← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

المُحْتَالُ، ولا بَيِّنَةَ بذلك، لم يُقْبَلْ قَوْلُهُما عليه؛ لأنَّهما يُبْطِلَانِ حَقَّهُ، أشْبَه (٧) ما لو بَاعَ المُشْتَرِى العَبْدَ، ثم اعْتَرَفَ هو وبَائِعُه أنَّه كان حُرًّا، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما على المُشْتَرِى الثانى، وإن أقَامَا بَيِّنَةً، لم تُسْمَعْ؛ لأنَّهما كَذَّبَاهَا بدُخُولِهما في التَّبَايُعِ. وإن أقَامَ العَبْدُ بَيِّنَةً بحُرِّيَّتِه، قُبِلَتْ، وبَطَلَتِ الحَوَالَةُ. وإن صَدَّقَهما المُحْتَالُ، وَادَّعَى أنَّ الحَوَالَةَ بغيرِ ثَمَنِ العَبْدِ، فالقَوْلُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأَصْلَ صِحَّةُ الحَوَالَةِ، وهما يَدَّعِيَانِ بُطْلانَها، فكانت جَنْبَتُه أَقْوَى. فإن أقَامَا البَيِّنَةَ أنَّ الحَوَالَةَ كانت بالثَّمَنِ، قُبِلَتْ؛ لأنَّهما لم يُكَذِّباها. وإن اتَّفَقَ المُحِيلُ والمُحْتَالُ على حُرِّيَّةِ العَبْدِ، وكَذَّبَهُما المُحَالُ عليه، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما عليه في حُرِّيَّةِ العَبْدِ؛ لأنَّه إقْرَارٌ على غيرِهما، وتَبْطُلُ الحَوَالَةُ؛ لِاتِّفَاقِ المَرْجُوعِ عليه بالدَّيْنِ والرَّاجِعِ به على اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ، والمُحَالُ عليه يَعْتَرِفُ لِلْمُحْتَالِ بِدَيْنٍ لا يُصَدِّقُه فيه، فلا يَأْخُذُ منه شيئا. وإن اعْتَرَفَ المُحْتَالُ (٨) والمُحَالُ عليه بِحُرِّيَّةِ العَبْدِ عَتَقَ؛ لإِقْرَارِ مَن هو في يَدِه بحُرِّيَّتِه، وبَطَلَتِ الحَوَالَةُ بالنِّسْبَةِ إليهما، ولم يكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ على المُحِيلِ؛ لأنَّ دُخُولَه معه في الحَوَالَةِ اعْتِرَافٌ بِبَرَاءَتِه، فلم يكُنْ له الرُّجُوعُ عليه. فصل: وإن اشْتَرَى عَبْدًا، فأحَالَ المُشْتَرِى البَائِعَ بالثَّمنِ على آخَرَ، فقَبَضَهُ من المُحَالِ عليه، ثم رَدَّ المُشْتَرِى العَبْدَ بِعَيْبٍ، أو مُقَايَلَةٍ، أو اخْتِلَافٍ في ثَمَنٍ، فقد بَرِئَ المُحَالُ عليه؛ لأنَّه قَبَضَ منه بإِذْنِه، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى على البَائِعِ. وإن رَدَّهُ قبلَ القَبْضِ، فقال القاضي: تَبْطُلُ الحَوَالَةُ، ويَعُودُ المُشْتَرِى إلى ذِمَّةِ المُحَالِ عليه، ويَبْرَأُ البَائِعُ، فلا يَبْقَى له دَيْنٌ ولا عليه؛ لأنَّ الحَوَالَةَ بالثَّمنِ، وقد سَقَطَ بالفَسْخِ، فيَجِبُ أن تَبْطُلَ الحَوَالَةُ لِذَهَابِ حَقِّه من المالِ المُحَالِ به. وقال أبو الخَطَّابِ: لا تَبْطُلُ الحَوَالَةُ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ عَوَّضَ البَائِعَ عمَّا في ذِمَّتِه مالَه في ذِمَّةِ المُحَالِ عليه، ونَقَلَ حَقَّهُ إليه نَقْلًا صَحِيحًا، وبَرِئَ من الثَّمَنِ، وَبرِئَ المُحَالُ عليه من دَيْنِ المُشْتَرِى، فلم

стр. 3292

يَبْطُلْ ذلك بِفَسْخِ العَقْدِ الأَوَّلِ، كما لو أَعْطَاهُ بالثَّمَنِ ثَوْبًا وسَلَّمَهُ إليه، ثم فَسَخَ العَقْدَ، لم يَرْجِعْ بالثَّوْبِ، كذا هاهُنا. فإن قُلْنا [ببُطْلانِ الحَوَالةِ، رجع المُحِيلُ على المُحالِ عليه بدَيْنِه، ولم يَبْقَ بينهما وبينَ البائعِ مُعامَلةٌ. وإن قُلْنا] (٩): لا تَبْطُلُ. رَجَعَ المُشْتَرِى على البائِعِ بالثَّمَنِ، ويأْخُذُه البَائِعُ من المُحَالِ عليه. فإن عادَ البَائِعُ فأَحالَ المُشْتَرِىَ (١٠) بالثَّمَنِ على مَن أحَالَهُ المُشْتَرِى عليه، صَحَّ وبَرِئَ البائِعُ، وعادَ المُشْتَرِى إلى غَرِيمِه بالثَّمَنِ (١١) وإن كانت المَسْأَلَةُ بحَالِها، لكنْ أحَالَ البائِعُ أجْنَبِيًّا على المُشْتَرِى، ثم رَدَّ العَبْدَ المَبِيعَ، ففى الحَوَالَةِ وَجْهَانِ: أحدُهما، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّ ذِمَّةَ المُشْتَرِى بَرِئَتْ بالحَوَالَةِ من حَقِّ البائِعِ، وصارَ الحَقُّ عليه لِلْأَجْنَبِىِّ المُحْتَالِ، فأشْبَهَ ما لو دَفَعَهُ المُشْتَرِى إلى المُحِيلِ، فعلى هذا يَرْجِعُ المُشْتَرِى على البائِعِ بالثَّمَنِ، ويُسَلِّمُ إلى المُحْتَالِ ما أحَالَهُ به. والثانى، تَبْطُلُ الحَوَالَةُ إن كان الرَّدُّ قبلَ القَبْضِ، لِسُقُوطِ الثَّمَنِ الذي كانت الحَوَالَةُ به، ولأنَّه لا فَائِدَةَ في بَقَاءِ الحَوَالَةِ هاهنا، فيَعُودُ البائِعُ بِدَيْنِه، ويَبْرَأُ المُشْتَرِى منهما، كالمَسألةِ قبلَها، وإذا قُلْنا: لا تَبْطُلُ. فأحَالَ المُشْتَرِى المُحَالَ عليه بالثَّمنِ على البائِعِ، صَحَّ، وبَرِئَ المُشْتَرِى منهما. فصل: إذا كان لِرَجُلٍ على آخَرَ دَيْنٌ، فأَذِنَ لآخَرَ في قَبْضِه، ثم اخْتَلَفَ هو والمَأْذُونُ له، فقال: وَكَّلْتُكَ في قَبْضِ دَيْنِي بِلَفْظِ التَّوْكِيلِ. فقال: بل أَحَلْتَنِى بِلَفْظِ الحَوَالَةِ. أو كانت بالعَكْسِ، فقال: أحَلْتُكَ بِدَيْنِكَ. فقال: بل وَكَّلْتَنِى. فالقولُ قولُ مُدَّعِى الوَكَالَةِ منهما مع يَمِينِه؛ لأنَّه يَدَّعِى بَقَاءَ الحَقِّ على ما كان، ويُنْكِرُ انْتِقَالَهُ، والأَصْلُ معه، فإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ حُكِمَ بها؛ لأنَّ اخْتِلَافَهما في اللَّفْظِ، وهو ممَّا يُمْكِنُ إقَامَةُ البَيِّنَةِ عليه. وإن اتَّفَقَا على أنَّه قال: أَحَلْتُكَ بالمالِ الذي لي قِبَلَ زيدٍ. ثم اخْتَلَفَا، فقال المُحِيلُ: إنَّما وَكَّلْتُكَ في القَبْضِ لي. وقال الآخَرُ: بل أَحَلْتَنِى بِدَيْنِى عليك. فالقولُ قولُ مُدَّعِى الحَوَالَةِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ معه، فإنَّ

стр. 3293

اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ في الحَوَالَةِ دون الوَكَالَةِ، فيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ على ظَاهِرِه، كما لو اخْتَلَفَا في دَارٍ في يَدِ أحَدِهِما. والثانى، القولُ قولُ المُحِيلِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقَاءُ حَقِّ المُحِيلِ على المُحَالِ (١٢) عليه، والمُحْتَالُ يَدَّعِى نَقْلَه، والمُحِيلُ يُنْكِرُه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. فعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ، يَحْلِفُ المُحْتَالُ، ويَثْبُتُ حَقُّه في ذِمَّةِ المُحَالِ عليه، ويَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ، ويَسْقُطُ عن (١٣) المُحِيلِ. وعلى الوَجْهِ الثانى، يَحْلِفُ المُحِيلُ، ويَبْقَى حَقُّه في ذِمَّةِ المُحَالِ عليه. وعلى كلا الوَجْهَيْنِ: إن كان المُحْتَالُ قد قَبَضَ الحَقَّ من المُحَالِ عليه، وتَلِفَ في يَدِه، فقد بَرِئَ كلُّ واحدٍ منهما من صَاحِبِه، ولا ضَمَانَ عليه، سواءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطِه أو غيرِه؛ لأنَّه إن تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ، وكان المُحْتَالُ مُحِقًّا، فقد أتْلَفَ مَالَهُ، وإن كان مُبْطِلًا، ثَبَتَ لكلِّ واحدٍ منهما في ذِمَّةِ الآخَرِ مثلُ ما في ذِمَّتِه له، فيَتَقَاصَّانِ، ويَسْقُطَانِ. وإن تَلِفَ بغير تَفْرِيطٍ، فالمُحالُ (١٤) قد قَبَضَ حَقَّهُ، وتَلِفَ في يَدِه، وبَرِئَ منه المُحِيلُ بالحَوَالَةِ، والمُحَالُ عليه بِتَسْلِيمِه (١٥)، والمُحِيلُ يقول: قد تَلِفَ المالُ في يَدِ وَكِيلِى بغيرِ تَفْرِيطٍ. فلا ضَمانَ عليه. وإن لم يَتْلَفْ، احْتَمَلَ أن لا يَمْلِكَ المُحِيلُ طَلَبَهُ؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ أنَّ له عليه من الدَّيْنِ مثلَ مَالَهُ في يَدِه، وهو مُسْتَحِقٌّ لِقَبْضِه، فلا فَائِدَةَ في أن يَقْبِضَه منه ثم يُسَلِّمه إليه. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ أخْذَهُ منه، [ويَمْلِكَ المُحْتَالُ مُطَالَبَتَهُ بِدَيْنِه. وقيل: يَمْلِكُ المُحِيلُ أخذَهُ منه] (١٦)، ولا يَمْلِكُ المُحْتَالُ المُطَالَبَةَ بِدَيْنِه؛ لِاعْتِرَافِه بِبَرَاءَةِ المُحِيلِ منه بالحَوالةِ (١٧). وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ المُحْتَالَ إن اعْتَرَفَ بذلك، فهو يَدَّعِى أنَّه قَبَضَ هذا المالَ منه بغيرِ حَقٍّ، وأنَّه يَسْتَحِقُّ المُطَالَبَةَ به، فعلى كلا الحالَيْنِ، هو مُسْتَحِقٌّ لِلْمُطَالَبَةِ بمثلِ هذا المالِ المَقْبُوضِ منه، في قولِهما جميعا، فلا

