← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

أنَّ بَيْعَ المُسْلِمِ اقْتَضَى السَّلامةَ. ولأنَّ الأصْلَ السَّلامةُ، والعَيْبُ حادِثٌ أو مُخالِفٌ لِلظَّاهِرِ، فعند الإطْلاقِ يُحْمَلُ عليها، فمتى فاتَتْ فات بعضُ مُقْتَضَى العَقْدِ، فلم يَلْزَمْه أخْذُه بالعِوَضِ (٦)، وكان له الرَّدُّ، وأخْذُ الثَّمَنِ كامِلًا. فصل: خِيَارُ الرَّدِّ بِالعَيْبِ على التَّراخِى، فمتى عَلِمَ العَيْبَ، فأَخَّرَ الرَّدَّ، لم يَبْطُلْ خِيَارُه، حتى يُوجَدَ منه ما يَدُلُّ على الرِّضا. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. وذَكَرَ القاضِى شَيْئًا يَدُلُّ على أنَّ فيه رِوايَتَيْنِ؛ إحداهما، هو على التَّراخِى. والثانية، هو على الفَوْرِ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ، فمتى عَلِمَ العَيْبَ، فأخَّرَ رَدَّه مع إمْكانِهِ، بَطَلَ خِيارُه؛ لأنَّه يَدُلُّ على الرِّضَا به (٧)، فأُسْقِطَ خِيارُه، كالتَّصَرُّفِ فيه. ولَنا، أنَّه خِيارٌ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقَّقٍ، فكان على التَّراخِى، كالقِصاصِ، ولا نُسَلِّمُ دَلالَةَ الإمْساكِ على الرِّضا به. الفصل الثالث ، أنَّه لا يَخْلُو المَبِيعُ من أنْ يكونَ بحالِه، فإنَّه يَرُدُّه ويَأْخُذُ رَأْسَ مالِه، أو يكونَ قد زادَ بعد العَقْدِ، أو جُعِلَتْ له فائِدَةٌ، فذلك قِسْمانِ: أحدُهما، أنْ تكونَ الزِّيادةُ مُتَّصِلَةً، كالسِّمَنِ، والكِبَرِ، والتَّعَلُّمِ، والحَمْلِ قبل الوَضْعِ، والثَّمَرَةِ قبل التَّأْبيرِ، فإنه يَرُدُّها بِنَمَائِها؛ لأنَّه يَتْبَعُ فى العُقُودِ والفُسُوخِ. القسم الثانى، أَنْ تكونَ الزِّيادةُ مُنْفَصِلَةً، وهى نَوْعانِ؛ أحدُهما، أن تكونَ الزِّيادةُ من غير عَيْنِ المَبِيعِ، كالكَسْبِ، وهو معنى قولِه: "أو اسْتَغَلَّها". يَعْنِى أخَذَ غَلَّتَها، وهى مَنافِعُها الحاصِلَةُ من جِهَتِها، كالخِدْمَةِ، والأُجْرَةِ، والكَسْبِ، وكذلك ما يُوهَبُ أو يُوصَى له به، فكلُّ ذلك لِلْمُشْتَرِى فى مُقابَلَةِ ضَمانِه؛ لَأنَّ العَبْدَ لو هَلَكَ هَلَكَ من مالِ المُشْتَرِى، وهو مَعْنَى قولِه ﵇: "الخَراجُ بالضَّمانِ" (٨). ولا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا. وقد رَوَى ابنُ ماجَه، عن هِشَامِ بن عمارٍ، عن مُسْلِمِ بن خَالِدٍ، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا،

стр. 2837

فَاسْتَغَلَّه ما شَاءَ اللهُ، ثم وَجَدَ به عَيْبًا فرَدَّه، فقال: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّه اسْتَغَلَّ غُلَامِى، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "الخَرَاجُ بالضَّمَانِ". ورَوَاه (٩) أبو داودَ والشَّافِعِىُّ (١٠)، ورواهُ سَعِيدٌ فى "سُنَنِه" عن مُسْلِمٍ، بهذا الإسنادِ، وقال فيه (١١): "الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ" (١٢). وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهُم. والنَّوْعُ الثَّانى، أنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ مِن عَيْنِ المَبِيعِ، كالوَلَدِ، والثَّمَرَةِ، واللَّبَنِ، فهى لِلْمُشْتَرِى أيضًا، ويَرُدُّ الأصْلَ دُونَها. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: إنْ كان النَّماءُ ثَمَرَةً لم يَرُدَّهَا، وإنْ كان وَلَدًا رَدَّهُ معها؛ لأنَّ الرَّدَّ حُكْمٌ، فسَرَى إلى الوَلَدِ (١٣) كالكِتابَةِ. وقال أبو حنيفةَ: النَّماءُ الحادِثُ فى يَدِ المُشْتَرِى يَمْنَعُ الرَّدَّ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ رَدُّ الأصلِ بُدونِه، لأنَّه مِن مُوجِبِه، فلا يُرْفَعُ العَقْدُ مع بقاءِ مُوجِبِه، ولا يُمْكِنُ رَدُّه معه؛ لأنَّه لم يَتَناوَلْه العَقْدُ. ولنا، أنَّه حادِثٌ فى مِلْكِ المُشْتَرِى، فلم يَمْنَع الرَّدَّ، كما لو كان فى يَدِ البائِعِ، وكالكَسْبِ. ولأنَّه نَماءٌ مُنْفَصِلٌ، فجَازَ رَدُّ الأصلِ بُدونِه، كالكَسْبِ والثَّمرَةِ عندَ مالِكٍ. وقولُهم: إنَّ النَّماءَ مُوجِبِ العَقْدِ. غيرُ صَحِيحٍ، إنَّما مُوجبُه المِلْكُ، ولو كان مُوجِبًا لِلْعَقْدِ لعادَ إلى البائِعِ بالفَسْخِ. وقولُ مالِكٍ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الوَلَدَ ليس بمَبِيعٍ، فلا يُمْكِنُ رَدُّه بحُكْمِ رَدِّ الأُمِّ. ويَبْطُلُ ما ذَكَرَه بِنَقْلِ المِلْكِ بالهِبَةِ، والبَيْعِ، وغيرِهما، فإنَّه لا يَسْرِى إلى الوَلَدِ بِوُجُودِه فى الأُمِّ، وإنْ كان قد نَقَصَ، فهذا نَذْكُرُ حُكْمَه، إنْ شاء اللَّه تعالى. الفصلُ الرّابع ، إنْ كان المَبِيعُ جَارِيَةً ثَيِّبًا فَوطِئَها المُشْتَرِى قبلَ عِلْمِه بالعَيْبِ،

стр. 2838

فله رَدُّها، وليس معها شىءٌ. ورُوِىَ ذلك عن زَيْدِ بن ثابتٍ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وعُثْمانُ البَتِّىُّ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى؛ أنَّه يَمْنَعُ الرَّدَّ. ويُرْوَى ذلك عن عَلِىٍّ رَضِىَ اللهُ عنه. وبه قال الزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ؛ لأنّ الوَطْءَ يَجْرِى مَجْرَى الجِنايَةِ، لأنّه لا يَخْلُو فى مِلْكِ الغيرِ مِن عُقُوبَةٍ، أو مالٍ، فوَجَبَ أنْ يَمْنَعَ الرَّدَّ، كما لو كانت بِكْرًا. وقال شُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، وابنُ أبى لَيْلَى: يَرُدُّها، ومعها أرْشٌ. واخْتَلَفُوا فيه؛ فقال شُرَيْحٌ، والنَّخَعِىُّ: نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِها. وقال الشَّعْبِىُّ: حُكُومَةٌ. وقال ابنُ المُسَيَّبِ: عَشْرَةُ دَنانِيرَ. وقال ابنُ أبى لَيْلَى: مَهْرُ مِثْلِها. وحُكِىَ نَحْوُ قَوْلِه عن عُمَرَ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّه عنه. وذَكَرَه ابنُ أبى مُوسَى رِوايَةً عن أحمدَ؛ لأنّه إذا فَسَخَ صارَ واطِئًا فى مِلْكِ الغيرِ، لكَوْنِ الفَسْخِ رَفْعًا للعَقْدِ مِن أصلِه. ولنا، أنّه مَعْنًى لا يَنْقُصُ عَيْنَها، ولا قِيمَتَها، ولا يَتَضَمَّنُ الرِّضا بِالعَيْبِ، فلا (١٤) يَمْنَعُ الرَّدَّ، كالاسْتِخْدامِ، وكَوَطْءِ الزَّوْجِ. وما قالوه يَبْطُلُ بِوَطْءِ الزَّوْجِ، وَوَطْءُ البِكْرِ يَنْقُصُ ثَمَنَها. وقولُهم: يكون واطِئًا فى مِلْكِ الغيرِ. ليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ الفَسْخَ رَفْعٌ للعَقْدِ مِن حِينِه، لا مِن أصلِه، بِدَلِيلِ أنه لا يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ، ولا يُوجِبُ رَدَّ الكَسْبِ، فيَكُونُ وَطْؤُه فى مِلْكِه. فصل: ولو اشْتَرَى مُزَوَّجَةً، فوَطِئَها الزَّوْجُ، لم يَمْنَعْ ذلك الرَّدَّ. بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه. فإنْ زَوَّجَها المُشْتَرِى، فوَطِئَها الزَّوْجُ، ثم أرادَ رَدَّهَا بالعَيْبِ، فإنْ كان ذلك النِّكاحُ بَاقِيًا فهو عَيْبٌ حادِثٌ، وإنْ كان قد زالَ، فَحُكْمُه حُكْمُ وَطْءِ السَّيِّدِ. وقد اسْتَحْسَنَ أحمدُ ﵀ أنَّه يَمْنَعُ الرَّدَّ. وهو مَحْمُولٌ على الرِّوايَةِ الأُخْرَى؛ إذ لا فَرْقَ بينَ هذا، وبينَ وَطْءِ السَّيِّدِ. وإنْ زَنَتْ فى يَدِ المُشْتَرِى، ولم يَكُنْ عَرَفَ ذلك منها، فهو عَيْبٌ حادِثٌ، حُكْمُه حُكْمُ العُيُوبِ الحادِثَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ

стр. 2839

عَيْبًا بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه لَزِمَها حُكْمُ الزِّنَى فى يَدِ المُشْتَرِى. الفصلُ الخامس ؛ أنّه إذا اختارَ المُشْترِى إمساكَ المَعيِبِ، وأخْذَ الأرْشِ (١٥)، فله ذلك. وهذا قولُ إسحاقَ. وقال أبو حنيفةَ، والشّافِعِىُّ: ليس له إلَّا الإمساكُ، أو الرَّدُّ، وليس له أرْشٌ، إلَّا أنْ يَتَعَذَّرَ رَدُّ المَبِيعِ، لأنّ النَّبىَّ ﷺ جَعَلَ لِمُشْتَرِى الْمُصَرّاةِ الخِيارَ بينَ الإمساكِ مِن غيرِ أرْشٍ، أو الرَّدِّ. ولأنَّه يَمْلِكُ الرَّدَّ، فلم يَمْلِكْ أخْذَ جُزْءٍ مِن الثَّمَنِ، كالذى له الخِيارُ. ولَنا، أنَّه ظَهَرَ على عَيْبٍ لم يَعْلَمْ به، فكان له الأرْشُ، كما لو تَعَيَّبَ عِنْدَه. ولأنَّه فاتَ عليه جُزْءٌ مِن المَبِيعِ، فكانتْ له المُطالَبَةُ بِعِوَضِه، كما لو اشْتَرَىَ عَشْرَةَ أقْفِزَةٍ، فبانَتْ تِسْعَةً، أو كما لو أتْلَفَه بعدَ البَيْعِ؛ فأمَّا المُصَرّاةُ فليس فيها عَيْبٌ، وإنّما مَلَكَ الخِيارَ بالتَّدْلِيسِ، لا لِفَواتِ جُزْءٍ، ولذلك لا يَسْتَحِقُّ أرْشًا إذا امْتَنَعَ الرَّدُّ عليه. إذا ثَبَتَ هذا، فمعنى أرْشِ العَيْبِ أنْ يُقَوَّمَ المبِيعُ صَحِيحًا، ثم يُقَوَّمَ مَعِيبًا، فيُؤْخَذَ قِسْطُ ما بينَهما مِن الثَّمَنِ، فنِسْبَتُه إلى الثَّمَنِ نِسْبَةُ النُّقْصانِ بالعَيْبِ مِن القِيمَةِ، مثالُه أنْ يُقَوَّمَ المَعِيبُ صَحِيحًا بِعَشْرَةٍ، ومَعِيبًا بِتِسْعَةٍ، والثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ، فقد نَقَصَه العَيْبُ عُشْرَ قِيمَتِه، فيُرْجَعُ على البائِعِ بعُشْرِ الثَّمَنِ، وهو دِرْهَمٌ ونِصْفٌ. وعِلَّةُ ذلك أنّ المَبِيعَ مَضْمُونٌ على المُشْتَرِى بِثَمَنِه، ففَواتُ جُزْءٍ منه يُسْقِطُ عنه ضَمانَ ما قابَلَه مِن الثَّمَنِ أيضًا. ولأنّنا لو ضَمَّنّاه نَقْصَ القِيمَةِ، أفْضَى إلى اجْتِماعِ الثَّمَنِ والمُثْمَنِ للمُشْتَرِى، فيما إذا اشْتَرَى شَيْئًا بنِصْفِ قِيمَتِه، فوَجَدَ به عَيْبًا يَنْقُصُه نِصْفَ قِيمَتِه، مِثْلُ أن يَشْتَرِيَه بِعَشْرَةٍ وقِيمَتُه عِشْرُونَ، فوَجَدَ به عَيْبا يَنْقُصُه عَشْرَةً، فأخَذَها، حَصَلَ له المَبِيعُ، ورجَعَ بِثَمَنِه. وهذا معنى قولِ الخِرَقىِّ: "أو يَأْخُذَ ما بَيْنَ الصِّحَّةِ والعَيْبِ". وقد نَصَّ أحمدُ على ما ذَكَرْناه. وذَكَرَه الحَسَنُ البَصْرِىُّ، فقال: يَرْجِعُ بقِيمَةِ العَيْبِ فى الثَّمَنِ يَوْمَ اشْتَراه. قال أحمدُ: هذا أحْسَنُ ما سَمِعْتُ.

стр. 2840

٧٤٢ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَتْ بِكْرًا، فَأرَادَ رَدَّهَا، كَانَ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا) يعنى الأمَةَ البِكْرَ إذا وَطِئَها المُشْتَرِى، ثم ظَهَرَ على عَيْبٍ، فرَدَّها، كان عليه أنْ يَرُدَّ معها أرْشَ النَّقْصِ. وعن أحمدَ فى جوازِ رَدِّها رِوايَتانِ؛ إحداهما، لا يَرُدُّها، ويَأْخُذُ أرْشَ العَيْبِ. وبه قال ابنُ سيِرِينَ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسْحاقُ. قال ابنُ أبى موسى: وهو الصَّحِيحُ عن أحمدَ. والرِّوايَةُ الثّانيةُ، يَرُدُّها، ويَرُدُّ معها شَيْئًا. وبه قال شُرَيْحٌ، وسَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ومالِكٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، وأبو ثَوْرٍ. والواجِبُ رَدُّ ما نَقَصَ قِيمَتَها الوَطْءُ (١)، فإذا كانت قِيمَتُها بِكْرًا عَشْرَةً، وثَيِّبًا ثمانِيَةً، رَدَّ دِينارَيْنِ؛ لأنّه بِفَسْخِ العَقْدِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عليه بِقِيمَتِه، بخلافِ أرْشِ العَيْبِ الذى يَأْخُذُه المُشْتَرِى. وهذا قولُ مالِك، وأبى ثَوْرٍ. وقال شُرَيْحٌ، والنَّخَعِىُّ: يَرُدُّ عُشْرَ ثَمَنِها. وقال سَعِيدُ ابن المُسَيَّبِ: يَرُدُّ عَشْرَةَ دَنانِيرَ. وما قلناه أوْلَى، إنْ شاء اللهُ تعالى. واحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ رَدَّها بأنَّ الوَطْءَ نَقَصَ عَيْنَها وقِيمَتَها، فلم يَمْلِكْ رَدَّها، كما [إذا] (٢) اشْتَرَى عَبْدًا فخَصاهُ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُه. ولَنا، أنَّه عَيْبٌ حَدَثَ عندَ أحَدِ المُتَبايِعَيْنِ لا لِاسْتِعْلامٍ (٣)، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالعَيْبِ الحادِثِ عندَ البائِعِ قبلَ القَبْضِ. فصل: وكُلُّ مَبِيعٍ كان مَعِيبًا، ثم حَدَثَ به عندَ المُشْتَرِى عيبٌ آخَرُ، قبلَ عِلْمِه (٤) بالأوَّلِ، فعن أحمدَ ﵀ فيه رِوايَتانِ، إحْدَاهما، ليس له الرَّدُّ، وله أرْشُ العَيْبِ القَدِيمِ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والشَّافِعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن ابن سِيرِينَ، والزُّهْرِىِّ، والشَّعْبِىِّ؛ لأنَّ الرَّدَّ يَثْبُتُ (٥) لِإزالَةِ الضَّرَرِ،

