وأبى سُفْيانَ، وسائِرِ أهْلِ مَكَّةَ، فمنهم مَن باعَ، ومنهم مَنْ تَرَكَ دارَه، فَهِىَ فى يَدِ أعْقابِهم. وقد باعَ حَكِيمُ بن حِزامٍ دارَ النَّدْوَةِ، فقال له (٢٢) ابنُ الزُّبَيْرِ: بِعْتَ مَكْرمَةَ قُرَيْشٍ. فقال: يا ابنَ أخِى، ذَهَبَتِ المَكارِمُ إلَّا التَّقْوَى. أو كما قال. واشْتَرَى مُعاوِيَةُ منه (٢٣) دارَيْنِ. واشْتَرَى عُمَرُ دارَ السِّجْنِ مِنْ صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ، بأرْبَعَةِ آلَافٍ. ولم يَزَلْ أهْلُ مَكَّةَ يَتَصَرَّفُونَ فى دُورهِم تَصَرُّفَ المُلَّاكِ، بِالبَيْعِ وغيرِه، ولم يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا، وقد قَرَّرَه النَّبِىُّ بِنِسْبَةِ دُورِهِم إليهم، فقال: "مَنْ دَخَلَ (٢٤) دَارَ أبى سُفْيَانَ فهو آمِنٌ، ومَنْ أغْلَقَ عليه بابَه فهو آمِنٌ" (٢٥). وأقَرَّهُمْ فى دُورِهِمْ ورِباعِهِمْ، ولم يَنْقُلْ أحَدًا عن دارِه، ولا وُجِدَ منه ما يَدُلُّ على زَوالِ أمْلاكِهِم، وكذلك مَنْ بعدَه مِن الخُلَفَاءِ، حتى إنَّ عمرَ رَضِىَ اللَّه عنه، مع شِدَّتِه فى الحَقِّ، لمَّا احْتاجَ إلى دارٍ للسِّجْنِ (٢٦)، لم يَأْخُذْها إلَّا بالبَيْعِ. ولأنَّها أرْضٌ حَيَّةٌ لم يَرِدْ عليها صدقةٌ مُحَرّمةٌ؛ فجازَ بَيْعُها كسائِر الأرْضِ، وما رُوِىَ من الأحادِيثِ فى خِلافِ هذا، فهو ضَعِيفٌ. وأمَّا كَوْنُها فُتِحَتْ عَنْوَةً، فهو الصَّحِيحُ، الذى لا يُمكنُ دَفْعُه، إلَّا أنَّ النبِىَّ ﷺ أقَرَّ أهْلَهَا فيها على أمْلاكِهِمْ ورِباعِهِمْ، فيَدُلُّ ذلك على أنَّه تَرَكَها لهم، كما تَرَكَ لِهوازِنَ نِساءَهم وأبْناءَهم. وعلى القولِ الأوَّلِ، مَنْ كان ساكنَ دارٍ أو مَنْزِلٍ فهو أحَقُّ به، يَسْكُنُه ويُسْكِنُه، وليس لَه بَيْعُه، ولا أخْذُ أُجْرَتِه، ومَن احْتاجَ إلى مَسْكَنٍ، فَلَه بَذْلُ الأُجْرَةِ فيه، وإن احْتاجَ إلى الشِّراءِ فله ذلك، كما فَعَلَ عمر رَضِىَ اللَّه عنه. وكان أبو عبدِ اللهِ إذا سَكَنَ أعْطَاهم أُجْرَتَها. فإن سَكَنَ بأجْرَةٍ
стр. 2977
فأمْكَنَهُ أن لا يَدْفَعَ إليهم الأُجْرَةَ، جازَ له ذلك؛ لأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونها، وقد رُوِىَ أنَّ سُفْيَانَ سَكَنَ فى بعضِ رِباعِ مَكَّةَ، وهَرَبَ، ولم يُعْطِهم أُجْرَةً، فأَدْرَكُوه، فأخَذُوها منه. وذُكِرَ لأحمدَ فِعْلُ سُفْيَانَ، فتَبَسَّمَ، فظاهِرُ هذا، أنَّه أعْجَبَه. قال ابن عَقِيلٍ: والخِلافُ فى غيرِ (٢٧) مَواضِعِ المَناسِكِ، أمَّا بِقاعُ المَناسِكِ كمَوْضِعِ السَّعْىِ والرَّمْىِ، فحُكْمُه حُكْمُ المساجِدِ، بغيرِ خِلافٍ.
فصل: ومَن بَنَى بِناءً بِمَكَّةَ، بآلةٍ مَجْلُوبَةٍ مِنْ غيرِ أرْضِ مَكَّةَ، جازَ بَيْعُها، كما يجوزُ بَيْعُ أبْنِيَةِ الوُقُوفِ وأنْقاضِهَا. وإن كانت مِنْ تُرابِ الحَرَمِ وحِجارَتِه، انبَنَى جَوازُ بَيْعِها على الرِّوَايَتَيْنِ فى بَيْعِ رِباعِ مَكَّةَ؛ لأنَّها تابِعَةٌ لِمَكَّةَ، وهكذا تُرابُ كلِّ وَقْفٍ وأنْقاضُه. قال أحمدُ. أمَّا البِناءُ بمَكَّةَ فإنِّى أكْرَهُه. قال إسْحاقُ: البِناءُ بمَكَّةَ عَلَى وَجْهِ الاسْتِخْلاصِ لِنَفسِه، لا يَحِلُّ. وقد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قيل له: ألَا تَبْنِى لك بِمِنًى بَيْتًا؟ قال: "مِنًى مُنَاخُ مَنْ (٢٨) سَبَقَ" (٢٩).
فصل: قال أحمدُ: لا أعْلَمُ فى بَيْعِ المَصاحِفِ رُخْصَةً. ورَخَّصَ فى شِرائها. وقال: الشِّرَاءُ أهوَنُ. وكَرِهَ بَيْعَها ابنُ عُمَرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وأبو موسى، وسَعِيدُ ابن جُبَيْرٍ، وإسْحاقُ. وقال ابن عمرَ: وَدَدْتُ أنَّ الأيْدِى تُقْطَعُ فى بَيْعِها. وقال أبو الخَطَّابِ: يجوزُ بَيْعُ المُصْحَفِ، مع الكَراهَةِ. وهل يُكْرَهُ شِراؤُه وإبْدالُه؟ على رِوايَتَيْنِ. ورَخَّصَ فى بَيْعِها الحَسَنُ، والحَكَمُ، وعِكْرِمَةُ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ البَيْعَ يَقَعُ على الجِلْدِ، والوَرَقِ، وبَيْعُ ذلك مُباحٌ. ولَنا،
стр. 2978
قولُ الصَّحابَةِ رَضِىَ اللهُ عنهم، ولم نَعْلَمْ لهم مُخالِفًا فى عَصْرِهم، ولأنَّه يَشْتَمِلُ على كَلامِ اللهِ تعالى، فتَجِبُ صِيَانَتُهُ عن البَيْعِ والابْتِذالِ، وأمَّا الشِّراءُ فَهُوَ أسْهَلُ؛ لأنَّه اسْتِنْقاذٌ لِلْمُصْحَفِ، وبَذْلٌ لِمالِهِ فيه، فجازَ، كما أجازَ شِراءَ رِباعِ مَكَّةَ، واسْتِئْجارَ دُورِها، مَنْ لا يَرَى بَيْعَها، ولا أخذَ أُجْرَتِها. وكذلك أرْضُ السَّوادِ ونحوُها. وكذلك دَفْعُ الأُجْرَةِ إلى الحَجَّامِ، لا يُكْرَهُ، مع كَراهَةِ كَسْبِه. وإن اشْتَرَى الكافِرُ مُصْحَفًا، فالبَيْعُ باطِلٌ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأجازَهُ أصْحابُ الرَّأْىِ، وقالوا: يُجْبَرُ على بَيْعِه؛ لأنَّه أهْلٌ لِلشِّراءِ، والمُصْحَفُ مَحَلٌّ له. ولَنا، أنَّه يُمْنَعُ من اسْتِدامَةِ المِلْكِ عليه، فَمُنِعَ من ابْتِدائِه، كسائِرِ ما يَحْرُمُ بَيْعُه، وقل نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنِ المُسافَرَةِ بالقُرْآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ، مَخافَةَ أن تَنَالَهُ أيْدِيهم (٣٠). فلَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُم من التَّوَصُّلِ إلى نَيْلِ أيْدِيهم إيَّاهُ.
فصل: ولا يَصِحُّ شِراءُ الكافِرِ مُسْلِمًا. وهذا قولُ مالِكٍ فى إحْدى الرِّوَايَتَيْنِ عنه، والشَّافِعِىُّ فى أحَدِ القَوْلَيْنِ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ ويُجْبَرُ على إزالَةِ مِلْكِه؛ لأنَّه يَمْلِكُ المُسْلِمَ بالإرْثِ، ويَبْقَى مِلْكُه عليه إذا أسْلَمَ فى يَدِه، فصَحَّ شِراؤُه له، كالمُسْلِمِ. ولَنا، أنَّه يُمْنَعُ اسْتِدامَةَ مِلْكِه عليه، فمُنِعَ ابْتِداءَه، كالنِّكاحِ، ولأنَّه عَقْدٌ يُثْبِتُ المِلْكَ على المُسْلِمِ لِلْكافِرِ، فلم يَصِحّ، كالنِّكاحِ، والمِلْكِ بالإرْثِ. والاسْتِدامَةُ أقْوَى من ابْتِداءِ المِلْكِ بالفِعْلِ والاخْتِيارِ، بدَلِيلِ ثُبُوتِه بهما لِلْمُحْرِمِ فى الصَّيْدِ، مع مَنْعِه من ابْتِدائِه، فلا يَلْزَمُ من ثُبُوتِ الأَقْوَى ثُبُوتُ ما دُونَه، مع أنَّنا نَقْطَعُ الاسْتِدامَةَ عليه بِمَنْعِه منها، وإجْبارِه على إزالَتِها.
فصل: ولو وَكَّل كافِرٌ مُسْلِمًا فى شِراءِ مُسْلِمٍ، لم يَصحَّ الشِّراءُ، لأنَّ المِلْكَ
стр. 2979
يَقَعُ لِلْمُوَكِّل، ولأنَّ المُوَكِّلَ ليس بأهْلٍ لِشِرائِه، فلم يَصِحَّ أنْ يَشْتَرِىَ له، كما لو وَكَّلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فى شِراءِ خَمرٍ. وإن وَكَّلَ المُسْلِمُ كافِرًا يَشْتَرِى له مُسْلِمًا (٣١)، فَاشْتَراه، ففيه وَجْهَانِ؛ أحدُهما، يَصِحُّ، لأنَّ المَنْعَ منه إنَّما كان لِمَا فيه من ثُبُوتِ مِلْكِ الكافِرِ على المُسْلِمِ، والمِلْكُ يَثْبُتُ للمُسْلِمِ هاهنا، فلم يَتَحَقَّقِ المانِعُ. والثّانى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما مُنِعَ مِن شِرائِه مُنِعَ التَّوْكِيلُ فيه، كالمُحْرِمِ فى شراءِ الصَّيْدِ، والكافِرِ فى نِكاحِ المُسْلِمَةِ، والمُسْلِمُ لا يجوزُ أنْ يكونَ وَكِيلًا لذِمِّىٍّ فى شراءِ خَمْرٍ.
فصل: وإنِ اشْتَرَى الكافِرُ مُسْلِمًا يَعْتِقُ عليه بالقَرابَةِ، كأبِيه وأخِيه، صَحَّ الشِّراءُ، وعَتَقَ عليه، فى قَوْلِ بعضِ أصحابِنا. وحَكَى فيه أبو الخَطَّابِ رِوايَتَيْنِ، إحْداهما، لا يَصِحُّ. وهو قولُ بعضِ الأصحابِ؛ لأنَّه شِراءٌ يَمْلِكُ به المُسْلِمَ، فلم يَصِحَّ، كالذى لا يَعْتِقُ عليه. ولأنَّ ما مُنِعَ مِن شرائِه، لم يُبَحْ له شراؤُه وإنْ زالَ مِلْكُه عَقِيبَ الشِّراءِ، كشراءِ المُحْرِمِ الصَّيْدَ. والثّانيةَ، يَصِحُّ شراؤه؛ لأنَّ المَنْعَ إنَّما ثَبَتَ لِما فيه مِن إهانَةِ المُسْلِمِ بمِلْكِ الكافِرِ له، والمِلْكُ هاهنا يَزُولُ عَقِيبَ الشِّراءِ بالكُلِّيَّةِ، ويَحْصُلُ مِن نَفْعِ الحُرِّيَّةِ أضعافُ ما حَصَلَ مِن الإهانَةِ بالمِلْكِ فى لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ. ويُفارِقُ مَن لا يَعْتِقُ عليه؛ فإنَّ مِلْكَه لا يَزُولُ إلّا بإزالَتِه، وكذلك شراءُ المُحْرِمِ للصَّيْدِ، فإنَّه لو مَلَكه، لثَبَتَ مِلْكُه عليه، ولم يَزُلْ. ولو قال كافِرٌ لمُسْلِمٍ: أعْتِقْ عَبْدَك عَنِّى، وعَلَىَّ ثَمَنُه. ففَعَلَ، صَحَّ؛ لأنَّ إعتاقَه ليس بتَمْلِيكٍ، وإنَّما هو إبطالٌ للرِّقِّ فيه، وإنّما حَصَلَ المِلْكُ فيه حُكْمًا (٣٢)، فجازَ، كما يَمْلِكُه بالإرْثِ حُكْمًا. ولأنَّ ما يَحْصُلُ له بالحُرِّيَّةِ مِن النَّفْعِ يَنْغَمِرُ فيه ما يَحْصُلُ مِن الضَّرَرِ بالمِلْكِ، فيَصِيرُ كالمَعْدُومِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ؛ أنَّه لا يَصِحُّ؛ بِناءً على شراءِ قَرِيبِه المُسْلِم.
стр. 2980
فصل: ولو أجَرَ مُسْلِمٌ نَفْسَه لذِمِّىٍّ، لعَمَلٍ فى ذِمَّتِه، صَحَّ؛ لأنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، أجَرَ نَفْسَه مِن يَهُودِىٍّ، يَسْتَقِى له (٣٣) كُلَّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ، وأتَى بذلك النَّبِىَّ ﷺ فأكَلَهُ (٣٤). وفَعَلَ ذلك رَجُلٌ مِن الأنصارِ، وأتَى به النَّبِىَّ ﷺ ، فلم يُنْكِرْه (٣٥). ولأنَّه لا صَغارَ عليه فى ذلك. وإنِ اسْتَأْجَرَه فى مُدَّةٍ، كيَوْمٍ، أو شَهْرٍ، ففيه وجهانِ، أحدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ فيه اسْتِيلاءً عليه، وصَغارًا، أشْبَهَ الشِّراءَ. والثّانى، يَصِحُّ. وهو أوْلَى لأنَّ ذلك عَمَلٌ فى مُقابَلَةِ عِوَضٍ، أشْبَهَ العَمَلَ فى ذِمَّتِه، ولا يُشْبِهُ المِلْكَ؛ لأنَّ المِلْكَ يَقْتَضِى سُلْطانًا، واسْتِدامَةً، وتَصَرُّفًا بأنواعِ التَّصَرُّفاتِ فى رَقَبَتِه، بخِلافِ الإجارَةِ.
