أنَّه أرْخَصَ في العَرَايَا. والرُّخْصَةُ اسْتِباحَةُ المَحْظورِ، مع وُجُودِ السببِ الحاظِرِ، فلو مَنَعَ وُجُودُ السببِ من الاسْتِباحَةِ، لم يَبْقَ لنا رُخْصَةٌ بحالٍ.
الفصل الثانى ، أنَّها لا تجوزُ في زِيادَةٍ على خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، بغير خِلافٍ نَعْلَمُه، وتَجوزُ فيما دون خمسةِ أَوسُقٍ، بغير خِلافٍ بين القائِلِينَ بِجَوازِها. فأمَّا في خمسة أوْسُقٍ، فلا يجوزُ عند إمامِنا ﵀. وبه قال ابنُ المُنْذِرِ، والشَّافِعِيُّ في أحدِ قَوْلَيْهِ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِيُّ في قولٍ: يجوزُ. ورَواه إسْماعِيلُ بن سَعِيدٍ عن أحمدَ؛ لأنَّ في حَدِيثِ زَيْدٍ وسَهْلٍ أنَّه رَخَّصَ في العَرِيَّةِ، مُطْلَقًا، ثم اسْتَثْنَى ما زادَ على الخمسةِ في حَدِيثِ أبي هريرةَ، وشَكَّ في الخَمْسَةِ فاسْتَثْنَى اليَقِينَ، وبَقِىَ المَشْكُوكُ فيه على مُقْتَضَى الإِباحَةِ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن (٦) المُزَابَنَةِ. والمُزابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ (٧) بالتَّمْرِ، ثم أرْخَصَ في العَرِيَّةِ فيما دون خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وشَكَّ في الخَمْسَةِ، فيَبْقَى على العُمُومِ في التَّحْرِيمِ. ولأنَّ العَرِيَّةَ رُخْصَةٌ بُنِيَتْ على خِلافِ النَّصِّ والقِياسِ يَقِينًا فيما دون الخَمْسَةِ، والخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فيها، فلا تَثْبُتُ إباحَتُها مع الشَّكِّ ورَوَى ابنُ المُنْذِرِ (٨)، بإسْنادِهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ في بَيْعِ العَرِيَّةِ في الوَسْقِ والوَسْقَيْنِ والثَّلاثةِ والأرْبَعَةِ. والتَّخْصِيصُ بهذا يَدُلُّ على أنّه لا تجوزُ الزِّيادَةُ [في العَدَدِ] (٩) عليه، كما اتَّفَقْنا على أنَّه لا تجوزُ الزِّيادَةُ على الخمسةِ؛ لِتَخْصِيصِه إيَّاها بالذِّكْرِ. ورَوَى مُسْلِمٌ (١٠) عن سَهْلٍ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ في بَيْعِ العَرِيَّةِ؛ النَّخْلةِ والنَّخْلَتَيْنِ. ولأنَّ خَمْسَةَ الأوْسُقِ في حُكْمِ ما زادَ عليها؛
стр. 2732
بِدَلِيلِ وُجُوبِ الزَّكاةِ فيها دون ما نَقَصَ عنها، ولأنّها قَدْرٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فيه، فلم يَجُزْ بَيْعُه عَرِيَّةً، كالزَّائِدِ عليها. فأمَّا قَوْلُهُم: أَرْخَصَ في العَرِيَّةِ مُطْلَقًا، فلم يَثْبُتْ أنَّ الرُّخْصَةَ المُطْلَقَةَ سابِقَةٌ على الرُّخْصَةِ المُقَيَّدَةِ، ولا مُتَأَخِّرَةٌ عنها، بل الرُّخْصَةُ واحِدَةٌ، رَواها بعضُهم مُطْلَقَةً وبعضُهم مُقَيَّدَةً، فيَجِبُ حَمْلُ المُطْلَقِ على المُقَيَّدِ، ويَصِيرُ القَيْدُ المَذْكُورُ في أحد الحَدِيثَيْنِ كأنَّه مَذْكُورٌ في الآخَرِ، ولذلك يُقَيّدُ فيما زادَ على الخَمْسَةِ، اتِّفاقًا.
فصل: ولا يجوزُ أنْ يَشْتَرِىَ أكْثَرَ من خَمْسَةِ أَوسُقٍ، فيما زادَ على صَفْقَةٍ، سَواءً اشْتَراها من واحِدٍ أو من جَماعَةٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: يجوزُ للإِنْسانِ بَيْعُ جَمِيعِ ثَمَرِ حائِطِه عَرايا، من رَجُلٍ واحِدٍ، ومن رِجالٍ، في عُقُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ زَيْدٍ وسَهْلٍ، ولأنَّ كلَّ عَقْدٍ جَازَ مَرَّةً، جَازَ أنْ يَتَكَرَّرَ، كسائِرِ البُيوعِ. ولَنا، [أنَّ النَّهْىَ عن المُزابَنَة عامٌّ] (١١)، اسْتَثْنَى منه العَرِيَّةَ فيما دونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، فما زادَ يَبْقَى على العُمُومِ في التَّحْرِيمِ. ولأنَّ ما لا يجوزُ عليه العَقْدُ مَرَّةً إذا كان نَوْعًا واحِدًا، لا يجوزُ في عَقْدَيْنِ، كالذى على وَجْهِ الأرْضِ، وكالجَمْعِ بين الأُخْتَيْنِ، فأمّا حَدِيثُ سَهْلٍ فإنّه مُقَيَّدٌ بالنَّخْلَةِ والنَّخْلَتَيْنِ؛ بِدَلِيلِ ما رَوَيْنا، فيَدُلُّ على تَحْرِيمِ الزِّيادَةِ عليهما (١٢)، ثم إنّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ كما في العَقْدِ الواحِدِ. فأمّا إنْ باعَ رَجُلٌ عَرِيَّتَيْنِ من رَجُلَيْنِ فيهما أكْثَرُ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ، جازَ. وقال أبو بكرٍ والقاضِى: لا يجوزُ؛ لما ذَكَرْنا في المُشْتَرِى. ولَنا، أنَّ المُغَلِّبَ في التَّجْوِيزِ حاجَةُ المُشْتَرِى؛ بِدَلِيلِ ما رَوَى مَحْمُودُ بن لَبِيدٍ قال: قلت لِزَيْدِ بن ثابِتٍ: ما عَراياكُم هذه؟ فسَمَّى رِجالًا مُحْتاجِينَ من الأنْصارِ، شَكَوْا إلى رسولِ اللهِ ﷺ أنَّ الرُّطَبَ يَأْتِى ولا نَقْدَ بأيْدِيهِمْ يَبْتاعُونَ به رُطَبًا يَأْكُلُونَه، وعِنْدَهُم فُضُولٌ من التَّمْرِ، فرَخَّصَ
стр. 2733
لهم أنْ يَبْتاعُوا العَرايا بِخَرْصِها من التَّمْرِ الذى في أَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَه رُطَبًا (١٣). وإذا كان سَبَبُ الرُّخْصَة حاجَةَ المُشْتَرِى، لم تُعْتَبَرْ حاجَةُ البائِعِ إلى البَيْعِ، فلا يَتَقَيَّدُ في حَقِّه بخَمْسَةِ أوْسُقٍ. ولأنَّنا لو اعْتَبَرْنَا الحاجَةَ مِن المُشْتَرِى وحاجَةَ البائِعِ إلى البَيْعِ، أَفْضَى إلَى أنْ لا يَحْصُلَ الإِرْفَاقُ (١٤)، إذ لا يَكادُ يَتَّفِقُ وُجُودُ الحاجَتَيْنِ، فتَسْقُطُ الرُّخْصَةُ. فإن قُلْنا: لا يجوزُ ذلك، بَطَلَ العَقْدُ الثانى. فإن اشْتَرَى عَرِيَّتَيْنِ أو باعَهُما، وفيهما أقَلُّ من خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، جازَ، وَجْهًا واحِدًا.
الفصل الثالثُ ، أنّه لا يُشْتَرَطُ في بَيْعِ العَرِيَّةِ أنْ تَكونَ مَوْهُوبةً لِبائِعِها. هذا ظاهِرُ كَلامِ أصْحابِنا. وبه قال الشَّافِعِيُّ. وظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنّه شَرْطٌ. وقد رَوَى الأثْرَمُ، قال: سَمِعْتُ أحْمَدَ يُسْأَلُ (١٥) عن تَفْسِيرِ العَرايا. فقال: العَرايا أن يُعَرِّىَ الرَّجُلُ الجارَ أو القَرابةَ لِلْحاجَةِ أو المَسْكَنَةِ، فللمُعَرِّى أنْ يَبِيعَها ممَّن شاءَ. وقال مالِكٌ: بَيْعُ العَرايا الجائِزُ هو أنْ يُعَرِّىَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ نَخلاتٍ من حائِطِه، ثم يَكْرَه صاحِبُ الحائِطِ دُخُولَ الرَّجُلِ المُعَرَّى حائِطَه (١٦)؛ لأنّه ربّما كان مع أهْلِه في الحائِطِ، فيُؤْذِيه (١٧) دُخُولُ صاحِبِه عليه، فيجوزُ أنْ يَشْتَرِيَها منه. واحْتَجُّوا بأنَّ العَرِيَّةَ في اللُّغَةِ هِبَةُ ثَمَرَةِ النَّخِيلِ عَامًا. قال أبو عُبَيْدٍ (١٨): الإِعْراءُ، أن يَجْعَلَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ ثَمَرَةَ نَخْلِه عَامَها ذلك. قال [شاعِرُ الأنْصارِ] (١٩) يَصِفُ النَّخْلَ:
لَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ ولا رُجَّبِيَّةٍ ... ولَكِنْ عَرَايَا فى السِّنِينَ الجَوَائِحِ (٢٠)
стр. 2734
يقول: إنا نُعَرِّيها النَّاسَ. فتَعَيَّنَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى مَوْضُوعِه لُغَةً ومُقْتَضاهُ في العَربيَّةِ، ما لم يُوجَدْ ما يَصْرِفُه عن ذلك. ولنا، حَدِيثُ زَيْدِ بن ثابِتٍ، وهو حُجَّةٌ على مالِكٍ، [في تَصْرِيحِه بِجَوازِ] (٢١) بَيْعِها من غير الواهِبِ، ولأنَّه لو كان لحاجَةِ الواهِبِ لما اخْتُصَّ بخَمْسَةِ أوْسُقٍ، لِعَدَمِ اخْتِصاصِ الحاجَةِ بها. ولم يَجُزْ بَيْعُها بالتَّمْرِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ من حال صاحِبِ الحائِطِ الذى له النَّخِيلُ الكَثِيرُ يُعَرِّيهِ الناسَ، أنَّه لا يَعْجِزُ عن أداءِ ثَمَنِ العَرِيَّةِ، وفيه حُجَّةٌ على من اشْتَرَطَ كَوْنَها مَوْهُوبَةً لِبائِعِها؛ لأنّ عِلَّةَ الرُّخْصَةِ حاجَةُ المُشْتَرِى إلى أكْلِ الرُّطَبِ، ولا ثَمَنَ معه سِوَى التَّمْرِ، فمتى وُجِدَ ذلك، جازَ البَيْعُ. ولأنَّ اشْتِراطَ كَوْنِها مَوهُوبةً مع اشْتِراطِ حاجَة المُشْتَرِى إلى أكلِهَا رُطَبًا، ولا ثَمَن معه، يُفْضِى إلى سُقُوطِ الرُّخْصَةِ، إذ لا يكادُ يَتَّفِقُ ذلك. ولأنَّ ما جازَ بَيْعُه إذا كان مَوهُوبًا، جَازَ وإنْ لم يكن مَوْهُوبًا، كسائِرِ الأمْوالِ، وما جازَ بَيْعُه لِواهِبِه، جازَ لغيرِه، كسائِرِ الأمْوالِ، وإنّما سُمِّىَ عَرِيَّةً لِتَعَرِّيهِ عن (٢٢) غيرِه، وإفْرَادِهِ بِالبَيْعِ.
الفصل الرَّابع ، أنَّه إنَّما يَجُوزُ بَيْعُها بِخَرْصِها من التَّمْرِ، لا أقَلَّ منه ولا أكْثَرَ، ويَجِبُ أنْ يكونَ التَّمْرُ الذى يَشْتَرِى به مَعْلُومًا بالكَيْلِ، ولا يَجُوزُ جُزافًا. لا نَعْلَمُ في هذا عند من أباحَ بَيْعَ العَرايا اخْتِلافًا؛ لما رَوَى زَيْدُ بن ثابِتٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أرْخَصَ في العَرَايَا أنْ تُبَاعَ بِخَرْصِها كَيْلًا. مُتَّفَقٌ عليه (٢٣). ولِمُسْلِمٍ، أنْ تُؤْخَذَ
стр. 2735
بمثلِ خَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُها أهْلُها رُطَبًا. ولأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ الكَيْلِ من الطَّرَفَيْنِ، سَقَطَ في أحَدِهِما لِلتَّعَذُّرِ، فيَجِبُ في الآخَرِ بِقَضِيَّةِ الأصْلِ. ولأنّ تَرْكَ الكَيْلِ من الطَّرَفَيْنِ يُكْثِرُ الغَرَرَ، وفى تَرْكِه من أحَدِهِما يُقَلِّلُ الغَرَرَ، ولا يَلْزَمُ من صِحَّتِه مع قِلَّةِ الغَرَرِ، صِحَّتُه مع كَثْرَتِه. ومعنى خَرْصِها بمِثْلِها من التَّمْرِ، أن يُطِيفَ الخارصُ بالعَرِيَّةِ، فيَنْظُرَ كم يَجِىءُ منها تَمْرًا، [فَيَشْتَرِيَها المُشْتَرِى بمِثْلِها تَمْرًا] (٢٤). وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. ونَقَلَ حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنّه قال: يَخْرُصُها رُطَبًا، ويُعْطِى تَمْرًا رُخْصَةً. وهذا يَحْتَمِلُ الأوَّلَ، ويَحتمِلُ أنّه يَشْتَرِيها بِتَمْرٍ مثلِ الرُّطَبِ الذى عليها؛ لأنّه بَيْعٌ اشْتُرِطَتِ المُماثَلَةُ فيه، فَاعْتُبِرَتْ حالَ البَيْعِ كسائِرِ البُيُوعِ. ولأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ المُماثَلَةِ في الحال، وأنْ لا يُباعَ الرُّطَبُ بالتَّمْرِ. خُولِفَ الأصْلُ في بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، فَيَبْقَى فيما عَداهُ علَى قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ. وقال القاضِى: الأوّلُ أصَحُّ؛ لأنّه يُبنى على خَرْصِ الثِّمَارِ في العُشْرِ الصَّحِيحِ، ثُم خَرْصِه تَمْرًا. أو لأنّ (٢٥) المُمَاثَلَةَ في بَيْعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ مُعْتَبَرَةٌ حالةَ الادِّخارِ، وبَيْعُ الرُّطَبِ بمِثْلهِ تَمْرًا يُفْضِى إلى فَواتِ ذلك. فأمّا إن اشْتَراها بِخَرْصِها رُطَبًا، لم يَجُزْ. وهذا أحَدُ الوُجُوهِ لأصْحابِ الشَّافِعِيِّ. والثاني، يجوزُ. والثالث، لا يجوزُ مع اتِّفَاقِ النَّوْعِ، ويجوزُ مع اخْتِلافِه. وَوَجْهُ جَوازِهِ، ما رَوَى الْجُوزَجانِيُّ، عن أبى صالِحٍ، عن اللَّيْثِ، عن ابن شِهابٍ، عن سالِمٍ، عن ابن عُمَرَ، عن زَيْدِ بن ثابِتٍ، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنّه أَرْخَصَ بعدَ ذلك في بَيْعِ العَرِيَّةِ بالرُّطَبِ، أو التَّمْرِ، ولم يُرَخِّصْ في غير ذلك (٢٦). ولأنّه إذا جازَ بَيْعُ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ مع اخْتِصَاصِ أحَدِهِما بالنَّقْصِ في ثاني الحال، فلَأن يجوزَ مع عَدَمِ ذلك أَوْلَى. ولَنا، ما رَوَى مُسْلِمٌ (٢٧) بإسْنَادِه عن زَيْدِ
стр. 2736
ابنِ ثابِتٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أَرْخَصَ في العَرَايَا أنْ تُؤْخَذَ بمثل خَرْصِهَا تَمْرًا. وعن سَهْلِ بن أبي حَثْمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ، وقال: "ذَلِكَ الرِّبَا، تِلْكَ المُزَابَنَةُ". إلَّا أنَّه رَخَّصَ في العَرِيَّةِ، النَّخْلَةِ والنَّخْلَتَيْنِ، يَأْخُذُها أهْلُ البَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَها رُطَبًا (٢٨). ولأنَّه مَبِيعٌ يَجِبُ فيه مِثلُه تَمْرًا، فلم يَجُزْ بَيْعُه بمِثْلِه رُطَبًا، كالتَّمْرِ الجافِّ. ولأنَّ مَن له رُطَبٌ فهو مُسْتَغْنٍ عن شِراءِ الرُّطَبِ بأَكْلِ ما عنده، وبَيْعُ العَرايا يُشْتَرَطُ فيه حاجَةُ المُشْتَرِى، على ما أسْلَفْناه. وحَدِيثُ ابن عُمَرَ شَكٌّ في الرُّطَبِ والتَّمْرِ، فلا يجوزُ العَمَلُ به مع الشَّكِّ، سِيَّما وهذه الأحَادِيثُ تُبَيِّنُه، وتُزِيلُ الشَّكَّ.