стр. 2841

وفى الرَّدِّ على البائِعِ إضرارٌ به، ولا يُزالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ. والثّانيةُ، له الرَّدُّ، ويَرُدُّ أرْشَ العَيْبِ الحادِثِ عندَه، ويَأْخُذُ الثَّمَنَ. وإنْ شاء أمْسَكَهُ، وله الأرْشُ. وبهذا قال مالِكٌ وإسْحاقُ. وقال النَّخَعِىُّ، وحَمّادُ ابن أبى سليمانَ: يَرُدُّهُ ونُقْصانَ العَيْبِ. وقال الحَكَمُ: يَرُدُّه. ولم يَذْكُرْ معه شَيْئًا. ولنا، حَدِيثُ المُصَرّاةِ؛ فإنَّ النَّبىَّ ﷺ أمَرَ بِرَدِّهَا بَعْدَ حَلْبِها، ورَدِّ عِوَضِ لَبَنِها (٦). واحْتَجَّ أحمد بأنّ عثمانَ بن عَفانَ رَضِى اللَّه عنه قَضَى فى الثَّوْبِ، إذا كان به عَوارٌ (٧)، بِرَدِّه وإنْ كان قد لَبِسَه. ولأنّه عَيْبٌ حَدَثَ عندَ المُشْتَرِى، فكان له الخِيارُ بينَ رَدِّ المَبِيعِ وأرْشِه، وبين أخْذِ أرْشِ العَيْبِ القَدِيمِ، كما لو كان حُدُوثُه لاسْتِعْلامِ المَبِيعِ. ولأنّ العَيْبَيْنِ قد استويا، والبائِعُ قد دَلَّسَ به، والمُشْتَرِى لم يُدَلِّسْ، فكان رِعَايةُ جانِبِه أوْلَى. ولأنَّ الرَّدَّ كان جائِزًا قبلَ حُدُوثِ العَيْبِ الثّانى، فلا يَزُولُ إلّا بدَلِيلٍ، وليس فى المَسْأَلَةِ إجماعٌ ولا نَصٌّ، والقِياسُ إنّما يَكُونُ على أصلٍ، وليس لِمَا ذَكَرُوه أصلٌ، فيَبْقَى الجوازُ بحالِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَرُدُّ أرْشَ العَيْبِ الحادِثِ عندَه؛ لأنّ المَبِيعَ بجُمْلَتِه مَضْمُونٌ عليه، فكذلك أجزاؤه. وإنْ زالَ العَيْبُ الحادِثُ عندَ المُشْتَرِى، رَدَّه ولا أرْشَ معه، على كِلْتا الرِّوايَتَيْن. وبه قال الشَّافِعِىُّ؛ لأنّه زالَ المانِعُ، مع قِيامِ السَّبَبِ المُقْتَضِى للرَّدِّ، فثَبَتَ حُكْمُه. ولو اشْتَرَى أمَةً، فحَمَلَتْ عندَه، ثم أصَابَ بها عَيْبًا، فالحَمْلُ عَيْبٌ فى الآدَمِيّاتِ دُونَ غَيْرِهِنَّ؛ لأنّه يَمْنَعُ الوَطْءَ ويُخافُ منه التَّلَفُ. فإنْ وَلَدتْ، فالوَلَدُ للمُشْتَرِى. وإنْ نَقَصَتْها الوِلادَةُ، فذلك عَيْبٌ أيضًا. وإنْ لم تَنْقُصْها الوِلادَةُ وماتَ الوَلَدُ، جازَ رَدُّها؛ لأنّه زالَ العَيْبُ، وإنْ كان وَلَدُها باقِيًا، لم يَكُنْ له رَدُّها دونَ وَلَدِها؛ لأنّ (٨) ذلك تَفْرِيقٌ بينَهما، وهو مُحَرَّمٌ. وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطّابِ فى "مسائلِهما": له الفَسْخُ فيها، دُونَ

стр. 2842

وَلَدِها. وهو قولُ أكثرِ أصحابِ الشَّافِعِىِّ. ولأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ، فأشْبَهَ ما لو وَلَدَتْ حُرًّا، فإنَّه يَجوزُ بَيْعُها دونَ وَلَدِها. ولَنا، عُمُومُ (٩) قولِ النَّبىِّ ﷺ : "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١٠). ولأنَّه أمْكَنَ دَفعُ الضَّرَرِ بأخْذِ الأرْشِ، أو بِرَدِّ وَلَدِها معها، فلم يَجُزِ ارْتِكابُ مَنْهِىِّ الشَّرْعِ بالتَّفْرِيقِ بينَهما، كما لو أرادَ الإقالَةَ فيها دُونَ وَلَدِها. وقولُهم: إنّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه. قُلْنا: قد انْدَفَعَتِ الحاجَةُ بأخْذِ الأرْشِ، أمَّا إذا وَلَدتْ حُرًّا، فلا سَبِيلَ إلى بَيْعِه معها بحالٍ. ولو كان المَبِيعُ حَيَوانًا غَيْرَ الآدَمِىِّ، فحَدَثَ به حَمْلٌ عندَ المُشْتَرِى، لم يَمْنَعِ الرَّدَّ بالعَيْبِ؛ لأنّه زِيادَةٌ. وإنْ عَلِمَ بالعَيْبِ بعدَ الوَضْعِ، ولم تَنْقُصْه الوِلادَةُ، فله إمساكُ الوَلَدِ ورَدُّ الأُمِّ؛ لأنّ التَّفْرِيقَ بينَهما جائِزٌ. ولا فَرْقَ بين حَمْلِها قبلَ القَبْضِ، أو بعدَه. ولو اشتَراها حامِلًا، فوَلَدَتْ عندَه، ثم اطَّلَعَ على العَيْبِ فرَدَّها، رَدَّ الوَلَدَ معها؛ لأنّه مِن جُمْلَةِ المَبِيعِ، والزِّيادَةُ فيه نَماءٌ مُتَّصِلٌ بالمَبِيعِ، فأشبَهَ ما لو سَمِنَتِ الشّاةُ. فإنْ تَلِفَ الوَلَدُ، فهو كَتَعَيُّبِ (١١) المَبِيعِ عندَه. فإنْ قُلْنا: له الرَّدُّ. فعليه قِيمَتُه، إن اختارَ رَدَّ الأمِّ. وعند أحمدَ؛ أنَّه لا قِيمَةَ عليه لِلْوَلَدِ. وحَمَلَه القاضى على أنّ البائِعَ دَلَّسَ العَيْبَ. وإنْ نَقَصَتِ الأُمُّ بالولادَةِ، فهو عَيْبٌ حادِثٌ، حُكْمُه حُكْمُ العُيُوبِ الحادِثَةِ. ويُمْكِنُ حَمْلُ كلامِ أحمدَ على أنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له. وهو (١٢) أحَدُ القَوْلَيْنِ للشّافِعِىِّ. فعلَى هذا يَكُوَنُ الوَلَدُ حِينَئِذٍ لِلْمُشْتَرِى، فلا يَلْزَمُه رَدُّه إنْ كان باقِيًا، ولا قِيمَتُه إن (١٣) كان تَالِفًا. والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ، وعليه العَمَلُ، إنْ شاء اللهُ تعالى.

стр. 2843

فصل: وإن كان المَبِيعُ كاتِبًا أو صانِعًا، فنَسِىَ ذلك عند المُشْتَرِى، ثم وَجَدَ به عَيْبًا، فذلك عَيْبٌ حادِثٌ عندَ المُشْتَرِى، حُكْمُه حُكْمُ غيرِه مِن العُيُوبِ. وعن أحمدَ، يَرُدُّه، ولا يَرُدُّ معه شَيْئًا. وعَلَّلَه القاضى بأنَّه ليس بِنَقْصٍ فى العَيْنِ، ويُمْكِنُ عَوْدُه بالتَّذَكُّرِ. قال: وعلى هذا لو كان سَمِينًا فهَزَلَ. والقِياسُ ما ذَكَرْناه؛ فإن الصِّناعَةَ (١٤) والكِتابَةَ مُتَقَوَّمَةٌ تُضْمَنُ فى الغَصْبِ، وتَلْزَمُ بِشَرْطِها فى البَيْعِ، فأشْبَهَتِ الأعيانَ والمَنافِعَ، مِن السَّمْعِ والبَصَرِ، والعَقْلِ، وإمكانُ العَوْدِ مُنْتَقِضٌ بالسِّنِّ، والبَصَرِ، والحَمْلِ. ولعلَّ ما رُوِىَ عن أحمدَ أرادَ به، إذا دَلَّسَ البائِعُ العَيْبَ. فصل: وإذا تَعَيَّب المَبِيعُ فى يَدِ البائِع بعدَ العَقْدِ؛ فإنْ كان المَبِيعُ مِن ضمانِه، فحُكْمُه حُكْمُ العَيْبِ القَدِيمِ، وإنْ كان مِن ضمانِ المُشْتَرِى، فحُكْمُه حُكْمُ العَيْبِ الحادِث بعدَ القَبْضِ. فأمّا الحادِثُ بعدَ القَبْضِ، فهو مِن ضمانِ المُشْتَرِى، ولا يَثْبُتُ به خِيارٌ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثلاثةُ أيّامِ، فما أصابَهُ فيها فهو مِن ضمانِ البائِعِ، إلّا فى الجُنُونِ، والجُذامِ، والبَرَصِ، فإنْ ظَهَرَ إلى سَنَةٍ ثَبَتَ الخِيارُ؛ لما رَوَى الحَسَنُ، عن عُقْبَةَ؛ أنّ النَّبىَّ ﷺ جَعَلَ عُهْدَةَ الرَّقِيقِ ثلاثةَ أيّامٍ (١٥). وأَنَّه إجماعُ أهلِ المَدِينَةِ. ولأنَّ الحَيَوانَ يَكونُ فيه العَيْبُ، ثم يَظْهَرُ. ولَنا، أنّه ظَهَرَ فى يَدِ المُشْتَرِى، ويجوزُ أنْ يَكُونَ حادِثًا، فلم يَثْبُتْ به الخِيارُ، كسائِرِ المَبِيعِ، أو ما بعدَ الثّلاثةِ والسَّنَةِ، وحَدِيثُهُم لا يَثْبُتُ؛ قال الإمامُ أحمدُ: ليس فيه حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَثْبُتُ فى العُهْدَةِ حَديثٌ صحيحٌ، والحَسَنُ لم يَلْقَ عُقْبَةَ. وإجماعُ أهلِ المَدِينَةِ ليس بِحُجَّةٍ. والدّاءُ

стр. 2844

الكامِنُ لا عِبْرَةَ به، وإنّما النَّقْصُ بما ظَهَرَ لا بما كَمَنَ. ٧٤٣ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنْ يَكُونَ الْبَائِعُ دَلَّسَ الْعَيْبَ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ، كَامِلًا. وكَذَلِك سَائِرُ الْمَبِيعِ) مَعْنَى دَلَّسَ العَيْبَ: أى كَتَمَه عن المُشْتَرِى، مع عِلْمِه به. أو: غَطّاهُ عنه، بما يُوهِمُ المُشْتَرِىَ عَدَمَه. مُشْتَقٌّ مِن الدُّلْسَةِ، وهى الظُّلْمَةُ. فكأنَّ البائِعَ يَسْتُرُ العَيْبَ. وكِتْمَانُه (١) جَعْلُه فى ظُلْمَةٍ، فَخفِىَ عن المُشتَرِى، فلم يَرَه، ولم يَعْلَمْ به. وسواءٌ فى هذا ما عَلِمَ به فكَتَمَه، وما سَتَرَه، فكلاهما تَدْلِيسٌ حرامٌ، على ما بَيَّنّاه (٢). فإذا فَعَلَه البائِعُ، فلم يَعْلَمْ به المُشْتَرِى حتى تَعَيَّبَ المَبِيعُ فى يَدِه، فله رَدُّ المَبِيعِ، وأخْذُ ثَمَنِه كامِلًا، ولا أرْشَ عليه، سواءٌ كان الحادِثُ بِفِعْلِ المُشْتَرِى، كَوَطْءِ البِكْرِ، وقَطْعِ الثَّوْبِ، أو بِفِعْلِ آدَمِىٍّ آخَرَ، مِثْلُ أنْ يَجْنِىَ عليه جانٍ، أو بِفِعْلِ العَبْدِ كالسَّرِقَةِ والإباقِ، أو بِفِعْلِ اللهِ تعالى بالمَرَضِ ونَحْوِه، سواءٌ كان ناقِصًا لِلْمَبِيعِ، أو مُذْهِبًا لجميعِه. قال أحمدُ، فى رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا، فأبَقَ مِن يَدِه، وأقامَ البَيِّنَةَ أنَّ إباقَهُ كان مَوْجُودًا فى يَدِ البائِعِ: يَرْجِعُ به على البائِعِ، بجميعِ الثَّمَنِ الذى أخَذَه منه؛ لأنه غَرَّ المُشْتَرِىَ، ويَتْبَعُ (٣) البائِعُ عَبْدَه حيثُ كان. وهذا يُحْكَى عن الحَكَمِ، ومالِكٍ؛ لأنَّه غَرَّه فيَرْجِعُ عليه، كما لو غَرَّه بحُرِّيَّةِ أمَةٍ. وظاهِرُ حَدِيثِ المُصَرّاةِ يَدُلُّ على أنَّ ما حَدَثَ فى يَدِ المُشْتَرِى مَضْمُونٌ عليه، سواءٌ دَلَّسَ البائِعُ العَيْبَ، أو لم يُدَلِّسْه، فإنّ التَّصْرِيَةَ تَدْلِيسٌ، ولم يُسْقطْ عن المُشْتَرِى ضَمانَ اللَّبَنِ، بل ضَمَّنَه بصاعٍ مِن التَّمْرِ، مع كَوْنِه قد نَهَى عنِ التَّصْرِيَةِ، وقال: "بَيْعُ الْمُحَفَّلَاتِ خِلَابَةٌ، وَلَا تَحِلُّ الْخِلَابَةُ لِمُسْلِمٍ" (٤). وقولُ النَّبىِّ ﷺ : "الْخَرَاجُ

стр. 2845

بِالضَّمَانِ" (٥). يَدُلُّ على أنّ مَن له الخَراجُ فعليه الضَّمانُ؛ لكَوْنِه جَعَلَ الضَّمانَ عِلَّةً لِوُجُوبِ الخراجِ له (٦). فلو كان ضمانُه على البائِعِ لكان الخراجُ له؛ لوُجُودِ عِلَّتِه، ولأنَّ وُجُوبَ الضَّمانِ على البائِعِ لا يَثْبُتُ إلا بِنَصٍّ، أو إجماعٍ، أو قِياسٍ، ولا نَعْلَمُ فى هذا نَصًّا ولا إجماعًا، والقِياسُ إنّما يَكُونُ على أصْلٍ، ولا نَعْلَمُ لهذا أصلًا. ولا يُشْبِهُ هذا التَّغْرِيرَ بِحُرِّيَةِ الأمَةِ فى النِّكاحِ؛ لأنَّه يَرْجِعُ على مَن غرَّه، وإنْ لم يَكُن سَيِّدَ الأمَةِ، وهاهُنا لو كان التَّدْلِيسُ مِن وَكِيلِ البائِعِ لم يَرْجِعْ عليه بشىءٍ. فصل: فى مَعْرِفَةِ العُيُوبِ؛ وهى النَّقائِصُ المُوجِبَةُ لنَقْصِ المالِيَّةِ [فى عاداتِ التُّجَّارِ] (٧)؛ لأنّ المَبِيعَ إنما صارَ مَحَلًّا للعَقْدِ باعْتِبارِ صِفَةِ المالِيَّةِ، فما يُوجبُ نَقْصًا فيها يكونُ (٨) عَيْبًا، والمَرْجِعُ فى ذلك إلى العادَةِ فى عُرْفِ أهلِ هذا (٩) الشَّأْنِ، وهم التُّجّارُ. فالعُيُوبُ فى الخِلْقَةِ؛ كالجُنُونِ، والجُذامِ، والبَرَصِ، والعِىِّ (١٠)، والعَوَرِ، والعَرَجِ، والعَفَلِ (١١)، والقَرَنِ (١٢)، والفَتْقِ (١٣)، والرَّتَقِ (١٤)،

стр. 2846

والقَرَعِ (١٥)، والصَّمَمِ، والطَّرَشِ (١٦)، والخَرَسِ، وسائِرِ المَرَضِ، والأُصْبُع الزَّائِدَةِ والنَّاقِصَةِ، والحَوَلِ، والخَوَصِ (١٧)، والسَّبَلِ، وهو زِيادَةٌ فى الأجفانِ، والتَّخْنِيثِ (١٨)، وكَوْنِه خُنْثَى؛ والخِصَاءِ، والتَّزَوُّجِ فى الأمَةِ، والبَخَرِ (١٩) فيها. وهذا كُلُّه قولُ أبى حنيفةَ والشَّافِعِىِّ. ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ من نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ فى الجارِيَةِ تُشْتَرَى ولها زَوْجٌ، أنَّه عَيْبٌ. وكذلك الدَّيْنُ فى رَقَبَةِ العَبْدِ إذا كان السَّيِّدُ مُعْسرًا، والجِنايَةُ المُوجِبَةُ لِلْقَوَدِ؛ لأنّ الرَّقَّبَةَ صارَتْ كالمُسْتَحِقَّة لِوُجُوبِ الدَّفْعِ فى الجِنايَةِ والبَيْع فى الدَّيْنِ، ومُسْتَحِقَّةً للإتلافِ بالقِصاصِ، والزِّنَى والبَخَرُ عَيْبٌ (٢٠) فى العَبْدِ والأمَةِ جميعًا. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: ليس ذلك (٢٠) بِعَيْبٍ فى العَبْدِ؛ لأنّه لا يُرادُ لِلْفِراشِ والاسْتِمْتاعِ به، بخِلافِ الأمَةِ. ولَنا، أنَّ ذلك يَنْقُصُ قِيمَتَه ومَالِيَّتَه، فإنَّه بالزِّنَى يَتَعَرَّضُ لِإقامَةِ الحَدِّ عليه والتَّعْزِيرِ، ولا يَأْمَنُه سَيِّدُه على عائِلَتِه وحَرِيمِه، والبَخَرُ يُؤْذِى سَيِّدَه، ومَن جالَسَه وخاطَبَه أو سارَّه. وأمّا السَّرِقَةُ، والإباقُ، والبَوْلُ فى الفِراشِ، فهى عُيُوبٌ فى الكَبِيرِ الذى جاوَزَ العَشْرَ. وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: فى الذى يَأْكُلُ وَحْدَه ويَشْرَبُ وَحْدَه. وقال الثَّوْرِىُّ وإسحاقُ: ليس بِعَيْبٍ فيه حتى يَحْتَلِمَ؛ لأنَّ الأحكامَ تَتَعَلَّقُ به، مِنَ التَّكْلِيفِ، وُوُجُوبِ الحُدُودِ، بِبُلُوغِه، فكذلك هذا. ولَنا، أنَّ الصَّبِىَّ العاقِلَ

