فى مَسْأَلَتِنا فإنَّه مُعاوَضَةٌ فى مُقابَلَةِ نَقْلِ (٢٧) المِلْكِ، فلا يَثْبُتُ له (٢٨) العِوَضُ على غيرِه، وإن كان هذا القولُ على وَجْهِ الضَّمانِ، صَحَّ البَيْعُ، لَزِمَ الضَّمانُ.
فصل: والعُرْبُونُ فى البَيْعِ، هو أن يَشْتَرِىَ السِّلْعَةَ، فيَدْفَعَ إلى البائِعِ دِرْهَمًا أو غيرَه، على أنَّه إن أخَذَ السِّلْعَةَ، احْتَسَبَ به من الثَّمَن، وإن لم يَأْخُذْها، فذلك لِلْبَائِعِ. يقال: عُرْبُونٌ، وأُرْبُونٌ، وعُرْبانٌ وأُرْبانٌ. قال أحْمَدُ: لا بَأْسَ به، وفَعَلَه عمرُ رَضِىَ اللَّه عنه. وعن ابن عمرَ، أنَّه أجازَه. وقال ابنُ سِيرِينَ: لا بَأْسَ به. وقال سَعِيدُ بن المُسَيَّب وابنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ إذا كَرِهَ السِّلْعَةَ أن يَرُدَّها، ويَرُدَّ معها شَيْئًا. وقال أحمدُ: هذا فى مَعْناه. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ، أنَّه لا يَصِحُّ. وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ والحسنِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، نَهَى عن بَيْعِ العُرْبُونِ. رواه ابنُ ماجَه (٢٩). ولأنَّه شَرَطَ لِلْبائِعِ شَيْئًا بغير عِوَضٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَه لأجْنَبِيٍّ، ولأنَّه بمَنْزِلَةِ الخِيارِ المَجْهُولِ، فإنَّه اشْتَرَطَ أنَّ له رَدَّ المَبِيعِ من غيرِ ذِكْرِ مُدَّةٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: ولِىَ الخِيارُ مَتَى شِئْتُ رَدَدْتُ السِّلْعَةَ، ومعها دِرْهَمًا. وهذا هو القِياسُ. وإنَّما صارَ أحمدُ فيه إلى ما رُوِىَ فيه عن نافِعِ بن عبدِ الحارِثِ، أَنَّه اشْتَرَى لِعُمَرَ دَارَ السِّجْنِ من صَفْوان بن أُمَيَّةَ، فإن رَضِىَ عمرُ، وإلَّا فلَهُ كذا وكذا. قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأحمدَ تَذْهَبُ إليه؛ قال: أيُّ شيْءٍ أقولُ؟ هذا عُمَرُ رَضِىَ اللهُ عنه. وضَعَّفَ الحَدِيثَ المَرْوِيَّ. رَوَى هذه القِصَّةَ الأَثْرَمُ بإسْنادِه. فأمَّا إن دَفَعَ إليه قبلَ البَيْعِ دِرْهَمًا، وقال: لا تَبِعْ هذه السِّلْعَةَ لِغَيْرِى، وإن لم أشْتَرِها منك، فهذا الدِّرْهَمُ
стр. 2942
لك. ثمَّ اشْتَراها منه بعد ذلك بِعَقْدٍ مُبْتَدِىءٍ وحَسَبَ الدِّرْهَمَ من الثَّمَنِ، صَحَّ، لأنَّ البَيْعَ خَلا عن الشَّرْطِ المُفْسِدِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ الشِّراءَ الذى اشْتُرِىَ لِعمرَ كان على هذا الوَجْهِ، فيُحْمَلُ عليه جَمْعًا بين فِعْلِه وبين الخَبَرِ، ومُوافَقَةِ القِيَاسِ، والأئِمَّةِ القائِلِينَ بِفَسادِ العُرْبُونِ. وإن لم يَشْتَرِ السِّلْعَةَ فى هذه الصُّورَةِ، لم يَسْتَحِقّ البائِعُ الدِّرْهَمَ؛ لأنَّه يَأْخُذُه بغيرِ عِوَضٍ، ولِصاحِبِه الرُّجُوعُ فيه، ولا يَصِحُّ جَعْلُه عِوَضًا عن انْتِظارِه، وتَأْخيرِ بَيعِه من أجْلِه، لأنَّه لو كان عِوَضًا عن ذلك، لَما جازَ جَعْلُه من الثَّمَنِ، فى حال الشِّراءِ، ولأنَّ الانْتِظارَ بِالبَيْعِ لا تجوزُ المُعاوَضَةُ عنه، ولو جازَتْ لَوَجَبَ أن يكونَ مَعْلُومَ المِقْدارِ، كما فى الإِجارَةِ.
٧٦٧ - مسألة، قال: (وإذَا قال: بِعْتُكَ بِكَذَا عَلَى أنْ آخُذَ مِنْكَ الدِّينَارَ بِكَذَا. لم يَنْعَقِدِ البَيْعُ، وكَذلِك إنْ بَاعَهُ بِذَهَبٍ، عَلَى أنْ يَأْخُذَ مِنْهُ دَرَاهِمَ بِصَرْفٍ ذَكَرَاهُ)
وجُمْلَتُه، أنَّ البَيْعَ بهذه الصِّفَةِ باطِلٌ؛ لأنَّه شَرَطَ فى العَقْدِ أن يُصارِفَه (١) بالثَّمَنِ الذى وَقَعَ العَقْدُ به، والمُصارَفَةُ عَقْدُ بَيْعٍ، فيكون بَيْعَتانِ فى بَيْعَةٍ. قال أحمدُ: هذا مَعْناه، وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن بَيْعَتَيْنِ فى بَيْعَةٍ. أخْرَجَه التِّرمِذِيُّ (٢)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرُوِىَ أيضًا عن عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو (٣)، عن النَّبِيِّ ﷺ ، وهكذا كلُّ ما كان فى مَعْنَى هذا، مثل أن يقولَ: بِعْتُكَ دارِى هذه على أن أبِيعَكَ دارِى الأُخْرَى بكذا. أو على أن تَبِيعَنِى دارَك.
стр. 2943
أو على أن أُؤجِرَك. أو على أن تُؤْجِرَنِى كذا. أو على أن تُزَوِّجَنِى ابْنَتَكَ. أو على أن أُزَوِّجَكَ ابْنَتِى. ونحوَ هذا. فهذا كلُّه لا يَصِحُّ. قال ابنُ مَسْعُودٍ: الصَّفْقَتَانِ فى صَفْقَةٍ رِبًا. وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيِّ، وجُمْهُورِ العُلَمَاءِ. وجَوَّزَه مالِكٌ، وقال: لا ألْتَفِتُ إلى اللَّفْظِ الفاسِدِ، إذا كان مَعْلُومًا حَلالًا، فكأنَّه باعَ السِّلْعَةَ بالدَّراهِمِ التى ذَكَرَ أَنَّه يَأْخُذُها بالدَّنانِيرِ. ولَنا، الخَبَرُ، وأنَّ النَّهْىَ يَقْتَضِى الفَسادَ، ولأنَّ العَقْدَ لا يَجِبُ بالشَّرْطِ؛ لكونِه لا يَثْبُتُ فى الذِّمَّةِ، فيَسْقُطُ، فيَفْسُدُ العَقْدُ؛ لأنَّ البائِعَ لم يَرْضَ به، إلَّا بذلك الشَّرْطِ، فإذا فاتَ فاتَ الرِّضَى به، ولأنَّه شَرَط عَقْدًا فى عَقْدٍ، فلم (٤) يَصِحَّ، كَنِكاحِ الشِّغارِ، وقوله (٥): لا أَلْتَفِتُ إلى اللَّفْظِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ البَيْعَ هو اللَّفْظُ، فإذا كان فاسِدًا فكيف يكونُ صَحِيحًا. ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ البَيْعُ، ويَفْسُدَ الشَّرْطُ، بِناءً على ما لو شَرَطَ ما يُنافِى مُقتَضَى العَقْدِ، كما سَبَقَ. واللهُ أعلمُ.
فصل: وقد رُوِىَ فى تَفْسِيرِ بَيْعَتَيْنِ فى بَيْعَةٍ، وَجْهٌ آخَرُ، وهو أن يقولَ: بِعْتُكَ هذا العَبْدَ بِعَشرَةٍ نَقْدًا، أو بِخَمْسَةَ عَشَرَ نَسِيئَةً، أو بِعَشرَةٍ مُكَسَّرَةً، أو تِسْعَةٍ صِحاحًا. هكذا فَسَّرَه مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ. وهو أيضًا باطِلٌ. وهو قولُ الجُمْهُورِ؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ له بِبَيْعٍ واحِدٍ، فأشْبَهَ ما لو قال: بِعْتُكَ هذا أو هذا. ولأنَّ الثَّمنَ مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كالبَيْعِ بالرَّقَمِ المَجْهُولِ. ولأنَّ أحَدَ (٦) العِوَضَيْنِ غيرُ مُعَيَّنٍ، ولا مَعْلُومٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بعْتُكَ أحَدَ عَبِيدِى. وقد رُوِىَ عن طاوُسٍ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، أَنَّهم قالوا: لا بَأْسَ أن يقول: أبِيعُكَ بالنَّقْدِ بكذا، وبالنَّسِيئةِ بكذا. فيذهبُ على أحَدِهما. وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه جَرَى بينهما بعدَ ما يَجْرِى فى العَقْدِ، فكأنَّ المُشْتَرِىَ قال: أنا آخُذُه بالنَّسِيئَةِ بكذا. فقال:
стр. 2944
خُذْهُ، أو قد رَضِيتُ. ونحوَ ذلك. فيكون هذا عَقْدًا كافِيًا. وإن لم يُوجَدْ ما يَقُومُ مَقامَ الإِيجابِ، أو يَدُلُّ عليه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما مَضَى من القولِ لا يَصْلُحُ أن يكون إيجابًا؛ لما ذَكَرْناه، وقد رُوِىَ عن أحمدَ فى مَن قال: إن خِطْتَه اليَوْمَ فلَكَ دِرْهَمٌ، وإن خِطْتَه غَدًا فلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ: إنَّه يَصِحُّ. فيَحْتَمِلُ أن يَلحقَ به هذا البَيْعُ، فَيُخَرَّجَ وَجْهًا فى الصِّحَّةِ. ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّق بينهما من حيث إنَّ العَقْدَ ثَمَّ يُمْكِنُ أن يَصِحَّ؛ لِكَوْنِه جُعالَةً يَحْتَمِلُ فيها الجَهالَةَ، بخِلافِ البَيْعِ. ولأنَّ العَمَلَ الذى يَسْتَحِقُّ به الأُجْرَةَ لا يُمْكنُ وُقُوعُه إلَّا على إحْدَى الصَّفْقَتَيْنِ، فتَتَعَيَّنُ الأُجْرَةُ المُسَمَّاةُ عِوَضًا له، فلا يُفْضِى إلى التَّنازُعِ، وهاهُنا بِخِلافِه.
فصل: ولو باعَه بِشَرْطِ أن يُسَلِّفَه أو يُقْرِضَه، أو شَرَطَ المُشْتَرِى ذلك عليه، فهو مُحَرَّمٌ والبَيْعُ باطِلٌ. وهذا مذهبُ مالِكٍ والشَّافِعِيِّ. ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا أنَّ مالِكًا قال: إن تَرَكَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ السَّلَفَ، صَحَّ البَيْعُ. ولَنا، ما رَوَى عبدُ اللهِ ابن عَمْرٍو، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ، وعن بَيْعِ ما لم يُقْبَضْ، وعن بَيْعَتَيْنِ فى بَيْعَةٍ، وعن شَرْطَيْنِ فى بَيْعٍ، وعن بَيْعٍ وسَلَفٍ. أخْرَجَه أبو داوُدَ والتِّرمِذِيُّ (٧)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وفى لَفْظٍ: "لَا يَحِلُّ بَيْعٌ وسَلَفٌ". ولأنَّه اشْتَرَطَ عَقْدًا فى عَقْدٍ، ففَسَدَ، كبَيْعَتَيْنِ فى بَيْعَةٍ. ولأنَّه إذا اشْتَرَطَ القَرْضَ زادَ فى الثَّمَنِ لأجْلِه، فتَصِيرُ الزِّيادَةُ فى الثَّمَنِ عِوَضًا عن القَرْضِ، ورِبْحًا له، وذلك رِبًا مُحَرَّمٌ، ففَسَدَ، كما لو صَرَّحَ به. ولأنَّه بَيْعٌ فاسِدٌ، فلا يَعُودُ صَحِيحًا، كما لو باعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، ثمَّ تَرَكَ أحَدَهما.
стр. 2945
فصل: وإذا جَمَعَ بين عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَىِ القِيمَةِ بِعِوَضٍ واحِدٍ، كالصَّرْفِ، وبَيْعِ ما يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ القَبْضِ، والبَيْعِ، والنِّكاحِ، أو الإِجارَةِ. نحوَ أن يقولَ: بِعْتُكَ هذا الدِّينارَ، وهذا الثَّوْبَ، بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا. أو بِعْتُكَ هذه الدَّارَ، وأجَرْتُكَ الأُخْرَى بألْفٍ. أو باعَه سَيْفًا مُحَلًّى بالذَّهَبِ بِفِضَّةٍ. أو زَوَّجْتُكَ ابْنَتى وبِعْتُكَ عَبْدَها بألْفٍ. صَحَّ العَقْدُ فيهما؛ لأنَّهما عَيْنان يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عن كلِّ واحِدَةٍ منهما مُنْفَرِدَةً، فجازَ أخْذُ العِوَضِ عنهما مُجتَمِعَتَيْنِ، كالعَبْدَيْنِ. وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىُّ. وقال أبو الخَطَّابِ: فى ذلك وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَصِحُّ. وهو القولُ الثانى لِلشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ حُكْمَهُما مُخْتَلِفٌ، فإنَّ المَبِيعَ يُضْمَنُ بمُجَرَّدِ البَيْعِ، والإِجارَةُ بِخِلافِه. والأوَّلُ أصَحُّ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا باعَ شِقْصًا وَسَيْفًا، فإنَّه يَصِحُّ مع اخْتِلافِ حُكْمِهِما بِوُجُوبِ الشُّفعَةِ فى أحَدِهِما دونَ الآخَرِ، فأمَّا إن جَمَعَ بين الكِتابَةِ والبَيْعِ، فقال: كاتَبْتُكَ وبِعْتُكَ عَبْدِى هذا بألْفٍ، فى (٨) كلِّ شَهْرٍ مائةٌ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المُكاتَبَ قبلَ تَمامِ الكِتابَةِ عَبْدٌ قِنٌّ، فلا يَصِحُّ أن يَشْتَرِىَ من سَيِّدِه شَيْئًا، ولا يَثْبُتُ لِسَيِّدهِ فى ذِمَّتِه ثَمَنٌ. وإذا بَطَلَ البَيْعُ، فهل يَصِحُّ فى الكِتابَةِ بِقسْطِها؟ فيه رِوايَتانِ، نَذْكُرُهما فى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وسَوَّى أبو الخَطَّابِ بين هذه الصُّوَرِ وبين الصُّوَرِ التى قَبْلَها، فقال: فى الكلِّ وَجْهانِ. والذى ذَكرناه إن شاءَ اللَّه تَعالَى أوْلَى.
فصل: فى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. ومَعْناه أن يَبِيعَ ما يَجُوزُ بَيْعُه، وما لا يَجُوزُ، صَفْقَةً واحِدَةً، بِثَمَنٍ واحِدٍ. وهو على ثَلاثةِ أقْسامٍ؛ أحَدِها، أن يَبِيعَ مَعْلُومًا ومَجْهُولًا، كقولِه: بِعْتُكَ هذه الفَرَسَ، وما فى بَطنِ هذه الفَرَسِ الأُخْرَى بألْفٍ. فهذا البَيْعُ باطِلٌ بكلِّ حالٍ، ولا أعْلَمُ فى بُطْلانِه خِلافًا، لأنَّ المَجْهُولَ لا يَصِحُّ بَيْعُه لِجَهالَتِه، والمَعْلُومَ مَجْهُولُ الثَّمَنِ، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه؛ لأنَّ مَعْرِفَتَه إنَّما تكونُ بِتَقْسِيطِ الثَّمَنِ عليهما، والمَجْهُولُ لا يمكنُ تَقْوِيمُه، فيَتَعَذَّرُ التَّقْسِيطُ.
