالَةِ، ولو قال: بَعْتُكَ هذه الثَّمَرَةَ بأَرْبَعَةِ دراهمَ، إلَّا بِقَدْرِ دِرهمٍ. صَحَّ؛ لأنَّ قَدْرَهُ مَعْلُومٌ من المَبِيع (١٠) وهو الرُّبْعُ، فكأنَّه قال: بِعْتُكَ ثلاثةَ أرْباعِ هذه الثَّمَرةِ بأَرْبَعَةِ دراهمَ. ولو قال: إلَّا ما يُساوِى درهمًا. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما يُساوِى الدِّرْهمَ قد يكونُ الرُّبْعَ، أو أكْثَرَ أو أقَلَّ، فيكونُ مَجْهُولًا، فيَبْطُلُ.
فصل: وإن باعَ قَطِيعًا، واسْتَثْنَى منه شاةً بِعَيْنِها، صَحَّ. وإنِ اسْتَثْنَى شاةً غيرَ مُعَيَّنَةٍ، لم يَصِحَّ. نَصَّ عليه. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال مالِكٌ: يَصِحُّ أن يَبِيعَ مائةَ شاةٍ إلَّا شاةً يَخْتارُها، أو يَبِيعَ ثَمَرَةَ حائِطِه، ويَسْتَثْنِىَ ثَمَرَةَ نَخَلاتٍ يَعُدُّها. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ : نَهَى عن الثُّنْيَا إلَّا أنْ تُعْلَمَ (١١). و: نَهَى عن بَيْعِ الغَرَرِ (١٢). ولأنَّه مَبِيعٌ مَجْهُولٌ، والمُسْتَثْنَى منه مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: إلَّا شَاةً مُطْلَقَةً. ولأنَّه مَبِيعٌ مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ شَاةً تَخْتارُها من القَطِيعِ. وضَابِطُ هذا البابِ، أنَّه لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ ما لا يَصِحُّ بَيْعُه مُفْرَدًا أو بَيْعُ ما عَداه مُنْفَرِدًا عن المُسْتَثْنَى، ونحوُ هذا مذهبُ أبي حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ، إلَّا أنَّ أصْحَابَنَا اسْتَثْنَوْا من هذا سَواقِطَ الشَّاةِ، وجِلْدَها؛ للأَثَرِ الوارِدِ فيه. والحَمْلُ على رِوايَةِ الجَوازِ؛ لِفِعْلِ ابن عُمَرَ، وما عدا هذا فيَبْقَى على الأَصْلِ.
فصل: وإن باعَ حَيَوانًا مَأْكُولًا، واسْتَثْنَى رأسَه وجِلْدَه وأطْرَافَه وسَوَاقِطَه، صَحَّ. نَصَّ عليه أحْمَدُ. وقال مالِكٌ: يَصِحُّ فى السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ؛ لأنَّ المُسافِرَ لا يُمْكِنُه الانْتِفاعُ بالجِلْدِ والسَّواقِطِ. فجَوَّزَ له شِراءَ اللَّحْمِ دُونَها. وقال
стр. 2785
أبو حَنِيفة، والشَّافِعِيُّ: لا يجوزُ؛ لأنَّه لا يجوزُ إفْرادُه بالعَقْدِ، فلم يَجُزِ اسْتِثْنَاؤُه كالحَمْلِ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عن الثُّنْيَا إلَّا أنْ تُعْلَمَ. وهذه مَعْلُومَةٌ، ورُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، ومعه أبو بكرٍ وعامِرُ بن فُهَيْرَةَ، مَرُّوا بِراعِى غَنَمٍ، فذَهَبَ أبو بكرٍ وعامِرٌ فاشْتَرَيا منه شَاةً، وشَرَطَا له سَلَبَها. ورَوَى أبو بكرٍ، فى "الشَّافِى" بإسْنادِه عن جابِرٍ، عن الشَّعْبِيِّ قال: قَضَى زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، وأصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فى بقَرَةٍ باعَها رَجُلٌ واشْتَرَطَ رَأْسَها، فقَضَى بالشَّرْوَى. يَعْنِى أنْ يُعْطِىَ رَأْسًا مثلَ رَأْسٍ. ولأنَّ المُسْتَثْنَى والمُسْتَثْنَى منه مَعْلُومانِ، فصَحَّ، كما لو باعَ حائِطًا، واسْتَثْنَى منه نَخْلَةً مُعَيَّنَةً. وكونُه لا يجوزُ إفْرَادُه بالبَيْعِ يَبْطُلُ بالثَّمَرَةِ قبلَ التَّأْبِيرِ لا يجوزُ إفْرادُها (١٣) بالبَيْع بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، ويجوزُ اسْتِثْناؤُها، والحَمْلُ مَجْهُولٌ. ولَنا فيه مَنْعٌ، فإنِ امْتَنَعَ المُشْتَرِى من ذَبْحِها لم يُجْبَرْ عليه، ويَلْزَمُه قِيمَةُ ذلك على التَّقْرِيبِ. نَصَّ عليه؛ لِمَا رُوِىَ عن عَلِيٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه: أنَّه قَضَى فى رَجُلٍ اشْتَرَى نَاقَةً وشَرَطَ ثُنْيَاهَا. فقال: اذْهَبُوا إلى السُّوقِ، فإذا بَلَغَتْ أقْصَى ثَمَنِها، فأَعْطُوهُ حِسابَ ثُنْياها من ثَمَنِها.
فصل: فإنِ اسْتَثْنَى شَحْمَ الحَيوانِ، لم يَصِحَّ. نَصَّ عليه أحمدُ. قال أبو بكرٍ: لا يَخْتَلِفُونَ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّه لا يجوزُ. وذلك (١٤)؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن الثُّنْيَا إلَّا أن تُعْلَمَ. ولأنَّه مَجْهُولٌ لا يَصِحُّ إفْرادُه بالبَيْعِ، فلم يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُه، كفَخِذِها، وإن اسْتَثْنَى الحَمْلَ، لم يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُه لذلك. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، ومالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِيِّ. وقد نُقِلَ عن أحْمَدَ صِحَّتُه، وبه قال الحسن، والنَّخَعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. لِمَا رَوَى نافِعٌ عن ابنِ عمرَ، أنَّه باعَ جارِيَةً، واسْتَثْنَى ما فى بَطْنِها. ولأنَّه يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُه فى العَتْقِ، فصَحَّ فى البَيْعِ قِياسًا عليه. ولنا، ما تَقَدَّمَ. والصَّحِيحُ من حَدِيثِ ابن عمرَ أنَّه أعْتَقَ جارِيَةً واسْتَثْنى مَا فى بَطْنِها.
стр. 2786
لأنَّ الثِّقَاتَ الحُفَّاظَ حَدَّثُوا الحَدِيثَ، فقالوا: أعْتَقَ جارِيَةً. والإِسْنادُ واحِدٌ، قاله أبو بكرٍ. ولا يَلْزَمُ من الصِّحَّةِ فى العَتْقِ الصِّحَّةُ فى البَيْعِ؛ لأنَّ العِتْقَ لا تَمْنَعُه الجَهالَةُ ولا العَجْزُ عن التَّسْلِيمِ، ولا يُعتَبَرُ فيه شُرُوطُ البَيْعِ.
فصل: وإن باعَ جارِيَةً حَامِلًا بِحُرٍّ. فقال القاضى: لا يَصِحُّ. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه لا يَدْخُلُ فى البَيْعِ، فكأنه مُسْتَثْنًى. والأولَى صِحَّتُه؛ لأنَّ المَبِيعَ مَعْلُومٌ، وجَهَالَةُ الحَمْلِ لا تَضُرُّ من حيث إنَّه ليس بمَبِيعٍ ولا مُسْتَثْنًى بِاللَّفْظِ، وقد يُسْتَثْنَى بالشَّرْعِ ما لا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُه باللَّفْظِ، كما لو باعَ أمَةً مُزَوَّجَةً صَحَّ، وَوَقَعَتْ مَنْفَعَةُ البُضْعِ مُسْتَثْنَاةً بالشَّرْعِ. ولو اسْتَثْناها باللَّفْظِ لم يَجُزْ. ولو بَاعَ أَرضًا فيها زَرْعٌ للبائِعِ، أو نَخْلَةً مُؤَبَّرَةً، لَوقَعَتْ مَنْفَعَتُها مُسْتَثْناةً مُدَّةَ بَقَاء الزَّرْعِ والثَّمَرَةِ، ولو اسْتَثْناها بقَوْلِه، لم يَجُزْ.