стр. 2847

يَتَحَرَّزُ مِن هذا عادَةً، كَتَحَرُّزِ الكَبِيرِ، فوُجُودُه مِنه فى تلك الحالِ يَدُلُّ على أنّ البَوْلَ لدَاءٍ فى باطِنِه، والسَّرِقَةَ والإباقَ لِخُبْثٍ فى طَبْعِه، وحُدَّ ذلك بالعَشْرِ لأمْرِ النَّبىِّ ﷺ بِتأْدِيبِ الصَّبِىِّ على تَرْكِ الصَّلاةِ عندَها، والتَّفْرِيقِ بينهم فى المَضاجِعِ لِبُلُوغِها (٢١). فأمّا مَن دونَ ذلك فتَكُونُ هذه الأُمُورُ منه لِضَعْفِ عَقْلِه، وعَدَمِ تَثَبُّتِه. وكذلك إنْ كان العَبْدُ يَشْرَبُ الخَمْرَ، أو يَسْكَرُ مِن النَّبِيذِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنّه يُوجِبُ عليه الحَدَّ، فهو كالزِّنَى. وكذلك الحُمْقُ الشَّدِيدُ، والاسْتِطالَةُ على النَّاسِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى التَّأْدِيبِ، ورُبّما تَكَرَّرَ فأفْضَى إلى تَلَفِه، ولا يكون عَيْبًا إلّا فى الكَبِيرِ دونَ الصَّغِير؛ لأنّه مَنْسُوبٌ إلى فِعْلِه. وعَدَمُ الخِتانِ ليس بِعَيْبٍ فى الصَّغِيرِ؛ لأنّه لم يَفُتْ وَقتُه، ولا فى الأمَةِ الكَبِيرَةِ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: هو عَيْبٌ فيها؛ لأنّه زِيادَةُ ألَمٍ، فأشْبَهَتِ العَبْدَ. ولَنا، أنَّه ليس بواجِبٍ فى حَقِّها، والألَمُ فيه يَسِيرٌ لا يُخْشَى منه التَّلَفُ، بخلافِ العَبْدِ الكَبِيرِ. فأمّا العَبْدُ الكَبِيرُ، فإنْ كان مَجْلُوبًا مِن الكُفارِ، فليس ذلك بِعَيْبٍ فيه؛ لأنّ العادَةَ أنَّهم لا يَخْتِتنُونَ، فصارَ ذلك مَعْلُومًا عندَ المُشْتَرِى، فهو كدِينِهم. وإنْ كان مُسْلِمًا مَوْلِدًا؛ فهو عَيْبٌ فيه؛ لأنَّه يُخْشَى عليه مِنه، وهو خلافُ العادَةِ. فصل: والثُّيُوبَةُ ليست عَيْبًا؛ لأنَّ الغالِبَ على الجَوَارِى الثُّيُوبَةُ، فالإطلاقُ لا يَقْتَضِى خلافَها، وكَوْنُها مُحَرَّمَةً على المُشْتَرِى بِنَسَبٍ أو رَضاعٍ، ليس بِعَيْبٍ، إذ ليس فى المَحَلِّ ما يُوجِبُ خَلَلًا فى المالِيَّةِ، ولا نَقْصًا، وإنَّما التَحْرِيمُ مُخْتَصٌّ به. وكذلك الإحرامُ والصِّيامُ؛ لأنّهما يَزُولانِ قَرِيبًا. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ لهما مُخَالِفًا. وكذلك عِدَّةُ البائِنِ. وأمّا عِدَّةُ الرَّجْعِيَّةِ فهى عَيْبٌ؛ لأنّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ، ولا يُؤْمَنُ ارْتجاعُه لها. ومَعْرِفَةُ الغِناءِ والحِجامَةِ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ. وحُكِىَ عن مالِكٍ، فى الجارِيَةِ المُغَنِّيَةِ، أنّ ذلك عَيْبٌ فيها؛ لأنّ الغِناءَ

стр. 2848

مُحَرَّمٌ. ولَنا، أنَّ هذا ليس بِنَقْصٍ فى عَيْنِها، ولا قِيمَتِها، فلم يكُنْ عَيْبًا كالصِّناعَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنّ الغِناءَ مُحَرَّمٌ، وإنْ سَلَّمْناه، فالمُحَرَّمُ اسْتِعْمالُه، لا مَعْرِفَتُه، والعَسَرُ (٢٢) ليس بِعَيْبٍ، وكان شُرَيحٌ يَرُدُّ به. ولنا، أنَّه ليس بِنَقْصٍ، وعَمَلُه بإحْدَى يَدَيْهِ يَقُومُ مَقامَ عَمَلِه بالأُخْرَى، والكُفْرُ ليس بعَيْبٍ. وبه قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: هو عَيْبٌ؛ لأنَّه نَقْصٌ؛ بدَلِيلِ قَوْلِ اللَّه تعالى ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (٢٣). وَلَنا، أَنّ العَبِيدَ يكونُ فيهم المسلمُ والكافِرُ، والأصلُ فيهم الكُفْرُ، فالإطلاقُ لا يَقْتَضِى خلافَ ذلك، وكوْنُ المُؤْمِنِ خَيْرًا مِن الكافِرِ لا يَقْتَضِى كَوْنَ الكُفْرِ عَيْبًا، كما أنّ المُتَّقِىَ خيرٌ مِن غيرِه، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢٤). ولَيْسَ عَدَمُ ذلك عَيْبًا. وكَوْنُه وَلَدَ زِنًى ليس بِعَيْبٍ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: هو عَيْبٌ فى الجارِيَةِ؛ لأنّها تُرادُ للافْتِراشِ، بخلافِ العَبْدِ. ولَنا، أنّ النَّسَبَ فى الرَّقِيقِ غيرُ مَقْصُودٍ، بِدَلِيلِ أنّهم يُشْتَرونَ مَجْلُوبِينَ، غيرَ مَعْرُوفِى النَّسَبِ. وكَوْنُ الجارِيةِ لا تُحْسِنُ الطَّبْخَ أو الخَبْزَ أو نحوَ هذا ليس بِعَيْبٍ؛ لأنَّ هذه حِرْفَةٌ، فلم يكن فَواتُها عَيْبًا، كسائِرِ الصَّنائِعِ، وكَوْنُها لا تَحِيضُ، ليس بِعَيْبٍ. وقال الشَّافعىُّ: هو عَيْبٌ إذا كان لِكِبَرٍ؛ لأنَّ مَن لا تَحِيضُ لا تَحْمِلُ. ولَنا، أنَّ الإطْلَاقَ لا يَقْتَضِى الحَيْضَ، ولا عَدَمَهُ، فلم يكن فَوَاتُه عَيْبًا، كما لو كان لغيرِ الكِبَرِ. فصل: وإذا اشْتَرَطَ المُشْتَرِى فى المَبِيعِ (٢٥) صِفَةً مَقْصُودَةً مِمَّا لا يُعَدُّ فَقْدُه عَيْبًا، صَحَّ اشْتِرَاطُه، وصَارَتْ مُسْتَحَقَّةً، يَثْبُتُ له خِيارُ الفَسْخِ عندَ عَدَمِها، مثلُ أن يَشْتَرِطَ مُسْلِمًا، فَيِبينَ كافِرًا، أو يَشْتَرِطَ الأمَةَ بِكْرًا أوْ جَعْدَةً أو طَبَّاخَةً، أو ذاتَ

стр. 2849

صَنْعَةٍ، أو لَبَنٍ، أو أنَّها تَحِيضُ، أو يَشْتَرِطَ فى الدَّابَّةِ أنَّها هِمْلاجَةٌ (٢٦)، أو فى الفَهْدِ أنَّه صَيُودٌ، وما أشْبَه هذا. فمتى بانَ خِلافُ ما اشْتَرَطَه (٢٧)، فله الخِيارُ فى الفَسْخِ، والرُّجُوعُ بالثَّمَنِ، أو الرِّضا به، ولا شىءَ له. لا نَعْلَمُ بينهم فى هذا خِلافًا؛ لأنَّه شَرَطَ وَصْفًا مَرْغُوبًا فيه، فصارَ بالشَّرْطِ مُسْتَحِقًّا. فأمَّا إن شرطَ صِفَةً غيرَ مَقْصُودَةٍ، فبانَتْ بخِلافِها، مثلَ أن يَشْتَرِطَها سَبِطَةً (٢٨) فبانَتْ جَعْدَةً، أو جاهِلَةً، فبانَتْ عالِمةً، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه زادَهُ خَيْرًا. وإن شرَطَها كافِرَةً فبانَتْ مُسْلِمَةً، أو ثَيِّبًا، فبانَتْ بِكْرًا، فله الخِيارُ؛ لأنَّ فيه قَصْدًا صَحِيحًا، وهو أنَّ طالِبَ الكافِرَةِ أكْثَرُ؛ لِصَلاحِيَتِها لِلْمُسْلِمِينَ وغيرِهم، أو لِيَسْتَرِيحَ من تَكْلِيفِها العِباداتِ. وقد يَشْتَرِطُ الثَّيِّبَ؛ لِعَجْزِه عن البِكْرِ، أو لِيَبِيعَها لِعاجِزٍ عن البِكْرِ. فقد فات قَصْدُه. وقيل: لا خِيارَ له؛ لأنَّ هذين زِيادَةٌ، وهو قول الشَّافِعِىِّ فى البِكْرِ، واخْتِيارُ القاضى. واسْتَبْعدَ كونَه يَقصدُ الثُّيُوبَةَ، لِعَجْزِه عن البِكْرِ، وليس هذا بِبَعِيدٍ، فإنَّه مُمْكِنٌ، والاشْتِراطُ يَدُلُّ عليه، فيَصِيرُ بالدَّلِيلِ قريبًا. وإنْ شَرَطَ الشَّاةَ لَبُونًا، صَحَّ، وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يجوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ فى الضَّرْعِ، فلم يَجُزْ شَرْطُهُ. ولَنا، أنَّه أمْرٌ مَقْصُودٌ يَتَحَقَّقُ فى الحَيَوانِ، ويَأْخُذُ قِسْطًا من الثَّمَنِ، فصَحَّ اشْتِراطُه، كالصِّناعَةِ فى الأمَةِ، والهَمْلَجَةِ فى الدَّابَّةِ. وإنَّما لم يَجُزْ بَيْعُه مُفْرَدًا (٢٩)؛ للجَهالَةِ، والجَهالةُ تَسْقُطُ فيما كان تَبَعًا (٣٠)، وكذلك لو اشْتَراهَا بغير شَرْطٍ، صَحَّ بَيْعُها معه، وكذلك يَصِحُّ بَيْعُ أساساتِ الحِيطانِ والنَّوَى فى التَّمْرِ معه، وإن لم يَجُزْ بَيْعُهما (٣١) مُفْرَدَيْنِ. وإن شَرَطَ أنَّها تَحْلُبُ كلَّ يومٍ قَدْرًا مَعْلُومًا، لم يَصِحَّ؛ لِتَعَذُّرِ الوَفاءِ به؛ لأنَّ اللَّبَنَ يَخْتَلِفُ، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه. وإن شَرَطَها غَزِيرَةَ

стр. 2850

اللَّبَنِ، صَحَّ؛ لأنَّه يمكنُ الوَفاءُ به. وإن شَرَطَها حامِلًا، صَحَّ. وقال القاضى: قِياسُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَصِحُّ. لأنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له؛ ولهذا لا يَصِحُّ اللِّعانُ على الحَمْلِ، ويَحتَمِلُ أنَّه رِيحٌ. ولَنا، أنَّه صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ يمكنُ الوَفاءُ بها، فصَحَّ شَرْطُه، كالصِّناعَةِ، وكونِها لَبُونًا، وقد بَيَّنَّا فيما قبلُ أنَّ لِلْحَمْلِ حُكْمًا، ولذلك حَكَمَ النَّبِىُّ ﷺ فى الدِّيَةِ بأَرْبَعِينَ خَلِفَةً فى بُطُونِها أوْلَادُها (٣٢). ومَنَعَ أخْذَ الحَوامِلِ فى الزَّكَاةِ (٣٣)، ومَنَعَ وَطْءَ الحَبالَى الْمَسْبِيَّاتِ (٣٤)، وجَعَلَ اللهُ تعالَى عِدَّةَ الحامِلِ وَضْعَ حَمْلِها، وأرْخَصَ لها فى (٣٥) الفِطْرِ فى رمضانَ إذا خافَتْ على ولَدِها، ومَنَعَ من الاقْتِصاصِ منها، وإقامَةِ الحَدِّ عليها من أجلِ حَمْلِها. وظاهِرُ الحَدِيثِ المَرْوِىِّ فى اللِّعانِ، يَدُلُّ على أنَّه لاعَنَها فى حالِ حَمْلِها، فانْتَفَى عنه ولدُها، وإن شَرَطَ أنَّها تَضَعُ الوَلَدَ فى وَقْتٍ بِعَيْنِه، لم يَصِحَّ وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه لا يمكنُ الوَفاءُ به، [وإن شَرَطَ أنَّها لا تَحْمِلُ، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لأنَّه لا يمكنُ الوَفاءُ به] (٣٦). وقال مالِكٌ: لا يَصِحُّ فى المُرْتَفِعاتِ. ويَصِحُّ فى غيرِهِنَّ. ولنا، أنَّه باعَها بِشَرْطِ البَراءَةِ من الحَمْلِ، فلم يَصِحَّ كالمُرتَفعاتِ. وإن شَرَطَها حائِلًا (٣٧)، فبانَتْ حامِلًا،

стр. 2851

فإن كان ذلك فى الأَمَةِ، فهو عَيْبٌ يَثْبُتُ الفَسْخُ به، وإن كان فى غيرِها، فهو زِيادَةٌ لا يَسْتَحِقُّ به فَسْخًا، ويَحْتَمِلُ أن يَسْتَحِقَّ؛ لأنَّه قد يُرِيدُها لِسَفَرٍ، أو لِحَمْلِ شَىءٍ لا يتمَكَّنُ منه مع الحَمْلِ. وإن شَرَطَ البَيْضَ فى الدّجاجَةِ، فقد قيل: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا عَلَم عليه، يُعْرَفُ به، ولم يَثْبُتْ له فى الشَّرْعِ حُكْمٌ، والأَوْلَى أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّه يُعْرَفُ بالعادَةِ، فأشْبَه اشْتِراطَ الشَّاةِ لَبُونًا. وإنِ اشْتَرَطَ الهَزَارَ (٣٨) أو القُمْرِىَّ مُصَوِّتًا، فقال بعض أصْحَابِنَا: لا يَصِحُّ. وبه قال أبو حنيفةَ، لأنَّ صِيَاحَ الطَّيْرِ يجوزُ أن يُوجَدَ، ويجوزُ أن لا يُوجَدَ. والأوْلَى جَوَازُه؛ لأنَّ فيه مَقْصِدًا صَحِيحًا، وهو عادَةٌ له وخِلْقَةٌ فيه (٣٩)، فأشْبَه الهَمْلَجَةَ فى الدَّابَّةِ، والصَّيْدَ فى الفَهْدِ. وإن شَرَطَ فى الحَمامِ أنه يَجِىءُ من مَسافَةٍ ذَكَرَها. فقال القاضى: لا يَصِحُّ. وهو قول أبى حنيفةَ؛ لأنَّ فيه تَعْذِيبًا لِلْحَيَوانِ، والقَصْدُ منه غيرُ صَحِيحٍ. وقال أبو الخَطَّابِ: يَصِحُّ؛ لأنَّ هذه عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وفيها (٤٠) قَصْدٌ صَحِيحٌ (٤١) لِتَبْلِيغِ الأَخْبَارِ وحَمْلِ الكُتُبِ، فجَرَى مَجْرَى الصَّيْدِ فى الفَهْدِ، والهَمْلَجَةِ فى الدَّابَّةِ، وإن شَرَطَ فى الجارِيَة أنَّها مُغَنِّيَةٌ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الغِناءَ مَذْمُومٌ فى الشَّرْعِ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُه، كالزِّنَى. وإن شَرَطَ فى الكَبْشِ كونَه نَطَّاحًا، وفى الدِّيكِ كونَه مُقاتِلًا، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لأنَّه مَنْهِىٌّ عنه فى الشَّرْعِ، فجَرَى مَجْرَى الغِناءِ فى الجارِيَةِ. وإن شَرَطَ فى الدِّيكِ أنَّه يُوقِظُه لِلصَّلاةِ، لم يَصِحَّ، لأنَّه لا يمكنُه الوَفاءُ به، وإن شَرَطَ كونَه يَصِيحُ فى أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ، جَرَى مَجْرَى اشْتِراطِ التَّصْوِيتِ فى القُمْرِىِّ، على ما ذَكَرْنَا. فصل: ولا يَفْتَقِرُ الرَّدُّ بالعَيْبِ إلى رِضَى البائِعِ، ولا حُضُورِه، ولا حُكْمِ حاكِمٍ، قبلَ القَبْضِ ولا بَعْدَه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان قبلَ القَبْضِ، افْتَقَرَ إلى حُضُورِ صاحِبِه دون رِضاه، وإن كان بعدَه، افْتَقَرَ إلى رِضا

