من بائِعِها، كما لو باعَها بمثلِ ثَمَنِها. ولَنا، ما رَوَى غُنْدَرٌ، عن شُعْبَةَ، عن أبي إسْحاقَ السَّبِيعِيِّ، عن امْرَأَتِه العَالِيَة بنتِ أَيْفَعَ بن شُرَحبِيل، أنَّها قالتْ: دَخَلْتُ أنا وأُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بن أرْقَمَ وامْرَأتُه على عَائِشَةَ، رضِىَ اللَّه عنها، فقالَتْ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ ابنِ أرْقَمَ: إنِّي بِعْتُ غُلامًا من زَيْدِ بنِ أرْقَمَ بِثَمانِمائَةِ درهم إلى العَطاءِ، ثم اشْتَرَيْتُه منه بِسِتِّمائة درهم، فقالت لها: بِئْسَ ما شَرَيْتِ، وبِئْسَ ما اشْتَرَيْتِ، أبْلِغِى زَيْدَ بنَ أرْقَمَ: أنَّه قد أَبْطَلَ جِهَادَهُ مع رسولِ اللَّه ﷺ ، إلَّا أنْ يَتُوبَ. رواه الإِمامُ أحْمَدُ (٣)، وسَعِيدُ بن مَنْصُورٍ. والظَّاهِرُ، أنَّها لا تقول مثلَ هذا التَّغْلِيظِ، وتُقْدِمُ عليه، إلَّا بِتَوْقِيفٍ سَمِعَتْهُ من رسولِ اللَّه ﷺ ، فجَرَى مجْرَى رِوايَتِها ذلك عنه، ولأنَّ ذلك ذَرِيعَةٌ إلى الرِّبا، فإنَّه يُدْخِلُ السِّلْعَةَ، لِيَسْتَبِيحَ بَيْعَ ألْفٍ بخمْسِمائةٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ. وكذلك رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ في مثلِ هذه المسْأَلَةِ أنَّه قال: أرى مائةً بخَمسينَ بينهما حَرِيرَةٌ. يَعْنِى خِرْقَةَ حَرِيرٍ جَعَلَاها في بَيْعِهِما. والذَّرَائِعُ مُعْتَبَرةٌ لما قَدَّمْنَاه، فأمَّا بَيْعُها بمثلِ الثَّمَنِ، أو أكْثَرَ، فيجوزُ؛ لأنَّه لا يكونُ ذَرِيعَةً. وهذا إذا كانتِ السِّلْعَةُ لم تَنْقُصْ عن حالةِ البَيْعِ، فإن نَقَصَتْ، مثلُ أن هَزَلَ العبدُ، أو نَسِىَ صِناعَةً، أو تَخَرَّقَ الثَّوْبُ، أو بَلِىَ جازَ له شِراؤُها بما شاءَ؛ لأنَّ نَقْصَ الثَّمنِ لِنَقْصِ المَبِيعِ، لا للتَّوَسُّلِ إلى الرِّبَا. وإن نَقَصَ سِعْرُها، أو زادَ لذلك، أو لمعنًى حَدَثَ فيها، لم يَجُزْ بَيْعُها بأقَلَّ من ثَمَنِها، كما لو كانتْ بحالِها. نَصَّ أحمدُ على هذا كلِّه.
فصل: وإن اشْتَرَاها بِعَرْضٍ، أو كان بَيْعُها الأولُ بِعَرْضٍ، فاشْتَرَاها بِنَقْدٍ، جَازَ. وبه قال أبو حنيفةَ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما كان لِشُبْهَةِ الرِّبا،
стр. 2872
ولا رِبًا بين الأَثْمانِ والعُرُوضِ. فأمَّا إن باعَها بِنَقْدٍ، ثم اشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ آخَرَ، مثلُ أن يَبِيعَها بمائَتَىْ درهمٍ، ثم اشْتَراها بعشرةِ دنانيرَ، فقال أصْحَابُنا: يجوزُ؛ لأنَّهما جِنْسانِ لا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بينهما. فجَازَ، كما لو اشْتَراهَا بِعَرْضٍ، أو بمثلِ الثَّمَنِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّهما كالشَّىءِ الواحدِ في معنى الثَّمَنِيَّةِ، ولأنَّ ذلك يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلى الرِّبا، فأشْبَه ما لو باعَها بِجِنْسِ الثَّمنِ الأولِ. [وهذا أصَحُّ. إن شاء اللهُ تعالى] (٤).
فصل: وهذه المَسْأَلَةُ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ العِينَةِ. قال الشاعرُ (٥):
أَنَدَّانُ أَمْ نَعْتَانُ أم يَنْبَرِى لَنَا ... فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُه (٦)
فقوله: نَعْتَانُ. أى نَشْتَرِى عِينَةً (٧). . . مثلَ ما وَصَفْنَا. وقد رَوَى أبو داودَ (٨)، بإسْنادِه عن ابنِ عمرَ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وأَخَذْتُمْ أذْنَابَ البَقَرِ، ورَضيْتُم بِالزَّرْعِ، وتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ". وهذا وَعِيدٌ يَدُلُّ على التَّحْرِيمِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: العِينَةُ أن يكونَ عندَ الرَّجُلِ المَتَاعُ، فلا يَبِيعُه إلَّا بِنَسِيئَةٍ، فإن بَاعَهُ بِنَقْدٍ ونَسِيئَةٍ فلا بَأْسَ. وقال: أكْرَهُ لِلرَّجُلِ أن لا يكونَ له تِجَارَةٌ غيرَ العِينَةِ، لا يَبِيعُ بِنَقْدٍ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّمَا كَرِهَ النَّسِيئَةَ لِمُضَارَعَتِها الرِّبا، فإنَّ الغالِبَ أنَّ البائِعَ بِنَسِيئَةٍ يَقْصِدُ الزِّيَادَةَ بالأجَلِ. ويجوزُ أن تكونَ العِينَةُ اسْمًا لهذه المَسْأَلَةِ ولِلْبَيْعِ بِنَسِيئَةٍ جَمِيعًا، لكن البَيْعَ بِنَسِيئَةٍ ليس بمُحَرَّمٍ اتِّفاقًا، ولا يُكْرَهُ، إلَّا أن
стр. 2873
لا يكونَ له تِجارَةٌ غيره.
فصل: وإن باعَ سِلْعَةً بِنَقْدٍ، ثم اشْتَرَاها بأكْثَرَ منه نَسِيئَةً، فقال أحمدُ، في رِوايَةِ حَرْبٍ: لا يجوزُ ذلك، إلَّا أن يُغَيّرَ السِّلْعَةَ؛ لأنَّ ذلك يَتَّخِذُه وَسِيلَةً إلى الرِّبَا، فأشْبَه مَسْأَلَةَ العِينَةِ. فإن اشْتَرَاها بِنَقْدٍ آخَرَ، أو بِسِلْعَةٍ أخْرَى، أو بأقَلَّ من ثَمَنِها نَسِيئَةً، جَازَ؛ لما ذَكَرْناهُ في مَسْأَلَةِ العِينَةِ. ويحتَمِلُ أن يجوزَ له شِراؤُها بِجِنْسِ الثَّمَنِ بأَكْثَرَ منه، إلَّا أن يكونَ ذلك عن مُواطَأَةٍ، أو حِيلَةٍ، فلا يجوزُ. وإن وَقَعَ ذلك اتِّفَاقًا من غيرِ قَصْدٍ، جَازَ؛ لأنَّ الأصْلَ حِلُّ البَيْعِ، وإنَّما حُرِّمَ في مسَأَلَةِ العِينَةِ بالأثَرِ الوارِدِ فيه، وليس هذا في مَعْناه، ولأنَّ التَّوَسُّلَ بذلك أكْثَرُ، فلا يُلْحَقُ (٩) به ما دُونَه. واللهُ أعلمُ.
فصل: وفي كلِّ مَوْضِعٍ قُلْنا: لا يجوزُ له أن يَشْتَرِىَ. لا يجوزُ ذلك لِوَكِيلِه؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَهُ، ويجوزُ لغيرِه من الناسِ، سواءٌ كان أباه، أو ابْنَه، أو غيرهما؛ لأنَّه غيرُ البائِعِ ويَشْتَرِى لِنَفْسِه، فأشْبَهَ الأجْنَبِيَّ.
فصل: ومن باعَ طَعَامًا إلى أجَلٍ، فَلَمَّا حَلَّ الأجَلُ أخَذَ منه بالثَّمَنِ الذى في ذِمَّتهِ طَعَامًا قبلَ قَبْضِه، لم يَجُزْ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وسعيدِ بن المُسَيَّبِ، وطاوسٍ، وبه قال مالِكٌ، وإسْحاقُ. وأجَازَهُ جابِرُ بنُ زيدٍ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، وعليُّ بنُ حسينٍ (١٠)، والشَّافِعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحَابُ الرَّأى، قال علِيُّ بنُ حسينٍ: إذا لم يكنْ لك في ذلك رَأْىٌ. ورُوِىَ عن محمدِ بن عبدِ اللهِ ابنِ أبى مَرْيَمَ، أنه قال: بِعْتُ تَمْرًا من التَّمَّارِينَ، كلَّ سَبْعَةِ آصُعٍ بدرهمٍ، ثم وَجَدْتُ عند رَجُلٍ منهم تَمْرًا يَبيعُه أرْبَعَةَ آصُعٍ بدرهمٍ، فاشْتَرَيْتُ منه، فسَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عن ذلك؟ فقال: لَا بَأْسَ، أَخَذْتَ أنْقَصَ مِمَّا بِعْتَ. ثم سَأَلْتُ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ عن ذلك، وأخْبَرْتُه
стр. 2874
بقولِ عِكْرِمَةَ، فقال: كَذَبَ، قال (١١) عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ: ما بِعْتَ من شىءٍ مِمَّا يُكالُ بمِكْيالٍ، فلا تَأْخُذْ منه شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ بمِكْيَالٍ، إلَّا وَرِقًا أو ذَهَبًا، فإذا أخذْتَ وَرِقَكَ، فَابْتَعْ مِمَّن شِئْتَ منه، أو مِن غيرِه. فرَجَعْتُ، فإذا عِكْرِمَةُ قد طَلَبَنِي، فقال: الذى قلتُ لك هو حَلالٌ هو حَرامٌ. فقلتُ لسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ: إن فَضَلَ لى عندَه فَضْلٌ؟ قال: فأَعْطِه أنت الكَسْرَ، وخُذْ منه الدِّرهمَ. ووجهُ ذلك، أنَّه ذَرِيعَةٌ إلى بَيْعِ الطَّعَامِ بالطَّعَامِ نَسِيئَةً، فحَرُمَ، كمَسْأَلَةِ العِينَةِ، فعلى هذا، كُلُّ شَيْئَينِ حَرُمَ النَّساءُ فيهما، لا يجوزُ أن يُؤْخَذَ أحدُهما عِوَضًا عن الآخَرِ قبلَ قَبْضِ ثَمَنِه، إذا كان البَيْعُ نَسَاءً. نَصَّ أحمدُ على ما يَدُلُّ على هذا. وكذلك قال سَعِيدُ ابن المُسَيَّبِ، فيما حَكَيْنا عنه. والذى يَقْوَى عندى جَوازُ ذلك إذا لم يَفْعَلْه حِيلَةً، ولا قَصَدَ ذلك في ابْتِداءِ العَقْد، كما قال علىُّ بن الحسينِ، فيما يَرْوِى عنه عبدُ اللَّه ابن زَيْدٍ قال: قَدِمْتُ على عليِّ بنِ الحسينِ، فقلتُ له: إنِّي أجُذُّ نخلِي، وأبِيعُ مِمَّن حَضَرَنِي التَّمْرَ إلى أجلٍ، فيَقْدَمُونَ بالحِنْطَةِ، وقد حَلَّ ذلك الأجَلُ، فيُوقِفونَها بالسُّوقِ، فأبْتاعُ منهم وأُقَاصُّهُم. قال: لا بَأْسَ بذلك، إذا لم يكُنْ منك على رَأْىٍ. وذلك لأنَّه اشْتَرَى الطَّعامَ بالدراهمِ التى في الذِّمَّةِ بعد انْبِرَامِ (١٢) العَقْدِ أَوَّلَ لُزُومِه، فصَحَّ، كما لو كان المَبِيعُ الأولُ حَيَوانًا أو ثِيَابًا، ولِمَا ذَكَرْنا في الفَصْلِ الذى قبلَ هذا، فإنَّه لم يَأْخُذْ بالثَّمنِ طَعَامًا، ولكن اشْتَرَى من المُشْتَرِى طَعَامًا بِدَراهِمَ، وسَلَّمَها إليه، ثم أخَذَها منه وَفاءً، أو لم يُسَلِّمْها إليه، لكن قَاصَّهُ بها، كما في حَدِيثِ عليِّ بنِ الحسينِ.
٧٥٠ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ بَاعَ حَيَوانًا، أوْ غَيْرَهُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، لَمْ يَبْرَأْ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ البَائِعُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في البَرَاءَةِ من العُيُوبِ، فرُوِىَ عنه: أنَّه لا يَبْرأُ، إلَّا
стр. 2875
أن يَعْلَمَ المُشْتَرِى بالعَيْبِ. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ. وقال إبراهيمُ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ: لا يَبْرَأُ إلَّا مِمَّا سَمَّى. وقال شُرَيْحٌ: لا يَبْرَأُ إلَّا مِمَّا أراهُ أو وَضَعَ (١٣) يَدَهُ عليه. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن عطاءٍ، والحسنِ، وإسْحاقَ؛ لأنَّه مُرْفَقٌ في البَيْعِ، لا يَثْبُتُ إلَّا بالشَّرْطِ، فلا يَثْبُتُ مع الجَهْلِ، كالخِيارِ. والرواية الثانية: أنَّه يَبْرأُ من كلِّ عَيْبٍ لم يَعْلَمْهُ، ولا يَبْرَأُ من عَيْبٍ عَلِمَهُ. ويُرْوَى ذلك عن عثمانَ، ونحوُه عن زيدِ بنِ ثابِتٍ. وهو قولُ مالِكٍ. وقولُ الشَّافِعِيِّ في الحَيَوانِ خاصَّةً؛ لما رُوِىَ أنَّ عبدَ اللهِ ابنَ عمرَ باعَ زيدَ بنَ ثابِتٍ عَبْدًا بِشَرْطِ البَرَاءَةِ من العَيْبِ، بِثَمانِمائة دِرْهَمٍ، فأصابَ به زَيْدٌ عَيْبًا، فأرَادَ رَدَّهُ على ابنِ عمرَ، فلم يَقْبَلْهُ، فتَرَافَعا إلى عثمانَ، فقال عُثْمَانُ لابن عمرَ: تَحْلِفُ أنَّك لم تَعْلَمْ بهذا العَيْبِ؟ فقال: لا. فَرَدَّهُ عليه، فباعَه ابنُ عمرَ بألْفِ دِرْهَمٍ. وهذه قَضِيَّةٌ اشْتهرَتْ، فلم تُنْكَرْ، فكانَتْ إجْمَاعًا. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه أجازَ البَرَاءَةَ من المجهُولِ، فيُخَرَّجُ من هذا صِحّةُ البَرَاءَةِ من كلِّ عَيْبٍ. ورُوِىَ هذا عن ابنِ عمرَ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى، وقولُ الشَّافِعِيِّ؛ لما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا في مَوَارِيثَ دَرَسَتْ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال رَسولُ اللَّه ﷺ : "اسْتَهِمَا، وتَوَخَّيَا، وَلْيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُما صَاحِبَه" (١٤) فدَلَّ هذا على أنَّ البَرَاءَةَ من المَجْهُولِ جائِزَةٌ، ولأنَّه إسْقَاطُ حَقٍّ لا تَسْلِيمَ فيه، فصَحَّ من المَجْهُولِ، كالعَتَاقِ والطَّلَاقِ، ولا فَرْقَ بين الحَيَوانِ وغيرِه، فما ثَبَتَ في أحَدِهِما ثَبَتَ في الآخَرِ، وقولُ عثمانَ قد خَالَفَه ابنُ عُمَرَ، وقولُ الصَّحابِيِّ المُخَالِفُ لا يَبْقَى حُجَّةً.
فصل: فإن قُلْنا: لا يَصِحُّ شَرْطُ البَراءةِ من العُيُوبِ. فشَرْطُه لم يُفْسِدِ البَيْعَ في ظَاهِرِ المَذْهَبِ. وهو وَجْهٌ لأصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ بَاعَ بِشَرْطِ البَراءَةِ، فأجْمَعُوا على صِحَّتِه، ولم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ. فعلى هذا لا يُمْنَعُ الرَّدُّ بِوُجُودِ الشَّرْطِ،
стр. 2876
ويكونُ وُجُودُه كعَدَمِه. وعن أحمدَ في الشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، أنَّها تُفْسِدُ العَقْدَ، فيَدْخُلُ فيها هذا البَيْعُ؛ لأنَّ البائِعَ إنَّما رَضِىَ بهذا الثَّمَنِ عِوَضًا عنه بهذا الشَّرْطِ، فإذا فَسَدَ الشَّرْطُ فاتَ الرِّضَى به، فَيَفْسُدُ البَيْعُ؛ لِعَدَمِ التَّرَاضِى به.