فصل: ولو باعَ دَارًا إلَّا ذِرَاعًا، وهما يَعْلَمانِ ذُرْعَانَ الدَّارِ، جازَ، وكان مُسْتَثْنِيًا جُزْءًا مُشاعًا منها، لأنَّه جُزْءٌ مَعْلُومٌ يَصِحُّ إفْرادُه بالبَيْعِ، فجازَ اسْتِثْنَاؤُه، كثُلُثِها ورُبْعِهَا، وإن لم يَعْلَما، لم يَجُزْ؛ لأَنَّه مَجْهُولٌ لا يجوزُ إفْرادُه بالبَيْعِ، ولأنَّه اسْتَثْنَى مَعْلُومَ المِقْدارِ من مَبِيعٍ مَعْلُومٍ بالمُشاهَدَةِ، فلم يَجُزْ كاسْتِثْناءِ الصَّاعِ من ثَمَرَةِ الحائِطِ، والقَفِيزِ من الصُّبْرَةِ. وهكذا الحُكْمُ إذا بَاعَهُ ضَيْعَةً إلَّا جَرِيبًا (١٥)، فمتى عَلِمَ جُرْبَانَ الضَّيْعَةِ صَحَّ، وإلَّا فلا.
فصل: وإذا باعَ سِمْسِمًا واسْتَثْنَى الكُسْبَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه قد باعَهُ الشَّيْرَجَ فى الحَقِيقَةِ. وهو غيرُ مَعْلُومٍ، فإنَّه غيرُ مُعَيَّنٍ ولا مَوْصُوفٍ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن الثُّنْيَا إلّا أن تُعْلَمَ (١٦). وكذا لو باعَهُ قُطْنًا واسْتَثْنَى الحَبَّ، لم يَجُزْ؛ لِجَهَالَةِ ذلك، ولأنَّ المُسْتَثْنَى غيرُ مَعْلُومٍ. ولو باعَهُ السِّمْسِمَ واسْتَثْنَى الشَّيْرَجَ، لم يَجُزْ لذلك (١٧).
стр. 2787
فصل: ولو بَاعَهُ بِدِينارٍ إلَّا درْهَمًا، أو إلَّا قَفِيزًا من حِنْطَةٍ أو شَعِيرٍ، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ لأنَّه قَصَدَ رَفْعَ قَدْرِ المُسْتَثْنَى من المُسْتَثْنَى منه. وقَدْرُ ذلك مَجْهُولٌ، فيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا.
٧٣٠ - مسألة؛ قال: (وَإذَا اشْتَرَى الثَّمَرةَ دُونَ الْأصْلِ، فتَلِفَتْ بجَائِحَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبائِعِ)
الكَلامُ فى هذه المَسْأَلَةِ فى فُصُولٍ ثلاثةٍ:
الأوَّل، أنَّ ما تُهْلِكُه الجائِحَةُ من الثِّمارِ من ضَمانِ البَائِعِ. وبهذا قال أَكْثَرُ أهْلِ المدينةِ، منهم. يَحْيَى بنُ سعيدٍ الأَنْصارِيُّ، ومالِكٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وجَماعَةٌ من أهْلِ الحَدِيثِ. وبه قال الشَّافِعِيُّ فى القَدِيمِ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ فى الجَدِيدِ: هو من ضَمانِ المُشْتَرِى؛ لِمَا رُوِىَ، أنَّ أمْرَأةً أَتَتِ النبيَّ ﷺ ، فقالَتْ: إنَّ ابنِى اشْتَرَى ثَمَرةً من فُلانٍ، فأذْهَبَتْها الجائِحَةُ، فَسَأَلَه (١) أن يَضَعَ عنه، فتَأَلَّى أنْ لا يَفْعَلَ. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "تَأَلَّى فُلَانٌ أنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا". مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولو كان واجِبًا لأجْبَرَهُ عليه؛ لأنَّ التَّخْلِيَةَ يَتَعَلَّقُ بها جَوازُ التَّصَرُّفِ، فتَعَلَّقَ بها الضَّمانُ، كالنَّقْلِ والتَّحْوِيلِ، ولأنَّه لا يَضْمَنُهُ إذا أَتْلَفَهُ آدَمِىٌّ، كذلك لا يَضْمَنُهُ بإتْلافِ غيرِه. ولنا، ما رَوَى مُسْلِمٌ (٣)، فى "صَحِيحِه" عن جابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِوَضْعِ الجَوائِحِ. وعنه قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إن بِعْتَ من
стр. 2788
أخِيكَ ثَمرًا، فأصابَتْهُ جائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، لِمَ تَأْخُذُ مَالَ أخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ" رواه مُسْلِمٌ وأبو داود (٤)، ولَفْظُه: "مَنْ بَاعَ ثَمَرًا، فَأصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ مَالِ أخِيهِ شَيْئًا، عَلَى مَ يَأْخُذُ أحَدُكُم مالَ (٥) أخِيهِ المُسْلِم؟ ". وهذا صَرِيحٌ فى الحُكْمِ فلا يُعْدَلُ عنه. قال الشَّافِعِيُّ: لم يَثْبُتْ عندى أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أمَرَ بِوَضْعِ الجَوَائِحِ، ولو ثَبَتَ لم أَعْدُه، ولو كنتُ قائِلًا بِوَضْعِها لوَضَعْتُها فى القَلِيلِ والكَثِيرِ. قُلْنا: الحَدِيثُ ثابِتٌ. رواهُ الأئِمَّةُ، منهم: الإِمامُ أحمدُ، ويَحْيَى ابن مَعِينٍ، وعلىُّ بن حَرْبٍ، وغيرُهم، عن ابن عُيَيْنَةَ، عن حُمَيْدٍ الأعْرَجِ، عن سليمانَ بنِ عَتِيقٍ، عن جَابِرٍ. ورَوَاهُ مُسْلِمٌ فى "صَحِيحِه"، وأبو دَاوُدَ فى "سُنَنِه"، وابنُ مَاجَه وغيرُهم. ولا حُجَّةَ لهم فى حَديثِهم، فإنَّ فِعْلَ الوَاجِبِ خَيْرٌ، فإذا تَأَلَّى أن لا يَفْعَلَ الواجِبَ، فقد تَأَلَّى ألَّا يَفْعَلَ خَيْرًا. فأمَّا الإِجْبارُ، فلا يَفْعَلُه النَّبِيُّ ﷺ بمُجَرَّدِ قولِ المُدَّعِى من غيرِ إقْرارٍ مِن (٦) البائِعِ، ولا حُضورٍ. ولأنَّ التَّخْلِيَةَ ليست بقَبْضٍ تامٍّ، بِدَليلِ ما لو تَلِفَتْ بِعَطَشٍ عندَ بعضِهم. ولا يَلْزَمُ من إباحَةِ التَّصَرُّفِ تمامُ القَبْضِ، بِدَليلِ المَنافِعِ فى الإِجارَةِ يُباحُ التَّصَرُّفُ فيها، ولو تَلِفَتْ كانتْ مِن ضَمانِ المُؤْجِرِ، كذلك الثمَرةُ، فإنَّها فى شَجَرِها، كالمنافِعِ قبلَ (٧) اسْتِيفائِها، تُوجَدُ حالًا فَحالًا (٨)، وقِياسُهم يَبْطُل بالتَّخْلِيَةِ فى الإِجَارةِ.
стр. 2789
الفصل الثاني: أنَّ الجائِحَةَ كلُّ آفَةٍ لا صُنْعَ لِلْآدَمِيِّ فيها، كالرِّيحِ، والبَرْدِ، والجَرادِ، والعَطَشِ؛ لما رَوَى السَّاجِىُّ بإسْنادِه، عن جابِرٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى فى الجائِحَةِ (٩). والجائِحَةُ تكونُ فى البَرْدِ، والْجَرادِ، وفى الحبقِ (١٠)، والسَّيْلِ، وفى الرِّيحِ. وهذا تَفْسِيرٌ من الرَّاوى لكلامِ النَّبِيِّ ﷺ ، فيَجِبُ الرُّجوعُ إليه. وأمَّا ما كان بِفِعْلِ آدَمِيٍّ، فقال القاضى: المُشْتَرِى بالخِيارِ بين فَسْخِ العَقْدِ، ومُطالَبَةِ البائِعِ بالثَّمَنِ، وبين البَقاءِ عليه، ومُطالَبَةِ الْجانِى بالقِيمَةِ، لأنَّه أمكَنَ الرُّجوعُ بِبَدَلِه، بخِلافِ التَّالِفِ بالجائِحَةِ (١١).