стр. 2946
الثانى، أن يكونَ المَبِيعانِ ممَّا يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عليهما بالأجْزاءِ، كعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بينه وبين غيرِه، باعَه كلَّه بغيرِ إذْنِ شَرِيكِه، وكقَفِيزَيْنِ من صُبْرَةٍ واحِدَةٍ باعَهُما من لا يَمْلِكُ إلَّا بَعْضَهُما، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَصِحُّ فى مِلْكِه بِقسْطِهِ من الثَّمَنِ، ويَفْسُدُ فيما لا يَمْلِكُه. والثانى، لا يَصِحُّ فيهما. وأصْلُ الوَجْهَيْنِ، أنَّ أحمدَ نَصَّ فى مَن تَزَوَّجَ حُرَّةً، وأمَةً، على رِوايَتَيْنِ؛ إحْداهُما، يَفْسُدُ فيهما. والثانية، يَصِحُّ فى الحُرَّةِ. والأوْلَى أَنَّه يَصِحُّ فيما يَمْلِكُه، وهو قولُ مالِكٍ وأبي حنيفةَ، وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِيِّ، وقال فى الآخَرِ: لا يَصِحُّ. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ حَلالًا وحَرامًا، فغَلَبَ التَّحْريمُ، ولأنَّ الصَّفْقَةَ إذا لم يُمْكِنْ تَصْحِيحُها فى جَمِيعِ المَعْقُودِ عليه، بَطَلَتْ فى الكُلِّ، كالجَمْعِ بين الأُخْتَيْنِ، وبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ. ولَنا، أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما له حُكْمٌ لو كان مُنْفَرِدًا، فإذا جَمَعَ بينهما ثَبَتَ لكلِّ واحِدٍ منهما حُكْمُه، كما لو باعَ شِقْصًا وسَيْفًا. ولأنَّ ما يجوزُ له بَيْعُه قد صَدَرَ فيه البَيْعُ من أهْلِه فى مَحلِّه بِشَرْطِه، فصَحَّ، كما لو انْفَرَدَ. ولأنَّ البَيْعَ سَبَبٌ اقْتَضَى الحُكْمَ فى مَحلَّيْن، وامْتَنَعَ حُكْمُه فى أحَدِ المَحلَّيْنِ؛ لِثُبُوتِه عن قَبُولِه، فيَصِحُّ فى الآخَرِ، كما لو أوْصَى بشىءٍ لآدَمِىٍّ وبَهِيمَةٍ، وأمَّا الدِّرْهَمانِ والأُخْتانِ، فليس واحدٌ منهما أوْلَى بالفَسادِ من الآخَرِ، فلذلك فَسَدَ فيهما، وهاهُنا بِخِلافِهِ. القسم الثالثِ، أن يكون المَبِيعانِ مَعْلُومَيْنِ، ممَّا لا يَنْقَسِمُ عليهما الثَّمَنُ بالأجْزاءِ، كَعَبْدٍ وحُرٍّ، وخَلٍّ وخَمْرٍ، [وعَبْدِه] (٩) وعَبْدِ غيرِه وعَبْدٍ حاضِرٍ وآبِقٍ، فهذا يَبْطُلُ البَيْعُ فيما لا يَصِحُّ بَيْعُه، وفى الآخَرِ رِوايَتانِ. نَقَلَ صالِحٌ عن أبِيهِ فى مَنِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، فوَجَدَ أحَدَهما حُرًّا، رَجَعَ بقِيمَتِه من الثَّمَنِ. ونَقَلَ عنه مُهَنَّا فى مَن تَزَوَّجَ امْرَأةً على عَبْدَيْنِ، فوَجَدَ أحَدَهما حُرًّا، فلها قِيمَةُ العَبْدَيْنِ، فأَبْطَلَ الصَّداقَ فيهما جَمِيعًا. وللشَّافِعِيِّ قَوْلانِ، كالرِّوايَتَيْنِ. وأَبْطَلَ مالِكٌ العَقْدَ فيهما، إلَّا أن يَبِيعَ مِلْكَه، ومِلْكَ غيرِه، فيَصِحَّ فى مِلْكِه، ويَقِفَ فى مِلْكِ غيرِه على الإِجازَةِ. ونحوُه قولُ أبي حَنِيفَة؛ فإنَّه قال: إن كان أَحَدُهما لا يَصِحُّ بَيْعُه بِنَصٍّ، أو إجْماعٍ، كالحُرِّ والخَمْرِ، لم يَصِحَّ العَقْدُ
стр. 2947
فيهما، وإن لم يَثْبُتْ بذلك، كمِلْكِه ومِلْكِ غيرِه، صَحَّ فيما يَمْلِكُه؛ لأنَّ ما اختُلِفَ (١٠) فيه يُمكنُ أن يَلْحَقَه حُكْمُ الإِجازَةِ، بِحُكْمِ حاكِمٍ، بِصِحَّةِ بَيْعِه. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَصِحُّ بَيْعُه؛ لما تَقَدَّمَ فى القِسْمِ الثانى، ولأنَّ الثمنَ مَجْهُولٌ؛ لأنَّه إنَّما يَتَبَيَّنُ بالتَّقْسِيطِ للثَّمَنِ على القِيمَةِ، وذلك مَجْهُولٌ فى الحال، فلم (١١) يَصِحَّ البَيْعُ به، كما لو قال: بِعْتُكَ هذه السِّلْعَةَ برَقْمِها، أو بحِصَّتِهِ (١٢) مِن رَأْسِ المالِ. ولأنَّه لو صَرَّحَ به، فقال: بِعْتُكَ هذا بقِسْطِه مِنَ الثَّمَنِ. لم يَصِحَّ. فكذلك إذا لم يُصَرِّحْ. وقال مَن نَصَرَ الرِّوايَةَ الأُولَى: إنَّه متى سَمَّى ثَمَنًا فى مَبِيعٍ يَسْقُطُ بَعْضُه، لا يُوجِبُ ذلك جَهالَةً تَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو وَجَدَ بعضَ المَبِيعِ مَعِيبًا، فأخَذَ أرْشَه. والقولُ بالفَسادِ فى هذا القِسْمِ أظْهَرُ، إنْ شاءَ اللهُ. والحُكْمُ فى الرَّهْنِ، والهِبَةِ، وسائِرِ العُقُودِ، إذا جَمَعَتْ ما يجوزُ وما لا يجوزُ، كالحُكْمِ فى البَيْعِ، إلّا أنَّ الظّاهِرَ فيها الصِّحَّةُ؛ لأنَّها ليست عُقُودَ مُعاوَضَةٍ، فلا تُوجَدُ جَهالَةُ العِوَضِ فيها.
فصل: وإنْ وَقَعَ العَقْدُ على مَكِيلٍ، أو مَوْزُونٍ، فتَلِفَ بعضُه قَبْلَ قَبْضِه، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ فى الباقِى. رِوايَةً واحِدَةً. ويَأْخُذُ المُشْتَرِى الباقِىَ بحِصَّتِه مِنَ الثَّمَنِ؛ لأنَّ العَقْدَ وَقَعَ صَحِيحًا، فذَهابُ بعضِه لا (١٣) يَفْسَخُه، كما بعدَ القَبْضِ، وكما لو وَجَدَ أحَدَ المَبِيعَيْنِ مَعِيبًا فرَدَّه، أو أقالَ أحَدُ المُتَبايِعَيْنِ الآخَرَ فى بعضِ المَبِيعِ.
فصل: وإنْ كان لرَجُلَيْنِ عبدانِ، لكُلِّ واحِدٍ عبدٌ، فباعَاهما صَفْقَةً واحِدَةً بثَمَنٍ واحِدٍ، أو وَكَّلَ أحَدُهما صاحِبَه، فباعَهما بثَمَنٍ واحِدٍ، ففيه وجهانِ؛ أحَدُهما، يَصِحُّ فيهما (١٤)، ويَتَقَسَّطُ العِوَضُ على قَدْرِ قِيمَتِهما. وهو
стр. 2948
قولُ مالِكٍ، وأبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِيِّ، لأنَّ جُمْلَةَ الثَّمَنِ مَعْلُومَةٌ، فَصَحَّ كما لو كانا لرَجُلٍ واحِدٍ، وكما لو باعا عبدًا واحِدًا لهما، أو قَفِيزَيْنِ مِن صُبْرَةٍ واحِدَةٍ. والثَّانى، لا يَصِحُّ، لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما مَبِيعٌ بقِسْطِه مِنَ الثَّمَنِ، وهو مَجْهُولٌ على ما قَدَّمْنا. وفارَقَ ما إذا كانا لرَجُلٍ واحِدٍ؛ فإنَّ جُمْلَةَ المَبِيعِ مُقابَلَةٌ بجُمْلَةِ الثَّمَنِ مِن غيرِ تَقْسِيطٍ، والعبدُ المُشْتَرَكُ والقَفِيزانِ، يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عليهما بالأجْزاءِ، فلا جَهالَةَ فيه.
فصل: ومتى حَكَمْنا بالصِّحَّةِ فى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وكان المُشْتَرِى عَالِمًا بالحالِ، فلا خِيارَ له، لأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ. وإنْ لم يَعْلَمْ، مِثْلُ أنِ اشْتَرَى عبدًا يَظُنُّه كُلَّه للبائِعِ، فبانَ أنَّه لا يَمْلِكُ إلّا نِصْفَه، أو عَبْدَيْنِ، فَتَبيَّنَ أنَّه لا يَمْلِكُ إلَّا أحَدَهما، فله الخِيارُ بَيْنَ الفَسْخِ والإِمساكِ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ عليه. وأمّا البائِعُ فلا خِيارَ له؛ لأنَّه رَضِىَ بزَوالِ مِلْكِه عَمَّا يجوزُ بَيْعُه بقِسْطِه. ولو وَقَعَ العَقْدُ على شَيْئَيْنِ يَفْتقِرُ إلى القَبْضِ فيهما، فتَلِفَ أحَدُهما قبلَ قَبْضِه، فقال القاضى: لِلْمُشْتَرِى الخِيارُ بينَ إمساكِ الباقى بحِصَّتِه، وبينَ الفَسْخِ، لأنَّ حُكْمَ ما قبلَ القَبْضِ، فى كَوْنِ المَبِيعِ مِن ضَمانِ البائِعِ، حُكْمُ ما قبلَ العَقْدِ، بدَلِيلِ أنَّه لو تَعَيَّبَ قبلَ قَبْضِه، لمَلَكَ المُشْتَرِى الفَسْخَ به.
٧٦٨ - مسألة؛ قال: (وَيَتَّجِرُ الْوَصِيُّ بِمَالِ الْيَتِيمِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّه لِلْيَتِيمِ. فَإنْ أعْطَاهُ لِمَنْ يُضَارِبُ لَهُ بِهِ، فَلِلْمُضَارِبِ مِنَ الرِّبْحِ مَا وَافَقَهُ الْوَصِيُّ عَلَيْهِ)
وجُمْلَتُه، أنَّ لوَلِيِّ اليَتِيمِ أنْ يُضارِبَ بمالِه، وأنْ يَدْفَعَه إلى مَن يُضارِبُ له به، ويَجْعَلَ له نَصِيبًا مِن الرِّبْحِ، أبًا كان، أو وَصِيًّا، أو حاكِمًا، أو أمِينَ حاكِمٍ، وهو أوْلَى مِن تَرْكِه. ومِمَّن رأى ذلك ابنُ عمرَ، والنَّخَعِيُّ، والحسنُ بن صالِحٍ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. ويُرْوَى إباحَةُ التِّجَارَةِ به (١)
стр. 2949
عن عمَرَ، وعائِشَةَ، والضَّحَّاكِ (٢). ولا نَعْلَمُ أحَدًا كَرِهَه، إلَّا ما رُوِىَ عن الحسنِ، ولَعَلَّه أرادَ اجْتِنابَ المُخاطَرَةِ به (٣). ولأنَّ خَزْنَه أحْفَظُ له، والذى عليه الجُمْهُورُ أوْلَى؛ لِمَا رَوَى عبدُ اللهِ بن عمْرِو بن العاصِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ وَلِىَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ" (٤). وَرُوِىَ ذلك عن عمرَ بن الخَطَّابِ (٥)، رَضِىَ اللهُ عنه، وهو أصَحُّ مِن المَرْفُوعِ. ولأنَّ ذلك أحَظُّ للمُوَلَّى عليه؛ لتَكُونَ نَفَقَتُه مِن فاضِلِه ورِبْحِه، كما يَفْعَلُه البالِغُونَ (٦) فى أموالِهِمْ، وأموالِ مَن يَعِزُّ عليهم مِن أولادِهم، إلَّا أَنَّه لا يَتَّجِرُ إلَّا فى المواضِعِ الآمِنَةِ، ولا يَدْفَعُه إلّا لأمِينٍ (٧)، ولا يُغَرِّرُ بمالِه. وقد رُوِىَ عن عائِشَة، رَضِىَ اللهُ عنها، أَنَّها أَبْضَعَتْ مالَ محمدِ بن أبى بكرٍ فى البَحْرِ. فيَحْتَمِلُ أَنَّه كان فى مَوْضِعٍ مَأمُونٍ قَرِيبٍ مِنَ السَّاحِلِ، ويَحْتَمِلُ أَنَّها جَعَلَتْ (٨) ضَمانَه عليها، إنْ هَلَكَ غَرِمَتْه. فمتى اتَّجَرَ فى المالِ بنَفْسِه، فالرِّبْحُ كُلُّه لِلْيَتِيمِ، وأجازَ الحسنُ بن صالِحٍ، وإسحاقُ، أنْ يَأْخُذَ (٩) الوَصِيُّ مُضارَبَةَ لنَفْسِه؛ لأنَّه جازَ له (١٠) أنْ يَدْفَعَه بذلك إلى غيرِه، فجازَ أنْ يَأْخُذَ ذلك لنَفْسِه. والصَّحِيحُ ما قُلْنا؛ لأنَّ الرِّبْحَ نَماءُ مالِ اليَتِيمِ، فلا يَسْتَحِقُّه
стр. 2950
غيرُه إلَّا بعَقْدٍ، ولا يجوزُ أنْ يَعْقِدَ الوَلِىُّ المُضارَبَةَ مع نَفْسِه، فأمّا إنْ دَفَعَه إلى غيرِهِ، فللمُضارِبِ ما جَعَلَه له الوَلِيُّ، ووافَقَه عليه، أى اتَّفَقا عليه فى قَوْلِهِم جَميعًا؛ لأنَّ الوَصِيَّ نائِبٌ عن اليَتِيمِ فيما فيه مَصْلَحَتُه، وهذا فيه مَصْلَحَتُه، فصارَ تَصَرُّفُه فيه كتَصَرُّفِ المالِكِ فى مالِه.