стр. 3294

وَجْهَ لإِسْقَاطِه، ولا مَوْضِعَ لِلْبَيِّنَةِ في هذه المَسْأَلَةِ؛ لأنَّهما لا يَخْتَلِفَانِ في لَفْظٍ يُسْمَعُ، ولا فِعْلٍ يُرَى، وإنَّما يَدَّعِى المُحِيلُ بَيِّنَةً، وهذا لا تَشْهَدُ به البَيِّنَةُ نَفْيًا ولا إِثْبَاتًا. فصل: وإنْ كانت المَسْأَلَةُ بالعَكْسِ، فقال: أَحَلْتُكَ بِدَيْنِكَ. فقال: بل وَكَّلْتَنِى. ففيها الوَجْهانِ أيضًا؛ لما قَدَّمْنَاهُ. فإن قُلْنا: القولُ قولُ المُحِيلِ. فحَلَفَ، بَرِئَ من حَقِّ المُحْتَالِ، ولِلْمُحْتَالِ قَبْضُ المالِ من المُحَالِ عليه لِنَفْسِه؛ لأنَّه يجوزُ له ذلك بقولِهما معا، فإذا قَبَضَه كان له بِحَقِّه. وإن قُلْنا: القولُ قولُ المُحْتَالِ. فحَلَفَ كان له مُطَالَبَةُ المُحِيلِ بِحَقِّه، ومُطَالَبَةُ المُحْتَالِ عليه؛ لأنَّه إمَّا وَكِيلٌ وإما مُحْتَالٌ. فإن قَبَضَ منه قبلَ أخْذِه من المُحِيلِ، فله أخْذُ ما قَبَضَ لِنَفْسِه؛ لأنَّ المُحِيلَ يقول: هو لك. والمُحْتَالُ يقول: هو أمَانَةٌ في يَدِى، ولى مِثْلُه على صَاحِبِه، وقد أَذِنَ لي (١٨) في أخْذِه ضِمْنًا. فإذا أخَذَهُ لِنَفْسِه حَصَلَ غَرَضُه، ولم يَأْخُذْ من المُحِيلِ شَيْئًا. وإن اسْتَوْفَى من المُحِيلِ، رَجَعَ على المُحَالِ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه قد تَثْبُتُ الوَكَالَةُ بِيَمِينِ المُحْتَالِ، وبَقِىَ الحَقُّ في ذِمَّةِ المُحَالِ عليه لِلْمُحِيلِ. والثاني، لا يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه يَعْتَرِفُ أنَّه قد بَرِئَ من حَقِّه، وإنما المُحْتَالُ ظَلَمَهُ بأَخْذِ ما كان عليه. قال القاضي: والأَوَّلُ أصَحُّ. وإن كان قد قَبَضَ الحَوَالَةَ، فتَلِفَتْ في يَدِه بِتَفْرِيطٍ، أو أتْلَفَهَا، سَقَطَ حَقُّه على الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه إن كان مُحِقًّا فقد أتْلَفَ حَقَّهُ، وإن كان مُبْطِلًا فقد أتْلَفَ مثلَ دَيْنِه، فيَثْبُتُ في ذِمَّتِه ويَتَقَاصَّانِ. وإن تَلِفَتْ بغير تَفْرِيطِه، فعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ، يَسْقُطُ حَقُّه أيضًا؛ لأنَّ مَالَهُ تَلِفَ تَحْتَ يَدِه. وعلى الثاني، له أن يَرْجِعَ على المُحِيلِ بِحَقِّه، وليس لِلْمُحِيلِ الرُّجُوعُ على المُحَالِ عليه؛ لأنَّه يَعْتَرِفُ بِبَرَاءَتِه. فصل: وإن اتَّفَقَا على أنَّ المُحِيلَ قال: أَحَلْتُكَ بدَيْنِكَ. ثم اخْتَلَفَا، فقال أحَدُهما: هي حَوَالَةٌ بِلَفْظِها. وقال الآخَرُ: هي وَكَالَةٌ بِلَفْظِ الحَوَالَةِ. فالقولُ قولُ مُدَّعِى الحَوَالَةِ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الحَوَالَةَ بدَيْنِه لا تَحْتَمِلُ الوَكَالَة، فلم يُقْبَلْ قولُ

стр. 3295

مُدَّعِيها. وسواء اعْتَرَفَ المُحِيلُ بِدَيْنِ المُحْتَالِ، أو قال: لا دَيْنَ لك عَلَىَّ. لأنَّ قوله: أحَلْتُكَ بِدَيْنِكَ. اعْتِرَافٌ بِدَيْنِه، فلا يُقْبَلُ جَحْدُهُ له بعدَ ذلك. فأمَّا إنْ لم يَقُلْ بِذيْنِكَ، بل قال: أحَلْتُكَ. ثم قال: ليس لك عَلَىَّ دَيْنٌ، وإنما عَنَيْتُ التَّوْكِيلَ بلَفْظِ الحَوَالَةِ. أو قال: أَرَدْتُ أن أقولَ، وَكَّلْتُكَ، فسَبَقَ لِسَانِى فقلتُ: أحَلْتُكَ. وادَّعَى المُحْتَالُ أنَّها حَوَالَةٌ بِدَيْنِه، وأنَّ دَيْنَهُ كان ثَابِتًا على المُحِيلِ، فهل ذلك اعْتِرَافٌ بالدَّيْنِ أو لا؟ فيه وَجْهَانِ، سَبَقَ تَوْجِيهُهما. فصل: وإذا كان لِرَجُلٍ دَيْنٌ على آخَرَ، فطَالَبَهُ به، فقال: قد أَحَلْتَ به عَلَىَّ فُلَانًا الغائِبَ. وأنْكَرَ صَاحِبُ الدَّيْنِ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه. وإن كانَ لمن عليه الدَّيْنُ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ، سُمِعَتْ بَيِّنَتُه، لإِسْقَاطِ حَقِّ المُحِيلِ عليه. وإن ادَّعَى رَجُلٌ أنَّ فُلَانًا الغَائِبَ أحَالَنِى عليك، فأَنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فالقولُ قولُه. فإن أقَامَ المُدَّعِى بَيِّنَةً، ثَبَتَتْ في حَقِّه وحَقِّ الغائِبِ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ يُقْضَى بها (١٩) على الغائِبِ، ولَزِمَ الدَّفْعُ إلى المُحْتَالِ. وإن لم يكُنْ له بَيِّنَةٌ، فأَنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فهل تَلْزَمُه اليَمِينُ؟ فيه وَجْهانِ، بنَاءً على ما لو اعْتَرَفَ له هل يَلْزَمُه الدَّفْعُ؟ [على وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ] (٢٠) إليه؛ لأنَّه مُقِرٌّ بِدَيْنِه عليه، ووُجُوبِ دَفْعِه إليه، فلَزِمَهُ الدَّفْعُ إليه، كما لو كانت بَيِّنَةً. والثانى، لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ من إنْكَارِ المُحِيلِ ورُجُوعِه عليه، فكان له الاحْتِيَاطُ لِنَفْسِه، كما لو ادَّعَى عليه أنِّى وَكِيلُ فُلَانٍ في قَبْضِ دَيْنِه منك، فصَدَّقَهُ، وقال: لا أدْفَعُه (٢١) إليك. فإذا قُلْنا: يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ مع الإِقْرَارِ. لَزِمَتْهُ (٢٢) اليَمِينُ مع الإِنْكَارِ. فَإذا حَلَفَ، بَرِئَ، ولم يكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ على المُحِيلِ؛ لِاعْتِرَافِه بِبَرَاءَتِه. وكذلك إن قُلْنا: لا تَلْزَمُه اليَمِينُ. فليس لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ على المُحِيلِ، ثم يُنْظَرُ في المُحِيلِ، فإن صَدَّقَ

стр. 3296

المُدَّعِى في أنَّه أحَالَهُ، ثَبَتَتِ الحَوَالَةُ له؛ لأنَّ رِضَى المُحَالِ عليه لا يُعْتَبَرُ. وإن أنْكَرَ الحَوَالَةَ، حَلَفَ، وسَقَطَ حُكْمُ الحَوَالَةِ. وإن نَكَلَ المُحَالُ عليه عن اليَمِينِ، فقُضِىَ عليه بالنُّكُولِ واسْتُوفِىَ الحَقُّ منه، ثم إن المُحِيلَ صَدَّقَ المُدَّعِى، فلا كَلَامَ. وإن أنْكَرَ الحَوَالَةَ، فالقولُ قولُه، وله أن يَسْتَوْفِىَ من المُحَالِ عليه؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ له بالحَقِّ ويَدَّعِى أنَّ المُحْتَالَ ظَلَمَهُ، ويَبْقَى دَيْنُ المُحْتَالِ على المُحِيلِ. وإن كان المُحِيلُ يُنْكِرُ أنَّ له عليه دَيْنًا، فالقولُ قولُه بغير يَمِينٍ؛ لأنَّ المُحْتَالَ يُقِرُّ بِبَرَاءَتِه منه، لِاسْتَيفَائِه من المُحَالِ عليه. وإن كان المُحِيلُ يَعْتَرِفُ به، لم يكُنْ لِلْمُحْتَالِ المُطَالَبَةُ به؛ لأنَّه يُقِرُّ بأنَّه قد بَرِئَ منه بالحَوَالَةِ، والمُحِيلُ يُصَدِّقُ المُحَالَ عليه في كَوْنِ المُحْتَالِ قد ظَلَمَهُ، واسْتَوْفَى منه بغير حَقٍّ، والمُحْتَالُ يَزْعُمُ أنَّ المُحِيلَ قد أخَذَ منه أيضًا بغيرِ حَقٍّ، وأنه يَجِبُ عليه أن يَرُدَّ ما أخَذَهُ منه إليه، فيَنْبَغِى أن يَقْبِضَها المُحْتَالُ، ويُسَلِّمَها إلى المُحَالِ عليه، أو يَأْذَنَ لِلْمُحِيلِ في دَفْعِها إلى المُحَالِ عليه. وإن صَدَّقَ المُحَالُ عليه المُحْتَالَ في الحَوَالَةِ، ودَفَعَ إليه، فأنْكَرَ المُحِيلُ الحَوَالَةَ، حَلَفَ، ورَجَعَ على المُحَالِ عليه. والحُكْمُ في الرُّجُوعِ بما على المُحِيلِ من الدَّيْنِ على ما ذَكَرْنَا في التي قبلَها. فصل: فإن كان عليه أَلْفٌ ضَمِنَهُ رَجُلٌ، فأحَالَ الضَّامِنُ صَاحِبَ الدَّيْنِ به، بَرِئَتْ ذِمَّتُه وذِمَّةُ المَضمُونِ عنه؛ لأنَّ الحَوَالَةَ كالتَّسْلِيمِ، ويكونُ الحُكْمُ هاهُنا كالحُكْمِ فيما لو قَضَى عنه الدَّيْنَ. فإن كان الأَلْفُ على رَجُلَيْنِ، على كلِّ واحدٍ منهما خَمْسُمائةٍ، وكلُّ واحدٍ كَفِيلٌ عن الآخَرِ بذلك، فأحَالَهُ أحدُهما بالأَلْفِ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهما معا، كما لو قَضاهَا. وإن أحَالَ صَاحِبُ الأَلْفِ رَجُلًا على أحَدِهِما بِعَيْنِه بالأَلْفِ، صَحَّتِ الحَوَالَةُ؛ لأنَّ الدَّيْنَ على كلِّ واحدٍ منهما مُسْتَقِرٌّ. وإن أحالَ عليهما جَمِيعًا، لِيَسْتَوْفِىَ منهما، أو من أيِّهما شَاءَ، صَحَّتِ الحَوَالَةُ أيضًا عند القاضي؛ لأنَّه لا فَضْلَ هاهُنا في نَوْعٍ ولا أجَلٍ ولا عَدَدٍ، وإنَّما هو زِيَادَةُ اسْتِيثَاقٍ، فلم يَمْنَعْ ذلك صِحَّةَ الحَوَالَةِ، كحَوَالةِ المُعْسِرِ على المَلِىءِ. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ: لا تَصِحُّ الحَوَالَةُ؛ لأنَّ