стр. 2852

صاحِبِه، أو حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لأنَّ مِلْكَه قد تَمَّ على الثَّمَنِ، فلا يَزُولُ إلَّا بِرِضاه. ولَنا، أنَّه رَفْعُ عَقْدٍ مُسْتَحِقٍّ له، فلم يَفْتَقِرْ إلى رِضا صَاحِبِه، ولا حُضُورِه كالطَّلَاقِ؛ لأنَّه مُسْتَحِقُّ الرَّدِّ بالعَيْبِ، فلا يَفْتَقِرُ إلى رِضا صَاحِبِه، كَقبْلِ القَبْضِ. ٧٤٤ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ بَاعَ المُشْتَرِى بَعْضَها، ثم ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ، كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ مِلْكَهُ مِنْهَا بمِقْدارِهِ مِنَ الثَّمَنِ، أَوْ يَأْخُذَ أرْشَ العَيْبِ بِقَدْرِ مِلْكِه فِيهَا) الكَلامُ فى هذه المَسْأَلَةِ فى فُصُولٍ ثلاثةٍ: منها، أنَّه إذا اشْتَرَى مَعِيبًا فباعه، سَقَطَ رَدُّه؛ لأنَّه قد زال مِلْكُه عنه. فإن عادَ إليه، فأرادَ رَدَّه بالعَيْبِ الأوَّلِ، نَظَرْنا، فإن كان باعَه عالِمًا بالعَيْبِ، أو وُجِدَ منه ما يَدُلُّ على رِضاه به، فليس له رَدُّه؛ لأنَّ تَصَرُّفَه رِضًى بالعَيْبِ، وإن لم يكن عَلِمَ بالعَيْبِ، فله رَدُّه على بائِعِه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال (١) أَبو حنيفةَ: ليس له رَدُّه، إلَّا أن يكونَ المُشْتَرِى فَسَخَ بحُكْمِ الحاكِمِ؛ لأنَّه سَقَطَ حَقُّه من الرَّدِّ بِبَيْعِه، فأشْبَه ما لو عَلِمَ بعَيْبه. ولَنا، أنَّه أمْكَنَه اسْتِدْراكُ ظُلامَتِه بِرَدِّه، فمَلَكَ ذلك، كما لو فسخَ الثانىَ بِحُكمِ حاكِمٍ، أو كما لو لم يَزُلْ مِلْكُه عنه، ولا نُسَلِّمُ سُقُوطَ حَقِّه، وإنَّما امْتَنَعَ لِعَجْزِه عن رَدِّه، فإذا عادَ إليه زال المانِعُ، فَظَهَرَ جَوازُ الرَّدِّ، كما لو امْتَنَعَ الرَّدُّ لِغَيْبَةِ البائِعِ، أو لِمَعْنًى سواه. وسواءٌ رَجَعَ إلى المُشْتَرِى الأولِ بالعَيْبِ الأوَّلِ، أو بإقالَةٍ، أو هِبَةٍ، أو شِراءٍ ثانٍ، أو ميراثٍ، فى ظاهِرِ كَلامِ القاضى. وقال أصْحابُ الشَّافِعِىِّ: إن رَجَعَ بغيرِ الفَسْخ بالعَيْبِ الأولِ، ففيه وجهانِ، أحدُهما، ليس له رَدُّه؛ لأنَّه اسْتَدْرَكَ ظُلَامَتَه ببَيْعِه، ولم يَزُلْ بفَسْخِه. ولَنا، أنَّ سَبَبَ اسْتِحْقاقِ الرَّدِّ قَائِمٌ، وإنَّما امْتَنَعَ لِتَعَذُّرِه بِزَوالِ مِلْكِه، فإذا زال المانِعُ وَجَبَ أن يجوزَ الرَّدُّ عليه بِالعَيْبِ. فعلَى هذا إذا باعَها المُشْتَرِى لِبائِعِها الأولِ، فوَجَدَ بها عَيْبًا كان مَوْجُودًا حالَ العَقْدِ الأولِ، فله الرَّدُّ على البائِعِ الثانى، ثم للثانى رَدُّه. وفائِدَةُ الرَّدِّ هاهنا، اخْتِلافُ الثَّمَنَيْنِ، فإنَّه قد يكون الثمنُ الثانى أكْثَرَ.

стр. 2853

الفصل الثانى، أنَّه إذا باعَ المَعِيبَ، ثم أرادَ أخْذَ أَرْشِه. فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه لا أَرْشَ له سواءٌ باعَهُ عالِما بِعَيْبِه، أو غيرَ عالِمٍ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ امْتِناعَ الرَّدِّ كان بِفِعْلِه، فأشْبَه ما لو أتْلَفَ المَبِيعَ، ولأنَّه قد (٢) اسْتَدْرَكَ ظُلامَتَه بِبَيْعِه، فلم يكنْ له أرْشٌ، كما لو زال العَيْبُ. وقال القاضى: إن باعَه مع عِلْمِه بالعَيْبِ، فلا أَرْشَ له؛ لِرِضاهُ به مَعِيبًا، وإن باعَه غيرَ عالِمٍ بالعَيْبِ، فله الأَرْشُ. نَصَّ عليه أحْمَدُ؛ لأنَّ البائِعَ لم يُوَفِّه ما أوْجَبَه له العَقْدُ، ولم يُوجَدْ منه الرِّضا به نَاقِصًا، فكان له الرُّجُوعُ عليه، كما لو أَعْتَقَهُ. وقِياسُ المَذْهَبِ، أنَّ له الأَرْشَ بكلِّ حالٍ، سواءٌ باعَهُ عالِما بِعَيْبِه أو جاهِلًا به؛ لأنَّنا خَيَّرْناهُ ابْتِداءً بين رَدِّه، وإمْساكِه وأخْذِ الأَرْشِ، فبَيْعُه والتَّصَرُّفُ فيه بِمَنْزِلَةِ إمْساكِه، ولأنَّ الأَرْشَ عِوَضُ الجُزْءِ الفائِتِ من المَبِيعِ، فلم يَسْقُطْ بِبَيْعِه، ولا رِضاهُ، كما لو باعَهُ عشرةَ أقْفِزَةٍ، وسَلَّمَ إليه تِسْعَةً، فباعَها المُشْتَرِى. وقولهم: إنَّه اسْتَدْرَكَ ظُلامَتَهُ. لا يَصِحُّ، فإنَّ ظُلامَتَهُ من البائِعِ، ولم يَسْتَدْرِكْها منه، وإنَّما ظُلِمَ المشُتَرِى، فلم يَسقطْ حَقُّه بذلك من الظَّالِمِ له، وهذا هو الصَّحِيحُ من قولِ مالِكٍ، وذكر أبو الخَطَّابِ عن أحْمَدَ، فى رُجُوعِ بائِعِ المَعِيبِ بالأَرْشِ (٣)، رِوَايَتَيْنِ، من غير تَفْرِيقٍ بين عِلْمِ البائِعِ بالعَيْبِ وجَهْلِه به. وعلى قولِ من قال لا يَسْتَحِقُّ الأَرْشَ، فإذا عَلِمَ به المُشْتَرِى الثانى فرَدَّه به، أو أخَذَ أرْشَه منه، فَلِلأَولِ أخْذُ أرْشِه. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ إذا امْتَنَعَ على المُشْتَرِى الثانى رَدُّه بِعَيْبٍ حَدَثَ عنده؛ لأنَّه لم يَسْتَدْرِكْ ظُلَامَتَهُ، وكلُّ واحِدٍ من المُشْتَرِيَيْنِ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ العَيبِ من الثَّمَنِ الذى اشْتَراهُ به، على ما ذَكَرْناهُ فيما تَقَدَّمَ.

стр. 2854

ال فصل الثالث، إذا باعَ المُشْتَرِى بعضَ المَعِيبِ، ثم ظَهَرَ على عَيْبٍ، فله الأرْشُ، لما بَقِىَ فى يَدِه من المَبِيعِ، وفى الأرْشِ لما باعَهُ ما ذَكَرْنَا من الخِلافِ فيما إذا باعَ الجَمِيعَ، وإن أرادَ رَدَّ الباقِى بحِصَّتِه من الثَّمَنِ، فالذى ذَكَرَهُ الخِرَقِىُّ هَاهُنا أنَّ له ذلك. وقد نَصَّ عليه أحمدُ، والصَّحِيحُ أنَّه إن كان المَبِيعُ عَيْنًا واحِدَةً، أو عَيْنَيْنِ يَنْقُصُهما التَّفْرِيقُ، كمِصْرَاعَىْ (٤) بابٍ، وزَوْجَىْ خُفٍّ، أنَّه لا يَمْلِكُ الرَّدَّ؛ لما فيه من الضَّرَرِ على البائِعِ بِنَقْصِ القِيمَةِ، أو ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، وامْتِناعِ الانْتِفاعِ بها على الكَمالِ، كإباحَةِ الوَطْءِ والاسْتِخْدامِ. وبها قال شُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وقد ذَكَرَ أصْحابُنا فى غير هذا المَوْضِعِ، فيما إذا كان المَبِيعُ عَيْنَيْنِ يَنْقُصُهُما التَّفْرِيقُ، أنَّه لا يجوزُ رَدُّ إحْداهما دونَ الأُخْرَى؛ لما فيه من الضَّرَرِ؛ وفيما لو اشْتَرَى مَعِيبًا فَتعَيَّبَ عنده، أنَّه لا يَمْلِكُ رَدَّه، إلَّا أن يَرُدَّ أَرْشَ العَيْبِ الحادِثِ عنده، فلا يجوزُ أن يَرُدَّه فى مَسْأَلَتِنا مَعِيبًا بِعَيْبِ الشَّرِكَةِ، أو نَقْصِ القِيمَةِ، بغير شَىءٍ، إلَّا أن يكونَ الخِرَقِىُّ أرادَ ما إذا دَلَّسَ البائِعُ (٥) العَيْبَ، فإنَّ ذلك عنده لا يُسْقِطُ عن المُشْتَرِى ضَمانَ ما حَدَثَ عنده من العَيْبِ، على ما ذَكَرْنا فيما مَضَى. وإن كان المَبِيعُ عَيْنَيْنِ لا يَنْقُصُهُما التَّفْرِيقُ، فباعَ إحْداهما (٦)، ثم وَجَدَ بالأُخْرَى عَيْبًا، أو عَلِمَ أنَّهما كانَتا مَعِيبَتَيْنِ، فهل له رَدُّ الباقِيَةِ فى مِلْكِه؟ يُخَرَّجُ على الرِّوَايَتَيْنِ فى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. [وقال القاضى: المَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ] (٧) سواءٌ كان المَبِيعُ عَيْنًا واحدةً أو عَيْنَيْنِ. والتَّفْصِيلُ الذى ذَكَرْنا أَوْلَى. فصل: وإن اشْتَرى عَيْنَيْنِ، فوَجَدَ بإحداهما عَيْبًا، وكانا ممَّا لا يَنْقُصُهما

стр. 2855

التَّفْرِيقُ، أو مِمَّا لا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينهما، كالوَلَدِ مع أُمِّه، فليس له إلَّا رَدُّهما جَمِيعًا، أو إمْساكُهما وأخْذُ الأَرْشِ، وإن لم يكُونا كذلك، ففيهما رِوَايَتانِ، إحْداهما، ليس له إلَّا رَدُّهما، أو أخْذُ الأَرْشِ مع إمْساكِهِما. وهو ظاهِرُ قولِ الشَّافِعِىِّ وقولِ أبى حنيفةَ فيما قَبْلَ القَبْضِ؛ لأنَّ الرَّدَّ تَبْعِيضُ (٨) الصَّفْقَةِ من المُشْتَرِى، فلم يكُنْ له ذلك، كما لو كانا ممَّا يَنْقُصُه التَّفْرِيقُ. والثانية، له رَدُّ المَعِيبِ، وإمْساكُ الصَّحِيحِ. وهذا قولُ الحارِثِ العُكْلِىّ، والأوْزاعِىِّ، وإسْحَاقَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ فيما بعدَ القَبْضِ؛ لأنَّه رَدَّ المَعِيبَ على وَجْهٍ لا ضَرَرَ فيه على البائِعِ، فجازَ كما لو رَدَّ الجَمِيعَ. وفارَقَ ما يَنْقُصُ بالتَّفْرِيقِ، فإنَّ فيه ضَرَرًا. وإن تَلِفَ أحَدُ المَبِيعَيْنِ، أو تَعَيَّبَ، أو وَجَدَ بالآخَرِ أو بهما عَيْبًا، فأرادَ رَدَّه، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا من التَّفْصِيلِ والخِلافِ. وإنِ اخْتَلَفا في قِيمَةِ التَّالِفِ، فالقولُ قولُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لما يَدَّعِيه البائِعُ من زِيادَةِ قِيمَتِه؛ لأنَّه بِمَنْزِلَةِ الغارِمِ، لأنَّ قِيمَةَ التَّالِفِ إذا زادَتْ، زَادَ قَدْرُ ما يَغْرَمُهُ، فهو بِمَنْزِلَةِ المُسْتَعِيرِ والغاصِبِ. فأمَّا إن كان المَبِيعانِ بَاقِيَيْنِ مَعِيبَيْنِ، لم يُوجَدْ فى أحدِهما ما يَمْنَعُ رَدَّهُ، فأرادَ رَدَّ أَحَدِهِما دونَ الآخَرِ. فقال القاضى: ليس له ذلك. ولم يَذْكُرْ فيه سوى المَنْعِ من رَدِّ أحدِهما. والقِياسُ، أنَّها كالتى قبلَها، إذ لو كان إمْساكُ أحَدِهِما مانِعًا من الرَّدِّ فيما إذا كانا مَعِيبَيْنِ، لمَنَعَ منه إذا كان صَحِيحًا. فصل: إذا اشْتَرَى اثْنانِ شَيْئًا فوَجَدَاهُ مَعِيبًا، أو اشْتَرَطا الخِيارَ فرَضِىَ أحَدُهما. ففيه رِوايَتانِ عن أحمدَ، حَكاهُما أبو بكرٍ، وابنُ أبى موسى. إحْداهُما، لمن لم يَرْضَ الفَسْخُ. وبه قال ابنُ أبى ليلى، والشَّافِعِىُّ، وأبو يوسف، ومحمدٌ، وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن مالِكٍ. والأُخْرَى، لا يجوزُ له رَدُّهُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ المَبِيعَ خَرَجَ عن مِلْكِه دُفعَةً واحِدَةً غيرَ مُتَشَقِّصٍ (٩)، فإذا رَدَّه مُشْتَرِكًا، رَدَّه ناقِصًا، أشْبَه ما لو تَعَيَّبَ عندَه. ووجهُ الأُولَى، أنَّه رَدَّ جَمِيعَ ما مَلَكَهُ بالعَقْدِ،

стр. 2856

فجازَ، كما لو انْفَرَدَ بِشرائِه، والشَّرِكَةُ إنما حَصَلَتْ بإيجابِ البائِعِ؛ لأنَّه باعَ كلَّ واحِدٍ منهما نِصْفَها، فخَرَجَتْ عن مِلْكِ البائِعِ مُتَشَقِّصَةً (١٠)، بخِلَافِ العَيْبِ الحادِثِ. فصل: وإذا وَرِثَ اثْنانِ عن أبِيهِما (١١) خِيارَ عَيْبٍ، فرَضِىَ أحَدُهُما، سَقَطَ حَقُّ الآخَرِ من الرَّدِّ؛ لأنَّه لو رَدَّ وَحْدَهُ، تَشَقَّصَتِ السِّلْعَةُ على البائِعِ، فيَتَضَرَّرُ (١٢) بذلك، وإنَّما أخْرَجَها عن مِلْكِه إلى واحدٍ غيرَ مُشَقَّصَةٍ، فلا يجوزُ رَدُّ بعضِها إليه مُشَقَّصًا، بخِلافِ المَسْأَلَة التى قبلَها، فإنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَيْنِ عَقْدانِ، فكأنه باعَ كلَّ واحدٍ منهما نِصْفَها مُنْفَرِدًا، فرَدَّ عليه أحَدُهما جَمِيعَ ما باعَهُ إيَّاه، وهَاهُنا بخِلافِه. فصل: ولو اشْتَرَى رَجُلٌ من رَجُلَيْنِ شَيْئًا، فوَجَدَه مَعِيبًا، فله رَدُّه عليهما. فإن كان أحَدُهما غائِبًا، رَدَّ على الحاضِرِ حِصَّتَه بِقِسْطِها من الثَّمنِ، ويَبْقَى نَصِيبُ الغائِبِ (١٣) فى يَدِه حتى يَقْدَمَ. ولو كان أحَدُهُما باعَ العَيْنَ كلَّها بِوَكالَةِ الآخَرِ، فالحُكْمُ كذلك، سواءٌ كان الحاضِرُ الوَكِيلَ أو المُوَكَّلَ. نَصَّ أحمدُ على قَريبٍ من هذا. فإن أرادَ رَدَّ نَصِيبِ أحدِهما، وإمْساكَ نَصِيبِ الآخَرِ، جازَ؛ لأنَّه يَرُدُّ على البائِعِ جَمِيعَ ما بَاعَه، ولا يَحْصُلُ بِرَدِّه تَشْقِيصٌ؛ لأنَّ المَبِيعَ كان مُشَقَّصًا قبلَ البَيْعِ. فصل: فإن اشْتَرَى حَلْىَ فِضَّةٍ بِوَزْنِه دراهِمَ، فوَجَدَهُ مَعِيبًا، فله رَدُّه، وليس له أخْذُ الأرْشِ؛ لإِفْضائِه إلى التَّفاضُلِ فيما يَجِبُ التَّماثُلُ فيه. فإن حَدَثَ به عَيْبٌ عندَ المُشْتَرِى، فعلى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ يَرُدُّه، ويَرُدُّ أَرْشَ العَيْبِ الحادِثِ عندَه، ويَأْخُذُ