فصل: ويجوزُ لوَلِيِّ اليَتِيمِ إبضاعُ مالِه. ومعناه؛ دَفْعُه إلى مَن يَتَّجِرُ به، والرِّبْحُ كُلُّه لليَتِيمِ. وقد رُوِىَ عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أَنَّها أَبْضَعَتْ مالَ محمدِ بن أبي بَكْرٍ. ولأنَّه إذا جازَ دَفْعُه بجُزْءٍ مِن رِبْحِه، فدَفْعُه إلى مَن يُوَفِّرُ الرِّبْحَ أوْلَى. ويجوزُ أنْ يَشْتَرِىَ له العَقارَ؛ لأنَّه مَصْلَحَةٌ له، فإنَّه يَحْصُلُ (١١) منه الفَضْلُ، ويَبْقَى الأصلُ، والغَرَرُ فيه أقَلُّ مِن التِّجارَةِ؛ لأنَّ أصلَه مَحْفُوظٌ. ويجوزُ أنْ يَبْنِىَ له عَقارًا؛ لأنَّه فى مَعْنَى الشِّراءِ، إلَّا أنْ يَكُونَ الشِّراءُ أحَظَّ، وهو مُمْكِنٌ، فيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُه. وإذا أرادَ البِناءَ، بناه بما يَرَى الحَظَّ فى البِناءِ به. وقال أصحابُنا: يَبْنِيه بالآجُرِّ والطِّينِ، ولا يَبْنِى باللَّبِنِ؛ لأنَّه إذا هُدِمَ لا مَرْجُوعَ له، ولا بِجِصٍّ؛ لأنَّه يَلْتَصِقُ بالآجُرِّ، فلا يَتَخَلَّصُ منه، فإذا هُدِمَ فَسَدَ الآجُرُّ؛ لأنَّ تَخْلِيصَه منه يُفْضِى إلى كَسْرِه. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ. والذى قلناه أوْلَى، إنْ شاءَ اللهُ تعالى، فإنَّه إذا كان الحَظُّ له فى البِناءِ بغيرِه، فتَرَكَه، ضَيَّعَ حَظَّهُ ومالَه، ولا يجوزُ تَضْيِيعُ الحَظِّ العاجِلِ، وتَحَمُّلُ الضَّرَرِ النّاجِزِ المُتَيَقَّنِ، لتَوَهُّمِ مَصْلَحَةِ بقاءِ الآجُرِّ عِنْدَ هَدْمِ البِناءِ، ولَعلَّ ذلك لا يَكُونُ فى حياتِه، ولا يَحتاجُ إليه، مع أنَّ كثِيرًا مِن البُلْدانِ لا يُوجَدُ فيها الآجُرُّ، وكَثِيرٌ منها لم تَجْرِ عادَتُهم بالبِناءِ به، فلو كُلِّفُوا البِناءَ به، لاحتاجُوا إلى غَرامَةٍ كَثِيرَةٍ، لا يَحْصُلُ منها طائِلٌ. وقولُ أصحابِنا يَخْتَصُّ مَن عادَتُهم البِناءُ بالآجُرِّ، كالعِراقِ ونَحْوِها، فلا يَصِحُّ فى حَقِّ غيرِهم.
فصل: ولا يجوزُ بَيْعُ عَقارِه لغيرِ حاجَةٍ؛ لأنَّنا نَأْمُرُه بالشِّراءِ لما فيه مِن الحَظِّ،
стр. 2951
فيَكُونُ بَيْعُه تَفْوِيتًا للحَظِّ. فإنِ احْتِيجَ إلى بَيْعِه، جازَ. نَقَلَ أبو داوُدَ عن أحمدَ: يَجُوزُ للوَصِيِّ بَيْعُ الدُّورِ على الصِّغارِ، إذا كان نَظَرًا (١٢) لهم. وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وإسحاقُ، قالوا: يَبِيعُ إذا رأى الصَّلاحَ. قال القاضى: لا يجوزُ إلَّا فى مَوْضِعَيْنِ؛ أحَدِهما، أنْ يكونَ به ضَرُورَةٌ إلى كِسْوَةٍ، أو نَفَقَةٍ، أو قضاءِ دَيْنٍ، أو ما لابُدَّ مِنه، وليس له ما تَنْدَفِعُ به حاجَتُه. الثّانِى، أنْ يكونَ فى بَيْعِه غِبْطَةٌ؛ وهو أنْ يُدْفَعَ فيه زِيادَةٌ كَثِيرَةٌ على ثَمَنِ المِثْلِ. قال أبو الخَطّابِ: كالثُّلُثِ ونَحْوِه. أو يَخافُ عليه الهَلاكُ بغَرَقٍ أو خَرابٍ، أو نَحْوِه. وهذا مذهبُ الشّافِعِيِّ. وكَلامُ أحمدَ يَقْتَضِى إباحَةَ البَيْعِ فى كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ نَظَرًا لهم، ولا يَخْتَصُّ بما ذَكَرُوه. وقد يَرَى الوَلِيُّ الحَظَّ فى غيرِ هذا، مِثْلُ أنْ يكونَ فى مَكانٍ لا يَنْتَفِعُ به، أو نَفْعُه قَلِيلٌ، فيَبِيعُه ويَشْتَرِى له فى مكانٍ يَكْثُرُ نَفْعُه، أو يَرى شَيْئًا فى شِرائِه غِبْطَةٌ، ولا يُمْكِنُه شِراؤُه إلَّا ببَيْعِ عَقارِه. وقد تكونُ دارُه فى مكانٍ يَتَضَرَّرُ الغُلامُ بالمُقَامِ فيها، لسُوءِ الجِوارِ أو غيرِه، فيَبِيعُها، ويَشْتَرِى له بثَمَنِها دارًا يَصْلُحُ له المُقَامُ بها، وأشباهُ هذا مِمَّا لا يَنْحَصِرُ. وقد لا يَكُونُ له حَظٌّ فى بَيْعِ عَقارِهِ، وإنْ دُفِعَ فيه (١٣) مِثْلَا ثَمَنِه، إمَّا لحاجَتِه إليه، وإمَّا لأنَّه لا يُمْكِنُ صَرْفُ ثَمَنِه فى مِثْلِه، فيَضِيعُ الثَّمَنُ، ولا يُبَارَكُ فيه. فقد جاءَ عن النَّبيِّ ﷺ : "مَنْ بَاعَ دَارًا، أوْ عَقَارًا، وَلَمْ يَصْرِفْ ثَمَنَهُ فى مِثْلِه، لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ" (١٤). فلا يجوزُ بَيْعُه إذًا، فلا مَعْنَى لتَقْيِيدِه بما ذَكَرُوه فى الجَوازِ، ولا فى المَنْعِ، بل متى كان بَيْعُه أحَظَّ له، جازَ [بَيْعُه، وإلَّا] (١٥) فلا.
стр. 2952
فصل: ويجوزُ لوَلِيِّ اليَتِيمِ كِتابَةُ رَقِيقِ اليَتِيمِ، وإعتاقُه على مالٍ، إذا كان الحَظُّ فيه، مِثْلُ أنْ تَكُونَ قِيمَتُه ألْفًا، فيُكاتِبَه بألفَيْنِ، [أو يُعْتِقَه بألْفَيْنِ] (١٦). فإنْ لم يَكُنْ فيها حَظٌّ، لم يَصِحَّ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ إعتاقُه؛ لأنَّ الإِعتاقَ بمالٍ تعْلِيقٌ له على شَرْطٍ، فلم يَمْلِكْه وَلِيُّ اليَتِيمِ، كالتَّعْلِيقِ على دُخُولِ الدّارِ. وقال الشّافِعِىُّ: لا تجوزُ كِتابَتُه، ولا إعتاقُه؛ لأنَّ المَقْصُودَ مِنهما العِتْقُ، دُونَ المُعاوَضَةِ، فلم تَجُزْ، كالإِعتاقِ بغيرِ عِوَضٍ. ولَنا، أنَّها مُعاوَضَةٌ لليَتِيمِ فيها حَظٌّ، فمَلَكَها وَلِيُّه، كبَيْعِه، ولا عِبْرَةَ بنَفْعِ العبدِ، ولا يَضُرُّه كَوْنُه تَعْلِيقًا، فإنَّه إذا حَصَلَ الحَظُّ لليَتِيمِ، لا يَضُرُّه نَفْعُ غيرِه، ولا كَوْنُ العِتْقِ حَصَلَ بالتَّعْلِيقِ، وفارَقَ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّه لا نَفْعَ فيه، فمُنِعَ مِنه، لعَدَمِ الحَظِّ، وانْتِفاءِ المُقْتَضِى، لا لِما ذَكَرُوه. ولو قُدِّرَ أنْ يَكُونَ فى العِتْقِ بغيرِ مالٍ نَفْعٌ، كان نادِرًا. ويَتَوَجَّهُ أنْ يَصِحَّ. قال أبو بكرٍ: يَتَوَجَّهُ العِتْقُ بغيرِ عِوَضٍ للحَظِّ، مِثْلُ أنْ يكونَ لليَتِيمِ جارِيَةٌ وابْنَتُها، يُسَاوِيانِ مِائةً مُجْتَمِعَيْنِ، ولو أُفرِدَتْ إحداهما ساوَتْ مِائَتَيْنِ، ولا يُمْكِنُ إفرادُها بالبَيْعِ، فيُعْتِقُ الأُخْرَى، لتَكْثُرَ قِيمَةُ الباقِيَةِ، فتَصِيرَ ضِعْفَ قِيمَتِها.
فصل: قال أحمدُ: ويجوزُ للوَصِيِّ أنْ يَشْتَرِىَ لليَتِيمِ أُضْحِيَّةً، إذا كان له مالٌ. يَعْنِى مالًا كَثِيرًا لا يَتَضَرَّرُ بشِراءِ الأُضْحِيَّةِ، فيكونُ ذلك، على وَجْهِ التَّوْسِعَةِ فى النَّفَقَةِ فى هذا اليَوْمِ، الذى هو عِيدٌ، ويَوْمُ فَرَحٍ، وفيه جَبْرُ قَلْبِه، وتَطْيِيبُه، وإلحاقُه بمَن له أبٌ، فيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ (١٧) الثِّيَابِ الحَسَنَةِ وشِراءِ اللَّحْمِ، سِيَّما مع اسْتِحْبابِ التَّوْسِعَةِ فى هذا اليَوْمِ، وجَرْىِ العادَةِ بها (١٨)؛ بدَلِيلِ قولِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ للهِ ". رواه مُسْلِمٌ (١٩). ومتى كان خَلْطُ مالِ
стр. 2953
اليَتِيمِ أرْفَقَ به، وألْيَنَ فى الخُبْزِ، وأمْكَنَ فى حُصُولِ الأُدْمِ، فهو أوْلَى. وإنْ كان إفرادُه أرْفَقَ به أفْرَدَه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٠). أى ضَيَّقَ عَلَيْكُم وشَدَّدَ، مِن قولِهم: أعْنَتَ فُلانٌ فُلانًا. إذا ضَيَّقَ عليه وشَدَّدَ. وعَنِتَتِ الرِّجْلُ، إذا ضَلِعَتْ (٢١). ويَجُوزُ للوَصِيِّ تَرْكُ الصَّبِيِّ فى المَكْتَبِ بغيرِ إذْنِ الحاكِمِ. وحُكِىَ لأحمدَ قولُ سُفْيانَ: لا يُسَلِّمُ الوَصِيُّ الصَّبِيَّ إلّا بإذْنِ الحاكِمِ. فأنْكَرَ ذلك؛ وذلك لأنَّ المَكْتَبَ مِن مَصالِحِه، فجَرَى مَجْرَى نَفَقَتِه، ولمَأْكُولِه، ومَشْرُوبِه، ومَلْبُوسِه. وكذلك يجوزُ له إسلامُه فى صِناعَةٍ.، إذا كانت مَصْلَحَتُه فى ذلك؛ لما ذَكَرْنا.
فصل: وإذا كان الوَلِيُّ مُوسِرًا، فلا يَأْكُلْ مِن مالِ اليَتِيمِ شَيْئًا إذا لم يكنْ أبًا؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ (٢٢). وإنْ كان فَقِيرًا، فله أقَلُّ الأَمْرَيْنِ، مِن أُجْرَتِه، أو قَدْرِ كِفايَتِه؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّه بالعَمَلِ والحاجَةِ جَمِيعًا، فلم
стр. 2954
يَجُزْ أنْ يَأْخُذَ إلَّا ما وُجِدا فيه. فإذا أكَلَ منه ذلك القَدْرَ، ثمَّ أيْسَرَ؛ فإنْ كان أبًا، لم يَلْزَمْه عِوَضُه، رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّ للأبِ أنْ يَأْخُذَ مِن مالِ وَلَدِه ما شاءَ مع الحاجَةِ وعَدَمِها. وإنْ كان غيرَ الأبِ، فهل يَلْزَمُه عِوَضُ ذلك؟ على رِوايَتَيْنِ؛ إحْداهما، لا يَلْزَمُه. وهو قولُ الحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بالأكْلِ مِن غيرِ ذِكْرِ عِوَضٍ، فأشْبَهَ سائِرَ ما أمَرَ بأكْلِه، ولأنَّه عِوَضٌ مِن عَمَلِه فلم يَلْزَمْه بَدَلُه، كالأجِيرِ والمُضارِبِ. والثَّانيةُ، يَلْزَمُه عِوَضُه. وهو قولُ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ، وعطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ، وأبي العالِيَةِ؛ لأنَّه اسْتَباحَه بالحاجَةِ مِن مالِ غيرِه، فلَزِمَه قَضاؤُه، كالمُضْطَرِّ إلى طَعامِ غيرِه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه لو وَجَبَ عليه إذا أيْسَرَ، لكان وَاجِبًا فى الذِّمَّةِ قَبْلَ اليَسارِ، فإنَّ اليسارَ ليس بسَبَبٍ للوُجُوبِ، فإذا لم يَجِبْ بالسَّبَبِ (٢٣)، الذى هو الأَكْلُ، لم يَجِبْ بعدَه. وفارَقَ المُضْطَرَّ؛ فإنَّ العِوَضَ واجِبٌ عليه فى ذِمَّتِه، ولأنَّه لم يَأْكُلْه عِوَضًا عن شَىْءٍ، وهذا بخِلافِه.
فصل: فأمَّا قَرْضُ مالِ اليَتِيمِ؛ فإذا لم يَكُنْ فيه حَظٌّ له، لم يَجُزْ قَرْضُه، فمتى أمْكَنَ الوَلِيُّ التِّجارَةَ به، أو تَحْصِيلَ عَقارٍ له فيه الحَظُّ، لم يُقْرِضْه؛ لأنَّ ذلك يُفَوِّتُ الحَظَّ على اليَتِيمِ، وإنْ لم يُمْكِنْ ذلك، وكان قَرْضُه حَظًّا لليَتِيمِ، جازَ. قال أحمدُ: لا يُقْرِضُ مالَ اليَتِيمِ لأحَدٍ يُرِيدُ مُكَافأتَه، ومَوَدَّتَه، ويُقْرِضُ على النَّظَرِ، والشَّفَقَةِ، كما صَنَعَ ابنُ عمرَ. وقيل لأحمدَ: إنَّ عمرَ اسْتَقْرَضَ مالَ اليَتِيمِ. قال: إنَّما اسْتَقْرَضَ نَظَرًا لليَتِيمِ، واحْتِياطًا، إنْ أصَابَه بشىءٍ غَرِمَه. قال القاضى: ومَعْنَى الحَظِّ أنْ يكون لليَتِيمِ (٢٤) مالٌ فى بَلَدِه، فيُرِيدُ نَقْلَه إلى بَلَدٍ آخَرَ، فيُقْرِضُه مِن رَجُلٍ فى ذلك البَلَدِ، ليَقْضِيَه بَدَلَه فى بَلَدِه، يَقْصِدُ بذلك حِفْظَه مِن الغَرَرِ فى نَقْلِه، أو يَخافُ عليه الهَلاكَ مِن نَهْبٍ، أو غَرَقٍ، أو نَحْوِهما، أو يكونُ مِمَّا يَتْلَفُ بتَطاوُلِ مُدَّتِه،
стр. 2955
أو حَدِيثُه خيرٌ مِن قَدِيمِه، كالحِنْطَةِ ونحوِها، فيُقْرِضُه خَوْفًا أنْ يُسَوِّسَ، أو تَنْقُصَ قِيمَتُه، وأشباهُ هذا، فيَجُوزُ القَرْضُ؛ لأنَّه مِمَّا لليَتِيمِ فيه حَظٌّ فجازَ، كالتِّجارَةِ به. وإنْ لم يَكُنْ فيه حَظٌّ، وإنَّما قَصَدَ إرْفاقَ المُقْتَرِضِ، وقضاءَ حاجَتِه، فهذا غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بمالِ اليَتِيمِ، فلم يَجُزْ كهِبَتِه. وإنْ أرادَ الوَلِيُّ السَّفَرَ، لم يَكُنْ له المُسافَرَةُ بمالِه، وقَرْضُه لثِقَةٍ أمِينٍ أوْلَى مِن إيداعِه؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ لا تُضْمَنُ إذا تَلِفَتْ، فإنْ لم يَجِدْ مَن يَسْتَقْرِضُه على هذه الصِّفَةِ، فله إيداعُه؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ. ولو أوْدَعَه مع إمكانِ قَرْضِه، جازَ، ولا ضمانَ عليه، فإنَّه رُبَّما رَأى الإِيداعَ أحَظَّ له مِنَ القَرْضِ، فلا يكونُ مُفَرِّطًا. وكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: له قَرْضُه. فلا يجوزُ إلَّا لمَلِىءٍ أمِينٍ، ليَأْمَنَ جُحُودَه، وتَعَذُّرَ الإِيفاءِ، ويَنْبَغِى أنْ يَأْخُذَ رَهْنًا إنْ أمْكَنَه، وإنْ تَعَذَّرَ عليه أخْذُ الرَّهْنِ، جازَ تَرْكُه، فى ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ الظّاهِرَ مِمَّن يَسْتَقْرِضُه مِن أجلِ حَظِّ اليَتِيمِ، أنَّه لا يَبْذُلُ رَهْنًا، فاشْتِراطُ الرَّهْنِ يُفَوِّتُ هذا الحَظَّ. وقال أبو الخَطَّابِ: يُقْرِضُه إذا أخَذَ بالقَرْضِ (٢٥) رَهْنًا. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُقْرِضُه إلَّا برَهْنٍ؛ لأنَّ فيه احْتِياطًا للمالِ، وحِفْظًا له عن الجَحْدِ، والمَطْلِ. وإنْ أمْكَنَه أخْذُ الرَّهْنِ، فالأوْلَى له أخْذُه، احْتِياطًا على المالِ، وحِفْظًا له، فإنْ تَرَكَه احْتَمَلَ أنْ يَضْمَنَ إنْ ضاعَ المالُ؛ لتَفْرِيطِه، واحْتَمَلَ أنْ لا يَضْمَنَ؛ لأنَّ الظّاهِرَ سَلامَتُه. وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لكَوْنِه لم يَذْكُرِ الرَّهْنَ.