стр. 3297

الفَضْلَ قد دَخَلَها، فإنَّ المُحْتالَ ارْتَفَقَ بالتَّخْيِيرِ بالاسْتِيفَاءِ منهما، أو مِن أيِّهما شاءَ، فأَشْبَهَ ما لو أحَالَهُ على رَجُلَيْنِ له على كلِّ واحدٍ منهما ألْفٌ لِيَسْتَوْفِىَ من أيِّهما شاءَ. والأَوَّلُ أصَحُّ. والفَرْقُ بين هذه المَسْأَلَةِ، وبين ما إذا أحَالَهُ بأَلْفَيْنِ، أنَّه لا فَضْلَ بينهما في العَدَدِ هاهُنا، وثَمَّ تَفَاضَلَا فيه، ولأنَّ الحَوَالَةَ هاهُنا بِأَلْفٍ مُعَيَّنٍ، وثَمَّ الحَوَالَةُ بأَحَدِهِما من غيرِ تَعْيِينٍ، وأنَّه إذا قَضَاهُ أحَدُهما الأَلْفَ فقد قَضَى جَمِيعَ الدَّيْنِ، وثَمَّ إذا قَضَى أحَدُهما بَقِىَ ما على الآخَرِ، ولو لم يكُنْ كلُّ واحدٍ من الرَّجُلَيْنِ ضَامِنًا عن صَاحِبِه، فأحَالَ عليهما، صَحَّتِ الحَوَالَةُ بغير إِشْكَالٍ؛ لأنَّه لمَّا كان له أن يَسْتَوْفِىَ الأَلْفَ من واحدٍ، كان له أن يَسْتَوْفِىَ من اثْنَيْنِ، كالوَكِيلَيْنِ.

стр. 3298

بابُ الضَّمانِ (١) ٨٢٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ ضُمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، أوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْتَهُ فهُوَ عَلَىَّ. فَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَحَّ أنَّه أَعْطَاهُ) الضَّمَانُ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في الْتِزَامِ الحَقِّ. فيَثْبُتُ في ذِمَّتِهِمَا جَمِيعًا، ولِصَاحِبِ الحَقِّ مُطالَبَةُ من شاءَ منهما، واشْتِقَاقُه من الضّمِّ. وقال القاضي: هو مُشْتَقٌّ من التَّضْمِينِ (٢)؛ لأنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الحَقَّ. والأصْلُ في جَوَازِه، الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ، أمَّا الكِتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٣). وقال ابنُ عَبَّاسٍ: الزَّعِيمُ الكَفِيلُ. وأمَّا السُّنَّةُ فما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ (٤). وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ، ورَوى البُخَارِىُّ (٥)، عن سَلَمَةَ ابن الأَكْوَعِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِىَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّىَ عليه، فقال: هل عليه دَيْنٌ؟ قالوا: نعم، دِينَارَانِ. قال: هل تَرَكَ لهما وَفَاءً؟

стр. 3299

قالوا: لا، فتَأَخَّرَ، فقِيل: لم لا تُصَلِّى (٦) عليه؟ : فقال: "مَا تَنْفَعُه صَلَاتِى وَذِمَّتُهُ مَرْهُوَنَةٌ؟ أَلا (٧) قامَ أحَدُكُم فضَمِنَهُ". فقام أبو قَتادَةَ، فقال: هما عَلَىَّ يا رسولَ اللهِ، فَصَلَّ ى عليه النَّبِيُّ ﷺ . وأجْمَعَ المُسلمونَ على جَوَازِ الضَّمَانِ في الجُمْلَةِ. وإنما اخْتَلَفُوا في فُرُوعٍ نَذْكُرُها إن شاءَ اللهُ تعالى. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يقال: ضَمِينٌ، وكَفِيلٌ، وقَبِيلٌ، وحَمِيلٌ، وزَعِيمٌ، وصَبِيرٌ، بِمَعْنًى واحِدٍ. ولا بُدَّ في الضَّمَانِ من ضَامِنٍ، ومَضْمُونٍ عنه، ومَضْمُونٍ له. ولا بُدَّ من رِضَى الضَّامِنِ، فإنْ أُكْرِهَ على الضَّمَانِ لم يَصِحَّ، ولا يُعْتَبَرُ رِضَى المَضْمُونِ عنه. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. لأنَّه لو قُضِىَ الدَّيْنُ عنه بغير إِذْنِه ورِضاهُ صَحَّ، فكذلك إذا ضُمِنَ عنه. ولا يُعْتَبَرُ رِضَى المَضْمُونِ له. وقال أبو حنيفةَ ومحمدٌ: يُعْتَبَرُ؛ لأنَّه إِثْبَاتُ مَالٍ لآدَمِىٍّ، فلم يَثْبُتْ إلَّا بِرِضَاهُ أو رِضَى من يَنُوبُ عنه، كالبَيْعِ والشِّرَاءِ. وعن أصْحَابِ الشَّافِعِىِّ كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أن أبا قَتَادَةَ ضَمِنَ من غيرِ رِضَى المَضْمُونِ عنه، فأجَازَهُ النَّبِىُّ ﷺ ، وكذلك رُوِىَ عن علىٍّ رَضِىَ اللَّه عنه، ولأنَّها وَثِيقَةٌ لا يُعْتَبَرُ فيها قَبْضٌ، فأَشْبَهَتِ الشَّهَادَةَ، ولأنَّه ضَمانُ دَيْنٍ، فأشْبَهَ ضَمانَ بعضِ الوَرَثَةِ دَيْنَ المَيِّتِ لِلْغَائِبِ، وقد سَلَّمُوهُ. فصل: ولا يُعْتَبَرُ أن يَعْرِفَهُما الضَّامِنُ. وقال القاضي: يُعْتَبَرُ مَعْرِفَتُهما، لِيَعْلَم هل المَضْمُونُ عنه أَهْلٌ لِاصْطِنَاعِ المَعْرُوفِ إليه أولا؟ ولِيَعْرِفَ المَضْمُونَ له، فَيُؤَدِّىَ إليه. وذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ، أنَّه تُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ المَضْمُونِ له لذلك. ولا تُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّه لا مُعَامَلَةَ بينَه وبينَه. ولأَصْحابِ الشَّافِعِىِّ ثَلَاثَةُ أوْجُهٍ نحو هذه (٨). ولَنا، حَدِيثُ عَلِىٍّ وأبى قَتادَةَ، فإنَّهما ضَمِنَا لمن لم يَعْرِفَاهُ عَمَّنْ لم يَعْرِفَاهُ. ولأنَّه تَبَرُّعٌ بالْتِزَامِ مَالٍ، فلم يُعْتَبَرْ مَعْرِفَةُ من يَتَبَرَّعُ له به، كالنَّذْرِ. فصل: وقد دَلَّتْ مَسْأَلَةُ الخِرَقِىِّ على أحْكامٍ؛ منها، صِحَّةُ ضَمانِ المَجْهُولِ؛

стр. 3300

لقوله: مَا أَعْطَيْتَهُ فَهُوَ عَلَىَّ. وهذا مَجْهُولٌ فمتى قال: أنا ضَامِنٌ لك مَالَكَ على فُلَانٍ، أو ما يُقْضَى به عليه، أو ما تَقُومُ به البَيِّنَةُ، أو يُقِرُّ به لك، أو ما يَخْرُجُ في رُوزمَانَجك (٩). صَحَّ الضَّمَانُ. وبهذا قال أبو حنيفةَ ومالِكٌ. وقال الثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، وابنُ أبي لَيْلَى، والشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لَا يَصِحُّ؛ لأنَّه الْتِزَامُ مَالٍ، فلم يَصِحَّ مَجْهُولًا، كالثمَنِ في المَبِيعِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وحِمْلُ البَعِيرِ غيرُ مَعْلُومٍ؛ لأنَّ حِمْلَ البَعِيرِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِه، وعُمُومُ قولِه ﵇: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ"، ولأنَّه الْتِزَامُ حَقٍّ في الذِّمَّةِ من غير مُعَاوَضَةٍ، فصَحَّ في المَجْهُولِ، كالنَّذْرِ والإِقْرَارِ، ولأنَّه يَصِحُّ تَعْلِيقُه بِضَرَرٍ (١٠) وخَطَرٍ، وهو ضَمَانُ العُهْدَةِ. وإذا قال: أَلْقِ مَتَاعَكَ في البَحْرِ، وعَلَىَّ ضَمَانُه. أو قال: ادْفَعْ ثِيَابَكَ إلى هذا الرَّفَّاءِ، وعَلَىَّ ضَمَانُها. فَصَحَّ المَجْهُولُ، كالعِتْقِ والطَّلَاقِ. ومنها، صِحَّةُ ضَمَانِ ما لم يَجِبْ، فإنَّ مَعْنَى قولِه: "ما أَعْطَيْتَهُ"، [أي ما يُعْطِيه] (١١) في المُسْتَقْبَلِ، بِدَلِيلِ أنَّه عَطَفَهُ على مَن ضُمِنَ عنه حَقٌّ بعدَ وُجُوبِه عليه، فيَدُلُّ على أنَّه غيرُه، ولو كان "ما أعْطَيْتَهُ" في الماضِى، كان مَعْنَى المَسْأَلَتَيْنِ سواءً، أو إحْدَاهُما دَاخِلَةً في الأُخْرَى. والخِلَافُ في هذه المَسْأَلَةِ ودَلِيلُ القَوْلَيْنِ، كالتى قبلَها، إلَّا أنَّهم قالوا: الضَّمَانُ ضَمُّ ذِمَّةٍ (١٢) إلى ذِمَّةٍ في الْتِزَامِ الدَّيْنِ، فإذا لم يكُنْ على المَضْمُونِ عنه شيءٌ، فلا ضَمَّ فيه، فلا يكونُ ضَمَانًا. قُلْنا: قد ضَمَّ ذِمَّتَهُ (١٣) إلى ذِمَّةِ المَضمونِ عنه في أنَّه يَلْزَمُه ما يلزمُه، وأنَّ ما يَثْبُتُ (١٤) في ذِمَّةِ مَضْمُونِه يَثْبُتُ في ذِمَّتِه. وهذا كَافٍ. وقد سَلَّمُوا ضَمَانَ ما يُلْقِيهِ في البَحْرِ قبلَ وُجُوبِه بقولِه: أَلْقِ مَتَاعَكَ في البَحْرِ، وعَلَىَّ ضَمَانُه. وسَلَّمَ أصْحابُ الشَّافِعِيِّ في أحَدِ