стр. 2857

ثَمَنَه، وقال القَاضِى: لا يجوزُ له رَدُّه؛ لإِفْضائِه إلى التَّفَاضُلِ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ الرَّدَّ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، ورَفْعٌ له، فلا تَبْقَى المُعاوَضَةُ، وإنما يَدْفَعُ الأَرْشَ عِوَضًا عن العَيْبِ الحادِثِ عنده، بِمَنْزِلَةِ ما لو جنَى عليه فى مِلْكِ صاحِبِه من غير بَيْعٍ، وكما لو فَسَخَ الحاكِمُ عليه. وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، يَفْسَخُ الحاكِمُ البَيْعَ، ويَرُدُّ البائِعُ (١٤) الثَّمَنَ، ويُطَالِبُ بقِيمَةِ الحَلْىِ؛ لأنَّه لم يُمْكِنْ إهْمالُ العَيْبِ، ولا أخْذُ الأَرْشِ. ولأصْحابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهانِ، كهاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ. وإن تَلِفَ الحَلْىُ، فإنَّه يَفْسَخُ العَقْدَ ويَرُدُّ قِيمَتَه، ويَسْتَرْجِعُ الثَّمَنَ؛ فإنَّ تَلَفَ المَبِيعِ لا يَمْنَعُ جَوازَ الفَسْخِ. وعندى، أنَّ الحاكِمَ إِذا فَسَخَ، وَجَبَ رَدُّ الحَلْىِ وأرْشِ نَقْصِه، كما قُلْنا فيما إذا فَسَخَ المُشْتَرِى على الرِّوايَةِ الأُخْرَى، وإنَّما يرجعُ إلى قِيمَتِه عند تَعَذُّرِ رَدِّه بِتَلَفٍ أو عَجْزٍ، وليس فى رَدِّه وَرَدِّ أَرْشِه تَفَاضُلٌ؛ لأنَّ المعاوَضَةَ قد (١٥) زَالَتْ بِالفَسْخِ، فلم يَبْقَ له مُقابِلٌ، وإنَّما هذا الأَرْشُ بمَنْزِلَةِ أرْشِ الجِنايَةِ عليه؛ ولأنَّ (١٦) قِيمَتَه إذا زَادَتْ على وَزْنِه أو نَقَصَتْ عنه، أفْضَى إلى التَّفاضُلِ؛ لأنَّ قِيمَتَه عِوَضٌ عنه، فلا يجوزُ ذلك، إلَّا أن يَأْخُذَ قِيمَتَه من غير جِنْسِه، ولو بَاعَ قَفِيزًا مِمَّا فيه الرِّبا بمثلِه، فوَجَدَ أحَدُهما بما أخَذَه عَيْبًا يَنْقُصُ قِيمَتَه دون كَيْلِه، لم يَمْلِكْ أخْذَ أَرْشِه، لئلَّا يُفْضِىَ إلى التَّفاضُلِ. والحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْناهُ (١٧) فى الحَلْىِ بالدَّراهمِ. ٧٤٥ - مسألة؛ قال: (وَإنْ ظَهَرَ عَلَى عيْبٍ بَعْدَ إعْتَاقِهِ لَهَا أَو مَوْتِهَا فِى مِلْكِهِ، فَلَهُ الأَرْشُ) وجُمْلَتُه، أنه إذا زالَ مِلْكُ المُشْتَرِى عن المَبِيعِ بِعِتْقٍ، أو وَقْفٍ، أو مَوْتٍ، أو قَتْلٍ، أو تَعَذَّرَ الرَّدُّ، لِاسْتِيلادٍ ونحوِه قبلَ عِلْمِه بالعَيْبِ، فله الأَرْشُ. وبهذا قال

стр. 2858

أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال فى المَقْتُولِ خاصَّةً: لا أرْشَ له؛ لأنَّه زالَ مِلْكُه بفِعْلٍ مَضْمُونٍ، أشْبَه البَيْعَ. ولَنا، أنَّه عَيْبٌ لم يَرْضَ به، ولم يَسْتَدْرِكْ ظُلَامَتَه فيه، فكان له الأرشُ كما لو أعْتَقَه، والبَيْعُ لَنا فيه مَنْعٌ، ومع تَسْلِيمِه فإنَّه اسْتَدْرَكَ ظُلَامَتَهُ فيه. وأمَّا الهِبَةُ، فعن أحمدَ فيها رِوَايَتَانِ؛ إحْداهما، أنَّها كالبَيْعِ؛ لأنَّه لم يَيْأَسْ من إمْكانِ الرَّدِّ؛ لِاحْتِمالِ رُجُوعِ المَوْهُوبِ إليه. والثانية، له الأَرْشُ، وهى أوْلَى. ولم يَذْكُرِ القاضى غيرَها؛ لأنَّه ما اسْتَدْرَكَ ظُلامَتَه، فأشْبَه ما لو وَقَفَه، وإمكانُ الرَّدِّ ليس بمانِعٍ من أخْذِ الأَرْشِ عندنا؛ بِدَلِيلِ ما قبلَ الهِبَةِ. وإن أكَلَ الطَّعَامَ أو لَبِسَ الثَّوْبَ، فأَتْلَفَه، رَجَعَ بأَرْشِه. وبهذا قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَرْجِعُ بشىءٍ؛ لأنَّه أهْلَكَ العَيْنَ، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَ العَبْدَ. ولَنا، أنَّه ما اسْتَدْرَكَ ظُلامَتَه، ولا رَضِىَ بالعَيْبِ، فلم يَسْقُطْ حَقُّه من الأَرْشِ، كما لو تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّه تعالى. فصل: وإن فعَلَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ بعدَ عِلْمِه بالعَيْبِ، فمَفْهُومُ كَلامِ الخِرَقِىِّ: أنَّه لا أَرْشَ له. وهو مذهبُ أبى حنيفة، والشَّافِعِىِّ. وهو قِياسُ قولِ القاضى؛ لقولِه فى مَن باعَ المَعيبَ عالِمًا بِعَيْبِه: ليس له أرْشٌ؛ لأنَّه رَضِىَ به مَعيبًا بِتَصَرُّفِه فيه مع عِلْمِه بِعَيْبِه. وقِياسُ المذهبِ، أنَّ له الأَرْشَ؛ لأنَّ له إمْساكَ المَبيعِ، والمُطالَبَةَ بأَرْشِه، وهذا يُنَزَّلُ (١) مَنْزِلَةَ إمْساكِه مع العِلْمِ بِعَيْبِه. ولأنَّ البائِعَ لم يُوفِه ما أوْجَبَه العَقْدُ، فكان له الرُّجوعُ بأَرْشِه، كما لو أعْتَقَه قبلَ عِلْمِه بِعَيْبِهِ. ولأنَّ الأَرْشَ عِوَضُ الجُزْءِ الفائِتِ بِالعَيْبِ، فلم يَسْقُطْ بِتَصَرُّفِهِ فيما سِواه؛ كما لو باعَهُ عَشَرَةَ أقْفِزَةٍ، فأَقْبَضَهُ تِسْعَةً، فتَصَرَّفَ فيها. فصل: فإنِ اسْتَغَلَّ المَبيعَ، أو عَرَضَهُ على البَيْعِ، أو تَصَرَّفَ فيه تَصَرُّفًا دالًّا على الرِّضا به، قبلَ عِلْمِه بالعَيْبِ، لم يَسْقُطْ خِيارُه؛ لأنَّ ذلك لا يَدُلُّ على الرِّضا

стр. 2859

به مَعِيبًا. وإن فَعَلَهُ بعد عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ، بَطَلَ خِيارُه فى قول عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: كان (٢) الحَسَنُ، وشُرَيْحٌ، وعبدُ اللهِ بنُ الحَسَنِ (٣)، وابنُ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ (٤)، وأصحابُ الرَّأْى، يقولونَ: إذا اشْتَرَى سِلْعَةً، فعَرَضَها على البَيْعِ، لَزِمَتْه. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ. ولا أعْلَمُ فيه مُخالِفًا (٥). فأمَّا الأَرْشُ، فقال ابنُ أبى موسى: لا يَسْتَحِقُّه أيضًا. وقد ذَكَرْنا أنَّ قِياسَ المذهبِ اسْتِحْقاقُ الأَرْشِ. قال أحمدُ: أنا أقول: إذا اسْتَخْدَمَ العَبْدَ، وأرادَ نُقْصانَ العَيْبِ، فله ذلك، فأمَّا إن احْتَلَبَ اللَّبَنَ الحادِثَ بعد العَقْدِ، لم يَسْقُطْ رَدُّه؛ لأنَّ اللَّبَنَ له، فَملَكَ اسْتِيفاءَه من المَبيعِ الذى يُرِيدُ رَدَّه. وكذلك إن رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَنْظُرَ سَيْرَها، أو لِيَسْقِيَها، أو لِيَرُدَّها على بائِعِها. وإن اسْتَخْدَمَ الأمَةَ لِيَخْتَبِرَها، أو لَبِسَ القَمِيصَ لِيَعْرِفَ قَدْرَه، لم يَسْقُطْ خِيارُه؛ لأنَّ ذلك ليس بِرِضًا بالمَبِيعِ، ولهذا لا يَسْقُطُ به خِيارُ الشَّرْطِ. وإن اسْتِخْدَمَها لغيرِ ذلك اسْتِخْدامًا كَثِيرًا، بَطَلَ رَدُّه، [وإنْ كان يَسِيرًا (٦) لا يَخْتَصُّ المِلْكَ، لم يَبْطُلِ الخِيارُ. قيلَ لأَحمدَ: إنَّ هؤلاءِ يقولونَ: إذا اشْتَرَى عَبْدًا، فوَجَدَهُ مَعِيبًا، فَاسْتَخْدَمَه بأن يقولَ: نَاوِلْنِى هذا الثَّوْبَ. يَعْنِى بَطَلَ خِيارُه. فأنْكَرَ ذلك، وقال: مَنْ قال هذا؟ أو مِن أينَ أخَذوا هذا؟ ليس هذا بِرِضًى حتى يكونَ شىءٌ يَبينُ. وقد نُقِلَ عنه فى بُطْلانِ [خيارِ الشَّرْطِ] (٧) بالاسْتِخْدام رِوايَتانِ. وكذلك يُخَرَّجُ هاهُنا. فصل: وإن أَبَقَ العَبْدُ، ثم عَلِمَ عَيْبَه، فله أخْذُ أَرْشِه. فإن أخَذَهُ ثم قَدَرَ على

стр. 2860

العَبْدِ، فإن لم يكنْ مَعْرُوفَ الإِبَاقِ قبلَ البَيْعِ، فقد تَعَيَّبَ عندَ المُشْتَرِى، فهل يَمْلِكُ رَدَّهُ ورَدَّ أرْشِ العَيْبِ الحادِثِ عندَه والأَرْش الذى أخَذَه؟ على رِوَايَتَيْنِ. وإن كان آبِقًا، فله رَدُّه ورَدُّ ما أخَذَهُ من الأَرْشِ وأخْذُ ثَمَنِه. وقال الثَّوْرِىُّ والشَّافِعىُّ: ليس لِلْمُشْتَرِى أخْذُ أَرْشِه، سواء قَدَرَ على رَدِّه أو عَجَزَ عنه، إلَّا أن يَهْلِكَ؛ لأنَّه لم يَيْأَسْ من رَدِّه، فهو كما لو بَاعَهُ. ولَنا، أنَّهُ مَعِيبٌ لم يَرْضَ به، ولم يَسْتَدْرِكْ ظُلَامَتَه فيه، فكان له أَرْشُه، كما لو أعْتَقَه، وفى البَيْعِ اسْتَدْرَكَ ظُلَامَتَه، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. فصل: وإذا اشْتَرَى عَبْدًا فأَعْتَقَه، ثم عَلِمَ به عَيْبًا فأخَذَ أَرْشَه، فهو له. وعن أحْمَدَ رِوَايَةٌ أخرى، أنَّه يَجْعَلُه فى الرِّقَابِ. وهو قول الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه من جُمْلَةِ الرَّقَبَةِ التى جَعَلَها اللهُ، فلا يَرْجِعُ إليه شىءٌ من بَدَلِها. ولَنا، أنَّ العِتْقَ إنَّما صَادَفَ الرَّقَبَةَ المَعِيبَةَ، والجُزْءُ الذى أخَذَ بَدَلَهُ ما تَنَاوَلَهُ عِتْقٌ، ولا كان مَوْجُودًا، ولأنَّ الأَرْشَ ليس بَدَلًا عن العَبْدِ، إنَّما هو جُزْءٌ من الثَّمَنِ، جُعِلَ مُقَابِلًا لِلْجُزْءِ الفَائِتِ، فلمَّا لم يُحَصِّلْ ذلك الجُزْءَ من المَبِيعِ، رَجَعَ بِقَدْرِه من الثَّمَنِ، فكأنَّه لم يَصِحَّ العَقْدُ فيه، ولهذا رَجَعَ بِقَدْرِه من الثمنِ، لا من قِيمَةِ العَبْدِ. وكلامُ أحمدَ، فى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، يُحْمَلُ على اسْتِحْبابِ ذلك، لا على وُجُوبِهِ. قال القاضِى: إنَّما الرِّوَايَتَانِ فيما إذا أعْتَقَه عن كَفَّارَتِه؛ لأنَّه إذا أعْتَقَها (٨) عن الكَفَّارَةِ، لا يجوزُ أن يَرْجِعَ إليه بشىءٍ من بَدَلِها، كالمُكاتَبِ إذا أدَّى من كِتابَتِه شَيْئًا. ولَنا، أنَّه أَرْشُ عَبْدٍ أعْتَقَه، فكان له، كما لو تَبَرَّعَ بِعِتْقِه. ٧٤٦ - مسألة؛ قال: (فَإنْ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ يُمْكِنُ حُدُوثُه قَبْلَ الشِّرَاءِ، أوْ بَعْدَه، حَلَفَ المُشْتَرِى، وَكَانَ لَهُ الرَّدُّ أوِ الْأَرْشُ) وجملةُ ذلك، أنَّ المُتَبايِعَيْنِ إذا اخْتَلَفا فى العَيْبِ، هل كان فى المَبِيعِ قبلَ العَقْدِ،

стр. 2861

أو حَدَثَ عند المُشْتَرِى؟ لم يَخْلُ من قِسْمَيْنِ؛ أحَدِهما، أن لا يَحْتَمِلَ إلَّا قولَ أحَدِهما، كالإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ، والشَّجَّةِ المُنْدَمِلَةِ، التى لا يُمكنُ حُدُوثُ مِثْلِها، والجُرْحِ الطَّرِىِّ الذى لا يَحْتَمِلُ كونَه قَدِيمًا. [فالقَوْلُ قولُ من يَدَّعِى ذلك، بغير يَمِينٍ؛ لأنَّنا نَعْلَمُ صِدْقَه، وكَذِبَ خَصْمِه، فلا حاجَةَ إلى اسْتِحْلافِه] (١). والثانى، أن يَحْتَمِلَ قولَ كلِّ واحدٍ منهما، كالخَرْقِ فى الثَّوْبِ والرَّفْوِ، ونحوِهما، ففيه رِوايَتانِ؛ إحْداهما، القولُ قولُ المُشْتَرِى، فَيَحْلِفُ باللهِ أنَّه اشْتَراهُ وبه هذا العَيْبُ، أو أنَّه ما حَدَثَ عنده ويكون له الخِيارُ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَبْضِ فى الجُزْءِ الفائِتِ، واسْتِحْقاقُ ما يُقابِلُه من الثَّمَنِ، ولُزُومُ العَقْدِ فى حَقِّه، فكان القولُ قولَ مَن يَنْفِى ذلك، كما لو اخْتَلَفا فى قَبْضِ المَبِيعِ. والثانيةُ، القولُ قولُ البائِعِ مع يَمِينِه، فيَحْلِفُ على حَسَبِ جَوابِه، إن أجابَ أنَّنِى بِعْتُه بَرِيئًا من العَيْبِ، حَلَفَ على ذلك، وإن أجابَ بأنَّه لا يَسْتَحَقُّ، على ما يَدَّعِيهِ من الرَّدِّ، حَلَفَ على ذلك، ويَمِينُه على البَتِّ لا على نَفْىِ (٢) العِلْمِ؛ لأنَّ الأيْمانَ كلَّها على البَتِّ، لا على نَفىِ فِعْلِ الغيرِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ؛ لأنَّ الأصْلَ سَلامَةُ المَبِيعِ، وصِحَّةُ العَقْدِ، ولأنَّ المُشْتَرِىَ يَدَّعِى عليه اسْتِحْقاقَ فَسْخِ البَيْعِ، وهو يُنْكِرُه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. فصل: وإذا باعَ الوَكِيلُ، ثم ظَهَرَ المُشْتَرِى على عَيْبٍ كان به، فَلَه رَدُّه على المُوَكِّلِ؛ لأنَّ المَبِيعَ يُرَدُّ بالعَيْبِ، على مَن كان له، فإن كان العَيْبُ ممَّا يُمْكِنُ حُدُوثُه، فأقَرَّ به الوَكِيلُ، وأنْكَرَه المُوَكِّلُ، فقال أبو الخَطَّابِ: يُقْبَلُ إقْرَارُه على مُوَكِّلِه بالعَيْبِ؛ لأنَّه أمْرٌ يَسْتَحِقُّ به الرَّدّ، فيُقْبَلُ إقْرارُ الوَكِيلِ به على مُوَكِّلِه، كَخِيارِ الشَّرْطِ. وقال أصْحابُ أبى حنيفةَ والشَّافِعِىُّ: لا يُقْبَلُ إقْرَارُ الوَكِيلِ بذلك. وهو أصَحُّ؛ لأنَّه إقْرارٌ على الغَيْرِ، فلم يُقْبَلْ، كالأجْنَبِىِّ، فإذا رَدَّه المُشْتَرِى على الوَكِيلِ، لم يَمْلِكِ الوَكِيلُ رَدَّه على المُوَكِّلِ؛ لأنَّه رَدَّه بإقراره، وهو غيرُ مَقبُولٍ على غيرِه. ذَكَرَه القَاضِى. فإن أنْكَرَه الوَكِيلُ فَتَوجَّهَتِ اليَمِينُ عليه، فَنَكَلَ عنها،