فصل: قال أبو بكرٍ: وهل يجوزُ للوَصِيِّ أنْ يَسْتَنِيبَ فيما يَتَوَلَّى مِثْلَه بنَفْسِه؟ على روايَتَيْنِ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ بالإذْنِ فى مالِ غيرِه، فأشْبَهَ الوَكِيلَ: وقال القاضى: يجُوزُ ذلك للوَصِيِّ، وفى الوَكِيلِ روايتانِ. وفَرَّقَ بينَهما بأنَّ الوَكِيلَ يُمْكِنُه الاسْتِئْذَانُ، والوَصِيُّ بخِلافِه.
стр. 2956
فصل: وإذا [ادَّعَى الوَلِيُّ الإنْفاقَ على الصَّبِيِّ، أو على مالِه، أو عَقارِه، بالمَعْرُوفِ مِن مالِه، أو] (٢٦) ادَّعَى أنَّه باعَ عقارَه لحَظِّهِ، أو بِناءً لمَصْلَحتِه، أو (٢٧) أنَّه تَلِفَ، قُبِلَ قولُه. وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: لا يُمْضِى الحاكِمُ بَيْعَ الأمِينِ والوَصِيِّ حتَّى يَثْبُتَ عندَه الحَظُّ ببَيِّنَةٍ، ولا يَقْبَلُ قَوْلَهما فى ذلك، ويَقْبَلُ قَوْلَ الأبِ والجَدِّ. ولَنا، أنَّ مَن جازَ له بَيْعُ العَقارِ، وشِراؤُه لليَتِيمِ، يَجِبُ أنْ يُقْبَلَ قولُه فى الحَظِّ، كالأبِ والجَدِّ. ولأنَّه يُقْبَلُ قولُه فى عَدَمِ التَّفْرِيطِ فيما تَصَرَّفَ فيه مِن غيرِ العَقارِ، فيُقْبَلُ قولُه فى العقارِ، كالأبِ. وإذا بَلَغَ الصَّبِيُّ، فادَّعَى أنَّه لا حَظَّ له فى البَيْعِ، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنَةٍ، فإنْ لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُ الوَلِيِّ مع يَمِينِه. وإنْ قال الوَلِيُّ: أنْفَقْتُ عليكَ مُنْذُ ثلاث سِنِينَ. وقال الغُلامُ: ما ماتَ أبى إلَّا منذُ سَنَتَيْنِ. فالقولُ قولُ الغُلامِ. ذَكَرَه القاضى؛ لأنَّ الأصلَ حياةُ والدِه، واخْتلافُهما فى أمْرٍ ليس الوَصِيُّ أمِينًا فيه، فكان القولُ قولَ مَن يُوافِقُ قَوْلُه الأصلَ.
فصل: قال أحمدُ: يجوزُ للوَصِيِّ البَيْعُ على الغائِبِ البالِغِ، إذا كان مِن طَرِيقِ النَّظَرِ. وقال أصحابُنا: يَجُوزُ للوَصِيِّ البَيْعُ على الصِّغارِ والكِبارِ، إذا كانت حُقُوقُهم مُشْتَرَكَةً فى عَقارٍ فى قَسْمِه إضرارٌ، وبالصِّغَارِ حاجَةً إلى البَيْعِ، إمَّا لقَضاءِ دَيْنٍ، أو مُؤْنَةٍ لهم. وقال أبو حنيفةَ، وابنُ أبى لَيْلَى: يجوزُ البَيْعُ، على الصِّغارِ والكِبارِ فيما لابُدَّ منه. ولعلَّهما أرادا هذه الصُّورَةَ؛ لأنَّ فى ذلك نَظَرًا للصِّغارِ، واحْتِياطًا للمَيِّتِ فى قضاءِ دَيْنِه. وقال الشّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ بَيْعُه على الكِبارِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ فى مالِ غيرِه مِن غيرِ وَكالَةٍ، ولا وِلَايةٍ، فلم يَصِحَّ، كبيعِ مالِه المُفْرَدِ، أو ما لا تَضُرُّ قِسْمَتُه. وهذا هو الصَّحِيحُ، وما ذَكَرُوه لا أصلَ له يُقاسُ عليه، ويُعارِضُه أنَّ فيه ضَرَرًا على الكِبارِ، ببَيْعِ ما لهم بغيرِ إذْنِهم. ولأنَّه لا يجُوزُ له بَيْعُ غيرِ العَقارِ، فلم يَجُزْ له بَيْعُ العقارِ، كالأجْنَبِيِّ.
стр. 2957
فصل: ويَصِحُّ تَصَرُّفُ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ بالبَيْعِ والشِّراءِ، فيما أذِنَ له الوَلِيُّ فيه. فى إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. والثَّانيةُ، لا يَصِحُّ حتى يَبْلُغَ. وهو قولُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ غيرَ المُمَيِّزِ. ولأنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الوُقُوفُ مِنه على الحَدِّ الذى يَصْلُحُ بِه التَّصَرُّفُ؛ لخَفَائِه، وتَزايُدِه تَزَايُدًا خَفِيَّ التَّدْرِيجِ، فجَعَلَ الشّارِعُ له ضابِطًا، وهو البُلُوغُ، فلا يَثْبُتُ له أحكامُ العُقَلاءِ قَبْلَ وُجُودِ المَظِنَّةِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢٨). ومعناه؛ اخْتَبِرُوهم لتَعْلَمُوا رُشْدَهم. وإنّما يَتَحَقَّقُ اخْتِيارُهم بتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ إليهم مِن البَيْعِ والشِّراءِ؛ لِيُعْلَمَ هل يُغْبَنُ أوْ لا. ولأنَّه عاقِلٌ مُمَيِّزٌ، مَحْجُورٌ عليه، فصَحَّ تَصَرُّفُه بإِذْنِ وَلِيِّه، كالعَبْدِ. وفارَقَ غيرَ المُمَيِّز، فإنَّه لا تَحْصُلُ المَصْلَحَةُ بتَصَرُّفِه؛ لعَدَمِ تَمْيِيزِه ومَعْرِفَتِه، ولا حاجَةَ إلى اخْتِيارِه؛ لأنه قد عُلِمَ حالُه. وقَوْلُهم: إنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الاطِّلَاعُ عليه. قُلْنا: يُعْلَمُ ذلك بآثارِ وجَرَيانِ تَصَرُّفَاتِه على وَفْقِ المَصْلَحَةِ، كما يُعْلَمُ فى حَقِّ البالِغِ، فإنَّ مَعْرِفَةَ رُشْدِه، شَرْطُ دَفْعِ مالِه إليه، وصِحَّةِ تَصَرُّفِه، كذا هاهُنا. فأمَّا إنْ تَصَرَّفَ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه. ويَحْتَمِلُ أنْ يَصِحَّ، ويَقِفَ على إجازَةِ الوَلِىِّ. وهو قولُ أبى حَنيِفَةَ. ومَبْنَى ذلك على ما إذا تَصَرَّفَ فى مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، وقد ذَكَرْناها فيما مَضَى. وأمَّا غيرُ المُمَيِّزِ، فلا يَصِحُّ تَصَرُّفُه، وإن أذِنَ له الوَلِىُّ فيه، إلَّا فى الشىءِ اليَسِيرِ، كما رُوِىَ عن أبى الدَّرْدَاء، أنَّه اشْتَرَى مِن صَبِيٍّ عُصْفُورًا، فأرْسَلَه. ذَكَرَه ابنُ أبى موسى.
٧٦٩ - مسألة؛ قال: (وَمَا اسْتَدَانَ العَبْدُ، فهو فى رَقَبَتِه يَفْدِيهِ سَيِّدُه، أو يُسَلِّمُه، فإن جَاوَزَ ما اسْتدَانَ قِيمَتَه، لم يَكُنْ عَلَى سَيِّدِه أكْثَرُ من قِيمَتِهِ، إلَّا أنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِى التِّجَارَةِ، فَيَلْزَمُ مَوْلَاهُ جَمِيعُ ما اسْتدَانَ)
فى هذه المسألةِ أرْبَعَةُ فُصُولٍ:
стр. 2958
أحدُها ، فى اسْتِدانَةِ العَبْدِ، يَعْنِى أخْذَه بالدَّيْنِ، يقال: أدانَ واسْتَدانَ وتَدَيَّنَ. قال الشَّاعِرُ:
يُؤنِّبُنِى فى الدَّيْنِ قَوْمِى، وإنَّما ... تَدَيَّنْتُ فِيما سَوْفَ يُكْسِبُهم حَمْدَا (١)
والعَبِيدُ قِسْمانِ، مَحْجُورٌ عليه، فما لَزِمَه من الدَّيْنِ بغيرِ رِضَى سَيِّدِه، مثلُ أن يَقْتَرِضَ، أو يَشْتَرِى شَيْئًا فى ذِمَّتِه، ففيه رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِه. اخْتارَها الخِرَقِىُّ، وأبو بكرٍ؛ لأنَّه دَيْنٌ لَزِمَه بغيرِ إذْنِ سَيِّدهِ، فتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِه، كأرْشِ جِنايَتِه. والثانية، يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِه يَتْبَعُه الغَرِيمُ به إذا أعْتَقَ وأيْسَرَ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ فى ذِمَّتِه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه. فتَعَلَّقَ بِذِمَّتِه، كَعِوَضِ الخُلْعِ من الأمَةِ، وكَالحُرِّ. القسم الثاني، المَأْذُونُ له فى التَّصَرُّفِ، أو فى الاسْتِدانَةِ، فما يَلْزَمُه من الدَّيْنِ هل (٢) يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ، [أو بِرَقَبَتِه؟ على رِوايَتَيْنِ] (٣). وقال مالِكٌ، والشَّافِعِيُّ: إن كان فى يَدِه مالٌ، قُضِيَتْ دُيُونُه منه، وإن لم يكنْ فى يَدِه شَىءٌ، تَعَلَّقَ بِذِمَّتِه، يُتْبَعُ به إذا عَتَقَ وأيْسَرَ؛ لأنَّه دَيْنٌ ثَبَتَ بِرِضَى مَن له الدَّيْنُ، أشْبَهَ غيرَ المَأْذُونِ له، فوَجَبَ أن لا يَتَعَلَّقَ بِرَقَبتِه، كما لو اسْتَقْرَضَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه. وقال أبو حنيفةَ: يُباعُ إذا طالَبَ الغُرَماءُ بَيْعَه. وهذا معناه، أنَّه تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِه؛ لأنَّه دَيْنٌ ثَبَتَ بِرِضَى من له الدَّيْنُ، فيُباعُ فيه، كما لو رَهَنَه. ولَنا، أنَّه إذا أذِنَ له فى التِّجارَةِ، فقد أغْرَى النّاسَ بمُعامَلَتِه، وأذِنَ فيها، فصارَ ضامِنًا، كما لو قال لهم: دايِنُوهُ، أو أذِنَ فى اسْتِدانَةٍ، تَزِيدُ على قِيمَتِه، ولا فَرْقَ بين الدَّيْنِ الذى لَزِمَه فى التِّجَارَةِ المَأْذُون فيها، أو فيما لم يُؤْذَنْ له (٤) فيه، مثلُ أن أذِنَ له فى التِّجارَةِ فى البَزِّ، فَاتَّجَرَ فى غيرِه، فإنَّه لا يَنْفَكُّ عن التَّغْرِيرِ، إذ يَظُنُّ الناسُ أنَّه مَأذُونٌ له فى ذلك أيضًا.
стр. 2959
الفصل الثاني ، فيما لَزِمَه من الدَّيْنِ من أُرُوشِ جِناياتِه، أو قِيَمِ مُتْلَفاتِه، فهذا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ العَبْدِ، على كلِّ حالٍ، مَأْذُونًا، أو غيرَ مَأْذُونٍ، رِوايَةً واحِدَةً، وبه يقول أبو حنيفةَ والشَّافِعِىُّ. وكلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِه فإنَّ السَّيِّدَ يَتَخَيَّرُ بين تَسْلِيمِه لِلْبَيْعِ وبين فِدائِه، فإن سَلَّمَهُ فَبِيعَ، وكان ثَمَنُهُ أقَلَّ من أرْشِ جِنايَتِه، فليس لِلْمَجْنِيِّ عليه إلَّا ذلك؛ لأنَّ العَبْدَ هو الجانِى، فلا يَجِبُ على غيرِه شىءٌ. وإن كان ثَمَنُه أكْثَرَ، فالفَضْلُ لِسَيِّدِه. وذَكَرَ القاضى أنَّ ظاهِرَ كَلامِ أحمدَ، أنَّ السَّيِّدَ لا يَرْجِعُ بالفَضْلِ. ولَعَلَّه يَذْهَبُ إلى أنَّه دَفَعَه إليه عِوَضًا عن الجِنايَةِ، فلم يَبْقَ لِسَّيِّدِه فيه شىءٌ، كما لو مَلَّكَه إيَّاه عِوَضًا عن الجِنايَةِ. وهذا ليس بِصَحِيحٍ. فإنَّ المَجْنِي عليه لا يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ من قَدْرِ أرْشِ الجِنايَةِ عليه، كما لو جَنَى عليه حُرٌّ، والجَانِى لا يَجِبُ عليه أكْثَرُ من قَدْرِ جِنايَتِه، ولأنَّ الحَقَّ تَعَلَّقَ بِعَيْنِه، فكان الفَضْلُ من ثَمَنِه لِسَيِّدِه، كالرَّهْنِ. ولا يَصِحُّ قولُهم: إنَّه دَفَعَه عِوَضًا. لأنَّه لو كان عِوَضًا، لمَلَكَه المَجْنِىُّ عليه، ولم يُبَعْ فى الجِنايَةِ، وإنَّما دَفَعَه ليُباعَ، فيُؤْخَذَ منه عِوَضُ الجِنايَةِ، ويُرَدَّ إليه الباقِى، ولذلك لو أتْلَفَ دِرْهَمًا، لم يَبْطُلْ حَقُّ سَيِّدِه منه بذلك؛ لِعَجْزِه عن أداءِ الدِّرْهَمِ مِن غيرِ ثَمَنِه. وإن اخْتارَ السَّيِّدُ فِداءَه لَزِمَه أقَلُّ الأمْرَيْنِ؛ من قِيمَتِه، أو أَرْشِ جِنايَتِه؛ لأنَّ أَرْشَ الجِنايَةِ إن كان أَكْثَرَ، فلا يَتَعَلَّقُ بغير العَبْدِ الجانِى؛ لِعَدَمِ الجِنايَةِ من غيرِه، وإنَّما تَجِبُ قِيمَتُه، وإن كان أقَلَّ، فلم يَجِبْ بالجِنايَةِ إلَّا هُو. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَلْزَمُه أَرْشُ جِنايَتِه، بالِغًا ما بَلَغَ؛ لأنَّه يجوزُ أن يَرْغَبَ فيه راغِبٌ، فيَشْتَرِيَه بأكْثَرَ من ثَمَنِه، فإذا مَنَعَ بَيعَه لَزِمَه جَمِيعُ الأرْشِ، لِتَفْوِيتِه ذلك. ولِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كالرِّوايَتَيْنِ.