٧٥١ - مسألة؛ قال: (وَمَن بَاعَ شَيْئًا مُرَابَحَةً، فعَلِمَ أنَّهُ زَادَ (١) في رَأْسِ مَالِهِ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ، وحَطَّهَا مِنَ الرِّبْحِ)
معنى بَيْعِ المُرَابَحَةِ، هو البَيْعُ بِرَأْسِ المالِ ورِبْحٍ مَعْلُومٍ، ويُشْتَرَطُ عِلْمُهُما بِرَأْسِ المالِ، فيقول: رأسُ مالِي فيه، أو هو عَلَيَّ بمائةٍ بِعْتُكَ بها، ورِبْحُ عشرةٍ، فهذا جائِزٌ لا خِلَافَ في صِحَّتِه، ولا نَعْلَمُ فيه عندَ أحَدٍ كَرَاهةً. وإن قال: بِعْتُكَ بِرَأْسِ مالِي فيه وهو مائة، وأرْبَحُ في كلِّ عشرةٍ درهمًا، أو قال: [ده يازده. أو ده داوزده] (٢). فقد كَرِهَهُ أحمدُ. وقد رُوِيَتْ كَراهَتُه عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، ومَسْرُوقٍ، والحسنِ، وعِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءِ بنِ يَسارٍ. وقال إسْحاقُ: لا يجوزُ. لأنَّ الثمنَ مَجْهُولٌ حالَ العَقْدِ، فلم يَجُرْ، كما لو بَاعَهُ بما يَخْرُجُ به في الحِسابِ. ورَخَّصَ فيه سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ، وشُرَيْحٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ. ولأنَّ رَأْسَ المالِ مَعْلُومٌ، والرِّبْحَ مَعْلُومٌ، فأشْبَهَ ما لو قال: ورِبْحُ عَشرَةِ دراهمَ. وَوَجْهُ الكَرَاهَةِ أنَّ ابنَ عمرَ وابنَ عَبَّاسٍ كَرِهَاه، ولم نَعْلَمْ لهما في الصَّحابَةِ مُخَالِفًا، ولأنَّ فيه نَوْعًا من الجَهَالةِ، والتَّحَرُّزُ عنها أولَى. وهذه كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، والبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لما ذَكَرْنا، والجَهَالَةُ يمكنُ إزَالَتُها بالحِسابِ، فلم تَضُرَّ، كما لو بَاعَهُ صُبْرَةً كلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، وأمَّا ما يَخْرُجُ به في الحِسَابِ، فمَجْهُولٌ في الجملةِ والتَّفْصِيلِ. إذا ثَبَتَ هذا عُدْنَا إلى مَسْأَلَةِ الكِتابِ، فنقول: متى بَاعَ شَيْئًا بِرَأْسِ مالِه، وربْحِ عشرةٍ،
стр. 2877
ثم عَلِمَ بِتَنْبِيهٍ أو إقْرَارٍ أنَّ رَأْسَ مالِه تسعونَ، فالبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه زِيَادَةٌ في الثمَنِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ العَقْدِ، كالعَيْبِ، ولِلْمُشْتَرِى الرُّجُوعُ على البائِعِ بما زَادَ في رَأْسِ المالِ، وهو عشرةٌ، وحَطَّهَا من الرِّبْحِ، وهو دِرْهَمٌ، فيَبْقَى على المُشْتَرِى بِتسعةٍ وتسعينَ دِرْهَمًا. وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، وابنُ أبِى لَيْلَى. وهو أحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِيِّ. وقال أبو حنيفةَ: هو مُخَيَّرٌ بين الأخْذِ بكلِّ الثَّمَنِ، أو يَتْرُكُ، قِيَاسًا على المَعِيبِ. ولَنا، أنَّه بَاعَهُ بِرَأْسِ مالِه (٣) وما قَدَّرَهُ من الرِّبْحِ، فإذا بَانَ رأسُ مَالِه قَدْرًا مَبِيعًا به وبالزِّيَادَةِ التى اتَّفَقَا عليها، والمعِيبُ كذلك عندَنا، فإنَّ له أَخْذَ الأَرْشِ، ثم المَعيِبُ لم يَرْضَ به، إلَّا بالثَّمَنِ المَذْكُورِ، وهاهُنا رَضِىَ فيه بِرَأْسِ المالِ والرِّبْحِ المُقَرَّرِ. وهل لِلْمُشْتَرِى خِيَارٌ؟ فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّ المُشْتَرِىَ مُخَيَّرٌ بين أخْذِ المَبيعِ بِرَأْسِ مالِه وحِصَّتِه من الرِّبْحِ، وبين تَرْكِه. نَقَلَهُ حَنْبَلٌ. وحُكِىَ ذلك قَوْلًا للشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ لا يَأْمَنُ الجِنَايَةَ في هذا الثَّمَنِ أيضًا، ولأنَّه ربَّما كان له غَرَضٌ في الشِّرَاءِ بذلك الثَّمَنِ بِعَيْنِه؛ لِكَوْنِه حَالِفًا، أو وَكِيلًا، أو غيرَ ذلك. وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه لا خِيَارَ له؛ لأنَّه لم يَذْكُرْه. وحُكِىَ ذلك قَوْلًا للشّافِعِيِّ؛ لأنَّه رَضِيَه بمائةٍ وعشرةٍ، فإذا حَصَلَ له بتسعةٍ وتسعينَ، فقد زَادَهُ خَيْرًا، فلم يكن له خِيَارٌ، كما لو اشْتَرَاهُ على أنَّه مَعِيبٌ، فبَانَ صَحِيحًا، أو أُمِّيٌّ، فبَانَ صَانِعًا أو كاتِبًا، أو وُكِّلَ في شِرَاءٍ مُعَيَّنٍ بمائةٍ، فاشْتَرَاهُ بتسعينَ. وأمَّا البائِعُ، فلا خِيَارَ له؛ لأنَّه بَاعَهُ بِرَأْسِ مالِه وحِصَّتِه من الرِّبْحِ، وقد حَصَلَ له ذلك.
فصل: وإذا أرَادَ الإخْبارَ بثَمَنِ السِّلْعَةِ، فإن كانَتْ بحَالِها، لم تَتَغَيَّرْ، أخْبَرَ بِثَمَنِها، وإن حَطَّ البائِعُ بعضَ الثَّمَنِ عن المُشْتَرِى، أو اسْتَزَادَهُ (٤) بعدَ لُزُومِ العَقْدِ، لم يُجْزِئْهُ، ويُخْبِرُ بالثمنِ الأَوَّلِ، لا غيرُ. ولأنَّ ذلك هِبَةٌ من أحدِهِما للآخَرِ، لا يَكونُ عِوَضًا. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْحَقُ بالعَقْدِ، ويُخْبِرُ به
стр. 2878
في المُرابَحَةِ، وهذه مَسْأَلَةٌ يأتى ذِكْرُها إن شاء اللهُ تعالى. وإن كان ذلك في مُدَّةِ الخِيَارِ، لَحِقَ بالعَقْدِ، وأخْبَرَ به في الثَّمَنِ. وبه قال الشَّافِعيُّ وأبو حنيفةَ، ولا أعْلَمُ عن غيرِهم خِلَافَهُم. فإنْ تَغَيَّرَ سِعْرُها دُونَها، فإن غَلَتْ، لم يَلْزَمْه الإِخْبَارُ بذلك؛ لأنَّه زِيَادَةٌ فيها، وإن رَخُصَتْ، فنَصَّ أحْمَدُ على أنَّه لا يَلْزَمُه الإِخْبَارُ بذلك؛ لأنَّه صَادِقٌ بدونِ الإِخْبَارِ به. ويحتَمِلُ أن يَلْزَمَه الإِخْبَارُ بالحالِ؛ فإنَّ المُشْتَرِىَ لو عَلِمَ ذلك، لم يَرْضَها بذلك الثَّمَنِ، فكِتْمانُه تَغْرِيرٌ به. فإن أخْبَرَ بدونِ ثَمَنِها، ولم يَتَبَيَّنِ الحالَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَجْمَعُ بينَ الكَذِبِ والتَّغْرِيرِ.
فصل: فأما إنْ تَغَيَّرَتِ السِّلْعَةُ فذلك على ضَرْبَيْنِ:
أحَدِهما، أن تَتَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ، وهى نَوْعانِ؛ أحدُهما، أن تَزِيدَ لِنَمائِها، كالسِّمَنِ، وتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، أو يَحْصُل منها نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ، كالوَلَدِ والثَّمرَةِ، والكَسْبِ، فهذا إذا أرادَ أن يَبِيعَها مُرَابَحَةً، أخْبَرَ بالثَّمنِ من غيرِ زِيادَةٍ؛ لأنَّه القَدْرُ الذى اشْتَرَاها به. وإن أخَذَ النَّماءَ المُنْفَصِلَ، أو اسْتَخْدَمَ الأمَةَ، أو وَطِئَ الثَّيِّبَ، أخْبَرَ بِرَأْسِ المالِ، ولم يَلْزَمْه تَبْيِينُ الحالِ. ورَوَى ابنُ المُنْذِرِ، عن أحمدَ، أنَّه يَلْزَمُه تَبْيِينُ ذلك كلِّه. وهو قولُ إسْحاقَ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ في الغَلَّةِ يَأْخُذُها: لا بَأْسَ أن يَبِيعَ مُرَابَحَةً، وفي الوَلَدِ والثَّمَرةِ لا يَبِيعُ مُرابَحَةً حتى يُبَيِّنَ، ولأنَّه من مُوجِبِ العَقْدِ. ولَنا، أنَّه صادِقٌ فيما أخْبَرَ به من غيرِ تَغْرِيرٍ بالمُشْتَرِى، فجازَ، كما لو لم يَزِدْ، ولأنَّ الوَلَدَ والثمَرةَ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ، فلم يَمْنَعْ من بَيْعِ المُرابَحَةِ بدون ذِكْرِه، كالغَلَّةِ. وقد بَيَّنَّا من قبلُ أنَّه ليس من مُوجِبَاتِ العَقْدِ. النَّوعُ الثاني، أن يَعْمَلَ فيها عَمَلًا، مثلَ أنْ يَقْصُرَها، أو يَرْفُوَها، أو يُجَمِّلَها (٥) أو يَخِيطَها، فهذه متى أرادَ أن يَبِيعَها مُرَابَحَةً أخْبَرَ بالحالِ على وَجْهِه، سواءٌ عَمِلَ ذلك بِنَفْسِه أو اسْتَأْجَرَ مَنْ عَمِلَه. هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال: يُبَيِّنُ ما اشْتَرَاهُ وما لَزِمَهُ، ولا يجوزُ
стр. 2879
أن يقولَ: تَحَصَّلَتْ عليَّ بكذا. وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وسَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ، والنَّخَعِيُّ، والأَوْزَاعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ فيما اسْتَأْجَرَ عليه أن يَضُمَّ الأُجْرَةَ إلى الثَّمَنِ، ويقولَ: تَحَصَّلَتْ عَلَىَّ بكذا. لأنَّه صادِقٌ. وبه قال الشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، والشَّافِعِيُّ. ولَنا، أنه تَغْرِيرٌ بالمُشْتَرِى، فإنَّه عَسَى أنْ لو عَلِمَ أنَّ بعضَ ما تَحَصَّلَتْ به لأجْلِ الصِّناعَةِ، لا يرْغَبُ فيه؛ لِعَدَمِ رَغْبَتِه في ذلك، فأشْبَهَ ما يَنْقُصُ الحَيَوانَ في مُؤْنَتِه، وكُسْوَتِه، وعلى المُبْتَاعِ في خَزْنِه.
الضَّربِ الثاني، أن يَتَغَيَّرَ بنَقْصٍ، كنَقْصِه بِمَرَضٍ، أو جِنايَةٍ عليه، أو تَلَفِ بعضِه، أو بوِلَادَةٍ، أو عَيْبٍ، أَو يَأْخُذَ المُشْتَرِى بعضَه، كالصُّوفِ واللَّبَنِ المَوْجُودِ ونحوِه، فإنَّه يُخْبِرُ بالحالِ على وَجْهِه، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. وإن أخَذَ أَرْشَ العَيْبِ، أو الجِنَايَةِ، أخْبَرَ بذلك على وَجْهِه. ذَكَرَه القاضي. وقال أبو الخَطَّابِ: يَحُطُّ أَرْشَ العَيْبِ من الثَّمَنِ، ويُخْبِرُ بالباقِى، لأنَّ أرْشَ العَيْبِ عِوَضُ ما فَاتَ به، فكان ثمنُ المَوْجُودِ هو ما بَقِىَ. وفي أرْشِ الجِنَايَةِ وَجْهَانِ؛ أحدُهما، يَحُطُّه من الثَّمَنِ، كأَرْشِ العَيْبِ. والثاني، لا يَحُطُّه كالنَّمَاءِ. وقال الشَّافِعِيُّ: يَحُطُّهُما من الثَّمَنِ، ويقول: تَقَوَّمَ عَلَيَّ بكذا؛ لأنَّه صَادِقٌ فيما أخْبَرَ به، فأشْبَه ما لو أخْبَرَ بالحالِ على وَجْهِه. ولَنا، أنَّ الإِخْبارَ بالحالِ على وَجْهِه أبْلَغُ في الصِّدْقِ، وأقْرَبُ إلى البَيانِ ونَفْىِ التَّغْرِيرِ بالمُشْتَرِي والتَّدْلِيسِ عليه، فلَزِمَهُ ذلك، كما لو اشْتَرَى شَيْئَيْنِ بثَمَنٍ واحِدٍ، وقَسَّطَ الثَّمَنَ عليهما. وقِياسُ أَرْشِ الجِنَايَةِ عليه على النَّماءِ والكَسْبِ غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ الأَرْشَ عِوَضُ نَقْصِه الحاصِلِ بالجِنايَةِ عليه، فهو بمَنْزِلَةِ ثَمَنِ جُزْءٍ منه باعَهُ، وكقِيمَةِ أحدِ الثَّوْبَيْنِ إذا تَلِفَ أحَدُهما، والنَّماءُ والكَسْبُ زِيَادَةٌ لم يَنْقُصْ بها المَبِيعُ، ولا هى عِوَضٌ عن شىءٍ منه، فَأمَّا إن جَنَى المَبِيعُ، ففَداه المُشْتَرِى، لم يُلحِقْ ذلك بالثَّمَنِ، ولم يُخْبِرْ به في المرابَحَةِ، بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ هذا الأَرْشَ لم يَزِدْ به المَبِيعُ قِيمَةً ولا ذَاتًا، وإنَّما هو مُزِيلٌ لِنَقْصِه بالجِنايَةِ والعَيْبِ الحاصِلِ بِتَعَلُّقِها بِرَقَبَتِه، فأشْبَه الدَّوَاءَ المُزِيلَ لِمَرَضِه الحادِثِ عندَ المُشْتَرِى. فأمَّا الأدوِيَةُ، والمُؤْنَةُ، والكُسْوَةُ، وعَمَلُه في السِّلْعَةِ بِنَفْسِه، أو عَمَلُ غيرِه له بغيرِ أُجْرَةٍ، فإنَّه
стр. 2880
لا يُخْبِرُ بذلك في الثَّمَنِ، وَجْها واحِدًا، وإن أخْبَرَ بالحالِ على وَجْهِه، فحَسَنٌ.