فصل: ولا يجوزُ أنْ يُفَرِّقَ فى البَيْعِ بينَ كُلِّ ذِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال مالِكٌ: لا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ إلّا بينَ الأُمِّ وَوَلَدِهَا، لأنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ (٣٦) وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رواه التِّرْمِذِىُّ (٣٧)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقال: "لَا تُوَلَّهُ (٣٨) وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا" (٣٩). فخَصَّها بذلكَ، فدَلَّ على الإباحَةِ فيما سواه. وقال الشّافِعِىُّ: يَحْرُمُ بينَ الوالِدِينَ والمَوْلُودِينَ وإنْ سَفَلُوا، ولا يَحْرُمُ بينَ مَن عَداهم؛ لأنَّ القَرابَةَ التى بينَهم لا تَمْنَعُ القِصاصَ، ولا شهَادَةَ بَعضِهم لبعضٍ، فلم تَمْنَعِ التَّفْرِيقَ فى
стр. 2981
البَيْعِ، كابْنَىِ العَمِّ. ولَنا، ما رَوَى أحْمَدُ، فى "المُسْنَدِ" (٤٠)، حَدَّثَنا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بن أبى عَرُوبَةَ، عن الحَكَمِ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبى لَيْلَى، عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: أمَرَنِى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ أبِيعَ غُلامَيْنِ أخَوَيْنِ، فبِعْتُهُما، ففَرَّقْتُ بينَهما، فذَكَرْتُ ذلك للنَّبِىِّ ﷺ ، فقال: "أدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلَا تَبِعْهُمَا إلَّا جَمِيعًا". ورُوِىَ عن أبى موسى، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، والْأخِ وَأخِيهِ" (٤١). ولأنَّ بَيْنَهُمَا رَحِمًا (٤٢) مَحْرَمًا، فلم يَجُزِ التَّفْرِيقُ بينَهما، كالوَلَدِ مع أُمِّهِ. ويُفارِقُ ابْنَىِ العَمِّ، فإنَّه ليس بينهما رَحِمٌ مَحْرَمٌ.
فصل: فإنْ فَرَّقَ بينَهما قبلَ البُلُوغِ، فالبَيْعُ باطِلٌ. وبه قال الشّافِعىُّ فيما دُونَ السَّبْعِ. وقال أبو حنيفةَ: البَيْعُ صَحِيحٌ؛ لأنَّ النَّهْىَ، لمَعْنًى فى غيرِ البَيْعِ، وهو الضَّرَرُ اللّاحِقُ بالتَّفْرِيقِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ البَيْعِ، كالبَيْعِ فى وقتِ النِّداءِ. ولَنا، حَدِيثُ عَلِىٍّ، وأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَه برَدِّهِما، ولو لَزِمَ البَيْعُ لما أمْكَنَ رَدُّهما. ورَوَى أبو داوُدَ فى "سُنَنِه" (٤٣)، أنَّ عَلِيًّا فَرَّقَ بين الأُمِّ ووَلَدِها، فنهاه النَّبِىُّ ﷺ ، فرَدَّ المَبِيعَ. ولأنَّه بَيْعٌ مُحَرَّمٌ، لمَعْنًى فيه، فَفَسَد، كبَيْعِ الخَمْرِ. ولا يَصِحُّ ما قالَه؛ فإنَّ ضَرَرَ التَّفْرِيقِ حاصِلٌ بالبَيْعِ، فكان لِمَعْنًى فيه. فأمَّا تَحْدِيدُه بالسَّبْعِ، فإنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَمْنَعُ ذلك، ولا يجوزُ تَخْصِيصُه بغيرِ دَلِيلٍ، وإنْ كان فَرَّقَ بينَهما بعدَ البُلُوغِ جازَ. وقال أبو الخَطّابِ: فيه روايتانِ؛ إحداهما، لا يجوزُ؛ لعُمُومِ النَّهْىِ. والثانيةُ، يجوزُ. وهى الصَّحِيحَةُ؛ لما رُوِىَ أنَّ سَلَمَةَ بن الأكْوَعِ أتَى أبا بَكْرٍ
стр. 2982
بامْرَأةٍ وابْنَتِها، فنَفَّلَه أبو بكرٍ ابْنَتَها، فاسْتَوْهَبَها مِنه (٤٤) النَّبِىُّ ﷺ ، فوَهَبَها له (٤٥). وأُهْدِىَ إلى النَّبىِّ ﷺ مارِيَةُ، وأخْتُها سِيرِينُ، فأعْطَى النَّبىُّ ﷺ سِيرِينَ لحَسّانَ بن ثابِتٍ، وتَرَكَ مارِيَةَ له (٤٦). ولأنَّه بعدَ البُلُوغِ يَصِيرُ مُسْتَقِلًّا بنَفْسِه، والعادَةُ التَّفْرِيقُ بين الأحرارِ، فإنَّ المَرْأةَ تُزَوِّجُ ابْنَتَها، ويُفَرَّقُ بينَ الحُرَّةِ ووَلَدِها إذا افْتَرَقَ الأبَوانِ.
فصل: وإذا اشْتَرَى مِمَّن فى مالِه حرامٌ وحلالٌ، كالسُّلْطانِ الظّالِمِ، والمُرَابِى؛ فإنْ عَلِمَ أنَّ المَبِيعَ مِن حلالِ مالِه، فهو حلالٌ، وإنْ [عَلِمَ أنَّه] (٤٧) حرامٌ، فهو حرامٌ، ولا يُقْبَلُ قولُ المُشْتَرِى عليه فى الحُكْمِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ما فى يَدِ الإنسانِ مِلْكُه، فإنْ لم يَعْلَمْ مِن أيِّهما هو، كَرِهْناه؛ لاحْتِمالِ التَّحْرِيمِ فيه، ولم يَبْطُلِ البَيْعُ؛ لِإمكانِ الحلالِ، قَلَّ الحرامُ أو كَثُرَ. وهذا هو الشُّبْهَةُ، وبقَدْرِ قِلَّةِ الحرامِ وكَثْرَتِه، تَكُونُ كَثْرَةُ الشُّبْهَةِ وقِلَّتُها. قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى أنْ يَأْكُلَ مِنه؛ لما رَوَى النُّعْمانُ بن بَشِيرٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُما أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُها كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأ لِدِينِه وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فى الشُّبُهاتِ وَقَعَ فى الحَرَامِ، كالرَّاعِى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ. ألَا وَإنَّ (٤٨) لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، وَحِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٤٩). وهذا
стр. 2983
لَفْظُ رِوايَةِ مُسْلِمٍ. وفى لَفْظِ رِوايَةِ البُخارِىِّ: "فَمَنْ تَرَكَ ما شُبِّهَ (٥٠) عَلَيْهِ، كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ المَأْثَمِ، أوْشَكَ أنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ". ورَوَى الحَسَنُ بن عَلِىٍّ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" (٥١). وهذا مذهبُ الشّافِعِىِّ.
فصل: والمَشْكُوكُ فيه على ثلاثةِ أضْرُبٍ، الأوَّلُ، ما أصلُه الحَظْرُ، كالذَّبِيحَةِ فى بَلَدٍ فيها مَجُوسٌ وعَبَدَةُ أوثانٍ يَذْبَحُونَ، فلا يجوزُ شِراؤُها وإنْ أمْكَنَ أنْ يَكونَ ذابِحُها مُسْلِمًا؛ لأنَّ الأصلَ التَّحْرِيمُ، فلا يَزُولُ إلَّا بيَقِينٍ أو ظاهِرٍ. وكذلك إنْ كان فيها أخْلَاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والمَجُوسِ، لم يَجُزْ شِراؤها لذلك. والأصلُ فيه حَدِيثُ عَدِىٍّ بن حاتِمٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فَخَالَطَ كَلْبًا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهَا، فَلَا تَأْكُل، فَإنَّكَ لَا تَدْرِى أيُّهَا قَتَلَهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٥٢). فأمّا
стр. 2984
إنْ كان ذلك فى بَلَدِ الإسلامِ، فالظّاهِرُ إباحَتُها؛ لأنّ المُسْلِمِينَ لا يُقِرُّونَ فى بَلَدِهِم بَيْعَ ما لا يَحِلُّ بَيْعُه ظاهِرًا. والثّانى، ما أصلُه الإباحَةُ، كالماءِ يَجِدُه مُتَغَيِّرًا، لا يَعْلَمُ أبِنَجاسَةٍ تَغَيَّرَ، أم بغَيْرِها؟ فهو طاهِرٌ فى الحُكْمِ؛ لأنّ الأصلَ الطَّهارَةُ، فلا نزُولُ عنها إلّا بِيَقِينٍ أو ظاهِرٍ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ مِنهما. والأصلُ فى ذلك حَدِيثُ عبدِ اللهِ ابن زَيْدٍ، قال: شُكِىَ إلى النَّبِىِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إليه فى الصَّلاةِ أنَّه يَجِدُ الشىءَ، قال: "لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أوْ يَجِدَ رِيحًا". مُتَّفَقٌ عليه (٥٣). والثّالثُ، ما لا يُعْرَفُ له أصلٌ، كرَجُلٍ فى مالِه حَلالٌ وحَرامٌ، فهذا هو الشُّبهَةُ، التى الأوْلَى تَرْكُها، على ما ذَكَرْنا، وعَمَلًا بما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه وَجَدَ تَمْرَةً ساقِطَةً، فقال: "لَوْلا أنِّى أخْشَى أنَّهَا مِنَ الصَّدَقَةِ لأكَلْتُهَا" (٥٤). وهو مِن بابِ الوَرَعِ.
فصل: وكان أحمدُ، ﵀، لا يَقْبَلُ جَوائِزَ السُّلْطانِ، ويُنْكِرُ على وَلَدِه وعَمِّه قَبُولَها، ويُشَدِّدُ فى ذلك، ومِمَّن كان لا يَقْبَلُها سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والقاسِمُ، [وبُسْرُ] (٥٥) بن سعيدٍ، ومحمدُ بن وَاسِعٍ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبارَكِ، وكان هذا مِنهم على سَبِيلِ الوَرَعِ والتَّوَقِّى، لا على أنَّها حرامٌ، فإنَّ أحمدَ قال: جوائزُ السُّلْطانِ أحَبُّ إلىَّ مِنَ الصَّدَقَةِ. وقال: ليس أحَدٌ مِنَ المسلمين إلّا وله فى هذه الدَّراهِمِ نَصِيبٌ، فكيف أقولُ: إنَّها سُحْتٌ؟ ومِمَّن كان يَقبَلُ جوائزَهم ابنُ عُمرَ، وابنُ عَبّاسٍ، وعائشةُ، وغيرُهم مِنَ الصَّحابَةِ، مِثْلُ الحسنِ، والحُسينِ، وعبدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ. ورَخَّصَ فيه الحسنُ البَصرِىُّ، ومَكْحُولٌ، والزُّهْرِىُّ
стр. 2985
والشّافِعِىُّ. واحْتَجَّ بعضُهم بأنَّ النَّبِىَّ ﷺ اشْتَرَى مِن يَهُودِىٍّ طعامًا (٥٦)، وماتَ ودِرْعُه مَرْهُونَةٌ عندَه (٥٧). وأجابَ يَهُودِيًّا دَعَاهُ، وأكَلَ مِن طعامِه (٥٨). وقد أخْبَرَ اللهُ تعالى أنَّهم أكّالُونَ للسُّحْتِ. ورُوِىَ عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لا بَأْسَ بجَوائِزِ السُّلْطانِ، فإنَّ ما يُعْطِيكُم مِنَ الحلالِ أكْثَرُ مِمّا يُعْطِيكُم مِنَ الحرامِ. وقال: لا تَسْألِ السُّلْطانَ شَيْئًا، وإنْ أعْطَى فَخُذْ، فإنَّ ما فى بيتِ المالِ مِنَ الحلالِ أكْثَرُ مِمَّا فيه مِنَ الحرامِ.
فصل (٥٩): قال أحمدُ ﵀، فى مَن معه ثلاثةُ دَراهِمَ، فيها دِرْهَمٌ حرامٌ: يَتَصَدَّقُ بالثَّلاثَةِ، وإن كان معه مِائَتا دِرْهَمٍ، فيها عَشْرَةٌ حرامٌ، يَتَصَدَّقُ بالعَشرَةِ؛ لأنَّ هذا كَثِيرٌ، وذاك قَلِيلٌ. فقيل له: قال سُفْيانُ: ما كان دُونَ العَشْرَةِ يَتَصَدَّقُ به، وما كان أكْثَرَ يَخْرُجُ. قال: نعم، لا يُجْحَفُ به. قال القاضى: وليس هذا على سَبِيلِ التَّحْدِيدِ، وإنّما هو على طَرِيقِ الاخْتِيارِ؛ لأنَّه كُلَّما كَثُرَ الحلالُ بَعُدَ تَنَاوُلُ
стр. 2986
الحرامِ، وشَقَّ التَّوَرُّعُ عن الجَميعِ، بخِلافِ القَلِيلِ، فإنَّه يَسْهُلُ إخْراجُ الكُلِّ. والواجِبُ فى المَوْضِعَيْنِ إخراجُ قَدْرِ الحرامِ، والباقى مُباحٌ له؛ وهذا لأنَّ تَحْرِيمَه لم يَكُنْ لتَحْرِيمِ عَيْنِه، وإنّما حُرِّمَ لتَعَلُّقِ حَقِّ غيرِه به، فإذا أخْرَجَ عِوَضَه زالَ التَّحْرِيمُ عنه، كما لو كان صاحِبُه حاضِرًا فرَضِىَ بعِوَضِه، وسواءٌ كان قَلِيلًا أو كَثِيرًا. والوَرَعُ إخراجُ ما يَتَيَقَّنُ به إخراجَ عَيْنِ (٦٠) الحرامِ، ولا يَحْصُلُ ذلك إلّا بإخراجِ الجَمِيعِ، لَكِنْ لَمّا شَقَّ ذلك فى الكَثِيرِ، تُرِكَ لأجلِ المَشَقَّةِ فيه، واقْتُصِرَ على الواجِبِ. ثم يَخْتَلِفُ هذا باخْتِلافِ النّاسِ؛ فمِنْهم مَن لا يَكونُ له سِوَى (٦١) الدَّراهِمِ اليَسِيرَةِ، فَيَشُقُّ إخراجُها؛ لحاجَتِه إليها، ومِنهم مَن يكونُ له مالٌ كَثِيرٌ، فَيَسْتَغْنِى عنها، فَيَسْهُلُ إخراجُها.