الفصل الثالث: أنَّ ظاهِرَ المذهبِ، أنَّه لا فَرْقَ بين قَليلِ الجائِحَةِ وكَثيرِها، إلَّا أنَّ ما جَرَتِ العادَةُ بِتَلَفِ مثلهِ، كالشىءِ اليَسيرِ الذى لا يَنْضَبِطُ، فلا يُلْتَفَتُ إليه. قال أحْمَدُ: إنِّى لا أقول فى عَشْرِ ثَمَراتٍ، ولا عِشْرِينَ ثَمَرَةً، ولا أدرى ما الثُّلُثُ، ولكن إذا كانت جائِحَةٌ تُعْرَفُ؛ الثُّلُثُ، أو الرُّبْعُ، أو الخُمْسُ، تُوضَعُ. وفيه روايَةٌ أُخْرَى، أنَّ ما كان (١٢) دون الثُّلُثِ فهو مِن (١٣) ضَمانِ المُشْتَرِى، وهو مذهبُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ فى القَديمِ؛ لأنَّه لابُدَّ أن يَأْكُلَ الطَّيْرُ منها، وتَنْثُرَ الرِّيحُ، ويَسْقُطَ منها، فلم يكُنْ بُدٌّ من ضابِطٍ واحِدٍ فاصِلٍ بين ذلك وبين الجائِحَةِ، والثُّلُثُ قد رَأيْنا الشَّرْعَ اعْتَبَرَهُ فى مَواضِعَ، منها؛ الوَصِيَّةُ، وعَطايا المَرِيضِ، وتَساوِى جِراحِ المَرْأَةِ جِراحَ (١٤) الرَّجُلِ إلى الثُّلُثِ. قال الأَثْرَمُ: قال أحمدُ: إنَّهم يَسْتَعْمِلونَ الثُّلُثَ فى سَبْعَ عَشَرَةَ مَسْأَلَةٍ. ولأنَّ الثُّلُثَ فى حَدِّ الكَثْرَةِ، وما دونه فى
стр. 2790
حَدِّ القِلَّةِ، بدَليلِ قولِ النَّبِيِّ ﷺ فى الوَصِيَّةِ: "الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ" (١٥). فيَدُلُّ هذا على أنَّه آخِرُ حَدِّ الكَثْرَةِ، فلهذا قُدِّرَ به. وَوَجْهُ الأَوَّلِ، عُمومُ الأحادِيثِ، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بوَضْعِ الجَوائِحِ (١٦). وما دون الثُّلُثِ داخِلٌ فيه، فيَجِبُ وَضْعُه. ولأنَّ هذه الثمَرةَ لم يَتِمَّ قَبْضُها، فكان ما تَلِفَ منها من مالِ البائِعِ، وإن كان قَليلًا، كالتى على وَجْهِ الأَرْضِ، وما أَكَلَهُ الطَّيْرُ (١٧) أو سَقَطَ لا يُؤَثِّرُ فى العادَةِ، ولا يُسَمَّى جائِحَةً، فلا يَدْخُلُ فى الخَبَرِ، ولا يُمكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فهو مَعْلومُ الوُجودِ بِحُكْمِ العادَةِ، فكأنَّه مَشْروطٌ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا تَلِفَ شىءٌ له قَدْرٌ خارِجٌ عن العادَةِ، وَضَعَ من الثَّمَنِ بِقَدْرِ الذَّاهِبِ. فإن تَلِفَ الجَميعُ، بَطَلَ العَقْدُ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى بجَميعِ الثَّمَنِ. وأمَّا على الرِّوايَةِ الأُخْرَى، فإنَّه يَعْتَبِرُ ثُلُثَ المَبْلَغِ، وقيل: ثُلُثَ القِيمَةِ. فإن تَلِفَ الجَمِيعُ، أو أكْثَرُ من الثُّلُثِ، رَجَعَ بقيمَةِ التَّالِفِ (١٨) كلِّه [من الثَّمَنِ] (١٩). وإذا اخْتَلَفا فى الجائِحَةِ، أو قَدْرِ ما أُتْلِفَ، فالقولُ قولُ البائِعِ، لأنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ. ولأنَّه غارِمٌ، والقولُ فى الأُصولِ قولُ الغارِمَ.
فصل: فإن بَلَغَتِ الثَّمَرةُ أوانَ الجِزازِ، فلم يَجُزَّها حتَّى اجْتِيحَتْ، فقال القاضى: عندى لا يُوضَعُ عنه؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ النَّقْلِ فى وَقْتِه مع قُدْرَتِه، فكان الضَّمانُ عليه. ولو اشْتَرَى ثَمَرةً قبل بُدُوِّ صَلاحِها بشَرْطِ القَطْعِ، فأمْكَنَه قَطْعُها، فلم يَقْطَعْها حتَّى تَلِفَتْ، فهى من ضَمانِه؛ لأنَّ تَلَفَها بِتَفريطِه. وإن تَلِفَتْ قبل إمْكانِ قَطْعِها، فهى من ضَمانِ بائِعِها، كالمَسْأَلَةِ قبلَها (٢٠)
стр. 2791
فصل: إذا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا، فَزرَعَهَا، فَتلِفَ الزَّرْعُ (٢١)، فلا شيءَ على المُؤْجِرِ، نَصَّ عليه أحْمَدُ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ المَعْقودَ عليه مَنافِعُ الأَرْضِ، ولم تَتْلَفْ، وإنَّما تَلِفَ مالُ المُسْتَأْجِرِ فيها، فصارَ كدارٍ اسْتَأْجَرَها لِيَقْصُرَ (٢٢) فيها ثِيابًا، فَتلِفَتِ الثِّيابُ فيها.
٧٣١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا وَقَعَ البَيْعُ عَلَى مَكِيلٍ، أوْ (١) مَوْزُونٍ، أو مَعْدُودٍ، فتَلِفَ قَبْلَ قَبْضِه، فَهُوَ مِنْ مَالِ البَائِعِ)
ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّ المَكيلَ، والمَوْزونَ، والمَعْدودَ، لا يَدْخُلُ فى ضَمانِ المُشْتَرِى إلَّا بِقَبْضِه، سواءٌ كان مُتَعَيَّنًا، كالصُّبْرَةِ، أو غيرَ مُتَعَيَّنٍ، كقَفيزٍ منها. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. ونحوُه قولُ إسحاقَ. ورُوِىَ عن عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ، وسعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، والحَكَمِ، وحَمَّادِ بنِ أبي سليمانَ، أنَّ كلَّ ما بيعَ على الكَيْلِ والوَزْنِ لا يَجوزُ بَيْعُه قبل قَبْضِه، وما ليس بمَكيلٍ ولا مَوْزونٍ يجوزُ بَيْعُه قبلَ قَبْضِه. وقال القاضى وأصحابُه: المُرادُ بالمَكيلِ، والمَوْزونِ، والمَعْدودِ، ما ليس بمُتَعَيَّنٍ منه، كالقَفيزِ من صُبْرَةٍ، والرِّطْلِ من زُبْرَةٍ (٢)، ومَكيلَةِ زَيْتٍ من دَنٍّ، فأمَّا المُتَعَيَّنُ، فيَدْخُلُ فى ضَمانِ المُشْتَرِى، كالصُّبْرَةِ يَبيعُها من غيرِ تَسْمِيَةِ كَيْلٍ. وقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على قولِهم، فإنَّه قال في رِواية أبي الحارِثِ، فى رَجُلٍ اشْتَرَى طَعامًا، فطَلَبَ مَنْ يَحْمِلُه، فرَجَعَ وقد احترق الطَّعامُ (٣)، فهو من مالِ المُشْتَرِى، واسْتَدَلَّ بحَديثِ ابنِ عمرَ: ما أدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا، فهو من مالِ المُشْتَرِى (٤). وذَكَرَ الجُوزَجَانِيُّ عنه فى مَن اشْتَرَى ما فى السَّفينَةِ صُبْرَةً، ولم
стр. 2792