الفصلُ الثالث ، فى تَصَرُّفاتِه؛ أمَّا غيرُ المَأذُونِ، فلا يَصِحُّ بَيْعُه، ولا شِراؤُه بعَيْنِ المالِ، لأنَّه تَصَرُّفٌ من المَحْجُورِ فيما (٥) حُجِرَ عليه فيه، فأشْبَه المُفْلِسَ.
стр. 2960
ولأنَّه تَصَرُّفٌ فى مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فهو كتَصَرُّفِ الفُضُولِىِّ. ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ ويَقِفَ على إِجازَةِ السَّيِّدِ كذلك. وأمَّا شِراؤُه بِثَمَنٍ فى ذِمَّتِه واقْتِراضُه، فيَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه، أشْبَه السَّفِيهَ، ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ الحَجْرَ لِحَقِّ غيرِه، أشْبَهَ المُفْلِسَ والمَرِيضَ. ويَتَفَرَّعُ عن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، أنَّ التَّصَرُّفَ وإن كان فاسِدًا، فَلِلْبائِع والمُقْرِضِ أخْذُ مالِه، إن كان باقِيًا، سَواءٌ كان فى يَدِ العَبْدِ أو السَّيِّدِ، وإن كان تالِفًا، فَلَه قِيمَتُه أو مِثْلُه، إن كان مِثْلِيًّا، فإن تَلِفَ فى يَدِ السَّيِّدِ رَجَعَ بذلك عليه؛ لأنَّ عَيْنَ مالِه تَلِفَ فى يَدِه، وإن شاءَ كان ذلك مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَةِ العَبْدِ؛ لأنَّه الذى أخَذَه منه، وإن تَلِفَ فى يَدِ العَبْدِ، فالرُّجُوعُ عليه. وهل يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِه، أو ذِمَّتِه؟ على رِوايَتَيْنِ. وإن قُلْنا: التَّصَرُّفُ صَحِيحٌ. والمَبِيعُ فى يَدِ العَبْدِ، فَلِلْبائِعِ فَسْخُ البَيْعِ، ولِلمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فيما أقْرَضَ؛ لأنَّه قد تَحَقَّقَ إعْسارُ (٦) المُشْتَرِى والمُقْتَرِضِ، فهو أسْوَأُ حالًا من الحُرِّ المُعْسِرِ. وإن كان السَّيِّدُ قد انْتَزَعَه من يَدِ العَبْدِ، مَلَكَه بذلك، ولَه ذلك؛ لأنَّه أخَذَ من عَبْدِه مالًا فى يَدِه، بِحَقٍّ، فهو كالصَّيْدِ. فإذا مَلَكَه السَّيِّدُ، كان كهَلاكِه فى يَدِ العَبْدِ، ولا يَمْلِكُ البائِعُ والمُقْرِضُ انْتِزاعَه من السَّيِّدِ، بحالٍ. وإن كان قد تَلِفَ، اسْتَقَرَّ ثَمَنُه فى رَقَبَةِ العَبْدِ أو فى ذِمَّتِه، سَواءٌ تَلِفَ فى يَدِ العَبْدِ أو السَّيِّدِ. وأمَّا العَبْدُ المَأْذُونُ له، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُه في قَدْرِ ما أُذِنَ له فيه. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، ولا يَصِحُّ فيما زادَ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الشَّافِعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا أذِنَ له فى نَوْعٍ، انْفَكَّ الحَجْرُ عنه، وجازَ له التَّصَرُّفُ مُطْلَقًا؛ لأنَّ الحَجْرَ لا يَتَجَزَّأُ، فإذا زالَ بعضُه، زالَ كلُّه. ولَنا، أنَّه مُتَصَرِّفٌ بالإذْنِ، فاخْتَصَّ تَصَرُّفُه بِمَحَلِّ الإِذْنِ، كالوَكِيلِ، وقولُهم: إنَّ الحَجْرَ لا يَتَجَزَّأُ. لا يَصِحُّ، فإنَّه لو صَرَّحَ بالإِذْنِ له فى بَيْعِ عَيْنٍ، ونَهْيِهِ عن بَيْعِ أُخْرَى، صَحَّ. وكذلك فى الشِّراءِ، كالوَكِيلِ. وإن أذِنَ له السَّيِّدُ فى ضَمانٍ، أو كَفالَةٍ، فَفَعَلَ، صَحَّ. وهل يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ، أو رَقَبَةِ العَبْدِ؟
стр. 2961
على وَجْهَيْنِ. وإن رَأَى السَّيِّدُ عَبْدَه يَتَّجِرُ، فلم يَنْهَه، لم يَصِرْ بذلك مَأْذُونًا له.
الفصلُ الرابع ، فى تَصَرُّفاتِه، إن كان مَأْذُونًا له فى التِّجارَةِ، قُبِلَ إقْرارُه فى قَدْرِ ما أُذِنَ له، ولم يُقْبَلْ فيما زادَ. ولا يُقْبَلُ إقْرارُ غيرِ المَأْذُونِ له بالمالِ. فإن أقَرَّ بِعَيْنٍ فى يَدِه أو دَيْنٍ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِه، لم يُقْبَلْ على سَيِّدِه، لأنَّه يُقِرُّ بِحَقٍّ على غيرِه، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقَرَّ أنَّ سَيِّدَه باعَه، ويَثْبُتُ فى ذِمَّتِه يُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ. وإن أقَرَّ بجِنايَتِه، اسْتَوَى فى ذلك الماذُونُ له وغيرُه. ويَنْقَسِمُ ذلك أقْسَامًا أرْبَعَةً؛ أحدها، جِنايَةٌ مُوجِبُها المالُ، كإتْلافِه، أو جِنَايَةُ خَطَإٍ، أو شِبْهِ عَمْدٍ، أو جِنايَةُ عَمْدٍ فيما لا قِصاصَ فيه، كالجائِفَةِ، ونحوِها، فلا يُقْبَلُ إقْرارُه بها؛ لأنَّه إقْرارٌ بالمالِ، فلم يُقْبَل، كما لو أقَرَّ بِدَراهِمَ، أو دَنانيِرَ. القسم الثانى، جِنايَةٌ مُوجِبُها حَدٌّ سِوَى السَّرِقَةِ، أو قِصاصٌ فيما دونَ النَّفْسِ، فَيُقْبَلُ إقْرارُه بذلك. وبه قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ. وقال زُفَرُ، وداوُدُ، والمُزَنِيُّ، وابنُ (٧) جَرِيرٍ: لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه يَسْقُطُ به حَقُّ السَّيِّدِ، فلا يُقْبل، كالإقْرارِ بِجِنايَةِ الخَطَإِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ بإقْرارِه بِالسَّرِقَةِ، وجَلَدَ عَبْدًا أقَرَّ عنده بالزِّنَا نِصْفَ الحَدِّ. ولا مُخالِفَ له فى الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا. ولأنَّ ما لا يُقْبَلُ إقْرارُ السَّيِّدِ فيه على العَبْدِ، يُقْبَلُ فيه إقْرارُ العَبْدِ، كالطَّلاقِ. ولأنَّ العَبْدَ غيرُ مُتَّهَمٍ فيه؛ لأنَّ ضَرَرَه به أخَصُّ، وهو بألَمِهِ أمَسُّ، فَقُبِلَ إقْرارُه، كما لو أقَرَّتْ به الزَّوْجَةُ. وخُرِّجَ على هذين المَعْنَيَيْنِ جِنَايَةُ الخَطإِ؛ فإنَّ إقْرارَ السَّيِّدِ بها مَقْبُولٌ، ولا يَتَضَرَّرُ العَبْدُ بها. القسم الثالث، إقْرارُه بالسَّرِقَةِ، يُقْبَلُ فى الحَدِّ، فَيُقْطَعُ، ولا يُقْبَلُ فى المالِ، سَواءٌ كانت العَيْنُ تالِفَةً، أو باقِيَةً فى يَدِ السَّيِّدِ، أو فى يَدِ العَبدِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْطَعَ إذا أقَرَّ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ مَوْجُودَةٍ فى يَدِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ العَيْنَ مَحْكُومٌ بها لِسَيِّدِه، فلا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ لِسَيِّدهِ، ولأنَّ المُطالَبَةَ بالمَسْرُوقِ شَرْطٌ فى القَطْعِ،
стр. 2962
وهذه لا يَمْلِكُ غيرُ السَّيِّدِ المُطالَبَةَ بها، ولأنَّ هذا شُبْهَةٌ، والحُدُودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ. ولَنا، خَبَرُ عَلِيٍّ رَضِىَ اللَّه عنه، ولأنَّه مُقِرٌّ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ تَبْلُغُ نِصابًا، فوَجَبَ قَطْعُه، كما لو أقَرَّ حُرٌّ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ في يَدِ غيرِه، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بهذه الصُّورَةِ، وإنَّما لم تُرَدَّ العَيْنُ إلى المَسْرُوقِ منه لِحَقِّ السَّيِّدِ، وأمَّا في حَقِّ العَبْدِ، فقد يَثْبُتُ لِلْمُقِرِّ له، ولهذا لو عَتَقَ وعادَتِ العَيْنُ إلى يَدِه، لَزِمَه رَدُّها إلى المُقِرِّ له. القسم الرابع، الإِقْرارُ بما يُوجِبُ القِصاصَ في النَّفْسِ. فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه لا يُقْبَلُ. وعُمُومُ قولِ الخِرَقِيِّ، إنْ أقَرَّ المَحْجُورُ عليه بما يُوجِبُ حَدًّا، أو قِصاصًا، أو طَلَّقَ زَوْجَتَه، لَزِمَه ذلك. يَقْتَضِى قَبُولَ إقْرارِه، وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالِكٍ، والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه أقَرَّ بما يُوجِبُ قِصاصًا، فَقُبِلَ، كإقْرارِه بِقَطْعِ اليَدِ، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فَقُبِلَ إقْرارُه به، كالآخَرِ، ولأنَّه لا يُقْبَلُ إقْرارُ سَيِّدِه عليه به، فَقُبِلَ إقْرارُه به، كالحَدِّ. واحْتَجَّ أصْحابُنا، بأنَّ مُقْتَضَى القِياسِ أن لا يُقْبَلَ إقْرارُه بالقِصاصِ أصْلًا؛ لأنَّه إقْرارٌ على مالِ سَيِّدهِ، ولأنَّه مُتَّهَمٌ، إذ يَحْتَمِلُ أن يكونَ عن مُواطأَةٍ بينهما، لِيَعْفُوَ على مالٍ، فَيَسْتَحِقَّ رَقَبَةَ العَبْدِ، ولذلك لم تَحْمِلِ العاقِلَةُ اعْتِرافًا، فتَرَكْنا مُوجِبَ القِياسِ؛ لِخَبَرِ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّه عنه، ففيما عَداه يَبْقَى على مُوجِبِ القِياسِ. ويُفارِقُ القِصاصُ في النَّفْسِ القِصاصَ في الطَّرَفِ؛ لأنَّه قد يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ التَّخَلُّصَ من سَيِّدهِ، ولو بِفَواتِ نَفْسِه. وكلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنا بِقَبُولِ إقْرارِه بالقِصاصِ، فَحُكْمُه حُكْمُ الثَّابِتِ بالبَيِّنَةِ، فَلِوَلِيِّ الجِنايَةِ العَفْوُ، والاسْتِيفاءُ، والعَفْوُ على مالٍ، فإن عَفَا، تَعَلَّقَ الأَرْشُ بِرَقَبَةِ العَبْدِ، على ما مَرَّ بَيانُه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ العَفْوَ على مالٍ؛ لِئَلَّا يَتَّخِذَ ذلك وَسِيلَةً إلى الإِقْرارِ بمالٍ.
٧٧٠ - مسألة؛ قال: (وَبيْعُ الْكَلْبِ بَاطِلٌ، وإنْ كانَ مُعَلَّمًا)
لا يَخْتَلِفُ المذهبُ في أنَّ بَيْعَ الكَلْبِ باطِلٌ، أىَّ كَلْبٍ كان. وبه قال الحَسَنُ، ورَبِيعَةُ، وحَمَّادٌ، والأوْزاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وداودُ. وكَرِه أبو هريرةَ ثَمَنَ الكَلْبِ. ورَخَّصَ في ثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ خاصَّةً جابِرُ بنُ عبد اللَّه، وعَطاءٌ،
стр. 2963
والنَّخَعِيُّ. وجَوَّزَ أبو حنيفةَ بَيْعَ الكِلابِ كلِّها، وأَخْذَ ثَمَنِها، وعنه رِوايةٌ في الكَلْبِ العَقُورِ، أنَّه لا يجوزُ بَيْعُه. واخْتَلَفَ أصحابُ مالِكٍ، فمنهم مَن قال: لا يجوزُ. ومنهم من قال: الكَلْبُ المَأْذُونُ في إمْساكِه، يجوزُ بَيْعُه، ويُكْرَه. واحْتَجَّ مَن أجازَ بَيْعَهُ بما رُوِىَ عن جابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن ثَمَنِ الكَلْبِ والسِّنَّوْرِ، إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ (١). ولأنَّه يُباحُ الانْتِفاعُ به، ويَصِحُّ نَقْلُ اليَدِ فيه، والوَصِيَّةُ به، فصَحَّ بَيْعُه، كالحِمارِ. ولَنا، ما رَوَى أبو مَسْعُودٍ الأنْصارِىُّ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن ثَمَنِ الكَلْبِ، ومَهْرِ البَغِيِّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ (٢). وعن رافِعِ بن خديجٍ قال، قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ، وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ". مُتَّفَقٌ عليهما (٣). ورُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ
стр. 2964
عن ثَمَنِ الكَلْبِ، فإن جَاءَ يَطْلُبُه فامْلَأُوا كَفَّهُ تُرَابًا. رواهُ أبو داودَ (٤). ولأنَّه حَيَوانٌ نُهِىَ عن اقْتِنائِه في غيرِ حالِ الحاجَةِ إليه، أشْبَهَ الخِنْزِيرَ، أو حَيَوانٌ نَجِسُ العَيْنِ، أشْبَه الخِنْزِيرَ. فأمَّا حَدِيثُهُم، فقال أحمدُ: هذا من الحَسَنِ بن أبي جَعْفَرٍ، وهو ضَعِيفٌ. وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّه مَوْقُوفٌ على جَابِرٍ. وقال التِّرْمِذِيُّ: لا يَصحُّ إسْنادُ هذا الحَدِيث. وقد رُوِىَ عن أبى هريرَةَ (٥)، ولا يَصِحُّ أيضًا. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ، ولا كَلْبَ صَيْدٍ، وقد جاءَتِ اللُّغَةُ بمثْلِ ذلك، قال الشاعر:
وكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أخُوهُ ... لَعَمْرُ أبِيكَ إلَّا الفَرْقَدَانِ (٦)
أى والفَرْقَدانِ. ثم هذا الحَدِيثُ حُجَّةٌ على من أبَاحَ بَيْعَ غير كَلْبِ الصَّيْدِ.