فصل: وإن اشْتَرَى شَيْئَيْنِ صَفْقَةً واحِدَةً، ثم أرادَ بَيْعَ أحَدِهما مُرابَحَةً، أو اشْتَرَى اثْنانِ شَيْئًا، فتَقاسماه، وأرادَ أحَدُهما بَيْعَ نَصِيبِه مُرابَحَةً، بالثَّمَنِ الذى أدَّاه فيه، فَذلك قِسْمانِ:
أحدُهما، أنْ يكونَ المَبِيعُ (٥) من المُتَقَوَّماتِ التى لا يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عليها بالأجْزاءِ، كالثِّيابِ والحَيوانِ والشَّجَرَةِ المُثْمِرَةِ، وأشْباهِ هذا، فهذا لا يجوزُ بَيْعُ بعضِه مُرابَحَةً، حتى يُخْبِرَ بالحال على وَجْهِه. نَصَّ عليه أحمدُ. فقال: كلُّ بَيعٍ اشْتَراه جَماعَةٌ، ثم اقْتَسَمُوه، لا يَبِيعُ أحَدُهُم مُرابَحَةً، إلَّا أنْ يقول: اشْتَرَيْناه جماعَةً، ثم اقْتَسَمْناهُ. وهذا مذهبُ الثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْى. وقال الشَّافِعِيُّ: يجوزُ بَيْعُه بحِصَّتِه من الثَّمَنِ؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ على المَبِيعِ على قَدْرِ قِيمَتِه؛ بِدَلِيلِ ما لو كان المَبِيعُ شِقْصًا وسَيْفًا، أخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ (٦) بحِصَّتِه من الثَّمَنِ. ولو اشْتَرَى شَيْئَيْنِ، فوَجَدَ أحَدَهما مَعِيبًا، رَدَّه بحِصَّتِه من الثَّمَنِ. وذَكَرَ ابنُ أبِي موسى، فيما اشْتَراه اثنانِ فتَقاسماه رِوايةً أخرى عن أحمدَ، أنَّه يجوزُ بَيْعُه مُرابَحةً بما اشْتراه؛ لأنَّ ذلك ثَمَنُه، فهو صادِقٌ فيما أخْبَرَ به. ولنا، أنَّ قِسْمَةَ الثَّمَنِ على المَبِيعِ طَرِيقُهُ الظَّنُّ والتَّخْمِينُ، واحْتِمالُ الخَطَأِ فيه كَثِيرٌ، وبَيْعُ المُرابَحَةِ أمانَةٌ، فلم يَجُزْ هذا فيه، فصارَ هذا كالخَرْصِ الحاصِلِ بالظَّنِّ، لا يجوزُ أنْ يُباعَ به ما يَجِبُ التَّماثُلُ فيه، وإنَّما أخَذَ الشَّفِيعُ بالقِيمَةِ للحاجَةِ الدَّاعِيَةِ إليه، وكونِه لا طَرِيقَ له سِوَى التَّقْوِيمِ، ولأنَّه لو لم يَأْخُذْ بالشُّفْعَةِ لاتَّخَذَه النَّاسُ طَرِيقًا لِإسْقاطِها، فيُؤَدِّي إلى تَفْوِيتِها بالكُلِّيةِ، وهاهُنا له طَرِيقٌ، وهو الإِخْبارُ بالحالِ على وَجْهِه، أو بَيْعُه مُساومةً.
стр. 2881
القسم الثانى، أنْ يكونَ المَبِيعُ من المُتَماثِلاتِ التى يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عليها بالأجْزاءِ، كالبُرِّ والشَّعِيرِ المُتَساوِى، فيَجُوزُ بَيْعُ بعضِه مُرابَحةً بقِسْطِه من الثَّمَنِ. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأى. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ثَمَنَ الجُزْءِ مَعْلُومٌ يَقِينًا، ولذلك جازَ بَيْعُ قَفِيزٍ من الصُّبْرَةِ. وإنْ أسْلَم فى ثَوْبَيْنِ بصِفَةٍ واحدةٍ، فأخَذَهما على الصِّفَةِ، وأرادَ بَيْعَ أحَدِهِما مُرابَحَةً بحِصَّتِه من الثَّمَنِ، فالقِياسُ جَوازُه؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ عليهما نِصْفَيْنِ، لا بِاعْتِبارِ القِيمَةِ. وكذلك لو أقالَه فى أحَدِهِما، أو تَعَذَّرَ تَسْلِيمُه، كان له نِصْفُ الثَّمَنِ، من غير اعْتِبارِ قِيمَةِ المَأْخُوذِ منهما، فكأنَّه أخَذَ كلَّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا. ولأنَّ الثَّمَنَ وَقَعَ عليهما مُتَساوِيًا لِتَساوِى صِفَتِهِما فى الذِّمَّةِ، فهما كَقَفِيزَيْنِ من صُبْرَةٍ. وإنْ حَصَلَ فى أحَدِهما زِيادَةٌ على الصِّفَةِ، جَرَتْ مجْرَى الحادِثِ بعد البَيْعِ.
فصل: وإن اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، لم يَجُزْ بَيْعُه مُرابَحَةً، حتى يُبَيِّنَ ذلك. وإن اشْتَراه من أبِيه، أو ابْنِه، أو مِمَّن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له، لم يَجُزْ بَيْعُه مُرابَحَةً، حتى يُبَيِّنَ أمْرَه. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: يجوزُ من غير بَيانٍ؛ لأنَّه أخْبَرَ بما اشْتَراه عَقْدًا صَحِيحًا، فأشْبَهَ ما لو اشْتَراه من أجْنَبِىٍّ. ولَنا، أنَّه مُتَّهَمٌ فى الشِّراءِ منهم؛ لكَوْنِه يُحابِيهِم، ويَسْمَحُ لهم، فلم يَجُزْ أن يُخْبِرَ بما اشْتَراه منهم مُطْلَقًا، كما لو اشْتَرَى من مُكاتَبِه، وفارَقَ الأجْنَبِىَّ؛ فإنَّه لا يُتَّهَمُ فى حَقِّه. وقِياسُهُم يَبْطُلُ بالشِّراءِ من مُكاتَبِه؛ فإنَّه لا يَجوزُ له بَيْعُ ما اشْتَراه من مُكاتَبِه مُرابَحَةً، حتى يُبَيِّنَ أمْرَه، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وإن اشْتَراه من غُلامِ دُكَّانِه الحُرِّ، فقال القاضِى: إذا باعَه سِلْعةً، ثم اشْتَراها منه بأكْثَرَ من ذلك، لم يَجُزْ بَيْعُه مُرابَحَةً حتى يُبَيِّنَ [أمْرَه، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا] (٧). ولأنَّه مُتَّهَمٌ فى حَقِّه، فأشْبَه من لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له. وقال أبو الخَطَّابِ: إنْ فَعَلَ ذلك حِيلَةً، لم يَجُزْ.
стр. 2882
وظاهِرُه الجَوازُ إذا لم يكُنْ حِيلَةً. وهذا أصَحُّ؛ لأنَّه أجْنَبِىٌّ، لكنْ لا يَخْتَصُّ هذا بِغُلامِ دُكَّانِه، بل متى فَعَلَ هذا على وجه الحِيلَةِ لم يَجُزْ، وكان حَرامًا وتَدْلِيسًا، على ما ذَكَرْنا من قبلُ.
فصل: فإن اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ، ثم باعَه بخَمْسَةَ عَشَرَ، ثم اشْتَراه بِعَشَرَةٍ، اسْتُحِبَّ أنْ يُخْبِرَ بالحال على وَجْهِه، فإنْ أخْبَرَ أنَّه اشْتَراه بِعَشَرَةٍ، ولم يُبَيِّنْ، جازَ. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ، وأبى يوسُفَ، ومحمدٍ، لأنَّه صادِقٌ فيما أخْبَرَ به، وليس فيه تُهْمَةٌ، ولا تَغْرِيرٌ بالمُشْتَرِى. فأشْبه ما لو لم يَرْبَحْ فيه. ورُوِىَ عن ابن سِيرِينَ، أنَّه يَطْرَحُ الرِّبْحَ من الثَّمَنِ، ويُخْبِرُ أنَّ رَأْسَ مالِه عليه خَمْسَةٌ. وأعْجَبَ أحمدَ قولُ ابن سِيرِينَ، قال: فإنْ باعه على ما اشْتَراهُ، يُبَيِّنُ أمْرَه. يعنى يُخْبِرُ أنَّه رَبِحَ فيه مَرَّةً، ثم اشْتَراه. وهذا مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ؛ لما ذَكَرْناه. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ بَيْعُه مُرابَحَةً، إلَّا أنْ يُبَيِّنَ أمْرَه، [أو يُخْبِرَ] (٨) أنَّ رَأْسَ مالِه عليه خَمْسَةٌ. وهذا قولُ القاضِى وأصْحابِه؛ لأنَّ المُرابَحَةَ تُضَمُّ فيها العُقُودُ، فيُخْبِرُ بما تَقَوَّمَ عليه، كما تُضَمُّ أُجْرَةُ الخَيَّاطِ والقَصَّارِ. وقد اسْتَفادَ (٩) بهذا العَقْدِ الثانى تَقْرِيرَ الرِّبْحِ فى العَقْدِ الأوَّلِ؛ لأنَّه أمِنَ أن يَرُدَّه عليه، ولأنَّ الرِّبْحَ أحَدُ نَوْعَىِ النَّماءِ، فوَجَبَ أنْ يُخْبِرَ به فى المُرابَحَةِ، كالوَلَدِ والثَّمَرَةِ. فعلى هذا يَنْبَغِى أنَّه إذا طَرَحَ الرِّبْحَ من الثَّمَنِ الثانى يقول: تَقَوَّمَ عَلَىَّ بِخَمْسَةٍ. ولا يجوزُ أنْ يقولَ: اشْريْتُه بِخَمْسَةٍ. لأنَّ ذلك كَذِبٌ، والكَذِبُ حَرَامٌ، ويَصِيرُ كما لو ضَمَّ أُجْرَةَ القِصارَةِ والخِياطَةِ إلى الثَّمَنِ، وأخْبَرَ به. ولَنا، ما ذَكَرْناه فيما تَقَدَّمَ. وما ذَكَرُوه من ضَمِّ القصارَةِ والخِياطَةِ والوَلَدِ والثَّمَرَةِ فشىءٌ بَنَوْه على أصْلِهِمْ، لا نُسَلِّمُه، ثم لا يُشْبِه هذا ما ذَكَرَه؛ لأنَّ المُؤْنَةَ والنَّماءَ لَزِماه فى هذا البَيْعِ الذى يَلِى المُرابَحَةَ، وهذا الرِّبْحُ فى عَقْدٍ آخَرَ قبل هذا الشِّراءِ، فأشْبَه الخَسارَةَ فيه. وأمَّا تَقْرِيرُ الرِّبْحِ، فغيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ
стр. 2883
العَقْدَ الأَوَّلَ قد لَزِمَ، ولم يَظْهَر العَيْبُ، ولم يَتَعَلَّقْ به حُكمُه، ثم قد ذَكَرْنا فى مثل هذه المَسْأَلَةِ أنَّ لِلْمُشْتَرِى أنْ يَرُدَّه على البائِعِ إذا ظَهَرَ على عَيْبٍ قَدِيمٍ. وإذا لم يَلْزَمْه طَرْحُ النَّماءِ والغَلَّةِ، فهاهُنا أوْلَى، ويَجِىءُ على هذا القولِ، أنَّه لو اشْتَراه بِعَشَرَةٍ، ثم باعَه بِعِشْرِينَ، ثم اشْتَراه بِعَشَرَةٍ، فإنَّه يُخْبِرُ أنَّها حَصَلَتْ بغير شىءٍ. وإن اشْتَراها بِعَشَرَةٍ ثم باعَها بِثلاثةَ عَشَرَ، ثم اشْتَراها بِخَمْسَةٍ، أخْبَرَ أنَّها تَقَوَّمَتْ عليه بدِرْهَمَيْنِ. وإن اشْتَراها بِخَمْسَةَ عَشَرَ، أخْبَرَ أنَّها تَقَوَّمَتْ عليه باثْنَى عَشَرَ. نَصَّ أَحمدُ على نَظِيرِ هذا. وعلى هذا يَطْرَحُ الرِّبْحَ من الثَّمَنِ الثانى كيْفَما كان، فإنْ لم يَرْبَحْ، ولكن اشْتَراها ثانيةً بِخَمْسَةٍ، أخْبَرَ بها، لأنَّها ثَمَنُ العَقْدِ الذى يَلِى المُرابَحَةَ. ولو خَسِرَ فيها، مثلَ أن اشْتَراها بِخَمْسَةَ عَشَرَ، ثم بَاعَها بِعَشَرَةٍ، ثم اشْتَرَاها بأى ثَمَنٍ كان، أخْبَرَ به. ولم يَجُزْ أنْ يَضُمَّ الخَسارَةَ إلى الثَّمَنِ الثانى، فيُخْبِرَ به فى المُرَابَحَةِ، بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه. وهذا يَدُلُّ على صِحَّةِ ما ذَكَرْنَاهُ، واللهُ أعلمُ.
فصل: وكلُّ ما قُلْنا: إنَّه يَلْزَمُه أنْ يُخْبِرَ به فى المُرابَحَةِ ويُبَيِّنَه. فلم يَفْعَلْ، فإنَّ البَيْعَ لا يَفْسُدُ به، ويَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِى الخِيارُ بين الأخْذِ به وبين الرَّدِّ، إلَّا فى الخَبَرِ بِزِيادَةٍ على رَأْسِ مالِه، على ما قَدَّمْناه من القولِ فيه. وإن اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، ولم يُبَيِّنْ أمْرَه، فعن أحمدَ، أنَّه مُخَيَّرٌ بين أخْذِه بالثَّمَنِ الذى وَقَعَ عليه العَقْدُ حالًا وبين الفَسْخِ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ البائِعَ لم يَرْضَ المُشْتَرِى، وقد تكونُ ذِمَّتُه دُونَ ذِمَّةِ البائِعِ، فلا يَلْزَمُه الرِّضَى بذلك. وحَكَى ابن المُنْذِرِ عن أحمدَ، أنَّه إنْ كان المَبِيعُ قائِمًا، كان له ذلك إلى الأجَلِ -يعنى وإنْ شاءَ فَسَخَ- وإنْ كان قد اسْتُهْلِكَ، حَبَسَ المُشْتَرِى الثَّمَنَ بِقَدْرِ الأجَلِ. وهذا قولُ شُرَيْحٍ، لأنَّه كذلك وَقَعَ على البائِعِ، فيَجِبُ أنْ يكون لِلْمُشْتَرِى أخْذُه بذلك على صِفَتِه، كما لو أخْبَرَ بزِيادَةٍ على الثَّمَنِ، وكونُه لم يَرْضَ بِذِمَّةِ المُشْتَرِى لا يَمْنَعُ نُفُوذَ البَيْعِ بذلك، كما أنَّه إذا أخْبَرَ بِزِيادَةٍ لم يَرْضَ بِبَيْعِه إلَّا بما أخْبَرَ به، ولم يَلْتَفِتْ إلى رِضاهُ، بل وَجَبَ الرُّجُوعُ إلى ما وَقَعَ به البَيْعُ الأوَّلُ. كذا هاهُنا.
стр. 2884
فصل: فإن ابْتاعَه بِدَنانِيرَ، فأخْبَرَ أَنَّه اشْتَراه بِدَراهِمَ، أو كان بالعَكْسِ، أو اشْتَراه بِعَرْضٍ، فأخْبَرَ أنَّه اشْتَراه بِثَمَنٍ، أو بِثَمَنٍ، فأخْبَرَ أنَّه اشْتَراه بِعَرْضٍ، وأشْباه هذا، فلِلْمُشْتَرِى الخِيارُ بين الفَسْخِ والرُّجُوعِ بالثَّمَنِ، وبين الرِّضَى به بالثَّمَنِ الذى تَبايَعا به، كسائِر المَواضِعِ التى ثَبَتَ فيها ذلك.
فصل: وإن ابْتاعَ اثْنانِ ثَوْبًا بعِشْرِينَ، وبُذِلَ لهما فيه اثْنانِ وعِشْرونَ، فاشْتَرَى أحَدُهما نَصِيبَ صاحِبِه فيه بذلك السِّعْرِ، فإنَّه يُخْبِرُ فى المُرابَحَةِ بأحَدَ وعِشْرِينَ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهذا قولُ النَّخَعِىِّ. وقال الشَّعْبِىُّ: يَبِيعُه على اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، لأنَّ ذلك الدِّرْهَمَ الذى كان أُعْطِيَه قد كان أحْرَزَه. ثم رَجَعَ بعد ذلك إلى قول إبراهيمَ، ولا نعْلَمُ أحَدًا خالَفَ ذلك؛ لأنَّه اشْتَرَى نِصْفَه الأوَّل بعَشَرَةٍ، ثم اشْتَرَى نِصْفَه الثانى بأحَدَ عَشَرَ، فصارَ مَجْمُوعُهما أحَدًا وعِشْرِينَ.
فصل: قال أحمدُ: ولا بَأْسَ أنْ يَبِيعَ بالرَّقَمِ. ومعناه، أنْ يقول: بِعْتُكَ هذا الثَّوْبَ بِرَقَمِه. وهو الثَّمَنُ المَكْتُوبُ عليه إذا كان مَعْلُومًا لهما حالَ العَقْدِ، وهذا قول عامَّة الفُقَهاء، وكَرِهَه طاوُسٌ. ولَنا، أنَّه بَيْعٌ بثَمَنٍ مَعْلُومٍ، فأَشْبَهَ ما لو ذَكَرَ مِقْدارَه، أو ما لو قال: بِعْتُكَ هذا بما اشْتَرَيْتُه به. وقد عَلِما قَدْرَه، فإن لم يكُنْ مَعْلُومًا لهما، أو لأحَدِهِما، لم يَصِحَ؛ لأنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ. قال أحمدُ: والمُساوَمَةُ عندى أسْهَلُ من بَيْعِ المُرابَحَةِ، وذلك لأنَّ بَيْعَ المُرابَحَةِ تَعْتَرِيه أمانَةٌ واسْتِرْسالٌ من المُشْتَرِى، ويحْتاجُ فيه إلى تَبْيِينِ الحال على وَجْهِهِ فى المَواضِع التى ذَكَرْناها، ولا يُؤْمَنُ هَوَى النَّفْسِ فى نوع تَأْوِيلٍ أو غَلَطٍ، فيكونُ على خَطَرٍ وغَرَرٍ، وتَجَنُّبُ ذلك أسْلَمُ وأوْلَى.