فصل: ويُشْتَرَطُ في بَيْعِ العَرايا التَّقابُضُ في المَجْلِسِ. وهذا قولُ الشَّافِعيِّ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه بَيْعُ تَمْرٍ بِتَمْرٍ، فاعْتُبِرَ فيه شُرُوطُه، إلَّا ما اسْتَثْناه الشَّرْعُ ممَّا لا (٢٩) يمكنُ اعْتِبارُه في بَيْعِ العَرايا. والقَبْضُ في كلِّ واحدٍ منهما على حَسبِه، ففى التَّمْرِ اكْتِيالُه أو نَقْلُه، وفى الثَّمَرَةِ التَّخْلِيَةُ. وليس من شُرُوطِه حُضُورُ التَّمْرِ عند النَّخِيلِ، بل لو تَبايَعا بعد مَعْرِفَةِ التَّمْرِ والثَّمَرةِ، ثم مَضَيا جَمِيعًا إلى النَّخْلَةِ، فسَلَّمَها إلى مُشْتَرِيها، ثم مَشَيا إلى التَّمْرِ فتَسَلَّمَهُ من مُشْتَرِيها، أو تَسَلَّمَ التَّمْرَ ثم مَضَيا إلى النَّخْلَةِ جميعا فسَلَّمَها إلى مُشْتَرِيها، أو سَلَّمَ النَّخْلَةَ، ثم مَضَيا إلى التَّمْرِ فتَسَلَّمَهُ، جازَ؛ لأنَّ التَّفَرُّقَ لا يَحْصُلُ قبل القَبْضِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ بَيْعَ العَرِيَّةِ يَقَعُ على وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنْ يقولَ: بِعْتُكَ ثَمَرَةَ هذه النَّخْلَةِ بكذا وكذا من التَّمْرِ. ويَصِفُه. والثانى، أنْ يَكيلَ من التَّمْرِ بِقَدْرِ خَرْصِها، ثم يقولَ: بِعْتُكَ هذا بهذا، أو يقولَ: بِعْتُكَ ثَمَرَةَ هذه النَّخْلَةِ بهذا التَّمْرِ، ونحوَ هذا. وإنْ باعَه بِمُعَيَّنٍ فقَبْضُه بِنَقْلِه وأخْذِه، وإنْ باعَ بمَوْصُوفٍ فقَبْضُه باكْتِيالِه.
стр. 2737
الفصل الخامس ، أنَّه لا يجوزُ بَيْعُها إلَّا لِمُحْتاجٍ إلى أكْلِها رُطَبًا، ولا يجوزُ بَيْعُها لِغَنِيٍّ. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِيِّ، وأباحَها في القولِ الآخَرِ مُطْلَقًا لكلِّ أحدٍ؛ لأنَّ كلَّ بَيْعٍ جازَ لِلْمُحتاجِ، جازَ لِلغَنِيِّ، كسائِرِ البِياعاتِ، ولأنَّ حَدِيثَ أبي هُرَيْرَةَ وسَهْلٍ (٣٠) مُطْلَقَانِ. ولَنا، حَدِيثُ زَيْدِ بن ثابِتٍ (٣١)، حين سَأَلَه مَحْمُودُ بن لَبيدٍ ما عَرَايَاكُم هذه؟ فسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ من الأَنْصَارِ، شَكَوْا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّ الرُّطَبَ يَأْتِى ولا نَقْدَ بأَيْدِيهم يَبْتَاعُونَ به رُطَبًا يَأْكُلُونَه، وعندهم فُضُولٌ من التَّمْرِ، فرَخَّصَ لهم أنْ يَبْتَاعُوا العَرَايَا بِخَرْصِها من التَّمْرِ يَأْكُلُونَه رُطَبًا. ومتى خُولِفَ الأصْلُ بِشَرْطٍ، لم تَجُزْ مُخالَفَتُه بدون ذلك الشَّرْطِ. ولأنَّ ما أُبِيحَ لِلحاجَةِ، لم يُبَحْ مع عَدَمِها، كالزَّكاةِ للمَساكِينِ، والتَّرَخُّصِ (٣٢) في السَّفَرِ. فعلى هذا، متى كان صاحِبُها غيرَ مُحْتاجٍ إلى أكْلِ الرُّطَبِ، أو كان مُحْتاجًا، ومعه من الثَّمَنِ ما يَشْتَرِى به العَرِيَّةَ، لم يَجُزْ له شِراؤُها بالتَّمْرِ، وسواءٌ باعَها لِواهِبِها تَحَرُّزًا من دُخُولِ صاحِبِ العَرِيَّةِ حائِطَه كمذهبِ مالِكٍ، أو لغيره، فإنَّه لا يجوزُ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُباحُ. ويَحْتَمِلُه كَلامُ أحمدَ؛ لأنَّ الحاجَةَ وُجِدَتْ من الجانِبَيْنِ، فجازَ. كما لو كان المُشْتَرِى مُحْتاجًا إلى أكْلِها. ولنا، حَدِيثُ زَيْدٍ الذى ذَكَرْناهُ، والرُّخْصَةُ لمعنًى خاصٍّ لا تَثْبُتُ مع عَدَمِه، ولأنَّ في حَدِيثِ زَيْدٍ وسَهْلٍ: "يَأْكُلُها أهْلُها رُطَبًا". ولو جازَ لِتَخْلِيصِ المُعَرَّى لَما شَرَطَ ذلك. فيُشترطُ إذًا في بَيْعِ العَرِيَّةِ شُرُوطٌ خمسةٌ، أنْ يكونَ فيما دون خَمْسَةِ أَوسُقٍ، وبَيْعُها بخَرْصِها من التَّمْرِ، وقَبْضُ ثَمَنِها قبل التَّفَرُّقِ، وحاجَةُ المُشْتَرِى إلى أكلِ الرُّطَبِ، وأنْ لا يكونَ معه ما يَشْتَرِى به سِوَى التَّمْرِ. واشْتَرَطَ القاضِى وأبو بَكرٍ شَرْطًا سادِسًا، وهو حاجَةُ البائِع إلى البَيْعِ. واشْتَرَطَ الخِرَقِيُّ، كَوْنَها مَوْهُوبَةً لبائِعِها. واشْتَرَطَ أصْحابُنا لِبَقاءِ العَقْدِ، بأنْ
стр. 2738
يَأْكُلَها أهْلُها رُطَبًا. فإنْ تَرَكَها حتى تَصِيرَ تَمْرًا بَطَلَ العَقْدُ. وسَنَذْكُرُ ذلك إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
٧١٩ - مسألة؛ قال: (فإن ئرَكَهُ المُشْتَرِى حَتَّى يُتْمِرَ بَطَلَ العَقْدُ)
يَعْنِى إنْ لم يَأْخُذْها المُشْتَرِى رُطَبًا بَطَلَ العَقْدُ، خِلافًا للشَّافِعِيِّ في قوله: لا يَبْطُلُ. [وعن أحمدَ مثلُه] (١)؛ لأنَّ كلَّ ثَمَرَةٍ جازَ بَيْعُها رُطَبًا، لا يَبْطُلُ العَقْدُ إذا صارَتْ تَمْرًا، كغَيْرِ العَرِيَّةِ. ولنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "يَأْكُلُها أهْلُها رُطبًا" (٢). ولأنَّ شِراءَها [إنَّما جازَ] (٣) للحاجَةِ إلى أكْلِ الرُّطَبِ، فإذا أتْمَرَتْ تَبَيَّنَّا عَدَمَ الحاجَةِ، فيَبْطُلُ العَقْدُ. ثم لا فَرْقَ بين تَرْكِه لِغِناهُ عنها، أو مع (٤) حاجَتِه إليها، أو تَرْكِها لِعُذْرٍ، أو لغيرِ عُذْرٍ؛ لِلْخَبَرِ. ولو أخَذَها رُطَبًا فتَرَكَها عنده فأَتْمَرَتْ، أو شَمَّسَها، حتى صارَتْ تَمْرًا، جازَ، لأنَّه قد أخَذَها. ونُقِلَ عن أحمدَ رِوايةٌ أخْرَى في مَن اشْتَرَى ثَمَرَةً قبل بُدُوِّ صَلاحِها، ثم تَرَكَها حتى بَدا صَلاحُها، لا يَبْطُلُ البَيْعُ. فيُخَرَّجُ هاهُنا مِثْلُه. فإنْ أخَذَ بَعْضَها رُطَبًا، وتَرَكَ بَاقِيهَا حتى أَتْمَرَ، فهل يَبْطُلُ البَيْعُ في الباقِى؟ على وَجْهَيْنِ.
فصل: ولا يجوزُ بَيْعُ العَرِيَّةِ في غير النَّخِيلِ. وهو اخْتِيارُ ابن حامِدٍ، وقولُ اللَّيْثِ ابن سَعْدٍ. إلَّا أنْ يكونَ مما ثَمَرَتُه لا يَجْرِى فيها الرِّبا، فيجوزُ بَيْعُ رَطْبِها بِيابِسِها؛ لِعَدَمِ جَرَيانِ الرِّبا فيها. ويَحتمِلُ أنْ يجوزَ في العِنَبِ والرُّطَبِ دون غيرهما. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ العِنَبَ كالرُّطَبِ في وُجُوبِ الزَّكَاةِ فيهما، وجَوازِ خَرْصِهِما، وتَوْسِيقِهِما، وكَثْرَةِ تَيْبِيسِهما، واقْتِياتِهِما في بعض البُلْدانِ، والحاجَةِ إلى أكْلِ رَطْبِهِما، والتَّنْصِيصُ على الشىءِ يُوجِبُ ثُبُوتَ الحُكْمِ في مِثْلِه. ولا يَجوزُ في
стр. 2739
غيرِهما؛ لاخْتِلافِهِما في أكْثَرِ هذه المَعانِى، فإنَّه لا يمكنُ خَرْصُها؛ لِتَفَرُّقِها في الأغْصانِ، واسْتِتارِها بالأوْراقِ، ولا يَقْتاتُ يابِسَها، فلا يَحْتاجُ إلى الشِّراءِ به. وقال القاضِى: يجوزُ في سائِرِ الثِّمَارِ. وهو قولُ مالِكٍ والأوْزاعِيِّ، قِياسًا على ثَمَرَةِ النَّخِيل. ولنا، ما رَوَى التِّرْمِذِيُّ (٥)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن المُزابَنَةِ، الثَّمَرِ بالتَّمْرِ، إلَّا أصْحَابَ العَرايا، فإنَّه قد أذِنَ لهم، وعن بَيْعِ العِنَبِ بالزَّبِيبِ، وكلِّ ثَمَرَةٍ بِخَرْصِها. وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وهذا يَدُلُّ على تَخْصِيصِ العَرِيَّةِ بالتَّمْرِ. وعن زَيْدِ بن ثابِتٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّه رَخَّصَ (٦) بعد ذلك في بَيْعِ العَرِيَّةِ بالرُّطَبِ أو بالتَّمْرِ (٧). ولم يُرَخِّصْ في غيرِ ذلك. وعن ابن عُمَرَ قال: نَهَى رَسُولُ اللَّه ﷺ عن المُزَابَنَةِ (٨)، والمَزَابَنَةُ: بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بالتَّمْرِ كَيْلًا، وبَيْعُ العِنَبِ بالزَّبِيبِ كَيْلًا، وعن كلِّ ثَمَرَةٍ بِخَرْصِه. ولأنَّ الأصْلَ يَقْتَضِى تَحْرِيمَ بَيْعِ العَرِيَّةِ، وإنما جازَتْ في ثَمَرَةِ النَّخِيلِ رُخصَةً، ولا يَصِحُّ قِياسُ غيرِها عليها لِوَجْهَيْنِ، أحدِهما، أنَّ غيرَها لا يُساوِيها في كَثْرَةِ الاقْتِياتِ بها، وسُهُولَةِ خَرْصِها، وكونِ الرُّخْصَةِ في الأصْلِ لأهْلِ المَدِينَةِ، وإنَّما كانت حاجَتُهم إلى الرُّطَبِ دونَ غيرِه. الثانى، أنَّ القِياسَ لا يُعْمَلُ به إذا خالَفَ نَصًّا، وقِياسُهُم يُخالِفُ نُصُوصًا غيرَ مَخْصُوصَةٍ، وإنَّما يجوزُ التَّخْصِيصُ بالقِياسِ على المَحلِّ المَخْصُوصِ، ونَهْىُ النَّبِيِّ ﷺ عن بَيْعِ العِنَبِ بالزَّبِيبِ لم يَدْخُلْه تَخْصِيصٌ فيُقاسُ عليه، وكذلك سائِرُ الثِّمَارِ. واللهُ أعلم.
стр. 2740
بابُ بَيْعِ الأُصُولِ والثِّمارِ
٧٢٠ - مسألة؛ قال أبو القَاسِمِ، ﵀: "وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا، وَهُوَ مَا قَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُه، فالثَّمَرَةُ للبائِعِ مَتْرُوكَةً في النَّحْلِ إلى الجِزَازِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَها المُبْتَاعُ)
أصْلُ الإِبَارِ عند أهْلِ العِلْمِ: التَّلْقِيحُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: إلَّا أنَّه لا يكونُ حتى يَتَشَقَّقَ الطَّلْعُ، وتَظْهَرَ الثَّمَرَةُ، فَعُبِّرَ به عن ظُهُورِ الثَّمَرَةِ؛ لِلزُومِه منه. والحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بالظُّهُورِ، دون نَفْسِ التَّلْقِيحِ، بغيرِ اخْتِلافٍ بين العُلَمَاءِ، يُقال: أبرتُ النَّخْلَةَ بالتَّخْفيفِ والتَّشْديدِ، فهى مُؤَبَّرَةٌ ومَأْبُوَرةٌ. ومنه قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ" (١). والسِّكَّةُ: النَّخْلُ المَصْفوفُ. وأَبَرْتُ النَّخْلَةَ، آبُرُها، أَبْرًا، وإِبَارًا، وأَبَّرتُهَا تَأْبيرًا، وتَأَبَّرَتِ النَّخْلَةُ، وائْتَبَرَتْ، ومنه قولُ الشاعرِ:
* تَأَبَّرى يا خَيْرَةَ الفَسِيلِ (٢) *
وفَسَّرَ الخِرَقِيُّ المُؤَبَّرَ بما قد تَشَقَّقَ طَلْعُه؛ لِتَعَلُّقِ الحُكْمِ بذلك، دون نَفْسِ التَّأْبيرِ. قال القاضى: [وقد يتشَقَّقُ الطَّلْعُ بنفْسِهِ فيظْهَرُ] (٣)، وقد يَشُقُّهُ الصَّعَّادُ فيَظْهَرُ. وأيُّهما كانَ فهو التَّأْبيرُ المُرادُ هاهُنا.
وفى هذه المَسْأَلَةِ فُصولٌ ثَلاثَةٌ:
الأول: أنَّ البَيْعَ متى وَقَعَ على نَخْلٍ مُثْمِرٍ، ولم يَشْتَرِطِ (٤) الثَّمَرةَ، وكانت
стр. 2741
الثَّمَرَةُ مُؤَبَّرَةً، فهى لِلْبائِعِ. وإن كانت غيرَ مُؤَبَّرَةٍ، فهى لِلْمُشْتَرِي وبهذا قال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والشَّافِعِيُّ. وقال ابنُ أبي ليلى: هى لِلْمُشْتَرِى في الحَالَيْنِ؛ لأنَّها مُتَّصِلَةٌ بالأصْلِ (٥) اتِّصالَ خِلْقَةٍ، فكانت تابعَةً له، كالأغْصانِ. وقال أبو حنيفةَ، والأوْزَاعِيُّ: هى لِلْبائِعِ في الحالَيْنِ (٦)؛ لأَنَّ هذا نماءٌ له حَدٌّ، فلم يَتْبَعْ أصْلَهُ في البَيْعِ، كالزَّرْعِ في الأرْضِ. ولنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "من ابْتاعَ نَخْلًا بعدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فثَمَرَتُها للَّذِى بَاعَها، إلَّا أن يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ". مُتَّفَقٌ عليه (٧). وهذا صَريحٌ في رَدِّ قولِ ابنِ أبى (٨) ليلى، وحُجَّةٌ على أبى حنيفةَ والأوْزَاعِيِّ بمَفْهُومِهِ، لأنَّه جَعَلَ التَّأْبيرَ حَدًّا لمِلْكِ البائِعِ للثَّمَرَةِ، فيكونُ ما قبلَه لِلْمُشْتَرى، وإلَّا لم يَكُنْ حَدًّا، ولا كان ذِكْرُ التَّأْبيرِ مُفيدًا. ولأنَّه نَماءٌ كامِنٌ لِظُهُورِهِ غايَةٌ، فكان تابِعًا لأَصْلِه قبلَ ظُهورِه، وغيرَ تابِعٍ له بعدَ ظُهورِه، كالحَمْلِ في الحَيَوانِ. فأمَّا الأَغْصانُ، فإنَّها تَدْخُلُ في اسْمِ النَّخْلِ، وليس لانْفِصالِها غايَةٌ، والزَّرْعُ ليس من نَماءِ الأَرْضِ، وإنَّما هو مُودَعٌ فيها.