فصل: قد ذَكَرْنا أنّ [ظاهِرَ المذهبِ] (٦٢)، أنَّه (٦٣) لا يجوزُ بَيْعُ كُلِّ ماءٍ عِدٍّ (٦٤)، كمِياهِ العُيُونِ، ونَقْعِ البِئْرِ فى أماكِنِه قَبْلَ إحْرازِه فى إنائِه، ولا الكَلَأِ فى مَواضِعِه قَبْلَ حِيازَتِه. فعلى هذا؛ متى باعَ الأرضَ وفيها كَلَأ أو ماءٌ، فلا حَقَّ للبائِعِ فيه. وقد ذَكَرْنا روايةً أُخْرَى؛ أنَّ ذلك مَمْلُوكٌ، وأنَّه يَجُوزُ بَيْعُه. فعلى هذه الرِّوايةِ، إنْ باعَ الأرضَ، فذَكَرَ الماءَ والكَلَأ فى البَيْعِ، دَخَلَ فيه، وإنْ لم يَذْكُرْه، كان الماءُ المَوْجُودُ والكَلَأُ للبائِعِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ فى الأرضِ. والماءُ أصلٌ بنَفْسِه، فهو كالطَّعامِ فى الدّارِ، فما يَتَجَدَّدُ بَعْدَ البَيْعِ، فهو للمُشْتَرِى. وعلى هذه الرِّوايةِ، إذا باعَ مِن هذا الماءِ آصُعًا مَعْلُومَةً، جازَ؛ لأنَّه كالصُّبْرَةِ، وإنْ باعَ كُلَّ ماءِ البِئْرِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَخْتَلِطُ بغيرِه. ولو باعَ مِن النَّهْرِ الجارى آصُعًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك الماءَ يَذْهَبُ، ويَأْتِى غيرُه.
стр. 2987
فصل: وعلى كِلْتَا الرِّوايَتَيْنِ؛ متى كان الماءُ النَّابِعَ فى مِلْكِه، أو الكَلَأُ أو المَعادِنُ، وَفْقَ كِفايَتِه، لشُرْبِه، وشُرْبِ ماشِيَتِه، لم يَجِبْ عليه بَذْلُه. نَصَّ عليه؛ لأنَّه فى مِلْكِه، فإذا تساوى هو وغيرُه فى الحاجَةِ، كان أحَقَّ به، كالطَّعامِ، وإنّما تَوَعَّدَ النَّبِيُّ ﷺ على (٦٥) مَنْعِ فَضْلِ الماءِ، ولا فَضْلَ فى هذا. ولأنَّ عليه فى بَذْلِه ضَرَرًا، ولا يَلْزَمُه نَفْعُ غيرِه بمَضَرَّةِ نفْسِه. وإنْ كان فيه فَضْلٌ عن شُرْبِه، وشُرْبِ ماشِيَتِه وزَرْعِه، واحتاجَتْ إليه ماشِيَةُ غيرِه، لَزِمَه بَذْلُه بغيرِ عِوَضٍ، ولكُلِّ واحِدٍ أنْ يَتَقَدَّمَ إلى الماءِ، ويَشْرَبَ، ويَسْقِىَ مَاشِيَتَه، وليس لصاحِبِه المَنْعُ مِن ذلك؛ لما رَوَى إياسُ وإياسِ بنِ عبدٍ المُزَنِيِّ (٦٦)، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ، لِيَمْنَعَ بِهِ فَضْلَ الكَلَأِ، مَنَعَهُ اللهُ فَضْلَ رَحْمَتِهِ" (٦٧). وفى صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٦٨) عن أبي
стр. 2988
هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى أنْ تَسْأَلَ المَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِها. ونَهَى أنْ يُمْنَعَ الماءَ مَخافَةَ أنْ يُرْعَى الكَلَأُ. يَعْنِى إذا كان فى مكانٍ كَلَأ، وليس يُمْكِنُه الإِقامَةُ لرَعْيِه إلّا بالسَّقْىِ من هذا الماءِ، فيَمْنَعُهم السَّقْىَ، ليَتَوَفَّرَ الكَلَأُ عليه. ورَوَى أبو عُبَيْدَةَ (٦٩) بإسنادِه، عن عُمَرَ، أنّه قال: ابنُ السَّبِيلِ أحَقُّ بالماءِ مِنَ التَّانِى (٧٠) عليه. وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: ابنُ السَّبِيلِ أوَّلُ شارِبٍ. وعن بُهَيْسَةَ، قالتْ: قال أبي: يا رسولَ اللهِ، ما الشَّئُ الذى لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: "الْمَاءُ". قال: يا رسولَ اللهِ ما الشَّئُ الذى لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: "الْمِلْحُ" (٧١). ولَيْسَ عليه بَذْلُ آلَةِ البِئْرِ مِنَ الحَبْلِ، والدَّلْوِ، والبَكَرَةِ؛ لأنَّه يَخْلُقُ (٧٢)، ولا يَسْتَخْلِفُ غيرَه، بخِلافِ الماءِ. وهذا كُلُّه هو الظّاهِرُ مِن مذهبِ الشّافِعِيِّ. ولا فَرْقَ فيما ذَكَرْنا بينَ البُنْيانِ والصَّحارِى. وعن أحمدَ، أنّه قال: إنّما هذا فى الصّحارِى والبَرِّيَّةِ، دُونَ البُنْيانِ. يعنى أنّ البُنْيانَ إذا كان فيه الماءُ، فليس لأحَدٍ الدُّخُولُ إليه إلَّا بإذْنِ صاحِبِه.
فصل: وهل يَلْزَمُه بَذْلُ فَضْلِ مائِه لزَرْعِ غيرِه؟ فيه روايتانِ؛ إحْداهما، لا يَلْزَمُه (٧٣) بَذْلُه. وهو مذهبُ الشّافِعِيِّ؛ لأنّ الزَّرْعَ لا حُرْمَةَ له فى نَفْسِه، ولهذا لا يَجِبُ على صاحِبِه سَقْيُه، بخِلافِ الماشِيَةِ. والثَّانيةُ، يَلْزَمُه بَذْلُه لذلك؛ لما رُوِىَ
стр. 2989
عن عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو، أنَّ قَيِّمَ أرضِه بالوَهْطِ (٧٤) كَتَبَ إليه، يُخْبِرُه أنَّه قد سَقَى أرضَه، وفَضَلَ له مِنَ الماءِ فَضْلٌ يُطْلَبُ بثلاثينَ ألفًا. فكَتَبَ إليه عبدُ اللَّه بن عَمْرٍو؛ أقِمْ قِلْدَكَ، ثم اسْقِ الأدْنَى فالأدْنَى، فإنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عن بَيْعِ فَضْلِ الماءِ (٧٥). قال أبو عُبَيْدٍ (٧٦): القِلْدُ: يَوْمُ الشِّرْبِ. وفى "المُسْنَدِ" (٧٧)، [حَدَّثَنا حَسَنٌ] (٧٨)، قال حَدَّثَنا حَمّادُ بن سَلَمَةَ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابِرٍ، قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن بَيْعِ فَضْلِ الماءِ. وروى إياس بن عبدٍ (٧٩)، قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ أنْ يُمْنَعَ فَضْلُ الماءِ. رواه التِّرْمِذِىُّ (٨٠)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وفى لَفْظٍ: نَهَى عن بَيْعِ الماءِ. ولأنَّ فى مَنْعِه فَضْلَ الماءِ إهلاكَه، فحُرِّمَ مَنْعُه كالماشِيَةِ. وقولُهم: لا حُرمَةَ له. قُلْنَا: فلصاحِبِه حُرْمَةٌ، فلا يجُوزُ التَّسَبُّبُ إلى إهلاكِ مالِه. ويَحْتَمِلُ (٨١) أنْ يُمْنَعَ نَفْىُ الحُرْمَةِ عنه، فإنَّ إضاعَةَ المالِ مَنْهِىٌّ عنها، وإتلافَه مُحَرَّمٌ، وذلك دَلِيلٌ على حُرْمَتِه.
فصل: وإذا اشْتَرَى عَبْدًا بمِائَةٍ، فقضاها عنه غيرُه، صَحَّ، سواءٌ قضاه بأمرِه أو غيرِ
стр. 2990
أمْرِه. فإنْ بانَ العَبْدُ مُسْتَحَقًّا، لَزِمَ رَدُّ المِائَةِ إلى دافِعِها؛ لأنَّنا تَبَيَّنّا أنَّه قَبْضٌ غيرُ مُسْتَحَقٍّ، فكأنَّ المِائَةَ لم تَخْرُجْ مِن يَدِ دافِعِها. وإنْ بانَ العَبْدُ مَعِيبًا، فرَدَّه بالعَيْبِ، أو بإقالَةٍ، أو أصْدَقَ امْرَأةَ إنسانٍ شَيْئًا، فَطَلَّقها الزَّوْجُ (٨٢) قَبْلَ دُخُولِه بها، أو ارْتَدَّتْ، فهل يَلْزَمُ رَدُّ المِائَةِ إلى دافِعِها أو على المُشْتَرِى والزَّوْجِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، على الدَّافِعِ؛ لأنَّ القَبْضَ حَصَلَ منه، فالرَّدُّ عليه، كالتى قَبْلَها. والثَّانى، على الزَّوْجِ والمُشْتَرِى؛ لأنَّ قَضاءَه بمَنْزِلَةِ الهِبَةِ لهما، بدَلِيلِ بَراءَةِ ذِمَّتِها منه، والهِبَةُ المَقْبُوضَةُ (٨٣) لا يجوز الرُّجُوعُ فيها. وإنْ كان الدَّفْعُ بإذْنِ المُشْتَرِى والزَّوْجِ، احْتَمَلَ أنْ يكونَ الحُكْمُ فيه كما لو قضاهُ بغيرِ إذْنِه، إذا كان فَعَلَ ذلك على سَبِيلِ التَّبَرُّعِ عليه، واحْتَمَلَ أنْ يكونَ رَدُّه على الزَّوْجِ والمُشْتَرِى، إذا كان عَقْدُهمَا صَحِيحًا بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّ إذْنَهما فى تَسْلِيمِه إلى مَن له الدَّيْنُ عليهما إذا اتَّصَلَ به القَبْضُ، جَرَى مجْرَى قَبُولِه وقَبْضِه، بِخِلَافِ ما إذا لم يَأْذَنْ. وإنْ أذِنا فى دَفْعِ ذلك عنهما قَرْضًا، فإنَّ الرَّدَّ يكونُ عليهما، والمُقْرِضُ يَرْجِعُ عليهما بعِوَضِهِ.
فصل: إذا قال العَبْدُ لرَجُلٍ: ابْتَعْنِى مِن سَيِّدِى. ففَعَلَ، فبانَ العَبْدُ مُعْتَقًا، فالضَّمانُ على السَّيِّدِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال أبو حنيفةَ؛ إنْ كان السَّيِّدُ حاضِرًا حِينَ غَرَّه العَبْدُ، وإنْ كان غائِبًا فَالضَّمانُ على العَبْدِ؛ لأنَّ الغَرُورَ (٨٤) منه. ولَنا، [أنّ السَّيِّدَ] (٨٥) قَبَضَ الثَّمَنَ بغير اسْتِحْقاقٍ، وضَمِنَ العُهْدَةَ، فكان الضَّمانُ عليه، كما لو كان حاضِرًا. وإنْ بانَ العَبْدُ مَغْصُوبًا، أو به عَيْبٌ، فرَدَّه، فالضَّمانُ على السَّيِّدِ؛ لِما ذَكَرْنا.
стр. 2991
فصل: وإنِ اشْتَرَى اثنانِ عَبْدًا، فغابَ أحَدُهما، وجاءَ الآخَرُ يَطْلُبُ نَصِيبَه منه، فلَهُ ذلك. وقال أبو حنيفةَ: ليس له ذلك؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه تَسْلِيمُه إلَّا بتَسْلِيمِ نَصِيبِ الغائِبِ، وليس له تَسْلِيمُه بغيرِ إذْنِه. ولَنا، أنَّه طَلَبَ حِصَّتَه، فكان له ذلك، كما لو أوْجَبَ لكُلِّ واحدٍ مِنهما مُنْفَرِدًا. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بهذه الصُّورَةِ. وإنْ قال الحاضِرُ: أنا أدْفَعُ جَمِيعَ الثَّمَنِ، وتَدْفَعُ إلىَّ جَمِيعَ العَبْدِ. لم يَكُنْ له ذلك. وقال أبو حنيفةَ: له ذلك. ولَنا، أنَّ شَرِيكَه لم يَأْذَنْ للحَاضِرِ فى قَبْضِ نَصِيبِه، ولا للبَائِعِ فى دَفْعِه إليه، فلم يَكُنْ لهما ذلك، كما لو كانا حاضِرَيْنِ. فإنْ سُلِّمَ إليه، فتَلِفَ العَبْدُ، فللغائِبِ تَضْمِينُ أيِّهما شاءَ؛ لأنَّ الدَّافِعَ فَرَّطَ بدَفْعِ مالِه بغيرِ إذْنِه، والشَّرِيكَ قَبَضَ مالَ غيرِه بغيرِ إذْنِه. فإنْ ضَمِنَ الشَّرِيكُ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فى يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه. وإنْ ضَمِنَ الدّافِعُ، رَجَعَ على القابِضِ لذلك. ويَقْوَى عِنْدِى أنَّه إذا لم يُمْكِنْ تَسْلِيمُ نَصِيبِ أحَدِ المُشْتَرِيَيْنِ إليه إلَّا بتَسْلِيمِ نَصِيبِ صاحِبِه، أنّه لا يجوزُ التَّسْلِيمُ إليه؛ لما ذَكَرْنا هاهُنا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الإِشهادُ فى البَيْعِ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٨٦). وأقَلُّ أحوالِ الأمرِ الاسْتِحْبابُ. ولأنَّه أقْطَعُ للنِّزاعِ، وأبْعَدُ مِنَ التَّجاحُدِ، فكان أوْلَى، ويَخْتَصُّ ذلك بما له خَطَرٌ، فأمَّا الأشياءُ القَلِيلَةُ الخَطَرِ، كحَوائِجِ البَقّالِ، والعَطّارِ، وشِبْهِهما، فلا يُسْتَحَبُّ ذلك فيها؛ لأن العُقُودَ فيها (٨٧) تَكْثُرُ، فيَشُقُّ الإشهادُ عليها، وتَقْبُحُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليها، والتَّرافُعُ إلى الحاكِمِ من أجْلِها، بخِلافِ الكَثِيرِ. وليس الإِشهادُ بواجِبٍ فى واحَدٍ مِنهما، ولا شَرْطًا له. رُوِىَ ذلك عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وهو قولُ الشّافِعيِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وإسحاقَ، وأبي أيُّوبَ. وقالت طَائِفَةٌ: ذلك فَرْضٌ لا يجوزُ تَرْكُه. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ. ومِمَّن رأى الإِشهادَ على البَيْعِ عَطَاءٌ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، والنَّخَعِىُّ؛
стр. 2992
لظاهِرِ الأمْرِ، ولأنه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فيَجِبُ الإِشهادُ عليه كالنِّكاحِ. ولنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٨٨). وقال أبو سَعِيدٍ: صارَ الأمْرُ إلى الأمانَةِ. وتَلَا هذه الآيةَ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، ورَهَنَهُ دِرْعَهُ (٨٩)، واشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سَرَاوِيلَ (٩٠)، ومِنْ أعْرَابِيٍّ فَرَسًا، فجَحَدَهُ الأَعْرَابِيُّ حَتَّى شَهِدَ له خُزَيْمَةُ بن ثابِتٍ (٩١)، ولم يُنْقَلْ أنَّه أشْهَدَ فى شىءٍ من ذلك. وكان الصَّحابَةُ يَتَبايَعُونَ فى عَصْرِهِ فى الأسْواقِ، فلم يَأْمُرْهُم بالإِشْهادِ، ولا نُقِلَ عَنْهم فِعْلُه، ولم يُنْكِرْ عليهم النَّبِيُّ ﷺ ، ولو كانوا (٩٢) يُشْهِدُونَ فى كلِّ بياعاتِهِم لَمَا أُخِلَّ بِنَقْلِه. وقد أمَرَ النبىُّ ﷺ عُرْوَةَ بنَ الجَعْدِ أنْ يَشْتَرِىَ لَهُ أُضْحِيَّةً (٩٣). ولم يَأْمُرْهُ بالإِشْهادِ، وأخْبَرَه عُرْوَةُ أنَّه اشْتَرَى شَاتَيْنِ فبَاعَ إحْدَاهُما، ولم يُنْكِرْ عليه تَرْكَ الإِشْهَادِ. ولأنَّ المُبايَعَةَ تَكْثُرُ بين الناس فى أسْواقِهم وغيرِها، فلو وَجَبَ الإِشْهَادُ فى كلِّ ما يَتَبَايَعُونَه، أفْضَى إلى الحَرَجِ المَحْطُوطِ عَنَّا بقولِه
стр. 2993
تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٩٤). والآيةُ، المرَادُ بها الإِرْشادُ إلى حِفْظِ الأَمْوَالِ والتَّعْلِيمِ، كما أمَرَ بالرَّهْنِ والكَاتِبِ، وليس بِوَاجِبٍ، وهذا ظَاهِرٌ.