стр. 3301

الوَجْهَيْنِ ضَمَانَ الجُعْلِ في الجُعَالَةِ قبلَ العَمَلِ، وما وَجَبَ شَىْءٌ بعدُ. ومنها، أنَّ الضَّمَانَ إذا صَحَّ لَزِمَ الضَّامِنَ أدَاءُ ما ضَمِنَهُ، وكان للْمَضْمُونِ (١٥) له مُطَالَبَتُهُ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. وهو فَائِدَةُ الضَّمانِ، وقد دَلَّ قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "والزَّعِيمُ غَارِمٌ". واشْتِقَاقُ اللَّفْظِ. ومنها، صِحَّةُ الضَّمَانِ عن كلِّ غَرِيمٍ (١٦) وَجَبَ عليه حَقٌّ، حَيًّا كان أو مَيِّتًا، مَلِيئًا أو مُفْلِسًا؛ لِعُمُومِ لَفْظِه فيه. وهذا قولُ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ المَيِّتِ، إلَّا أن يَخْلُفَ وَفَاءً، فإن خَلَفَ بعضَ الوَفَاءِ، صَحَّ ضَمَانُه بِقَدْرِ ما خَلَفَ؛ لأنَّه دَيْنٌ سَاقِطٌ، فلم يَصِحَّ ضَمَانُه، كما لو سَقَطَ بالإِبْرَاءِ، ولأنَّ ذِمَّتَهُ قد خَرِبَتُ خَرابًا لا تَعْمُرُ بعدَه، فلم يَبْقَ فيها دَيْنٌ، والضَّمَانُ: ضَمُّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ في الْتِزَامِه. ولَنا، حَدِيثُ أبى قَتادَةَ وعلىٍّ، فإنَّهما ضَمِنَا دَيْنَ مَيِّتٍ لم يَخْلُفْ وَفَاءً. والنَّبِىُّ ﷺ حَضَّهُم على ضَمَانِه في حَدِيثِ أبى قَتادَةَ، بقولِه: "ألَا قَامَ أحَدُكُمْ فَضَمِنَهُ؟ " وهذا صَرِيحٌ في المَسْأَلَةِ، ولأنَّه دَيْنٌ ثَابِتٌ، فصَحَّ ضَمانُه, كما لو خَلَفَ وَفَاءً، وَدَلِيلُ ثُبُوتِه أنَّه لو تَبَرَّعَ رَجُلٌ بِقَضاءِ دَيْنِه، جَازَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ اقْتِضَاؤُه، ولو ضَمِنَهُ حَيًّا ثم مَاتَ، لم تَبْرَأْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ، ولو بَرِئَتْ ذِمَّةُ المَضْمُونِ عنه بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ، وفى هذا انْفِصَالٌ عما ذَكَرُوهُ. ومنها، صِحَّةُ الضَّمَانِ في كلِّ حَقٍّ، أعْنِى من الحُقُوقِ المالِيَّةِ الوَاجِبَةِ، أو التي تَؤُولُ إلى الوُجُوبِ، كثَمَنِ المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيَارِ وبعدَه، والأُجْرَةِ والمَهْرِ قبلَ الدُّخُولِ وبعدَه (١٧)؛ لأنَّ هذه الحُقُوقَ لَازِمَةٌ، وجَوازُ سُقُوطِها لا يَمْنَعُ ضَمَانَها، كالثَّمَنِ في المَبِيعِ بعدَ انْقِضَاءِ الخِيارِ، ويجوزُ أن يَسْقُطَ بِرَدِّهِ (١٨) بِعَيْبٍ أو مُقَايَلَةٍ. وبهذا كلِّه قال الشَّافِعِىُّ. فصل: فيما يَصِحُّ ضَمَانُه: ويَصِحُّ ضَمانُ الجُعْلِ في الجُعَالَةِ، وفى المُسَابَقَةِ

стр. 3302

والمُناضَلَةِ. وقال أصْحابُ الشَّافِعِىِّ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ: لا يَصِحُّ ضَمَانُه؛ لأنَّه لا يَؤُولُ إلى اللُّزُومِ، فلم يَصِحّ ضَمَانُه، كمَالِ الكِتَابَةِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. ولأنَّه يَؤُولُ إلى اللُّزوُمِ إذا عَمِلَ العَمَلَ، وإنَّما الذي لا يَلْزَمُ العَمَلُ، والمالُ يَلْزَمُ بِوُجُودِه، والضَّمَانُ لِلْمَالِ دون العَمَلِ. ويَصِحُّ ضَمَانُ أَرْشِ الجِنَايَةِ، سواءٌ كانت نُقُودًا كَقِيَمِ المُتْلَفَاتِ، أو حَيَوانًا كالدِّياتِ. وقال أصْحابُ الشَّافِعِىِّ: لا يَصِحُّ ضَمَانُ الحَيَوَانِ الواجِبِ فيها؛ لأنَّه مَجْهُولٌ. وقد مَضَى الدَّلِيلُ على صِحَّةِ ضَمَانِ المَجْهُولِ، ولأنَّ الإِبِلَ الوَاجبَةَ في الذِّمَّةِ مَعْلُومَةُ الأَسْنَانِ والعَدَدِ، وجَهَالَةُ اللَّوْنِ أو غيره من الصِّفَاتِ البَاقِيَةِ لا تَضُرُّ؛ لأنَّه إنما يَلْزَمُهُ أَدْنَى لَوْنٍ أو صِفَةٍ فتَحْصُلُ مَعْلُومَةً، وكذلك غيرُها من الحَيَوانِ، ولأنَّ جَهْلَ ذلك لم يَمْنَعْ وُجُوبَه بالإِتْلَافِ، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَهُ بالالْتِزَامِ. ويَصِحُّ ضَمَانُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، سواءٌ كانت نَفَقَةَ يَوْمِها أو مُسْتَقْبَلَةً؛ لأنَّ نَفَقَةَ اليَوْمِ وَاجِبَةٌ، والمُسْتَقْبَلَةَ مآلُها إلى اللُّزُومِ، ويَلْزَمُه ما يَلْزَمُ الزَّوْجَ في قِيَاسِ المَذْهَبِ. وقال القاضِى: إذا ضَمِنَ نَفَقَةَ المُسْتَقْبَلِ، لم تَلْزَمْهُ إلَّا نَفَقَةُ المُعْسِرِ؛ لأنَّ الزِّيَادَةَ على ذلك تَسْقُطُ بالإِعْسَارِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ على القولِ الذي [قال فيه: يَصِحُّ] (١٩) ضَمَانُها. ولَنا، أنَّه يَصِحُّ ضَمانُ ما لم يَجِبْ، واحْتِمَالُ عَدَمِ وُجُوبِ الزِّيَادَةِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ ضَمَانِها، بِدَلِيلِ الجُعْلِ في الجُعَالَةِ، والصَّدَاقِ قبلَ الدُّخُولِ، والمَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيَارِ. فأمَّا النَّفَقَةُ في الماضِى، فإن كانت وَاجِبَةً، إمَّا بِحُكْمِ الحَاكِمِ بها، أو قُلْنا: بِوُجُوبِها بدون حُكْمِه، صَحَّ ضَمَانُها، وإلَّا فلا. ويَصِحُّ ضَمَانُ مَالِ السَّلَمِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. والأُخْرَى لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى اسْتِيفَاءِ المُسْلَمِ فيه من (٢٠) غيرِ المُسْلَمِ إليه، فلم يَجُزْ، كالحَوَالَةِ به. والأُولَى (٢١) أصَحُّ؛ لأنَّه دَيْنٌ لَازِمٌ فَصَحَّ ضَمَانُه، كالأُجْرَةِ وثَمَنِ المَبِيعِ. ولا يَصِحُّ ضَمَانُ مَالِ الكِتَابَةِ، في

стр. 3303

إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. والأُخْرَى: يَصِحُّ؛ لأنَّه دَيْنٌ على المُكَاتَبِ، فَصَحَّ ضَمَانُه، كسَائِرِ الدُّيُونِ عليه. والأُولَى أصَحُّ؛ لأنَّه ليس بِلازِمٍ. ولا مَآلُه إلى اللُّزُومِ، فإنَّ لِلْمُكَاتَبِ تَعْجِيزَ نَفْسِه، والامْتِنَاعَ من (٢٢) أدَائِه، فإذا لم يَلْزَم الأَصِيلَ، فالضَّمِينُ أَوْلَى. ويَصِحُّ ضَمَانُ الأَعْيَانِ المَضْمُونَةِ، كالمَغْصُوبِ والعَارِيَّةِ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ في أحَدِ القَوْليْنِ (٢٣)، وقال في الآخَرِ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الأَعْيانَ غيرُ ثَابِتَةٍ في الذِّمَّةِ، وإنما يُضْمَنُ ما ثَبَتَ في الذِّمَّةِ، وَوَصْفُنَا لها بالضَّمَانِ إنَّما مَعْناهُ أنه يَلْزَمُه قِيمَتُها إن تَلِفَتْ، والقِيمَةُ مَجْهُولَةٌ. ولَنا، أنَّها مَضْمُونَةٌ على مَن هي في يَدِه، فصَحَّ ضَمَانُها، كالحُقُوقِ الثَّابِتَةِ في الذِّمَّةِ. وقولُهم: إنَّ الأَعْيَانَ لا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ. قُلْنا: الضَّمَانُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو ضَمَانُ اسْتِنْقَاذِهَا وَرَدِّهَا، والْتِزَامُ تَحْصِيلِها أو قِيمَتِهَا عند تَلَفِهَا. وهذا ممَّا يَصِحُّ ضَمَانُه، كعُهْدَةِ المَبِيعِ، فإنَّ ضَمَانَها يَصِحُّ، وهو في الحَقِيقَةِ الْتِزَامُ رَدِّ الثمَنِ أو عِوَضِه، إن ظَهَرَ بالبَيْعِ عَيْبٌ، أو خَرَجَ مُسْتَحَقًّا، فأمَّا الأَمَانَاتُ، كالوَدِيعَةِ، والعَيْنِ المُؤْجَرَةِ، والشَّرِكَةِ، والمُضَارَبَةِ، والعَيْنِ التي يدْفَعُها إلى القَصَّارِ والخَيَّاطِ، فهذه إن ضَمِنَها من غيرِ تَعَدٍّ فيها، لم يَصِحّ ضَمَانُها؛ لأنَّها غيرُ مَضْمُونَةٍ على مَن هي في يَدِه، فكذلك على ضَامِنِه (٢٤). وإن ضَمِنَها إن تَعَدَّى فيها، فظَاهِرُ كلامِ أحمدَ، ﵀، يَدُلُّ على صِحَّةِ الضَّمَانِ؛ فإنَّه قال في رِوَايَةِ الأَثْرَمِ، في رَجُلٍ يَتَقَبَّلُ من النّاسِ الثِّيَابَ، فقال له رَجُلٌ: ادْفَعْ إليه ثِيَابَكَ، وأنا ضَامِنٌ. فقال له (٢٥): هو ضَامِنٌ لما دَفَعَهُ إليه. يَعْنِى إذا تَعَدَّى أو تَلِفَ بِفِعْلِه. فعلى هذا إن تَلِفَ بغير تَفْرِيطٍ منه ولا فِعْلِه، لم يَلْزَمِ الضَّامِنَ شَيْءٌ، لما ذَكَرْنَا، وإن تَلِفَ بِفِعْلِه أو تَفْرِيطٍ لَزِمَهُ ضَمَانُها، ولَزِمَ ضَامِنَهُ ذلك؛ لأنَّها مَضْمُونَةٌ على مَن هي في