الفصل الثانى: أنَّه مَتَى اشْتَرَطَها أحَدُ المُتَبايِعَيْنِ، فهى له، مُؤَبَّرَةً كانت أو غيرَ مُؤَبَّرَةٍ، البائِعُ فيه والمُشْتَرِى سَواءٌ. وقال مالِكٌ: إنِ اشْتَرَطَها المُشْتَرى بعد التَّأْبيرِ، جازَ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ شِرائِها مع أَصْلِها، وإنِ اشْتَرَطَها البائِعُ قبلَ (٩) التَّأْبيرِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ اشْتِراطَه لها بمَنْزِلَةِ شِرائِه لها قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بِشَرْطِ تَرْكِها. ولنا، أنَّه اسْتَثْنَى بعضَ ما وَقَعَ عليه العَقْدُ وهو مَعْلومٌ، فصَحَّ، كما لو باعَ حائِطًا، واسْتَثْنَى نَخْلَةً بِعَيْنِها. ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ : نَهَى عن الثُّنْيَا (١٠)، إلَّا أن تُعْلَمَ (١١). ولأنَّه أحَدُ
стр. 2742
المُتَبايِعَيْنِ، فصَحَّ اشْتِراطُه لِلثَّمَرَةِ، كالمُشْتَرِى، وقد ثَبَتَ الأصْلُ بالاتِّفاقِ عليه، وبقولِه ﵇: "إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهَا المُبْتَاعُ" (١٢). ولو اشْتَرَطَ أحَدُهما جُزْءًا من الثَّمَرَةِ مَعْلومًا، كان ذلك كاشْتِراطِ جَميعِها في الجَوازِ، في قول جُمْهورِ الفُقَهاءِ، وقولِ أشْهَبَ من أصحابِ مالكٍ. وقال ابنُ القاسِمِ: لا يَجوزُ اشْتِراطُ بعضِها؛ لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَدَ باشْتِراطِ جَميعِها. ولنا، أنَّ ما جازَ اشْتِراطُ جَميعِه، جازَ اشْتِراطُ بعضِه، كمُدَّةِ الخِيارِ، وكذلك القَوْلُ في مالِ العبدِ إذا اشْتَرَطَ بعضَه.
الفصل الثالث: أنَّ الثَّمَرَةَ إذا بَقِيَتْ للبائِعِ، فلَهُ تَرْكُها في الشَّجَرِ إلى أوانِ الجِزازِ، سواءٌ اسْتَحَقَّها بِشَرْطِه، أو بِظُهورِها. وبه قال مالكٌ، والشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه قَطْعُها، وتَفْريغُ النَّخْلِ منها؛ لأنَّه مَبيعٌ مَشْغولٌ بمِلْكِ البائِعِ، فلَزِمَ نَقْلُه وتَفْريغُه، كما لو باعَ دارًا فيها طَعامٌ، أو قُماشٌ له. ولنا، أنَّ النَّقْلَ والتَّفْريغَ لِلْمَبيعِ على حَسَبِ العُرْفِ والعادَةِ، كما لو باعَ دارًا فيها طَعامٌ، لم يَجِبْ نَقْلُه إلَّا على حَسَبِ العادَةِ في ذلك، وهو أن يَنْقُلَهُ نَهارًا، شَيْئًا بعدَ شىءٍ، ولا يَلْزَمُه النَّقْلُ لَيْلًا، ولا جَمْعُ دَوابِّ البَلَدِ لِنَقْلِه. كذلك هاهُنا، يُفَرِّغُ النَّخْلَ من الثَّمَرةِ في أوانِ تَفْريغِها، وهو أوانُ جِزازِها، وقِياسُه حُجَّةٌ لنا؛ لما بَيَّنَّاهُ. إذا تَقَرَّرَ هذا، فالمَرْجِعُ في جَزِّهِ إلى ما جَرَتْ به العادَةُ، فإذا كانَ المَبيعُ نَخْلًا، فحينَ تَتَناهَى حَلاوَةُ ثَمَرِهِ (١٣)، إلَّا أن يكونَ ممَّا بُسْرُه (١٤) خيرٌ من رُطَبِهِ، أو ما جَرَتِ العادَةُ بأخْذِهِ (١٥) بُسْرًا، فإنَّه يَجُزُّهُ حين تَسْتَحْكِمُ حَلاوَةُ بُسْرِهِ؛ لأنَّ هذا هو العادَةُ، فإذا اسْتَحْكَمَتْ حَلاوَتُه، فعليه نَقْلُه. وإنْ قيلَ: بَقاؤُه في شَجَرِه خيرٌ له وأبْقَى؛ فعليه النَّقْلُ؛ لأنَّ العادَةَ في النَّقْلِ قد حَصَلَتْ، وليس له إبْقاؤُه بعدَ ذلك. وإن كان
стр. 2743
المَبيعُ عِنَبًا، أو فاكهَةً، سَوَّاهُ، فأخَذَهُ حين يَتَناهَى إدْراكُه، وتَسْتَحْكِمُ حَلاوَتُه، ويُجَزُّ مثلُه. وهذا قولُ مالكٍ، والشَّافِعِيِّ.
فصل: فإن أُبِّرَ بعضُه دونَ بعضٍ، فالمَنْصوصُ عن أحمدَ، أنَّ ما أُبِّرَ لِلْبائِعِ، وما لم يُؤَبَّرْ لِلْمُشْتَرِى. وهو قولُ أبي بكرٍ؛ لِلْخَبَرِ الذى عليه مَبْنَى هذه المَسْأَلَةِ، فإنَّ صَرِيحَه، أنَّ ما أُبِّرَ للبائِعِ، ومَفْهُومَه، أنَّ ما لم يُؤَبَّرْ لِلْمُشْتَرِى. وقال ابنُ حامِدٍ: الكلُّ للبائِعِ. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّا إذا لم نَجْعَلِ الكُلَّ للبائِعِ، أدَّى إلى الإِضْرارِ باشْتِراكِ الأَيْدِى في البُسْتانِ، فيَجِبُ أن يُجْعَلَ ما لم يُؤَبَّرْ تَبَعًا لِمَا أُبِّرَ، كثَمَرِ النَّخْلَةِ الواحِدَةِ، فإنَّه لا خِلافَ في أنَّ تَأْبيرَ بعضِ النَّخْلَةِ يَجْعَلُ جَميعَها للبائِعِ، وقد يَتْبَعُ الباطِنُ (١٦) الظَّاهِرَ منه، كأساساتِ الحِيطانِ تَتْبَعُ الظَّاهِرَ منه. ولأنَّ البُسْتانَ إذا بَدا صَلاحُ ثَمَرَةٍ منه جازَ بَيْعُ جَميعِها بغيرِ شَرْطِ القَطْعِ، كذا هاهُنا، وهذا من النَّوْعِ الواحِدِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ النَّوْعَ الواحِدَ يَتَقارَبُ ويَتَلاحَقُ، فأمَّا إن أُبِّرَ، لم يَتْبَعْهُ النَّوْعُ الآخَرُ. ولم يُفَرِّقْ أبو الخَطَّابِ بين النَّوْعِ والجِنْسِ كلِّه، وهو ظاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى سُوءِ المُشارَكَةِ، واخْتِلافِ الأَيْدِى، كما في النَّوْعِ الواحِدِ. ولنا، أنَّ النَّوْعَيْنِ يَتَباعَدانِ، ويَتَمَيَّزُ أحَدُهما من الآخَرِ، ولا يُخْشَى اخْتِلاطُهما واشْتِباهُهما. فأشْبَها الجِنْسَيْنِ. وما ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بالجِنْسَيْنِ. ولا يَصِحُّ القِياسُ على النَّوْعِ الواحِدِ؛ لِافْتِراقِهما فيما ذَكَرْناهُ. ولو باعَ حائِطَيْنِ قد أَبَّرَ أحَدَهما، لم يَتْبَعْهُ الآخرُ؛ لأنَّه يُفْضى إلى سُوءِ المُشارَكَةِ، واخْتِلافِ الأَيْدِى؛ لِانْفِرادِ كلِّ واحِدٍ منهما عن صاحِبِه. ولو أبَّر بعضَ الحائِطِ، فأفرَدَ بِالبَيْعِ ما لم يؤبَّرْ، فَلِلْمَبِيع حُكْمُ نَفْسِه، ولا يَتْبَعُ غيرَه. وخَرَّجَ القاضى وَجْهًا في أنَّه يَتْبَعُ غيرَ المَبِيعِ، ويكونُ للبائِعِ؛ لأنَّه قد ثَبَتَ للحائِطِ كلِّه، حُكْمُ التَّأْبيرِ. وهو أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصحابِ الشَّافِعِيِّ. ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ المَبيعَ لم
стр. 2744
يُؤَبَّرْ منه شىءٌ، فوَجَبَ أن يكونَ لِلْمُشْتَرِى، بِمَفْهومِ الخَبَرِ، وكما لو كان مُنْفَرِدًا في بُسْتانٍ وَحْدَهُ. ولأنَّه لا يُفْضِى إلى سُوءِ المُشارَكَةِ، ولا اخْتِلافِ الأَيْدِى، ولا إلى ضَرَرٍ، فبَقِىَ على حُكْمِ الأَصْلِ. فإن بِيعَتِ النَّخْلَةُ وقد أُبِّرَتْ كلُّها، أو بَعْضُها، فأطْلَعَتْ بعدَ ذلك، فَالطَّلْعُ لِلْمُشْتَرِى؛ لأنَّه حَدَثَ في مِلْكِه، فكان له، كما لو حَدَثَ بعد جِزازِ الثَّمَرَةِ. ولأنَّ ما أطْلَعَ بعد تَأْبيرِ غيرِهِ لا يكادُ يَشْتَبِهُ به؛ لِتَباعُدِ ما بينهما.
فصل: وطَلْعُ الفُحَّالِ (١٧) كَطَلْعِ الإِناثِ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الشَّافِعِيِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ طَلْعُ الفُحَّالِ للبائِعِ قبلَ ظُهورِه؛ لأنَّه يُؤْخَذُ للْأَكْلِ قبلَ ظُهورِه، فهو كثَمَرَةٍ لا تُخْلَقُ إلَّا ظاهِرَةً، كالتِّينِ، ويكونُ ظُهورُ طَلْعِهِ كَظُهورِ ثَمَرةِ (١٨) غيرِهِ. ولنا، أنَّها ثَمَرَةُ نَخْلٍ إذا تُرِكَتْ ظَهَرَتْ، فهى كالإِناثِ، أو يَدْخُلُ في عُمومِ الخَبَرِ. وما ذُكِرَ لِلْوَجْهِ الآخَرِ لا يَصِحُّ (١٩)؛ فإنَّ أكْلَهُ ليس هو المَقْصودَ منه، وإنَّما يُرادُ لِلتَّلْقيحِ به، وهو يكونُ بعدَ ظُهورِه، فأشْبَهَ طَلْعَ الإِناثِ. فإن باعَ نَخْلًا فيه فُحَّالٌ وإناثٌ لم يتشَقَّقْ (٢٠) منه شيءٌ، فالكُلُّ (٢١) لِلْمُشْتَرِى، إلَّا على الوَجْهِ الآخَرِ، فإنَّ طَلْعَ الفُحَّالِ يكونُ للبائِعِ. وإن كانَ قد تَشَقَّقَ طَلْعُ أحدِ النَّوْعَيْنِ دون الآخَرِ، فما تَشقَّقَ فهو للبائِعِ، وما لم يَتَشَقَّقْ لِلمُشْترِى، إلَّا عندَ مَن سَوَّى بين الأَنْواعِ كلِّها. وإن تَشَقَّقَ طَلْعُ بعضِ الإِناثِ أو بعضِ الفُحَّالِ، فالذى قد ظَهَرَ لِلبائِعِ، وما لم يَظْهَرْ على ما ذَكَرْنا من الاخْتِلافِ فيه.
فصل: وكلُّ عَقْدِ مُعاوَضَةٍ يَجْرِى مَجْرَى البَيْعِ، في أنَّ الثَّمَرَةَ المُؤَبَّرَةَ تكونُ لمَنِ
стр. 2745
انْتَقَلَ عنه الأَصْلُ، وغيرَ المُؤَبَّرَةِ لمن انْتَقَلَ إليه، مثلُ أن يُصْدِقَ المَرْأَةَ نَخْلًا، أو يَخْلَعَهَا به، أو يَجْعَلَهُ عِوَضًا في إجارَةٍ، أو عَقْدِ صُلْحٍ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فجَرَى مجْرَى البَيْعِ. وإن انْتَقَلَ بغيرِ مُعاوَضَةٍ، كالهِبَةِ، والرَّهْنِ، أو فُسِخَ لأَجْلِ العَيْبِ، أو فَلَسِ المُشْتَرِى، أو رُجوعِ الأبِ في هِبَتِه لِوَلَدِهِ، أو تَقَايَلا المَبيعَ، أو كان صَداقًا فرجَع إلى الزَّوْجِ لِفَسْخِ المَرْأةِ النِّكَاحَ، أو نِصْفُهُ لِطَلاقِ الزَّوْجِ، فإنَّه في الفَسْخِ يَتْبَعُ الأَصْلَ، سَوَاءٌ أُبِّرَ، أو لم يُؤَبَّرْ؛ لأنَّه نَماءٌ مُتَّصِلٌ، فأشْبَهَ السِّمَنَ، وفى الهِبَةِ والرَّهْنِ حُكْمُهُما حُكْمُ البَيْعِ، في أنَّه يَتْبَعُ قبلَ التَّأْبيرِ، ولا يَتْبَعُ فيما بعدَه؛ لأنَّ المِلْكَ زالَ عن الأَصْلِ بغيرِ فسْخٍ، فكان الحُكْمُ فيه ما ذَكَرْناهُ، كالبَيْعِ. وأمَّا رُجوعُ البائِعِ لِفَلَسِ المُشْتَرِى، أو الزَّوْجِ لِانْفِساخِ النِّكَاحِ، فيُذْكَرانِ في بابَيْهِما.