فصل: ويُكْرَهُ البَيْعُ والشِّراءُ فى المَسْجِدِ. وبه قال إسْحاقُ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أو يَبْتَاعُ فى المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ، وَإذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فى المَسْجِدِ، فقُولُوا: لا رَدَّ (٩٥) اللهُ عَلَيْكَ". أخْرَجَهُ التِّرمِذِيُّ (٩٦)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، ولأنَّ المَساجِدَ لم تُبْنَ لهذا. ورَأَى عِمْرَانُ القَصِيرُ (٩٧) رَجُلًا يَبِيعُ فى المَسجِدِ، فقال: هذه سُوقُ الآخِرَةِ، فإن أرَدْتَ التِّجارَةَ فاخْرُجْ إلى سُوقِ الدُّنْيَا. فإن باعَ فَالبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لأنَّ البَيْعَ تَمَّ بأَرْكانِه وشُرُوطِه، ولم يثْبُتْ وُجُودُ مُفْسِدٍ له، وكَراهَةُ ذلك لا تُوجِبُ الفَسادَ، كالغِشِّ فى البَيْعِ والتَّدْلِيسِ والتَّصْرِيَةِ. وفى قولِ النبيِّ ﷺ : "قُولُوا: لا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ". مِن غيرِ إخْبارٍ بِفَسادِ البَيْعِ، دَلِيلٌ على صِحَّتِه، واللهُ أعْلَمُ.
стр. 2994
كِتابُ (١) السَّلَمِ
وهو أن يُسْلِمَ عِوَضًا حاضِرًا، فى عِوَضٍ مَوْصُوفٍ فى الذِّمَّةِ إلى أجَلٍ، ويُسَمَّى سَلَمًا، وسَلَفًا. يقال: أسْلَمَ، وأسْلَفَ، وسَلَّفَ. وهو نَوْعٌ مِن البَيْعِ، يَنْعَقِدُ بما يَنْعَقِدُ به البَيْعُ، وبِلَفْظِ السَّلَمِ والسَّلَفِ، ويُعْتَبَرُ فيه من الشُّرُوطِ ما يُعْتَبَرُ فى البَيْعِ، وهو جائِزٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢)، ورَوَى سَعِيدٌ بإِسْنادِه عن ابنِ عَبَّاسٍ، أتَّه قال: أَشْهَدُ أنَّ السَّلَفَ المَضْمُونَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى قد أحَلَّهُ اللهُ فى كِتابِه، وأَذِنَ فيه، ثُمَّ قَرَأَ هذه الآيةَ. ولأنَّ هذا اللَّفْظَ يَصْلُحُ (٣) لِلسَّلَمِ ويَشْمَلُه بِعُمُومِه. وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى ابنُ عَبَّاسٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، [أنَّه قَدِمَ] (٤) المَدِينَةَ وهُمْ يُسْلِفُونَ فى الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ والثَّلَاثَ، فقال: "مَنْ أَسْلَفَ فِى شَىءٍ فَلْيُسْلِفْ فى كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٥)، ورَوَى
стр. 2995
البُخارِيُّ (٦) عن محمدِ بنِ أبى المُجَالدِ، قال: أَرْسَلَنِى أبو بُرْدَةَ وعبدُ اللهِ بنُ شَدَّادٍ إلى عبدِ الرَّحمنِ بنِ أَبْزَى وعبدِ اللَّه بنِ أبى أوْفَى، فسَأَلْتُهُما عن السَّلَفِ، فقالا: كنَّا نُصِيبُ المَغَانِمَ مَعَ رسولِ اللَّه ﷺ ، فكان يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسَلِّفُهُم فى الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ والزَّبِيبِ (٧). فقلتُ: أكانَ لَهُمْ زَرْعٌ، أمْ لَمْ يَكُنْ لَهُم زَرْعٌ؟ قال: ما كنَّا نَسْأَلهُم عن ذلك. وأمَّا الإِجْماعُ، فقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نحْفَظُ عنه مِنْ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ السَّلَمَ جائِزٌ، ولأنَّ المُثْمَنَ فى البَيْعِ أحَدُ عِوَضَىِ العَقْدِ، فجازَ أن يَثْبُتَ فى الذِّمَّةِ، كالثَّمَنِ، ولأنَّ بالنَّاسِ حَاجَةً إليه؛ لأنَّ أرْبابَ الزُّرُوعِ والثِّمَارِ والتِّجاراتِ يَحْتاجُونَ إلى النَّفَقَةِ على أنفُسِهِمْ وعليها؛ لِتَكْمُلَ، وقد تُعْوِزُهُم (٨) النَّفَقَةُ، فجَوَّزَ لهم السَّلَمَ؛ لِيَرْتَفِقُوا، ويَرْتَفِقَ المُسْلِمُ بالاسْتِرْخَاصِ.
٧٧٣ - مسألة؛ قال أبو القَاسِمِ، ﵀: (وكلُّ ما ضُبِطَ بِصِفَةٍ، فالسَّلَمُ فيه جَائِزٌ)
وجملةُ ذلك، أنَّ السَّلَمَ، لا يَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ:
أحدُها، أن يكونَ المُسْلَمُ فيه مما يَنْضَبِطُ بالصِّفاتِ التى يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلافِها ظاهِرًا، فيَصِحُّ فى الحُبُوبِ، والثِّمَارِ، والدَّقِيقِ، والثِّيابِ، والإِبْرِيسَمِ،
стр. 2996
والقُطْنِ، والكَتَّانِ، والعِنَبِ (٢)، والصُّوفِ، والشَّعْرِ، والكاغدِ (٣)، والحَدِيدِ، والرَّصاصِ، والصُّفْرِ، والنُّحاسِ، والأدْوِيَةِ، والطِّيبِ، والخُلُولِ، والأَدْهانِ، والشُّحُومِ، والألْبانِ، والزِّئْبَقِ، والشَّبِّ، والكِبْرِيتِ، والكُحْلِ، وكلِّ مَكِيلٍ، أو مَوْزُونٍ، أو مَزْرُوعٍ، وقد جاء الحَدِيثُ فى الثِّمَارِ، وحَدِيثُ ابنِ أبي أوْفَى فى الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والزَّبِيبِ، والزَّيْتِ (٤). وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ السَّلَمَ فى الطَّعامِ جائِزٌ، قالَه ابنُ المُنْذِرِ. وأجْمَعُوا على جَوازِ السَّلَمِ فى الثِّيابِ. ولا يَصِحُّ السَّلَمُ فيما لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، كالجَوْهَرِ من اللُّؤْلُؤِ، والياقُوتِ، والفَيْرُوزَجِ، والزَّبَرْجَدِ، والعَقِيقِ، والبَلُّورِ؛ لأنَّ أثمانَها تَخْتَلِفُ اخْتِلافًا مُتَبايِنًا بالصِّغَرِ، والكِبَرِ، وحُسْنِ التَّدْوِيرِ، وزِيادَةِ ضَوْئِها، وصَفائِها، ولا يُمكنُ تَقْدِيرُها ببَيْضِ العُصْفُورِ، ونحوِه؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ؛ ولا بشىءٍ مُعَيَّنٍ، لأنَّ ذلك يَتْلَفُ. وهذا قولُ الشَّافِعِيِّ؛ وأصْحابِ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مالكٍ صِحَّةُ السَّلَمِ فيها، إذا اشْتَرَطَ منها شَيْئًا مَعْلُومًا، وإن كان وَزْنًا، فَبِوَزْنٍ مَعْرُوفٍ. والذى قُلْناه أوْلَى؛ لما ذَكَرْنا. ولا يَصِحُّ فيما يَجْمَعُ أخْلاطًا مَقْصُودَةً غيرَ مُتَمَيِّزَةٍ، كالغالِيَةِ (٥)، والنَّدِّ (٦)، والمَعاجِينِ التى يُتَداوَي، بها؛ لِلجَهْلِ بها، ولا فى الحَوامِلِ مِن الحَيَوانِ؛ لأنَّ الوَلَدَ مَجْهُولٌ غيرُ مُتَحَقِّقٍ، ولا فى الأوانِى المُخْتَلِفَةِ الرُّءُوسِ والأوْساطِ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تَأْتِى عليه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَصِحُّ السَّلَمُ فيه إذا ضُبِطَ بِارْتِفاعِ حائِطِه، ودوْرِ أعْلاه وأسْفَلِه؛ لأنَّ التَّفاوُتَ فى ذلك يَسِيرٌ، ولا يَصِحُّ فى القِسِىِّ المُشْتَمِلَةِ على الخَشَبِ، والقَرْنِ (٧)، والعصبِ (٨)، والتُّوزِ (٩)، إذ لا يُمكنُ ضَبْطُ مَقادِيرِ ذلك، وتَمْيِيزُ ما فيه
стр. 2997
منها. وقيل: يجوزُ السَّلَمُ فيها، والأوْلَى ما ذَكَرْنا. قال القاضِى: والذى يَجْمَعُ أخْلاطًا على أرْبَعَةِ أضْرُبٍ؛ أحدها، مُخْتَلِطٌ مَقصُودٌ مُتَمَيِّزٌ، كالثِّيابِ المَنْسُوجَةِ من قُطْنٍ وكَتَّانٍ، أو قُطْنٍ وإِبْرِيسَمَ، فيَصِحُّ السَّلَمُ فيها؛ لأنَّ ضَبْطَها مُمْكِنٌ. الثانى، ما خَلْطُهُ لِمَصْلَحَتِه، وليس بِمَقْصُودٍ فى نَفسِه، كالإِنْفَحَّةِ فى الجُبْنِ، والمِلْحِ فى العَجِينِ والخُبْزِ، والماءِ فى خَلِّ التَّمْرِ والزَّبِيبِ، فيَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه يَسِيرٌ لِمَصْلَحَتِه. الثالث، أخْلاطٌ مَقْصُودَةٌ غيرُ متَمَيِّزَةٍ، كالغالِيَةِ والنَّدِّ والمَعاجِينِ، فلا يَصِحُّ السَّلَمُ فيها؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تَأْتِى عليها. الرابع، ما خَلْطُه غيرُ مَقْصُودٍ، ولا مَصْلَحَةَ فيه، كاللَّبَنِ المَشُوبِ بالماءِ، فلا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه.
فصل: ويَصِحُّ السَّلَمُ فى الخُبْزِ، واللِّبَأِ، وما أمْكَنَ ضَبْطُه ممَّا مَسَّتْهُ النَّارُ. وقال الشَّافِعيُّ: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فى كلِّ مَعْمُولٍ بالنَّارِ؛ لأنَّ النارَ تَخْتَلِفُ، ويَخْتَلِفُ عَمَلُها، ويَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بذلك. ولَنا: قولُه ﵇: "مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمُ فى كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أو وَزْنٍ مَعْلُومٍ" (١٠). فظاهِرُ هذا إباحَةُ السَّلَمِ فى كلِّ مَكِيلٍ ومَوْزُونٍ ومَعْدُودٍ، ولأنَّ عَمَلَ النَّارِ فيه مَعْلُومٌ بالعادَةِ، ممكنٌ ضَبْطُه بالنَّشَافَةِ، والرُّطُوبَةِ، فصَحَّ السَّلَمُ فيه، كالمُجَفَّفِ بالشَّمْسِ. فأمَّا اللَّحْمُ المَطْبُوخُ، والشِّواءُ، فقال القاضِى: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ ذلك يَتَفاوَتُ كَثِيرًا، وعاداتُ الناسِ فيه مُخْتَلِفَةٌ، فلم يُمْكِنْ ضَبْطُه. وقال بعضُ أصْحابِنا: يَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لما ذَكَرْنا فى الخْبُزِ واللِّبَأِ.