стр. 2862

فَرُدَّ عليه بِنُكُولِه، فهل له رَدُّه على المُوَكِّلِ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحَدِهما، ليس له رَدُّه؛ لأنَّ ذلك يَجْرِى مَجْرَى إقْرارِهِ. والثانى، له رَدُّه؛ لأنَّه يَرْجِعُ إليه بغير اخْتِيارِه، أشْبَهَ ما لو قامَتْ به بيِّنَةٌ. فصل: ولو اشْتَرَى جارِيَةً على أنَّها بِكْرٌ، ثم قال المُشْتَرِى: إنَّما هى ثَيِّبٌ. أُرِيَتِ النِّساءَ الثّقاتَ، ويُقْبَلُ قولُ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ. فإن وَطِئَها المُشْتَرِى، وقال: ما أصَبْتُها بِكْرًا. خُرِّجَ فيه وَجْهانِ، بِناءً على الرِّوايَتَيْنِ فيما إذا اخْتَلَفا فى العَيْبِ الحَادِثِ. فصل: وإن رَدَّ المُشْتَرِى السِّلْعَةَ بِعَيْبٍ فيها، فأنْكَرَ البائِعُ كَوْنَها سِلْعَتَه، فالقولُ قولُ البائِعِ مع يَمِينِه. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأى. ونحوَه قال الأوْزاعِىُّ، فإنَّه قال فى مَنْ صَرَفَ دَراهِمَ بِدَنانِيرَ، ثم رَجَعَ بِدِرْهَمٍ، فقال الصَّيْرَفِىُّ: ليس هذا دِرْهَمِى يَحْلِفُ الصَّيْرَفِىُّ: بالله لقد وَفَّيْتُكَه، ويَبْرَأُ؛ لأنَّ البائِعَ مُنْكِرٌ كَوْنَ هذه سِلْعَتَه، ومُنْكِرٌ لِاسْتِحْقاقِ الفَسْخِ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. فأمَّا إن جاءَ لِيَرُدَّ السِّلْعَةَ بخِيارٍ، فأنْكَرَ البائِعُ أنَّها سِلْعَتُه، فحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، أنَّ القولَ قولُ المُشْتَرِى. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّهما اتَّفَقا على اسْتِحْقاقِ فَسْخِ العَقْدِ، والرَّدُّ بَالعَيْبِ بخِلافِه. ٧٤٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا اشْتَرَى شَيْئًا، مَأْكُولُهُ فِى جَوْفِهِ، فَكَسَرَهُ، فوَجَدَهُ فَاسِدًا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لِمَكسُورِه قِيمَةٌ، كبَيْضِ الدَّجَاجِ، رَجَعَ بالثَّمَنِ عَلَى الْبائِعِ، وَإنْ كَانَ لِمَكْسُورِه قِيمَةٌ، كجَوْزِ الهِنْدِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِى الرَّدِّ وأخْذِ الثَّمَنِ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ الْكَسْرِ، أوْ يَأْخُذُ مَا بَينَ صَحِيحِهِ وَمَعِيبِهِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا اشْتَرَى ما لا يطَّلِعُ على عَيْبِه إلَّا بِكَسْرِه، كالبِطِّيخِ، والرُّمَّانِ، والجَوْزِ، والبَيْضِ، فكَسَرَهُ فبانَ عَيْبُه، ففيه رِوايَتانِ؛ إحْداهما، لا يَرْجِعُ على البائِعِ بشىءٍ، وهو مذهبُ مالِكٍ؛ لأنَّه ليس من البائِعِ تَدْلِيسٌ، ولا تَفْرِيطٌ؛ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِه بِعَيْبِه، وكَوْنِه لا يمكنُه الوُقُوفُ عليه إلَّا بِكَسْرِه، فجَرَى

стр. 2863

مَجْرَى البَراءَةِ من العُيُوبِ. والثانيةُ، يَرْجِعُ عليه. وهى ظاهِرُ المذهبِ، وقولُ أبى حنيفةَ والشَّافِعىِّ؛ لأَنَّ عَقْدَ البَيْعِ اقْتَضَى السَّلامَةَ من عَيْبٍ لم يَطَّلِعْ عليه المُشْتَرِى، فإذا بانَ مَعِيبًا، ثَبَتَ له الخِيارُ، ولأنَّ البائِعَ إنَّما يسْتَحِقُ ثَمَنَ المَعيِبِ، دونَ الصَّحِيحِ؛ لأنَّه لم يَمْلِكْه صَحِيحًا، فلا مَعْنَى لإِيجابِ الثَّمَنِ كُلِّه، وكَوْنُه لم يُفَرِّطْ لا يَقْتَضِى أن يَجبَ له ثَمَنُ ما لم يُسَلِّمْه؛ بِدَلِيلِ العَيْبِ الذى لم يَعْلَمْه فى العَبْدِ. إذا ثبَتَ هذا، فإنَّ المَبِيعَ إن كان ممَّا لا قِيمَةَ له مَكْسُورًا، كبَيْضِ الدَّجاجِ الفاسِدِ، والرُّمَّانِ الأسْوَدِ، والجَوْزِ الخَرِبِ، والبِطِّيخِ التَّالِفِ، رَجَعَ بالثَّمَنِ كلِّه؛ لأنَّ هذا تَبَيَّنَ به فَسادُ العَقْدِ من أصْلِه؛ لِكَونِه وَقَعَ على ما لا نَفْعَ فيه، ولا يَصِحُّ بَيْعُ ما لا نَفْعَ فيه، كالحَشَراتِ والمَيْتاتِ، وليس عليه أن يَرُدَّ المَبِيعَ إلى البائِعِ؛ لأنَّه لا فائِدَةَ فيه. الثانى، أن يكونَ ممَّا لِمَعِيبِه قِيمَةٌ، كَجَوْزِ الهِنْدِ، وبَيْضِ النَّعامِ، والبِطِّيخِ الذى فيه نَفْعٌ، ونحوِه، فإذا كَسَرَهُ نَظَرْتَ، فإن كان كَسْرًا لا يُمْكِنُ اسْتِعْلامُ المَبِيعِ بدونِه، فالمُشْتَرِى مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهِ ورَدِّ أَرْشِ الكَسْرِ وأخْذِ الثَّمَنِ، وبين أخْذِ أرْشِ عَيْبِه، وهو قِسْطُ ما بين صَحِيحِه ومَعِيبِه، وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. وقال القاضِى: عندى لا أرْشَ عليه لِكَسْرِه؛ لأنَّ ذلك حَصَلَ بِطَرِيقِ اسْتِعْلامِ العَيْبِ، والبائِعُ سَلَّطَهُ عليه، حيثُ عَلِم أنَّه لا تُعْلَمُ له صِحَّتُه مِن فَسادِه بغيرِ ذلك. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ. وَوَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه نَقْصٌ لم يَمْنَع الرَّدَّ، فَلَزِمَ رَدُّ أَرْشِه، كلَبَنِ المُصَرَّاةِ إذا حَلَبَها، والبِكْرِ إذا وَطِئها، وبهذَيْن الأصْلَيْنِ يَبْطُلُ ما ذَكَرَه، فإنَّه لِاسْتِعْلامِ العَيْبِ، والبائِعُ سَلَّطَه عليه، بل هاهُنا أوْلَى؛ لأنَّه تَدْلِيسٌ من البائِعِ، والتَّصْرِيَةُ حَصَلَتْ بِتَدْلِيسِه، وإن كان كَسْرًا يُمْكِنُ اسْتِعْلامُ المَبِيعِ بدُونِه، إلَّا أنَّه لا يُتْلِفُ المَبِيعَ بالكُلِّيَّةِ، فالحُكْمُ فيه كالذى قبلَه فى قَوْلِ الخِرَقِىِّ، وهو قولُ القاضِى أيضًا. والمُشْتَرِى مُخَيَّرٌ بين رَدِّه وأَرْشِ الكَسْرِ وأخْذِ الثَّمَنِ، وبين أخْذِ أرْشِ العَيْبِ. وهو إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عن أحمدَ. والرِّوايَةُ الثانية، ليس له رَدُّه، وله أرْشُ العَيْبِ. وهذا قولُ أبى حنيفة والشَّافِعىِّ، وقد ذَكَرْنا ذلك فيما تَقَدَّمَ. وإن كَسَرَه كَسْرًا لا يُبْقِى له قِيمَةً، فلَهُ أرْشُ العَيْبِ، لا غيرُ؛ لأنَّه

стр. 2864

أتْلَفَه، وقَدْرُ أَرْشِ العَيْبِ قِسْطُ ما بين الصَّحِيحِ والمَعِيبِ من الثَّمَنِ، فَيُقَوَّمُ المَبِيعُ صَحِيحًا، ثم يُقَوَّمُ مَعِيبًا غيرَ مَكْسُورٍ، فيكونُ لِلْمُشْتَرِى قَدْرُ ما بينهما من الثَّمَنِ. على ما مَضَى شَرْحُه. فصل: ولو اشْتَرَى ثَوْبًا فَنَشَرَه فوَجَدَه مَعِيبًا، فإن كان ممَّا لا يَنْقُصُه النَّشْرُ، رَدَّه، وإن كان يَنْقُصُه النَّشْرُ، كالهِسَنْجَانِىِّ (٣)، الذى يُطْوَى طاقَيْنِ مُلْتَصِقَيْنِ، جَرَى ذلكَ مَجْرَى جَوْزِ الهِنْدِ، على التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ، فيما إذا لم يَزِدْ على ما يَحْصُلُ به اسْتِعْلامُ المَبِيعِ، أو زادَ، كَنَشْرِ مَن لا يَعْرِفُ. وإن أحَبَّ أخْذَ أرْشِه، فله ذلك بكلِّ حالٍ. فصل: وإذا اشْتَرَى ثَوْبًا فصَبَغَه، ثم ظَهَرَ على عَيْبٍ، فله أَرْشُه لا غيرُ، وبهذا قال أبو حنيفةَ. وعن أحمدَ، أنَّ له رَدَّه. وأخْذَ زِيادَتِه بالصَّبْغِ؛ لأنَّها زِيادَةٌ، فلا تَمْنَعُ الرَّدَّ، كالسِّمَنِ والكَسْبِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ هذا مُعاوَضَةٌ، فلا يُجْبَرُ البائِعُ على قَبُولِها، كسائِرِ المُعاوَضاتِ. وفارَقَ السِّمَنَ والكَسْبَ، فإنَّه لا يَأْخُذُ عن السِّمَنِ عِوَضًا، والكَسْبُ لِلْمُشْتَرِى لا يَرُدُّه، ولا يُعاوَضُ عنه. وإن قال البائِعُ: أنا آخُذُه، وأُعْطِى قِيمَةَ الصَّبْغِ. لم يَلْزَمِ المُشْتَرِىَ ذلك. وقال الشَّافِعِىُّ: ليس لِلْمُشْتَرِى إلَّا رَدُّه؛ لأنَّه أمْكَنَه رَدُّه، فلم يَمْلِكْ أخْذَ الأَرْشِ، كما لو سَمِنَ عَبْدُه، أو كَسَبَ. ولَنا، أنَّه لا يُمْكنُه رَدُّه، إلَّا بِرَدِّ شىءٍ مِن مالِه معه، فلم يَسْقُطْ حَقُّه من الأَرْشِ بِامْتِناعِه من رَدِّه، كما لو تَعَيَّبَ عندَه، فطَلَبَ البائِعُ أخْذَه مع أَرْشِ العَيْبِ الحادِثِ. والأصْلُ لا نُسَلِّمُه، فإنَّه يَسْتَحِقُّ أخْذَ الأَرْشِ إذا أرادَه بكلِّ حالٍ. فصل: يَصِحُّ بَيعُ العَبْدِ الجانِى، سواءٌ كانت الجِنايَةُ، عَمْدًا أو خَطَأ، على النَّفْسِ وما دونَها، مُوجِبةً لِلقِصاصِ أو غيرَ مُوجِبَةٍ له. وبهذا قال أبو حنيفَةَ، والشَّافِعِىُّ فى أحد قَوْلَيْه، وقال فى الآخَرِ: لا يَصِحُّ بَيْعُه؛ لأنَّه تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِه حَقُّ آدَمِىٍّ، فمَنَعَ

стр. 2865

صِحَّةَ بَيْعِه، كالرَّهْنِ، بل حَقُّ الجِنايَةِ آكَدُ؛ لأنَّها تُقَدَّمُ على حَقِّ المُرْتَهِنِ. ولَنا، أنَّه حَقٌّ غيرُ مُسْتَقِرٍّ فى الجانِى، يَمْلِكُ أداءَه من غيرِه، فلم يَمْنَعِ البَيْعَ، كالزَّكاةِ، أو حَقٌّ يَثْبُتُ بغير رِضَا سَيِّدِه، فلم يَمْنَعْ بَيْعَه، كالدَّيْنِ فى ذِمَّتِه، أو تَصَرُّفٌ فى الجانِى، فجازَ، كالعِتْقِ. وإن كان الحقُّ قِصاصًا، فهو تُرْجَى سَلامَتُه ويُخْشَى تَلَفُه، فأشْبَهَ المَرِيضَ. أمَّا الرَّهْنُ، فإنَّ الحَقَّ مُتَعَيِّنٌ فيه، لا يَمْلِكُ سَيِّدُه إبْدالَه، ثَبَتَ الحَقُّ فيه بِرِضاه، وَثِيقَةً لِلدَّيْنِ، فلو أبْطَلَه بِالبَيْعِ، سَقَطَ حَقُّ الوَثِيقَةِ الذى الْتَزَمَه بِرِضاه واخْتِيارِه. إذا ثَبَتَ هذا فمتى باعَه، وكانت الجِنايَةُ مُوجِبَةً للمالِ، أو القَوَدِ، فعُفِىَ عنه إلى مالٍ، فعلَى السَّيِّدِ فِداؤُه بأقَلِّ الأمْرَيْنِ من قِيمَتِه، أو أرْشِ جِنايَتِه، ويَزُولُ الحَقُّ عن رَقَبَةِ العَبْدِ بِبَيْعِه؛ لأنَّ لِلسَّيِّدِ الخِيرَةَ، بين تَسْلِيمِه وفِدائِه. فإن باعَه تَعَيَّنَ عليه فِداؤُه؛ لإِخْراجِ العَبْدِ من مِلْكِه. ولا خِيارَ لِلمُشْتَرِى؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ عليه، إذ الرُّجُوعُ على غيرِه، هذا إذا كان السَّيِّدُ مُوسِرًا. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ: لا يَلْزَمُ السَّيِّدَ فِدَاؤُه؛ لأنَّ أكْثَرَ ما فيه أنَّه الْتَزَمَ فِداءَه، فلا يَلْزَمُه ذلك، كما لو قال الرَّاهِنُ: أنا أقْضِى الدَّيْنَ من الرَّهْنِ. ولَنا، أنَّه زالَ مِلْكُه عن الجانِى، فَلَزِمَه فِداؤُه، كما لو قَتَلَه، بخِلافِ الرَّهْنِ، وبهذا قال أبو حنيفةَ. وإن كان البائِعُ مُعْسِرًا، لم يَسْقُطْ حَقُّ المَجْنِىِّ عليه من رَقَبَةِ الجانِى؛ لأنَّ البائِعَ إنَّما يَمْلِكُ نَقْلَ حَقِّه عن رَقَبَتِه بفِدائِه أو ما يَقُومُ مَقامَه، ولا يَحْصُلُ ذلك فى ذِمَّةِ المُعْسِرِ، فيَبْقَى الحَقُّ فى رَقَبَتِه بحالِه مُقَدَّمًا على حَقِّ المُشْتَرِى. ولِلْمُشْتَرِى خِيارُ الفَسْخِ، إن كان غيرَ عالِمٍ بِبَقاءِ الحَقِّ فى رَقَبَتِه، فإن فَسَخَ رَجَعَ بالثَّمنِ، وإن لم يَفْسَخْ، وكانت الجِنايَةُ مُسْتَوْعِبَةً لِرَقَبَةِ العَبْدِ، فأخَذَ بها، رَجَعَ المُشْترِى بالثَّمَنِ أيضا، لأنَّ أَرْشَ مثلِ هذا جَمِيعُ ثَمَنِه، وإن كانت غيرَ مُسْتَوْعِبَةٍ لِرَقَبَتِه، رَجَعَ بِقَدْرِ أرْشِه. وإن كان عالِمًا بِعَيْبِه، راضِيًا بِتَعَلُّقِ الحَقِّ به، لم يَرْجِعْ بشىءٍ؛ لأنَّه اشْتَرَى مَعِيبًا عالِمًا بِعَيْبِه. فإن اخْتارَ المُشْتَرِى فِداءَه، فله ذلك، والبَيْعُ بحالِه؛ لأنَّه يَقُومُ مقامَ البائِعِ فى الخِيَرَةِ بين تَسْلِيمِه وفِدائِه، وحُكْمُه فى الرُّجُوعِ بما فَداهُ به على البائِعِ حُكْمُ قَضاءِ الدَّيْنِ عنه. فإن كانت الجِنايَةُ مُوجِبَةً لِلقِصاصِ، فللمُشْتَرِى الخِيارُ، بين الرَّدِّ وأخْذِ