٧٢١ - مسألة؛ قال: (وَكَذَلِكَ بَيْعُ الشَّجَرِ إذَا كَانَ فيهِ ثَمَرٌ (١) بَادٍ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّجَرَ على خَمْسَةِ أَضْرُبٍ؛ أحدُها، ما يكونُ ثَمَرُهُ في أكْمامِهِ، ثم تَتَفَتَّحُ الأَكْمامُ، فيَظْهَرُ، كالنَّخْلِ الذى وَرَدَتِ السُّنَّةُ فيه، وبَيَّنَّا حُكْمَهُ، وهو الأَصْلُ، وما عداه مَقيسٌ عليه، ومُلْحَقٌ به. ومن هذا الضَّربِ؛ القُطْنُ، وما يُقْصَدُ نَوْرُه؛ كالوَرْدِ، والياسَمينِ، والنَّرْجِسِ، والبَنَفْسَجِ، فإنَّه تَظْهَرُ أكْمامُه ثم تَتَفَتَّحُ، فيَظْهَرُ، فهو كالطَّلْعِ إن تَفَتَّحَ جُنْبُذُه (٢)، فهو للبائِعِ، وإلَّا فهو للمُشْتَرِى. الثاني، ما تَظْهَرُ ثَمَرَتُه بَارِزَةً لا قِشْرَ عليها ولا نَوْرَ، كالتِّينِ، والتُّوتِ، والجُمَّيْزِ، فهُنَّ لِلْبائِعِ؛ لأنَّ ظُهورَها من شَجَرِها بمَنزِلَةِ ظُهورِ الطَّلْعِ من قِشْرِه. الثالث، ما يَظْهَرُ في قِشْرِه، ثم يَبْقَى فيه إلى حينِ الأَكْلِ، كالرُّمَّانِ، والمَوْزِ، فهو للبائِعِ أيضًا بِنَفْسِ الظُّهورِ؛ لأنَّ قِشْرَه من مَصْلَحَتِه، ويَبْقَى فيه إلى
стр. 2746
حينِ الأَكْلِ، فهو كالتِّينِ. ولأنَّ قِشْرَه يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ أجْزائِه؛ لِلزُومِه إيَّاهُ، وكَوْنِهِ مِن مَصْلَحَتِه. الضَّرْب الرابع، ما يَظْهَرُ في قِشْرَيْنِ، كالجَوْزِ، واللَّوْزِ، فهو للبائِعِ أيضًا بِنَفْسِ الظُّهورِ؛ لأنَّ قِشْرَه لا يَزولُ عنه غالِبًا، إلَّا بعد جِزازِه، فأشْبَهَ الضَّرْبَ الذى قَبْلَه. ولأنَّ قِشْرَ اللَّوْزِ يُؤْكَلُ معه، فأشْبَهَ التِّينَ. وقال القاضى: إن تَشَقَّقَ القِشْرُ الأَعْلَى فهو للبائِعِ، وإن لم يَتَشَقَّقْ فهو لِلْمُشْتَرِى، كالطَّلْعِ. ولو اعتُبِر هذا لم يكُنْ لِلْبَائِعِ إلَّا نَادِرًا، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الطَّلْعِ؛ لأنَّ الطَّلْعَ لابدَّ من تَشَقُّقِه، وتَشَقُّقُه من مَصْلَحَتِه، وهذا بِخِلافِه، فإنَّه لا يَتَشَقَّقُ على شَجَرِه، وتَشَقُّقُه قبلَ كَمالِه يُفْسِدُه. الخامس، ما يَظْهَرُ نَوْرُه، ثم يَتَناثَرُ، فتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ، كالتُّفَّاحِ، والمِشْمِشِ، والإِجَّاصِ (٣)، والخَوْخِ. فإذا تَفَتَّحَ نَوْرُه، وظَهَرتِ الثَّمَرَةُ فيه، فهى للبائِعِ، وإن لم تَظْهَرْ، فهى لِلْمُشْتَرِى. وقيل: ما تَناثَرَ نَوْرُه، فهو للبائِعِ، وما لا فهو لِلْمُشْتَرِى؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ لا تَظْهَرُ حتى يَتَناثَرَ النَّوْرُ. وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أن تكونَ للبائِعِ بِظُهورِ نَوْرِه؛ لأنَّ الطَّلْعَ إذا تَشَقَّقَ كان كَنَوْرِ الشَّجَرِ، فإنَّ العُقَدَ التى في جَوْفِ الطَّلْعِ لَيْسَتْ عَيْنَ الثَّمَرَةِ، وإنَّما هى أَوْعِيَةٌ لها، تَكْبُرُ الثَّمَرَةُ في جَوْفِها، وتَظْهَرُ، فتَصِيرُ العُقْدَةُ في طَرَفِها، وهى قِمَعُ الرُّطَبَةِ. وقولُ الخِرَقِيِّ يَقْتَضِى ما قُلْنَاهُ؛ لأنَّه عَلَّقَ اسْتِحْقاقَ البائِعِ لها بكونِ الثَّمَرِ بادِيًا لا يَبْدو نَوْرُه. ولا يَبْدُو الثَّمَرُ حتى يَتَفَتَّحَ (٤) نَوْرُه. وقد يَبْدُو إذا كَبُرَ قبلَ أن يَنْثُرَ النَّوْرَ، فَتَعلَّقَ ذلك بِظُهورِه. والعِنَبُ بمَنْزِلَةِ ما لَهُ نَوْرٌ؛ لأنَّه يَبْدُو في قُطوفِه شَيءٌ صِغارٌ كَحَبِّ الدُّخْنِ، ثم يَتَفَتَّحُ، ويَتَناثَرُ، كتَناثُرِ (٥) النَّوْرِ، فيكونُ من هذا القِسْمِ. واللهُ أعلمُ. وهذا يُفارِقُ الطَّلْعَ؛ لأنَّ الذى في الطَّلْعِ عَيْنُ الثَّمَرَةِ يَنْمُو ويَتَغَيَّرُ، والنَّوْرُ في هذه الثِّمارِ يتَسَاقَطُ، ويَذْهَبُ، وتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ. ومذهبُ الشَّافِعِيِّ في هذا الفَصْلِ جَميعِه كما
стр. 2747
ذَكَرْنا هاهُنا، أو قَريبًا منه، وبينهما اخْتِلافٌ على حَسَبِ ما ذَكَرْنا من الخِلافِ، أو قَريبًا منه.
فصل: فأمَّا الأَغْصانُ، والوَرَقُ، وسائِرُ أجْزاءِ الشَّجَرِ، فهو لِلْمُشْتَرِى بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه من أجْزائِها خُلِقَ لِمَصْلَحَتِها، فهو كأَجْزاءِ سائِرِ المَبيعِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ وَرَقُ التُّوتِ الذى يُقْصَدُ أخْذُه لِتَرْبِيَةِ دُودِ القَزِّ إن تَفَتَّحَ، فهو لِلْبَائِعِ، وإلَّا فهو لِلْمُشْتَرِى؛ لأنَّه بِمَنْزِلَةِ الجُنْبُذِ الذى يَتَفَتَّحُ، فيَظْهَرُ نَوْرُه من الوَرْدِ وغيرِه، وهذا في المَواضِعِ التى عَادَتُهم أخْذُ الوَرَقِ، وإن لم تَكُنْ عَادَتُهم ذلك، فهو لِلْمُشْتَرِى، كسَائِرِ وَرَقِ الشَّجَرِ. واللَّه أعلمُ.
فصل: وإذا كانَتِ الثَّمَرَةُ للبائِعِ مُبَقَّاةً في شَجَرِ المُشْتَرِى، فاحْتَاجَتْ إلى سَقْىٍ، لم يَكُنْ لِلْمُشْتَرِى مَنْعُه منه؛ لأنَّه يَبْقَى به، فَلَزِمَه تَمْكينُهُ منه، كَتَرْكِهِ على الأُصولِ. وإن أرَادَ سَقْيَها من غيرِ حَاجَةٍ، فَلِلمُشْتَرِى مَنْعُه منه؛ لأنَّه بِسَقْيِهِ يَتَضَمَّنُ التَّصَرُّفَ في مِلْكِ غيرِه، ولأنَّ الأَصْلَ مَنْعُه من التَّصَرُّفِ في مِلْكِ غيرِه، وإنَّما أباحَتْهُ الحاجَةُ، فإن لم تُوجَدِ الحاجَةُ يَبْقَى على أصْلِ المَنْعِ. فإنِ احتاجَتْ إلى السَّقْىِ، وفيه ضَرَرٌ على الشَّجَرِ، أو احتاجَ الشَّجَرُ إلى سَقْىٍ يَضُرُّ بالثَّمَرَةِ، فقال القاضى: أيُّهما طَلَبَ السَّقْىَ لِحاجَتِهِ أُجْبِرَ الآخَرُ عليه؛ لأنَّه دَخَلَ في العَقْدِ على ذلك، فإنَّ المُشْتَرِىَ اقْتَضَى عَقْدُه تَبْقِيَةَ الثَّمَرَةِ، والسَّقْيُ من تَبْقِيَتِها، والعَقْدُ اقْتَضَى تَمْكينَ المُشْتَرِى من حِفْظِ الأُصولِ، وتَسْليمِها، فَلَزِمَ كلَّ واحِدٍ منهما ما أَوْجَبَه العَقْدُ للآخَرِ، وإن أضَرَّ به. وإنَّما له أن يَسْقِىَ بِقَدْرِ حاجَتِه، فإن اخْتَلَفا في قَدْرِ الحاجَةِ، رُجِعَ إلى أهْلِ الخِبْرَةِ. وأيُّهما الْتَمَسَ السَّقْىَ فالمَؤُنَةُ عليه؛ لأنَّه لِحاجَتِه.
فصل: فإن خِيفَ على الأُصولِ الضَّرَرُ بِتَبْقِيَةِ الثَّمَرَةِ عليها لِعَطَشٍ أو غيرِه، والضَّرَرُ يَسيرٌ، لم يُجْبَرْ على قَطْعِها؛ لأنَّها مُسْتَحِقَّةٌ لِلْبَقاءِ، فلم يُجْبَرْ على إزالَتِها لِدَفْعِ ضَرَرٍ يَسِيرٍ عن غيرِه. وإن كانَ كَثِيرًا، فَخيفَ على الأُصولِ الجَفافُ، أو نَقْصُ حَمْلِها، ففيه وجهانِ؛ أحَدُهما، لا يُجْبَرُ أيضًا لذلك. الثانى، يُجْبَرُ على
стр. 2748
القَطْعِ؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُها وإن لم تُقْطَعْ، والأُصُولُ تَسْلَمُ بِالقَطْعِ، فكان القَطْعُ أوْلَى. ولِلشَّافِعِيِّ قَوْلانِ كالوَجْهَيْنِ.
فصل: وإذا باعَ شَجَرًا فيه ثَمَرٌ للبائِعِ، فحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، أو اشْتَرَى ثَمَرَةً في شَجَرِها، فحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، فإن تَمَيَّزَتا، فلكلِّ واحِدٍ ثَمَرَتُه، وإن لم تَتَمَيَّزْ إحداهما من الأُخْرَى، فهما شَريكانِ فيهما، كلُّ واحِدٍ بِقَدْرِ ثَمَرَتِه. فإن لم يُعْلَمْ قَدْرُ كلِّ واحِدَةٍ منهما، اصْطَلَحا عليها، ولا يَبْطُلُ العَقْدُ؛ لأنَّ المَبيعَ لم يَتَعَذَّرْ تَسْليمُه، وإنَّما اخْتَلَطَ بغيرِه، فهو كما لو اشْتَرَى طَعامًا في مكانٍ، فانْثالَ عليه طَعامٌ للبائِعِ، أو انْثالَ هو على طَعامٍ للبائِعِ، ولم يُعْرَفْ قَدْرُ كلِّ واحدٍ منهما. ويُفارِقُ هذا ما لو اشْتَرَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، فتَرَكَها حتى بَدا صَلاحُها، أو اشْتَرَى عَرِيَّةً، فتَرَكَها حتى أَثْمَرَتْ، فإنَّ العَقْدَ يَبْطُلُ في إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ؛ لكوْنِ اخْتِلاطِ المَبيعِ بغيرِه حَصَلَ بِارْتِكابِ النَّهْىِ، وكونِهِ يَتَّخِذُ حِيلَةً على شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، أو شِرَاءِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ من غيرِ كَيْلٍ من غيرِ حَاجَةٍ إلى أكْلِه رُطَبًا، وهاهُنا ما ارْتَكَبَ نَهْيًا، ولا يَجْعَلُ هذا طَرِيقًا إلى فِعْلِ المُحَرَّمِ. وجَمَعَ أبو الخَطَّابِ بينهما، فقال: في الجَميعِ رِوَايَتانِ؛ إحداهما، يَبْطُلُ العَقْدُ. والأخرى، لا يَبْطُلُ. وقال القاضى: إن كانَتِ الثَّمَرَةُ للبائِعِ، فحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أخرى، قيل لكلِّ واحدٍ: اسْمَحْ بِنَصيبِكَ لِصاحِبِكَ. فإن فَعَلَهُ (٦) أحدُهُما، أقْرَرْنا العَقْدَ وأجْبَرْنا الآخَرَ على القَبولِ؛ لأنَّه يَزُولُ به النِّزاعُ. وإن امْتَنَعا، فَسَخْنا العَقْدَ؛ لِتَعَذُّرِ وُصولِ كلِّ واحدٍ منهما إلى قَدْرِ حَقِّه. وإن اشْتَرَى ثَمَرَةٌ، فحَدَثَتْ ثَمَرَةُ أخرى، لم نَقُلْ لِلْمُشْتَرِى: اسْمَحْ بِنَصِيبِك؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ كلُّ المَبيعِ، فلا يُؤْمَرُ بِتَخْلِيَتِه كلِّه، ونَقُولُ للبائِعِ ذلك، فإن سَمَحَ بِنَصيبِه لِلْمُشْتَرِى أجْبَرْنَاهُ على القَبولِ، وإلَّا فُسِخَ البَيْعُ بينهما وهذا، مذهبُ الشَّافِعِيِّ. قال ابنُ عَقِيلٍ: لعلَّ هذا قولٌ لبعضِ أصْحابِنا، فإنَّنى لم أجِدْهُ
стр. 2749
مَعْزِيًّا إلى أحمدَ. والظاهِرُ أنَّ هذا اخْتِيارُ القاضى، وليس بِمذهبٍ لأحمدَ. ولو اشْتَرَى حِنْطَةً، فانْثالَتْ عليها أُخْرَى، لم يَنْفَسِخِ البَيْعُ، والحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الثَّمَرَةِ تَحْدُثُ معها أخرَى. واللهُ أعلمُ.
فصل: إذا باعَ الأَرْضَ وفيها زَرْعٌ لا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةً، كالحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والقَطَانِيِّ (٧)، وما المَقْصودُ منه مُسْتَتِرٌ، كالجَزَرِ، والفُجْلِ، والبَصَلِ، والثُّومِ، وأَشْباهِها، فاشْتَرَطَهُ لِلْمُشْتَرِى، فهو له، قَصِيلًا (٨) كان أو ذا حَبٍّ، مُسْتَتِرًا أو ظَاهِرًا، مَعْلُومًا أو مَجْهُولًا؛ لكونِه دَخَلَ في البَيعِ تَبَعًا (٩) لِلأَرْضِ، فلم يَضُرَّ جهْلُه وعَدَمُ كَمالِه، كما لو اشْتَرَى شَجَرَةً، فاشْتَرَطَ ثمَرَتَها بعد تَأْبيرِها. وإن أُطْلِقَ البَيْعُ، فهو للبائِعِ؛ لأنَّه مُودَعٌ في الأَرْضِ، فهو كالكَنْزِ، والقُماشِ. ولأنَّه يُرادُ لِلنَّقْلِ، فأشْبَهَ الثَّمَرَةَ المُؤَبَّرَةَ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشَّافِعيِّ. ولا أعْلَمُ فيه مُخَالِفًا. ويكونُ للبائِعِ مُبَقًّى في الأَرْضِ إلى حينِ الحَصادِ بغيرِ أُجْرَةٍ؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ حَصَلَتْ مُسْتَثْناةً له، وعليه حَصادُه في أوَّلِ وَقتِ حَصادِه. وإن كان بَقاؤُه انفَعَ له، كقَوْلِنا في الثَّمَرَةِ. وبِهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: عليه نَقْلُه عَقِيبَ البَيْعِ. كقولِه في الثَّمَرَةِ، وقد مضَى (١٠) الكَلَامُ فيها. وهكذا (١١) الحُكْمُ في القَصَبِ الفارِسِيِّ؛ لأنَّ له وَقْتًا يُقْطَعُ فيه، إلَّا أنَّ العُروقَ تكونُ لِلْمُشْتَرِى؛ لأنَّها تُتْرَكُ في الأَرْضِ لِلْبَقاءِ فيها والقَصَبُ نَفْسُه كالثَّمَرةِ، [وإن لم يَظْهَرْ منه] (١٢) شىءٌ فهو لِلْمُشْتَرِى. وأمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ، فإنَّه يُؤْخَذُ مَرَّةً واحِدَةً، فهو كالزَّرْعِ. فإن حَصَدَهُ قبل أوانِ (١٣) الحَصادِ لِيَنْتَفِعَ بالأَرْضِ في غيرِه، لم يَمْلِكْ الانْتِفَاعَ بها؛ لأنَّ
стр. 2750
مَنْفَعَتَها إنَّما حَصَلَتْ مُسْتَثْناةً عن مُقْتَضَى العَقْدِ، ضَرُورَةَ بَقاءِ الزَّرْعِ، فتُقَدَّرُ بِبَقائِه، كالثَّمَرَةِ على الشَّجَرَةِ، وكما لو كان المَبِيعُ طَعامًا لا يُنْقَلُ مثلُه عادَةً إلَّا في شَهْرٍ، لم يُكَلَّفْ إلَّا ذلك، فإن تَكَلَّفَ نَقْلَهُ في يومٍ واحدٍ، لِيَنْتَفِعَ بالدَّارِ في غيره، لم يَجُزْ، كذلك هاهُنا. ومتى حُصِدَ الزَّرْعُ، وبَقِيَتْ له عُروقٌ تَسْتَضِرُّ بها الأَرْضُ، كَعُروقِ القُطْنِ والذُّرَةِ، فعلى البائِعِ إزالَتُها. وإن تَحَفَّرَتِ الأَرْضُ، فعليه تَسْوِيَةُ حُفَرِهَا؛ لأنه اسْتِصْلاحٌ لمِلْكِه، فصارَ كما لو باعَ دارًا فيها خابِيَةٌ (١٤) كَبِيرَةٌ، لا تَخْرُجُ إلَّا بِهَدْمِ بابِ الدَّارِ، فهَدَمَها، كان عليه الضَّمانُ، وكذلك كلُّ نَقْصٍ دَخَلَ على مِلْكِ شَخْصٍ لِاسْتِصْلاحِ مِلْكِ الآخَرِ من غِير إذْنِ الأوَّلِ، ولا فِعْلٍ صَدَرَ عنه النَّقْصُ، واسْتَنَدَ إليه، كان الضَّمانُ على مُدْخِلِ النَّقْصِ.