стр. 3304

يَدِه، فَلَزِمَ (٢٦) ضَامِنهُ، كالغُصُوبِ (٢٧) والعَوَارِى. وهذا في الحَقِيقَةِ ضَمَانُ ما لم يَجِبْ، وقد بَيَّنَّا جَوَازَهُ. ويَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ المَبِيعِ عن البَائِعِ لِلْمُشْتَرِى، وعن المُشْتَرِى لِلْبَائِعِ، فضَمَانُه على المُشْتَرِى هو أن يَضْمَنَ الثَّمَنَ الوَاجِبَ بالبَيْعِ قبل تَسْلِيمِه، وإن ظَهَرَ فيه عَيْبٌ أو اسْتُحِقَّ، رَجَعَ بذلك على الضَّامِنِ، وضَمَانُه عن البَائِعِ لِلْمُشْتَرِى هو أن يَضْمَنَ عن البائِعِ الثمَنَ متى خَرَجَ المَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، أو رُدَّ بِعَيْبٍ، أو أَرْشِ العَيْبِ. فَضَمَانُ العُهْدَةِ في المَوْضِعَيْنِ هو ضَمَانُ الثَّمَنِ أو جُزْءٍ منه عن أحَدِهِمَا لِلآخَرِ. وحَقِيقَةُ العُهْدَةِ الكِتَابُ الذي يَكْتُبُ فيه وَثِيقَةَ البَيْعِ، ويَذْكُرُ فيه الثَّمَنَ، فَعُبِّرَ به عن الثَّمَنِ الذي يَضْمَنُه. وممن أجازَ ضَمانَ العُهْدَةِ في الجملة أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. ومَنَعَ منه بعضُ الشَّافِعِيَّةِ؛ لكَوْنِه ضَمَانَ ما لم يَجِبْ، وضَمَانَ مَجْهُولٍ، وضَمَان عينٍ. وقد بَيَّنَّا جَوَازَ الضَّمَانِ في ذلك كلِّه. ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى الوَثِيقَةِ على البائِعِ، والوَثَائِقُ ثَلَاثَةٌ؛ الشَّهَادَةُ، والرَّهْنُ، والضَّمَانُ. فأمَّا الشَّهَادَةُ فلا يُسْتَوْفَى منها الحَقُّ، وأما الرَّهْنُ فلا يجوزُ في ذلك بالإِجْمَاعِ؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى أن يَبْقَى أبَدًا مَرْهُونًا، فلم يَبْقَ إلَّا الضَّمَانُ. ولأنَّه لا يَضْمَنُ إلَّا ما كان وَاجِبًا حالَ العَقْدِ؛ لأنَّه إنما يَتَعَلَّقُ بالضَّمَانِ حُكْمٌ إذا خَرَجَ مُسْتَحَقًّا أو مَعِيبًا حالَ العَقْدِ، ومتى كان كذلك، فقد ضَمِنَ ما وَجَبَ حين العَقْدِ، والجَهَالَةُ مُنْتَفِيَةٌ؛ لأنَّه ضَمِنَ الجُمْلَةَ، فإذا خَرَجَ بعضُه مُسْتَحَقًّا، لَزِمَهُ بعضُ ما ضَمِنَهُ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَصِحُّ ضَمَانُ العُهْدَةِ عن البائِعِ لِلْمُشْتَرِى قبلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وبعدَه. وقال الشَّافِعِىُّ: إنَّما يَصِحُّ بعدَ القَبْضِ؛ لأنَّه قبلَ القَبْضِ لو خَرَجَ مُسْتَحَقًّا لم يَجِبْ على البائِعِ شيءٌ. وهذا يَنْبَنِى على ضَمَانِ ما لم يَجِبْ إذا كان مُفْضِيًا إلى الوُجُوبِ، كالجُعَالَةِ. وأَلْفاظُ ضَمانِ العُهْدَةِ أن يقولَ: ضَمِنْتُ عُهْدَتَه أو ثَمَنَهُ أو دَرَكَهُ. أو يقولَ لِلْمُشْتَرِى: ضَمِنْتُ خَلَاصَكَ منه. أو يقولَ: متى خَرَجَ المَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فقد ضَمِنْتُ لك الثَّمَنَ. وحُكِىَ عن أبي يوسفَ، أنَّه قال: ضَمِنْتُ

стр. 3305

[عُهْدَته، أو ضَمِنْتُ] (٢٨) لك العُهْدَةَ. والعُهْدَةُ في الحَقِيقَةِ: هي الصَّكُّ المَكْتُوبُ فيه الابْتِيَاعُ. هكذا فَسَّرَهُ به أهْلُ اللُّغَةِ، فلا يَصِحُّ ضَمانُه لِلْمُشْتَرِى؛ لأنَّه مِلْكُه، وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ العُهْدَةَ صَارَتْ في العُرْفِ عِبارَةً عن الدَّرَكِ وضَمَانِ الثَّمَنِ، والكَلَامُ المُطْلَقُ يُحْمَلُ على الأَسْمَاءِ العُرْفِيَّةِ دون اللُّغَوِيَّةِ، كالرَّاوِيَةِ، تُحْمَلُ (٢٩) عند إطْلَاقِهَا على الْمَزادَةِ، لا على الجَمَلِ، وإن كان هو المَوْضُوعَ. فأمَّا إن ضَمِنَ له خَلاصَ المَبِيعِ، فقال أبو بكرٍ: هو بَاطِلٌ؛ لأنَّه إذا خَرَجَ حُرًّا أو مُسْتَحَقًّا، لا يَسْتَطِيعُ تَخْلِيصَه، ولا يَحِلُّ. وقد قال أحمدُ، في رَجُلٍ بَاعَ عَبْدًا أو أَمَةً، وضَمِنَ له الخَلَاصَ، فقال: كيف يَسْتَطِيعُ الخَلَاصَ إذا خَرَجَ حُرًّا؟ فإن ضَمِنَ عُهْدَةَ المَبِيعِ وخَلَاصَه، بَطَلَ في الخَلاصِ. وهل يَصِحُّ في العُهْدَةِ؟ على وَجْهَيْنِ، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. إذا ثَبَتَ صِحَّةُ ضَمَانِ العُهْدَةِ، فالكلامُ فيما يَلْزَمُ الضَّامِنَ، فنقولُ: إنَّ اسْتِحْقَاقَ رُجُوعِ المُشْتَرِى بالثمَنِ لا يَخْلُو، إمَّا أن يكونَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ بعدَ العَقْدِ، أو مُقَارِنٍ له، فأمَّا الحادِثُ فمثلُ (٣٠) تَلَفِ المَبِيعِ من المَكِيلِ والمَوْزُونِ (٣١) في يَدِ البائِعِ أو بِغَصْبٍ من يَدِه أو يَتَقَايلَانِ، فإن المُشْتَرِىَ يَرْجِعُ على البائِعِ دون الضَّامِنِ؛ لأنَّ هذا الاسْتِحْقَاقَ لم يكُنْ مَوْجُودًا حالَ العَقْدِ، وإنَّما ضَمِنَ الاسْتِحْقاقَ المَوْجُودَ حالَ العَقْدِ. ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ به على الضَّامِنِ؛ لأنَّ ضَمَانَ ما لم يَجِبْ جَائِزٌ، وهذا منه. وأمَّا إن كان بِسَبَبٍ مُقَارِنٍ، نَظَرْنَا؛ فإن كان بِسَبَبٍ لا تَفْرِيطَ من البائِعِ فيه، كأخْذِه بالشُّفْعَةِ، فإنَّ المُشْتَرِىَ يَأْخُذُ الثمَنَ من الشَّفِيعِ ولا يَرْجِعُ على البائِعِ ولا الضَّامِنِ. ومتى لم يَجِبْ على المَضْمُونِ عنه شيءٌ، لم يَجِبْ على الضَّامِنِ بِطَرِيقِ الأَوْلَى. وأمَّا إن زَالَ مِلْكُه عن المَبِيعِ بِسَبَبٍ مُقَارِنٍ لِتَفْرِيطٍ من البَائِعِ، بِاسْتحْقَاقٍ أو حُرِّيَّةٍ أو رَدٍّ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ، فله الرُّجُوعُ إلى الضَّامِنِ، وهذا ضَمَانُ العُهْدَةِ، وإن أرادَ أخْذَ أَرْشِ العَيْبِ، رَجَعَ على الضَّامِنِ

стр. 3306

أيضًا؛ لأنَّه إذا لَزِمَهُ كلُّ الثَّمَنِ، لَزِمَهُ بعضُه إذا اسْتَحَقَّ ذلك على المَضْمُونِ عنه، وسواءٌ ظَهَرَ كلُّ المَبِيعِ مُسْتَحَقًّا أو بعضُه؛ لأنَّه إذا ظَهَرَ بعضُه مُسْتَحَقًّا، بَطَلَ العَقْدُ في الجَمِيعِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فقد خَرجَتِ العَيْنُ كلُّها من يَدِه بِسَبَبِ الاسْتِحقَاقِ، وعلى الرِّوَايَةِ الأُخْرى: لا (٣٢) يَبْطُلُ العَقْدُ في الجَمِيعِ، ولكن اسْتَحَقَّ رَدَّهَا، فإن رَدَّهَا كلَّها فالحُكْمُ كذلك، وإن أَمْسَكَ المَمْلُوكَ منها، فله المُطَالَبَةُ بالأَرْشِ، كما لو وَجَدَ بها عَيْبًا. ولو بَاعَهُ عَيْنًا أو أقْرضَهُ شَيْئًا بِشَرْطِ أن يَرْهَنَ عنده عَيْنًا (٣٣)، فتَكَفَّلَ (٣٤) رَجُلٌ بِتَسْلِيمِ (٣٥) الرَّهْنِ، لم تَصِحَّ الكَفَالَةُ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ الرَّاهِنَ إقْبَاضُه وتَسْلِيمُه، فلا يَلْزَمُ الكَفِيلَ ما لا يَلْزَمُ الأصْلَ. وإن ضَمِنَ لِلْمُشْتَرِى قِيمَةَ ما يَحْدُثُ في المَبِيعِ، من بِنَاءٍ أو غِرَاسٍ، صَحَّ، سواءٌ ضَمِنَهُ البائِعُ أو أجْنَبِىٌّ، فإذا بَنَى أو غَرَسَ واسْتُحِقَّ (٣٦) المَبِيعُ، رَجَعَ المُشْتَرِى على الضَّامِنِ بِقِيمَةِ ما تَلِفَ أو نَقَصَ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه ضَمَانُ مَجْهُولٍ، وضَمَانُ ما لم يَجِبْ. وقد بَيَّنَّا جَوَازَ ذلك. فصل: في من يَصِحُّ ضَمانُه، ومن لا يَصِحُّ. يَصِحُّ ضَمانُ كلِّ جائِزِ التَّصَرُّف في مَالِه، سواءٌ كان رجلًا أو امرأةً؛ لأنَّه عَقْدٌ يُقْصَدُ به المالُ، فَصَحَّ من المَرْأَةِ كالبَيْعِ، ولا يَصِحُّ من المَجْنُونِ والمُبَرْسَمِ (٣٧)، ولا من صَبِىٍّ غيرِ مُمَيِّزٍ، بغير خِلافٍ؛ لأنَّه إِيجابُ مَالٍ بِعَقْدٍ، فلم يَصِحَّ منهم، كالنَّذْرِ. ولا يَصِحُّ من السَّفِيهِ المَحْجُورِ عليه. ذكرهُ أبو الخَطَّابِ، وهو قولُ الشَّافِعِىِّ. وقال القاضي: يَصِحُّ، ويُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه؛ لأنَّ من أَصْلِنَا أنَّ إِقْرَارَهُ صَحِيحٌ يُتْبَعُ به من بعدِ فَكِّ الحَجْرِ عنه (٣٨)، فكذلك ضَمَانُه. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه إِيجَابُ مَالٍ بِعَقْدٍ، فلم يَصِحَّ منه، كالبَيْعِ والشِّرَاءِ، ولا يُشْبِه