يُسَمِّ كَيْلًا، فلا بَأْسَ أن يُشْرِكَ فيها، ويَبِيعَ ما شاءَ، إلَّا أن يكونَ بينهما كَيْلٌ، فلا يُوَلِّى حتَّى يُكالَ عليه. ونحوَ هذا قال مالِكٌ، فإنَّه قال: ما بيعَ من الطَّعامِ (٥) مُكايَلَةً، أو مُوازَنَةً، لم يَجُزْ بَيْعُه قبلَ (٦) قَبْضِه، وما بِيعَ مُجازَفَةً، أو بيعَ من غيرِ الطَّعامِ مُكايَلَةً، أو مُوازَنَةً، جَازَ بَيْعُه قبل قَبْضِه. ووجه ذلك، ما رَوَى الأَوْزاعِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن حَمْزَةَ بن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أَنَّه سَمِعَ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقول: مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ ما أدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا، فهو من مالِ المُبْتَاعِ. رَواهُ البخارىُّ (٧)، عن ابنِ عمرَ من قولِه تَعْليقًا. وقولُ الصَّحَابِيِّ مَضَتِ السُّنَّةُ. يقتضى سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ . ولأنَّ المَبيعَ المُعَيَّنَ لا يَتَعَلَّقُ به [حَقُّ تَوْفِيَتِه] (٨)، فكان من مالِ المُشْتَرِى، كغيرِ المَكيلِ والمَوْزونِ. ونُقِلَ عن أحمدَ، أنَّ المَطْعومَ لا يَجوزُ بَيْعُه قبلَ قَبْضِه، سواءٌ كانَ مَكيلًا، أو مَوْزُونًا، أو لم يكُنْ. وهذا يَقْتَضِى أنَّ الطَّعامَ خاصَّةً لا يَدْخُلُ فى ضَمانِ المُشْتَرِى حتَّى يَقْبِضَهُ، فإنَّ التِّرْمِذِىَّ رَوَى عن أحمدَ، أنَّه أرْخَصَ فى بَيْعِ ما لا يُكالُ ولا يُوزَنُ ممَّا لا يُؤْكَلُ ولا يُشْرَبُ قبل قَبْضِه. وقال الأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أبا عبدِ اللهِ عن قولِهِ: نَهَى عن رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ (٩). قال: هذا فى الطَّعامِ وما أشْبَهَه من مَأْكُولٍ أو مَشْرُوبٍ، فلا يَبيعُه حتَّى يَقْبِضَهُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: الأصَحُّ عن أحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ أنَّ الذى يُمْنَعُ من بَيْعِه [قبلَ قَبْضِهِ] (١٠) هو الطَّعام؛ وذلك لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الطَّعامِ قَبلَ قَبْضِهِ (١١). فمَفْهومُهُ
стр. 2793
إباحَةُ بَيْعِ ما سِوَاه قبلَ قَبْضِه. ورَوَى ابنُ عمرَ، قال: رَأَيْتُ الذين يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفةً يُضْرَبُونَ على عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ أن يَبِيعُوه حتَّى يُؤْوُوهُ إلى رِحَالِهِم. وهذا نَصٌّ فى بَيْعِ المُعَيَّنِ. وعُمومُ قولِهِ ﵇: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حتَّى يَسْتَوْفِيَهُ". مُتَّفَقٌ عليهما (١٢). ولِمُسْلِمٍ (١٣) عن ابنِ عمرَ قال: كنَّا نَشْتَرِى الطَّعامَ من الرُّكْبانِ جُزافًا، فنهانا رَسولُ اللهِ ﷺ أن نَبِيعَهُ حتَّى نَنْقُلَهُ من مَكانِه. وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَنِ اشْتَرَى طَعامًا فليس له أن يَييعَه حتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، ولو دَخَلَ فى ضَمانِ المُشْتَرِى، جازَ له بَيْعُه والتَّصَرُّفُ فيه، كما بعد القَبْضِ. وهذا يَدُلُّ على تَعْميمِ المَنْعِ فى كلِّ طَعامٍ، مع تَنْصيصِه على المَبيعِ مُجازَفَةً بالمَنْعِ، وهو خِلافُ قولِ القاضى وأصْحابِه، ويَدُلُّ بِمَفْهومِه على أنَّ ما عدا
стр. 2794
الطَّعامِ يُخالِفُه فى ذلك. وَوَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّ الطَّعامَ المَنْهِيَّ عن بَيْعِه قبلَ قَبْضِه لا يَكادُ يَخْلُو من كونِه مَكيلًا، أو مَوْزونًا، أو مَعْدودًا، فَتَعلُّقُ الحُكْمِ بذلك كَتَعلُّقِ رِبا الفَضْلِ به، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ المَكيلَ، والمَوْزونَ، والمَعْدودَ من الطَّعامِ (١٤) الذى وَرَدَ النَّصُّ بِمَنْعِ بَيْعِه، وهذا أظْهَرُ دَليلًا وأَحْسَنُ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن تَلِفَ المَبيعُ من ذلك قبلَ قَبْضِه بآفَةٍ سَماوِيَّةٍ، بَطَلَ العَقْدُ، ورَجَعَ المُشْتَرِى بالثَّمَنِ. وإن تَلِفَ بفِعْلِ المُشْتَرِى، اسْتَقَرَّ الثَّمَنُ عليه، وكان كالقَبْضِ؛ لأنَّه تَصَرَّفَ فيه. وإن أتْلَفَه أجْنَبِيٌّ، لم يَبْطُلِ العَقْدِ، على قِياسِ قولِهِ فى الجائِحَةِ، ويَثْبُتُ لِلمُشْتَرِى الخِيارُ بين الفَسْخِ والرُّجوعِ بالثَّمَنِ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فى يَدِ البائِعِ، فهو كَحُدوثِ العَيْبِ فى يَدِه، وبين البَقَاءِ على العَقْدِ، ومُطالَبَةِ المُتْلِفِ بالمِثْلِ إن كان مِثْلِيًّا. وبهذا قال الشافِعِيُّ، ولا أعلم فيه مُخالِفًا. وإن أتْلَفَه البائِعُ، فقال أصحابُنا: الحُكْمُ فيه كما لو أتْلَفَهُ أجْنَبِيٌّ؛ لأنَّه أتْلَفَه مَنْ يَلْزَمُه ضَمانُه، فأشْبَه ما لو أتْلَفَهُ أجْنَبِيٌّ. وقال الشَّافِعِيُّ: يَنْفَسِخُ العَقْدُ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى بالثَّمَنِ لا غيرُ؛ لأنَّه تَلَفٌ يَضْمَنُه به البائِعُ، فكان الرُّجوعُ عليه بالثَّمَنِ كالتَّلَفِ بفِعْلِ اللهِ تعالَى. وفَرَّقَ أصحابُنا بينهما بكونِه إذا تَلِفَ بِفِعْلِ اللهِ تعالَى، لم يُوجَدْ مُقْتَضٍ لِلضَّمانِ سوى حُكْمِ العَقْدِ، بخِلافِ ما إذا أتْلَفَهُ، فإنَّ إتلافَه يَقْتَضِى الضَّمانَ بالمِثْلِ، وحُكْمُ العَقْدِ يَقْتَضِى الضَّمانَ بالثَّمَنِ، فكانت الخِيَرَةُ إلى المُشْتَرِى فى التَّضْمينِ بأيِّهما شاءَ.
فصل: ولو تَعَيَّبَ فى يَدِ البائِعِ، أو تَلِفَ بعضُهُ بأمْرٍ سَمَاوِيٍّ، فالمُشْتَرِى مُخَيَّرٌ بين قَبولِهِ ناقِصًا، ولا شىءَ له، وبين فَسْخ العَقْدِ والرُّجوعِ بالثَّمَنِ؛ لأنَّه إن رَضِيَهُ مَعِيبًا، [فكأنَّه اشْتَرَى مَعِيبًا] (١٥) وهو عَالِمٌ بعَيْبِه، ولا يَسْتَحِقُّ شَيئًا من أجلِ العَيْبِ. وإن فَسَخَ العَقْدَ، لم يكُنْ له أَكْثَرُ من الثَّمَنِ؛ لأنَّه لو تَلِفَ المَبيعُ كلُّه، لم يكن له أَكْثَرُ من الثَّمَنِ، فإذا تَعَيَّبَ، أو تَلِفَ بعضُه، كان أولَى. وإن تَعَيَّبَ بفِعْلِ
стр. 2795
المُشْتَرِى، أو تَلِفَ بعضُه، لم يكن له الفسخُ (١٦) لذلك؛ لأنَّه أَتْلَفَ مِلْكَه، فلم يَرْجِعْ على غيرِهِ. وإن كانَ ذلك بِفِعْلِ البائِعِ، فقِيَاسُ قولِ أصحابِنا، أنَّ المُشْتَرِىَ مُخيَّرٌ بين الفَسْخِ والرُّجوعِ بالثَّمَنِ، وبين أخْذِه، والرُّجوعِ على البائِعِ بِعِوَضِ ما أَتْلَفَ أو عِيبَ. وقِياسُ قولِ الشَّافِعِيِّ، أن يكونَ بمَنْزِلَةِ ما لو تَلِفَ بِفِعْلِ اللهِ تِعالَى. وإن كان بِفِعْلِ أجْنَبِىٍّ، فله الخِيارُ بين الفَسْخِ، والمُطالَبَةِ بالثمنِ، وبين أخْذِ المَبيعِ، ومُطالَبَةِ المُتْلِفِ بِعِوَضِ ما أتْلَفَ.