فصل: وإنْ باعَ أَرْضًا وفيها زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بعد أُخْرَى، فالأُصولُ لِلْمُشْتَرِى، والجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ عند البَيْعِ للبائِعِ، سَواءٌ كان ممَّا يَبْقَى سَنَةً، كالهِنْدِبَا (١٥)، والبُقُولِ، أو أكْثَرَ، كالرَّطْبَةِ (١٦)، وعلى البائِعِ قَطْعُ ما يَسْتَحِقُّه منه في الحالِ، فإنَّه ليس لذلك حَدٌّ ينتهى إليه. ولأنَّ ذلك يَطولُ، ويَخْرُجُ غيرُ ما كان ظَاهِرًا، والزِّيادَةُ من الأُصولِ التى هى مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِى. وكذلك إن كان الزَّرْعُ مما تَكَرَّرُ ثَمَرَتُه، كالقِثَّاءِ، والخِيارِ، والبِطِّيخِ، والباذِنْجانِ، وشِبْهِه، فهو لِلْمُشْتَرِى، والثَّمَرةُ الظَّاهِرَةُ عند البَيْعِ للبائِعِ؛ لأنَّ ذلك ممَّا تَتَكَرَّرُ الثَّمَرةُ فيه، فأشْبَهَ الشَّجَرَ. ولو كان ممَّا تُؤْخَذُ زَهْرَتُه، وتَبْقَى عُروقُه في الأَرْضِ، كالبَنَفْسَجِ، والنَّرْجِسِ، فالأُصُولُ لِلْمُشْتَرِى؛ لأنَّه جُعِلَ في الأَرْضِ لِلْبَقاءِ فيها، فهو كالرَّطْبَةِ، وكذلك أَوْراقُه وغُصونُه؛ لأنَّه لا يُقْصَدُ أخْذُه، فهو كَوَرَقِ الشَّجَرِ وأغْصانِه. وأمَّا زَهْرَتُه، فإن كانت قد تَفَتَّحَتْ، فهى للبائِعِ، وإلَّا فهى لِلْمُشْتَرِى، على ما ذَكَرْناهُ فيما
стр. 2751
مَضَى. واختارَ ابنُ عَقِيلٍ في هذا كلِّه أنَّ البائِعَ إن قال: بِعْتُكَ هذه الأَرْضَ بِحُقوقِها. دَخَلَ فيها، وإن لم يَقُلْ: بِحُقوقِها. فهل يَدْخُلُ؟ على وَجْهَيْنِ، كالشَّجَرِ.
فصل: وإذا اشْتَرَى أرْضًا فيها بَذْرٌ، فَاسْتَحَقَّ المُشْتَرِى أصْلَه، كالرَّطْبَةِ، والنَّعْنَاعِ، والبُقُولِ التى تُجَزُّ مَرَّةً بعد أخْرَى، فهو له؛ لأنَّه تُرِكَ في الأَرْضِ لِلتَّبْقِيَةِ، فهو كأُصولِ الشَّجَرِ. ولأنَّه لو كان ظاهِرًا كان له، فالمُسْتَتِرُ أوْلَى، سواءٌ عَلِقَتْ عُروقُه في الأَرْضِ، أوْ لا. فإن كان بَذْرًا لِمَا يَسْتَحِقُّهُ البائِعُ، فهو له، إلَّا أن يَشْتَرِطَهُ المُبْتاعُ، فيكونَ له. وقال الشَّافِعِيُّ: البَيْعُ باطِلٌ؛ لأنَّ البَذْرَ مَجْهولٌ، وهو مَقْصودٌ. ولنا، أنَّ البَذْرَ يَدْخُلُ تَبَعًا في البَيْعِ، فلم يَضُرَّ جَهْلُه، كما لو اشْتَرَى عَبْدًا، فَاشْتَرَطَ مَالَهُ. ويَجوزُ في التَّابِعِ (١٦) من الغَرَرِ ما لا يَجوزُ في المَتْبوعِ، كَبَيْعِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ مع الشَّاةِ، والحَمْلِ مع الأُمِّ، والسُّقوفِ في الدَّارٍ، وأساساتِ الحِيطانِ، تَدْخُلُ تَبَعًا في البَيْعِ، ولا تَضُرُّ جَهالَتُها، ولا تَجوزُ مُفْرَدَةً. وإن لم يَعْلَمِ المُشْتَرِى بذلك، فله الخِيَارُ في فَسْخِ البَيْعِ وإمْضائِه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ عليه مَنْفَعَةَ الأَرْضِ عامًا. فإن رَضِىَ البائِعُ بتَرْكِه لِلْمُشْتَرِى، أو قال: أنا اُحَوِّلُه. وأَمْكَنَهُ ذلك في زَمَنٍ يَسيرٍ لا يَضُرُّ بمَنافِعِ الأَرْضِ، فلا خِيارَ لِلْمُشْتَرِى، لأنَّه أزالَ العَيْبَ بالنَّقْلِ، أو زادَهُ خَيْرًا بِالتَّرْكِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُه، لأنَّ فيه تَصْحيحًا لِلْعَقْدِ، وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ. وكذلك لو اشْتَرَى [نَخيلًا فيه] (١٧) طَلْعٌ، فبانَ أنَّه مُؤَبَّرٌ، فله الخِيارُ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ المُشْتَرِىَ ثَمَرَةَ عَامِه، ويَضُرُّ بَقاؤُها بِنَخْلِه. فإن تَرَكَها له البائِعُ، لم يكن له خِيارٌ. فإن قال: أنا أَقْطَعُها الآن. لم يَسْقُطْ خِيارُه بذلك؛ لأنَّ ثَمَرَةَ العامِ تَفوتُ، سواءٌ قَطَعَها، أو تَرَكَها. وإن اشْتَرَى أرْضًا فيها زَرْعٌ للبائِعِ، أو شَجَرًا فيه ثَمَرٌ للبائِعِ، والمُشْتَرِى جاهِلٌ بذلك، يَظُنُّ أنَّ الزَّرْعَ والثَّمَرَ له، فله الخِيارُ أيضًا، كما لو جَهِلَ وُجودَهُ، لأنَّه إنَّما رَضِىَ بِبَذْلِ مَالِه عِوَضًا عن
стр. 2752
الأَرْضِ والشَّجَرِ بما فيهما، فإذا بانَ خِلافُ ذلك يَنْبَغِى أن يَثْبُتَ له الخِيارُ، كالمُشْتَرِى لِلْمَعيبِ يَظُنُّه صَحيحًا. وإن اخْتَلَفا في جَهْلِه لذلك، فالقولُ قولُ المُشْتَرِى إذا كان ممَّن يَجْهَلُ ذلك، لِكَوْنِه عَامِّيًّا، فإنَّ هذا ممَّا يَجْهَلُه كَثِيرٌ من النَّاسِ. وإن كان ممَّن يَعْلَمُ ذلك، لم يُقْبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه لا يَجْهَلُه.
فصل: إذا باعَهُ أَرْضًا بحُقوقِها، دَخَلَ ما فيها من غِراسٍ وبِناءٍ في البَيْعِ. وكذلك إذا قال: رَهَنْتُكَ هذه الأَرْضَ بحُقوقِها. دخلَ في الرَّهْنِ غِراسُها وبِناؤُها. وإن لم يَقُلْ: بِحُقوقِها. فهل يَدْخُلُ الغِراسُ والبِناءُ فيهما؟ على وَجْهَيْنِ. ونَصَّ الشَّافِعِيُّ على أنَّهما يَدْخُلانِ في البَيْعِ دون الرَّهْنِ، واخْتَلَفَ أصْحابُه في ذلك؛ فمنهم مَنْ قال: فيهما جَمِيعًا قوْلانِ. ومنهم مَنْ فَرَّقَ بينهما بِكَوْنِ البَيْعِ أَقْوَى، فَيَسْتَتْبعُ البِناءَ والشَّجَرَ، بخِلافِ الرَّهْنِ، ومنهم مَن قال: إنَّهما سواءٌ؛ لأنَّ ما تَبِعَ في البَيْعِ تَبِعَ في (١٨) الرَّهْنِ، كالطُّرُقِ والمَنافِعِ، وفيهما جَمِيعًا وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يَدْخُلُ البِناءُ والشَّجَرُ؛ لأنَّهما من حُقُوقِ (١٩) الأرْضِ، ولذلك يَدْخُلانِ إذا قال: بِحُقُوقِها. وما كان من حُقُوقِها يَدْخُلُ فيها بالإِطْلاقِ، كَطُرُقِها ومَنافِعِها. والثانى، لا يَدْخُلانِ؛ لأنَّهما ليسا من حُقُوقِ الأرْضِ، فلا يَدْخُلانِ في بَيْعِها ورَهْنِها، كالثَّمَرةِ المُؤَبَّرَةِ. ومن نَصَرَ الأوَّلَ فَرَّقَ بينهما؛ بكَوْنِ الثَّمَرةِ تُرادُ لِلنَّقْلِ، وليسَتْ من حُقُوقِها، بخِلافِ الشَّجَرِ والبِناءِ. فإن قال: بِعْتُكَ هذا البُسْتانَ. دَخَلَ فيه الشَّجَرُ؛ لأنَّ البُسْتانَ اسْمٌ للأرْضِ، والشَّجَرِ، والحائِطِ؛ ولذلك لا تُسَمَّى الأرْضُ المَكْشُوفَةُ بُسْتانًا. قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَدْخُلُ فيه البِناءُ؛ لأنَّ ما دَخَلَ فيه الشَّجَرُ دَخَلَ فيه البِناءُ، ويَحْتَمِلُ أن لا يَدْخُلَ.
فصل: وإن باعَهُ شَجَرًا، لم تَدْخُلِ الأرْضُ في البَيْعِ. ذَكَرَهُ أبو إسْحاقَ ابنُ شَاقْلَا؛ لأنَّ الاسْمَ لا يَتَناوَلُها، ولا هى (١٩) تَبَعٌ لِلْمَبِيعِ.
стр. 2753
فصل: وإن قال: بِعْتُكَ هذه القَرْيَةَ. فإن كانَتْ في اللَّفْظِ قَرِينَةٌ، مثلُ المُساوَمَةِ على أرْضِها، أو ذِكْرِ الزَّزعِ والغَرْسِ فيها، وذِكْرِ حُدُودِها، أو بَذْلِ ثَمَنٍ لا يَصْلُحُ إلَّا فيها وفى أَرْضِها، دَخَلَ في البَيْعِ؛ لأنَّ الاسْمَ يجوزُ أن يُطْلَقَ عليها مع أَرْضِها، والقَرِينَةُ صارِفَةٌ إليه ودالَّةٌ عليه، فأشْبَه ما لو صَرَّحَ به، وإن لم يكن قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إلى ذلك، فَالبَيْعُ يَتَنَاوَلُ البُيُوتَ، والحِصْنَ الدَّائِرَ عليها، فإنَّ القَرْيَةَ اسْمٌ لذلك، وهو مَأْخُوذٌ من الجَمْعِ؛ لأنَّه يَجْمَعُ النَّاسَ، وسواءٌ قال: بِحُقُوقِها. أو لم يَقُلْ. وأمَّا الغِراسُ بين بُنْيانِها، فحُكْمُه حُكْمُ الغِراسِ في الأَرْضِ، إن قال: بِحُقُوقِها. دَخَلَ، وإن لم يَقُلْ، فعلى وَجْهَيْنِ.
فصل: وإن باعَهُ دارًا بِحُقُوقِهَا، تَناوَلَ البَيْعُ أرْضَها، وبناءَها، وما هو مُتَّصِلٌ بها، مِمَّا هو من مَصْلَحَتِها، كالأبْوابِ المَنْصُوبَةِ، والخَوابِى المَدْفُونَةِ، والرُّفُوفِ المُسَمَّرَةِ، والأوْتادِ المَغْرُوزَةِ، والحَجَرِ المَنْصُوبِ من الرَّحا، وأشْباهِ ذلك. ولا يَدْخُلُ في البَيْعِ ما ليس من مَصالِحِها، كالكَنْزِ، والأحْجارِ المَدْفُونَةِ؛ لأنَّ ذلك مُودَعٌ فيها لِلنَّقْلِ عنها، فأشْبَه الفَرْشَ، والسُّتُورَ، ولا ما كان مُنْفَصِلًا عنها يَخْتَصُّ بِمَصْلَحَتِها، كالفَرْشِ، والسُّتُورِ، والطَّعامِ، والرُّفُوفِ المَوْضُوعَةِ على الأوْتادِ بغير تَسْمِيرٍ، ولا غَرْرٍ في الحائِطِ، والْحَبْلِ (٢٠)، والدَّلْوِ، والبَكَرَةِ، والقُفْلِ، وحَجَرِ الرَّحَى، إذا لم يكن واحدٌ منهما مَنْصُوبًا، والخَوابِى المَوْضُوعَةِ مِن غيرِ أن يُطَيَّنَ عليها، ونحوِه؛ لأنَّه مُنْفَصِلٌ عنها، لا يَخْتَصُّ بمَصْلَحَتِها، فأشْبَه الثِّيابَ. وأمَّا ما كان من مَصالِحِها، لكنَّه مُنْفَصِلٌ عنها، كالمِفْتاحِ، والحَجَرِ الفَوْقانِيِّ من الرَّحا إذا كان السُّفْلانِيُّ مَنْصُوبًا، فيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، يَدْخُلُ في البَيْعِ؛ لأنَّه لِمَصْلَحَتِها، فأشْبَه المَنْصُوبَ فيها. والثانى، لا يَدْخُلُ؛ لأنَّه مُنْفَصِلٌ عنها، فأشْبَه السُّفْلانِيَّ إذا لم يكُنْ مَنْصُوبًا، والقُفْلَ، والدَّلْوَ، ونحوَهما. ومَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ في هذا كمذهبِنا سواءً.
стр. 2754
فصل: وما كان في الأرْضِ من الحِجارَةِ المَخْلُوقَةِ فيها، أو مَبْنِيٍّ عليها (٢١)، كأساساتِ الحِيطانِ المُتَهَدِّمَةِ، فهى (٢٢) لِلْمُشْتَرِى بالبَيْعِ؛ لأنَّه من أجْزائِها، فهى كَحِيطانِها، وتُرابِها، والمَعادِنِ الجامِدَةِ فيها، والآجُرُّ كالحِجارَةِ في هذا. وإذا كان المُشْتَرِى عالِمًا بذلك، فلا خِيارَ له. وإن لم يكن عالِمًا به، وكان ذلك يَضُرُّ بالأرْضِ، ويَنْقُصُها، كالصَّخْرِ المُضِرِّ بِعُرُوقِ الشَّجَرِ، فهو عَيْبٌ، ولِلْمُشْتَرِى الخِيارُ بين الفَسْخِ وأخْذِ الثَّمنِ، أو الإِمْساكِ وأخْذِ أرْشِ العَيْبِ، كما في سائِرِ المَبِيعِ. فأمَّا إن كانتِ الحِجارَةُ أو الآجُرُّ مُودَعًا فيها لِلنَّقْلِ عنها، فهى لِلبائِعِ، كالكَنْزِ، وعليه نَقْلُها، وتَسْوِيَةُ الأرْضِ إذا نَقَلَها، وإصْلاحُ الحُفَرِ؛ لأنَّه ضَرَرٌ لَحِقَ لاسْتِصْلاحِ مِلْكِه، فكان عليه إزَالَتُه. وإن كان قَلْعُها يَضُرُّ بالأرْضِ، أو تَتَطاوَلُ مُدَّتُه، ولم يكُنِ المُشْتَرِى عالِمًا، فله الخِيارُ كما ذَكَرْنا؛ لأنَّه عَيْبٌ. وإن لم يكُنْ في نَقْلِها ضَرَرٌ، ويمكنُ نَقْلُها في أيامٍ يَسِيرَةٍ، كالثَّلاثةِ فما دونَ، فلا خِيارَ له، وله مُطالَبَةُ البائِعِ بِنَقْلِها في الحالِ؛ لأنَّه لا عُرْفَ في تَبْقِيَتِها، بخِلافِ الزَّرْعِ. وإن كان عالِمًا بالحالِ، فلا خِيارَ له، ولا أُجْرَةَ في الزَّمانِ الذى نُقِلَتْ فيه؛ لأنَّه عَلِمَ بذلك ورَضِىَ، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى أرْضًا فيها زَرْعٌ. وإن لم يَعْلَمْ، واخْتارَ إمْساكَ المَبِيعِ، فهل له أُجْرَةٌ لِزَمانِ النَّقْلِ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، له ذلك؛ لأن المَنافِعَ مَضْمُونَةٌ على المُتْلِفِ، فكان عليه بَدَلُها، كالأَجْزَاءِ. والثانى، لا يَجِبُ؛ لأنَّه لَمَّا رَضِىَ بإمْساكِ المَبِيعِ رَضِىَ (٢٣) بِتَلَفِ المَنْفَعَةِ في زَمانِ النَّقْلِ، فإن لم يَخْتَرِ الإِمْساكَ، فقال البائِعُ: أنا أدَعُ ذلك لك. وكان ممَّا لا ضَرَرَ في بَقائِه، لم يكنْ له خِيارٌ؛ لأنَّ الضَّرَرَ زالَ عنه.