стр. 2866

الأَرْشِ، فإن اقْتُصَّ منه تَعَيَّنَ الأَرْشُ، وهو قِسْطُ قِيمَتِه ما بَيْنَه جانِيًا وغيرَ جانٍ، ولا يَبْطُلُ البَيْعُ من أصْلِه. وبهذا قال أصْحابُ الشَّافِعِيِّ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ: يَرْجِعُ بجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لأنَّ تَلَفَه كان بمعنًى اسْتُحِقَّ عندَ البائِعِ، فجَرَى مَجْرَى إتْلافِه إيَّاه. ولَنا، أنَّه تَلِفَ عند المُشْتَرِى بالعَيْبِ الذى كان فيه، فلم يُوجِبِ الرُّجُوعَ بجَمِيعِ الثَّمَنِ، كما لو كان مَرِيضًا، فماتَ بِدائِه، أو مُرْتَدًّا، فَقُتِلَ برِدَّتِه، وما ذَكَرُوه مُنْتَقِضٌ بما ذَكَرْناه، ولا يَصِحُّ قِياسُهُم على إتْلافِه؛ لأنَّه لم يُتْلِفْه، فما اشْتَرَكا في المُقْتَضِى. ولو كانت الجِنايَةُ مُوجِبَةً لِقَطْعِ يَدِه، فَقُطِعَتْ عند المُشتَرِى، فقد تَعَيَّبَ في يَدِه؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَ القَطْعِ دونَ حَقِيقَتِه، فهل يَمْنَعُ ذلك رَدَّه بِعَيْبِه؛ على رِوايَتَيْنِ. ومتى اشْتَراه عالِمًا بِعَيْبِه، لم يكُنْ له رَدُّه؛ ولا أرْشٌ، كسائِرِ المَعِيباتِ، وهذا قولُ الشَّافِعِيِّ. فصل: وحُكْمُ المُرْتَدِّ حُكْمُ القاتِلِ، في صِحَّةِ بَيْعِه، وسائِرِ أحْكامِه المَذْكُورَةِ فيه، فإنَّ قَتْلَهُ غيرُ مُتَحَتَّمٍ؛ لاحْتِمالِ رُجُوْعِه إلى الإِسْلامِ. وكذلك القاتِلُ في المُحارَبَةِ إذا تابَ قبل القُدْرَةِ عليه، فإن لم يَتُبْ حتى قُدِرَ عليه، فقال أبو الخَطَّابِ: هو كالقاتِلِ في غيرِ مُحارَبَةٍ؛ لأنَّه عَبْدٌ قِنٌّ، يَصِحُّ إعْتَاقُه، ويَمْلِكُ اسْتِخْدَامَه، فصَحَّ بَيْعُه، كغير القاتِلِ، ولأنَّه يُمْكِنُه الانْتِفَاعُ به إلى حالِ قَتْلِه، ويَعْتِقُه فيَنْجُزُ (٤) به وَلاءُ أَولَاده، فجازَ بَيْعُه، كالمَرِيضِ المَأْيُوسِ من بُرْئِه. وقال القاضي: لا يَصِحُّ بَيْعُه؛ لأنَّه تَحَتَّمَ قَتْلُه وإتْلافُه وإذْهابُ مالِيَّتِه، وحَرُمَ إبْقاؤُه، فصارَ بمَنْزِلَةِ ما لا نَفْعَ فيه من الحَشَراتِ والمَيْتاتِ، وهذه المَنْفَعَةُ اليَسِيرَةُ مُفْضِيَةٌ به إلى قَتْلِه لا يَتَمهَّدُ بها مَحلًّا لِلْبَيْعِ، كالمَنْفَعَةِ الحاصِلَةِ من المَيْتَةِ؛ لِسَدِّ بَثْقٍ (٥)، أو إطْعامِ كَلْبٍ، والأَوَّلُ أصَحُّ، فإنَّه كان مَحلًّا لِلْبَيْعِ، والأصْلُ بَقاءُ ذلك فيه، وانْحِتامُ إتْلافِه

стр. 2867

لا يَجْعَلُه تالِفًا؛ بِدَلِيلِ أنَّ أحْكامَ الحَياةِ، من التَّكْلِيفِ وغيرِه، لا تَسْقُطُ عنه، ولا تَثْبُتُ أحْكامُ المَوْتَى له، مِن إرْثِ مالِه، ونُفُوذِ وَصِيَّتِه وغيرِها، ولأنَّ خُرُوجَه عن حُكْمِ الأصْلِ، لا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ، ولا نَصَّ في هذا ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الحَشراتِ والمَيْتاتِ؛ لأنَّ تلك لم تكنْ فيها مَنْفَعَةٌ، فيما مَضَى، ولا في الحالِ، وعلى أنَّ (٦) هذا التَّحَتُّمَ يُمكنُ زَوَالُه؛ لِزَوَالِ ما ثَبَتَ به من الرُّجُوعِ عن الإِقْرارِ، وإن كان ثَبَتَ به، أو رُجُوعِ البَيِّنَةِ، ولو لم يُمْكِنْ زَوَالُه، فأكْثَرُ ما فيه تَحَقُّقُ تَلَفِه، وذلك يَجْعَلُه كالمَرِيضِ المَأْيُوسِ من بُرْئِه، وبَيْعُه جائِزٌ. ٧٤٨ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَه مَالٌ، فَمَالُه لِلْبَائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ، إذَا كَانَ قَصْدُه لِلْعَبْدِ لَا لِلْمَالِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ السَّيِّدَ إذا باعَ عَبْدَه، أو جارِيَتَه، وله مالٌ مَلَّكَه إيَّاه مَوْلاه، أو خَصَّه به، فهو للبائِعِ؛ لما رَوَىَ ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُه لِلْبَائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ". رواهُ مُسْلِمٌ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَه (١). ولأنَّ العَبْدَ ومالَه (٢) للبائِعِ، فإذا باعَ العَبْدَ اخْتَصَّ البَيْعُ به دُونَ غيرِه، كما لو كان له عَبْدانِ فباعَ أحَدَهُما. وإن اشْتَرَطَه المُبْتاعُ كان له؛ لِلْخَبَرِ، ورَوَى ذلك نافِعٌ، عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ بن الخَطَّابِ رَضِىَ اللَّه عنه، وقَضَى به شُرَيْحٌ، وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاقُ. قال الخِرَقِيُّ: إذا كان قَصْدُه لِلْعَبْدِ لا للمالِ. هذا مَنْصُوصُ أحمدَ، وهو قولُ الشَّافِعِيِّ، وأبى ثَوْرٍ، وعُثمانَ البَتِّيِّ. ومَعْناه، أنَّه لا يَقْصِدُ بالبَيعِ شِراءَ مالِ العَبْدِ، إنَّما يَقْصِدُ بَقاءَ المالِ لِعَبْدِه، وإقْرارَه في يَدِه، فمتى كان كذلك، صَحَّ اشْتِراطُه، ودَخَلَ في البَيْعِ به، سواءٌ كان المالُ مَعْلُومًا أو مَجْهُولًا، من جِنْسِ الثَّمَنِ أو مِن غيرِه، عَيْنًا

стр. 2868

كان أو دَيْنًا، وسواءٌ كان مثلَ الثَّمَنِ أو أقَلَّ أو أكْثَرَ. قال الْبَتِّيُّ: إذا باعَ عَبْدًا (٣) بأَلْفِ دِرْهَمٍ، ومعه أَلْفُ دِرْهَمٍ، فالبَيْعُ جَائِزٌ إذا كانتْ رَغْبَةُ المُبْتَاعِ في العَبْدِ لا في الدَّرَاهِمِ؛ وذلك لأنَّه دَخَلَ في البَيْعِ تَبَعًا غيرَ مَقْصُودٍ، فأشْبَه أسَاساتِ الحِيطَانِ، والتَّمْوِيهَ بالذَّهَبِ في السُّقُوفِ، فأمَّا إن كان المالُ مَقْصُودًا بالشِّرَاءِ، جازَ اشْتِرَاطُه إذا وُجِدَتْ فيه شَرَائِطُ البَيْعِ، من العِلْمِ به، وأن لا يكونَ بينه وبين الثَّمَنِ رِبًا، كما يُعْتَبرُ ذلك في العَيْنَيْنِ المَبِيعَتَيْنِ؛ لأنه مَبِيعٌ مَقْصُودٌ، فأشْبَه ما لو ضَمَّ إلى العَبْدِ عَيْنًا أخرى وبَاعَهما. وقال القاضِي: هذا يَنْبَنِي على كَوْنِ العَبْدِ يَمْلِكُ أو لا يَمْلِكُ، فإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ. فاشْتَرَطَ المُشْتَرِى مَالَهُ صارَ مَبِيعًا معه، فاشْتُرِطَ فيه ما يُشْتَرَطُ في سَائِرِ المَبِيعَاتِ. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ. وإن قُلْنا: يَمْلِكُ. احْتُمِلَتْ فيه الجَهَالَةُ وغيرُها ممَّا ذَكَرْنَا من قبلُ؛ لأنَّه تَبَعٌ في البَيْعِ لا أصْلٌ، فأشْبَهَ طَيَّ الآبارِ. وهذا خِلَافُ نَصّ أحمدَ وقولِ الخِرَقِيّ؛ لأنَّهما جَعَلَا الشَّرْطَ الذي يَخْتَلِفُ الحُكْمُ به قَصْدَ المُشْتَرِى دُونَ غيرِه، وهو أصَحُّ إن شاء اللهُ تعالى، واحْتِمَالُ الجَهَالَةِ فيه لِكَوْنِه غيرَ مَقْصُودٍ، كما ذَكَرْنا، كاللَّبَنِ في ضَرْعِ الشَّاةِ المَبِيعَةِ، والحَمْلِ في بَطْنِها، والصُّوفِ على ظَهْرِهَا، وأشْبَاهِ ذلك، فإنَّه مَبِيعٌ، ويَحْتَمِلُ فيه الجَهَالَةَ وغيرَها، لما ذَكَرْنا. وقد قيل: إنَّ المالَ ليس بمَبِيعٍ هاهُنا، وإنَّما اسْتَبْقَاهُ المُشْتَرِي على مِلْكِ العَبْدِ لا يَزُولُ عنه إلى البائِعِ. وهو قَرِيبٌ من الأَوَّلِ. فصل: وإذا اشْتَرَى عَبْدًا، واشْتَرَطَ مَالَه، ثم رَدَّ العَبْدَ بِعَيْبٍ أو خِيَارٍ أو إقَالَةٍ، رَدَّ مَالَهُ معه. وقال داودُ: يَرُدُّ العَبْدَ دُونَ مَالِه؛ لأنَّ مَالَهُ لم يَدْخُلْ في البَيْعِ، فأشْبَهَ النَّمَاءَ الحادِثَ عندَه. ولَنا، أنَّه عَيْنُ مالٍ أخَذَها المُشْتَرِى، لا تَحْصُلُ بدُونِ البَيْعِ، فيَرُدُّها بالفَسْخِ، كالعَبْدِ، ولأنَّ العَبْدَ إذا كان ذا مالٍ كانت قِيمَتُه أكْثَرَ، فأخْذُ مَالِه يَنْقُصُ قِيمَتَه، فلم يَمْلِكْ رَدَّه حتى يَدْفَعَ ما يُزِيلُ نَقْصَه. فإن تَلِفَ مالُه، ثم أرَادَ رَدَّه، فهو بمَنْزِلَةِ العَيْبِ الحادِثِ عند المُشْتَرِى، هل يَمْنَعُ الرَّدَّ؟ على رِوايَتَيْنِ،

стр. 2869

فإن قُلْنا: يَرُدُّه. فعليه قِيمَةُ ما أتْلَفَ. قال أحْمَدُ: في رَجُلٍ اشْتَرَى أَمَةً معها قِنَاعٌ، فاشْتَرَطَهُ، وظَهَرَ على عَيْبٍ، وقد تَلِفَ القِنَاعُ: غَرِمَ قِيمَتَهُ بِحِصَّتِه من الثَّمَنِ. فصل: وما كان على العَبْدِ أو الجَارِيَةِ من الحَلْىِ، فهو بمَنْزِلَةِ مَالِه، على ما ذَكَرْنا. فأمَّا الثِّيَابُ فقال أحمدُ: ما كان يَلْبَسُه عند البائِعِ، فهو للمُشْتَرِى، وإن كانت ثِيابًا يَلْبَسُها فوقَ ثِيَابِه، أو شَيْئًا يُزَيِّنُه به، فهو للبائِعِ، إلَّا أن يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ. يعنى أنَّ الثِّيَابَ التى يَلْبَسُها عَادَةً لِلْخِدْمَةِ والبِذْلَةِ، تَدْخُلُ في البَيْعِ، دون الثِّيَابِ التى يَتَجَمَّلُ بها؛ لأنَّ ثِيَابَ البِذْلَةِ جَرَتِ العادَةُ ببَيْعِها معه، ولأنَّها تَتَعَلَّقُ بها مَصْلَحَتُه وحَاجَتُه، إذْ لا غَنَاءَ له عنها، فجَرَتْ مجْرَى مَفَاتِيح الدَّارِ، بخِلَافِ ثِيَابِ الجَمَالِ، فإنَّها زِيَادَةٌ على العَادَةِ، ولا تَتَعَلَّقُ بها حَاجَةُ العَبْدِ، وإنما يُلْبِسُها إيَّاهُ ليُنْفِقَهُ بها، وهذه حاجَةُ السَّيِّد، لا حَاجَةُ العَبْدِ، ولم تَجْرِ العَادَةُ بالمُسَامَحَةِ فيها، فجَرَتْ مَجْرَى السُّتُورِ في الدَّارِ والدَّابَّة التى يُرْكِبُهُ عليها، مع دُخُولِها في الخَبَرِ، وبَقَائِها على الأصْلِ. وقال ابنُ عُمرَ: مَن بَاعَ وَلِيدَة، زَيَّنَهَا بثِيَابٍ، فلِلَّذِي اشْتَرَاها ما عليها، إلَّا أن يَشْتَرِطَه الذى بَاعَها. وبه قال الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ. ولَنا، الخبرُ الذى رَوَاهُ ابن عمرَ. ولأنَّ الثِّيَابَ لم يَتَنَاوَلْها لَفْظُ البَيْعِ، ولا جَرَتِ العادَةُ بِبَيْعِها معه، أشْبهَ سائِرَ مالِ البائعِ. ولأنَّه زِينَةٌ لِلْمَبِيعِ، فأشْبَهَ ما لو زَيَّنَ الدّارَ بِبِسَاطٍ أو سِتْرٍ. فصل: ولا يَمْلِكُ العَبْدُ شَيْئًا، إذا لم يُمَلِّكْه سَيِّدُه. في قول عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أهْلُ الظَّاهِرِ: يَمْلِكُ؛ لِدُخُولِه في عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٤). وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "من بَاعَ عَبْدًا وله مالٌ". فأضَافَ المالَ إليه بِلَامِ التَّمْلِيكِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (٥). ولأنَّ سَيِّدَه يَمْلِكُ عَيْنَه ومَنافِعَه، فما حَصَلَ بذلك يَجِبُ أن يكونَ

стр. 2870

لِسَيِّدِهِ، كَبَهِيمَتِه. فأمَّا إن مَلَّكَهُ سَيِّدُه شَيْئًا، ففيه رِوَايَتانِ، إحْداهُما، لا يَمْلِكُه. وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ؛ فإنَّه قال: والسَّيِّدُ يُزَكِّي عمَّا في يَدِ عَبْدِه؛ لأنَّه مالِكُه. وقال: والعَبْدُ لا يَرِثُ، ولا مالَ له فيُورَثُ عنه. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وقولُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، والشَّافِعِيِّ في الجَدِيدِ؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ، فلم يَمْلِكْ، كالبَهِيمَةِ. والثانية، يَمْلِكُ. وهى أصَحُّ عِنْدِي. وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ في القَدِيمِ؛ للآيةِ والخَبَرِ، ولأنَّه آدَمِيٌّ حَيٌّ، فمَلَكَ كالحُرِّ، ولأنَّه يَمْلِكُ في النِّكاحِ، فمَلَكَ في المالِ كالحُرِّ، ولأنَّه يَصِحُّ الإِقْرارُ له، فأشْبَه الحُرَّ، وما ذَكَرُوهُ تَعْلِيلٌ بالمانِعِ، ولا يَثْبُتُ اعْتِبَارُه إلَّا أن يُوجَدَ المُقْتَضِى في الأصْلِ، ولم يُوجَدْ في البَهِيمَةِ ما يَقْتَضِى ثُبُوتَ المِلْكِ لها، وإنَّما انْتَفَى مِلْكُها لعدمِ المُقْتَضِى له، لا لِكَوْنِها مَمْلُوكَةً، وكونُها مَمْلُوكَةً عَدِيمُ الأثَرِ، فإنَّ سائِرَ البَهائِمِ التى لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً من الصُّيُودِ والوُحُوشِ، لا تُمَلَّكُ، وكذلك الجَماداتُ، وإذا بَطَلَ كونُ ما ذَكَرُوه مانِعًا، وقد تَحَقَّقَ المُقْتَضِى، لَزِمَ ثُبُوتُ حُكْمِه. واللَّه أعلمُ. ٧٤٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ، لمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا بِهِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن باعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، ثم اشْتَراها بأقَلَّ منه نَقْدًا، لم يَجُزْ في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وعائِشةَ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبيِّ، والنَّخَعِيِّ. وبه قال أبو الزِّنادِ، ورَبِيعَةُ، وعبدُ العزيزِ ابنُ أبى سَلَمَةَ (١)، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالِكٌ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وأجازَه الشَّافِعِيُّ؛ لأنَّه ثَمَنٌ يجوزُ [أن يَبِيعَها] (٢) به من غيرِ بائِعِها، فجازَ