فصل: ولو باعَ شاةً بَشَعيرٍ، فأَكَلَتْهُ قبلَ قَبْضِه، فإنْ كانت فى يَدِ المُشْتَرِى، فهو كما لو أَتْلَفَهُ، وإن كانت فى يَدِ البائِعِ، فهو بمَنْزِلَةِ إتْلافِه له (١٧)، وكذلك إن كانت فى يَدِ أجْنَبِيٍّ، فهو كإتْلافِه. فإنْ لم تكُنْ فى يَدِ أحدٍ، انْفَسَخَ البَيْعُ؛ لأنَّ المَبيعَ هَلَكَ قبل القَبْضِ بأمْرٍ لا يُنْسَبُ إلى آدَمِيٍّ، فهو كتَلَفِه بِفِعْلِ اللهِ تعالَى.
فصل: ولو اشْتَرَى شاةً أو عَبْدًا أو شِقْصًا بطَعامٍ، فقَبَضَ الشَّاةَ أو العَبْدَ، أو باعَهما، أو أُخِذَ الشِّقْصُ بالشُّفْعَةِ، ثمَّ تَلِفَ الطَّعامُ قبلَ قَبْضِه، انْفَسَخَ العَقْدُ الأَوَّلُ دون الثانِى، ولا يَيْطُلُ الأَخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّه كَمَلَ قبلَ فَسْخِ العَقْدِ، ويَرْجِعُ مُشْتَرِى الطَّعامِ على مُشْتَرِى الشَّاةِ والعَبْدِ والشِّقْصِ بِقِيمَةِ ذلك؛ لِتَعَذُّرِ رَدِّه، وعلى الشَّفِيعِ مثلُ الطَّعامِ؛ لأنَّه عِوَضُ الشِّقْصِ.
٧٣٢ - مسألة؛ قال: (وَمَا عَدَاهُ فَلَا يُحْتَاجُ فيهِ إلى قَبْضٍ، وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ مَالِ المُشْتَرِى)
يَعْنِى ما عدا المَكيلَ، والمَوْزونَ، والمَعْدودَ، فإنَّه يَدْخُلُ فى ضَمانِ المُشْتَرِى قبل قَبْضِه. وقال أبو حنيفةَ: كلُّ مَبيعٍ تَلِفَ (١) قبلَ قَبْضِه من ضَمانِ البائِع، إلَّا
стр. 2796
العَقَارَ. وقال الشَّافِعِيُّ: كلُّ مَبيعٍ من ضَمانِ البائِعِ حتَّى يَقْبِضَهُ المُشْتَرِى. وحَكَى أبو الخَطَّابِ عن أحمدَ رِوايَةً أخرى كقولِه؛ لأنَّ ابنَ عبَّاسٍ قال: أرَى كلَّ شيْءٍ بمَنْزِلَةِ الطَّعامِ. ولأنَّ التَّسْليمَ واجِبٌ على البائِعِ؛ لأنَّه فى يَدِهِ، فإذا تَعَذَّرَ بتَلَفِه، انْفَسَخَ العَقْدُ، كالمَكيلِ، والمَوْزونِ، والمَعْدودِ. ولنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "الخَرَاجُ بالضَّمَانِ" (٢). وهذا المَبيعُ نَماؤُه لِلمُشْتَرِى، فَضمانُه عليه. وقولُ ابنِ عمرَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ ما أدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فهو من مالِ المُبْتَاعِ (٣). ولأنَّه لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وهو من ضَمانِهِ [بعدَ القَبْضِ] (٤)، فكان من ضَمانِه قبلَه، كالمِيراثِ. وتَخْصيصُ النَّبِىِّ ﷺ الطَّعامَ بالنَّهْىِ عن بَيْعِه قبل قَبْضِه دَليلٌ على مُخالَفَةِ غيرِه له.
فصل: والمَبيعُ بِصِفَةٍ، أو رُؤُيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، من ضَمانِ البائِعِ حتَّى يَقْبِضَهُ المُبْتاعُ؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ به حقُّ (٥) تَوْفِيَةٍ، فجَرَى مَجْرَى المَكيلِ، والمَوْزونِ. قال أحمدُ: لو اشْتَرَى من رَجُلٍ عَبْدًا بِعَيْنِه، فماتَ فى يَدِ البائِعِ، فهو من مالِ المُشْتَرِى، إلَّا أن يَطْلُبَه، فيَمْنَعَه البائِعُ، فهو ضامِنٌ لِقيمَتِه حين عَطِبَ. ولو حَبَسَهُ بِبَقِيَّةِ الثَّمنِ، فهو غاصِبٌ، ولا يكونُ رَهْنًا، إلَّا أن يكونَ قد اشْتَرَطَ عليه فى نَفْسِ البَيْعِ (٦) الرَّهْنَ.
فصل: وقَبْضُ كلِّ شيْءٍ بِحَسَبِهِ، فإن كان مَكيلًا، أو مَوْزونًا، بيعَ كَيْلًا، أو وَزْنًا، فقَبْضُه بِكَيْلِه وَوَزْنِه. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وقال أبو حنيفةَ: التَّخْلِيَةُ فى ذلك قَبْضٌ. وقد رَوَى أبو الخَطَّابِ عن أحْمَدَ رِوايَةً أخرى، أنَّ القَبْضَ فى كلِّ
стр. 2797
شيْءٍ بالتَّخْلِيَةِ مع التَّمْييزِ؛ لأنَّه خَلَّى بَيْنَه وبين المَبيعِ من غير حائِلٍ، فكان قَبْضًا له، كالعَقَارِ. ولنا، ما رَوَى أبو هريرةَ (٧)، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذا بِعْتَ فَكِلْ، وإذا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ". رَواهُ البُخارِيُّ (٨). وعن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه نَهَى عن بَيْعِ الطَّعامِ حتَّى يَجْرِىَ فيه الصَّاعانِ؛ صاعُ البائِعِ، وصاعُ المُشْتَرِى. رَواهُ ابن ماجَه (٩)، وهذا فيما بيعَ كَيْلًا. وإن بيعَ جُزافًا، فقَبْضُه نَقْلُه؛ لأنَّ ابنَ عمرَ قال: كانوا يُضْرَبون على عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، إذا اشْتَرَوْا طَعامًا جُزافًا، أن يَبيعوه فى مَكانِه حتَّى يُحَوِّلوهُ. وفى لَفْظٍ: كُنَّا نَبْتاعُ الطَّعامَ جُزافًا، فَبُعِثَ علينا من يَأْمُرُنا بِانْتِقالِه من مَكانِه الذى ابْتَعْناهُ إلى مكانٍ سِواه قبلَ أن نَبيعَهُ. وفى لَفْظٍ: كُنَّا نَشْتَرِى الطَّعامَ من الرُّكْبانِ جُزافًا، فنَهانا رَسولُ اللهِ ﷺ أن نَبيعَهُ حتَّى نَنْقُلَهُ. رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ (١٠). وهذا يُبَيِّنُ أنَّ الكَيْلَ إنَّما وَجَبَ فيما بِيعَ بالكَيْلِ، وقد دَلَّ على ذلك أيضًا قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا سَمَّيْتَ الكَيْلَ فَكِلْ". رَوَاهُ الأَثْرَمُ (١١). وإن كان المَبيعُ دراهمَ أو دنانيرَ، فقَبْضُها باليَدِ. وإن كان ثيَابًا (١٢)، فقَبْضُها (١٣) نَقْلُها. وإن كان حَيَوانًا، فقَبْضُه تَمْشِيَتُه من مَكَانِه. وإن كان ممَّا لا يُنْقَلُ ويُحَوَّلُ، فقَبْضُهُ
стр. 2798
التَّخْلِيَةُ بينه وبين مُشْتَرِيه لا حائِلَ دونَه. وقد ذكَرَهُ الخِرَقِىُّ فى باب الرَّهْنِ، فقال: إن كان ممَّا يُنْقَلُ، فقَبْضُه أخْذُه إيَّاه من راهِنِه مَنْقولًا، وإن كان ممَّا لا يُنْقَلُ، فقَبْضُه تَخْلِيَةُ راهِنِه بينَه وبينَ مُرْتَهِنِه لا حائِلَ دونَه. ولأنَّ القَبْضَ مُطْلَقٌ فى الشَّرْعِ، فيَجِبُ الرُّجوعُ فيه إلى العُرْفِ، كالإِحْرازِ، والتَّفَرُّقِ. والعَادَةُ فى قَبْضِ هذه الأشْيَاءِ ما ذَكَرْنَا.