فصل: ويَصِحُّ السَّلَمُ فى النُّشَّابِ والنَّبْلِ. وقال القاضِى: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيهما. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه يَجْمَعُ أخْلاطًا من خَشَبٍ، وعَقَبٍ (١١) ورِيشٍ، ونَصْلٍ، فجَرَى مَجْرَى أخْلاطِ الصَّيادِلَةِ، ولأنَّ فيه رِيشًا نَجِسًا؛ لأنَّ رِيشَهُ من جَوارِحِ الطَّيْرِ. ولَنا، أنَّه ممَّا يَصِحُّ بَيْعُه، ويُمكنُ ضَبْطُهُ بالصِّفاتِ التى لا يَتَفاوَتُ
стр. 2998
الثَّمَنُ معها غالِبًا، فصَحَّ السَّلَمُ فيه، كالخشَب والقَصَبِ، وما فيه من غيرِه مُتَمَيِّزٌ، يمكنُ ضَبْطُه والإِحاطَةُ به، ولا يَتَفاوَتُ كَثِيرًا، فلا يُمْنَعُ، كالثِّيابِ المَنْسُوجَةِ من جِنْسَيْنِ، وقد يكون الرِّيشُ طاهِرًا، وإن كان نَجِسًا، لكِن يَصِحُّ بَيْعُه، فلم يُمْنَع السَّلَمُ فيه، كنَجاسَةِ البَغْلِ والحِمارِ.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فى السَّلَمِ فى الحَيوانِ، فَرُوِىَ، لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْى. وَرُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابنِ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةَ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيِّ، والجُوزَجَانِيِّ؛ لما رُوِىَ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه أنَّه قال: إنَّ مِن الرِّبَا أبْوَابًا لا تَخْفَى، وإنَّ منها السَّلَمَ فى السِّنِّ. ولأنَّ الحَيوانَ يَخْتَلِفُ اخْتِلافًا مُتَبايِنًا، فلا يمكنُ ضَبْطُه. وإن اسْتَقْصَى صِفاتِه التى يَخْتَلِفُ بها الثَّمَنُ، مثلُ: أزَجُّ الحاجِبَيْنِ (١٢)، أكْحَلُ العَيْنَيْنِ، أقْنَى الأنْفِ (١٣)، أَشَمُّ العِرْنِينِ (١٤)، أهْدَبُ الأَشْفَارِ (١٥)، أَلْمَى الشَّفَةِ (١٦)، بَدِيعُ الصِّفَةِ. تَعَذَّرَ تَسْلِيمُه؛ لِنَدْرَةِ وُجُودِه على تلك الصِّفَةِ. وظَاهِرُ المَذْهَبِ، صِحَّةُ السَّلَمِ فيه. نَصَّ عليه، فى رِوَايَةِ الأَثْرَمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: وممَّن رَويْنَا عنه أنَّه لا بَأْسَ بالسَّلَمِ فى الحَيَوانِ؛ ابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ عمر، وسعيِدُ بن المُسَيَّبِ، والحَسنُ، والشَّعْبِيُّ، ومُجَاهِدٌ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وحَكَاهُ الجُوزَجَانِيُّ عن عَطَاءٍ، والحَكَمِ. لأن أبَا رَافِعٍ قال: اسْتَسْلَفَ النبيُّ ﷺ من رَجُلٍ بَكْرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٧). ورَوَى
стр. 2999
عبدُ اللَّه بنُ عمْرِو بن العَاصِ قال: أمَرَنِى رسولُ اللهِ ﷺ أن أَبْتَاعَ البَعِيرَ بِالبَعِيرَيْنِ وبالأْبْعِرَةِ إلى مَجِىءِ المُصَدِّقِ (١٨). وقد ذَكَرْنَا هذا الحَدِيثَ فى بَابِ الرِّبَا (١٩). ولأنه ثَبَتَ فى الذِّمَّةِ صَداقًا، فثَبَتَ فى السَّلَمِ كالثِّيَابِ، فأمَّا حَدِيثُ عُمرَ، فلم يَذْكُرْهُ أصْحَابُ الاخْتِلَافِ، ثم هو مَحْمُولٌ على أنَّهم يَشْتَرِطُونَ من ضِرَابِ فَحْلِ بَنِى فُلَانٍ. قال الشَّعْبِيُّ: إنَّما كَرِهَ ابنُ مَسْعُودٍ السَّلَفَ فى الحَيَوانِ؛ لأنَّهم اشْتَرَطُوا نِتَاجَ فَحْلٍ مَعْلُومٍ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وقد رُوِىَ عن عَلِىٍّ؛ أنَّه بَاعَ جَمَلًا له يُدْعَى عُصَيْفِيرًا، بِعِشْرِينَ بَعِيرًا، إلى أجَلٍ. ولو ثَبَتَ قولُ عمرَ فى تَحْرِيمِ السَّلَمِ فى الحَيَوانِ، فقد عارَضَهُ قولُ مَن سَمَّيْنَا ممَّن وَافَقَنَا.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ [فى السَّلَمِ] (٢٠) فى غير الحَيَوانِ، ممَّا لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ ولا يُزْرَعُ، فنَقَلَ إسْحاقُ بن إبْراهيمَ، عن أحمدَ، أنَّه قال: لا أرَى السَّلَمَ إلَّا فيما يُكَالُ أو يُوزَنُ أو يُوقَفُ عليه. قال أبو الخَطَّابِ: مَعْنَاهُ يُوقَفُ عليه بِحَدٍّ مَعْلُومٍ [لا يَخْتَلِفُ] (٢١)، كالزَّرْعِ، فأما الرُّمَّانُ والبَيْضُ، فلا أرَى السَّلَمَ فيه. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عنه وعن إسحاقَ، أنَّه لا خَيْرَ فى السَّلَمِ فى الرُّمَّانِ، والسَّفَرْجَلِ، والبِطِّيخِ، والقِثَّاءِ، والخِيَارِ؛ لأنَّه لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ، ومنه الصَّغِيرُ والكَبِيرُ. فعلى هذه الرِّوَايَةِ، لا يَصِحُّ السَّلَمُ فى كلِّ مَعْدُودٍ مُخْتَلِفٍ، كالذى سَمَّيْناه،
стр. 3000
وكالبُقُولِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، ولا يمكنُ تَقْدِيرُ البَقْلِ بالحَزْمِ؛ لأنَّ الحَزْمَ يُمْكِنُ فى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، فلم يَصِحَّ السَّلَمُ فيه، كالجَوَاهِرِ. ونَقَلَ إسماعيلُ بنُ سعيدٍ وابنُ منصورٍ، جَوَازَ السَّلَمِ فى الفَوَاكِهِ، والسَّفَرْجَلِ، والرُّمَّانِ، واللَّوْزِ (٢٢)، والخَضْرَوَاتِ، ونحوِها؛ لأنَّ كَثِيرًا من ذلك ممَّا يَتَقَارَبُ ويَنْضَبِطُ بالصِّغَرِ والكِبَرِ، وما لا يَتَقَارَبُ يَنْضَبِطُ بالوَزْنِ، كالبُقُولِ ونحوِها، فصَحَّ السَّلَمُ فيه، كالمَزْرُوعِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ، والأَوْزَاعِيُّ. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن الشَّافِعِيِّ المَنْعَ من السَّلَمِ فى البَيْضِ والجَوْزِ. ولعلَّ هذا قولٌ آخَرُ، فيكونُ له فى ذلك قَوْلَانِ.
فصل: فأما السَّلَمُ فى الرُّءُوسِ والأَطْرَافِ، فيُخَرَّجُ فى صِحَّةِ السَّلَمِ فيها الخِلَافُ الذى ذَكَرْنَا. وللشَّافِعِيِّ فيها قَوْلَانِ أيضا، كالرِّوَايَتَيْنِ؛ أحدُهما: يجوزُ. وهو قولُ مَالِكٍ، والأوْزَاعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه لَحْمٌ فيه عَظْمٌ يجوزُ شِرَاؤُه، فجَازَ السَّلَمُ فيه، كبَقِيَّةِ اللَّحْمِ. والآخَر، لا يجوزُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ أكْثَرَهُ العِظَامُ والمَشَافِرُ، واللَّحْمُ فيه قَلِيلٌ، وليس بَمَوْزُونٍ، بخِلَافِ اللَّحْمِ. فإن كان مَطْبُوخًا، أو مَشْوِيًّا، فقال الشَّافِعيُّ: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه. وهو قِياسُ قولِ القاضى؛ لأنه يَتَنَاثَرُ ويَخْتَلِفُ. وعلى قَوْلِ غيرِ القاضى من أصْحابِنَا، حُكْمُ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ من ذلك حُكْمُ غيره. وبه قال مَالِكٌ، والأَوْزَاعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ. والعَقْدُ يَقْتَضِيهِ سَلِيمًا من التَّأثُّرِ، والعادَةُ فى طَبْخِه تَتَفَاوَتُ، فأشْبَهَ غيرَه.
فصل: وفى الجُلُودِ من الخِلَافِ مثلُ ما فى الرُّءُوسِ والأَطْرَافِ. وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيها؛ لأنها تَخْتَلِفُ، فالوَرِكُ (٢٣) ثَخِينٌ قَوِىٌّ، والصَّدْرُ ثَخِينٌ رِخْوٌ، والبَطْنُ رَقِيقٌ ضَعِيفٌ، والظَّهْرُ أَقْوَى، فيَحْتَاجُ إلى وَصْفِ كلِّ مَوْضِعٍ منه،
стр. 3001
ولا يمكن ذَرْعُهُ؛ لِاخْتِلَافِ أَطْرَافِه. ولَنا، أنَّ التَّفَاوُتَ في ذلك مَعْلُومٌ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ السَّلَمِ فيه، كالحَيوانِ؛ فإنَّه يَشْتَمِلُ على الرَّأْسِ والجِلْدِ والأَطْرَافِ واللَّحْمِ والشَّحْمِ وما في البَطْنِ، وكذلك الرَّأْسُ يَشْتَمِلُ على لَحْمِ الخَدَّيْنِ والأُذُنَيْنِ والعَيْنَيْنِ، ويَخْتَلِفُ ذلك، ولم يَمْنَعْ صِحَّةَ السَّلَمِ فيه، كذا هاهُنا.
فصل: ويَصِحُّ السَّلَمُ في اللَّحْمِ. وبه قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ؛ لأنه يَخْتَلِفُ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ" (٢٤). وظَاهِرُه إباحَةُ السَّلَمِ في كلِّ مَوْزُونٍ. ولأنَّنا قد بَيَّنَّا جَوَازَ السَّلَمِ في الحَيَوانِ، فَاللَّحْمُ أَوْلَى.
الشَّرْطُ الثاني، أن يَضْبِطَهُ بِصِفَاتِه التي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بها ظاهِرًا، فإنَّ المُسْلَمَ فيه عِوَضٌ في الذِّمَّةِ، فلا بُدَّ من كَوْنِه مَعْلُومًا بِالوَصْفِ كالثَّمَنِ، ولأنَّ العِلْمَ شَرْطٌ في المَبِيعِ، وطَرِيقُه إمَّا الرُّؤْيَةُ وإمَّا الوَصْفُ، والرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةٌ هاهُنا، فتَعَيَّنَ الوَصْفُ. والأَوْصَافُ على ضَرْبَيْنِ: مُتَّفَقٍ على اشْتِراطِهَا، ومُخْتَلَفٍ فيها. فالمُتَّفَقُ عليها ثلاثةُ أَوْصافٍ؛ الجِنْسُ، والنَّوْعُ، والجَوْدَةُ والرَّدَاءَةُ. فهذه لا بُدَّ منها في كل مُسْلَمٍ فيه. ولا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا في اشْتِرَاطِها. وبه يقولُ أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ. الضَّرْبُ الثاني، ما يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلَافِه ممَّا عَدَا هذه الثَّلَاثَة الأَوْصَافِ، وهذه تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المُسْلَمِ فيه، ونَذْكُرُها عند ذِكْرِه. وذِكْرُهَا شَرْطٌ في السَّلَمِ عند إمامِنَا والشَّافِعِيِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَكْفِى ذِكْرُ الأَوْصافِ الثَّلَاثَةَ. لأنها تَشْتَمِلُ على ما وَرَاءَها من الصِّفَاتِ. ولَنا، أنَّه يَبْقَى من الأَوْصَافِ، من اللَّوْنِ والْبَلَدِ ونحْوِهما، ما يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ والغَرَضُ لأَجْلِه، فوَجَبَ ذِكْرُه، كالنَّوْعِ. ولا يَجِبُ اسْتِقْصَاءُ كلّ الصِّفَاتِ؛ لأنَّ ذلك يَتَعَذَّرُ، وقد يَنْتَهِى الحالُ فيها إلى أَمْرٍ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ المُسْلَمِ فيه، إذ يَبْعُدُ وُجُودُ المُسْلَمِ فيه عند المَحلِّ بِتِلْكَ
стр. 3002
الصِّفَاتِ كلها، فيَجِبُ الاكْتِفَاءُ بالأوْصافِ الظَّاهِرَةِ التي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بها ظاهِرًا. ولو اسْتَقْصَى الصِّفَاتِ حتى انْتَهَى إلى حال يَنْدُرُ وُجُودُ المُسْلَم فيه بِتِلْكَ الأَوْصَافِ، بَطَلَ السَّلَمُ؛ لأنَّ مِن شَرْطِ السَّلَمِ أن يكونَ المُسْلَمُ فيه عَامَّ الوُجُودِ عندَ المَحلِّ، واسْتِقْصَاءُ الصِّفَاتِ يَمْنَعُ منه. ولو شَرَطَ الأَجْوَدَ، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنه لا يَقْدِرُ على الأَجْوَدِ. وإن قَدَرَ عليه كان نَادرًا. وإن شَرَطَ الأَرْدَأَ احْتَمَلَ أنْ لا يَصِحَّ لذلك (٢٥)، واحْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه (٢٦) يَقْدِرُ على تَسْلِيمِ ما هو خَيْرٌ منه، فإنَّه لا يُسْلِّمُ شيئًا إلَّا كان خَيْرًا ممَّا شَرَطَهُ، فلا يَعْجِزُ إذًا عن تَسْلِيمِ ما يَجِبُ قَبُولُه، بخِلَافِ التي قَبْلَها. ولو أَسْلَمَ في جارِيَةٍ وابْنَتِها، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يَضْبِطَ كلَّ واحِدَةٍ منهما بِصِفَاتٍ، ويَتَعَذَّرُ وُجُودُ تلك الصِّفَاتِ في جارِيَةٍ وابْنَتِها. وكذلك إن أَسْلَمَ في جَارِيَةٍ وأُخْتِها أو عَمَّتِها أو خَالَتِها أو ابْنَةِ عَمِّها؛ لما ذَكَرْنَا. ولو أَسْلَمَ في ثَوْبٍ على صِفَةِ خِرْقَةٍ أَحْضَرَهَا، لم يَجُزْ؛ لِجَوَازِ أن تَهْلِكَ الخِرْقَةُ، وهذا غَرَرٌ، ولا حَاجَةَ إليه، فمَنَعَ الصِّحَّةَ، كما لو شَرَطَ مِكْيَالًا بِعَيْنِه، أو صَنْجَةً بِعَيْنِها.
فصل: والجِنْسُ، والجَوْدَةُ، أو ما يَقُومُ مقَامَهَا، شَرْطَانِ في كلِّ مُسْلَمٍ فيه، فلا حَاجَةَ إلى تَكْرِيرِ ذِكْرِهما في كل مُسْلَمٍ فيه، ويذْكُرُ ما سِوَاهُما، فيَصِفُ التَّمْرَ بأَرْبَعَةِ أوْصَافٍ؛ النَّوْعِ، بَرْنِيٍّ أو مَعْقلِيٍّ، والبَلَدِ، إن كان يَخْتَلِفُ، فيقول: بَغْدَادِىٌّ، أو بَصْرِىٌّ؛ فإنَّ البَغْدَادِيَّ أحْلَى وأقَلُّ بَقَاءً لِعُذُوبَةِ الماءِ، والبَصْرِيُّ بخِلَافِ ذلك. والقَدْرِ، كِبَارٌ أو صِغَارٌ، وحَديثٌ أو عَتِيقٌ. فإن أَطْلَقَ العَتِيقَ، فأىَّ عَتِيقٍ أَعْطَى جَازَ، ما لم يكن مُسَوّسًا ولا حَشَفًا ولا مُتَغَيِّرًا. وإن قال: عَتِيقُ عَامٍ أو عَامَيْنِ. فهو على ما قال. فأمَّا اللَّوْنُ، فإنْ كان النَّوْعُ الواحِدُ مُخْتَلِفًا،
стр. 3003
كالطَّبَرْزدِ (٢٧) يكون أحْمَرَ، ويكون أَسْوَدَ، ذَكَرَهُ، وإلَّا فلا. والرُّطَبُ كالتَّمْرِ في هذه الأَوْصَافِ، إلَّا الحَدِيثَ والعَتِيقَ، ولا يَأْخُذُ من الرُّطَبِ إلَّا ما أرْطَبَ كلُّه. ولا يَأْخُذُ منه مُشَدَّخًا (٢٨)، ولا قَدِيمًا قَارَبَ أن يُتْمِرَ. وهكذا ما جَرَى مَجْرَاهُ، من العِنَبِ والفَوَاكِهِ.