فصل: ولا تجوزُ إجارَتُه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ بعض أصْحابِ الشَّافِعِيِّ. وقال بعضُهم: يجوزُ؛ لأنَّها مَنْفَعَةٌ مُباحَةٌ، فجَازَتِ المُعاوَضَةُ عنها، كنَفْعِ الحَمِيرِ. ولَنا، أنَّه حَيَوانٌ مُحَرَّمٌ بَيْعُه؛ لِخُبْثِه، فَحُرِّمَتْ إجارَتُه، كالخِنْزِيرِ. وقِياسُهُم يَنْتَقِضُ بِضِرابِ الفَحْلِ، فإنَّها مَنْفَعَةٌ مُباحَةٌ، ولا يجوزُ إجارَتُها، ولأنَّ إِباحَةَ الانْتِفاعِ لم تُبِحْ بَيْعَه، فكذلك إجارَتُه، ولأنَّ مَنْفَعَتَه لا تُضْمَنُ في الغَصْبِ، فإنَّه لو غَصَبَه غاصِبٌ مُدَّةً، لم يَلْزَمْه لذلك عِوَضٌ، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنها في الإِجارَةِ، كَنَفْعِ الخِنْزِيرِ.
стр. 2965
فصل: وتَصِحُّ الوَصِيَّةُ بالكَلْبِ الذى يُباحُ اقْتِناؤُه؛ لأنَّها نَقْلٌ لِلْيَدِ فيه مِن غيرِ عِوَضٍ. وتَصِحُّ هِبَتُه؛ لذلك. وقال القاضِى: لا تَصِحُّ؛ لأنَّها تَمْلِيكٌ في الحَياةِ، أشْبَهَتِ البَيْعَ. والأوَّلُ أصَحُّ. ويُفارِقُ البَيْعَ؛ لأنَّه يُؤْخَذُ عِوَضُه، وهو مُحَرَّمٌ. ولأصْحابِ الشَّافِعيِّ وجْهانِ، كهذَيْنِ.
٧٧١ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ قَتَلَهُ وَهُوَ مُعَلَّمٌ، فَقَدْ أسَاءَ، ولَا غُرْمَ عَلَيْه)
أمَّا قَتْلُ المُعَلَّمِ فحَرامٌ، وفاعِلُه مُسِىءٌ ظالِمٌ، وكذلك كلُّ كَلْبٍ مُباحٍ إمْساكُه؛ لأنَّه مَحَلٌّ مُنْتَفَعٌ به يُباحُ اقْتِناؤُه، فَحَرُمَ إتْلافُه، كالشَّاةِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. ولا غُرْمَ على قاتِلِه. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال مالِكٌ وعَطاءٌ: عليه الغُرْمُ؛ لما ذَكَرْنا في تَحْرِيمِ إتْلافِه. ولَنا، أنَّه مَحَلٌّ يَحْرُمُ أخْذُ عِوَضِه لِخُبْثِه، فلم يَجِب غُرْمُه بإتْلافِه، كالخِنْزِيرِ، وإنَّما يَحْرُمُ إتْلافه؛ لما فيه من الإِضْرارِ. وقد نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن الضَّرَرِ والإِضْرارِ (١).
فصل: فأمَّا قَتْلُ ما لا يُباحُ إمْساكُه، فإنَّ الكَلْبَ الأسْوَدَ البَهِيمَ يُباحُ قَتْلُه؛ لأنَّه شَيْطانٌ. قال عبدُ اللهِ بنُ الصَّامِتِ: سَأَلْتُ أبا ذَرٍّ فقلتُ: ما بالُ الأسْوَدِ من الأَحْمَرِ من الأبْيَضِ؛ فقال: سَأَلْتُ رسولَ اللهِ ﷺ كما سَأَلْتَنى، فقال: "الكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ". رواهُ مُسْلِمٌ (٢)، وَرُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَوْلَا أنَّ الكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أسْوَدَ بَهِيمٍ" (٣). ويُباحُ
стр. 2966
قَتْلُ الكَلْبِ العَقْورِ؛ لما رَوَتْ عائشةُ رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ؛ الغُرَابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والفَأْرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ". مُتَّفَقٌ عليه (٤)، ويُقْتَلُ كلُّ واحدٍ من هذَيْن، وإن كان مُعَلَّمًا؛ لِلْخَبَرَيْنِ. وعلى قِياسِ الكَلْبِ العَقُورِ، كلُّ ما آذَى النَّاسَ، وضَرَّهُم في أَنْفُسِهم، وأمْوالِهم، يُباحُ قَتْلُه؛ لأنَّه يُؤْذِى بلا نَفْعٍ، أشْبَه الذِّئْبَ. وما لا مَضَرَّةَ فيه، لا يُبَاحُ قَتْلُه؛ لما ذَكَرْنا من الخَبَرِ. وَرُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه أمَرَ بِقَتْلِ الكِلَابِ، حَتَّى إنَّ المرْأَةَ تَقْدَمُ من البَادِيَةِ بِكَلْبِها فَنقْتُلُه، ثُمَّ نَهَى عن قَتْلِها، وقال: "عَلَيْكُمْ بالأسْوَدِ البَهِيمِ ذِى النُّقْطَتَيْنِ (٥)، فإنَّه شَيْطَانٌ". رواه مُسْلِمٌ (٦).
فصل: ولا يجوزُ اقْتِناءُ الكَلْبِ، إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ، أو كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أو حَرْثٍ؛ لما رُوِىَ عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أو مَاشِيَةٍ أو زَرْعٍ، نَقَصَ من أَجْرِهِ كلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ" (٧). وعن ابن عُمَرَ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقول: "مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أو مَاشِيَةٍ، فإنَّه يَنْقُصُ من أَجْرِهِ كلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ". قال سالِمٌ: وكان أبو هريرةَ يقول: أو كَلْبَ حَرْثٍ.
стр. 2967
مُتَّفَقٌ عليه (٨). وإن اقْتَناه لِحِفْظِ البُيُوتِ، لم يَجُزْ؛ لِلْخَبَرِ. ويَحْتَمِلُ الإباحَةَ. وهو قولُ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه في مَعْنَى الثَّلَاثَةِ، فيُقَاس عليها. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ قِياسَ غيرِ الثَّلَاثَةِ عليها، يُبِيحُ ما يَتَنَاوَلُ الخَبَرُ تَحْرِيمَه. قال القاضِى: وليس هو في مَعْناها، فقد يَحْتالُ اللِّصُّ لإخْراجِه بشىءٍ يُطْعِمُه إيَّاهُ، ثم يَسْرِقُ المَتاعَ. وأمَّا الذِّئْبُ، فلا يَحْتَمِلُ هذا في حَقِّهِ، ولأنَّ اقْتِناءَه في البُيُوتِ يُؤْذِي المارَّةَ، بِخِلافِ الصَّحْراءِ.
فصل: فأمَّا تَرْبِيَةُ الجَرْوِ الصَّغِيرِ لأحَدِ الأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، فيجوزُ في أقوَى الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه قَصَدَه لذلك، فيَأخُذُ حُكْمَه. كما يجوزُ بَيْعُ العَبْدِ الصَّغِيرِ، والجَحْشِ الصَّغِيرِ، الذى لا نَفْعَ فيه في الحالِ؛ لمآلِه إلى الانْتِفاعِ. ولأنَّه لو لم يتَّخِذ الصّغِيرَ، ما أمكنَ جَعْلُ الكَلْبِ لِلصَّيْدِ، إذ لا يَصِيرُ مُعَلَّمًا إلَّا بالتَّعْلِيمِ، ولا يُمكنُ تَعْلِيمُه إلَّا بِتَرْبِيَتِه، واقْتِنائِه مُدَّةً، يُعَلِّمُه فيها. قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ (٩). ولا يُوجَدُ كَلْبٌ مُعَلَّمٌ بغير تَعْلِيمٍ. والوجه الثاني، لا يجوزُ؛ لأنَّه ليس من الثَّلَاثَةِ.
فصل: ومن اقْتَنَى كَلْبًا لِلصَّيْدِ، ثم تَرَكَ الصَّيْدَ مُدَّةً، وهو يُرِيدُ العَوْدَ إليه،
стр. 2968
لم يَحْرُم اقْتِناؤُه في مُدَّةِ تَرْكِه؛ لأنَّ ذلك لا يُمكنُ التَّحَرُّزُ منه. وكذلك لو حَصَدَ صاحِبُ الزَّرْعِ زَرْعَه، أُبِيحَ له إمْساكُ الكَلْبِ، إلى أن يَزْرَعَ زَرْعًا آخَرَ. ولو هَلَكَتْ ماشِيَتُه، فأرادَ شِراءَ غيرِها، فَلَه إمْساكُ كَلْبِها؛ لِيَنْتَفِعَ به في التى يَشْتَرِيها. فأمَّا إن اقْتَنَى كَلْبَ الصَّيْدِ مَن لا يَصِيدُ به، احْتَمل الجَوَازَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَثْنَى كَلْبَ الصَّيْدِ مُطْلَقًا. واحْتَمل المَنْعَ؛ لأنَّه اقْتَناه لغير حاجَةٍ، أشْبَه غيرَه من الكِلابِ. ومَعْنَى كَلْبِ الصَّيْدِ، أيُّ كَلْبٍ يَصِيدُ به. وهكذا الاحْتِمَالَانِ في مَن اقْتَنَى كَلْبًا؛ لِيَحْفَظَ له حَرْثًا، أو ماشِيَةً، إن حَصَلَتْ، أو يَصِيدَ به إن احتاجَ إلى الصَّيْدِ، وليس له في الحالِ حَرْثٌ، ولا ماشِيَةٌ، يَحْتَمِلُ (١٠) الجَوَازَ؛ لِقَصْدِه ذلك، كما لو حَصَدَ الزَّرْعَ، وأرادَ أن يَزْرَعَ غيرَه.
فصل: ولا يجوزُ بَيْعُ الخِنْزِيرِ، ولا المَيْتَةِ، ولا الدَّمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على القولِ به. وأجْمَعُوا على تَحْرِيمِ المَيْتَةِ والخَمْرِ، وعلى أنَّ بَيْعَ الخِنْزِيرِ، وشِراءَه، حَرامٌ؛ وذلك لما رَوَى جابِرٌ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ وهو بِمَكَّةَ يقول: "إنَّ اللَّه ورَسُولَهُ حَرَّمَا بَيْعَ الخَمْرِ، والمَيْتَةِ، والخِنْزيرِ، والأَصْنَامِ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). ولا يَجُوزُ بَيْعُ ما لا مَنْفَعَةَ فيه، كالحَشَراتِ كلِّها، وسِباعِ البَهَائِمِ التى لا تَصْلُحُ لِلاصْطِيادِ، كالأسَدِ والذِّئْبِ، وما لا يُؤْكَلُ ولا يُصادُ بِه مِن الطَّيْرِ، كالرَّخَمِ، والحِدَأَةِ، والغُرابِ الأَبْقَعِ، وغُرابِ البَيْنِ وبَيْضِها، فكلُّ هذا لا يجوزُ بَيْعُه؛ لأنَّه لا نَفْعَ فيه، فأَخْذُ ثَمَنِه أَكْلُ مَالٍ بالبَاطِلِ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ السَّرْجِين (١٢) النَّجِسِ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ؛ لأنَّ أهْلَ الأمْصارِ يَتَبايَعُونَه لِزُرُوعِهِم من غير نَكِيرٍ، فكان إجْماعًا. ولَنا، أنَّه مُجْمَعٌ على نَجاستِه؛ فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالمَيْتَةِ. وما ذَكَرُوه فليس بِإِجْماعٍ، فإنَّ الإجْماعَ اتِّفاقُ أهْلِ العِلْمِ، ولم يُوجَدْ، ولأنَّه رَجِيعٌ نَجِسٌ،
стр. 2969
فلم يَجُزْ بَيْعُه، كرَجِيعِ الآدَمِىِّ.
فصل: ولا يجوزُ بَيْعُ الحُرِّ، ولا ما ليس بِمَمْلُوكٍ، كالمُباحاتِ قبلَ حِيازَتِها وَمِلْكِها. ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "قَالَ اللهُ : ثَلَاثَةٌ أنا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ رَجُلٌ أعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ بَاعَ حُرًّا، فأكَلَ ثَمَنَهُ، ورَجُلٌ اسْتَأْجَر أجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أجْرَهُ". رَواه البُخارِيُّ (١٣).
٧٧٢ - مسألة؛ قال: (وبَيْعُ الفَهْدِ، والصَّقْرِ المُعَلَّمِ، جَائِزٌ، وكَذَلِك بَيْعُ الهِرِّ، وكلِّ مَا فِيهِ المَنْفَعَةُ)
وجُمْلةُ ذلك، أنَّ كلَّ مَمْلُوكٍ أُبِيحَ الانْتِفاعُ به، يجوزُ بَيْعُه، إلَّا ما اسْتَثْناه الشَّرْعُ، مِن الكَلْبِ، وأُمِّ الوَلَدِ، والوَقْفِ. وفي المُدَبَّرِ، والمُكاتَبِ، والزَّيْتِ النَّجِسِ اخْتِلافٌ، نَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاءَ اللهُ تَعالَى؛ لأنَّ المِلْكَ سَبَبٌ (١) لإِطْلاقِ التَّصَرُّفِ، والمَنْفَعَةُ المُباحَةُ يُباحُ له اسْتِيفاؤُها، فجَازَ له أخْذُ عِوَضِها، وأُبِيحَ لغيرِه بَذْلُ مالِه فيها، تَوَصُّلًا إليها، ودَفْعًا لِحاجَتِه بها، كسائِرِ ما أُبِيحَ بَيْعُه، وسواءٌ في هذا ما كان طاهِرًا، كالثِّيابِ، والعَقارِ، وبَهِيمَةِ الأنْعامِ، والخَيْلِ، والصَّيُودِ (٢)، أو مُخْتَلَفًا في نَجاسَتِه، كالبَغْلِ، والحِمارِ، وسِباعِ البَهائِمِ، وجَوارِحِ الطَّيْرِ، التى تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، كالفَهْدِ، والصَّقْرِ، والبازِي، والشَّاهِين، والعُقابِ، والطَّيْرِ المَقْصُودِ صَوْتُه، كالهَزَارِ، والبُلْبُلِ، والبَبْغَاءِ، وأشْباهِ ذلك، فكلُّه يجوزُ بَيْعُه. وبهذا قال الشَّافِعِيِّ. وقال أبو بكرٍ عبدُ العَزِيزِ، وابن أبي موسَى:
стр. 2970
لا يجوزُ بَيْعُ الفَهْدِ، والصَّقْرِ، ونحوِهما؛ لأنَّها نَجِسَةٌ، فَلَم يَجُزْ بَيْعُها، كالكَلْبِ. ولَنا، أنَّه حَيَوانٌ أُبِيحَ اقْتِناؤُه، وفيه نَفْعٌ مُباحٌ، من غيرِ وَعيدٍ في حَبْسِه، فأُبِيحَ بَيْعُه (٣) كالبَغْلِ، وما ذَكَراه يَبْطُلُ بالبَغْلِ، والحِمارِ، فإنَّه لا خِلافَ في إباحَةِ بَيْعِها، وحُكْمُها حُكْمُ سِباعِ البَهائِمِ في الطَّهارَةِ، والنَّجاسَةِ، وإباحَةِ الاقْتِناءِ، والانتِفاعِ. وأمَّا الكَلْبُ فإنَّ الشَّرْعَ تَوَعَّدَ على اقْتِنائِه وحَرَّمَه، إلَّا في حال الحاجَةِ، فصارَتْ إباحَتُه ثابِتَةً، بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، بِخِلافِ غيرِه، ولأنَّ الأصْلَ الإباحَةُ؛ بِدَلِيلِ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٤). ولما ذَكَرْنا من المَعْنَى خَرَجَ منه ما اسْتَثْناه الشَّرْعُ؛ لِمَعانٍ غيرِ مَوْجُودَةٍ في هذا، فبَقِىَ على أصْلِ الإباحَةِ. وأمَّا الهِرُّ، فقال الخِرَقِيُّ: يجوزُ بَيْعُها. وبه قال ابنُ عَبّاسٍ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ أنَّه كَرِهَ ثَمَنَها. وَرُوِىَ ذلك عن أبي هريرةَ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ. واخْتارَه أبو بكرٍ؛ لما رَوَى مُسْلِمٌ (٥) عن جابِرٍ، أنَّه سُئِلَ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ، فقال: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. وفي لَفْظٍ رواهُ أبو داودَ عن جابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وفي إسْنادِهِ اضْطِرابٌ. ولَنا، ما ذَكَرْنا فيما يُصادُ به مِن السِّباعِ، ويُحْمَلُ الحَدِيثُ على غيرِ المَمْلُوكِ منها، أو ما لا نَفْعَ فيه منها؛ بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنا، ولأنَّ البَيْعَ شُرِعَ طَرِيقًا لِلتَّوَصُّلِ إلى قَضاءِ الحاجَةِ، واسْتِيفاءِ المَنْفعَةِ المُباحَةِ؛ لِيَصِلَ كلُّ واحِدٍ إلى الانْتِفاعِ بما في يَدِ صاحِبِه، ممَّا يُباحُ الانْتِفاعُ به، فيَنْبَغِى أن يُشْرَعَ ذلك فيه؛ لِيَصِلَ
стр. 2971
كلُّ واحِدٍ إلى الانتِفَاعِ بما فى يَدِ صاحِبِه، فما (٦) يُباحُ الاْنتِفاعُ به، يَنْبَغِىِ أن يَجُوز بَيْعُه.