فصل: وأُجْرَةُ الكَيَّالِ والوَزَّانِ فى المَكيلِ والمَوْزونِ على البائِعِ؛ لأنَّ عليه تَقْبيضَ المَبيعِ لِلْمُشْتَرِى، والقَبْضُ لا يَحْصُلُ إلَّا بذلك، فكان على البائع، كما أنَّ على بَائِعِ الثَّمرَةِ سَقْيَها، وكذلك أُجْرَةُ الذى يَعُدُّ المَعْدودَاتِ. وأمَّا نَقْلُ المَنْقُولاتِ، وما أشبهه، فهو على المُشْتَرِى؛ لأنَّه لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ تَوْفِيَةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ.
فصل: ويَصِحُّ القَبْضُ قبلَ نَقْدِ الثَّمَنِ وبعدَهُ، باخْتِيارِ البائِعِ، وبغيرِ اخْتِيارِهِ؛ لأنَّه ليس للبائِعِ حَبْسُ المَبيعِ على قَبْضِ الثَّمَنِ، ولأنَّ التَّسْليمَ من مُقْتَضَياتِ العَقْدِ، فمتى وُجِدَ بعدَه وَقَعَ مَوْقِعَهُ، كَقَبْضِ الثَّمَنِ.
٧٣٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ اشْتَرَى مَا يَحْتَاجُ إلى قَبْضِه، لَمْ يَجُزْ بَيْعُه حَتَّى يَقْبِضَهُ)
قد ذَكَرْنا الذى لا يَحْتاجُ إلى قَبْضٍ، والخِلافَ فيه. وكلُّ ما يَحْتاجُ إلى قَبْضٍ إذا اشْتَراهُ، لم يَجُزْ بَيْعُه حتَّى يَقْبِضَه؛ لقول النَّبِيِّ ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعامًا، فلا يَبِعْه حتَّى يَستوْفِيَهُ". مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّه من ضَمانِ بائِعِه، فلم يَجُزْ بَيْعُه (٢)، كالسَّلَمِ، ولم أعْلَمْ [فى هذا] (٣) خِلافًا، إلَّا ما حُكِىَ عن البَتِّيِّ، أنَّه قال: لا بَأْسَ
стр. 2799
بِبَيْعِ كلِّ شىءٍ قبلَ قَبْضِه. وقال (٤) ابنُ عَبْدِ البَرِّ: وهذا قولٌ مَرْدودٌ بالسُّنَّةِ والحُجَّةِ المُجْمِعَةِ على الطَّعامِ، وأَظُنُّه لم يَبْلُغْه هذا (٥) الحَديثُ، ومثلُ هذا لا يُلْتَفَتُ إليه. وأمَّا غيرُ ذلك، فيَجوزُ بَيْعُه قبل قَبْضِه فى أظْهَرِ الرِّوايَتَيْنِ، ويُرْوَى مثلُ هذا عن عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ، رَضِىَ اللهُ عنه، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، والأَوْزاعِيِّ، وإسحاقَ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، لا يَجوزُ بَيْعُ شيْءٍ قبلَ قَبْضِه (٦). اخْتارَها ابنُ عَقِيلٍ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ أجازَ (٧) بَيْعَ العَقارِ قبلَ قَبْضِه، واحْتَجُّوا [بنَهْىِ النَّبِيِّ ﷺ عن بَيْعِ الطَّعامِ قبل قَبْضِه] (٨)، وبما رَوَى أبو داودَ (٩)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أن تُباعَ السِّلَعُ حيث تُبْتاعُ حتَّى يَحُوزها التُّجَّارُ إلى رِحالِهِمْ. ورَوَى ابنُ ماجَه (١٠) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن شِراءِ الصَّدَقاتِ حتَّى تُقْبَضَ. ورُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما بَعَثَ عَتَّابَ بنَ أَسِيدٍ إلى مَكَّةَ، قال: "انْهَهُمْ عن بَيْعِ ما لم يَقْبِضُوا (١١)، وعن رِبْحِ ما لم يَضْمَنُوا (١٢) ". ولأنَّه لم يَتِمَّ المِلْكُ عليه، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كغير المُتَعَيِّنِ،
стр. 2800
أو كالمَكيلِ، والمَوْزونِ. ولنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: كُنَّا نَبيعُ الإِبِلَ بالبَقيعِ بالدَّراهمِ، فنَأْخُذُ بَدَلَ الدَّراهمِ الدَّنانيرَ، ونَبِيعُها بالدَّنَانِيرِ، فَنأخُذُ بَدَلَها الدَّرَاهِمَ، فسَأَلْنا النَّبِيَّ ﷺ عن ذلك، فقال: "لا بَأْسَ، إذا تَفَرَّقْتُما وَلَيْسَ بَيْنَكُما شَىْءٌ" (١٣). وهذا تَصَرُّفٌ فى الثَّمَنِ قبلَ قَبْضِه، وهو أحدُ العِوَضَيْنِ. ورَوَى ابنُ عمرَ أنَّه كان على بَكْرٍ (١٤) صَعْبٍ -يعنى لِعُمَرَ- فقال النَّبِيُّ ﷺ لُعمرَ: "بِعْنِيهِ". فقال: هو لك يا رسولَ اللهِ. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ" (١٥). وهذا ظَاهِرُه التَّصَرُّفُ فى المَبِيعِ بالهِبَةِ قبلَ قَبْضِه. واشْتَرَى من جَابِرٍ جَمَلَهُ، ونَقَدَهُ ثَمَنَهُ، ثمَّ وَهَبَهُ إيَّاهُ قبلَ قَبْضِه (١٦). ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ المَعْقودِ عليه، فجازَ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، كالمَنافِعِ فى الإجارَةِ، فإنَّه يَجوزُ له إجارَةُ العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ قبلَ قَبْضِ المَنافِعِ. ولأنَّه مَبيعٌ لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ (١٧) تَوْفِيَةٍ، فصَحَّ بَيْعُه، كالمالِ فى يَدِ مُودِعِه، أو مُضارِبِه. فأمَّا أحادِيثُهم، فقد قيلَ: لم يَصِحَّ منها إلَّا حَدِيثُ الطَّعامِ، وهو حُجَّةٌ لنا بمَفْهُومِه، فإنَّ تَخْصيصَه الطَّعامَ بالنَّهْىِ عن بَيْعِه قبل قَبْضِه، يَدُلُّ على إباحَةِ ذلك فيما سِوَاه. وقولُهم: لم يَتِمَّ المِلْكُ عليه، مَمْنُوعٌ، فإنَّ السَّبَبَ المُقْتَضِىَ لِلْمِلْكِ مُتَحَقِّقٌ، وأكْثَرُ ما فيه (١٨) تَخَلُّفُ
стр. 2801
القَبْضِ، واليَدُ ليست شَرْطًا فى صِحَّةِ البَيْعِ، بِدَليلِ جَوازِ بَيْعِ المالِ المُودَعِ، والمَوْرُوثِ، والتَّصَرُّفِ فى الصَّدَاقِ، وعِوَضِ الخُلْعِ عندَ أبي حنيفةَ.
فصل: وما لا يجوزُ بَيْعُه قبلَ قَبْضِه، لا يجوزُ بَيْعُه لبائِعِهِ؛ لِعُمومِ الخَبَرِ فيه. قال القاضى: ولو ابْتاعَ شَيْئًا ممَّا يَحْتاجُ إلى قَبْضٍ، فلَقِيَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ، لم يكنْ له مُطَالَبَتُه، ولا أخْذُ بَدَلِه، وإن تَرَاضَيا؛ لأنَّه مَبيعٌ لم يُقْبَضْ. فإنَّ كان ممَّا لا يَحْتاجُ إلى قَبْضٍ، جازَ أخْذُ البَدَلِ عنه. وإن كان فى سَلَمٍ، لم يَجُزْ أخْذُ البَدَلِ عنه، لأنَّه أيضًا لا يَجوزُ بَيْعُه.