فصل: فإن كان في الأرْضِ مَعادِنُ جامِدَةٌ، كمَعَادِنِ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ،
стр. 2755
والحَدِيدِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، ونحوِها، دَخَلَتْ في البَيْعِ، ومُلِكَتْ بمِلْكِ الأرْضِ التى هى فيها؛ لأنَّها من أجْزائِها، فهى كتُرابِها وأحْجارِها، ولكنْ لا يُباعُ مَعْدِنُ الذَّهَبِ بِذَهَبٍ، ولا مَعْدِنُ الفِضَّةِ بِفِضَّةٍ، ويجوزُ بَيْعُها بغيرِ جِنْسِها. وإن ظَهَرَ في الأرْضِ مَعْدِنٌ لم يَعْلَمِ البائِعُ به، فله الخِيارُ؛ لأنَّه زِيَادَةٌ لم يَعْلَمْ بها، فأشْبَهَ ما لو باعَهُ ثَوْبًا على أنه عشرةٌ، فبانَ أحَدَ عَشَرَ. هذا إذا كان قد مَلَكَ الأرْضَ بإحْياءٍ أو إقْطاعٍ. وقد رُوِىَ أنَّ وَلَدَ بِلالِ بن الحارِثِ باعُوا عُمَرَ بنَ عبدِ العَزِيزِ أرْضًا، فظَهَرَ فيها مَعْدِنٌ، فقالوا: إنَّمَا بِعْنا الأرْضَ، ولم نَبعِ المَعْدِنَ. وأتَوْا عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ بالكِتابِ الذى فيه قَطِيعَةُ النَّبِيِّ ﷺ لأَبِيهِم، فأخَذَهُ عُمَرُ فَقَبَّلَه، ورَدَّ عليهم المَعْدِنَ (٢٤). وإن كان البائِعُ مَلَكَ الأرْضَ بالبَيْعِ، احتَمَلَ أنْ لا يكونَ له خِيارٌ؛ لأنَّ الحَقَّ لغيرِه، وهو المالِكُ الأولُ. واحْتَمَلَ أنْ يكونَ له الخِيارُ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا ثم باعَهُ ولم يَعْلَمْ عَيْبَهُ، فإنَّه يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ عليه، وإن كان قد باعَهُ مثل ما اشْتراهُ. وقد رَوَى أبو طالِبٍ، عن أحمدَ، أنَّه (٢٥) إذا ظَهَرَ المَعْدِنُ في مِلْكِه مَلَكَهُ. وظاهِرُ هذا أنَّه لم يَجْعَلْه للبائِعِ، ولا جَعَلَ له خِيارًا؛ لأنَّه مِن أجْزاءِ الأرْضِ، فأشْبَهَ ما لو ظَهَرَ فيها حِجارَةٌ لها قِيمَةٌ كَبِيرَةٌ.
فصل: وإذا كان في الأرْضِ بِئْرٌ أو عَيْنٌ مُسْتَنْبَطَةٌ، فنَفْسُ البِئْرِ وأرضُ العَيْنِ مَمْلُوكَةٌ لمالِكِ الأرْضِ، والماءُ الذى فيها غيرُ مَمْلُوكٍ، لأنَّه يَجْرِى من تَحْتِ الأرْضِ إلى مِلْكِه، فأشْبَهَ الماءَ الجارِىَ في النَّهْرِ إلى مِلْكِه، وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشَّافِعِيِّ. والوجه الآخَرُ، يَدْخُلُ في المِلْكِ؛ لأنَّه نَماءُ المِلْكِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه يُمْلَكُ؛ فإنَّه قال في رجُلٍ له أرْضٌ ولآخَرَ ماءٌ، فيَشْتَرِكُ صاحِبُ الأرْضِ وصاحِبُ الماءِ في الزَّرْعِ، ويكون بينهما؟ فقال: لا بأْسَ. اخْتارَهُ أبو بكرٍ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ الماءَ مَمْلُوكٌ لِصاحِبِه، وفى مَعْنَى الماءِ، المَعادِنُ الجارِيَةُ
стр. 2756
في الأمْلاكِ، كالقارِ، والنِّفْطِ، والمُومِياءِ، والمِلْحِ. وكذلك الحُكْمُ في النَّابِتِ في أرْضِه من الكَلَأِ والشَّوْكِ، ففى كلِّ ذلك يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَيْنِ في الماءِ. والصَّحِيحُ أنَّ الماءَ لا يُمْلَكُ، فكذلك هذه. قال أحْمَدُ: لا يُعْجِبُنِى بَيْعُ الماءِ ألْبَتَّةَ. قال الأثرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن قَوْمٍ بينهم نَهْرٌ تَشْرَبُ منه أَرَضُوهم، لهذا يَوْمٌ، ولهذا يَوْمانِ، يَتَّفِقُونَ عليه بالحِصَصِ، فجاءَ يَوْمِى ولا أحْتاجُ إليه، أُكْرِيهِ بِدَراهِمَ؟ قال: ما أدْرِى، أمَّا النَّبِيُّ ﷺ فنَهَى عن بَيْعِ الماءِ. قِيلَ: إنَّه ليس يَبِيعُه، إنَّمَا يُكْرِيهِ. قال: إنَّمَا احْتالُوا بهذا ليُحَسِّنُوه، فأيُّ شىءٍ هذا إلَّا البَيْعَ! ورَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه عن جابِرٍ، وإياسِ بنِ عبدٍ المُزَنِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أن يُباعَ الماءُ (٢٦). ورُوِىَ أيضًا عن رَجُلٍ من أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ في ثَلَاثٍ: في الماءِ والنَّارِ والكَلَأِ". رَواهُ (٢٧) أبو عُبَيْدٍ، في كِتابِ "الأَمْوالِ" (٢٨)، فإذا قلنا: لا يُمْلَكُ. فصَاحِبُ الأرْضِ أحَقُّ به من غيرِه؛ لِكَوْنِه في مِلْكِه، فإن دَخَلَ غيرُه بغيرِ إذْنِه، فأخَذَهُ مَلَكَهُ؛ لأنَّه مُباحٌ في الأصْلِ، فأشْبَه ما لو عَشَّشَ في أرْضِه طائِرٌ، أو دَخَلَ فيها ظَبْيٌ، أو نَضَبَتْ عن سَمَكٍ، فدَخَلَ إليه داخِلٌ فأخَذَه، وأمَّا ما يَحُوزُه من الماءِ في إنائِه، أو يَأْخُذُه من الكَلَأِ في حَبْلِه (٢٩)، [أو يَحُوزُه في رَحْلِه] (٣٠)، أو يَأْخُذُه من المَعادِنِ، فإنه يَمْلِكُه بذلك (٣١)، وله بَيْعُه بلا خِلافٍ بين
стр. 2757
أهْلِ العِلْمِ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لَأَنْ يَأْخُذَ أحَدُكُمْ حَبْلًا، فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ، فيَبِيعَ، فَيَكُفَّ اللهُ بِهِ وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أُعْطِىَ أو مُنِعَ". رواهُ البُخَارِيُّ (٣٢). ورَوَى أبو عُبَيْدٍ في "الأمْوالِ" (٣٣)، عن المَشْيَخةِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الماءِ إلَّا ما حُمِلَ منه. وعلى ذلك مَضَتِ العادَةُ في الأمْصارِ بِبَيْعِ الماءِ في الرَّوايا، والحَطَبِ، والكَلَأِ، من غيرِ نَكِيرٍ، وليس لأحدٍ أن يَشْرَبَ منه، ولا يَتَوَضَّأَ، ولا يَأْخُذَ إلَّا بإذْنِ مالِكِه. وكذلك لو وَقَفَ على بِئْرِه، أو بِئْرٍ مُباحٍ فاسْتَقَى بِدَلْوِه، أو بدُولابٍ أو نحوِه، فما يُرَقِّيهِ من الماءِ، فهو مِلْكُهُ، وله بَيْعُه؛ لأنَّه مَلَكَهُ بأَخْذِه في إنائِه. قال أحمدُ: إنَّما نُهِىَ عن بَيْعِ فَضْلِ ماءِ البِئْرِ والعُيُونِ في قَرَارِه. ويَجُوزُ بَيْعُ البِئْرِ نَفْسِها، والعينِ، ومُشْتَرِيها أحَقُّ بمَائِها. وقد رُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنْ يَشْتَرِى بِئْرَ رُومَةَ (٣٤) يُوَسِّعُ بِهَا عَلَى المُسْلِمينَ وَلَهُ الجَنَّةُ"، أو كما قال. فاشْتَراها عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، من يَهُودِيٍّ، بأَمْرِ النَّبيِّ ﷺ ، وسَبَّلَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وكان اليَهُودِيّ (٣٥) يَبِيعُ ماءَها (٣٦). ورُوِىَ أنَّ عُثْمانَ اشْتَرَى منه (٣٧) نِصْفَها باثْنَىْ عشرَ ألْفًا، ثم قال اليَهُودِيُّ: اخْتَرْ، إمَّا أن تَأْخُذَهَا يَوْمًا وآخُذَها أنا (٣٨) يَوْمًا، وإمَّا أن نَنْصِبَ لك عليها دَلْوًا، وأنْصِبَ عليها دَلْوًا. فاخْتَارَ يَوْمًا ويَوْمًا، فكان الناسُ يَسْتَقُونَ منها في يومِ عُثمانَ لِلْيَوْمَيْنِ، فقال
стр. 2758
اليَهُودِيُّ. أفْسَدْتَ عَلَيَّ بِئْرِى، فاشْتَرِ بَاقِيَها. فاشْتَراهُ بِثَمَانِيَةِ آلافٍ. وفى هذا دَلِيلٌ على صِحَّةِ بَيْعِها، وتَسْبِيلِها، وصِحَّةِ بَيْعِ ما يَسْتَقِيهِ منها، وجَوازِ قِسْمَةِ مائِها بالمُهَايَأَةِ (٣٩)، وكَوْنِ مالِكِها أحَقَّ بِمائِها (٤٠)، وجَوازِ قِسْمَةِ ما فيه حَقٌّ وليس بِمَمْلُوكٍ. فأمَّا المِياهُ الجارِيَةُ، فما كان نابِعًا في غير مِلْكٍ، كالأنْهَارِ الكِبارِ، وغيرِها، لم تُمْلَكْ بحالٍ، ولو دَخَلَ إلى أرْضِ رَجُلٍ، لم يَمْلِكْهُ بذلك، كالطَّيْرِ يَدْخُلُ إلى أرْضِه، ولكلِّ أحدٍ أخْذُه. ولا يَمْلِكُه، إلَّا أن يَجْعَلَ له في أرْضِه مُسْتَقَرًّا، كالبِرْكَةِ، والقَرارَةِ (٤١)، أو يَحْتَفِرَ سَاقِيَةً، يأْخُذُ فيها من ماءِ النَّهْرِ الكَبِيرِ، فيكونُ أحَقَّ بذلك الماءِ من غيرِه، كَنقْعِ البِئْرِ، وإن كان ما يَسْتَقِرُّ في البِرْكَةِ لا يَخْرُجُ منها، فالأوْلَى أَنه يَمْلِكُه بذلك على ما سَنَذْكُرُه في مِياهِ الأمْطارِ. وما كان نابِعًا أو مُسْتَنْبَطًا كالقُنِيِّ، فهو كَنقْعِ البِئْرِ، وفيه من الخِلافِ ما فيه، فأمَّا المَصانِعُ المُتَّخَذَةُ لِمياهِ الأمْطارِ تُجْمَعُ فيها، ونحوُها من البِرَكِ وغيرِها، فالأولَى أنَّه يمْلكُ ماءَها، ويَصِحُّ بَيْعُه إذا كان مَعْلُومًا؛ لأنَّه مُبَاحٌ حَصَّلَه بشىءٍ مُعَدٍّ له، فملَكَه، كالصَّيْدِ يَحْصُلُ في شَبَكَتِه، والسَّمَكِ في بِرْكَةٍ مُعَدَّةٍ له، ولا يجُوزُ أخْذُ شىءٍ منه إلَّا بإذْنِ مالِكِه.
٧٢٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا اشْتَرَى الثَّمَرةَ دُونَ الأَصْلِ، ولَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا على التَّرْكِ إلى الجِزَازِ، لم يَجُزْ. وإن اشْتَراها عَلَى القَطْعِ، جَازَ)
لا يَخْلُو بَيْعُ الثَّمَرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها من ثَلاثَة أَقْسَامٍ؛ أحدُها، أن يَشْتَرِيَها بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فلا يَصِحُّ البَيْعُ إجْماعًا، لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الثِّمَارِ حتى يَبْدُوَ صَلَاحُها. نهى البائِعَ والمُبْتَاعَ. مُتَّفَقٌ عليه (١). النَّهْيُ يَقْتَضِى فَسادَ المَنْهِيِّ
стр. 2759
عنه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على القَوْلِ بجُمْلَةِ هذا الحَدِيثِ. القسم الثانى، أن يَبِيعَها بِشَرْطِ القَطْعِ في الحال، فيَصِحُّ بالإِجْماعِ؛ لأنَّ المَنْعَ إنَّمَا كان خَوْفًا مِن تَلَفِ الثَّمَرَةِ، وحُدُوثِ العاهَةِ عليها قبلَ أخْذِها؛ بِدَلِيلِ ما رَوَى أنَسٌ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الثِّمَارِ حتى تَزْهُوَ (٢). قال: "أرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أحَدُكُمْ مَالَ أخِيهِ؟ ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣). وهذا مأْمُونٌ فيما يُقْطَعُ، فصَحَّ بَيْعُه كما لو بَدا صَلاحُه. القسم الثالث، أن يَبِيعَها مُطْلَقًا، ولم يَشْتَرِطْ قَطْعًا ولا تَبْقِيَةً، فالبَيْعُ باطِلٌ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِيُّ. وأجازَهُ أبو حنيفةَ؛ لأنَّ إطْلاقَ العَقْدِ يَقْتَضِى القَطْعَ، فهو كما لو اشْتَرَطَه، قال: ومَعْنَى النَّهْى، أن يَبِيعَها مُدْرِكَةً قبلَ إدْراكِها، بِدَلالَةِ قوله: "أرَأَيْتَ إن مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أحَدُكُمْ مَالَ أخِيهِ؟ ". فلَفْظَةُ المَنْعِ تَدُلُّ على أنَّ العَقْدَ يَتَناوَلُ مَعْنًى، وهو مَفْقُودٌ في الحالِ حتى يُتَصَوَّرَ المَنْعُ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أطْلَقَ النَّهْىَ عن بَيْعِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها. فيَدْخلُ فيه مَحَلُّ النِّزَاعِ، واسْتِدْلالُهم بِسِياقِ الحَدِيثِ يدُلُّ (٤) على هَدْمِ قاعِدَتِهِمْ التى قَرَّرُوها، في أنَّ إطْلاقَ العَقْدِ يَقْتَضِى القَطْعَ، ويُقرِّرُ ما قُلْنا، من أنَّ (٥) إطْلاقَ العَقْدِ يَقْتَضِى (٦) التَّبْقِيَةَ، فيَصِيرُ العَقْدُ المُطْلقُ كالذى شُرِطَتْ فيه التَّبْقِيَةُ،
стр. 2760
يَتَناوَلُهما النَّهْىُ جَمِيعًا، ويَصِحُّ تَعْلِيلُهُما بالعِلَّةِ التى عَلَّلَ بها النَّبِيُّ ﷺ ، مِن مَنْعِ الثَّمَرَةِ وهَلاكِها.
فصل: وبَيْعُ الثَّمَرَةِ قبل بُدُوِّ صَلاحِها مِن غيرِ شَرْطِ القَطْعِ على ثَلَاثَةِ أصْرُبٍ أحدُها، أن يَبِيعَها مُفْرَدةً لغير مالِكِ الأصْلِ، فهذا الضَّرْبُ الذى ذَكَرْنا حُكْمَه، وبَيَّنَّا بُطْلَانَهُ. الثانى، أن يَبِيعَها مع الأَصْلِ، فيجوزُ بالإجْماعِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : "مَنِ ابْتاعَ نَخْلًا بَعْدَ أنْ تُؤَبَّرَ، فثَمَرَتُها لِلَّذِى باعَهَا، إلَّا أن يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ" (٧). ولأنَّه إذا باعَها مع الأصْلِ حَصَلَتْ تَبَعًا في البَيْعِ (٨)، فلم يَضُرَّ احْتِمالُ الغَرَرِ فيها، كما احتُمِلَتِ الجَهالَةُ في بَيْعِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ مع بَيْعِ الشَّاةِ، والنَّوَى في التَّمْرِ مع التَّمْرِ، وأساساتِ الحِيطانِ في بَيْعِ الدَّارِ. الثالث، أن يَبِيعَها مُفْرَدَةً لِمَالِكِ الأصْلِ، نحوُ أن تكونَ لِلبائِعِ ولا يَشْتَرِطُها المُبْتاعُ، فيَبِيعَها له بعدَ ذلك، أو يُوصِىَ لِرَجُلٍ بِثَمَرَةِ نَخْلَتِه (٩)، فيَبِيعَها لِوَرَثَةِ المُوصِى، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَصِحُّ البَيْعُ، وهو المَشْهُورُ من قَوْلِ مالِكٍ، وأحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه يَجْتَمِعُ الأصْلُ والثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِى، فيَصِحُّ، كما لو اشْتَراهُما معًا. ولأنَّه إذا باعَها لمالِكِ الأصْلِ حَصَلَ التَّسْلِيمُ إلى المُشْتَرِى على الكَمالِ؛ لكَوْنِه مالِكًا لأُصُولِها وقَرارِها، فصَحَّ، كبَيْعِها مع أَصْلِها. والثانى، لا يَصِحُّ. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ العَقْدَ يَتَناوَلُ الثَّمَرَةَ خاصَّةً، والغَرَرَ فيما يَتَناوَلُه العَقْدُ أصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو كانتِ الأُصُولُ لأجْنَبِيٍّ، ولأنَّها تَدْخُلُ في عُمُومِ النَّهْىِ، بِخِلافِ ما إذا باعَهُما معًا، فإنَّه مُسْتَثْنًى بالخَبَرِ المَرْوِيِّ فيه، ولأنَّ الغَرَرَ فيما يَتَناوَله العَقْدُ أصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، وفيما إذا باعَهُما معًا تَدْخُلُ الثَّمَرَةُ تَبَعًا، ويجوزُ في التَّابِعِ من الغَرَرِ ما لا يجوزُ في المَتْبُوعِ، كما يجوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ، والْحَمْلِ مع الشَّاةِ،
стр. 2761
وغيرِهما. وإن باعَهُ الثَّمَرَ، بِشَرْطِ القَطْعِ في الحالِ، صَحَّ، وَجْهًا واحِدًا، ولا يَلْزَمُ المُشْتَرِىَ الوَفاءُ بالشَّرْطِ؛ لأنَّ الأصْلَ له.