فصل: وبَيْعُ التَّوْلِيَةِ: هو البَيْعُ بمِثْلِ ثَمَنِه من غير نَقْصٍ ولا زِيادَةٍ. وحُكْمُه فى الإِخْبارِ بِثَمَنِه، وتَبْيِين ما يَلْزَمُه تَبْيِينُه، حُكْمُ المُرابَحَةِ فى ذلك كلِّه، ويَصِحُّ بِلَفْظِ البَيْعِ، ولَفْظِ التَّوْلِيةِ.
стр. 2885
٧٥٢ - مسألة؛ قال: (وإنْ أخْبَرَ بِنُقْصَانٍ مِنْ رَأْسِ مَالِه، كَانَ عَلَى المُشْتَرى رَدُّه، أوْ إعْطَاؤُه مَا غَلِطَ بهِ، وَلهُ أنْ يُحَلِّفَهُ أنَّ وَقْتَ ما باعَهَا لَمْ يَعْلَمْ أنَّ شِرَاءَهَا بأكْثَرَ)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا قال فى المُرابَحَةِ: رَأْسُ مالِى فيه مائَةٌ، وأرْبَحُ عَشَرَةً. ثم عادَ فقال: غَلِطْتُ، رَأْسُ مالِى فيه مائةٌ وعَشَرَةٌ. لم يُقْبَلْ قَوْلُه فى الغَلَطِ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أنَّ رَأْسَ مالِه عليه ما قاله ثانِيًا. وذَكَرَه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ وإسْحاقَ. ورَوَى أبو طالِبٍ عن أحمدَ، إذا كان البائِعُ مَعْرُوفًا بالصِّدْقِ، قُبِلَ قَوْلُه، وإنْ لم يَكُنْ صَدُوقًا، جازَ البَيْعُ. قال القاضى: وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّ القولَ قولُ البائِعِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه لمَّا دَخَلَ معه فى المُرابَحَةِ فقد ائْتَمَنَه، والقولُ قولُ الأمِينِ مع يَمِينِه، كالوَكِيلِ والمُضارِبِ. والظَّاهِرُ أنَّ الخِرَقِىَّ لم يَتْرُكْ ذِكْرَ ما يَلْزَمُ البائِعَ فى إثْباتِ دَعْواهُ؛ لكَوْنِه يَقْبَلُ مُجَرَّدَ دَعْواه، بل لأنَّه عَطَفَه على المَسْأَلَةِ قبلها، وقد ذَكَرَ فيها، فعَلِمَ أنَّه زادَ فى رَأْسِ المالِ، ولم يَتَعَرَّضْ لما يَحْصُلُ به العِلْمُ، لكنْ قد عَلِمْنا أنَّ العِلْمَ إنَّما يَحْصُلُ بِبَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، كذلك عِلْمُ غَلَطِه هاهُنا يَحْصُلُ بِبَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ من المُشْتَرِى، وكونُ البائِعِ مُؤْتَمَنًا لا يُوجِبُ قَبُولَ دَعْواه فى الغَلَطِ، كالمُضارِبِ والوَكِيلِ إذا أقَرَّا بِرِبْحٍ، ثم قالا: غَلِطْنا أو نَسِينا. واليَمِينُ التى ذَكَرَها الخِرَقِىُّ هاهُنا، إنَّما هى نَفْىُ (١) عِلْمِه بِغَلَطِ نَفْسِه وقتَ البَيْعِ، لا على إثْباتِ غَلَطِه. وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه لا يُقْبَلُ قَوْلُ البائِعِ، وإنْ أقامَ به بَيِّنَةً حتى يُصَدِّقَه المُشْتَرِى. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه أقَرَّ بالثَّمَنِ، وتَعَلَّقَ به حَقُّ الغَيْرِ. فلا يُقْبَلُ رُجُوعُه ولا بَيِّنَتُه؛ لإقْرَارِه بِكَذِبِهَا. ولَنا، أنَّها بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، شَهِدَتْ بما يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، فَتُقْبَلُ، كسائِر البَيِّناتِ. ولا يُسَلَّمُ أنَّه أقَرَّ بخِلافِها؛ فإنَّ الإِقْرارَ يكونُ لغير المُقِرِّ، وحالَةَ إخْبارِه بِثَمَنِها لم يكنْ عليه حَقٌّ لغيرِه، فلم يكن إقْرارٌ.
стр. 2886
فإن لم تكن بَيِّنَةٌ، أو كانت له بَيِّنَةٌ، وقُلْنا: لا تُقْبَلُ بَيِّنَتُه، فادَّعَى أنَّ المُشْتَرِىَ يَعْلَمُ غَلَطَه، فأنْكَرَ المُشْتَرِى، فالقولُ قولُه، وإنْ طَلَبَ يَمِينَه، فقال القاضِى: لا يَمِينَ عليه؛ لأنَّه مُدَّعٍ، واليَمِينُ على المُدَّعَى عليه. ولأنَّه قد أقَرَّ له فيَسْتَغْنِى بالإِقْرارِ عن اليَمِينِ. والصَّحِيحُ أنَّ عليه اليَمِينَ أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك؛ لأنَّه ادَّعَى عليه ما يَلْزَمُه به رَدُّ السِّلْعَةِ أو زِيادَةٌ فى ثَمَنِها، فلَزِمَتْه اليَمِينُ، كمَوْضِع الوِفاقِ. وليس هو هاهُنا مُدَّعِيًا، إنَّما هو مُدَّعًى عليه العِلْمُ بمِقْدارِ الثَّمَنِ الأوَّل، ثم قال الخِرَقِىُّ: له أنْ يُحَلِّفَه أنَّ وَقْتَ ما باعَها لم يَعْلَمْ أنَّ شِراءَها أكْثَرُ. وهذا صَحِيحٌ، فإنَّه لو باعَها بهذا الثَّمَنِ عالِمًا بأنَّ ثَمَنَها عليه أكْثَرُ، لَزِمَه البَيْعُ بما عَقَدَ عليه؛ لأنَّه تَعاطَى شَيْئًا عالِمًا بالحال، فلَزِمَه، كمُشْتَرِى المَعِيبِ عالِمًا بِعَيْبِه. وإذا كان البَيْعُ يَلْزَمُه بالعِلْمِ، فَادَّعَى عليه، لَزِمَتْه اليَمِينُ. فإنْ نَكَلَ قضى عليه. وإنْ حَلَفَ خُيِّرَ المُشْتَرِى بين قَبُولِه بالثَّمَنِ والزِّيادَةِ التى غَلِطَ بها وحَطِّها من الرِّبْحِ، وبين فَسْخِ العَقْدِ. [ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا باعَه بمائةٍ ورِبْحِ عَشَرَةٍ، ثم إنَّه غَلِطَ بعَشَرَة، لا يَلْزَمُه حَطُّ العَشَرَةِ من الرِّبْحِ؛ لأنَّ البائِعَ رَضِىَ بِرِبْحِ عَشَرَةٍ فى هذا المَبِيعِ، فلا يكونُ له أكْثَرُ منها. وكذلك إنْ تَبَيَّنَ له أنَّه زادَ فى رَأْسِ مالِه، لا يَنْقُصُ الرِّبْحَ من عَشَرَةٍ؛ لأنَّ البائِعَ لم يَبِعْه، إلَّا بِرِبْحِ عَشَرَةٍ، فأمَّا إِنْ قَال: وأرْبَحُ فى كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا. أو قال: ده يازده. لَزِمَهُ حَطُّ العَشَرَةِ من الرِّبْحِ فى الغَلَطِ والزِّيادَةِ على الثَّمَنِ فى الصُّورَتَيْنِ] (٢). وإنَّما أثْبَتْنَا له الخِيَارَ؛ لأنَّه دَخَلَ على أنَّ الثَّمَنَ مائةٌ وعَشَرَةٌ، فإذا بان أكْثَر كان عليه ضَرَرٌ فى الْتِزامِه، فلم يَلْزَمْه، كالمَعِيبِ. وإن اخْتارَ أخْذَها بمائةٍ وأحَدَ وعِشْرِينَ، لم يكن للبائِعِ خِيارٌ؛ لأنَّه قد زادَه خَيْرًا، فلم يكن له خِيارٌ، كبائِعِ المَعِيبِ إذا رَضِيَه المُشْتَرِى. وإن اخْتارَ البائِعُ إسْقاطَ الزِّيادَةِ عن المُشْتَرِى، فلا خِيارَ له أيضًا؛ لأنَّه قد بَذَلَها بالثَّمَنِ الذى وَقَعَ عليه العَقْدُ، وتَراضَيا به.
فصل: ويجوزُ بَيْعُ الْمواضَعَةِ، وهو أنْ يُخْبِرَ بِرَأْسِ مالِه ثم يقولُ: بِعْتُكَ هذا
стр. 2887
به، وأضعُ عنك كذا. فإنْ قال: بِوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ من كلِّ عَشَرَةٍ، كُرِهَ؛ لما ذَكَرْنا فى المُرابَحَةِ، وصَحَّ؛ ويَطْرَحُ من كلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا. فإن كان الثَّمَنُ مائةً لَزِمَه تِسْعُونَ، ويكونُ الحطُّ عَشَرَةً. وقال قَوْمٌ: يكون الحَطُّ من كلِّ أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فيكونُ ذلك تِسْعَةَ دَراهِمَ وجُزْءًا من أحَدَ عَشَرَ جُزْءًا من دِرْهَمٍ، وتَبْقَى تِسْعُونَ وعَشَرَةُ أجْزاءٍ من أحَدَ عَشَرَ جُزْءًا من دِرْهَمٍ. وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ هذا يكونُ حَطًّا مِن كلِّ أحَدَ عَشَرَ، وهو غيرُ ما قالَهُ. فأمَّا إنْ قال بِوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ لكلِّ عَشَرَةٍ، كان الوَضِيعَةُ من كلِّ أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، ويكونُ الباقِى تِسْعِينَ وعَشَرَةَ أجْزاءٍ من أحَدَ عَشَرَ جُزْءًا من دِرْهَمٍ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ والشَّافِعِىِّ. وحُكِىَ عن أبى ثَوْرٍ، أنَّه قال: الحَطُّ هاهُنا عَشَرَةٌ مثلُ الأُولَى. وليس بِصَحِيحٍ؛ فإنَّه إذا قال: لكلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا. يكون الدِّرْهَمُ مِن غيرِها. فكأنَّه قال: مِن كلِّ أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا (٣). وإذا قال: مِن كلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا. كان الدِّرْهَمُ من العَشَرَةِ؛ لأنَّ "مِنْ" لِلتَّبْعِيضِ، فكأنَّه قال: آخُذُ من العَشَرَةِ تِسْعَةً، وأحُطُّ منها دِرْهَمًا.
فصل: إذا اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ سِلْعَةٍ بعَشَرَةٍ، واشْتَرَى آخَرُ نِصْفَها بعِشْرِينَ، ثم باعا (٤) مُساوَمَةً بِثَمَنٍ واحِدٍ، فهو بينهما نِصْفانِ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ الثَّمَنَ عِوَضٌ عنها، فيكونُ بينهما على حَسَبِ ملْكَيْهِما فيها. وإنْ باعا (٤)، مُرابَحَةً أو مُواضَعَةً أو تَوْلِيَةً، فكذلك، نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ والحَكَمِ، قال الأثْرَمُ: قال أبو عبدِ اللهِ ﵀: إذا باعا (٤)، فالثَّمَنُ بينهما نِصْفانِ. قلتُ: أعْطَى أحَدُهما أكْثَرَ ممَّا أعْطَى الآخَرُ؟ فقال: وإن أُلْبِسَ الثَّوْبُ بينهما السَّاعةَ سَواءً، فالثَّمَنُ بينهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَمْلِكُ مثلَ الذى يَمْلِكُ صاحِبُه. وحَكَى أبو بكرٍ، عن أحمدَ، رِوايَةً أُخرى، أنَّ الثَّمَنَ بينهما على قَدْرِ رُءُوسِ أمْوالِهِما؛ لأنَّ بَيْعَ المُرابَحَةِ يَقْتَضِى أنْ يكونَ الثَّمَنُ فى مُقابَلَةِ رَأْسِ المالِ، فيكون مَقسُومًا بينهما على
стр. 2888
حَسَبِ رُءُوسِ أمْوالِهِما. ولم أجِدْ عن أحمدَ رِوايَةً بما قال أبو بكَرٍ. وقيل: هذا وَجْهٌ خَرَّجَه أبو بكرٍ، وليس بِرِوايةٍ. والمذهبُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الثَّمَنَ عِوَضُ المَبِيعِ، ومِلْكُهُما مُتَسَاوٍ فيه، فكان مِلْكُهُما لِعِوَضِه (٥)، مُتَساوِيًا. كما لو باعاهُ مُساواةً.
فصل: ومتى باعاهُ السِّلْعَةَ بِرَقَمِها، ولا يَعْلَمَانِه، أو جَهِلا رَأْسَ المالِ فى المُرابَحَةِ، أو المُواضَعَةِ، أو التَّوْلِيَةِ، أو جَهِلَ ذلك أحَدُهما، أو جَهِلَ قَدْرَ الرِّبْحِ، أو قَدْرَ الوَضِيعَةِ، فالبَيْعُ باطِلٌ، لأنَّ العِلْمَ بالثَّمَنِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ البَيْعِ، فلا يَثْبُتُ بدُونِه. ولو باعَه بمائةٍ ذَهَبًا وفِضَّةً، لم يَصِحَّ البَيْعُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ، ويكون نِصْفَيْنِ، لأنَّ الإِطْلاقَ يَقْتَضِى التَّسْوِيَةَ، كالإِقْرارِ. ولَنا، أنَّ قَدْرَ كلِّ واحِدٍ منهما مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بمائةٍ بعضُها ذَهَبٌ. وقولُه: إنَّه يَقْتَضِى التَّسْوِيَةَ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّه لو فَسَّرَه بغيرِ ذلك، صَحَّ. وكذلك لو أقرَّ له بمائةٍ ذَهَبًا وفِضَّةً، فالقولُ قولُه فى قَدْرِ كلِّ واحدٍ منهما.
٧٥٣ - مسألة؛ قال: (وإذَا بَاعَ شَيْئًا واختَلَفَا فِى ثَمَنِه، تَحَالَفَا، فَإنْ شَاءَ المُشْتَرِى أخَذَهُ بَعْدَ ذلِك بِمَا قَالَ الْبائِعُ، وإلَّا انْفَسَخَ البَيْعُ بَيْنَهُما، والمُبْتَدِىءُ بالْيَمِينِ الْبائِعُ)
والكلامُ فى هذه المَسْأَلَةِ فى فُصُولٍ ثلاثةٍ:
أحدُها ، أنَّه إذا اخْتَلَفَ المُتَبايِعانِ والسِّلْعَةُ قائِمَةٌ، فقال البائِعُ: بِعْتُكَ بِعِشْرينَ. وقال المُشْتَرِى: بل بِعَشَرَةٍ، ولأحدِهِما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها. وإنْ لم يكُنْ لهما بَيِّنَةٌ تَحالفا. وبهذا قال شُرَيْحٌ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، ومالِكٌ فى رِوايةٍ. وعنه. القولُ قولُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وزُفَرُ؛ لأنَّ البائِعَ يَدَّعِى عَشَرَةً زائِدَةً، يُنْكِرُها
стр. 2889
المُشْتَرِى، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. وقال الشَّعْبِىُّ: القولُ قولُ البائِعِ، أو يَتَرادَّانِ البَيْعَ. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن إمامِنا، ﵀، [لما رَوَى] (١) ابنُ مَسْعُودٍ، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه قال: "إذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعانِ، ولَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ، أوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ". رَواه سَعِيدٌ، وابنُ ماجَه، وغيرُهما (٢). والمَشْهُورُ فى المذهبِ الأوَّلُ. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مَعْنَى القَوْلَيْنِ واحِدًا، وأنَّ القولَ قولُ البائِعِ مع يَمِينِه، فإذا حَلَفَ فرَضِىَ المُشْتَرِى بذلك، أخَذَ به، وإنْ أَبَى، حَلَفَ أيضًا، وفُسِخَ البَيْعُ بينهما، لأنَّ فى بعضِ ألفاظِ حَدِيثِ ابن مَسْعُودٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، والسِّلْعَةُ قائِمَةٌ. ولَا بَيِّنَةَ لأحَدِهِمَا، تَحَالَفا" (٣). ولأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه، فإنَّ البائِعَ يَدَّعِى عَقْدًا بِعِشْرِينَ، يُنْكِرُه المُشْتَرِى، والمُشْتَرِى يَدَّعِى عَقْدًا بِعَشَرَةٍ، يُنْكِرُه البائِعُ، والعَقْدُ بِعَشَرَةٍ غيرُ العَقْدِ بِعِشْرِينَ، فَشُرِعَت اليَمِينُ فى حَقِّهِما، وهذا الجَوَابُ عمَّا ذَكَرُوه.