стр. 3307

الإِقْرارَ؛ لأنَّه إِخْبَارٌ بِحَقٍّ سَابِقٍ. وأما الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، فلا يَصِحُّ ضَمَانُه، في الصَّحِيحِ من الوَجْهَيْنِ. وهو قول الشَّافِعِىِّ. وخَرَّجَهُ أصْحابُنا على الرِّوَايَتَيْنِ في صِحَّةِ إقْرَارِه وتَصَرُّفَاتِه بإِذْنِ وَلِيِّهِ، ولا يَصِحُّ هذا الجَمْعُ؛ لأنَّ هذا الْتِزَامُ مالٍ لا فائِدَةَ له فيه، فلم يَصِحَّ منه، كالتَّبَرُّعِ والنَّذْرِ، بِخِلَافِ البَيْعِ. وإن اخْتَلَفَا في وَقْتِ الضَّمَانِ بعدَ بُلُوغِه، فقال الصَّبِىُّ: قبلَ بُلُوغِى. وقال المَضْمُونُ له: بعدَ البُلُوغِ. فقال القاضي: قِياسُ قول أحمدَ أنَّ القولَ قولُ المَضْمُونِ له؛ لأنَّ معه سَلامةَ العَقْدِ، فكان القولُ قولَه، كما لو اخْتَلَفَا في شَرْطٍ فَاسِدٍ. ويَحْتَمِلُ أنَّ القولَ قولُ الضَّامِنِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ البُلُوغِ، وعَدَمُ وُجُوبِ الحَقِّ عليه. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ. ولا يُشْبِهُ هذا ما إذا اخْتَلَفَا في شَرْطٍ فَاسِدٍ؛ لأنَّ المُخْتَلِفَيْنِ ثَمَّ مُتَّفِقانِ على أهْلِيَّةِ (٣٩) التَّصَرُّفِ، والظَّاهِرُ أنَّهما لا يَتَصَرَّفانِ إلَّا تَصَرُّفًا صَحِيحًا، فكان قولُ مُدَّعِى الصِّحَّةِ هو الظَّاهِرُ، وههُنا اخْتَلَفَا في أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ (٤٠)، وليس مع من يَدَّعِى الأَهْلِيَّةَ ظَاهِرٌ يَسْتَنِدُ إليه، ولا أصْلٌ يَرْجِعُ إليه، فلا تَرْجُحُ دَعْوَاهُ. والحُكْمُ في مَن عُرِفَ له حَالُ جُنُونٍ، كالحُكْمِ في الصَّبِىِّ، وإن لم يُعْرَفْ له حالُ جُنُونٍ، فالقولُ قولُ المَضْمُونِ له؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُهُ، فأما المَحْجُورُ عليه لِفَلَسٍ، فيَصِحُّ ضَمَانُه، ويُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه؛ لأنَّه من أَهْلِ التَّصَرُّفِ، والحَجْرُ عليه في مَالِه، لا في ذِمَّتِه، فأشْبَهَ الرَّاهِنَ، فصَحَّ تَصَرُّفُه فيما عدا الرَّهْنِ، فهو كما لو اقْتَرَضَ أو أَقَرَّ أو اشْتَرَى في ذِمَّتِه. ولا يَصِحُّ ضَمَانُ العَبْدِ بغير إِذْنِ سَيِّدِه، سواءٌ كان مَأْذُونًا له في التِّجَارَةِ أو غيرَ مَأْذُونٍ له. وبهذا قال ابنُ أبي لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، ويُتْبَعَ به (٤١) بعدَ العِتْقِ. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه من أهْلِ التَّصَرُّفِ، فصَحَّ تَصَرُّفُه بما لا ضَرَرَ على السَّيِّدِ فيه، كالإِقْرَارِ بالإِتْلَافِ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه عَقْدٌ تَضَمَّنَ إِيجابَ مالٍ، فلم يَصِحَّ بغيرِ إِذْنٍ، كالنِّكَاحِ. وقال

стр. 3308

أبو ثَوْرٍ: إن كان من جِهَةِ التِّجارَةِ جازَ، وإن كان من غيرِ ذلك لم يَجُزْ. فإن ضَمِنَ بإِذْنِ سَيِّدِه، صَحَّ؛ لأنَّ سَيِّدَهُ لو أَذِنَ له في التَّصَرُّفِ صَحَّ. قال القاضي: وقِياسُ المَذْهَبِ تَعَلُّقُ المالِ بِرَقَبَتِه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: ظَاهِرُ المَذْهَبِ وقِيَاسُه أنَّه يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ. وقال أبو الخَطَّابِ: هل يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أو بِذِمَّةِ سَيِّدِه؟ على رِوَايَتَيْنِ، كاسْتِدَانَتِه بإِذْنِ سَيِّدِه. وقد سَبَقَ الكَلَامُ فيها. فإن أَذِنَ له سَيِّدُه في الضَّمَانِ ليكونَ القَضاءُ من المالِ الذي في يَدِه، صَحَّ، ويكونُ ما في ذِمَّتِه مُتَعَلِّقًا [بَرقَبَةِ المالِ] (٤٢) الذي في يَدِ العَبْدِ، كَتَعَلُّقِ حَقِّ الجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الجانِى، كما لو قال الحُرُّ: ضَمِنْتُ لك الدَّيْنَ، على أن تَأْخُذَ من مَالِى هذا. صَحَّ. وأما المُكَاتَبُ فلا يَصِحُّ ضَمَانُه بغير إِذْنِ سَيِّدِه، كالعَبْدِ القِنِّ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بالْتِزَامِ مَالٍ، فأشْبَه نَذْرَهُ (٤٣) الصَّدَقَةَ بغيرِ مالٍ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، ويُتْبَعُ به بعدَ عِتْقِه، كقَوْلِنَا في العَبْدِ. وإن ضَمِنَ بإِذْنِه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ أيضًا؛ لأنَّه ربما أَدَّى إلى تَفْوِيتِ الحُرِّيَّةِ. والثانى، يَصِحُّ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما. فأمَّا المَرِيضُ، فإن كان مَرَضُه غيرَ مَخُوفٍ، أو غيرَ مَرَضِ المَوْتِ، فحُكْمُه حُكْمُ الصَّحِيحِ. وإن كان مَرَضَ المَوْتِ الْمَخُوفَ، فحُكْمُ ضَمَانِه حُكْمُ تَبَرُّعه، يُحْسَبُ (٤٤) من ثُلُثِه؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بِالْتِزَامِ مَالٍ لا يَلْزَمُه، ولم يَأخُذْ عنه عِوَضًا، فأَشْبَه الهِبَةَ. وإذا فُهِمَتْ إشَارَة الأَخْرَسِ، صَحَّ ضَمَانُهُ؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيْعُه وإِقْرَارُه وتَبَرُّعُه، فصَحَّ ضَمانُه، كالنَّاطِقِ، ولا يَثْبُتُ الضَّمَانُ بكِتَابَتِهِ (٤٥) مُنْفَرِدَةً عن إشارَةٍ يُفْهَمُ بها أنَّه قَصَدَ الضَّمانَ؛ لأنَّه قد يَكْتُبُ عَبَثًا أو تَجْرِبَةً، فلم يَثْبُتِ الضَّمَانُ (٤٦) مع الاحْتِمالِ. ومن لا تُفْهَمُ إشارَتُه لا يَصِحُّ منه الضَّمَانُ؛ لأنَّه لا يَدْرِى بِضَمَانِه، ولأنَّه لا يَصِحُّ سَائِرُ تَصَرُّفَاتِه، فكذلك ضَمَانُه.

стр. 3309

فصل: إذا ضَمِنَ الدَّيْنَ الحالَّ مُؤَجَّلًا، صَحَّ، ويكونُ حَالًّا على المَضْمُونِ عنه مُؤَجَّلًا على الضَّامِنِ، يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ المَضْمُونِ عنه دون الضَّامِنِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. قال أحمدُ، في رَجُلٍ ضَمِنَ ما على فُلَانٍ أن يُؤَدِّيَهُ في ثَلَاثِ سِنِينَ: فهو عليه، ويُؤَدِّيه كما ضَمِنَ. وَوَجْهُ ذلك: ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ رجلًا لَزِمَ غَرِيمًا له بِعَشرَةِ دَنَانِيرَ، على عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: ما عِنْدِى شَىْءٌ أُعْطِيكَهُ (٤٧). فقال: واللَّه لا أُفَارِقَنَّكَ (٤٨) حتى تَقْضِيَنِي أو تَأْتِيَنِي بِحَميلٍ. فَجَرَّهُ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال له النبيُّ ﷺ : "كَمْ تَسْتَنْظِرهُ؟ " قال: شَهْرًا. قال رسولُ اللَّه ﷺ : "فَأنَا أَحْمِلُ". فجاءَ به (٤٩) في الوَقْتِ الذي قال النبيُّ ﷺ ، فقال له النبيُّ ﷺ : "مِنْ أيْنَ أَصَبْتَ هذَا؟ " قال: من مَعْدِنٍ. قال: "لَا خَيْرَ فِيهَا". وقَضَاهَا عنه. رواهُ ابنُ ماجَه، في "سُنَنِه" (٥٠). ولأنَّه ضَمِنَ مَالًا بِعَقْدٍ مُؤَجَّلٍ، فكان مُؤَجَّلًا كالبَيْعِ. فإن قيل: فعندَكم الدَّيْنُ الحالُّ لا يَتَأَجَّلُ، فكيف يَتَأَجَّلُ على الضَّامِنِ؟ أم كيف يَثْبُتُ في ذِمَّةِ الضَّامِنِ على غير الوَصْفِ الذي يَتَّصِفُ به في ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه؟ قُلْنا: الحَقُّ يَتَأَجَّلُ في ابْتِدَاءِ ثُبُوتِه، إذا كان ثُبُوتُه (٥١) بِعَقْدٍ، وهذا ابْتِدَاءُ ثُبُوتِه في حَقِّ الضَّامِنِ، فإنَّه لم يكُنْ ثَابِتًا عليه حالًّا، ويجوزُ أن يُخالِفَ ما في ذِمَّةِ الضَّامِنِ ما في ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه، بِدَلِيلِ ما لو مَاتَ المَضْمُونُ عنه والدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ. إذا ثَبَتَ هذا، وكان الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا (٥٢) [إلى شَهْرٍ] (٥٣)، فضَمِنَهُ إلى شَهْرَيْنِ، لم يكُنْ له مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ إلى شَهْرَيْنِ، فإن قَضَاهُ قبل الأَجَلِ، فله الرُّجُوعُ به