فصل: وكلُّ عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ بهَلاكِه قبلَ القَبْضِ، لم يَجُزِ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، كالذى ذَكَرْنَا. والأجْرَةُ، وبَدَلُ الصُّلْحِ، إذا كانا من المَكيلِ، أو المَوْزونِ، أو المَعْدودِ، وما لا يَنْفَسِخُ العَقْدُ بِهَلاكِه، جازَ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه (١٩)، كَعِوَضِ الخُلْعِ، والعِتْقِ على مالٍ، وبَدَلِ الصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، وأَرْشِ الجِنايَةِ، وقِيمَةِ المُتْلَفِ، لأنَّ المُطْلِقَ للتَّصَرُّفِ (٢٠) المِلْكُ، وقد وُجِدَ. لكنَّ ما يُتَوَهَّمُ فيه غَرَرُ الانْفِسَاخِ بهَلَاكِ المَعْقودِ عليه، لم يَجُزْ بِناءُ عَقْدٍ آخَرَ عليه، تَحَرُّزًا من الغَرَرِ. وما لا يُتَوَهَّمُ فيه ذلك الغَرَرُ، انْتَفَى المانِعُ، فجازَ العَقْدُ عليه، وهذا قولُ أبي حنيفةَ. والمَهْرُ كذلك عندَ القاضى، وهو قولُ أبي حنيفةَ، لأنَّ العَقْدَ لا يَنْفَسِخُ بهَلاكِه. وقال الشافِعِيُّ: لا يَجوزُ التَّصَرُّف فيه قبلَ قَبْضِه. وذكَرَهُ (٢١) أبو الخَطَّابِ فى غيرِ المُتَعَيِّنِ (٢٢)، لأنَّه يَخْشَى رُجوعَه بانْتِقَاضِ سَبَبِه بالرِّدَّةِ قبلَ الدُّخولِ، أو انْفِساخه بِسَبَبٍ من جِهَةِ المَرْأَةِ، أو نِصْفِه بالطَّلاقِ، أو انْفِساخهِ بِسَبَبٍ من غيرِ جِهَتِها. وكذلك قالَ الشَّافِعِيُّ فى عِوَضِ الخُلْعِ. وهذا التَّعْليلُ باطِلٌ
стр. 2802
بما بعدَ القَبْضِ، فإنَّ قَبْضَه لا يَمْنَعُ الرُّجوعَ فيه قبلَ الدُّخولِ. وأمَّا ما مُلِكَ بإرْثٍ، أو وَصيَّةٍ، أو غَنِيمَةٍ، وتَعَيَّنَ مِلْكُه فيه، فإنَّه يَجوزُ له التَّصَرُّفُ فيه بالبَيْعِ وغيرِهِ قبلَ قَبْضِه؛ لأنَّه غيرُ مَضْمونٍ بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فهو كالمَبيعِ المَقْبوضِ، وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ، ولا أعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم. وإن كانَ لإِنْسانٍ فى يَدِ غيرِه وَديعَةٌ، أو عارِيَّةٌ، أو مُضارَبةٌ، أو جَعَلَهُ وَكيلًا فيه، جازَ له بَيْعُه ممَّنْ هو فى يَدِه، ومن غيرِهِ؛ لأنَّه عينُ مالٍ مَقْدُورٌ على تَسْليمِها، لا يُخْشَى انْفِساخُ المِلْكِ فيها، فجَازَ بَيْعُها، كالتى فى يَدِه. وإن كان غَصْبًا، جَازَ بَيْعُه ممَّنْ هو فى يَدِهِ؛ لأنَّه مَقْبوضٌ معه، فأشْبَهَ بَيْعَ العارِيَّةِ ممَّنْ هى فى يَدِه. وأمَّا بَيعُهُ لغيرِهِ، فإن كان عَاجِزًا عن اسْتِنْقاذِهِ، أو ظَنَّ أنَّه عاجِزٌ، لم يَصِحَّ شِراؤُه له؛ لأنَّه مَحْجوزٌ عن تَسْليمِهِ إليه، فأشْبَهَ بَيْعَ الآبِقِ والشَّارِدِ. وإن ظَنَّ أنَّه قادِرٌ على اسْتِنْقاذهِ ممَّنْ هو فى يَدِه، صَحَّ البَيْعُ؛ لإمْكانِ قَبْضِه. فإن عَجَزَ عن اسْتِنْقاذِه، فله الخِيارُ بين الفَسْخِ، والإمْضاءِ؛ لأنَّ العَقْدَ صَحَّ لكونِه مَظنونَ القُدْرَةِ على قَبْضِه. ويَثْبُتُ له الفَسْخُ؛ لِلْعَجْزِ عن القَبْضِ، فأشْبهَ ما لو باعَه فَرَسًا، فَشَرَدَتْ قبلَ تَسْليمِها، أو غَائِبًا بالصِّفَةِ، فعَجَزَ عن تَسْليمِه.
فصل: وإن كان لِزَيْدٍ على رَجُلٍ طَعامٌ من سَلَمٍ، وعليه لِعَمْرٍو مثلُ ذلك الطَّعامِ سَلَمًا، فقال زَيْدٌ لِعَمْرٍو: اذْهَبْ فَاقْبِضِ الطَّعامَ الذى لى من غَريمِى لِنَفْسِك. ففَعَلَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُقْبِضَهُ قبلَ أن يَقْبِضَهُ. وهل يَصِحُّ لِزَيْدٍ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحداهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه أَذِنَ له فى القَبْضِ، فأشْبهَ قَبْضَ وَكِيلِه. والثانيةُ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لم يَجْعَلْه نَائِبًا له فى القَبْضِ، فلم يَقَعْ له، بخِلَافِ الوَكيلِ. فعلَى الوَجْهِ الأَوَّلِ، يَصيرُ مِلْكًا لِزَيْدٍ، وعلى الثانى، يكون بَاقِيًا على مِلْكِ المُسَلَّمِ إليه. ولو قال زَيْدٌ لِعَمْرٍو: احْضُرِ اكْتِيالِى منه لأقْبضَه لك. ففَعَلَ، لم يَصِحَّ. وهل يكونُ قَابِضًا لِنَفْسِه؟ على وَجْهَيْنِ؛ أوَّلُهما، أنَّه يكونُ قابِضًا لِنَفْسِه؛ لأنَّ قَبْضَ المُسَلَّمِ فيه قد وُجِدَ من مُسْتَحِقِّه، فصَحَّ الَقَبْضُ له، كما لو نَوَى القَبْضَ لِنَفْسهِ. فعلَى هذا، إذا قَبَضَهُ لِعَمْرٍو، صَحَّ. وإن قال: خُذْهُ بهذا الكَيْلِ الذى قد شاهَدْتَه
стр. 2803
فأخَذَه به، صَحَّ؛ لأنَّه قد شاهَدَ كَيْلَه، وعَلِمَهُ، فلا مَعْنَى لِاعْتِبارِ كَيْلِه مَرَّةً ثانِيةً. وعنه لا يُجْزِىءُ. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الطَّعامِ حتَّى يَجْرِىَ فيه الصَّاعانِ (٢٣). وهذا داخِلٌ فيه. ولأنَّه قَبَضَهُ بغيرِ كَيْلٍ، أشْبَه ما لو قَبَضَهُ جُزافًا. ولو قال زَيْدٌ لِعَمْرٍو: احْضُرْنا حتَّى أكْتالَهُ لِنَفْسِى، ثمَّ تَكْتالُه أنتَ. وفَعَلا، صَحَّ بغيرِ إشْكالٍ. وإنِ اكْتالَهُ زَيْدٌ لِنَفْسِه، ثمَّ أخَذَهُ عَمْرٌو بذلك الكَيْلِ الذى شاهَدَه، فعلى الرِّوَايَتَيْنِ (٢٤). وإن تَرَكَهُ زَيْدٌ فى المِكْيالِ، ودَفَعَهُ إلى عَمْرٍو لِيُفْرِغَهُ لِنَفْسِه، صَحَّ، وكان ذلك قَبْضًا صَحيحًا؛ لأنَّ اسْتِدامَةَ الكَيلِ بمَنْزِلَةِ ابْتِدائِه، ولا مَعْنَى لِابْتِداءِ الكَيْلِ هاهُنا، إذ لا يَحْصُلُ به زِيادَةُ عِلْمٍ. وقال أصحابُ الشَّافِعِيِّ: لا يَصِحُّ؛ لِنَهْىِ النَّبِيِّ ﷺ عن بَيْعِ الطَّعَامِ حتَّى يَجْرِىَ فيه الصَّاعانِ. وهذا يمكنُ القولُ بمُوجَبهِ، وقَبْضُ المُشْتَرِى له فى المِكْيالِ جَرْىٌ لِصاعَيْهِ فيه. ولو دَفَعَ زَيْدٌ (٢٥) إلى عَمْرٍو دراهمَ، فقال: اشْتَرِ لك بها مثلَ الطَّعامِ الذى لك عَلَيَّ. ففَعَلَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ دراهمَ زَيْدٍ لا يكونُ عِوَضُها لِعَمْرٍو. فإن اشْتَرَى الطَّعامَ بِعَيْنِها، أو فى ذِمَّتِه، فهو كتَصَرُّفِ الفُضولِيِّ على ما تَبَيَّنَ. وإن قال: اشْتَرِ لى بها طَعامًا، ثمَّ أقْبِضْهُ لِنفسِكَ، ففَعَلَ، صَحَّ الشِّراءُ، ولم يَصِحَّ القَبْضُ لِنَفْسِه، على ما تَقَدَّمَ فى مثل هذه الصُّورَةِ. وإن قال: اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ، ففَعَلَ، جازَ. نَصَّ أحْمَدُ على نَظِيرِ ذلك، وهكذا جَميعُ المَسائِلِ التى تَقَدَّمَتْ، إذا حَصَلَ الطَّعامُ فى يَدِ عمرٍو (٢٦) لِزَيْدٍ، فأَذِنَ له أن (٢٧) يَقْبِض من نَفْسِه. وقال أصحابُ الشَّافِعِيِّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يكون قَابِضًا لِنَفْسِه من نَفْسِهِ. ولنا، أنَّه يجوزُ أنْ يَشْتَرِىَ
стр. 2804
لِنَفْسِه من مالِ وَلَدِه، ويَقْبِضَ لِنَفْسِه من نَفْسِه، [وكذلك لو وَهَبَ لِوَلَدِه الصَّغِير شَيْئًا، جازَ أنْ يَقْبَلَ له] (٢٨) من نَفْسِه، ويَقْبِضَ منها، فكذا هاهُنا.