الفصل الثانى ، أنَّ المُبْتَدِىءَ باليَمِينِ البائِعُ، فيَحْلِفُ ما بِعْتُه [بِعَشَرَةٍ، وإنَّما بِعْتُه] (٤) بِعِشْرِينَ. فإنْ شاءَ المُشْتَرِى أخَذَه بما قال البائِعُ، وإلَّا يَحْلِفُ ما اشْتَرَيْتُه بِعِشْرِينَ، وإنَّما اشْتَرَيْتُه بِعَشَرَةٍ. وبهذا قال الشَّافِعىُّ، وقال أبو حنيفةَ: يَبْتَدِىءُ بِيَمِينِ المُشْتَرِى؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، واليَمِينُ فى جَنَبَتِه أقْوَى، ولأنَّه يُقْضَى بِنُكُولِه، ويَنْفَصِلُ الحُكْمُ، وما كان أقْرَبَ إلى فَصْلِ الخُصُومَةِ كان أوْلَى. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ
стр. 2890
- ﷺ : "فالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ". وفى لَفْظٍ: "فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبائِعُ، والْمُشْتَرِى بِالْخِيَارِ". رواه الإِمامُ أحمدُ (٥). ومَعْناه: إنْ شاءَ أخَذَ، وإنْ شاءَ حَلَفَ. ولأنَّ البائِعَ أقْوَى جَنَبَةً؛ لأنَّهما إذا تَحَالفا عادَ المَبيعُ إليه، فكان أقْوَى، كصاحِبِ اليَدِ، وقد بَيَّنَّا أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُنْكِرٌ، فيَتساويانِ من هذا الوَجْهِ. والبائِعُ إذا نَكَلَ، فهو بمَنْزِلَةِ نُكُولِ المُشْتَرِى، يَحْلِفُ الآخَرُ، ويُقْضَى له، فهما سَوَاء.
الفصل الثالث ، أنَّه إذا حَلَفَ البائِعُ فنَكَلَ المُشْتَرِى عن اليَمِينِ، قُضِىَ عليه. وإنْ نَكَلَ البائِعُ، حَلَفَ المُشْتَرِى، وقُضِىَ له. وإنْ حَلَفا جَمِيعًا، لم يَنْفَسِخِ البَيْعُ بنَفْسِ التَّحالُفِ؛ لأنَّه عَقْدٌ صَحِيحٌ، فتَنازُعُهما، وتَعارُضُهما لا يَفسَخُه، كما لو أَقامَ كُلُّ واحدٍ مِنهما بَيِّنَةً بما ادَّعاه، لكنْ إنْ رَضِىَ أحَدُهما بما قال صاحِبُه، أُقِرَّ العَقْدُ بينَهما، وإنْ لم يَرْضَيا، فلكُلِّ واحدٍ مِنهما الفَسْخُ. هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَقِفَ الفَسْخُ على الحاكِمِ. وهو ظاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ العَقْدَ صَحِيحٌ، وأحَدُهما ظالِمٌ، وإنّما يَفْسَخُه الحاكِمُ لتَعَذُّرِ إمضائِه فى الحُكْمِ، فأشْبَهَ نِكاحَ المرأةِ إذا زَوَّجَها الوَلِيّانِ، وجُهِلَ السّابِقُ مِنهما. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "أوْ يَتَرَادَّانِ البَيْعَ". وظاهِرُه اسْتِقْلالُهما بذلك، وفى القصَّةِ، أنَّ ابنَ مَسْعُودٍ، رَضِىَ اللَّه عنه باعَ الأشْعَثَ بن قَيْسٍ رَقِيقًا مِن رَقِيقِ الإِمارَةِ، فقال عبدُ اللَّه: بِعْتُكَ بِعِشْرِينَ ألْفًا. قال الأشْعَثُ: اشْتَرَيْتُ مِنك بِعَشْرَةِ آلافٍ. فقال عبدُ اللهِ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، وَالْبَيْعُ (٦) قَائِمٌ بِعَيْنِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، أوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ". قال: فإنى أرُدُّ البَيْعَ. رواه سعيدٌ، عن هُشَيْمٍ، عن ابن أبى لَيْلَى، عن [القاسم بن عبد الرحمن] (٧)، عن ابنِ مَسْعُودٍ.
стр. 2891
ورَوَى أيضًا حَدِيثًا عن عبد المَلِكِ بن عُبَيْدَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ اسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ، ثُمَّ كَانَ الْمُشْتَرِى بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أخَذَ، وَإنْ شَاءَ تَرَكَ" (٨). وهذا ظاهِرٌ فى أنَّه يَفْسَخُ مِن غيرِ حاكِمٍ؛ لأنّه جَعَلَ الخِيارَ إليه، فأشْبَهَ مَن له خِيارُ الشَّرْطِ، أو الرَّدَّ بالعَيْبِ. ولأنّه فَسْخٌ لاسْتِدْراكِ الظُّلامَةِ، فأشْبَهَ الرَّدَّ بِالعَيْبِ، ولا يُشْبِهُ النِّكاحَ؛ لأنَّ لكُلِّ واحدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ الاسْتِقْلالَ بالطَّلاقِ. وإذا فُسِخَ العَقدُ، فقال القاضى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنّ الفَسْخَ يَنْفُذُ (٩) ظاهِرًا وباطِنًا؛ لأنّه فَسْخٌ لاسْتِدْراكِ الظُّلامَةِ، فهو كالرَّدِّ بِالعَيْبِ، أو فَسْخُ عَقْدٍ بالتَّحالُفِ (١٠)، فوَقَعَ فى الظَّاهِرِ والباطِنِ، كالفَسْخِ باللِّعانِ. وقال أبو الخَطَّابِ: إنْ كان البائِعُ ظَالِمًا، لم يَنْفَسِخِ (١١) العَقْدُ فى الباطِنِ؛ لأنّه كان يُمْكِنُه إمضاءُ العَقْدِ، واسْتِيفاءُ حَقِّه، فلا يَنْفَسِخُ العَقْدُ فى الباطِنِ، ولا يُباحُ له التَّصَرُّف فى المَبِيعِ؛ لأنّه غاصِبٌ، فإنْ كان المُشْتَرِى ظالِمًا، انْفَسَخَ البَيْعُ ظَاهِرًا وباطِنًا؛ لعَجْزِ البائِعِ عن اسْتِيفاءِ حَقِّه، فكان له الفَسْخُ، كما لو أفْلَسَ المُشْتَرِى. ولأصحابِ الشَّافِعىِّ وَجْهانِ كهذَيْنِ. ولهم وَجْهٌ ثالثٌ؛ أنّه لا يَنْفَسِخُ فى الباطِنِ بحالٍ. وهذا فاسِدٌ؛ لأنّه لو عُلِمَ أنَّه لم يَنْفَسِخْ فى الباطِنِ بحالٍ، لَمَا أمْكَنَ فَسْخُه فى الظّاهِرِ، فإنّه لا يُباحُ لكُلِّ واحِدٍ مِنهما التَّصَرُّفُ فيما رَجَعَ إليه بِالفَسْخِ، ومتى عُلِمَ أنَّ ذلك مُحَرَّمٌ مُنِعَ مِنه. ولأنّ الشّارِعَ جَعَلَ للمَظْلُومِ مِنهما الفَسْخَ ظاهِرًا وباطِنًا، فَانْفَسَخَ
стр. 2892
بِفَسْخِه فى الباطِنِ، كالرَّدِّ بالعَيْبِ. ويَقْوَى عِنْدِى أنَّه إنْ فَسَخَه الصَّادِقُ مِنهما، انْفَسَخَ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لذلك. وإنْ فَسَخَه الكاذِبُ عالِمًا بكَذِبِه، لم يَنْفَسِخْ بالنِّسْبَةِ إليه؛ لأنّه لا يَحِلُّ له الفَسْخُ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه بالنِّسْبَةِ إليه، ويَثْبُتُ بالنِّسْبَةِ إلى صاحِبِه، فيُباحُ له التَّصَرُّفُ فيما رَجَعَ إليه؛ لأنَّه رَجَعَ إليه بِحُكْمِ الشَّرْعِ مِن غيرِ عُدْوَانٍ منه، فأشْبَهَ ما لو رَدَّ عليه المَبِيعَ بدَعْوَى العَيْبِ، ولا عَيْبَ فيه.
٧٥٤ - مسألة؛ قال: (فَإنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ تَالِفَةً تَحَالَفَا وَرَجَعَا إلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا، إلَّا أنْ يَشَاءَ المُشْتَرِى أنْ يُعْطِىَ الثَّمَنَ عَلَى مَا قَالَ الْبَائِعُ. فَإنِ اختَلَفَا فى الصِّفَةِ، فَالْقَوْلُ (١) قَوْلُ المُشْتَرِى، مَعَ يَمِينِه فِى الصِّفَةِ)
وجُمْلَتُه؛ أنّهما إذا اخْتَلَفا فى ثَمَنِ السِّلْعَةِ بعدَ تَلَفِها، فعن أحمدَ فيها رِوايَتانِ؛ إحداهما، يَتَحالَفانِ، مِثْل ما لو كانت قائِمَةً. وهو قولُ الشّافِعِىِّ، وإحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عن مالِكٍ. والأُخْرَى، القولُ قولُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه. اختارها أبو بكرٍ. وهو (٢) قولُ النَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وأبى حنيفةَ؛ لقولِه ﵇ فى الحَدِيثِ: "وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ" (٣). فمَفْهُومُه أنّه لا يُشْرَعُ التَّحالُفُ عندَ تَلَفِها. ولأنّهما اتَّفَقا على نَقْلِ السِّلْعَةِ إلى المُشْتَرِى، واسْتَحْقاقِ عَشَرَةٍ فى ثَمَنِها، واخْتَلَفا فى عَشَرَةٍ زائِدَةٍ، البائِعُ يَدَّعِيها والمُشْتَرِى يُنْكِرُها، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. وتَرَكْنا هذا القِياسَ حالَ قِيامِ السِّلْعَةِ للحَدِيثِ الواردِ فيه، فَفِيما عداه يَبْقَى على القِياسِ. وَوَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى عُمُومُ قولِه: "إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِى بِالْخِيَارِ" (٣). وقال أحمدُ: ولم يَقُلْ فيه: "وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ". إلّا يَزِيدُ ابن هارُونَ. قال أبو عبدِ اللهِ: وقد أخْطَأ رُوَاةُ الحَلِفِ عن المَسْعُودِىِّ (٤)، لم
стр. 2893
يَقولوا هذه الكَلِمَةِ، ولكنَّها فى حَدِيثِ مَعْنٍ. ولأنّ كُلَّ واحدٍ مِنهما مُدَّعٍ ومُنْكِرٌ، فَيُشْرَعُ اليَمِينُ، كحالِ قِيامِ السِّلْعَةِ، وما ذَكَرُوه مِن المَعْنَى يَبْطُلُ بحالِ قِيامِ السِّلْعَةِ، فإنّ ذلك لا يَخْتَلِفُ بِقِيامِ السِّلْعَةِ وتَلَفِها. وقولُهم: تَرَكْناه للحَدِيثِ. قُلْنا: ليس فى الحَدِيثِ: "تَحَالَفا"، وليس ذلك بثابِتٍ فى شىءٍ مِن الأخبارِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: وليس فى هذا البابِ حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ عليه. وعلى أنّه إذا خُولِفَ الأصلُ لِمَعْنًى، وَجَبَ تَعْدِيَةُ الحُكْمِ بِتَعَدِّى ذلك المَعْنَى، فنَقِيسُ عليه، بل يَثْبُتُ الحُكْمُ بالبَيِّنَةِ، فإنّ التَّحالُفَ إذَا ثَبَتَ مع قِيامِ السِّلْعَةِ، مع أنّه يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ثَمَنِها للمَعْرِفَةِ بِقِيمَتِها، فإنّ الظّاهِرَ أنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ بالقِيمَةِ، فمع تَعَذُّرِ ذلك أوْلَى. فإذا تَحَالَفا، فإنْ رَضِىَ أحَدُهما بما قال الآخَرُ، لم يُفْسَخِ العَقْدُ، لعَدَمِ الحاجَةِ إلى فَسْخِه، وإنْ لم يَرْضَيا، فلكُلِّ واحِدٍ مِنهما فَسْخُه، كما له ذلك فى حالِ بقاءِ السِّلْعَةِ، ويُرَدُّ الثَّمَنُ الذى قَبَضَه البائِعُ إلى المُشْترِى، ويَدْفَعُ المُشْتَرِى قِيمَةَ السِّلْعَةِ إلى البائِعِ، فإنْ كان مِن جِنْسٍ واحدٍ، وتساويا بعد التَّقابُضِ، تَقَاصّا. ويَنْبَغِى أنْ لا يُشْرَعَ التَّحالُفُ ولا الفَسْخُ، فيما إذا كانت قِيمَةُ السِّلْعَةِ مُساوِيَةً لِلثَّمَنِ الذى ادَّعاه المُشْتَرِى، ويَكُونُ القولُ قولَ المُشْتَرِى مع يَمِينِه، لأنّه لا فائِدَةَ فى يَمِينِ البائِعِ، ولا فَسْخِ البَيْعِ؛ لأنّ الحاصِلَ بذلك الرُّجُوعُ إلى ما ادَّعاه المُشْتَرِى، وإنْ كانت القِيمَةُ أقَلَّ، فلا فائِدَةَ للبائِعِ فى الفَسْخِ، فيَحْتَمِلُ أنْ لا يُشْرَعَ له اليَمِينُ ولا الفَسْخُ؛ لأنّ ذلك ضَرَرٌ عليه مِن غيرِ فائِدَةٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُشْرَعَ لتَحْصُلَ (٥) الفائِدَةُ للمُشْتَرِى. ومتى اخْتَلَفا فى قِيمَةِ السِّلْعَةِ، رَجَعا إلى قِيمَةِ مِثْلِها، مَوْصُوفًا بِصِفَاتِها، فإنِ اخْتَلَفا فى الصِّفَةِ، فالقولُ قولُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه، لأنّه غارِمٌ، والقولُ قولُ الغارِمِ.
فصل: وإنْ تَقَايَلَا المَبِيعَ، أو رُدَّ بِعَيْبٍ بعدَ قَبْضِ البائِعِ الثَّمَنَ، ثم اخْتَلَفا فى
стр. 2894
قَدْرِه، فالقولُ قولُ البائِعِ؛ لأنّه مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيه المُشْتَرِى بعدَ انْفِساخِ العَقْدِ، فأشْبَهَ ما لو اخْتَلَفا فى القَبْضِ.
فصل: وإنْ قال: بِعْتُكَ هذا العَبْدَ بأَلْفٍ. فقال: بل هو والعَبْدُ الآخَرُ بأَلْفٍ. فالقولُ قولُ البائِعِ مع يَمِينِه، وهو قولُ أبى حنيفةَ، وقال الشّافِعِىُّ: يَتَحالَفانِ؛ لأنّهما اخْتَلَفا فى أخْذِ (٦) عِوَضَىِ العَقْدِ، فيَتَحالَفانِ، كما لو اخْتَلَفا فى الثَّمَنِ. ولَنا، أنّ البائِعَ يُنْكِرُ بَيْعَ العَبْدِ الزّائِدِ، فكان القولُ قولَه بيَمِينِه، كما لو ادَّعَى شِراءَه مُنْفَرِدًا.
فصل: وإنِ اخْتَلَفا فى عَيْنِ المَبِيعِ، فقال: بِعْتُكَ هذا العَبْدَ. قال: بل بِعْتَنِى هذه الجارِيَةَ. فالقولُ قولُ كُلِّ واحِدٍ مِنهما فيما يُنْكِرُه، مع يَمِينِه؛ لأنّ كُلَّ واحدٍ مِنهما يَدَّعِى عَقْدًا على عَيْنٍ يُنْكِرُها المُدَّعَى عليه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. فإذا (٧) حَلَفَ البائِعُ: ما بِعْتُكَ هذه الجارِيَةَ. أُقِرَّتْ فى يَدِه، إنْ كانت فى يَدِه، وَرُدَّتْ عليه إنْ كان مُدَّعِيهَا قد قَبَضَها. وأمّا العَبْدُ، فإنْ كان فى يَدِ البائِعِ، أُقِرَّ فى يَدِه، ولم يَكُنْ للمُشْتَرِى طَلبُه؛ لأنّه لا يَدَّعِيه، وعلى البائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ إليه؛ لأنّه لم يَصِلْ إليه المَعْقُودُ عليه. وإنْ كان فى يَدِ المُشْتَرِى، فعليه رَدُّه إلى البائِع؛ لأنّه لم يَعْتَرِفْ أنه لم يَشْتَرِه، وليس للبائِعِ طَلَبُه إذا بَذَلَ له ثَمَنَه، لِاعْتِرافِه بِبَيْعِه، وإنْ لم يُعْطِه ثَمَنَه، فله فَسْخُ البَيْعِ واسْتِرْجاعُه؛ لأنّه تَعَذَّرَ عليه الوُصُولُ إلى ثَمَنِه، فمَلَكَ الفَسْخَ، كما لو أفْلَسَ المُشْتَرِى. وإنْ أقامَ كُلُّ واحدٍ مِنهما بَيِّنَةً بِدَعْواه، ثَبَتَ العَقْدانِ؛ لأنَّهما لا يَتَنافَيانِ، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَى أحَدُهما البَيْعَ فيهما جَمِيعًا، وأنْكَرَه الآخَرُ. وإنْ أقامَ أحَدُهما بَيِّنَةً بدَعْواه، دُونَ الآخَرِ، ثَبَتَ ما قامَتْ عليه البَيِّنَةُ، دُونَ ما لم تَقُمْ عليه.