فصل: ولا يجُوزُ بَيْعُ الزَّرْعِ الأخْضَرِ في الأرْضِ إلَّا بِشَرْطِ القَطْعِ في الحالِ، كما ذَكَرْنا في الثَّمَرَةِ على الأُصُولِ؛ لما رَوَى مُسْلِمٌ (١٠)، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ النَّخْلِ حتى يزْهُوَ (١١)، وعن بَيْعِ السُّنْبُلِ حتى يَبْيَضَّ ويَأْمَنَ العَاهَةَ. نَهَى البائِعَ والمُشْتَرِىَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ أحَدًا يَعْدِلُ عن القَوْلِ به. وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأهْلِ المَدِينَةِ، وأهْلِ البَصْرَةِ، وأصْحابِ الحَدِيثِ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. فإن باعَهُ مع الأرْضِ، جازَ، كَبَيْعِ الثمَرةِ مع الأَصْلِ، وإن باعَهُ لمالِكِ الأرْضِ، ففيه وَجْهانِ، على ما ذَكَرْنا في الثمَرةِ تُباعُ من مالِكِ الأصْلِ. وقال أبو الخَطَّابِ: يجوزُ. وإن باعَهُ إيَّاه بِشَرْطِ القَطْعِ، جازَ، وَجْهًا واحِدًا، ولم يَلْزَمِ المُشْتَرِىَ الوَفاءُ بالشَّرْطِ؛ لأنَّ الأصْلَ له، فهو كَبَيْعِ الثَّمَرَةِ من مالِكِ الأصْلِ بِشَرْطِ القَطْعِ. وإذا اشْتَدَّ حَبُّ الزَّرْعِ، جازَ بَيْعُه مُطْلَقًا، وبِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ في الحديث: "حتى يَبْيَضَّ". فَجَعَلَ ذلك غايَةَ المَنْعِ من بَيْعِه، فيَدُلُّ على الجَوازِ بعدَه. وفي رِوَايَةٍ، نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن بَيْعِ العِنَبِ حتى يَسْوَدَّ، وعن بَيْعِ الحَبِّ حتى يَشْتَدَّ (١٢). ولأنَّه إذا اشْتَدَّ حَبُّه بَدَا صَلاحُه، فصار كالثَّمَرةِ إذا بَدا
стр. 2762
صَلاحُها. وإذا اشْتَدَّ شىءٌ من حَبِّه، جاز بَيْعُ جَمِيعِ ما في البُسْتانِ من نَوْعِه، كالشَّجَرَةِ إذا بَدا الصَّلاحُ في شىءٍ منها.
فصل: ذكر (١٣) القاضِى في الصُّلْحِ قال: وإذا اعْتَرَفَ لِرَجُلٍ بِزَرْعٍ ثم صالَحَهُ منه بِعِوَضٍ، صَحَّ فيما يَصِحُّ في البَيْعِ، وبَطَلَ فيما يَبْطُلُ فيه. ولو ادَّعَى اثْنَانِ زَرْعًا في يَدِ آخَرَ، فأقَرَّ لهما به، فالزَّرْعُ بينهما نِصْفانِ، فإن صالَحَ (١٤) أحَدُهما عن حَقِّه منه قبل اشْتِدادِ حَبِّه، لم يَجُزْ، سَواءٌ شَرَطَ القَطْعَ، أو أطْلَقَ؛ لأنَّه إن أطْلَقَ بَطَلَ، لِلنَّهْىِ عن بَيْعِ المُخاضَرَةِ (١٥)، وإن شَرَطَ القَطْعَ لم يُمْكِنه قَطْعُ نَصِيبِه إلَّا بِقَطْعِ الزَّرْعِ كلِّه. وإن كانتِ الأرْضُ لِلْمُقِرِّ، احتَمَلَ أن يَصِحَّ، واحْتَمَلَ أنْ لا يَصِحَّ، بِناءً على الوَجْهَيْنِ فيما إذا اشْتَرَى زَرْعًا أخضرَ في أرْضٍ مَمْلُوكَةٍ له، ولو كانتِ الأرْضُ لِرَجُلٍ، والزَّرْعُ لآخَرَ، فقال أحَدُهما: صالِحْنِى من نِصْفِ أرْضِى على نِصْفِ زَرْعِكَ، فيكون الزَّرْعُ والأرْضُ بيْننا نِصْفَيْنِ. فإن كان بعد اشْتِدادِ حَبِّه جازَ؛ لأنَّه يجوزُ بَيْعُه، وإن كان قبلَ ذلك، فهل يَجوزُ؟ على وَجْهَيْنِ؛ بناءً على بَيْعِ الزَّرْعِ من مالِكِ الأرْضِ، وذلك لأنَّه يَبِيعُ نِصْفَ الزَّرْعِ لمالِكِ الأرْضِ، ويَشْتَرِى منه نِصْفَ الأرْضِ التى له فيها الزَّرْعُ، وإن شَرَطا في البَيْعِ أن يَقْطَعا الزَّرْعَ جَمِيعَه، ويُسَلِّمَ الأرْضَ فارِغَةً، ففيه وَجْهَانِ أيضًا؛ أحَدُهُما، يَصِحُّ؛ لاشْتِراطِهِما قَطْعَ كلِّ الزَّرْعِ وتَفْرِيغَ الأرْضِ منه، واحتَمَلَ أن يَبْطُلَ؛ لأنَّ صاحِبَ الأرْضِ باعَهُ نِصْفَ الأرْضِ بِشَرْطِ قَطْعِ زَرْعِ غيره؛ لِيُسَلِّمَ إليه أرْضَهُ. وإن قُلْنا: يَصِحُّ. لم يَلْزَمِ الوَفاءُ بالشَّرْطِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما حَصَلَ زَرْعُهُ في أرْضِه، فلم يَلْزَمْهُ قَطْعُه.
فصل: وإذا اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ الثَّمرَةِ قبل بُدُوِّ صَلَاحِها، أو نِصْفَ الزَّرْعِ
стр. 2763
قبلَ اشْتِدادِ حَبِّه مُشاعًا، لم يَجُزْ، سواءٌ اشْتَراهُ من رَجُلٍ، أو من أكْثَرَ منه، وسواءٌ شَرَطَ القَطْعَ، أو لم يَشْرُطْه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه قَطْعُه إلَّا بِقَطْعِ ما لا يَمْلِكُه، فلم يَصِحَّ اشْتراطُه.
فصل: والقُطْنُ ضَرْبانِ؛ أحَدُهُما، مالَه أصْلٌ يَبْقَى في الأرْضِ أعْوامًا، كالشَّجَرِ تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُه، فهذا حُكْمُه حُكْمُ الشَّجَرِ، في أنَّه يَصِحُّ إفْرادُه بِالبَيْعِ، وإذا بِيعَتِ الأرْضُ بِحُقُوقِها دَخَلَ في البَيْعِ، وثَمَرُه كالطَّلْعِ إن تَفتَّحَ فهو لِلْبائِعِ، وإلَّا فهو لِلْمُشْتَرِى. والثاني، ما يَتَكَرَّرُ زَرْعُه كلَّ عامٍ، فحُكْمُه حُكْمُ الزَّرْعِ، ومتى كان جَوْزُه ضَعِيفًا رَطْبًا، لم يَقْوَ ما فيه، لم يَجُزْ بَيْعُه إلَّا بِشَرْطِ القَطْعِ، كالزَّرْعِ الأخْضَرِ، وإن قَوِىَ جَوْزُه (١٦) واشْتَدَّ، جازَ بَيْعُه بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، كالزَّرْعِ الذى اشْتَدَّ حَبُّهُ، وإذا بِيعَتِ الأرْضُ لم يَدْخُلْ في البَيْعِ إلَّا أن يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ. والباذِنْجانُ نَوْعانِ؛ أحَدُهما، ما له شَجَرٌ تَبْقَى أُصُولُه وتَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُه، فهو كالشَّجَرِ. والثاني، ما يَتَكَرَّرُ زَرْعُه كلَّ عَامٍ، فهو كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ.
٧٢٣ - مسألة؛ قال: (فَإنْ تَرَكَها حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُها، بَطَلَ البَيْعُ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحْمَدَ، ﵀، في مَن اشْتَرى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، فتَرَكَها حتى بَدا صَلاحُها، فنَقَلَ عنه حَنْبَلٌ، وأبو طالِبٍ: أنَّ البَيْعَ يَبْطُلُ. قال القاضى: هى أصَحُّ. فعلى هذا يَرُدُّ المُشْتَرِى الثَّمَرةَ إلى البائِعِ، ويَأْخُذُ الثَّمَنَ. ونقلَ أحْمَدُ بن سَعِيدٍ، أنَّ البَيْعَ لا يَبْطُلُ. وهو قولُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ أكْثَرَ ما فيه أنَّ المَبِيعَ اخْتَلَطَ بغيرِه، فأشْبَه ما لو اشْتَرَى ثَمَرةً، فَحَدَثَتْ ثَمَرةٌ أُخْرَى، ولم تَتَمَيَّزْ، أو حِنْطَةً فانْثَالَتْ عليها أُخْرَى، أو ثَوْبًا، فاخْتَلَطَ بغيرِه. ونَقَلَ عنه أبو داودَ، في من اشْتَرَى قَصِيلًا، فَمرِضَ، أو تَوَانَى حتى صَارَ شَعِيرًا. قال: إن أرادَ به حِيلَةً فَسَدَ البَيْعُ، وإلَّا لم يَفْسُدْ. والظَّاهِرُ: أنَّ هذه تَرْجِعُ إلى ما نَقَلَهُ ابنُ سَعِيدٍ، فإنَّه
стр. 2764
يَتَعَيَّنُ حَمْلُ ما نَقَلَهُ أحْمَدُ بن سَعِيدٍ في صِحَّةِ البَيْعِ على من لم (١٧) يُرِدْ حِيلَةً، فإن أرادَ الحِيلَةَ، وقَصَدَ بِشَرْطِه القَطْعَ الحِيلَةَ على إبْقائِه، لم يَصِحَّ بحالٍ، إذ قد ثَبَتَ من مذهبِ أحمدَ أنَّ الحِيَلَ كلَّها باطِلَةٌ. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الثَّمرَةِ قبل بُدُوِّ صَلَاحِهَا (١٨). فاسْتَثْنَى منه ما اشْتَراهُ بِشَرْطِ القَطْعِ، فقَطَعَهُ بالإِجْماعِ، فيَبْقَى ما عَداه على أصْلِ التَّحْرِيمِ، ولأنَّ التَّبْقِيَةَ مَعْنًى حَرَّمَ الشَّرْعُ اشْتراطَه لِحَقِّ اللَّه تعالى، فأبْطَلَ العَقْدُ وُجُودَه. كالنَّسِيئَةِ فيما يَحْرُمُ فيه النَّساءُ، وتَرْكِ التَّقابُضِ فيما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ، أو الفَضْلِ فيما يَجِبُ التَّساوِى فيه، ولأنَّ صِحَّةَ البَيْعِ تَجْعَلُ ذلك ذَرِيعَةً إلى شِراءِ الثَّمرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وتَرْكِها حتى يَبْدُوَ صَلَاحُها، ووَسَائِلُ الحَرامِ حَرامٌ، كَبَيْعِ العِينةِ (١٩). ومتى حَكَمْنَا بِفَسادِ البَيْعِ، فالثَّمرَةُ كلُّها لِلْبائِعِ. وعنه، أنَّهما يَتَصَدَّقانِ بالزِّيادَةِ. قال القاضى: هذا مُسْتَحَبٌّ لِوُقُوعِ الخِلافِ في مُسْتَحِقِّ الثَّمرَةِ، فاسْتُحِبَّتِ الصَّدَقَةُ بها، وإلَّا فالحَقُّ أنَّها للبائِعِ تَبَعًا للأَصْلِ، كسائِر نَماءِ المَبِيعِ المُتَّصِلِ إذا رُدَّ على البائِعِ بِفَسْخٍ أو بُطْلانٍ. ونقل ابنُ أبى مُوسى في "الإِرْشادِ"، أن البائِعَ والمُشْتَرِىَ يكُونان شَرِيكَيْنِ في الزِّيادَةِ. وأمَّا إن حَكَمْنا بِصِحَّةِ العَقْدِ، فقد رُوِىَ أنَّهما يَشْتَرِكانِ في الزِّيادَةِ؛ لِحُصُولِها في مِلْكِهِما، فإن مَلَكَ المُشْتَرِى الثمرَةَ، ومَلَكَ البائِعُ الأصْلَ، وهو سببُ الزِّيَادَةِ. قال القاضى: الزِّيادَةُ لِلْمُشْتَرِى كالعَبْدِ إذا سَمِنَ. وحَمَلَ قولَ أحمدَ: "يَشْتَرِكَانِ" على الاسْتِحْبابِ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لما ذَكَرْنا، فإنَّ الزِّيَادَةَ حَصَلَتْ من أصْلِ البائِعِ من غير اسْتِحْقاقِ تَرْكِها، فكان فيها حَقٌّ له، بخِلافِ العَبْدِ إذا سَمِنَ، فإنَّه لا يَتَحَقَّقُ فيه هذا المَعْنَى، ولا يُشْبِهُه، ولا يَصِحُّ حَمْلُ قولِ أحمدَ على
стр. 2765
الاسْتِحْبابِ؛ فإنَّه لا يُسْتَحَبُّ للبائِعِ أن يَأْخُذَ من المُشْتَرِى ما ليس بِحَقٍّ له، بل ذلك حرامٌ عليه، فكيف يكون مُسْتَحَبًّا! وعن أحمدَ، أنَّهما يَتَصَدَّقانِ بالزِّيادَةِ، وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، ومحمدِ بن الحسنِ؛ لأنَّ عَيْنَ المَبِيعِ زادَ بجهةٍ مَحْظُورَةٍ، قال الثَّوْرِيُّ: إذا اشْتَرَى قَصِيلًا يَأْخُذُ رَأْسَ مالِه، ويَتَصَدَّقُ بالبَاقِى. ولأنَّ الأَمْرَ اشْتَبَه في هذه الزِّيادَةِ وفي مُسْتَحِقِّها، فكان الأولَي الصَّدَقَةَ بها، ويُشْبِهُ أن يكونَ هذا اسْتِحْبابًا؛ لأنَّ الصَّدَقَةَ بالشُّبُهاتِ مُسْتَحَبَّةٌ. وإن أَبَيَا الصَّدَقَةَ بها، اشْتَرَكا فيها، والزِّيادَةُ هى ما بين قِيمَتِها حين الشِّرَاءِ، وقِيمَتِها يومَ أخْذِها. قال القاضى: ويحتَمِلُ أنَّها ما بين قِيمَتِها قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها وقيمَتِها بعدَه؛ لأنَّ الثَّمرَةَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، كانَتْ لِلْمُشْتَرِى بِتَمامِها، لا حَقَّ للبائِعِ فيها. وقال الثَّوْرِيُّ: يأخُذُ المُشْتَرِى رَأْسَ مالِه، ويَتَصَدَّقُ بالباقِى. وكذلك الحُكْمُ في الرَّطبَةِ إذا طالَتْ، والزَّرْعِ الأخضرِ إذا أَدْجَنَ. وهذا فيما إذا لم يُقْصَدْ وَقْتَ الشِّرَاءِ تَأْخِيرُه، ولم يُجْعَلْ شِراؤُه بِشَرْطِ القَطْعِ حِيلَةً، على المَنْهِيِّ عنه من شِراءِ الثَّمَرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، لِيَتْرُكَها حتى يَبْدُوَ صَلاحُها، فأمَّا إن قَصَدَ ذلك، فالبَيْعُ باطِلٌ من أصْلِه؛ لأنَّه حِيلَةٌ مُحَرَّمَةٌ. وعند أبى حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ، لا حُكْمَ لِقَصْدِه، والبَيْعُ صَحِيحٌ، قَصَدَ أو لم يَقْصِدْ، وأصْلُ هذا، الخِلَافُ في تَحْرِيمِ الحِيَلِ، وقد سَبَقَ الكَلامُ في هذا.