стр. 3310

في الحال، على الرِّوَايَةِ التي تقولُ: إنَّه إذا قَضَى دَيْنَه بغيرِ إِذْنِهِ (٥٤)، رَجَعَ به؛ لأنَّ أكْثَرَ ما فيه ههُنا، أنَّه قَضَى بغيرِ إِذْنٍ. وعلى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، لا يَرْجِعُ به قبلَ الأَجَلِ؛ لأنَّه لم يَأْذَنْ له في القَضَاءِ قبلَ ذلك. وإن كان الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَضَمِنَه حالًّا، لم يَصِرْ حَالًّا، ولم (٥٥) يَلْزَمْه أداؤُه قبلَ أَجَلِه؛ لأنَّ الضَّامِنَ فَرْعٌ لِلْمَضْمُونِ عنه، فلا يَلْزَمُه ما لا يَلْزَمُ المَضْمُونَ عنه، ولأنَّ المَضْمُونَ عنه لو أَلْزَمَ نَفْسَه تَعْجِيلَ هذا الدَّيْنِ، لم يَلْزَمْهُ تَعْجِيلُه، فبِأَنْ لا يَلْزَمَ الضَّامِنَ أَوْلَى، ولأنَّ الضَّمَانَ الْتِزَامُ دَيْنٍ في الذِّمَّةِ، فلا يجوزُ أن يُلْزَمَ (٥٦) ما لا يَلْزَمُ المَضْمُونَ عنه. فعلى هذا، إن قَضَاهُ حَالًّا، لم يَرْجِعْ به قبلَ أجَلِه؛ لأنَّ ضَمَانَه لم يُغَيِّرْه عن تَأْجِيلِه. والفَرْقُ بين هذه المَسْأَلَةِ والتى قبلها، أنَّ الدَّيْنَ الحَالَّ ثَابِتٌ في الذِّمَّةِ، مُسْتَحقُّ القَضاءِ في جَمِيعِ الزَّمانِ، فإذا ضَمِنَهُ مُؤَجَّلًا فقد الْتَزَمَ بعضَ ما يَجِبُ على المَضْمُونِ عنه، فصَحَّ، كما لو كان الدَّيْنُ عَشرَةً، فضَمِنَ خَمْسَةً، وأمَّا الدَّيْنُ المُؤَجَّلُ، فلا يُسْتَحَقُّ قَضَاؤُه إلَّا عندَ أَجَلِه، فإذا ضَمِنَه حَالًّا الْتَزَمَ ما لم يَجِبْ على المَضْمُونِ، فأشْبَه ما لو كان الدَّيْنُ عَشرَةً فضَمِنَ عِشْرِينَ. وقيل: يَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ ضَمَانُ الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ حَالًّا، كما يَصِحُّ ضَمَانُ الحالِّ مُؤَجَّلًا، قِيَاسًا لإِحْدَاهما على الأُخْرَى. وقد فَرَّقْنا بينهما بما يَمْنَعُ القِيَاسَ، إن شاءَ اللَّه تعالى. فصل: وإذا ضَمِنَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا عن إِنسانٍ، فماتَ أحَدُهما، إمَّا الضَّامِنُ وإمَّا المَضْمُونُ عنه، فهل يَحِلُّ الدَّيْنُ على المَيِّتِ منهما؟ على رِوَايَتَيْنِ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهما. فإن قُلْنا: يَحِلُّ على المَيِّتِ، لم يَحِلَّ على الآخَرِ؛ لأنَّ الدَّيْنَ لا يَحِلُّ على شَخْصٍ بِمَوْتِ غيرِه، فإن كان المَيِّتُ المَضْمُونَ عنه، لم يَسْتَحِقَّ مُطَالَبَةَ الضَّامِنِ قبلَ الأَجَلِ، فإن قَضَاهُ قبلَ الأَجَلِ، كان مُتَبَرِّعًا بِتَعْجِيلِ القَضاءِ، وهل له مُطَالَبَة المَضْمُونِ عنه قبلَ الأَجَلِ؟ يُخَرَّجُ على الرِّوَايَتَيْنِ في مَن قَضَى الدَّيْنَ (٥٧) بغير إِذْنِ مَن هو عليه. وإن كان

стр. 3311

المَيِّتُ الضَّامِنَ، فَاسْتَوْفَى الغَرِيمُ الدَّيْنَ (٥٨) من تَرِكَتِه، لم يكُنْ لِوَرَثَتِه مُطَالَبَةُ المَضْمُونِ عنه حتى يَحِلَّ الحَقُّ؛ لأنَّه مُؤَجَّلٌ عليه، فلا يسْتَحِقُّ مُطَالَبتَه به (٥٩) قبل أجَلِه. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وحُكِىَ عن زُفَرَ أنَّ لهم مُطَالَبَتَهُ؛ لأنَّه أَدْخَلَه في ذلك مع عِلْمِه أنَّه يَحِلُّ بمَوْتِهِ. ولَنا، أنَّه دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، فلا تجوزُ مُطالَبَتُه به قبلَ الأجَلِ, [كما لو لم يَمُتْ. وقوله: أَدْخَلَهُ فيه. قُلْنا: إنَّما أَدْخَلَهُ في المُؤَجَّلِ، وحُلُولُه بِسَبَبٍ من جِهَتِه، فهو] (٦٠) كما لو قَضَى قبلَ الأَجَلِ. ٨٢٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ الضَّامِنِ) يعني أنَّ المَضْمُونَ عنه لا يَبْرَأُ بِنَفْسِ الضَّمَانِ، كما يَبْرَأُ المُحِيلُ بِنَفْسِ الحَوَالَةِ قبلَ القَبْضِ، بل يَثْبُتُ الحَقُّ في ذِمَّةِ الضَّامِنِ، مع بَقائِه في ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه، ولِصاحِبِ الحَقِّ مُطَالَبَةُ من شاءَ منهما في الحَيَاةِ وبعدَ المَوْتِ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ: الكَفَالَةُ والحَوَالَةُ سواءٌ، وكِلَاهما يَنْقُلُ الحَقَّ عن ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه والمُحِيلِ. وحُكِىَ ذلك عن ابن أبي لَيْلَى، وابن شُبْرُمَةَ، ودَاوُدَ، واحْتَجُّوا بما رَوَى أبو سَعِيدٍ الخُدْرِىُّ قال: كُنَّا مع النَّبِيِّ ﷺ في جِنَازَةٍ، فلمَّا وُضِعَتْ، قال: "هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ؟ " قالوا: نعم، دِرْهَمَانِ. فقال: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ". فقال عَلِىٌّ: هما عَلَىَّ يا رسولَ اللَّه، وأنا لهما ضَامِنٌ. فقام رسولُ اللَّه ﷺ ، فصَلَّى عليه، ثم أَقْبَلَ على عَلِىٍّ فقال: "جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا عَنِ الإِسْلَامِ، وَفَكَّ رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ". فقيل: يا رسولَ اللَّه، هذا لِعَلِىٍّ خَاصَّةً، أم للنّاسِ عَامَّةً؟ فقال: "لِلنّاسِ عَامَّةً". رَوَاهُ

стр. 3312

الدَّارَقُطْنِىُّ (١). فدَلَّ على أنَّ المَضْمُونَ عنه بَرِئَ بالضَّمانِ. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ في "المُسْنَدِ" (٢)، عن جَابِرٍ، قال: تُوُفِّىَ صَاحِبٌ لنا، فأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ لِيُصَلِّىَ عليه، فخَطَا خُطْوَةً، ثم قال: "أعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ " قُلْنا: دِينَارَانِ. فانْصَرَفَ، فتَحَمَّلَهُما أبو قَتادَةَ. فقال: الدِّينارَانِ عَلَىَّ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "وَجَبَ حَقُّ الْغَرِيمِ، وبَرِئَ المَيِّتُ مِنْهُما؟ " قال: نعم. فصَلَّى عليه، ثم قال بعد ذلك: ما فعل الدِّينَارَانِ؟ قال: إنما مَاتَ أَمْس. قال: فعَادَ إليه من الغَدِ، فقال: قد قَضَيْتُهُما. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "الْآنَ بَرَّدْتَ جِلْدَهُ" (٣). وهذا صَرِيحٌ في بَرَاءَةِ المَضْمُونِ عنه لقوله: "وبَرِئَ المَيِّتُ مِنْهُمَا". ولأنَّه دَيْنٌ واحِدٌ، فإذا صَارَ في ذِمَّةٍ ثَانِيَةٍ بَرِئَتِ الأُولَى منه، كالمُحَالِ به؛ وذلك لأنَّ (٤) الواحِدَ لا يَحِلُّ في مَحَلَّيْنِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِه حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ" (٥). وقولُه في خَبَرِ أبى قَتادَةَ: "الْآنَ بَرَّدْتَ جِلْدَهُ". حين أخْبَرَهُ أنَّه قَضَى دَيْنَهُ، ولأنَّها وَثِيقَةٌ، فلا تَنْقُلُ الحَقَّ، كالشَّهادَةِ. وأمَّا صَلاةُ النَّبِيِّ ﷺ على المَضْمُونِ عنه، فلأنَّه بالضَّمَانِ صَارَ له وَفَاءٌ، وإنَّما كان النَّبِيُّ ﷺ يَمْتَنِعُ من الصلاةِ على مَدِينٍ لم يَخْلُفْ وَفَاءً. وأمَّا قولُه لِعَلِىٍّ: "فَكَّ اللهُ رِهَانَكَ، كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أخِيكَ". فإنَّه كان بحَالٍ لا يُصَلِّى عليه النَّبِيُّ ﷺ ، فلمَّا ضَمِنَهُ فَكَّه مِن ذلك، أو ممَّا في مَعْناه. وقولُه: "بَرِئَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا". أي (٦) صِرْتَ أنتَ المُطَالَبَ بهما. وهذا على سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ لِثُبُوتِ الحَقِّ في ذِمَّتِه، وَوُجُوبِ الأَدَاءِ عليه، بِدَلِيلِ قولِه في