فصل: وإنِ اخْتَلَفا فى صِفَةِ الثَّمَنِ، رُجِعَ إلى نَقْدِ البَلَدِ. نَصَّ عليه فى روايةِ
стр. 2895
الأثْرَمِ؛ لأنّ الظّاهِرَ أنّهما لا يَعْقِدانِ إلّا به. وإنْ كان فى البَلَدِ نُقُودٌ، رُجِعَ إلى أوْسَطِها. نَصَّ عليه، فى روايةِ جَماعَةٍ. فيَحْتَمِلُ أنّه أرادَ إذا كان هو الأغْلَبَ، والمُعامَلَةُ به أكْثَرُ؛ لأنَّ الظّاهِرَ وُقُوعُ المُعامَلَةِ به، فهو كما لو كان فى البَلَدِ نَقْدٌ واحِدٌ. ويَحْتَمِلُ أنَّه رَدَّهما إليه مع التَّسَوِّى؛ لأنّ فيه تَوَسُّطًا بينَهما، وتَسْوِيَةً بينَ حَقَّيْهما، وفى العُدُولِ إلى غيرِه مَيْلٌ على أحَدِهما، فكان التَّوَسُّطُ أوْلَى، وعلى مُدَّعِى ذلك اليَمِينُ؛ لأنَّ ما قالَهُ خَصْمُه مُحْتَمِلٌ، فتَجِبُ اليَمِينُ لِنَفْىِ ذلك الاحْتِمالِ، كوُجُوبِها على المُنْكِرِ. وإذا لم يَكُنْ فى البَلَدِ إلَّا نَقْدانِ مُتَساوِيانِ، فيَنْبَغِى أنْ يَتَحالَفا؛ لأنَّهما اخْتَلَفا فى الثَّمَنِ على وَجْهٍ لم يَتَرجَّحْ قولُ أحَدِهما، فيَتَحالَفانِ، كما لو اخْتَلَفا فى قَدْرِه.
فصل: وإنِ اخْتَلَفا فى أجَلٍ أو رَهْنٍ، أو فى قَدْرِهما، أو فى شَرْطِ خِيارٍ، أو ضَمِينٍ، أو غيرِ ذلك مِن الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ، ففيه روايتانِ؛ إحداهما، يَتَحالَفانِ. وهو قولُ الشّافِعِىِّ؛ لأنّهما اخْتَلَفا فى صِفَةِ العَقْدِ، فوَجَبَ أنْ يَتَحالَفا، قياسًا على الاخْتِلافِ فى الثَّمَنِ. والثانية، القولُ قولُ مَن يَنْفِى ذلك مع يَمِينِه. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُه، فالقولُ قولُ مَن يَنْفِيه، كأصلِ العَقْدِ، لأنّه مُنْكِرٌ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
فصل: وإنِ اخْتَلَفا فيما يُفْسِدُ العَقْدَ، أو شَرْطٍ فَاسِدٍ، فقال: بِعْتُكَ بخَمْرٍ، أو خِيارٍ مَجْهُولٍ. فقال: بل بِعْتَنى بنَقْدٍ مَعْلُومٍ، أو خِيارِ (٨) ثَلاثٍ. فالقولُ قولُ مَن يَدَّعِى الصِّحَّةَ مع يَمِينِه؛ لأنّ ظُهُورَ تَعاطِى المُسْلِمِ الصَّحِيحَ أكْثَرُ مِن تَعاطِيه الفاسِدَ (٩). وإنْ قال: بِعْتُكَ مُكْرَهًا. فأنْكَرَه، فالقولُ قولُ المُشْتَرِى؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الإكراهِ، وصِحَّةُ البَيْعِ. وإنْ قال: بِعْتُكَ وأنا صَبِىٌّ. فالقولُ قولُ المُشْتَرِى. نَصَّ عليه، وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ؛ لأنّهما اتَّفَقا على العَقْدِ،
стр. 2896
واخْتَلَفا فيما يُفْسِدُه، فكان القولُ قولَ مَن يَدَّعِى الصِّحَّةَ، كالتى قَبْلَها. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقْبَلَ قولُ مَن يَدَّعِى الصِّغَرَ؛ لأنَّه الأصلُ. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشّافِعِىِّ. ويُفارِقُ ما إذا اخْتَلَفا فى شَرْطٍ فاسِدٍ أو إكراهٍ لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدِهما، أنّ الأصلَ عَدَمُه. وهاهُنا الأصلُ بقاؤه. والثَّانِى، أنّ الظّاهِرَ مِن المُكَلَّفِ أنَّه لا يَتَعاطَى إلّا الصَّحِيحَ. وهاهُنا ما ثَبَتَ أنَّه كان مُكَلَّفًا. وإنْ قال: بِعْتُكَ وأنا مَجْنُونٌ. فإنْ لم يُعْلَمْ له حالُ جُنُونٍ، فالقولُ قولُ المُشْتَرِى؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُه. وإن ثَبَتَ أنَّه كان مَجْنُونًا، فهو كالصَّبِىِّ. ولو قال العَبْدُ: بِعْتُكَ، وأنا غيرُ مَأْذُونٍ لى فى التِّجارَةِ. فالقولُ قولُ المُشْتَرِى. نَصَّ عليه، فى روايَةِ مُهَنَّا؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ، والظّاهِرُ أنَّه لا يَعْقِدُ إلّا عَقْدًا صَحِيحًا.
فصل: وإنْ ماتَ المُتَبايِعانِ، فوَرَثَتُهما بمَنْزِلَتِهِما فى جَمِيعِ ما ذَكَرْناه؛ لأنَّهم يَقُومُونَ مَقامَهما، فى أخْذِ مَالِهما، وإرْثِ حُقُوقِهما، فكذلك ما يَلْزَمُهما، أو يَصِيرُ لهما.
فصل: وإنِ اخْتَلَفا فى التَّسْلِيمِ، فقال البائِعُ: لا أُسَلِّمُ المَبِيعَ حتى أقْبِضَ الثَّمَنَ. وقال المُشْتَرِى: لا أُسَلِّمُ الثَّمَنَ حتى أقْبِضَ المَبِيعَ. والثَّمَنُ فى الذِّمَّةِ، أُجبِرَ البائِعُ على تَسْلِيمِ المَبِيعِ، ثم أُجْبِرَ المُشْتَرِى على تَسْلِيمِ الثَّمَنِ. فإنْ كان عَيْنًا، أو عَرْضًا بِعَرْضٍ، جُعِلَ بينَهما عَدْلٌ، فيَقْبِضُ مِنهما، ثم يُسَلِّمُ إليهما. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، وأحدُ قَوْلَىِ (١٠) الشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنّ البائِعَ يُجْبَرُ على تَسْلِيمِ المَبِيعِ على الإِطلاقِ. وهو قولٌ ثانٍ للشّافِعىِّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يُجْبَرُ المُشْتَرِى على تَسْلِيمِ الثَّمَنِ؛ لأنّ للبائِعِ حَبْسَ المَبِيعِ على تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، ومَنِ اسْتَحَقَّ ذلك لم يَكُنْ عليه التَّسْلِيمُ قبلَ الاسْتِيفاءِ، كالمُرْتَهِنِ. ولنا، أنّ تَسْلِيمَ المَبِيعِ يَتَعَلَّقُ به اسْتِقْرارُ البَيْعِ وتَمامُه، فكان تَقْدِيمُه أوْلَى، سِيَّما مع تَعَلُّقِ الحَقِّ (١١) بعَيْنِه،
стр. 2897
وتَعَلُّقِ حَقِّ البائِعِ بالذِّمَّةِ، وتَقْدِيمُ ما تَعَلَّقَ بالعَيْنِ أوْلَى؛ لِتَأكُّدِه، ولذلك يُقَدَّمُ الدَّيْنُ الذى به الرَّهْنُ فى ثَمَنِه على ما تَعَلَّقَ بالذِّمَّةِ، ويُخالِفُ الرَّهْنَ؛ فإنَّه لا تَتَعَلَّقُ به مَصْلَحَةُ عَقْدِ الرَّهْنِ، والتَّسْلِيمُ هاهُنا يَتَعَلَّقُ به مَصْلَحَةُ عَقْدِ البَيْعِ. وأمَّا إذا كان الثَّمَنُ عَيْنًا، فقد تَعَلَّقَ الحَقُّ بعَيْنهِ أيضًا، كالمَبِيعِ، فاسْتَوَيا، وقد وجَبَ لكُلِّ واحدٍ مِنهما على صاحِبِه حَقٌّ، قد اسْتَحَقَّ قَبْضَه، فأُجبِرَ كُلُّ واحدٍ مِنهما على إيفاءِ صاحِبِه حَقّه (١٢). ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُخْرَى؛ أنّ الذى يَتَعَلَّقُ به اسْتِقْرارُ البَيْعِ وتمامُه هو المَبِيعُ (١٣)، فوَجَبَ تَقْدِيمُه. ولأنَّ الثَّمَنَ لا يَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ، فأشْبَهَ غيرَ المُعَيَّنِ. إذا ثَبَتَ هذا، وأوْجَبْنا التَّسْلِيمَ على البائِعِ، فسَلَّمَهُ، فلا يَخْلُو المُشْتَرِى مِن أنْ يَكُونَ مُوسِرًا، أو مُعْسِرًا، فإنْ كان مُوسِرًا والثَّمَنُ معه، أُجْبِرَ على تَسْلِيمِه، وإنْ كان غَائِبًا قَرِيبًا فى بَيْتِه أو بَلَدِه، حُجِرَ عليه فى المَبِيعِ وسائِرِ مالِه، حتى يُسَلِّمَ الثَّمَنَ، خَوْفًا مِن أنْ يَتَصَرَّفَ فى مالِه تَصَرُّفًا يَضُرُّ بالبائِعِ، وإنْ كان غَائِبًا عن البَلَدِ فى مسافةِ القَصْرِ، فالبائِعُ مُخَيَّرٌ بينَ أنْ يَصْبِرَ إلى أنْ يُوجَدَ، وبينَ فَسْخِ العَقْدِ؛ لأنَّه قد تَعَذَّرَ عليه الثَّمَنُ، فهو كالمُفْلِسِ، وإنْ كان دُونَ مسافةِ القَصْرِ، فله الخِيارُ فى أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا عليه. والثّانى، لا خِيارَ له؛ لأنَّ ما دُونَ مَسافةِ القَصْرِ بِمَنْزِلَةِ الحاضِرِ. وإنْ كان المُشْتَرِى مُعْسِرًا، فللبائِعِ الفَسْخُ فى الحالِ، والرُّجُوعُ فى المَبِيعِ. وهذا كُلُّه مذهبُ الشّافِعِىِّ. ويَقْوَى عِنْدِى أنَّه لا يَجِبُ عليه تَسْلِيمُ المَبِيعِ، حتى يُحْضِرَ الثَّمَنَ، ويَتَمَكَّنَ المُشْتَرِى مِن تَسْلِيمِه؛ لأنَّ البائِعَ إنّما رَضِىَ بِبَذْلِ المَبِيعِ بالثَّمَنِ، فلا يَلْزَمُه دَفْعُه قبلَ حُصُولِ عِوَضِه، ولأنَّ المُتَعاقِدَيْنِ سواءٌ فى المُعاوَضَةِ، فيَسْتَوِيانِ فى التَّسْلِيمِ، وإنَّما يُؤَثِّرُ ما ذُكِرَ مِن التَّرْجِيحِ فى تَقْدِيمِ التَّسْلِيمِ مع حُضُورِ العِوَضِ الآخَرِ؛ لعَدَمِ الضَّرَرِ فيه، وأمّا مع الخَطَرِ (١٤) المُحْوِجِ إلى الحَجْر، أو المَحْجُوزِ للفَسْخِ، فلا يَنْبَغِى أنْ يَثْبُتَ. ولأنَّ شَرْعَ
стр. 2898
الحَجْرِ لا يَنْدَفِعُ به الضَّرَرُ. ولأنَّه يَقِفُ على الحاكِمِ، ويَتَعَذَّرُ (١٥) ذلك فى الغالِبِ. ولأنَّ ما أثْبَتَ الحَجْرَ والفَسْخَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، فهو أوْلَى أنْ يَمْنَعَ التَّسْلِيمَ؛ لأنَّ المَنْعَ أسْهَلُ مِن الرَّفْعِ، والمَنْعُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أسْهَلُ مِن المَنْعِ بعدَه، ولذلك مَلَكَتِ المَرْأةُ مَنْعَ نَفْسِها قبلَ قَبْضِ صَداقِها، قبلَ تَسْلِيم نَفْسِها، ولم تَمْلِكْهُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ. ولأنّ للبَائِعِ مَنْعَ المَبِيعِ قبلَ قَبْضِ ثَمَنِه، أو كَوْنِه بمَنْزِلَةِ المَقْبُوضِ؛ لإِمكانِ تَقْبِيضِه، وإلّا (١٦) فلا، وكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: له الفَسْخُ. فله ذلك بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ؛ لأنَّه فَسْخٌ للبَيْعِ للإِعسارِ بثَمَنِه، فمَلَكَه البائِعُ، كالفَسْخِ فى عَيْنِ مالِه إذا أفْلَسَ المُشْتَرِى. وكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: يُحْجَرُ عليه. فذلك إلى الحاكِمِ؛ لأنَّ وِلايةَ الحَجْرِ إليه.
فصل: فإنْ هَرَبَ المُشْتَرِى قَبْلَ وَزْنِ الثَّمَنِ، وهو مُعْسِرٌ، فللبائِعِ الفَسْخُ فى الحالِ، لأنّه إذا مَلكَ الفَسْخَ مع حُضُورِه، فمع هَرَبِهِ أوْلَى. وإنْ كان مُوسِرًا أثْبَتَ البائِعُ ذلك عِنْدَ الحاكِمِ، ثم إنْ وَجَدَ الحاكِمُ له مالًا (١٧) قَضاه، وإلّا باعَ المَبِيعَ، وقَضَى ثَمَنَه منه، وما فَضَلَ فهو للمُشْتَرِى، وإنْ أعْوَزَ ففى ذِمَّتِه. ويَقْوَى عِنْدِى أنّ للبائِعِ الفَسْخَ بكُلِّ حالٍ، لأنَّنا أبَحْنا له الفَسْخَ مع حُضُورِه، إذا كان الثَّمَنُ بَعِيدًا عن البَلَدِ، لِمَا عليه مِن ضَرَرِ التَّأْخِيرِ، فهاهُنا مع العَجْزِ عن الاسْتِيفاءِ بكُلِّ حالٍ أوْلَى. ولا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ بِرَفْعِ الأمرِ إلى الحاكِمِ، لعَجْزِ البائِعِ عن إثباتِه عندَ الحاكِمِ، وقد يَكُونُ البَيْعُ فى مكانٍ لا حاكِمَ فيه، والغالِبُ أنَّه لا يَحْضُرُه مَن يَقْبَلُ الحاكِمُ شَهادَتَه، فإحالَتُه على هذا تَضْيِيعٌ لمالِه. وهذه الفُرُوعُ تُقَوِّى ما ذَكَرْتُه، مِن أنّ للبائِعِ مَنْعَ المُشْتَرِى مِن قَبْضِ المَبِيعِ قَبْلَ إحضارِ ثَمَنِه؛ لِمَا فى ذلك مِن الضَّرَرِ.
стр. 2899
فصل: وليس للبائِعِ الامْتِناعُ مِن تَسْلِيمِ المَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ لأجلِ الاسْتِبْرَاءِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشّافِعىُّ. وحُكِىَ عن مالِكٍ فى القَبِيحَةِ. وقال فى الجَمِيلَةِ: يَضَعُها على يَدَىْ عَدْلٍ حتى تُسْتَبْرَأَ؛ لأنَّ التُّهْمَةَ تَلْحَقُه فيها، فَمُنِعَ منها. ولنا، أنّه بَيْعُ عَيْنٍ لا خِيارَ فيها، قد قَبَضَ ثَمَنَها، فوَجَبَ تَسْلِيمُها، كسائِرِ المَبِيعاتِ، وما ذَكَرُوه مِن التُّهْمَةِ لا يُمَكِّنُه مِن التَّسَلُّطِ على مَنْعِه من قَبْضِ مَمْلُوكَتِه، كالقَبِيحَةِ. [ولأنَّه إذا] (١٨) كان اسْتَبْرَأها قبلَ بَيْعِها، فاحْتِمالُ وُجُودِ الحَمْلِ فيها بَعِيدٌ نادِرٌ، وإنْ كان لم يَسْتَبْرِئْها، فهو تَرَكَ التَّحَفُّظَ لنَفْسِه. ولو طالَبَ المُشْتَرِى البائِعَ بكَفِيلٍ، لَئِلّا تَظْهَرَ حامِلًا، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّه تَرَكَ التَّحَفُّظَ لنَفْسِه حالَ العَقْدِ، فلم يَكُنْ له كَفِيلٌ، كما لو طَلَبَ كَفِيلًا بالثَّمَنِ المُؤَجَّلِ.