فصل: ويَصِفُ البُرَّ بأرْبَعَةِ أَوْصَافٍ؛ النَّوْع، فيقولُ: سُبَيْلَةٌ (٢٩) أو سَلَمُونِى (٣٠). والبَلَدِ، فيقولُ: حوْرَانِيٌّ (٣١) أو بَلْقاوِىٌّ (٣٢) أو سِمَاليٌّ (٣٣). وصِغَارُ الحَبِّ أو كبَارُهُ، وحَدِيثٌ أو عَتِيقٌ. وإن كان النَّوْعُ الواحدُ يَخْتَلِفُ لَوْنُه، ذَكَرَهُ، ولا يُسَلِّمُ فيه إلَّا مُصَفًّى، وكذلك الحُكْمُ في الشَّعِيرِ والقُطْنِيَّاتِ وسَائِرِ الحُبُوبِ.
فصل: ويَصِفُ العَسَلَ بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ؛ البَلَدِيِّ، فِيجِيٌّ: (٣٤) أو نحوُه. ويُجْزِىءُ ذلك عن النَّوْعِ. والزَّمَانِ؛ رَبِيعِيٌّ أو خَرِيفِيٌّ، أو صَيْفِيٌّ (٣٥). واللَّوْنِ؛ أَبْيَضُ أو أَحْمَرُ، وليس له إلَّا مُصَفًّى من الشَّمْعِ.
стр. 3004
فصل: ولا بُدَّ في الحَيَوانِ كلِّه مِن ذِكْرِ النَّوْعِ، والسِّنِّ، والذُّكُورِيَّةِ، والأُنُوثِيَّةِ، ويَذْكُرُ اللَّوْنَ إن كان النَّوْعُ الواحِدُ يَخْتَلِفُ، ويَرْجِعُ في سِنِّ الغُلَامِ إليه إن كان بَالِغًا، وإن كان صَغِيرًا فالقولُ قولُ سَيِّدِه، وإن لم يعلمْ رَجَعَ في قولِه إلى أهْلِ الخِبْرَةِ، على ما يَغْلِبُ على ظُنُونِهِم تَقْرِيبًا. وإذا ذَكَرَ النَّوْعَ في الرَّقِيقِ وكان مُخْتَلِفًا، مثلَ التُّرْكِيِّ؛ منهم الجِكِلِيُّ (٣٦) والْخَزَرِيُّ (٣٧)، فهل يَحْتَاجُ إلى ذِكْرِه، أو يَكْفِى ذِكْرُ النَّوْعِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. ولا يَحْتَاجُ في الجَارِيَةِ إلى ذِكْرِ (٣٨) الجُعُودَةِ والسُّبُوطَةِ؛ لأنَّ ذلك لا يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا، ومثلُ ذلك لا يُرَاعى، كما في صِفَاتِ الحُسْنِ والمَلَاحَةِ، فإن ذَكَرَ شيئا مِن [هذه الأوْصافِ] (٣٩)، لَزِمَهُ. [ويَذْكُرُ الثُّيُوبَةَ والبَكَارَةَ؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بذلك ويَتَعَلَّقُ به الغَرَضُ] (٤٠). ويَذْكُرُ القَدَّ؛ خُمَاسِيٌّ أو سُدَاسِيٌّ، يعني خَمْسَةَ أشْبَارٍ أو سِتَّةَ أَشْبَارٍ. قال أحْمَدُ، يقول: خُمَاسِيٌّ سُدَاسِيٌّ، أسْوَدُ أَبْيَضُ، أعْجَمِىٌّ أو فَصِيحٌ. فأمَّا الإِبِلُ، فيَضْبِطُها بأرْبَعَةِ أوْصافٍ، فيقول: مِن نِتَاجِ بنى فُلانٍ. والسِّنُّ، بِنْتُ مَخَاضٍ أو بِنْتُ لَبُونٍ. واللَّوْنُ، بَيْضَاءُ أو حَمْرَاءُ أو وَرْقَاءُ (٤١)، وذَكَرٌ أو أُنْثَى، فإن كان نِتَاجٌ يَخْتَلِفُ فيه مَهْرِيَّةٌ (٤٢) وأَرْحَبِيَّةٌ (٤٣)، فهل يَحْتَاجُ إلى ضَبْطِ ذلك؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ وما زَادَ على هذه الأَوْصَافِ لا يَفْتَقِرُ إلى ذِكْرِه،
стр. 3005
وإن ذَكَرَ بَعْضَه كان تَأْكِيدًا ولَزِمَهُ. وأَوْصَافُ الخَيْلِ، كأَوْصَافِ الإِبِلِ. وأمَّا البِغَالُ والحَمِيرُ، فلا نِتاجَ لها، فيَجْعَلُ مَكانَ ذلك نِسْبَتَها إلى بَلَدِها. وأَمَّا البَقَرُ والغَنَمُ، فإن عُرِفَ لها نِتَاجٌ، فهى كالإِبِلِ، وإلَّا فهى كالحُمُرِ، ولا بدَّ من ذِكْرِ النَّوْعِ في هذه الحَيَوانَاتِ، فيقولُ في الإِبِلِ: بُخْتِيَّةٌ أو عِرَابِيَّةٌ، وفى الخَيْلِ، عَرَبِيَّةٌ أو هَجِينٌ أو بِرْذَوْنٌ (٤٤). وفى الغَنَمِ، ضَأْنٌ أو مَعْزٌ، إلَّا الحُمُرَ والبِغَالَ، فلا نَوْعَ فيهما.
فصل: ويَذْكُرُ في اللَّحْمِ السِّنَّ، والذُّكُورِيَّةَ، والأُنُوثِيَّةَ، والسِّمَنَ والهُزَالَ، وَرَاعِيًا أو مَعْلُوفًا، ونَوْعَ الحَيَوانِ، ومَوْضِعَ اللَّحْمِ منه. ويَزِيدُ في الذِّكْرِ، فَحْلًا أو خَصِيًّا. وإن كان من صَيْدٍ، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ العَلَفِ والخِصَاءِ. ويَذْكُرُ الآلَةَ التي يُصَادُ بِها، من جارِحَةٍ أو أُحْبُولَةٍ. وفي الجارِحَةِ يَذْكُرُ صَيْدَ فَهْدٍ، أو كَلْبٍ، أو صَقْرٍ، فإنَّ الأُحْبُولَةَ يُؤْخَذُ الصَّيْدُ (٤٥) منها سَلِيمًا. وصَيْدُ الكَلْبِ خَيْرٌ من صَيْدِ الفَهْدِ؛ لِكَوْنِ الكَلْبِ أَطْيَبَ الحَيَوانِ نَكْهَةً. قيل: [هو أَطْيَبُ الحيوانِ نَكْهَةً] (٤٦)؛ لكونِه مَفْتُوحَ الفَمِ في أكْثَرِ الأوْقَاتِ، والصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّه تعالى، أنَّ هذا ليس بِشَرْطٍ؛ لأنَّ التَّفَاوُتَ فيه يَسِيرٌ، ولا يَكادُ الثَّمَنُ يَتَبايَنُ بِاخْتِلَافِه، ولا يَعْرِفُه إلَّا القَلِيلُ من النَّاسِ. وإذا لم يَحْتَجْ في الرَّقِيقِ إلى ذِكْرِ [الْبَكارَةِ والثُّيُوبةِ] (٤٧)، والسِّمَنِ، والهُزالِ، وأَشْباهِها مِمَّا يَتَبَايَنُ بها الثَّمَنُ وتَختَلِفُ الرَّغَباتُ بها، ويَعْرِفُها الناسُ، فهذا أوْلَى. ويَلْزَمُ قَبُولُ اللَّحْمِ بِعِظامِه؛ لأنَّه هكذا يُقْطَعُ، فهو كالنَّوَى في التَّمرِ، وإن كان السَّلَمُ في لَحْمِ طَيْرٍ، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ الذُّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّةِ، إلَّا أن يَخْتَلِفَ بذلك، كَلَحْمِ الدَّجاجِ، ولا إلى ذِكْرِ مَوْضِعِ اللَّحْمِ، إلَّا أن يكونَ كَثِيرًا يَأْخُذُ منه بعضَه، ولا يَلْزَمُه قَبُولُ الرَّأْسِ والسَّاقَيْنِ؛ لأنَّه لا لَحْمَ عليها. وفى السَّمَكِ يَذْكُرُ النَّوْعَ؛ بَرَدِيٌّ (٤٨) أو غيرُه، والكِبَرَ
стр. 3006
والصِّغَرَ، والسِّمَنَ والهُزَالَ، والطَّرِىَّ والمِلْحَ، ولا يَقْبَلُ الرَّأسَ والذَّنَبَ، وله ما بينهما، وإن كان كَثِيرًا يَأْخُذُ بعضَه، ذَكَرَ مَوْضِعَ اللَّحْمِ منه.
فصل: ويَضْبِطُ السَّمْنَ بالنَّوْعِ من ضَأْنٍ أو مَعْزٍ أو بَقَرٍ، واللَّوْنَ، أَبْيَضَ أو أصْفَرَ. قال القاضي: ويَذْكُرُ المَرْعَى. ولا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ حَدِيثٍ أو عَتِيقٍ؛ لأنَّ إطْلاقَهُ يَقْتَضِى الحَدِيثَ، ولا يَصِحُّ السَّلَمُ في عَتِيقِه؛ لأنَّه عَيْبٌ، ولا يَنْتَهِى إلى حَدٍّ يُضْبَطُ به. ويَصِفُ الزُّبْدَ بأَوْصَافِ السَّمْنِ، ويَزِيدُ، زُبْدُ يَوْمِه أو أَمْسِه. ولا يَلْزَمُه قَبُولُ مُتَغَيِّرٍ في السَّمْنِ أو الزُّبْدِ، ولا رَقِيقٍ، إلَّا أن تكونَ رِقَّتُه لِلْحَرِّ. ويَصِفُ اللَّبَنَ بالنَّوْعِ والمَرْعَى، ولا يَحْتاجُ إلى اللَّوْنِ، ولا حَلْبَةِ يَوْمِه؛ لأنَّ إطْلاقَه يَقْتَضِى ذلك، ولا يَلْزَمُه قَبُولُ مُتَغَيِّرٍ. قال أحْمَدُ: ويَصِحُّ السَّلَمُ في المَخِيضِ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّ فيه ما ليس من مَصْلَحَتِه، وهو الماءُ، فصارَ المَقْصُودُ مَجْهُولًا. ولَنا، أنَّ الماءَ يَسِيرٌ، يُتْرَكُ لأَجْلِ المَصْلَحَةِ، جَرَتِ العادَةُ به، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ السَّلَمِ فيه، كالماءِ في الشَّيْرَجِ، والمِلْحِ والإِنْفَحَّةِ في الجُبْن، والماءِ في خَلِّ التَّمْرِ، ويَصِفُ الجُبنَ بالنَّوْعِ والمَرْعَى، ورَطْبٍ أو يَابِسٍ، ويَصِفُ اللِّبَأَ بِصِفَاتِ اللَّبَنِ، ويَزِيدُ اللَّوْنَ، ويَذْكُرُ الطَّبْخَ أو ليس بِمَطْبُوخٍ.
فصل: وتُضْبَطُ الثِّيابُ بِسِتِّةِ أَوْصافٍ؛ النَّوْع، كَتَّانٌ أو قُطْنٌ. والبَلَدِ. والطُّولِ. والعَرْضِ. والصَّفَاقَةِ والرِّقَّةِ. والغِلَظِ والدِّقَّةِ. والنُّعُومَةِ والخُشُونَةِ. ولا يذْكُرُ الوَزْنَ، فإنْ ذَكَرَهُ، لم يَصِحَّ لِتَعَذُّرِ الجَمْعِ بين صِفَاتِه المُشْتَرَطَة، وكونِه على وَزْنٍ مَعْلُومٍ, فيكونُ فيه تَغْرِيرٌ؛ لِتَعَذُّرِ (٤٩) اتِّفاقِه. وإن ذَكَرَ خَامًا أو مَقْصُورًا (٥٠)، فله ما شَرَطَ، وإن لم يَذْكُرْهُ، جَازَ، وله خَامٌ؛ لأنَّه الأصْلُ. وإن ذَكَرَ مَغْسُولًا أو لَبِيسًا. لم يَجُزْ؛ لأنَّ اللُّبْسَ يَخْتَلِفُ، ولا يَنْضَبِطُ. فإن أَسْلَمَ في
стр. 3007
مَصْبُوغٍ، وكان مِمَّا يُصْبَغُ غَزْلُه، جَازَ؛ لأنَّ ذلك من جُمْلَةِ صِفَاتِ الثَّوْبِ، وإن كان مِمَّا يُصْبَغُ بعدَ نَسْجِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ صَبْغَ الثَّوْبِ يَمْنَعُ الوُقُوفَ على نُعُومَتِه وخُشُونَتِه، ولأنَّ الصِّبْغَ غيرُ مَعْلُومٍ. وإن أسْلَمَ في ثَوْبٍ مُخْتَلِفِ الغُزُولِ؛ كَقُطْنٍ وإِبْرِيسَم، أو قُطْنٍ وكَتَّانٍ، أو صُوفٍ، وكانتِ الغُزُولُ مَضْبُوطَةً بأن يقول: السَّدَى (٥١) إِبْرِيسَمُ، واللُّحْمَةُ (٥٢) كَتَّانٌ أو نحوُه، جَازَ. ولهذا جَازَ السَّلَمُ في الخَزِّ، وهو من غَزْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. وإن أسْلَمَ في ثَوْبٍ مُوَشًّى، وكان الوَشْىُ من تَمامِ نَسْجِه، جازَ. وإن كان زِيَادَةً، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَنْضَبِطُ.