فصل: فإن كان الفَهْدُ والصَّقْرُ ونحوُهما، ممَّا ليس بِمُعَلَّمٍ، ولا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لِعَدَمِ النَّفْعِ به. وإن كان ممَّا يُمكنُ تَعْلِيمُه، جازَ بَيْعُه؛ لأنَّ مآلَه إلى الانْتِفاعِ، فأشْبَهَ الجَحْشَ الصَّغِيرَ.
فصل: فأمَّا ما يُصادُ عليه، كالبُومَةِ التى يَجْعَلُها شُبَاشًا (٧)، لتَجْمَعَ الطَّيْرَ إليها، فَيَصِيدُه الصَّيَّادُ، فيَحْتَمِلُ جَوازُ بَيْعِها، لِلنَّفْعِ الحاصِلِ منها، ويَحْتَمِلُ المَنْعُ؛ لأنَّ ذلك مَكْرُوهٌ؛ لما فيه من تَعْذِيبِ الحَيوانِ. وكذلك اللَّقْلقُ (٨) ونحوُه.
فصل: فأمَّا بَيْضُ ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُه من الطَّيْرِ، فإن كان ممَّا لا نَفْعَ فيه، لم يَجُزْ بَيْعُه، طاهِرًا كان أو نَجِسًا. وإن كان يُنْتَفَعُ به، بأن يَصِيرَ فَرْخًا، وكان طاهِرًا، جازَ بَيْعُه؛ لأنَّه طاهِرٌ مُنْتَفَعٌ به؛ أشْبَه أصْلَه، وإن كان نَجِسًا، كبَيْضِ البازِى، والصَّقْرِ، ونحوِه، فَحُكْمُه حُكْمُ فَرْخِه. وقال القاضِى: لا يجوزُ بَيْعُه؛ لأَنَّه نَجِسُّ (٩)، لا يُنْتَفَعُ به فى الحالِ. وهذا مُلْغًى بِفرْخِه، وبِالجَحْشِ الصَّغِيرِ.
فصل: قال أحمدُ: أكْرَهُ بَيْعَ القِرْدِ. قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا مَحْمُولٌ على بَيْعِه للإطَافَةِ به، واللَّعِبِ. فأمَّا بَيْعُه لِمَن يَنْتَفِعُ به، كَحِفْظِ المَتاعِ والدُّكَّانِ ونحوِه، فيجوزُ؛ لأنَّه كالصَّقْرِ والبازِى. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وقِياسُ قولِ أبى بكرٍ وابن أبى موسَى المَنْعُ من بَيْعِه مُطْلَقًا.
стр. 2972
فصل: وفى بَيْعِ العَلَقِ (١٠) التى يُنْتَفَعُ بها، مثلُ التى تُعَلَّقُ على وَجْهِ صاحِبِ الكَلَفِ (١١)، فتَمُصُّ الدَّمَ، والدِّيدان التى تُتْرَكُ فى الشَّصِّ، فَيُصادُ بها السَّمَكُ، وَجْهانِ؛ أصَحُّهُما جَوازُ بَيْعِها؛ لِحُصُولِ نَفْعِها، فهى كالسَّمَكِ. والثانى، لا يجوزُ؛ لأنَّها لا يُنْتَفَعُ بها، إلَّا نادِرًا، فأشْبَهَتْ ما لا نَفعَ فيه.
فصل: ويجُوزُ بَيْعُ دُودِ القَزِّ، وبَزْرِهِ (١٢). وقال أبو حنيفةَ، فى رِوايةٍ عنه: إن كان مع دُودِ القَزِّ قَزٌّ، جازَ بَيْعُه، وإلَّا فلا؛ لأنَّه لا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِه، فهو كالحَشَرَاتِ. وقيل: لا يجوزُ بَيْعُ بَزْرِهِ. ولَنا، أنَّ الدُّودَ حَيَوانٌ طاهِرٌ يجوزُ اقْتِناؤُه؛ لِتَمَلُّكِ ما يَخْرُجُ منه، أشْبَهَ البَهائِمَ، ولأنَّ الدُّودَ وبَزْرَه طاهِرٌ، مُنْتَفَعٌ به، فجازَ بَيْعُه، كالثَّوْبِ. وقولُه: لا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِه. يَبْطُلُ بالبَهائِمِ التى لا يَحْصُلُ منها نَفْعٌ، سِوَى النِّتاجِ، ويُفارِقُ الحَشَراتِ، التى لا نَفْعَ فيها أصْلًا، فإنَّ نَفْعَ هذه كَثِيرٌ؛ لأنَّ الحَرِيرَ الذى هو أشْرَفُ مَلابِس الدُّنْيَا، إنَّما يَحْصُلُ منها.
فصل: ويجوزُ بَيْعُ النَّحْلِ إذا شاهَدَها مَحْبُوسَةً، بحيث لا يُمْكِنُها أن تَمْتَنِعَ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ بَيْعُها مُنْفَرِدَةً؛ لما ذَكَرَ فى دُودِ القَزِّ. ولَنا، أنَّه حَيَوانٌ طاهِرٌ، يَخْرُجُ من بُطُونِها شَرابٌ فيه مَنافِعُ للنَّاسِ، فجَازَ بَيْعُه، كبَهِيمَة الأنْعَامِ. واخْتَلَفَ أصْحابُنا فى بَيْعِها فى كِواراتِها، فقال القاضِى: لا يجوزُ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ مُشاهَدَةُ جَمِيعِها، ولأنَّها لا تَخْلُو من عَسَلٍ يكون مَبِيعًا معها، وهو مَجْهُولٌ. وقال أبو الخَطَّابِ: يجُوزُ بَيْعُها فى كِواراتِها، ومُنْفَرِدَةً عنها، فإنَّه يُمكنُ مُشاهَدَتُها فى كِواراتِها إذا فُتِحَ رَأْسُها، ويُعْرَفُ كَثْرَتُه من قِلَّتِه، وخَفاءُ بعضِه لا يَمْنَعُ صِحَّةَ
стр. 2973
بَيْعِه، كالصُّبْرَةِ، وكما لو كان فى وِعاءٍ، فإنَّ بعضَه يكونُ على بَعْضٍ، فلا يُشاهَدُ إلَّا ظاهِرُه، والعَسَلُ يَدْخُلُ فى البَيْعِ تَبَعًا، فلا يَضُرُّ جَهالَتُه، كأساساتِ الحِيطانِ. فإنْ لم يُمكن مُشاهَدَةُ النَّحْلِ؛ لكَوْنِه مَسْتُورًا بأقْراصِه، ولم يُعْرَفْ، لم يَجُزْ بَيْعُه لِجَهالَتِه.
فصل: ذَكَرَ الخِرَقِىُّ، أنَّ التِّرْياقَ لا يُؤْكَلُ؛ لأنَّه يَقَعُ فيه لُحُومُ الحَيَّاتِ، فَعَلى هذا، لا يجوزُ بَيْعُه؛ لأنَّ نَفْعَهُ إنَّما يَحْصُلُ بالأكْلِ، وهو مُحَرَّمٌ، فخَلَا من نَفْعٍ مُباحٍ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالمَيْتَةِ، ولا يجوزُ التَّداوِى به، ولا بِسُمِّ الأفاعِى. فأمَّا السُّمُّ مِن الحَشائِشِ والنَّباتِ، فإن كان لا يُنْتَفَعُ به، أو كان يَقْتُلُ قَلِيلُه، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لِعَدَمِ نَفْعِه، وإن انْتُفِعَ به، وأمْكَنَ التَّدَاوِى بِيَسِيرِه، كالسَّقَمُونْيَا، جازَ بَيْعُه؛ لأنَّه طاهِرٌ مُنْتَفَعٌ به، فأشْبَه بَقِيَّةَ المَأْكُولاتِ.
فصل: ولا يجوزُ بَيْعُ جِلْدِ المَيْتَةِ، قبلَ الدَّبْغِ، قولًا واحِدًا، قاله ابنُ أبى موسى. وفى بَيْعِه بعدَ الدَّبْغِ عنه خِلافٌ. وقد رَوَى حَرْبٌ عن أحمدَ، أنَّه قال: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ (١٣). وأمَّا غيرُ ذلك، نحوُ رِيشِ الطَّيْرِ التى لها مِخْلَبٌ، أو بعضِ جُلُودِ السِّباعِ التى لها أنْيابٌ، فإنَّ بَيْعَها أسْهَلُ؛ لأنَّ النّبِىَّ ﷺ إنَّما نَهَى عن أكْلِ لُحُومِها. والصَّحِيحُ عنه، أنَّه لا يجوزُ. وهذا يَنْبَنِى على الحُكْمِ بِنَجاسَةِ جُلُودِ المَيْتَةِ، وأنَّها لا تَطْهُرُ بالدِّباغِ، وقد ذَكَرْنا ذلك فى بابِهِ.
فصل: فأمَّا بَيْعُ لَبَنِ الآدَمِيَّاتِ، فقال أحمدُ: أكْرَهُه. واخْتَلَفَ أصْحابُنا فى جَوازِه. فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ جَوازُه؛ لقوله: "وَكُلَّ مَا فِيهِ المَنْفَعَةُ". وهذا قولُ ابنِ حامِدٍ، ومذهَبُ الشَّافِعِىِّ. وذَهَبَ جَماعَةٌ من أصْحابِنا إلى تَحْرِيمِ بَيْعِه، وهو مذهبُ أبى حنيفةَ ومالِكٍ؛ لأنَّه مائِعٌ خارِجٌ من آدَمِيِّةٍ، فلم يَجُزْ بَيْعُه،
стр. 2974
كالعَرَقِ، ولأنَّه من آدَمِىٍّ، فأشْبَهَ سائِرَ أجْزائِه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه لَبَنٌ ظاهِرٌ مُنْتَفَعٌ به، فجازَ بَيْعُه، كلَبَنِ الشَّاةِ، ولأنَّه يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه فى إجارَةِ الظِّئْرِ، فأشْبَه المَنافِعَ، ويُفارِقُ العَرَقَ، فإنَّه لا نَفْعَ فيه، ولذلك لا يُباعُ عَرَقُ الشَّاةِ، ويُباعُ لَبَنُها. وسائِرُ أجْزاءِ الآدَمِىِّ يجوزُ بَيْعُها، فإنَّه يجُوزُ بَيْعُ العَبْدِ، والأمَةِ، وإنَّما حُرِّمَ بَيْعُ الحُرِّ؛ لأنَّه لَيْسَ بمَمْلُوكٍ، وحُرِّمَ بَيْعُ العُضْوِ المَقْطُوعِ؛ لأنَّه لا نَفعَ فيه.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فى بَيْعِ رِباعِ مَكَّةَ، وإجارَةِ دُورِها، فَرُوِىَ أنَّ ذَلك غيرُ جائِزٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ. وكَرِهَه إسْحاقُ؛ لما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ فى مَكَّةَ: "لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا، وَلَا تُكْرَى بُيُوتُهَا". رواه الأثْرَمُ بإسْنادِهِ (١٤). وعن مُجاهِدٍ، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَكَّةُ حَرَامٌ بَيْعُ رِبَاعِهَا، حَرَامٌ إجَارَتُها". وهذا نَصٌّ رواه سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ، فى "سُنَنِهِ" (١٤). وروى أنَّها كانت تُدْعَى (١٥) السَّوَائِبَ، على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ . ذَكَرَه مُسَدَّدٌ فى "مُسْنَدِه" (١٦)، ولأنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً، ولم تُقَسَّمْ، فكانت مَوْقُوفَةً، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كسائِر الأرْضِ التى فَتَحَها المسلمون عَنْوَةً، ولم يُقَسِّموها، والدَّلِيلُ على أنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً، قولُ رسُولِ اللَّه ﷺ : "إنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَه والمُؤْمِنِينَ، وَإنَّها لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى، ولا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِى، وإنَّما أُحِلَّتْ لِى سَاعَةً من نَهَارٍ". مُتَّفَقٌ عليه (١٧). ورَوَتْ أمُّ هَانِىءٍ
стр. 2975
أنَّها (١٨) قالت: أجَرْتُ حَمَوَيْنِ لِى، فأرَادَ علىٌّ أخِى قَتْلَهما، فأتَيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ فقلتُ: يا رسولَ اللَّه إنِّى أجَرْتُ حَمَوَيْنِ لِى، فزَعَمَ ابنُ أُمِّى علىٌّ أنَّه قَاتِلُهُما. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "قَدْ أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ"، أو "أمَّنَّا مَنْ أمَّنْتِ يا أُمَّ هَانِىءٍ"، مُتَّفَقٌ عليه (١٩)، ولذلك أمَرَ النَّبىُّ ﷺ : بِقَتْلِ أَرْبَعَةٍ، فَقُتِلَ منهم ابنُ خَطَلٍ، ومِقْيَسُ بنُ صُبَابَةَ، وهذا يَدُلُّ على أنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً. والرِّواية الثانية، أنَّه يجوزُ بَيْعُ رِباعِهَا، وإجارَةُ بُيُوتِهَا (٢٠). وَرُوِىَ ذلك عن طاوُسٍ، وعَمْرِو بن دِينارٍ. وهذا قولُ الشَّافِعىِّ وابنِ المُنْذِرِ. وهو أظْهَرُ فى الحُجَّةِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا قِيلَ له: أيْنَ نَنْزِلُ غَدًا؟ قال: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ؟ " مُتَّفَقٌ عليه (٢١). يعنى أنَّ عَقِيلًا باعَ رِباعَ أبى طالِبٍ؛ لأنَّه وَرِثَه دونَ إخْوَتِه؛ لِكَوْنِه كان عَلَى دِينِه دونَهما، فلو كانت غيرَ مَمْلُوكَةٍ، لَمَا أثَّرَ بَيْعُ عَقِيلٍ شَيْئًا، ولأنَّ أصْحابَ النَّبىِّ كانتْ لهم دُورٌ بمَكَّةَ؛ لأبى بكرٍ، والزُّبَيْرِ، وحَكِيمِ بن حِزامٍ،
стр. 2976
وأبى سُفْيانَ، وسائِرِ أهْلِ مَكَّةَ، فمنهم مَن باعَ، ومنهم مَنْ تَرَكَ دارَه، فَهِىَ فى يَدِ أعْقابِهم. وقد باعَ حَكِيمُ بن حِزامٍ دارَ النَّدْوَةِ، فقال له (٢٢) ابنُ الزُّبَيْرِ: بِعْتَ مَكْرمَةَ قُرَيْشٍ. فقال: يا ابنَ أخِى، ذَهَبَتِ المَكارِمُ إلَّا التَّقْوَى. أو كما قال. واشْتَرَى مُعاوِيَةُ منه (٢٣) دارَيْنِ. واشْتَرَى عُمَرُ دارَ السِّجْنِ مِنْ صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ، بأرْبَعَةِ آلَافٍ. ولم يَزَلْ أهْلُ مَكَّةَ يَتَصَرَّفُونَ فى دُورهِم تَصَرُّفَ المُلَّاكِ، بِالبَيْعِ وغيرِه، ولم يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا، وقد قَرَّرَه النَّبِىُّ بِنِسْبَةِ دُورِهِم إليهم، فقال: "مَنْ دَخَلَ (٢٤) دَارَ أبى سُفْيَانَ فهو آمِنٌ، ومَنْ أغْلَقَ عليه بابَه فهو آمِنٌ" (٢٥). وأقَرَّهُمْ فى دُورِهِمْ ورِباعِهِمْ، ولم يَنْقُلْ أحَدًا عن دارِه، ولا وُجِدَ منه ما يَدُلُّ على زَوالِ أمْلاكِهِم، وكذلك مَنْ بعدَه مِن الخُلَفَاءِ، حتى إنَّ عمرَ رَضِىَ اللَّه عنه، مع شِدَّتِه فى الحَقِّ، لمَّا احْتاجَ إلى دارٍ للسِّجْنِ (٢٦)، لم يَأْخُذْها إلَّا بالبَيْعِ. ولأنَّها أرْضٌ حَيَّةٌ لم يَرِدْ عليها صدقةٌ مُحَرّمةٌ؛ فجازَ بَيْعُها كسائِر الأرْضِ، وما رُوِىَ من الأحادِيثِ فى خِلافِ هذا، فهو ضَعِيفٌ. وأمَّا كَوْنُها فُتِحَتْ عَنْوَةً، فهو الصَّحِيحُ، الذى لا يُمكنُ دَفْعُه، إلَّا أنَّ النبِىَّ ﷺ أقَرَّ أهْلَهَا فيها على أمْلاكِهِمْ ورِباعِهِمْ، فيَدُلُّ ذلك على أنَّه تَرَكَها لهم، كما تَرَكَ لِهوازِنَ نِساءَهم وأبْناءَهم. وعلى القولِ الأوَّلِ، مَنْ كان ساكنَ دارٍ أو مَنْزِلٍ فهو أحَقُّ به، يَسْكُنُه ويُسْكِنُه، وليس لَه بَيْعُه، ولا أخْذُ أُجْرَتِه، ومَن احْتاجَ إلى مَسْكَنٍ، فَلَه بَذْلُ الأُجْرَةِ فيه، وإن احْتاجَ إلى الشِّراءِ فله ذلك، كما فَعَلَ عمر رَضِىَ اللَّه عنه. وكان أبو عبدِ اللهِ إذا سَكَنَ أعْطَاهم أُجْرَتَها. فإن سَكَنَ بأجْرَةٍ
стр. 2977
فأمْكَنَهُ أن لا يَدْفَعَ إليهم الأُجْرَةَ، جازَ له ذلك؛ لأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونها، وقد رُوِىَ أنَّ سُفْيَانَ سَكَنَ فى بعضِ رِباعِ مَكَّةَ، وهَرَبَ، ولم يُعْطِهم أُجْرَةً، فأَدْرَكُوه، فأخَذُوها منه. وذُكِرَ لأحمدَ فِعْلُ سُفْيَانَ، فتَبَسَّمَ، فظاهِرُ هذا، أنَّه أعْجَبَه. قال ابن عَقِيلٍ: والخِلافُ فى غيرِ (٢٧) مَواضِعِ المَناسِكِ، أمَّا بِقاعُ المَناسِكِ كمَوْضِعِ السَّعْىِ والرَّمْىِ، فحُكْمُه حُكْمُ المساجِدِ، بغيرِ خِلافٍ.