فصل: وإن اشْتَرَى اثْنانِ طَعامًا، فَقَبضاه، ثمَّ باعَ أحَدُهُما الآخَرَ (٢٩) نَصِيبَه قبل أنْ يَقْتَسِماه، احْتَمَلَ أنْ لا يجوزَ ذلك. وهو قولُ الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، كَرِها أنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ مِن شَريكِه شَيْئًا، ممَّا يُكالُ أو يوزَنُ، قبل أنْ يقْتسِماه. لأنَّه لم يَقْبِضْ نَصِيبَه مُنْفَرِدًا، فأشْبَه غيرَ المَقْبُوضِ. ويَحْتَمِلُ الجَوازَ؛ لأنّه مَقْبُوضٌ لهما، يجوزُ بَيْعُه لأجْنَبِيٍّ، فجازَ بَيْعُه لِشَرِيكهِ، كسائِر الأمْوالِ. فإنْ تَقاسَماه، وتَفَرَّقا، ثمَّ باعَ أحَدُهما نَصِيبَه بذلك الكَيْلِ الذى كَالَه، لم يَجُزْ. كما لو اشْتَرَى من رَجُلٍ طَعامًا، فاكْتالَه، وتَفَرَّقا، ثمَّ باعَه إيَّاه بذلك الكَيْلِ. وإنْ لم يَتَفَرَّقا، خُرِّج على الرِّوايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَقَدَّمَتا.
٧٣٤ - مسألة؛ قال: (وَالشَّرِكَةُ فِيهِ والتَّوْلِيَةُ والْحَوَالَةُ بِهِ كَالْبَيْعِ)
وجُمْلَتُه، أنَّ ما يَحْتاجُ إلى القَبْضِ لا تجوزُ الشَّرِكَةُ فيه، ولا تَوْلِيَتُه، ولا الحَوالَةُ به قبلَ قَبْضِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ والشَّافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: يجوزُ هذا كلُّه فى الطَّعامِ قَبل قَبْضِه؛ لأنَّها تَخْتَصُّ بمثلِ الثَّمَنِ الأوَّلِ، فجازَتْ قبلَ القَبْضِ، كالإِقالَةِ. ولَنا، أنَّ هذه أَنْواعُ بَيْعٍ، فتَدْخُلُ فى عُمُومِ النَّهْىِ عن بَيْعِ الطَّعامِ قَبلَ أنْ يَسْتَوْفِيَهُ، فإنّ الشَّرِكَةَ بَيْعُ بعضِ المَبِيعِ بِقِسْطِه من ثَمَنِه، والتَّوْلِيَةَ بَيْعُ جَمِيعِه بمثلِ ثَمَنِه. ولأنَّه تَمْلِيكٌ لغيرِ مَن هو فى ذِمَّتِه، فأشْبَه البَيْعَ. وفارَقَ الإِقالَةَ، فإنَّها فَسْخٌ لِلْبَيْعِ، فأشْبَهَتِ الرَّدَّ بالعَيْبِ. وكذلك لا تَصِحُّ هِبَتُه ولا رَهْنُه ولا دَفْعُه أُجْرَةً، ولا ما أشْبَهَ ذلك من التَّصَرُّفاتِ المُفْتَقِرَةِ إلى القَبْضِ؛ لأنَّه غيرُ مَقبُوضٍ، فلا سَبِيلَ إلى إقْباضِه.
стр. 2805
فصل: وأمَّا التَّوْلِيَةُ والشَّرِكَةُ فيما يَجوزُ بَيْعُه فجائِزانِ، لأنَّهما نَوْعانِ من أَنْواعِ البَيْعِ، وإنَّما اخْتَصَّا بأسْماءٍ، كما اخْتَصَّ بَيْعُ المُرَابَحَةِ والمُوَاضَعَةِ بأسْماء. فإذا اشْتَرَى شَيْئًا فقال له رَجُلٌ: أشْرِكْنِى فى نِصْفِه بِنِصْفِ الثَّمَنِ. فقال: أشْرَكْتُكَ. صَحَّ، وصارَ (١) مُشْتَرَكًا بينهما. وإنْ قال: وَلِّنِى ما اشْتَرَيْتَه بالثَّمَنِ فقال: وَلَّيْتُكَ. صَحَّ، إذا كان الثَّمَنُ مَعْلُومًا لهما. فإنْ جَهِلَهُ أحَدُهما، لم يَصِحَّ، كما لو باعَه بالرَّقَمِ. ولو قال: أشْرِكْنِى فيه. أو قال: الشَّرِكَةُ فيه (٢). فقال: أشْرَكْتُكَ. أو قال: وَلِّنِى ما اشْتَرَيْت. ولم يَذْكُرِ الثَّمَنَ، صَحَّ إذا كان الثَّمَنُ مَعْلُومًا؛ لأنّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِى ابْتِياعَ جُزْءٍ منه بقِسْطهِ من الثَّمَنِ، والتَّوْلِيَةَ ابْتِياعَه بمثلِ الثَّمَنِ، فإذا أُطْلِق اسمُه انْصَرَفَ إليه، كما لو قال: أقِلْنِى. فقال: أقَلْتُكَ. وفى حَدِيثٍ عن زُهْرَةَ ابن مَعْبَدٍ، [أنَّه كان يَخْرُجُ] (٣) به جَدُّه (٤) عبدُ اللَّه بن هِشَامٍ إلى السُّوقِ، فيَشْتَرِى الطَّعَامَ، فيَلْقاهُ (٥) ابنُ عمرَ وابنُ الزُّبَيْرِ، فيقولانِ له: أشْرِكْنَا، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا لك بالبَرَكَةِ. فَيُشْرِكُهُم، فربَّما أصَابَ الرَّاحِلَةَ كما هى، فيَبْعَث بها إلى المَنْزِلِ. ذكره البُخارِيُّ (٦). ولو اشْتَرَى شَيْئًا، فقال له رَجُلٌ: أشْرِكْنِى. فشَرَكَهُ (٧)، انْصَرَفَ إلى نِصْفِه؛ لأنّها بإطْلاقِها تَقْتَضِى التَّسْوِيَةَ. فإنْ اشْتَرَى اثْنانِ عَبْدًا، فاشْتَركا فيه، فقال لهما رَجُلٌ: أشْرِكانِى فيه. فقالا: أشْرَكْناكَ. احْتَملَ أنْ يكونَ له النِّصْفُ؛ لأنَّ اشْتِرَاكهُما (٨) لو كان من كلِّ واحدٍ منهما مُنْفَرِدًا كان له النِّصْفُ، فكذلك