فصل: ويَصِفُ غَزْلَ القُطْنِ والكَتَّانِ، بالبَلَدِ واللَّوْنِ، والغِلَظِ والدِّقَّةِ، والنُّعُومَةِ والخُشُونَةِ، ويَصِفُ القُطْنَ بذلك، ويَجْعَلُ مكان الغِلَظِ والدِّقَّةِ الطُّولَ والقِصَرَ. وإن شَرَطَ في القُطْنِ مَنْزُوعَ الحَبِّ، جَازَ. وإن أَطْلَق كان له بِحَبِّه، كالتَّمْرِ بِنَوَاهُ. ويَصِفُ الإِبْرِيسَمَ بالبَلَدِ واللَّوْنِ، والغِلَظِ والدِّقَّةِ، ويَصِفُ الصُّوفَ بالبَلَدِ واللَّوْنِ، والطُّولِ والقِصَرِ، والزَّمانِ، خَرِيفِيٍّ أو رَبِيعِيٍّ؛ لأنَّ صُوفَ الخَرِيفِ أَنْظَفُ. قال القاضي: ويَصِفُه بالذُّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّةِ؛ لأنَّ صُوفَ الإِناثِ أَنْعَمُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْتاجَ إلى هذه الصِّفَةِ؛ لأنَّ التَّفاوُتَ في هذا يَسِيرٌ. وعليه تَسْلِيمُه نَقِيًّا من الشَّوْكِ والبَعْرِ، وإن لم يَشْتَرِطْهُ. وإن اشْتَرَطَه (٥٣)، جَازَ، وكان تَأْكِيدًا. والشَّعْرُ والوَبَرُ، كالصُّوفِ. ويَصِحُّ السَّلَمُ في الكاغَدِ؛ لأنَّه يمكنُ ضَبْطُه، ويَصِفُه بالطُّولِ والعَرْضِ، والدِّقَّةِ والغِلَظِ، واسْتِوَاءِ الصَّنْعَةِ، وما يَخْتَلِفُ به الثمنُ.
فصل: ويَضْبِطُ النُّحاسَ، والرَّصاصَ، والحَدِيدَ بالنَّوْعِ، فيقولُ في الرَّصَاصِ: قَلَعِيٌّ (٥٤) أو أُسْرُبٌ (٥٥). والنُّعُومَةِ والخُشُونَةِ، واللَّوْنِ إن كان
стр. 3008
يَخْتَلِفُ. ويَزِيدُ في الحَدِيدِ ذَكَرًا أو أُنْثَى، فإنَّ الذَّكَرَ أحَدُّ وأَمْضَى. وإن أسْلَمَ في الأَوَانِى التي يُمْكِنُ ضَبْطُ قَدْرِهَا وطُولِها وسُمْكِها ودَورِهَا، كالأسْطالِ القَائِمَةِ الحِيطان، والطُّسُوتِ، جَازَ. ويَضْبِطُها بذلك كلِّه. وإن أسْلَمَ في قِصَاعٍ وأَقْدَاحٍ من الخَشَبِ، جازَ، ويَذْكُرُ نَوْعَ خَشَبِها من جَوْزٍ، أو تُوتٍ، وقَدْرَهَا في الصِّغَرِ والكِبَرِ، والعُمْقِ والضِّيقِ، والثَّخَانَةِ والرِّقَّةِ وأيِّ عَمَلٍ. وإن أسْلَمَ في سَيْفٍ، ضَبَطَهُ بِنَوْعِ حَدِيدِه، وطُولِه وعَرْضِه، وَرِقَّتِه وغِلَظِه، وبَلَدِه، وقَدِيمِ الطَّبْعِ أو مُحْدَثٍ، ماضٍ أو غيرِه، ويَصِفُ قبْضَتَه وجَفْنَهُ (٥٦).
فصل: والخَشَبُ على أَضْرُبٍ؛ منه ما يُرادُ لِلْبِنَاءِ، فيَذْكُرُ نَوْعَهُ، ويُبْسَهُ ورُطُوبَتَه، وطُولَه، ودوْرَهُ، أو سُمْكَه، وعَرْضَه. ويَلْزَمُه أن يَدْفَعَ إليه مِن طَرَفِه إلى طَرَفِه بذلك العَرْضِ والدَّوْرِ. فإن كان أحَدُ طَرَفَيْهِ أغْلَظَ مِمَّا وَصَفَ، فقد زادَهُ خَيْرًا، وإن كان أَدَقَّ، لم يَلْزَمْهُ قَبُولُه. وإن ذَكَرَ الوَزْنَ أو سَمْحًا، جازَ، وإن لم يَذْكُرْهُ، جازَ، وله سَمْحٌ خالٍ من العُقَدِ؛ لأنَّ ذلك، عَيْبٌ. وإن كان لِلْقِسِيِّ ذَكَرَ هذه الأوْصافَ، وزَادَ سَهْلِيًّا، أو جَبَلِيًّا، أو خُوطًا (٥٧) أو فِلْقَةً (٥٨)؛ فإن الجَبَلِيَّ أَقْوَى من السَّهْلِيِّ؛ والخُوطَ أقْوَى من الفِلْقَةِ. ويَذْكُرُ فيما لِلوَقُودِ الغِلْظَةَ، واليُبْسَ، والرُّطُوبَةَ، والوَزْنَ. ويَذْكُرُ فيما لِلنَّصْبِ النَّوْعَ، والغِلَظَ، وسائِرَ ما يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَتِه، ويُخْرِجُه من الجَهالَةِ. وإن أسْلَمَ في النُّشَّابِ والنَّبْلِ، ضَبَطَهُ بِنَوْعِ جِنْسِه، وطُولِه وقِصَرِهِ، ودِقَّتِه وغِلَظِه، ولَوْنِه، ونَصْلِه، ورِيشِه.
فصل: والحِجارةُ منها ما هو لِلْأَرْحِيَةِ (٥٩)، فَيَضْبِطُها بالدَّورِ، والثَّخانَةِ،
стр. 3009
والبَلَدِ، والنَّوْعِ إن كان يَخْتَلِفُ. ومنها ما هو لِلبناءِ، فيَذْكُرُ النَّوْعَ، واللَّوْنَ، والقَدْرَ (٦٠) والوَزْنَ. وَيَذْكُرُ في حِجارةِ الآنِيَةِ اللَّوْنَ، والنَّوْعَ، والقَدْرَ (٦٠)، واللِّينَ، والوَزْنَ. ويَصِفُ البَلُّورَ بأَوْصافِه. ويَصِفُ الآجُرَّ واللَّبِنَ بمَوْضِعِ التُّرْبَةِ، واللَّوْنِ، والدَّورِ، والثَّخَانَةِ، وإن أسْلَمَ في الجِصِّ، والنُّورَةِ (٦١)، ذَكَرَ اللَّوْنَ، والوَزْنَ. ولا يَقْبَلُ ما أصابَهُ الماءُ فَجَفَّ، ولا ما قَدُمَ قِدَمًا يُؤَثِّرُ فيه. ويَضْبِطُ التُّرَابَ بمثل ذلك، ويَقْبَلُ الطِّينَ الذي قد جَفَّ إذا كان لا يَتَأَثَّرُ بذلك.
فصل: ويَضْبطُ العَنْبَرَ بِلَوْنِه والبَلَدِ، وإن شَرَطَ قِطْعَةً أو قِطْعَتَيْنِ، جازَ، وإن لم يَشْتَرِطْ، فله أن يُعْطِيَهُ صِغارًا أو كِبارًا، وقد قيل: إنَّ (٦٢) العَنْبَرَ نَبَاتٌ يَخْلُقُه اللهُ تعالى في جَنَباتِ البَحْرِ. ويَضْبِطُ العُودَ الهِنْدِىَّ بِبَلَدِه، وما يُعْرَفُ به. ويَضْبِطُ المُصْطَكَى، واللُّبَانَ، والغِرَاءَ العَرَبِيَّ، وصَمْغَ الشَّجَرِ، والمِسْكَ، وسَائرَ ما يجوزُ السَّلَمُ فيه، بما يَخْتَلِفُ به.
٧٧٤ - مسألة؛ قال: (إِذَا كَانَ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ، أوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ، أوْ عَدَدٍ مَعْلُومٍ)
هذا الشَّرْطُ الثالثُ. وهو مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ المُسْلَمِ فيه بالكَيْلِ إن كان مَكِيلًا، وبالوَزْنِ إن كان مَوْزُونًا، وبالعَدَدِ إن كان مَعْدُودًا، لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أسْلَفَ (١) في شَئٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أو وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ" (٢). ولأنَّه عِوَضٌ غير مُشَاهَدٍ يَثْبُتُ فى الذِّمَّةِ، فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِه،
стр. 3010
كالثَّمَنِ. ولا نَعْلَمُ في اعْتِبَارِ مَعْرِفَةِ المِقْدَارِ خِلَافًا. ويَجِبُ أن يُقَدِّرَهُ بمِكْيَالٍ، أو أَرْطَالٍ مَعْلُومَة عند العَامَّةِ. فإن قَدَّرَهُ بإنَاءٍ مُعَيَّنٍ (٣)، أو صَنْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ، غيرِ مَعْلُومَةٍ، لم يَصِحَّ؛ لأنه يَهْلِكُ، فيَتَعَذَّرُ مَعْرِفةُ قَدْرِ (٤) المُسْلَمِ فيه، وهذا غَرَرٌ لا يَحْتَاجُ إليه العَقْدُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ المُسْلِمَ في الطَّعَامِ لا يجوزُ بِقَفِيزٍ لا يُعْرَفُ (٥) عِيَارُه، ولا في ثَوْبٍ بِذَرْعِ فُلَانٍ؛ لأن المِعْيَارَ لو تَلِفَ، أو ماتَ فُلَانٌ، بَطَلَ السَّلَمُ، منهم؛ الثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأبو حنيفةَ وأصْحَابُه، وأبو ثَوْرٍ. وإن عَيَّنَ مِكْيَالَ رَجُلٍ أو مِيزَانَه، وكانا مَعْرُوفَيْنِ عند العَامَّةِ، جَازَ. ولم يَخْتَصَّ بهما. وإن لم يُعْرَفَا، لم يَجُزْ.
فصل: وإن أَسْلَمَ فيما يُكَالُ وَزْنًا، أو فيما يُوزَنُ كَيْلًا، فنَقَلَ الأَثْرَمُ، أنَّه سَألَ أحمدَ عن السَّلَمِ في التَّمْرِ وَزْنًا؟ فقال: لا إلَّا كَيْلًا. قلتُ: إنَّ النّاسَ هاهُنا لا يَعْرِفُونَ الكَيْلَ. قال: وإن كانوا لا يَعْرِفُونَ الكَيْلَ. فيَحْتَمِلُ هذا أنه لا يجوزُ في المَكِيلِ إلَّا كَيْلًا، ولا في المَوْزُونِ إلا وَزْنًا. وهكذا ذَكَرَهُ القَاضى، وابنُ أبى موسى؛ وذلك (٦) لأنَّه مَبِيعٌ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، فلم يَجُزْ بغيرِ ما هو مُقَدَّرٌ به في الأَصْلِ، كَبَيْعِ الرُّطُوبَاتِ بعضِها ببعضٍ. ولأنه قَدَّرَ المُسْلَمَ بغيرِ ما هو مُقَدَّرٌ به في الأَصْلِ، فلم يَجُزْ، كما لو أسْلَمَ في المَذْرُوعِ وَزْنًا. ونَقَلَ المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ، أنَّه يجوزُ السَّلَمُ في اللَّبَنِ إذا كان كَيْلًا أو وَزْنًا. وهذا يَدُلُّ على إبَاحَةِ السَّلَمِ في المَكِيلِ وَزْنًا، وفى المَوْزُونِ كَيْلًا؛ لأنَّ اللَّبَنَ لا يَخْلُو مِن كَوْنِه مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، وقد أجَازَ السَّلَمَ فيه بكلّ واحِدٍ منهما. وهذا قولُ الشَّافِعِيِّ وابنِ المُنْذِرِ. وقال مالِكٌ: ذلك جَائِزٌ إذا كان الناسُ يَتَبَايَعُونَ التَّمْرَ وَزْنًا. وهذا أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّ الغَرَضَ
стр. 3011
مَعْرِفَةُ قَدْرِه، وخُرُوجُه مِن الجَهَالَةِ، وإمكانُ تَسْلِيمِه من غير تَنَازُعٍ، فبأيِّ قَدْرٍ قَدَّرَهُ جَازَ. ويُفَارِقُ بَيْعَ الرَّبَوِيّاتِ؛ فإنَّ التماثُلَ فيها في المَكِيلِ كَيْلًا وفى المَوْزُونِ وَزْنًا، شَرْطٌ، ولا نَعْلَمُ هذا الشَّرْطَ إذا قَدَّرَها بغيرِ مِقْدَارِها الأَصْلِىّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الحُبُوبَ كلَّها مَكِيلَةٌ، وكذلك التَّمْرُ والزَّبِيبُ والفُسْتُقُ والبُنْدُقُ والمِلْحُ. قال القاضي: وكذلك الأدْهانُ. وقال في السَّمْنِ واللَّبَنِ والزُّبْدِ: يجوزُ السَّلَمُ فيها كَيْلًا وَوَزْنًا. ولا يُسْلِمُ في اللِّبَإِ إلَّا وَزْنًا؛ لأنَّه يَجْمُدُ عَقِيبَ حَلْبِه، فلا يَتَحَقَّقُ الكَيْلُ فيه.
فصل: فإن كان المُسْلَمُ فيه ممَّا لا يمكنُه وَزْنُه بالمِيزَانِ لِثِقَلِه، كالأَرْحِيَةِ والحِجَارَةِ الكِبَارِ، يُوزَنُ بالسَّفِينَةِ، فَتُتْرَكُ السَّفِينَةُ في الماءِ، ثم يُتْرَكُ ذلك فيها فيَنْظُرُ إلى أي مَوْضِعٍ تَغُوصُ، فَيُعَلِّمَهُ، ثم يُرْفَعُ ويُتْرَكُ مَكَانَه رَمْلٌ أو حِجَارَةٌ صِغَارٌ، إلى أن يَبْلُغَ الماءُ المَوْضِعَ الذي كان بَلَغَهُ، ثم يُوزَن بمِيزَانٍ. فما بَلَغَ فهو زِنَةُ ذلك الشىءِ الذي أُرِيدَ مَعْرِفَةُ وَزْنِه.
فصل: ولا بُدَّ من تَقْدِيرِ المَذْرُوعِ بالذَّرْعِ، بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ في الثِّيَابِ بِذَرْعٍ مَعْلُومٍ.