فصل: ومَن بَنَى بِناءً بِمَكَّةَ، بآلةٍ مَجْلُوبَةٍ مِنْ غيرِ أرْضِ مَكَّةَ، جازَ بَيْعُها، كما يجوزُ بَيْعُ أبْنِيَةِ الوُقُوفِ وأنْقاضِهَا. وإن كانت مِنْ تُرابِ الحَرَمِ وحِجارَتِه، انبَنَى جَوازُ بَيْعِها على الرِّوَايَتَيْنِ فى بَيْعِ رِباعِ مَكَّةَ؛ لأنَّها تابِعَةٌ لِمَكَّةَ، وهكذا تُرابُ كلِّ وَقْفٍ وأنْقاضُه. قال أحمدُ. أمَّا البِناءُ بمَكَّةَ فإنِّى أكْرَهُه. قال إسْحاقُ: البِناءُ بمَكَّةَ عَلَى وَجْهِ الاسْتِخْلاصِ لِنَفسِه، لا يَحِلُّ. وقد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قيل له: ألَا تَبْنِى لك بِمِنًى بَيْتًا؟ قال: "مِنًى مُنَاخُ مَنْ (٢٨) سَبَقَ" (٢٩).
فصل: قال أحمدُ: لا أعْلَمُ فى بَيْعِ المَصاحِفِ رُخْصَةً. ورَخَّصَ فى شِرائها. وقال: الشِّرَاءُ أهوَنُ. وكَرِهَ بَيْعَها ابنُ عُمَرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وأبو موسى، وسَعِيدُ ابن جُبَيْرٍ، وإسْحاقُ. وقال ابن عمرَ: وَدَدْتُ أنَّ الأيْدِى تُقْطَعُ فى بَيْعِها. وقال أبو الخَطَّابِ: يجوزُ بَيْعُ المُصْحَفِ، مع الكَراهَةِ. وهل يُكْرَهُ شِراؤُه وإبْدالُه؟ على رِوايَتَيْنِ. ورَخَّصَ فى بَيْعِها الحَسَنُ، والحَكَمُ، وعِكْرِمَةُ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ البَيْعَ يَقَعُ على الجِلْدِ، والوَرَقِ، وبَيْعُ ذلك مُباحٌ. ولَنا،
стр. 2978
قولُ الصَّحابَةِ رَضِىَ اللهُ عنهم، ولم نَعْلَمْ لهم مُخالِفًا فى عَصْرِهم، ولأنَّه يَشْتَمِلُ على كَلامِ اللهِ تعالى، فتَجِبُ صِيَانَتُهُ عن البَيْعِ والابْتِذالِ، وأمَّا الشِّراءُ فَهُوَ أسْهَلُ؛ لأنَّه اسْتِنْقاذٌ لِلْمُصْحَفِ، وبَذْلٌ لِمالِهِ فيه، فجازَ، كما أجازَ شِراءَ رِباعِ مَكَّةَ، واسْتِئْجارَ دُورِها، مَنْ لا يَرَى بَيْعَها، ولا أخذَ أُجْرَتِها. وكذلك أرْضُ السَّوادِ ونحوُها. وكذلك دَفْعُ الأُجْرَةِ إلى الحَجَّامِ، لا يُكْرَهُ، مع كَراهَةِ كَسْبِه. وإن اشْتَرَى الكافِرُ مُصْحَفًا، فالبَيْعُ باطِلٌ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأجازَهُ أصْحابُ الرَّأْىِ، وقالوا: يُجْبَرُ على بَيْعِه؛ لأنَّه أهْلٌ لِلشِّراءِ، والمُصْحَفُ مَحَلٌّ له. ولَنا، أنَّه يُمْنَعُ من اسْتِدامَةِ المِلْكِ عليه، فَمُنِعَ من ابْتِدائِه، كسائِرِ ما يَحْرُمُ بَيْعُه، وقل نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنِ المُسافَرَةِ بالقُرْآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ، مَخافَةَ أن تَنَالَهُ أيْدِيهم (٣٠). فلَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُم من التَّوَصُّلِ إلى نَيْلِ أيْدِيهم إيَّاهُ.
فصل: ولا يَصِحُّ شِراءُ الكافِرِ مُسْلِمًا. وهذا قولُ مالِكٍ فى إحْدى الرِّوَايَتَيْنِ عنه، والشَّافِعِىُّ فى أحَدِ القَوْلَيْنِ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ ويُجْبَرُ على إزالَةِ مِلْكِه؛ لأنَّه يَمْلِكُ المُسْلِمَ بالإرْثِ، ويَبْقَى مِلْكُه عليه إذا أسْلَمَ فى يَدِه، فصَحَّ شِراؤُه له، كالمُسْلِمِ. ولَنا، أنَّه يُمْنَعُ اسْتِدامَةَ مِلْكِه عليه، فمُنِعَ ابْتِداءَه، كالنِّكاحِ، ولأنَّه عَقْدٌ يُثْبِتُ المِلْكَ على المُسْلِمِ لِلْكافِرِ، فلم يَصِحّ، كالنِّكاحِ، والمِلْكِ بالإرْثِ. والاسْتِدامَةُ أقْوَى من ابْتِداءِ المِلْكِ بالفِعْلِ والاخْتِيارِ، بدَلِيلِ ثُبُوتِه بهما لِلْمُحْرِمِ فى الصَّيْدِ، مع مَنْعِه من ابْتِدائِه، فلا يَلْزَمُ من ثُبُوتِ الأَقْوَى ثُبُوتُ ما دُونَه، مع أنَّنا نَقْطَعُ الاسْتِدامَةَ عليه بِمَنْعِه منها، وإجْبارِه على إزالَتِها.
فصل: ولو وَكَّل كافِرٌ مُسْلِمًا فى شِراءِ مُسْلِمٍ، لم يَصحَّ الشِّراءُ، لأنَّ المِلْكَ
стр. 2979
يَقَعُ لِلْمُوَكِّل، ولأنَّ المُوَكِّلَ ليس بأهْلٍ لِشِرائِه، فلم يَصِحَّ أنْ يَشْتَرِىَ له، كما لو وَكَّلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فى شِراءِ خَمرٍ. وإن وَكَّلَ المُسْلِمُ كافِرًا يَشْتَرِى له مُسْلِمًا (٣١)، فَاشْتَراه، ففيه وَجْهَانِ؛ أحدُهما، يَصِحُّ، لأنَّ المَنْعَ منه إنَّما كان لِمَا فيه من ثُبُوتِ مِلْكِ الكافِرِ على المُسْلِمِ، والمِلْكُ يَثْبُتُ للمُسْلِمِ هاهنا، فلم يَتَحَقَّقِ المانِعُ. والثّانى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما مُنِعَ مِن شِرائِه مُنِعَ التَّوْكِيلُ فيه، كالمُحْرِمِ فى شراءِ الصَّيْدِ، والكافِرِ فى نِكاحِ المُسْلِمَةِ، والمُسْلِمُ لا يجوزُ أنْ يكونَ وَكِيلًا لذِمِّىٍّ فى شراءِ خَمْرٍ.
فصل: وإنِ اشْتَرَى الكافِرُ مُسْلِمًا يَعْتِقُ عليه بالقَرابَةِ، كأبِيه وأخِيه، صَحَّ الشِّراءُ، وعَتَقَ عليه، فى قَوْلِ بعضِ أصحابِنا. وحَكَى فيه أبو الخَطَّابِ رِوايَتَيْنِ، إحْداهما، لا يَصِحُّ. وهو قولُ بعضِ الأصحابِ؛ لأنَّه شِراءٌ يَمْلِكُ به المُسْلِمَ، فلم يَصِحَّ، كالذى لا يَعْتِقُ عليه. ولأنَّ ما مُنِعَ مِن شرائِه، لم يُبَحْ له شراؤُه وإنْ زالَ مِلْكُه عَقِيبَ الشِّراءِ، كشراءِ المُحْرِمِ الصَّيْدَ. والثّانيةَ، يَصِحُّ شراؤه؛ لأنَّ المَنْعَ إنَّما ثَبَتَ لِما فيه مِن إهانَةِ المُسْلِمِ بمِلْكِ الكافِرِ له، والمِلْكُ هاهنا يَزُولُ عَقِيبَ الشِّراءِ بالكُلِّيَّةِ، ويَحْصُلُ مِن نَفْعِ الحُرِّيَّةِ أضعافُ ما حَصَلَ مِن الإهانَةِ بالمِلْكِ فى لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ. ويُفارِقُ مَن لا يَعْتِقُ عليه؛ فإنَّ مِلْكَه لا يَزُولُ إلّا بإزالَتِه، وكذلك شراءُ المُحْرِمِ للصَّيْدِ، فإنَّه لو مَلَكه، لثَبَتَ مِلْكُه عليه، ولم يَزُلْ. ولو قال كافِرٌ لمُسْلِمٍ: أعْتِقْ عَبْدَك عَنِّى، وعَلَىَّ ثَمَنُه. ففَعَلَ، صَحَّ؛ لأنَّ إعتاقَه ليس بتَمْلِيكٍ، وإنَّما هو إبطالٌ للرِّقِّ فيه، وإنّما حَصَلَ المِلْكُ فيه حُكْمًا (٣٢)، فجازَ، كما يَمْلِكُه بالإرْثِ حُكْمًا. ولأنَّ ما يَحْصُلُ له بالحُرِّيَّةِ مِن النَّفْعِ يَنْغَمِرُ فيه ما يَحْصُلُ مِن الضَّرَرِ بالمِلْكِ، فيَصِيرُ كالمَعْدُومِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ؛ أنَّه لا يَصِحُّ؛ بِناءً على شراءِ قَرِيبِه المُسْلِم.
стр. 2980
فصل: ولو أجَرَ مُسْلِمٌ نَفْسَه لذِمِّىٍّ، لعَمَلٍ فى ذِمَّتِه، صَحَّ؛ لأنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، أجَرَ نَفْسَه مِن يَهُودِىٍّ، يَسْتَقِى له (٣٣) كُلَّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ، وأتَى بذلك النَّبِىَّ ﷺ فأكَلَهُ (٣٤). وفَعَلَ ذلك رَجُلٌ مِن الأنصارِ، وأتَى به النَّبِىَّ ﷺ ، فلم يُنْكِرْه (٣٥). ولأنَّه لا صَغارَ عليه فى ذلك. وإنِ اسْتَأْجَرَه فى مُدَّةٍ، كيَوْمٍ، أو شَهْرٍ، ففيه وجهانِ، أحدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ فيه اسْتِيلاءً عليه، وصَغارًا، أشْبَهَ الشِّراءَ. والثّانى، يَصِحُّ. وهو أوْلَى لأنَّ ذلك عَمَلٌ فى مُقابَلَةِ عِوَضٍ، أشْبَهَ العَمَلَ فى ذِمَّتِه، ولا يُشْبِهُ المِلْكَ؛ لأنَّ المِلْكَ يَقْتَضِى سُلْطانًا، واسْتِدامَةً، وتَصَرُّفًا بأنواعِ التَّصَرُّفاتِ فى رَقَبَتِه، بخِلافِ الإجارَةِ.
فصل: ولا يجوزُ أنْ يُفَرِّقَ فى البَيْعِ بينَ كُلِّ ذِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال مالِكٌ: لا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ إلّا بينَ الأُمِّ وَوَلَدِهَا، لأنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ (٣٦) وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رواه التِّرْمِذِىُّ (٣٧)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقال: "لَا تُوَلَّهُ (٣٨) وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا" (٣٩). فخَصَّها بذلكَ، فدَلَّ على الإباحَةِ فيما سواه. وقال الشّافِعِىُّ: يَحْرُمُ بينَ الوالِدِينَ والمَوْلُودِينَ وإنْ سَفَلُوا، ولا يَحْرُمُ بينَ مَن عَداهم؛ لأنَّ القَرابَةَ التى بينَهم لا تَمْنَعُ القِصاصَ، ولا شهَادَةَ بَعضِهم لبعضٍ، فلم تَمْنَعِ التَّفْرِيقَ فى