٧٥٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الآبِقِ)
وجُمْلَتُه؛ أنَّ بَيْعَ العَبْدِ الآبِقِ لا يَصِحُّ، سواءٌ عَلِمَ مكانَه، أو جَهِلَه. وكذلك ما فى معناه مِن الجَمَلِ الشّارِدِ، والفَرَسِ العائِرِ (١)، وشِبْهِهما. وبهذا قال مالِكٌ، والشّافِعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وَرُوِىَ عن ابن عمرَ أنَّه اشْتَرَى مِن بعضِ وَلَدهِ بَعِيرًا شارِدًا. وعن ابنِ سِيرِينَ؛ لا بَأْسَ ببَيْعِ الآبِقِ، إذا كان عِلْمُهما فيه واحِدًا. وعن شُرَيْحٍ مِثْلُه. ولنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ [عن بَيْعِ الحَصاةِ و] (٢) عن بَيْعِ الغَرَرِ. رواه مُسْلِمٌ (٣). وهذا بَيْعُ غَرَرٍ. ولأنّه غيرُ مَقْدُورٍ على تَسْلِيمِه، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالطَّيْرِ فى الهواءِ، فإنْ حَصَلَ فى يَدِ إنسانٍ، جازَ بَيْعُه؛ لإمكانِ تَسْلِيمِه.
стр. 2900
٧٥٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا الطَّائِرِ قَبْلَ أنْ يُصَادَ)
وجُمْلَةُ ذلك؛ أنَّه إذا باعَ طائِرًا فى الهواءِ، لم يَصِحَّ، مَمْلُوكًا أو غيرَ مَمْلُوكٍ؛ أمّا المَمْلُوكُ؛ فلأنَّه غيرُ مَقْدُورٍ عليه، وغيرُ المَمْلُوكِ، لا يَجُوزُ لعِلَّتَيْنِ؛ إحداهما، العَجْزُ عن تَسْلِيمِه، والثّانيةُ، أنّه غيرُ مَمْلُوكٍ له. والأصلُ فى هذا نَهْىُ النَّبِىِّ ﷺ عن بَيْعِ الغَرَرِ (١). وقيل فى تَفْسِيرِه: هو بَيْعُ الطَّيْرِ فى الهواءِ، والسَّمَكِ فى الماءِ. ولا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا. ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الطّائِرِ يَأْلَفُ الرُّجُوعَ، أو لَا يأْلَفُه؛ لأنّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه الآنَ، وإنّما يَقْدِرُ عليه إذا عادَ. فإنْ قيل: فالغائِبُ فى مكانٍ بَعِيدٍ، لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه فى الحالِ! قلنا: الغائِبُ يَقْدِرُ على اسْتِحْضارِه، والطَّيْرُ لا يَقْدِرُ صاحِبُه على رَدِّهِ، إلّا أنْ يَرْجِعَ هو بنَفْسِه، ولا يَسْتَقِلُّ مالِكُه برَدِّه، فيَكُونُ عَاجِزًا عن تَسْلِيمِه، لعَجْزِه عن الواسِطَةِ التى يَحْصُلُ بها تَسْلِيمُهُ، بخِلافِ الغائِبِ. وإن باعَهُ الطَّيْرَ فى البُرْجِ، نَظَرْتَ؛ فإنْ كان البُرْجُ مَفْتُوحًا، لم يَجُزْ؛ لأنّ الطَّيْرَ إذا قَدَرَ على الطَّيَرانِ لم يُمْكِنْ تَسْلِيمُه، فإنْ كان مُغْلَقًا ويُمْكِنُ أخْذُه، جازَ بَيْعُه. وقال القاضِى: إنْ لم يُمكنْ أخْذُه إلَّا بِتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لِعَدَمِ القُدْرَةِ على تَسْلِيمِه. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وهو مُلْغًى بالبَعِيدِ الذى لا يُمكنُ إحْضارُه إلَّا بِتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ. وفَرَّقُوا بينهما، بأنَّ البَعِيدَ تُعْلَمُ الكُلْفَةُ التى يَحْتاجُ إليها فى إحْضارِه بالعادَةِ، وتَأْخِيرُ التَّسْلِيمِ مُدَّتُه مَعْلُومَةٌ، ولا كذلك فى إمْساكِ الطَّائِرِ. والصَّحِيحُ، إنْ شاء اللهُ تعالى، أنَّ تَفاوُتَ المُدَّةِ فى إحْضارِ البَعِيد (٢)، واخْتِلافَ
стр. 2901
المَشَقَّةِ أكْثَرُ من التَّفاوُتِ والاخْتِلافِ فى إمْساكِ طائِرٍ من البُرْجِ، والعادَةُ تكونُ فى هذا، كالعادَةِ فى ذاك، فإذا صَحَّ فى البَعِيدِ مع كَثْرَةِ التَّفَاوُتِ، وشِدَّةِ اخْتِلَافِ المَشَقَّةِ، فهذا أوْلَى.
٧٥٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا السَّمَكِ فى الآجَامِ (١))
هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. رُوِىَ عن ابن مَسْعُودٍ، أنَّه نَهَى عَنْه، قال: إنَّه غَرَرٌ. وكَرِهَ ذلك الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ، وأبو ثَوْرٍ. ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا؛ لما ذَكَرْنا من الحَدِيثِ. والمعنى لا يجوزُ بَيْعُه فى الماءِ إلَّا أنْ يَجْتَمِعَ ثلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أنْ يكونَ مَمْلُوكًا. الثانى، أنْ يكونَ الماءُ رَقِيقًا، لا يَمْنَعُ مُشاهَدَتَه ومَعْرِفَتَه. الثالثُ، أنْ يُمكنَ اصْطِيادُه وإمْساكُه. فإن اجْتَمَعَتْ هذه الشروطُ، جازَ بَيْعُه؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ مَعْلُومٌ مقْدُورٌ (٢) على تسْلِيمِه؛ فجازَ بَيْعُه، كالمَوْضُوعِ فى الطَّسْتِ. وإن اخْتَلَّ شَرْطٌ مما ذَكَرْنا، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لذلك. وإن اخْتَلَّتِ الثلاثةُ، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لِثَلاثِ عِلَلٍ. وإن اخْتَلَّ اثْنَانِ منها، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لِعِلَّتَيْنِ. ورُوِىَ عن عُمَرَ بن عبد العَزِيزِ، وابنِ أبى لَيْلَى فى مَن له أجَمَةٌ يَحْبِسُ السَّمَكَ فيها، يجوزُ بَيْعُه؛ لأنَّه يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه ظاهِرًا، أشْبَهَ ما يَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ فى كَيْلِه وَوَزْنِه ونَقْلِه. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عُمرَ وابنِ مَسْعُودٍ، أنَّهما قالا: لا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فى الماءِ، فإنَّه غَرَرٌ (٣). ولأنَّ النبىَّ ﷺ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ (٤)، وهذا منه. ولأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه إلَّا بعد اصْطِيادِه،
стр. 2902
أشْبَهَ الطَّيْرَ فى الهواءِ، والعَبْدَ الآبِقَ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ بَيْعُه، كاللَّبَنِ فى الضَّرْعِ، والنَّوَى فى التَّمْرِ، ويُفارِقُ ما ذَكَرُوه؛ لأنَّ ذلك من مُؤْنَةِ القَبْضِ، وهذا يَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ ليُمْكنَ قَبْضُه، فأمَّا إنْ كانت له بِرْكَةٌ فيها سَمَكٌ له يمكنُ اصْطِيادُه بغير كُلْفَةٍ، والماءُ رَقِيقٌ لا يَمْنَعُ مُشاهَدَتَه، صَحَّ بَيْعُه، وإنْ لم يُمكن إلَّا بِمَشَقَّةٍ، وكُلْفَةٍ يَسِيرَةٍ (٥)، بمَنْزِلَةِ كُلْفَةِ اصْطِيادِ الطَّائِرِ من البُرْجِ، فالقولُ فيه كالقولِ فى بَيْعِ الطَّائِرِ فى البُرْجِ، على ما ذَكَرْنا فيه من الخِلافِ. وإن كانت كَثِيرَةً، وتَتَطاوَلُ المُدَّةُ فيه، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لِلْعَجْزِ عن تَسْلِيمِه، والجَهْلِ لِوَقْتِ إمْكانِ التَّسْلِيمِ.
فصل: إذا أعَدَّ بِرْكَةً، أو مِصْفاةً؛ لِيَصْطادَ فيها السَّمَكَ، فحَصَلَ فيها سَمَكٌ مَلَكَه؛ لأنَّه آلَةٌ مُعَدَّةٌ للاصْطِيادِ، فأشْبَه الشَّبَكَةَ. ولو اسْتَأْجَرَ البِرْكَةَ، أو الشَّبَكَةَ، أو اسْتَعارَهما للاصْطِيادِ، جازَ، وما حَصَلَ فيهما مَلَكَه. وإنْ كانت البِرْكَةُ غيرَ مُعَدَّةٍ للاصْطِيادِ، لم يَمْلِكْ ما حَصَلَ فيها من السَّمَكِ، لأنَّها غيرُ مُعَدَّةٍ له، فأشْبَهَتْ أرْضَه إذا دَخَلَ فيها صَيْدٌ، أو حَصَلَ فيها سَمَكٌ. ومتى نَصَبَ شَبَكَةً، أو شَرَكًا، أو فَخًّا، أو أُحْبُولَةً، مَلكَ ما وَقَعَ فيها من الصَّيْدِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ يَدِه. وكذلك لو نصَبَ المَناجِلَ لِلصَّيْدِ، وسَمَّى فَقَتلَت صَيْدًا، حَلَّ له أكْلُه، وكان كذَبْحِه. ولو وَقَعَ فى شَبَكَتِه أو شِبْهها شىءٌ كان مَضْمُونًا عليه، فعُلِمَ بذلك، أَنَّه كيَدِه. ولو أعَدَّ لمِيَاهِ الأمْطارِ مَصانِعَ (٦)، أو بِرَكًا، أو أوانِىَ؛ لِيَحْصُلَ فيها الماءُ، مَلَكَه بحُصُولِه فيها؛ لأنَّها فى بابِ الإِعْدادِ، كالشِّباكِ للاصْطِيادِ. ولو أعَدَّ سَفِينَةً للاصْطِيادِ، كالتى يُجْعَلُ فيها الضَّوْءُ ويُضْرَبُ صَوانِى الصُّفْرِ (٧)، لِيَثِبَ السَّمَكُ فيها، كان حُصُولُه فيها كحُصُولِه فى شَبَكَتِه؛ لِكَوْنِها صارَتْ من الآلاتِ المُعَدَّةِ له، ولو لم يُعِدَّها لذلك، لم يَمْلِكْ ما وَقَعَ فيها. ومن سَبَقَ إليه فأخَذَه مَلَكَه،
стр. 2903
كالأرْضِ التى لم تُعَدَّ للاصْطِيادِ، مثلُ أرْضِ الزَّرْعِ إذا دَخَلَها ماءٌ فيه سَمَكٌ، ثم نَضَبَ عنه، أو حَلَّ (٨) فيها ظَبْىٌ، أو عَشَّشَ فيها طائِرٌ، أو سَقَطَ فيها جَرادٌ، أو حَصَلَ فيها مِلْحٌ، لم يَمْلِكْه صاحِبُها؛ لأنَّه ليس من نَماءِ الأرضِ، ولا ممَّا هى مُعَدَّةٌ له، لكنَّه يكونُ أحَقَّ به، إذ ليس لغيرِه التَّخَطِّى فى أرضِه، ولا الانْتِفاعُ بها، فإن تخَطَّى وأخَذَه، أخْطَأَ ومَلَكَه. قال أحمدُ فى وَرَشَانَ (٩) على نَخْلَةِ قومٍ، صادَه إنْسانٌ: هو للصَّائِدِ. وقال فى طَيْرةٍ (١٠) لِقَوْمٍ أَفْرَخَتْ فى دارِ جِيرانِهِمْ: إنَّ الفَرْخَ يَتْبَعُ الأُمَّ، يُرَدُّ فِرَاخُها على أصْحابِ الطَّيْرةِ. واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ، فى المَأْخُوذِ من أمْلاكِ الناسِ، من صَيْدٍ وكَلَأٍ وشِبْهه، أنَّه لا يَمْلِكُه بِأخْذِه؛ لأنَّه سَبَبٌ مَنْهِىٌّ عنه، فلم يُفِدِ المِلْكَ، كالبَيْعِ المَنْهِىِّ عنه، إذ السَّبَبُ لا يَخْتَلِفُ بين كونِه بَيْعًا، أو غيرَه؛ لقولِه ﵇: "مَن عَمِلَ (١١) عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْه أمْرُنَا، فَهُو رَدٌّ" (١٢). والصَّحِيحُ الأوَّلُ. ولا نُسَلِّمُ أنَّ السَّبَبَ مَنْهِىٌّ عنه، فإنَّ السَّبَبَ الأخْذُ، وليس بمَنْهِىٍّ عنه، إنَّما نُهِى عن الدُّخُولِ، وهو غيرُ السَّبَبِ، بخِلافِ البَيْعِ، ولأنَّ النَّهْىَ هاهُنا لِحَقِّ آدَمِىٍّ، فلا يَمْنَعُ المِلْكَ، كبَيْعِ المُصَرَّاةِ، والمَعِيبِ، وتَلَقِّى الرُّكْبانِ، والنَّجْشِ، وبَيْعِه على بَيْعِ أخِيهِ. ولو أعَدَّ أرْضَه لِلْمِلْحِ، فجَعَلَها ملَّاحةً؛ ليَحْصُلَ فيها الماءُ، فيَصِيرَ مِلْحًا، كالأرْضِ التى على ساحِلِ البَحْرِ، يَجْعَلُ إليها طَرِيقًا للماءِ، فإذا امْتَلأَتْ قَطَعَهُ عنها، أو تكونُ أرْضُه سَبِخَةً، يَفْتَحُ إليها الماءِ (١٣) من عينٍ، أو يَجْمَعُ فيها ماءَ المَطَرِ، فيَصِيرُ مِلْحًا، ملَكَه بذلك؛ لأنَّها مُعَدَّةٌ له، فأَشْبَهَتِ البِرْكَةَ المُعَدَّةَ لِلصَّيْدِ. وإنْ لم يكن أعَدَّها لذلك، لم يَمْلِكْ ما حَصَلَ فيها، كما قَدَّمْنا فى مِثْلِها. فإنْ قيل: فقد رُوِىَ عن أحمدَ، فى إنْسانٍ رَمَى طيرًا بِبُنْدُقٍ، فوَقَعَ فى دارِ
стр. 2904
قَوْمٍ، فهو لهم دُونَه. وهذا يَدُلُّ على أنَّهم مَلَكُوه بحُصُولِه فى دَارِهم. قُلْنا: هذا مَحْمُولٌ على أنَّه وَقَعَ مُمْتَنِعًا، فصادَه أهْلُ الدَّارِ، فمَلَكُوه باصْطِيادِهمْ. كذلك قال ابنُ عَقِيلٍ. ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على هذا؛ لأنَّهم إذا لم يَمْلِكُوا ما حَصَلَ فى دارِهِم بِفِعْلِ اللهِ تعالى، فما حَصَلَ بِفِعْلِ آدَمِىٍّ أوْلَى. ولأنَّه وَقَعَ فى الدَّارِ بعدَ الضَّرْبَةِ المُثْبِتةِ له، التى يُمْلَكُ بها الصَّيْدُ، فأشْبَه ما لو أطارَتِ الرِّيحُ ثَوْبَ إنْسانِ، فأَلْقَتْهُ فى دارِهِمْ. ولو كانت آلةُ الصَّيْدِ، كالشَّبَكَةِ، والشَّرَكِ، والمَناجِلِ، غيرَ مَنْصُوبَةٍ للصَّيْدِ، ولا قُصِدَ بها الاصْطِيادُ، فتَعَلَّقَ بها صَيْدٌ لم يَمْلِكْهُ صاحِبُها بذلك؛ لأَنَّها غيرُ مُعَدَّةٍ لِلصَّيْدِ فى هذه الحال، فأشْبَهَتِ الأرْضَ التى ليست مُعَدَّةً له.