٧٢٤ - مسألة؛ قال: (فَإِنِ اشْتَراهَا بَعْدَ أَنْ بَدَا صَلاحُهَا عَلَى التَّرْكِ إلَى الجِزَازِ، جَازَ)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا بَدَا الصَّلَاحُ في الثَّمَرةِ، جَازَ بَيْعُها مُطْلَقًا، وبِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ إلى حالِ الجِزَازِ، وبِشَرْطِ القَطْعِ. وبذلك قال مالكٌ، والشَّافِعِيُّ. وقالَ أبو حنيفَةَ وأصحابُه: لا يجوزُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ. إلَّا أنّ محمّدًا قال: إذا تَناهَى عِظَمُها، جازَ. واحْتَجُّوا بأنّ هذا شَرْطُ الانْتفاعِ بمِلْكِ البائِعِ على وَجْهٍ لا يَقْتَضِيه العَقْدُ، فلم يَجُزْ، كما لو شَرَطَ تَبْقِيَةَ الطَّعامِ في كُنْدوجِه (١). ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ
стр. 2766
الثَّمَرَةِ حتى يَبْدُوَ صلاحُها (٢). فمَفْهُومُه إباحَةُ بَيْعِها بعدَ بُدُوِّ صلاحِها، والمَنْهِىُّ عنه قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ عندَهم البَيْعُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فيَجِبُ أنْ يَكُونَ ذلك جائِزًا بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، وإلَّا لم يَكُنْ بُدُوُّ الصَّلاحِ غايَةً، ولا فائِدَةَ في ذِكْرِه. ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الثَّمَرَةِ حتى يَبْدُوَ صَلاحُها، وتَأْمَنَ العاهَةَ (٣). وتَعْلِيلُه بأمْنِ العاهَةِ يَدُلُّ على التَّبْقِيَةِ؛ لأنَّ ما يُقْطَعُ في الحالِ لا يُخافُ العاهَةُ عليه، وإذا بدا الصَّلاحُ فقد أُمِنَتِ العاهَةُ، فيَجِبُ أنْ يَجُوزَ بَيْعُه مُبَقًّى لِزَوالِ عِلَّة المَنْع، ولأنَّ النَّقْلَ والتَّحْوِيلَ يَجِبُ في المَبِيعِ بِحُكْمِ العُرْفِ، فإذا شَرَطَه جازَ، كما لو شَرَطَ نَقْلَ الطَّعامِ مِن مِلْكِ البائِعِ حَسَبَ الإِمكانِ. وفي هذا انْفِصالٌ عمَّا ذَكَرُوه.
فصل: ولا يَخْتَلِفُ المذهبُ أنَّ بُدُوَّ الصَّلاحِ في بعضِ ثَمَرَةِ النَّخْلَةِ، أو الشَّجَرَةِ صَلاحٌ لجميعِها، أعْنِى أنّه يُباحُ [بَيْعُ جميعِها] (٤) بذلك. ولا أعلمُ فيه اختلافًا، وهل يجوزُ بَيْعُ سائِر ما في البُسْتانِ مِن ذلك النَّوْعِ؟ فيه رِوايَتانِ؛ أظْهَرُهما جوازُه. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ، ومحمدِ بن الحسنِ. وعنه: لا يجوزُ إلَّا بَيْعُ ما بَدا صلاحُه؛ لأنَّ ما لم يَبْدُ صلاحُه داخلٌ في عُمُومِ النَّهْىِ، ولأنَّه لم يَبْدُ صلاحُه، فلم يَجُزْ بَيْعُه مِن غير شَرْطِ القَطْعِ، كالجِنْسِ الآخَرِ، وكالذي في البُسْتانِ الآخَرِ. وَوَجْهُ الأُولَى أنَّه بدا الصَّلاحُ في نَوْعِه مِن البُسْتانِ الذي هو فيه، فجازَ بَيْعُ جمِيعِه، كالشَّجَرَةِ الواحِدَةِ، ولأنَّ اعْتِبارَ بُدُوِّ الصَّلاحِ في الجميعِ يَشُقُّ، ويُؤَدِّى إلى الاشْتِراكِ واختلافِ الأيْدِى، فوَجَبَ أنْ يَتْبَعَ ما لم يَبْدُ صلاحُه مِن نَوْعِه لما بدا، على ما ذَكَرْنا فيما أُبِّر بَعْضُه دُونَ بعضٍ. فأمَّا نَوْعٌ آخَرُ مِن ذلك الجِنْسِ، فقال القاضى: لا يَتْبَعُه. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشَّافِعِيِّ. وقال محمد بن الحسنِ: ما كان مُتَقارِبَ الإِدراكِ، فبُدُوُّ صَلاحِ بَعْضِه يجوزُ به بَيْعُ جميعِه، وإنْ كان يَتَأَخَّرُ إدراكُ
стр. 2767
البعضِ تَأْخِيرًا كَثِيرًا، فالبَيْعُ جائِزٌ فيما أدْرَكَ، ولا يَجُوزُ في الباقِى. وقال أبو الخَطَّابِ: يجوزُ بَيْعُ ما في البُسْتانِ مِن ذلك الجِنْسِ. وهو الوَجْهُ الثّانِى لأصحابِ الشّافِعِيِّ؛ لأنّ الجِنْسَ الواحِدَ يُضَمُّ بَعْضُه إلى بَعْضٍ في إكمالِ النِّصابِ في الزَّكاةِ، فيَتْبَعُه في جوازِ البَيْعِ، كالنَّوْعِ الواحِدِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ النَّوْعَيْنِ قد يَتَباعَدُ إدراكُهما، فلم يَتْبَعْ أحَدُهما الآخَرَ في بُدُوِّ الصَّلاحِ، كالجِنْسَيْنِ. ويُخالِفُ الزَّكاةَ؛ فإنّ القَصْدَ هو الغِنَى مِن جِنْسِ ذلك المالِ، لِتَقارُبِ مَنْفَعَتِه، وقِيامِ كُلِّ نَوْعٍ مَقامَ النَّوْعِ الآخَرِ في المَقْصُودِ. والمَعْنَى هاهُنا؛ هو تَقارُبُ إدراكِ أحَدِهما مِن الآخَرِ، ودَفْعُ الضَّرَرِ الحاصِلِ بالاشْتِراكِ، واخْتِلافِ الأَيْدِى، ولا يَحْصُلُ ذلك في النَّوْعَيْنِ، فصارَ في هذا كالجِنْسَيْنِ (٥).
فصل: فأمَّا النَّوْعُ الواحِدُ من بُسْتانَيْنِ، فلا يَتْبَعُ أحَدُهما الآخَرَ في جوازِ البَيْعِ حتى يَبْدُوَ الصَّلاحُ في أحَدِهما، مُتَجاوِرَيْنِ كانا أو مُتَباعِدَيْنِ، وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وحُكِىَ عن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى؛ أنّ بُدُوَّ الصَّلاحِ في شَجَرَةٍ مِن القَراحِ (٦) صلاحٌ له، ولما قارَبَه. وبهذا قال مالِكٌ؛ لأنَّهما يَتَقارَبانِ (٧) في الصَّلاحِ، فأشْبَها القَراحَ الواحِدَ. ولأنَّ المَقْصُودَ الأمْنُ مِن العاهَةِ، وقد وُجِدَ. والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأنَّه إنَّما جَعَلَ ما لم يَبْدُ صلاحُه بمَنْزِلَة ما بدا، وتابِعًا له، دَفْعًا لضَرَرِ الاشْتِراكِ، واخْتِلافِ الأيْدِى، وإلَّا فالأصلُ اعْتِبارُ كُلِّ شَىءٍ بِنَفْسِه. وما في قَراحٍ آخَرَ لا يُوجَدُ فيه هذا الضَّرَرُ، فوَجَبَ أنْ لا يَتْبَعَ الآخَرَ، كما لو تَباعَدا. وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بما لم يُجاوِرْه مِن ذلك النَّوْعِ. ولو بدا صَلاحُ بعضِ النَّوْعِ الواحِدِ، فأفْرَدَ بالبَيْعِ ما لم يَبْدُ صَلاحُه مِن بَقِيَّةِ النَّوْعِ مِن ذلك البُسْتانِ، لم يَجُزْ؛ لِدُخُولِه تحتَ عُمُومِ النَّهْىِ. ويُقَدَّرُ قِياسهُ على الصُّورَةِ المَخْصُوصَةِ مِن العُمُومِ،
стр. 2768
وهى ما إذا باعَه مع ما بدا صَلاحُه؛ لأنَّه دَخَلَ في جوازِ البَيْعِ تَبَعًا، دَفْعًا لِمَضَرَّةِ الاشْتِراكِ، واخْتِلافِ الأيْدِى. ولا يُوجَدُ ذلك هاهُنا، ولأنَّه قد يَدْخُلُ في البَيْعِ تَبَعًا ما يجوزُ إفرادُه، كالثَّمَرَةِ تُباعُ مع الأصلِ، والزَّرْعِ مع الأرْضِ، واللَّبَنِ في الضَّرْعِ مع الشّاةِ. ويَحْتَمِلُ الجَوازَ؛ لأنَّ الكُلَّ في حُكْمِ ما بدا صَلاحُه، ولأنّه يجوزُ بَيْعُه مع غيرِه، [فجازَ بَيْعُه] (٨) مُفْرَدًا، كالذى بدا صَلاحُه.
فصل: وإذا احتاجَتِ الثَّمَرَةُ إلى سَقْىٍ لَزِمَ البائِعَ ذلك، لأنّه يَجِبُ عليه تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ كامِلَةً، وذلك يَكُونُ بالسَّقْىِ. فإنْ قِيلَ: فلم قُلْتُمْ إنَّه إذا باعَ الأصلَ، وعليه ثَمَرَةٌ للبائِعِ، لا يَلْزَمُ المُشْتَرِىَ سَقْيُها؟ قُلْنا: لأنَّ المُشْتَرِىَ لا يَجِبُ عليه تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ، لأنَّه لم يَمْلِكْها مِن جِهَتِه، وإنَّما بَقِىَ مِلْكُه عليها، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا، فإنِ امْتَنَعَ البائِعُ مِن السَّقْىِ، لِضَرَرٍ يَلْحَقُ بالأصلِ، أُجبِرَ عليه؛ لأنّه دَخَلَ على ذلك.
فصل: ويجوزُ لِمُشْتَرِى الثَّمَرَةِ بَيْعُها في شَجَرِها. رُوِىَ ذلك (٩) عن الزُّبَيْرِ بن العَوّامِ، وزَيْدِ بن ثابِتٍ، والحسن بن أبى الحسنِ البَصْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، والشّافِعِيِّ، وابنِ المُنْذِر. وكَرِهَه ابنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبو سَلَمَةَ؛ لأنَّه بَيْعٌ له قبلَ قَبْضِه، فلم يَجُزْ، كما لو كان على وَجْهِ الأرْضِ، فلم يَقْبِضْه. ولَنا، أنَّه يجوزُ له التَّصَرُّفُ فيه، فجازَ له بَيْعُه، كما لو جَزَّهُ. وقولُهم: لم يَقْبِضْه. لا يَصِحُّ، فإنّ قَبْضَ كُلِّ شَىْءٍ بحَسَبِه، وهذا قَبْضُه التَّخْلِيَةُ، وقد وُجِدَتْ.
٧٢٥ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَةَ نَخْلٍ، فَبُدُوُّ صَلَاحِهَا أنْ تَظْهَرَ فِيهَا الْحُمرَةُ أوِ الصُّفْرَةُ. وَإنْ كَانَتْ ثَمَرَةَ كَرْمٍ فَصَلَاحُهَا أنْ تَتَمَوَّهَ، وَصَلَاحُ مَا سِوَى النَّخْلِ وَالْكَرْمِ أنْ يَبْدُوَ فِيهِ (١) النُّضْجُ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنّ ما كان من الثَّمَرَةِ يَتَغَيَّرُ لَوْنُه عندَ صلاحِه، كثَمَرَةِ النَّخْلِ،
стр. 2769
والعِنَبِ الأسْوَدِ، والإِجَاصِ، فَبُدُوُّ صلاحِه بذلك. وإنْ كان العِنَبُ أبْيَضَ، فصلاحُه بِتَمَوُّهِه؛ وهو أنْ يَبْدُوَ فيه الماءُ الحُلْوُ، ويَلِينَ، ويَصْفَرَّ (٢) لَوْنُه. وإنْ كان ممّا لا يَتَلَوَّنُ، كالتُّفّاحِ ونَحْوِه، فبِأنْ يَحْلُوَ، أو يَطِيبَ. وإنْ كان بِطِّيخًا، أو نحوَه، فبأنْ يَبْدُوَ فيه النُّضْجُ. وإنْ كان ممّا لا يَتَغَيَّرُ لَوْنُه، ويُؤْكَلُ طَيِّبًا، صِغارًا وكِبارًا، كالقِثّاءِ والخِيارِ، فصَلاحُه بُلُوغُه أنْ يُؤْكَلَ عادَةً. وقال القاضى، وأصْحابُ الشَّافِعِيِّ: بُلُوغُه أنْ يَتَناهَى عِظَمُهُ. وما قُلْناه أشْبَهُ بصلاحِه ممّا قالُوه؛ فإنَّ بُدُوُّ صلاحِ الشَّىْءِ ابْتِداؤُه، وتَناهِى عِظَمِه آخِرُ صلاحِه. ولأنّ بُدُوَّ الصَّلاحِ في الثَّمَرِ يَسْبِقُ حالَ الجِزازِ، فلا يجوزُ أنْ يُجْعَلَ بُدُوُّ الصَّلاحِ فيما يُقاسُ عليه بِسَبْقِه قَطْعَه عادَةً؛ إلَّا أنْ يُريدُوا بِتَناهِى عِظَمِه انْتِهاءَه إلى الحالِ التى جَرَتِ العادَةُ بأخْذِه فيها، فيكُونُ كما ذَكَرْنا. وما قُلْنا في هذا الفَصْلِ فهو قَوْلُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وكثيرٍ مِن أهلِ العلمِ، أو مُقارِبٌ له. وقال عَطاءٌ: لا يُباعُ حتى يُؤْكَلَ مِن التَّمْرِ قَلِيلٌ، أو كَثِيرٌ. ورُوِىَ نحوُه عن ابن عُمَرَ، وابن عَبّاسٍ. ولعلَّهم أرادوا صلاحَه للأكْلِ، فيَرْجِعُ مَعْناه إلى ما قُلْنا؛ فإنَّ ابنَ عَبّاسٍ قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن بَيْعِ النَّخْلِ حتى يَأْكُلَ منه، أو يُؤْكَلَ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وإنْ أرادوا حَقِيقَةَ الأَكْلِ كان ما ذَكَرْنا أوْلَى؛ لأنَّ ما رَوَوْه يَحْتَمِلُ صلاحَه للأكلِ، فيُحْمَلُ على ذلك، مُوافَقَةً لأكثرِ الأخبارِ، وهو ما رُوِىَ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنّه نَهَى عن بَيْعِ الثَّمَرَةِ (٤) حتى تَطِيبَ. مُتَّفَقٌ عليه (٥). ونَهَى أنْ تُباعَ الثَّمَرَةُ حتى تَزْهُوَ. قيل: وما تَزْهُو؟ قال:
стр. 2770
"تَحْمَارُّ أوْ تَصْفَارُّ". رواه البُخارِيُّ (٦). ونَهَى عن بَيْعِ العِنَبِ حتى يَسْوَدَّ. رواه التِّرْمِذِيُّ، وابنُ ماجَه (٧). والأحادِيثُ في هذا كَثِيرَةٌ، كُلُّها تَدُلُّ على هذا المعنى.
٧٢٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَالْباذِنْجَانِ، وَمَا أشْبَهَهُ، إلَّا لَقَطَةً لَقَطَةً (١))
وجُملَةُ ذلك؛ أنّه إذا باعَ ثَمَرَةَ شَىْءٍ مِن هذه البُقُولِ لم يَجُزْ إلَّا بَيْعُ المَوْجُودِ منها، دُونَ المَعْدُومِ. وبهذا قال أبو حنيفَةَ، والشَّافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: يَجُوزُ بَيْعُ الجميعِ؛ لأنَّ ذلك يَشُقُّ تَمْيِيزُه، فجُعِلَ ما لم يَظْهَرْ تَبَعًا لما ظَهَرَ، كما أنّ ما لم يَبْدُ صلاحُه تَبَعٌ لما بدا. ولنا، أنَّها ثَمَرَةٌ لم تُخْلَقْ، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كما لو باعَها قبلَ ظُهُورِ شىءٍ منها، والحاجَةُ تَنْدَفِعُ بِبَيْعِ أُصُولِه، ولأنَّ ما لم يَبْدُ صلاحُه يجوزُ إفرادُه بِالبَيْعِ، بخِلافِ ما لم يُخْلَقْ. ولأنَّ ما لم يُخْلَقْ مِن ثَمَرَةِ النَّخْلِ لا يجوزُ بَيْعُه تَبَعًا لما خُلِقَ، وإنْ كان ما لم يَبْدُ صَلاحُه تَبَعًا لما بدا. إذا تَقَرَّرَ هذا، فإنْ باعَها قبلَ بُدُوِّ صلاحِهَا، لم يَجُزْ إلَّا بِشَرْطِ القَطْعِ، فإنْ كان بَعْدَ بُدُوِّ صَلاحِها (٢) جازَ مُطْلَقًا، وبِشَرْطِ القَطْعِ، والتَّبْقِيَةِ، على ما ذَكَرْنا في ثَمَرَةِ الأشجارِ. وقد بَيَّنَّا بماذا يكونُ بُدُوُّ صلاحِه.
فصل: قال القاضِى: ويَصِحُّ بَيْعُ أُصُولِ هذه البُقُولِ التى تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُها مِن غير شَرْطِ القَطْع. وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ. ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الأُصُولِ صِغارًا أو كِبارًا، مُثْمِرَةً أو غيرَ مُثْمِرَةٍ؛ لأنّه أصلٌ تَتَكَرَّرُ (٣) فيه الثَّمَرَةُ، فأشْبَهَ