فصل: وما عدا المَكِيلَ والمَوْزُونَ والحَيَوانَ والمَذْرُوعَ، فعلى ضَرْبَيْنِ: مَعْدُودٍ، وغيرِه، فالمَعْدُودُ نَوْعَانِ؛ أحدُهما، لا يَتَبَايَنُ كَثِيرًا، كالجَوْزِ والبَيْضِ ونحوِهما، فيُسْلِمُ فيه عَدَدًا. وهو قول أبى حنيفةَ والأَوْزَاعِىِّ. وقال الشَّافِعِيُّ: يُسْلِمُ فيهما كَيْلًا أو وَزْنًا، ولا يَجوزُ عَدَدًا؛ لأنَّ ذلك يَتَبَايَنُ ويَخْتَلِفُ، فلم يَجُزْ عَدَدًا، كالبِطِّيخِ. ولَنا، أنَّ التَّفَاوُتَ يَسِيرٌ، ويَذْهَبُ ذلك بِاشْتِرَاطِ الكِبَرِ أو الصِّغَرِ أو الوَسَطِ، فيَذْهَبُ التَّفَاوُتُ، وإن بَقِىَ شيءٌ يَسِيرٌ عُفِىَ عنه، كسائِرِ التَّفَاوُتِ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ المَعْفُوِّ عنه، ويُفَارِقُ البِطِّيخَ؛ فإنَّه ليس بِمَعْدُودٍ، والتَّفَاوُتُ فيه كَثِيرٌ لا يَنْضَبِطُ. النَّوْعُ الثانى، ما يَتَفَاوَتُ؛ كالرُّمَّانِ والسَّفَرْجَلِ والقِثَّاءِ والخِيَارِ، فهذا حُكْمُه حُكْمُ ما ليس بِمَعْدُودٍ من البِطِّيخِ والبُقُولِ، ففيه وَجْهَانِ؛
стр. 3012
أحَدُهما، يُسْلِمُ فيه عَدَدًا، ويَضْبطُه بالصِّغَرِ والكِبَرِ؛ لأنَّه يُبَاعُ هكذا. الثانى، لا يُسْلِمُ فيه إلَّا وَزْنًا. وبهذا قال أبو حنيفةَ والشَّافِعيُّ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه بالعَدَدِ، لأنَّه يَخْتَلِفُ كَثِيرًا، ويَتَبَايَنُ جدًّا، ولا بالكَيْلِ؛ لأنَّه يَتَجَافَى في المِكْيَالِ، ولا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ البُقُولِ بالحَزْمِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، ويُمْكِنُ حَزْمُ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ، فلم يُمْكِنْ تَقْدِيرُه بغيرِ الوَزْنِ، فتَعَيَّنَ تَقْدِيرُه به.
٧٧٥ - مسألة؛ قال: (إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ بِالْأَهِلَّةِ)
وهذا الشَّرْطُ الرَّابِعُ، وهو أن يكونَ مؤجَّلًا أجَلًا مَعْلُومًا. وفى هذه المَسْأَلَةِ فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ:
أحدُها ، أنَّه يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ السَّلَمِ كَوْنُه مُؤَجَّلًا، ولا يَصِحُّ السَّلَمُ الحالُّ. قال أحْمَدُ، في رِوَايَةِ المَرُّوذِيِّ: لا يَصِحُّ حتى يَشْتَرِطَ الأَجَلَ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والأَوْزَاعِيُّ. وقال الشَّافِعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يجوزُ السَّلَمُ حَالًّا؛ لأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ مُؤَجَّلًا، فصَحَّ حَالًّا، كبُيُوعِ الأَعْيَانِ، ولأنَّه إذا جَازَ مُؤَجَّلًا فحالًّا أَجْوَزُ، ومن الغَرَرِ أبْعَدُ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَسْلَفَ في شَىءٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ" (١). فأمَرَ بالأَجَلِ، وأَمْرُه يَقْتَضِى الوُجُوبَ. ولأنَّه أمَرَ بهذه الأُمُورِ تَبْيِينًا لِشُرُوطِ السَّلَمِ، ومَنْعًا منه بدُونِها، ولذلك (٢) لا يَصِحُّ إذا انْتَفَى الكَيْلُ والوَزنُ، فكذلك الأَجَلُ. ولأنَّ السَّلَمَ إنَّما جَازَ رُخْصَةً لِلرِّفْقِ، ولا يَحْصُلُ الرِّفْقُ إلَّا بالأَجَلِ، فإذا انْتَفَى الأَجَلُ انْتَفَى الرِّفْقُ، فلا يَصِحُّ، كالكِتَابَةِ. ولأنَّ الحُلُولَ يُخْرِجُه عن اسْمِه ومَعْنَاه، أمَّا الاسْمُ فلأنَّه يُسَمَّى سَلَمًا وسَلَفًا؛ لِتَعَجُّلِ أحَدِ العِوَضَيْنِ وتَأَخُّرِ الآخَر، ومعناه ما ذَكَرْنَاهُ في أَوَّلِ البابِ، من أنَّ الشَّارِعَ أرْخَصَ فيه لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إليه، ومع حُضُورِ ما يَبِيعُه حَالًّا لا حَاجَةً إلى السَّلَمِ، فلا يَثْبُتُ. ويُفَارِقُ تَنَوُّعَ الأَعْيَانِ، فإنَّها لم
стр. 3013
تثْبُتْ على خِلَافِ الأَصْلِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بالتَّأْجِيلِ. وما ذَكَرُوهُ من التَّنْبِيهِ غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ ذلك إنَّما يُجْزِىءُ فيما إذا كان المَعْنَى المُقْتَضِى مَوْجُودًا في الفَرْعِ بِصِفَةِ التَّأْكِيدِ، وليس كذلك هاهُنا؛ فإنَّ البُعْدَ من الضَّرَرِ ليس هو المُقْتَضِى لِصِحَّةِ السَّلَمِ المُؤَجَّلِ، وإنَّما المُصَحِّحُ له شىءٌ آخَرُ، لم نَذْكُرِ اجْتِمَاعَهما فيه، وقد بَيَّنَّا افْتِراقَهُما. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن بَاعَهُ ما يَصِحُّ السَّلَمُ فيه حالًّا في الذِّمَّة، صَحَّ، ومَعْنَاهُ مَعْنَى السَّلَمِ، وإنما افْتَرَقَا في اللَّفْظِ.
الفصل الثاني ، أنَّه لا بُدَّ من كَوْن الأَجَلِ مَعْلُومًا؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٣). وقَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ". ولا نَعْلَمُ في اشْتِرَاطِ العِلْمِ في الجُمْلَةِ اخْتِلافًا. فأمَّا كَيْفِيَّتُه فإنَّه يَحْتَاجُ أن يُعْلِمَهُ بِزَمَانٍ بِعَيْنِهِ لا يَخْتَلِفُ، ولا يَصِحُّ أن يُؤَجِّلَهُ بالحَصَادِ والجِزَازِ وما أشْبَهَهُ. وكذلك قال ابنُ عَبَّاسٍ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه قال: أَرْجُو أن لا يكونَ به بَأْسٌ. وبه قال مَالِكٌ وأبو ثَوْرٍ. وعن ابنِ عمرَ: أنَّه كان يَبْتَاعُ إلى العَطَاءِ. وبه قال ابنُ أبى لَيْلَى. وقال أحمدُ: إن كان شَىْءٌ يُعْرَفُ فأَرْجُو، وكذلك إن قال: إلى قُدُومِ الغُزَاةِ. وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه أرادَ وَقْتَ العَطَاءِ؛ لأنَّ ذلك مَعْلُومٌ، فأمَّا نَفْسُ العَطَاءِ فهو في نَفْسِه مَجْهُولٌ يَخْتَلِفُ ويَتَقَدَّمُ ويَتَأَخَّرُ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ نَفْسَ العَطَاءِ؛ لكونِه يَتَفاوَتُ أيضًا، فأَشْبَهَ الحَصَادَ. واحْتَجَّ من أجَازَ ذلك، بأنَّه أَجَلٌ يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ من الزَّمَنِ، يُعْرَفُ في العَادَةِ، لا يَتَفَاوَتُ فيه تَفَاوُتًا كثيرًا، فأشْبَهَ إذا قال: إلى رَأْسِ السَّنَةِ. ولَنا: ما رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: لا تَتَبَايَعُوا إلى الحَصادِ والدِّيَاسِ، ولا تَتَبَايَعُوا إلَّا إلى شَهْرٍ مَعْلُومٍ. ولأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ ويَقْرُبُ ويَبْعُدُ، فلا يجوزُ أن يكونَ أجَلًا كَقُدُومِ زَيْدٍ. فإن قِيلَ: فقد رُوِىَ عن عَائِشَةَ أنَّها قالتْ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ إلى يَهُودِيٍّ، "أنِ ابْعَثْ إلَيَّ بِثَوْبَيْنِ إلَى المَيْسَرَةِ" (٤). قُلْنا: قال ابنُ المُنْذِرِ: رَوَاهُ حَرَمِيُّ بن عُمَارَةَ.
стр. 3014
قال أحمدُ: فيه غَفْلَةٌ، وهو صَدُوقٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: فأخَافُ أن يكونَ مِن غَفَلَاتِه، إذْ لم يُتَابَعْ عليه، ثم لا خِلَافَ في أنه لو جَعَلَ الأَجَلَ إلى المَيْسَرَةِ لم يَصِحَّ.
فصل: إذا جَعَلَ الأَجَلَ إلى شَهْرٍ تَعَلَّقَ بأَوَّلِه. وإن جَعَلَ الأَجَلَ اسْمًا يَتَنَاوَلُ شَيْئَيْنِ كجُمادَى ورَبِيع ويَوْمِ النَّفْرِ، تَعَلَّقَ بأوَّلِهما. وإن قال: إلى ثَلَاثَةِ أشْهُرٍ كان (٥) إلى انْقِضَائِها؛ لأنَّه إذا ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أشْهُرٍ مُبْهَمَةً، وَجَبَ أن يكونَ ابْتِداؤُها مِن حينِ لَفْظِه بها. وكذلك لو قال: إلى شَهْرٍ. كان آخِرَهُ. ويَنْصَرِفُ ذلك إلى الأَشْهُرِ الهِلَالِيَّةِ، بِدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٦). وأرَادَ الهِلَالِيَّةَ. وإن كان في أَثْنَاء شَهْرٍ كَمَّلْنا شَهْرَيْنِ بالهِلَالِ وشَهْرًا بالعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. وقيل: تكونُ الثَّلَاثَةُ كلُّها عَدَدِيَّةً. وقد ذَكَرْنَا هذا في غيرِ هذا المَوْضِعِ. وإن قال: مَحَلُّهُ شَهْرُ كذا أو يَوْمُ كذا. صَحَّ، وتَعَلَّقَ بأَوَّلِه. وقيل: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه جَعَلَ ذلك ظَرْفًا، فيَحْتَمِلُ أَوَّلَهُ وآخِرَهُ. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ فإنَّه لو قال لِامْرَأَتِه: أَنْتِ طَالِقٌ في شَهْرِ كذا. تَعَلَّقَ بأَوَّلِه، وهو نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا. فإنْ قيل: الطَّلَاقُ يَتَعَلَّقُ بالإِخْطَارِ والإِغْرارِ، ويجوزُ تَعْلِيقُه على مَجْهُولٍ، كَنُزُولِ المَطَرِ، وقُدُومِ زَيْدٍ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. قُلْنَا: إلَّا أنَّه إذا جَعَلَ مَحَلَّهُ في شَهْرٍ تَعَلَّقَ بأَوَّلِه، فلا يكونُ مَجْهُولًا، وكذا السَّلَمُ.
فصل: ومِن شَرْطِ الأَجَلِ أن يكونَ مُدَّةً لها وَقْعٌ في الثَّمَنِ، كالشَّهْرِ وما قَارَبَهُ. وقال أصْحابُ أبى حنيفةَ: لو قَدَّرَهُ بِنِصْفِ يَوْمٍ، جَازَ. وقَدَّرَهُ بعضُهم بِثَلاثةِ أَيَّامٍ، وهو قولُ الأَوْزَاعِيِّ؛ لأنَّها مُدَّةٌ يجوزُ فيها خِيَارُ الشَّرْطِ، ولأنَّها آخِرُ حَدِّ القِلَّةِ، ويَتَعَلَّقُ بها عِنْدَهُم إبَاحَةُ رُخَصِ السَّفَرِ. وقال الآخَرُونَ: إنَّما اعْتُبِرَ التَّأْجِيلُ
стр. 3015
لأنَّ المُسْلَمَ فيه مَعْدُومٌ في الأَصْلِ، لكَوْنِ السَّلَمِ إنَّما ثَبَتَ رُخْصَةً في حَقِّ المَفَالِيسِ، فلا بُدَّ من الأَجَلِ ليَحْصُلَ ويُسَلَّمَ؛ وهذا يَتَحَقَّقُ بأقَلِّ مُدَّةٍ يَتَصَوَّرُ تَحْصِيلُه فيها. ولَنا، أنَّ الأَجَلَ إنَّما اعْتُبِرَ لِيَتَحَقَّقَ الْمَرْفَقُ الذي شُرعَ مِن أَجْلِهِ السَّلَمُ، ولا يَحْصُلُ ذلك بالمُدَّةِ التي لا وَقْعَ لها في الثَّمَنِ، ولا يَصِحُّ اعْتِبَارُه بمُدَّةِ الخِيَارِ؛ لأنَّ الخِيَارَ يجوزُ سَاعَةً، وهذا لا يجوزُ، والأَجَلُ يجوزُ أن يكونَ أعْوَامًا، وهم لا يُجِيزُونَ الخِيَارَ أكْثَرَ من ثَلَاثٍ، وكونُها آخِرَ حَدِّ القِلَّةِ، لا يَقْتَضِى التَّقْدِيرَ بها. وقولُهم: إنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ بأقَلِّ مُدَّةٍ. غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ السَّلَمَ إنَّما يكونُ لحَاجَةِ المَفالِيسِ الذين لهم ثِمَارٌ أو زُرُوعٌ أو تِجَارَاتٌ يَنْتَظِرُونَ حُصُولَها، ولا تَحْصُلُ هذه في المُدَّةِ اليَسِيرَةِ.
الفصل الثالث ، في كَوْنِ الأجَلِ مَعْلُومًا بالأَهِلَّةِ، وهو أن يُسْلِمَ إلى وَقْتٍ يُعْلَمُ بالهِلَالِ، نحو أَوَّلِ الشَّهْرِ، أو أَوْسَطِه، أو آخِرِه، أو يومٍ مَعْلُومٍ منه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٧). ولا خِلَافَ في صِحَّةِ التَّأْجِيلِ بذلك. ولو أَسْلَمَ إلى عِيدِ الفِطْرِ، أو النَّحْرِ، أو يَوْمِ عَرَفَةَ، أو عَاشُورَاءَ، أو نحوِها، جَازَ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ بالأَهِلَّةِ. وإن جَعَلَ الأجَلَ مُقَدَّرًا بغيرِ الشُّهُورِ الهِلَالِيَّةِ، فذلك قِسْمَانِ؛ أحدُهما، ما يَعْرِفُه المُسْلِمُونَ، وهو بينهم مَشْهُورٌ ككَانُون وشُبَاط، أو عِيدٍ لا يَخْتَلِفُ كالنَّيْرُوزِ والمِهْرَجَانِ عندَ من يَعْرِفُهُما، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ وابنِ أبى موسَى، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه أسْلَمَ إلى غيرِ الشُّهُورِ الهِلَالِيَّةِ. أشْبَه إذا أسْلَمَ إلى الشَّعَانِينِ (٨) وعِيدِ الفَطِيرِ، ولأنَّ هذه لا يَعْرِفُها كَثِيرٌ من المُسْلِمِينَ، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا. وقال القاضِى: يَصِحُّ. وهو قولُ الأَوْزَاعِيِّ، والشَّافِعِيِّ. قال الأَوْزَاعِيُّ: إذا أسْلَمَ إلى فِصْحِ النَّصَارَى وصَوْمِهِم، جَازَ؛ لأنه مَعْلُومٌ لا يَخْتَلِفُ، أشْبَه أَعْيَادَ المُسْلِمِين. وفَارَق ما يختلفُ؛ فإنَّه لا يَعْلَمُه