فصل: وما حَصَلَ من الصَّيْدِ فى كَلْبِ إنْسانٍ أو صَقْرِه أو فَهْدِه، وكان اسْتَرْسَلَ بإرْسالِ صاحِبِه، فهو له؛ لأنَّه آكَدُ مِن الشَّبَكَةِ؛ لأنَّه حَيَوانٌ يَحْصُلُ بِفِعْلِه، وقَصْدِه، وإرْسالِ صاحِبِه، فهو كسَهْمِه، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١٤). وإنِ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِه، فَحُكْمُه حُكْمُ الصَّيْدِ الحاصِلِ فى أرْضِ إنْسانٍ، فى أنَّه لا يَمْلِكُه، وليس لغيرِه أخْذُه، فإنْ أخَذَه غيرُه مَلَكَه، كالكَلَأِ. وكذلك ما يَحْصُلُ فى بَهِيمةِ إنْسانٍ من الحَشِيشِ فى المَرْعَى.
٧٥٨ - مسألة؛ قال: (والوَكِيلُ إذا خالَفَ فَهُوَ ضَامِنٌ، إلَّا أنْ يَرْضىَ الْآمِرُ، فيَلْزَمُهُ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الوَكِيلَ إذا خالَفَ مُوَكِّلَه، فاشْتَرَى غيرَ ما أمَرَه بِشِرائه، أو باعَ ما لم يُؤْذَنْ له فى بَيْعِهِ، أو اشْتَرَى غيرَ ما عُيِّنَ له، فَعَلَيه ضَمانُ ما فَوَّتَ على المالِكِ، أو تَلِفَ؛ لأنَّه خَرَجَ عن حالِ الأمانةِ، وصارَ بمَنْزِلَةِ الغاصِبِ، فأمَّا قولُه: "إلَّا أنْ يَرْضَى الآمِرُ، فيَلْزَمُه". يَعْنِى إذا اشْتَرَى غيرَ ما أُمِرَ بِشِرائِه، بِثَمَنٍ فى ذِمَّتِه، فإنَّ الشِّراءَ صَحِيحٌ، ويَقِفُ على إجازَةِ المُوَكِّلِ، فإنْ أجازَه لَزِمَه، وعليه الثَّمَنُ،
стр. 2905
وإنْ لم يَقْبَلْ، لَزِمَ الوَكِيلَ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على هذه الصُّورَةِ؛ لأنَّه قد بَيَّنَ فى مَوْضِعٍ آخَرَ. فقال: إلَّا أنْ يكونَ اشْتَراه بِعَيْنِ المالِ، فَيَبْطُلُ الشِّراءُ. وذَكَرَه فى كِتابِ العِتْقِ أيضا، فلذلك تَعَيَّنَ حَمْلُ هذه المَسْأَلَةِ على ما قُلْنا. وإنَّما صَحَّ الشِّراءُ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ فى ذِمَّتِه، لا فى مالِ غيرِه، وسَواءٌ نَقَدَ الثَّمنَ من مالِ المُوَكِّلِ، أمْ لا؛ لأنَّ الثَّمَنَ هو الذى فى الذِّمَّةِ، والذى نَقَدَه عِوَضُه، ولذلك قُلْنا: إنَّه إذا اشْتَرَى فى الذِّمَّةِ، ونَقَدَه الثَّمَنَ بعدَ ذلك، كان له البَدَلُ. وإنْ خَرَجَ مَغْصُوبًا، لم يَبْطُل العَقْدُ، وإنَّما وَقَفَ على إجازَةِ الآمِرِ؛ لأنَّه قَصَدَ الشِّراءَ له، فإنْ أجازَه لَزِمَه، وعليه الثَّمَنُ، وإنْ لم يَقْبَلْه، لَزِمَ مَن اشْتَراه.
فصل: وإن اشْتَرَى بِعَيْنِ مالِ الآمِرِ أو باعَ بغيرِ إذْنِه، أو اشْتَرَى لغيرِ مُوَكِّلِه شَيْئًا بِعَيْنِ مالِه، أو باعَ مالَه بغيرِ إذْنِه، ففِيهِ رِوايَتانِ؛ إحْدَاهما، البَيْعُ باطِلٌ، ويَجِبُ رَدُّه. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابن المُنْذِرِ. والثانية، البَيْعُ والشِّراءُ صَحِيحانِ، ويَقِفُ على إجازَةِ المالِكِ، فإنْ أجازَه نَفَذَ، ولَزِمَ البَيْعُ، وإن لم يُجِزْه، بَطَلَ، وهذا مذهبُ مالِكٍ، وإسْحاقَ، وقولُ أبى حَنِيفَةَ فى البَيْعِ، فأمَّا الشِّراءُ، فعنده يَقَعُ لِلْمُشْتَرِى بكلِّ حالٍ. وَوَجْهُ هذه الرِّوايَةِ، ما رَوَى عُرْوَةُ بن الجَعْدِ الْبارِقِىِّ رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِىَ به شَاةً، فاشْتَرَى شَاتَيْنِ، ثم بَاعَ إحْدَاهُما بِدِينَارٍ فى الطَّرِيقِ، قال: فأتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ بالدِّينَارِ والشَّاةِ، فأخْبَرْتُه، فقال: "بَارَكَ اللهُ فِى صَفْقَةِ يَمِينِكَ". رواه الأثْرَمُ وابنُ ماجَه (١). ولأنَّه عَقْدٌ له مُجِيزٌ حالَ وُقُوعِه، فيَجِبُ أنْ يَقِفَ على إجازَتِه، كالوَصِيَّةِ. وَوَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، قولُ النَّبِىِّ ﷺ لِحَكِيمِ بن حِزَامٍ: "لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ".
стр. 2906
رَواهُ ابن ماجَه، والتِّرمِذِىُّ (٢). وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. يَعنى ما لا تملِكُ؛ لأنَّه ذَكَرَه جَوابًا له حين سَأَلَهُ، أنَّه يَبِيعُ الشىءَ، ثم يَمْضِى فيَشْتَرِيه ويُسَلِّمُه (٣). ولِاتِّفاقِنا على صِحَّةِ بَيْعِ مالهِ الغائِبِ، ولأنَّه باعَ ما لَا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، فأشْبَه الطَّيْرَ فى الهَواءِ، والوَصِيَّةُ يَتَأَخَّرُ فيها القَبُولُ عن الإيجابِ، ولا يُعْتَبر أنْ يكونَ لها مُجِيزٌ حالَ وُقُوعِ العَقْدِ، ويجوزُ فيها من الغَرَرِ، ما لا يجوزُ فى البَيْعِ، فأمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ فنَحْمِلُه على أنَّ وَكالَتَه كانت مُطْلَقَةً؛ بِدَلِيلِ أنَّه سَلَّمَ وَتَسَلَّمَ، وليس ذلك لغيرِ المالِكِ باتِّفاقِنا.
فصل: ولا يجُوزُ أنْ يَبِيعَ عَيْنًا لا يَمْلِكُها، لِيَمْضِىَ ويَشْتَرِيهَا، ويُسَلِّمَها، رِوايةً واحِدَةً. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ حَكِيمَ بن حِزَامٍ قال لِلنَّبِىِّ ﷺ : إنَّ الرَّجُلَ يَأْتِينِى، فيَلْتَمِسُ من البَيْعِ ما عِنْدِى، فأمْضِى إلى السُّوقِ فأَشْتَرِيه، ثم أبِيعُه منه، فقال النبىُّ ﷺ : "لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ".
فصل: ولو باعَ سِلْعَةً، وصاحِبُها حاضِرٌ ساكِتٌ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو باعَها من غيرِ عِلْمِه، فى قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم: أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ (٣)، والشَّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ (٤). وقال ابنُ أبِى لَيْلَى: سُكُوتُه إقْرارٌ؛ لأنَّه دَلِيلٌ على الرِّضَى، فأشْبَه سُكُوتَ البِكْرِ فى الإذْنِ فى نِكاحِها. ولَنا، أنَّ السُّكُوتَ مُحْتَمِلٌ،
стр. 2907
فلم يكُنْ إذْنًا، كَسُكُوتِ الثَّيِّبِ، وفارَقَ سُكُوتَ البِكْرِ؛ لِوُجُودِ الحَياءِ المانِعِ من الكَلامِ فى حَقِّها، وليس ذلك بِمَوْجُودٍ هاهُنا.
فصل: وإذا وَكَّلَ رَجُلَيْنِ فى بَيْعِ سِلْعَتِه، فباعَ كلُّ واحِدٍ منهما السِّلْعَةَ من رَجُلٍ، بِثَمَنٍ مُسَمًّى، فالبَيْعُ للأوَّلِ منهما، رُوِىَ هذا عن شُرَيْحٍ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وحُكِىَ عن رَبِيعَةَ ومالِكٍ أنَّهما قالا: هى لِلَّذِى بَدَأَ بالقَبْضِ. ولَنا، أنَّه قد رُوِىَ فى حَدِيثٍ: "إذَا بَاعَ المُجِيزَانِ فَهُوَ لِلأوَّلِ". رواه ابنُ ماجه (٥)، ولأنَّ الوَكِيلَ الثانى زالَتْ وَكالَتُه بانْتِقالِ مِلْكِ المُوَكِّلِ عن السِّلْعَةِ، فصارَ بائِعًا مِلْكَ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَصِحَّ، كما لو قَبَضَ الأوَّلُ، أو كما لو زَوَّجَ أحَدُ الوَلِيَّيْنِ بعدَ الأوَّلِ.
٧٥٩ - مسألة؛ قال: (وبَيْعُ المُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ غَيرُ جَائِزٍ)
لا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا فى فَسادِ هذَيْنِ البَيْعَيْنِ، وقد صَحَّ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، نَهَى عَن المُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (١). والمُلامسةُ، أنْ يَبِيعَه شَيْئًا،
стр. 2908
ولا يُشاهِدُه، على أنَّه مَتَى لَمَسَه وَقَعَ البَيْعُ. والمُنابَذَةُ، أن يقولَ: أىُّ ثَوبٍ نَبَذْتَه إلىَّ فَقَد اشْتَرَيْتُه بكذا. هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. ونحوَه قال مالِكٌ، والأوزاعِىُّ. وفيما رَوَى البُخارِىُّ (٢) أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن المُنَابَذَةِ، وهى طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَه بِالبَيْعِ إلى الرَّجُلِ، قبل أن يُقَلِّبَه أو يَنْظُرَ إليه، ونَهَى عن المُلَامَسَةِ، لَمْسِ الثَّوْبِ لا يَنْظُرُ إليه. ورَوَى مُسْلِمٌ، فى "صَحِيحِه" (٣)، عن أبى هُرَيْرَةَ، فى تَفْسِيرِهما (٤) قال: هو لَمْسُ كلِّ واحِدٍ مِنْهما ثَوْبَ صَاحِبِه بِغيرِ تَأَمُّلٍ. والمُنَابَذَةُ، أنْ يَنْبِذَ كلُّ واحدٍ ثَوْبَه، ولم يَنْظُرْ كلُّ واحدٍ منهما إلى ثَوْبِ صَاحِبِه. وعلى ما فَسَّرْناه به لا يَصِحُّ البَيْعُ فيهما؛ لِعِلَّتَيْنِ؛ إحْداهما، الجَهالَةُ. والثانية، كَونُه مُعَلَّقًا على شَرْطٍ، وهو نَبْذُ الثَّوْبِ إليه، أو لَمْسُه له. وإن عَقَدَ البَيْعَ قبلَ نَبْذِه، فقال: بِعْتُكَ ما تَلْمِسُه مِن هذه الثِّيابِ. أو ما أنْبِذُه إليك. فهو غيرُ مُعَيَّنٍ ولا مَوْصُوفٍ، فأشْبَه ما لو قال: بِعْتُكَ واحِدًا منهما (٥).
فصل: ومن البُيُوعِ المَنْهِىِّ عنها، بَيْعُ الحَصاةِ. فإنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَوَى، أنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الحَصَاةِ. رواه مُسْلِمٌ (٦). واخْتُلِفَ فى تَفْسِيرِه، فقيل: هو أن يقولَ: ارْمِ هذه الحَصاةَ، فَعَلَى أىِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ، فهو لك بِدِرْهَمٍ. وقيل: هو أن يقولَ: بِعْتُكَ من هذه الأرضِ مِقْدارَ ما تَبْلُغُ هذه الحَصاةُ، إذا رَمَيْتَها، بكذا. وقيل: هو أن يقولَ: بِعْتُكَ هذا بكذا، على أنِّى مَتَى رَمَيْتُ هذه الحَصَاةَ، وَجَبَ البَيْعُ. وكلُّ هذه البُيُوعِ فاسِدَةٌ، لما فيها من الغَرَرِ والجَهْلِ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
стр. 2909
فصل: ورَوَى أنَسٌ قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن المُحَاقَلَةِ، والمُخَاضَرَةِ، والمُلَامَسَةِ، والمُنَابَذَةِ. أخْرَجَه البُخارِىُّ (٧). والمخاضَرَةُ، بَيْعُ الزَّرْعِ الأخْضَرِ، والثَّمَرَةِ قبل بُدُوِّ صَلاحِها، بغير شَرْطِ القَطْعِ. والمُحَاقَلَةُ، بَيْعُ الزَّرْعِ بِحَبٍّ من جِنْسِه. قال جَابِرٌ: المُحَاقَلَةُ، أن يَبِيعَ الزَّرْعَ بمائَةِ فَرْقٍ حِنْطَةً. قال الأزْهَرِىُّ (٨): الحَقْلُ، القَراحُ المَزْرُوعُ، والحواقِلُ المَزارِعُ. وفَسَّرَ أبو سَعِيدٍ المُحاقَلَةَ، باسْتِكْراءِ الأرضِ بالحِنْطَةِ.
٧٦٠ - مسألة؛ قال: (وَكَذَا بَيْعُ الحَمْلِ غَيْرَ أُمِّهِ، واللَّبَنِ فِى الضَّرْعِ)
معناه، بَيْعُ الحَمْلِ فى البَطْنِ، دُونَ الأُمِّ. ولا خِلافَ فى فَسادِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: وقد أجْمَعُوا على أنَّ بَيْعَ المَلاقِيحِ والمَضامِينِ غيرُ جَائِزٍ، وإنَّما لم يَجُزْ بَيْعُ الحَمْلِ فى البَطْنِ؛ لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدِهما، جَهَالَتُه، فإنَّه لا تُعْلَمُ صِفَتُه ولا حَياتُه.
والثانى، أنَّه غيرُ مَقْدُورٍ على تَسْلِيمِه، بخِلافِ الغائِبِ، فإنَّه يَقْدِرُ على الشُّرُوعِ فى تَسْلِيمِه. وقد رَوَى سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ المَضَامِينِ، والمَلَاقِيحِ (١). قال أبو عُبَيْدٍ (٢): المَلَاقِيحُ، ما فى البُطُونِ، وهى الأجِنَّةُ. والمَضامِينُ، ما فى أصْلابِ الفُحُولِ. فكانوا يَبِيعُونَ الجَنِينَ فى بَطْنِ أمِّه (٣)، وما يَضْرِبْه الفَحْلُ فى عامِه، أو فى أعْوامٍ. وأنْشَدَ (٤):
إنَّ المَضَامِينَ الَّتى فِي الصُّلْبِ
مَاءُ الفُحُولِ فى الظُّهُورِ الحُدْبِ
стр. 2910
ورَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ المَجْرِ (٥). قال ابن الأعْرابِىِّ: المَجْرُ ما فى بَطْنِ النَّاقَةِ. والمَجْرُ الرِّبا. والمَجْرُ القِمارُ. والمَجْرُ المُحَاقَلةُ والمُزابَنَةُ.
فصل: وقد رَوَى ابنُ عمرَ، عن النَّبىِّ ﷺ ، أنَّه نَهَى عَنْ بَيْعِ (٦) حَبَلِ الحَبَلَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٧). ومعناه، نِتاجُ النِّتَاجِ. قالَه أبو عُبَيْدٍ (٨). وعن ابن عُمَرَ قال: كان أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الجَزُورِ إلى حَبَلِ الحَبَلَةِ. وحَبَلُ الحَبَلَةِ أن تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثم تَحْمِلُ التى نُتِجَتْ، فنَهاهُم النَّبِىُّ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٩)، وكِلا البَيْعَيْنِ فاسِدٌ؛ أمَّا الأوَّلُ فلأنَّه بَيْعُ مَعْدُومٍ، وإذا لم يَجُزْ بَيْعُ الحَمْلِ، فبَيْعُ حَمْلِه أوْلَى. وأمَّا الثانى، فلأنَّه بَيْعٌ إلى أجَلٍ مَجْهُولٍ.
فصل: ولا يجوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ فى الضَّرْعِ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ونَهَى عنه ابنُ عَبَّاسٍ، وأبو هُرَيْرَةَ. وكَرِهَه طاوُسٌ ومُجاهِدٌ. وحُكِىَ عن مالِكٍ، أَنَّه يجوزُ أيَّامًا مَعْلُومَةً، إذا عَرَفَا حِلابَها، لِسَقْىِ الصَّبِىِّ، كَلَبْنِ