стр. 2871

من بائِعِها، كما لو باعَها بمثلِ ثَمَنِها. ولَنا، ما رَوَى غُنْدَرٌ، عن شُعْبَةَ، عن أبي إسْحاقَ السَّبِيعِيِّ، عن امْرَأَتِه العَالِيَة بنتِ أَيْفَعَ بن شُرَحبِيل، أنَّها قالتْ: دَخَلْتُ أنا وأُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بن أرْقَمَ وامْرَأتُه على عَائِشَةَ، رضِىَ اللَّه عنها، فقالَتْ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ ابنِ أرْقَمَ: إنِّي بِعْتُ غُلامًا من زَيْدِ بنِ أرْقَمَ بِثَمانِمائَةِ درهم إلى العَطاءِ، ثم اشْتَرَيْتُه منه بِسِتِّمائة درهم، فقالت لها: بِئْسَ ما شَرَيْتِ، وبِئْسَ ما اشْتَرَيْتِ، أبْلِغِى زَيْدَ بنَ أرْقَمَ: أنَّه قد أَبْطَلَ جِهَادَهُ مع رسولِ اللَّه ﷺ ، إلَّا أنْ يَتُوبَ. رواه الإِمامُ أحْمَدُ (٣)، وسَعِيدُ بن مَنْصُورٍ. والظَّاهِرُ، أنَّها لا تقول مثلَ هذا التَّغْلِيظِ، وتُقْدِمُ عليه، إلَّا بِتَوْقِيفٍ سَمِعَتْهُ من رسولِ اللَّه ﷺ ، فجَرَى مجْرَى رِوايَتِها ذلك عنه، ولأنَّ ذلك ذَرِيعَةٌ إلى الرِّبا، فإنَّه يُدْخِلُ السِّلْعَةَ، لِيَسْتَبِيحَ بَيْعَ ألْفٍ بخمْسِمائةٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ. وكذلك رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ في مثلِ هذه المسْأَلَةِ أنَّه قال: أرى مائةً بخَمسينَ بينهما حَرِيرَةٌ. يَعْنِى خِرْقَةَ حَرِيرٍ جَعَلَاها في بَيْعِهِما. والذَّرَائِعُ مُعْتَبَرةٌ لما قَدَّمْنَاه، فأمَّا بَيْعُها بمثلِ الثَّمَنِ، أو أكْثَرَ، فيجوزُ؛ لأنَّه لا يكونُ ذَرِيعَةً. وهذا إذا كانتِ السِّلْعَةُ لم تَنْقُصْ عن حالةِ البَيْعِ، فإن نَقَصَتْ، مثلُ أن هَزَلَ العبدُ، أو نَسِىَ صِناعَةً، أو تَخَرَّقَ الثَّوْبُ، أو بَلِىَ جازَ له شِراؤُها بما شاءَ؛ لأنَّ نَقْصَ الثَّمنِ لِنَقْصِ المَبِيعِ، لا للتَّوَسُّلِ إلى الرِّبَا. وإن نَقَصَ سِعْرُها، أو زادَ لذلك، أو لمعنًى حَدَثَ فيها، لم يَجُزْ بَيْعُها بأقَلَّ من ثَمَنِها، كما لو كانتْ بحالِها. نَصَّ أحمدُ على هذا كلِّه. فصل: وإن اشْتَرَاها بِعَرْضٍ، أو كان بَيْعُها الأولُ بِعَرْضٍ، فاشْتَرَاها بِنَقْدٍ، جَازَ. وبه قال أبو حنيفةَ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما كان لِشُبْهَةِ الرِّبا،

стр. 2872

ولا رِبًا بين الأَثْمانِ والعُرُوضِ. فأمَّا إن باعَها بِنَقْدٍ، ثم اشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ آخَرَ، مثلُ أن يَبِيعَها بمائَتَىْ درهمٍ، ثم اشْتَراها بعشرةِ دنانيرَ، فقال أصْحَابُنا: يجوزُ؛ لأنَّهما جِنْسانِ لا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بينهما. فجَازَ، كما لو اشْتَراهَا بِعَرْضٍ، أو بمثلِ الثَّمَنِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّهما كالشَّىءِ الواحدِ في معنى الثَّمَنِيَّةِ، ولأنَّ ذلك يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلى الرِّبا، فأشْبَه ما لو باعَها بِجِنْسِ الثَّمنِ الأولِ. [وهذا أصَحُّ. إن شاء اللهُ تعالى] (٤). فصل: وهذه المَسْأَلَةُ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ العِينَةِ. قال الشاعرُ (٥): أَنَدَّانُ أَمْ نَعْتَانُ أم يَنْبَرِى لَنَا ... فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُه (٦) فقوله: نَعْتَانُ. أى نَشْتَرِى عِينَةً (٧). . . مثلَ ما وَصَفْنَا. وقد رَوَى أبو داودَ (٨)، بإسْنادِه عن ابنِ عمرَ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وأَخَذْتُمْ أذْنَابَ البَقَرِ، ورَضيْتُم بِالزَّرْعِ، وتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ". وهذا وَعِيدٌ يَدُلُّ على التَّحْرِيمِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: العِينَةُ أن يكونَ عندَ الرَّجُلِ المَتَاعُ، فلا يَبِيعُه إلَّا بِنَسِيئَةٍ، فإن بَاعَهُ بِنَقْدٍ ونَسِيئَةٍ فلا بَأْسَ. وقال: أكْرَهُ لِلرَّجُلِ أن لا يكونَ له تِجَارَةٌ غيرَ العِينَةِ، لا يَبِيعُ بِنَقْدٍ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّمَا كَرِهَ النَّسِيئَةَ لِمُضَارَعَتِها الرِّبا، فإنَّ الغالِبَ أنَّ البائِعَ بِنَسِيئَةٍ يَقْصِدُ الزِّيَادَةَ بالأجَلِ. ويجوزُ أن تكونَ العِينَةُ اسْمًا لهذه المَسْأَلَةِ ولِلْبَيْعِ بِنَسِيئَةٍ جَمِيعًا، لكن البَيْعَ بِنَسِيئَةٍ ليس بمُحَرَّمٍ اتِّفاقًا، ولا يُكْرَهُ، إلَّا أن

стр. 2873

لا يكونَ له تِجارَةٌ غيره. فصل: وإن باعَ سِلْعَةً بِنَقْدٍ، ثم اشْتَرَاها بأكْثَرَ منه نَسِيئَةً، فقال أحمدُ، في رِوايَةِ حَرْبٍ: لا يجوزُ ذلك، إلَّا أن يُغَيّرَ السِّلْعَةَ؛ لأنَّ ذلك يَتَّخِذُه وَسِيلَةً إلى الرِّبَا، فأشْبَه مَسْأَلَةَ العِينَةِ. فإن اشْتَرَاها بِنَقْدٍ آخَرَ، أو بِسِلْعَةٍ أخْرَى، أو بأقَلَّ من ثَمَنِها نَسِيئَةً، جَازَ؛ لما ذَكَرْناهُ في مَسْأَلَةِ العِينَةِ. ويحتَمِلُ أن يجوزَ له شِراؤُها بِجِنْسِ الثَّمَنِ بأَكْثَرَ منه، إلَّا أن يكونَ ذلك عن مُواطَأَةٍ، أو حِيلَةٍ، فلا يجوزُ. وإن وَقَعَ ذلك اتِّفَاقًا من غيرِ قَصْدٍ، جَازَ؛ لأنَّ الأصْلَ حِلُّ البَيْعِ، وإنَّما حُرِّمَ في مسَأَلَةِ العِينَةِ بالأثَرِ الوارِدِ فيه، وليس هذا في مَعْناه، ولأنَّ التَّوَسُّلَ بذلك أكْثَرُ، فلا يُلْحَقُ (٩) به ما دُونَه. واللهُ أعلمُ. فصل: وفي كلِّ مَوْضِعٍ قُلْنا: لا يجوزُ له أن يَشْتَرِىَ. لا يجوزُ ذلك لِوَكِيلِه؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَهُ، ويجوزُ لغيرِه من الناسِ، سواءٌ كان أباه، أو ابْنَه، أو غيرهما؛ لأنَّه غيرُ البائِعِ ويَشْتَرِى لِنَفْسِه، فأشْبَهَ الأجْنَبِيَّ. فصل: ومن باعَ طَعَامًا إلى أجَلٍ، فَلَمَّا حَلَّ الأجَلُ أخَذَ منه بالثَّمَنِ الذى في ذِمَّتهِ طَعَامًا قبلَ قَبْضِه، لم يَجُزْ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وسعيدِ بن المُسَيَّبِ، وطاوسٍ، وبه قال مالِكٌ، وإسْحاقُ. وأجَازَهُ جابِرُ بنُ زيدٍ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، وعليُّ بنُ حسينٍ (١٠)، والشَّافِعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحَابُ الرَّأى، قال علِيُّ بنُ حسينٍ: إذا لم يكنْ لك في ذلك رَأْىٌ. ورُوِىَ عن محمدِ بن عبدِ اللهِ ابنِ أبى مَرْيَمَ، أنه قال: بِعْتُ تَمْرًا من التَّمَّارِينَ، كلَّ سَبْعَةِ آصُعٍ بدرهمٍ، ثم وَجَدْتُ عند رَجُلٍ منهم تَمْرًا يَبيعُه أرْبَعَةَ آصُعٍ بدرهمٍ، فاشْتَرَيْتُ منه، فسَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عن ذلك؟ فقال: لَا بَأْسَ، أَخَذْتَ أنْقَصَ مِمَّا بِعْتَ. ثم سَأَلْتُ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ عن ذلك، وأخْبَرْتُه

стр. 2874

بقولِ عِكْرِمَةَ، فقال: كَذَبَ، قال (١١) عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ: ما بِعْتَ من شىءٍ مِمَّا يُكالُ بمِكْيالٍ، فلا تَأْخُذْ منه شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ بمِكْيَالٍ، إلَّا وَرِقًا أو ذَهَبًا، فإذا أخذْتَ وَرِقَكَ، فَابْتَعْ مِمَّن شِئْتَ منه، أو مِن غيرِه. فرَجَعْتُ، فإذا عِكْرِمَةُ قد طَلَبَنِي، فقال: الذى قلتُ لك هو حَلالٌ هو حَرامٌ. فقلتُ لسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ: إن فَضَلَ لى عندَه فَضْلٌ؟ قال: فأَعْطِه أنت الكَسْرَ، وخُذْ منه الدِّرهمَ. ووجهُ ذلك، أنَّه ذَرِيعَةٌ إلى بَيْعِ الطَّعَامِ بالطَّعَامِ نَسِيئَةً، فحَرُمَ، كمَسْأَلَةِ العِينَةِ، فعلى هذا، كُلُّ شَيْئَينِ حَرُمَ النَّساءُ فيهما، لا يجوزُ أن يُؤْخَذَ أحدُهما عِوَضًا عن الآخَرِ قبلَ قَبْضِ ثَمَنِه، إذا كان البَيْعُ نَسَاءً. نَصَّ أحمدُ على ما يَدُلُّ على هذا. وكذلك قال سَعِيدُ ابن المُسَيَّبِ، فيما حَكَيْنا عنه. والذى يَقْوَى عندى جَوازُ ذلك إذا لم يَفْعَلْه حِيلَةً، ولا قَصَدَ ذلك في ابْتِداءِ العَقْد، كما قال علىُّ بن الحسينِ، فيما يَرْوِى عنه عبدُ اللَّه ابن زَيْدٍ قال: قَدِمْتُ على عليِّ بنِ الحسينِ، فقلتُ له: إنِّي أجُذُّ نخلِي، وأبِيعُ مِمَّن حَضَرَنِي التَّمْرَ إلى أجلٍ، فيَقْدَمُونَ بالحِنْطَةِ، وقد حَلَّ ذلك الأجَلُ، فيُوقِفونَها بالسُّوقِ، فأبْتاعُ منهم وأُقَاصُّهُم. قال: لا بَأْسَ بذلك، إذا لم يكُنْ منك على رَأْىٍ. وذلك لأنَّه اشْتَرَى الطَّعامَ بالدراهمِ التى في الذِّمَّةِ بعد انْبِرَامِ (١٢) العَقْدِ أَوَّلَ لُزُومِه، فصَحَّ، كما لو كان المَبِيعُ الأولُ حَيَوانًا أو ثِيَابًا، ولِمَا ذَكَرْنا في الفَصْلِ الذى قبلَ هذا، فإنَّه لم يَأْخُذْ بالثَّمنِ طَعَامًا، ولكن اشْتَرَى من المُشْتَرِى طَعَامًا بِدَراهِمَ، وسَلَّمَها إليه، ثم أخَذَها منه وَفاءً، أو لم يُسَلِّمْها إليه، لكن قَاصَّهُ بها، كما في حَدِيثِ عليِّ بنِ الحسينِ. ٧٥٠ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ بَاعَ حَيَوانًا، أوْ غَيْرَهُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، لَمْ يَبْرَأْ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ البَائِعُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في البَرَاءَةِ من العُيُوبِ، فرُوِىَ عنه: أنَّه لا يَبْرأُ، إلَّا

стр. 2875

أن يَعْلَمَ المُشْتَرِى بالعَيْبِ. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ. وقال إبراهيمُ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ: لا يَبْرَأُ إلَّا مِمَّا سَمَّى. وقال شُرَيْحٌ: لا يَبْرَأُ إلَّا مِمَّا أراهُ أو وَضَعَ (١٣) يَدَهُ عليه. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن عطاءٍ، والحسنِ، وإسْحاقَ؛ لأنَّه مُرْفَقٌ في البَيْعِ، لا يَثْبُتُ إلَّا بالشَّرْطِ، فلا يَثْبُتُ مع الجَهْلِ، كالخِيارِ. والرواية الثانية: أنَّه يَبْرأُ من كلِّ عَيْبٍ لم يَعْلَمْهُ، ولا يَبْرَأُ من عَيْبٍ عَلِمَهُ. ويُرْوَى ذلك عن عثمانَ، ونحوُه عن زيدِ بنِ ثابِتٍ. وهو قولُ مالِكٍ. وقولُ الشَّافِعِيِّ في الحَيَوانِ خاصَّةً؛ لما رُوِىَ أنَّ عبدَ اللهِ ابنَ عمرَ باعَ زيدَ بنَ ثابِتٍ عَبْدًا بِشَرْطِ البَرَاءَةِ من العَيْبِ، بِثَمانِمائة دِرْهَمٍ، فأصابَ به زَيْدٌ عَيْبًا، فأرَادَ رَدَّهُ على ابنِ عمرَ، فلم يَقْبَلْهُ، فتَرَافَعا إلى عثمانَ، فقال عُثْمَانُ لابن عمرَ: تَحْلِفُ أنَّك لم تَعْلَمْ بهذا العَيْبِ؟ فقال: لا. فَرَدَّهُ عليه، فباعَه ابنُ عمرَ بألْفِ دِرْهَمٍ. وهذه قَضِيَّةٌ اشْتهرَتْ، فلم تُنْكَرْ، فكانَتْ إجْمَاعًا. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه أجازَ البَرَاءَةَ من المجهُولِ، فيُخَرَّجُ من هذا صِحّةُ البَرَاءَةِ من كلِّ عَيْبٍ. ورُوِىَ هذا عن ابنِ عمرَ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى، وقولُ الشَّافِعِيِّ؛ لما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا في مَوَارِيثَ دَرَسَتْ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال رَسولُ اللَّه ﷺ : "اسْتَهِمَا، وتَوَخَّيَا، وَلْيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُما صَاحِبَه" (١٤) فدَلَّ هذا على أنَّ البَرَاءَةَ من المَجْهُولِ جائِزَةٌ، ولأنَّه إسْقَاطُ حَقٍّ لا تَسْلِيمَ فيه، فصَحَّ من المَجْهُولِ، كالعَتَاقِ والطَّلَاقِ، ولا فَرْقَ بين الحَيَوانِ وغيرِه، فما ثَبَتَ في أحَدِهِما ثَبَتَ في الآخَرِ، وقولُ عثمانَ قد خَالَفَه ابنُ عُمَرَ، وقولُ الصَّحابِيِّ المُخَالِفُ لا يَبْقَى حُجَّةً. فصل: فإن قُلْنا: لا يَصِحُّ شَرْطُ البَراءةِ من العُيُوبِ. فشَرْطُه لم يُفْسِدِ البَيْعَ في ظَاهِرِ المَذْهَبِ. وهو وَجْهٌ لأصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ بَاعَ بِشَرْطِ البَراءَةِ، فأجْمَعُوا على صِحَّتِه، ولم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ. فعلى هذا لا يُمْنَعُ الرَّدُّ بِوُجُودِ الشَّرْطِ،
следующие страницы →