стр. 3313

سِيَاقِ الحَدِيثِ، حين أخْبَرَهُ بالقَضاءِ: "الْآنَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ جِلْدَهُ". ويُفَارِقُ الضَّمَانُ الحَوَالَةَ؛ فإنَّ الضَّمانَ مُشْتَقٌّ من الضَّمِّ، فيَقْتَضِى الضَّمَّ بين الذِّمَّتَيْنِ في تَعَلُّقِ الحَقِّ بهما وثُبُوتِه فيهما. والحَوَالَةُ من التَّحَوُّلِ، فتَقْتَضِى تَحَوُّلَ الحَقِّ من مَحَلِّه إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه. وقولهم: إنَّ (٧) الدَّيْنَ الواحِدَ لا يَحِلُّ في مَحَلَّيْنِ. قُلْنا: يجوزُ تَعَلُّقُه بمَحَلَّيْنِ على سَبِيلِ الاسْتِيثَاقِ، كتَعَلُّقِ دَيْنِ الرَّهْنِ به وبِذِمَّةِ الرَّاهِنِ. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: أمَّا الحَىُّ فلا يَبْرَأ بمُجَرَّدِ الضَّمَانِ، رِوَايَةً واحِدَةً، وأمَّا المَيِّتُ ففى بَرَاءَتِه بمُجَرَّدِ الضَّمَانِ رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، يَبْرَأُ بمُجَرَّدِ الضَّمَانِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايَةِ يوسفَ بن موسى؛ لما ذَكَرْنا من الخَبَرَيْنِ، ولأنَّ فَائِدَةَ الضَّمَانِ في حَقِّه تَبْرِئَةُ ذِمَّتِه؛ فيَنْبَغِى أن تَحْصُلَ هذه الفَائِدَةُ بمُجَرَّدِ الضَّمَانِ، بِخِلَافِ الحَىِّ، فإنَّ المَقْصُودَ من الضَّمَانِ في حَقِّه الاسْتِيثَاقُ بالحقِّ (٨)، وثُبُوتُه في الذِّمَّتَيْنِ آكَدُ في الاسْتِيثَاقِ (٩). والثانية، لا يَبْرَأُ إلَّا بالأدَاءِ؛ لما ذَكَرْنَاهُ، ولأنَّه ضَمانٌ، فلا يَبْرَأُ به المَضْمُونُ عنه كالحَىِّ. فصل: ولِصاحِبِ الحَقِّ مُطَالَبَةُ مَن شاءَ منهما. وحُكِىَ عن مالكٍ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عنه، أنَّه لا يُطَالِبُ الضَّامِنَ إلَّا إذا تَعَذَّرَ مُطَالَبَةُ المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ، فلا يُسْتَوْفَى الحَقُّ منها إلَّا عند تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِه من الأَصْلِ، كالرَّهْنِ. ولَنا، أنَّ الحَقَّ ثَابِتٌ في ذِمَّةِ الضَّامِنِ، فمَلَكَ مُطَالَبَتَه، كالأصِيلِ، ولأنَّ الحَقَّ ثَابِتٌ في ذِمَّتِهِما، فمَلَكَ مُطالَبَةَ مَن شاءَ منهما، كالضَّامِنَيْنِ إذا تَعَذَّرَتْ مُطَالَبَةُ المَضْمُونِ عنه. ولا يُشْبِهُ الرَّهْنَ؛ لأنَّه مَالُ مَن عليه الحَقُّ، وليس بِذِى ذِمَّةٍ يُطَالِبُ، إنَّما يُطَالِبُ مَن عليه الدَّيْنُ، لِيَقْضِىَ منه أو من غيرِه.

стр. 3314

فصل: وإن أبْرَأَ صَاحِبُ الدَّيْنِ المَضْمُونَ عنه، بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّه تَبَعٌ، ولأنَّه وَثِيقَةٌ، فإذا بَرِئَ الأَصِيلُ (١٠) زَالَتِ الوَثِيقَةُ، كالرَّهْنِ. وإن أَبْرَأَ الضَّامِنَ لم تَبْرَأْ ذِمَّةُ المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّه أَصْلٌ، فلا يَبْرَأُ بإِبْرَاءِ التَّبَعِ؛ ولأنَّه وَثِيقَةٌ انْحَلَّتْ من غير اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ منها، فلم تَبْرَأْ ذِمَّةُ الأَصِيلِ (١١) منها (١٢)، كالرَّهْنِ إذا انْفَسَخَ من غيرِ اسْتِيفَائِه (١٣). وأيُّهما قَضَى الحَقَّ بَرِئَا جَمِيعا من المَضْمُونِ له؛ لأنَّه حَقٌّ واحِدٌ، فإذا اسْتُوفِىَ مَرَّةً زَالَ تَعَلُّقُه بهما، كما لو اسْتُوفِىَ الحَقُّ الذي به رَهْنٌ، وإن أحَالَ أحدُهما (١٤) الغَرِيمَ بَرِئَا جَمِيعًا؛ [لأنَّه حَقٌّ واحِدٌ، فإذا اسْتُوفِىَ مَرَّةً زَالَ تَعَلُّقُه بهما كما لو اسْتُوفِىَ دَيْنُ الرَّهْنِ. وإن أحالَ أحَدُهما الغَرِيمَ بَرِئَا جَمِيعًا] (١٥)؛ لأنَّ الحَوَالَةَ كالقَضَاءِ. فصل: وإن ضَمِنَ الضَّامِنَ ضَامِنٌ آخَرُ صَحَّ؛ لأنه دَيْنٌ لَازِمٌ في ذِمَّتِه، فصَحَّ ضَمَانُه، كسائِر الدُّيُونِ، ويَثْبُتُ الحَقُّ في ذِمَمِ ثَلَاثَةٍ، فأيُّهم (١٦) قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَمُهم كلُّها؛ لأنَّه حَقٌّ واحِدٌ، فإذا قُضِىَ مَرَّةً لم يَجِبْ قَضَاؤُه مَرَّةً أخْرَى. وإن أبْرَأَ الغَرِيمُ المَضْمُونَ (١٧) عنه، بَرِئَ الضَّامِنَانِ؛ لأنَّهما فَرْعٌ. وإن أبْرَأَ الضَّامِنَ الأَوَّلَ بَرِئَ الضَّامِنَانِ كذلك، ولم يَبْرَأْ المَضْمُونُ عنه؛ لما تَقَدَّمَ. وإن أبْرَأَ الضَّامِنَ الأَوَّلَ، بَرِئَ

стр. 3315

الضَّامِنَانِ كذلك، ولم يَبْرَأ المَضْمُونُ عنه؛ لما تَقَدَّمَ. وإن أبْرَأَ الضَّامِنَ الثانِى بَرِئَ وَحْدَه. ومتى حَصَلَتْ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ بالإِبْراءِ، فلا رُجُوعَ (١٨) فيها بحالٍ؛ لأنَّ الرُّجُوعَ مع الغُرْمِ، وليس في الإِبْرَاءِ غُرْمٌ. والكَفَالَةُ كالضَّمَانِ في هذا المَعْنَى جَمِيعِه، وتَزِيدُ بأنَّه إذا مَاتَ المَكْفُولُ عنه بَرِئَ كَفِيلَاهُ، وإن مَاتَ الكَفِيلُ الأَوَّلُ بَرِئَ الثاني دون المَكْفُولِ عنه؛ لأنَّ الوَثِيقَةَ انْحَلَّتْ من غير اسْتِيفَاءٍ، فأشْبَهَ الرَّهْنَ، وإن مَاتَ الكَفِيلُ الثاني (١٩) بَرِئَ وَحْدَه. فصل: وإن ضَمِنَ المَضْمُونُ عنه الضَّامِنَ، أو تَكَفَّلَ المَكْفُولُ عنه الكَفِيلَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الضَّمَانَ يَقْتَضِى إلْزَامَهُ الحَقَّ في ذِمَّتِه، والحَقُّ لَازِمٌ له، فلا يُتَصَوَّرُ إلْزَامُه (٢٠) ثَانِيًا، ولأنَّه أصْلٌ في هذا الدَّيْنِ، فلا يجوزُ أن يَصِيرَ فَرْعًا فيه. وإن ضَمِنَ عنه دَيْنًا آخَرَ، أو كَفَلَ به في حَقٍّ آخَرَ، جازَ؛ لِعَدَمِ ما ذَكَرْنَاهُ فيه. فصل: ويجوزُ أن يَضْمَنَ الحَقَّ عن الرَّجُلِ الواحِدِ اثْنَانِ وأَكْثَرُ، سواءٌ ضَمِنَ كلُّ واحِدٍ منهم جَمِيعَه أو جُزْءًا منه، فإن ضَمِنَ كلُّ واحِدٍ منهم جَمِيعَه، بَرِئَ كلُّ واحدٍ منهم بأدَاءِ أحَدِهم، وإن أبْرَأَ المَضْمُونَ عنه، بَرِئَ الجَمِيعُ؛ لأنَّهم فُرُوعٌ له. [وإن أُبْرِئَ أحَدُ الضُّمَّانِ، بَرِئَ وَحْدَه، ولم يَبْرَأْ غيرُه؛ لأنَّهم غيرُ فُرُوعٍ له] (٢١)، فلم يَبْرَءوا بِبَرَاءَتِه، كالمَضْمُونِ عنه. وإن ضَمِنَ أحَدُهمْ صَاحِبَه لم يَجُزْ؛ لأنَّ الحَقَّ ثَبَتَ في ذِمَّتِه بِضَمَانِه الأَصْلِىِّ، فلا يجوزُ أن يَثْبُتَ ثَانِيًا، ولأنَّه أصْلٌ فيه بالضَّمَانِ، فلا يجوزُ أن يَصِيرَ فيه فَرْعًا. ولو تَكَفَّلَ بالرَّجُلِ الواحِدِ رَجلانِ، جازَ. ويجوزُ أن يَتَكَفَّلَ كلُّ واحدٍ من

стр. 3316

الكَفِيلَيْنِ صَاحِبَهُ؛ لأنَّ الكَفَالَةَ ببَدَنِه، لا بما في ذِمَّتِه. وأىُّ الكَفِيلَيْنِ أحْضَرَ المَكْفُولَ به بَرِئَ وبَرِئَ صَاحِبُه من الكَفَالَةِ؛ لأنَّه فَرْعُه، ولم يَبْرَأَ من إحْضَارِ المَكْفُولِ به؛ لأنَّه أصْلٌ في ذلك. وإن كَفَلَ المَكْفُولُ به (٢٢) الكَفِيلَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه أصْلٌ له في الكَفَالَةِ، فلم يَجُزْ أن يَصِيرَ فَرْعًا له فيما كَفَلَ به. وإن كَفَلَ به في غيرِ هذا الحَقِّ، جَازَ؛ لأنَّه ليس بِفَرْعٍ له في ذلك. ٨٢٤ - مسألة؛ قال: (فَمَتَى أدَّى رَجَعَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ قَالَ لَهُ: اضْمَنْ عَنِّى، أَوْ لَمْ يَقُلْ) يعني إذا أدَّى الدَّيْن مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ على المَضْمُونِ عنه، فأمَّا إن قَضَى الدَّيْنَ مُتَبَرِّعًا به، غيرَ ناوٍ لِلرُّجُوعِ به، فلا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه تَطَوَّع (١) بذلك، أشْبَهَ الصَّدَقَةَ. وسواءٌ ضَمِنَ بأَمْرِه أو بغير أمْرِه، فأمَّا إذا أدَّاهُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ به، لم يَخْلُ من أرْبَعَةِ أحْوَالٍ: أحَدها، أن يَضْمَنَ بأمْر المَضْمُونِ عنه، ويُؤَدِّىَ بأمْرِه، فإنَّه يَرْجِعُ عليه، سواءٌ قال له: اضْمَنْ عَنِّى. أو: أَدِّ عَنِّى. أو أطْلَقَ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ. وقال أبو حنيفةَ ومحمدٌ: إن قال: اضْمَنْ عَنِّى، وانْقُدْ عَنِّى. رَجَعَ عليه. وإن قال: انْقُدْ هذا. لم يَرْجِعْ، إلَّا أن يكونَ مُخَالِطًا له، يَسْتَقْرِضُ منه، ويُودِعُ عنده؛ لأنَّ قوله: اضْمَنْ عَنِّى، وانْقُدْ عَنِّى. إقْرَارٌ منه بالحَقِّ، وإذا أطْلَقَ ذلك صَارَ كأنَّه قال: هَبْ لهذا، أو تَطَوَّعْ عليه. وإذا كان مُخَالِطًا له رَجَعَ اسْتِحْسَانًا؛ لأنَّه قد يَأمُرُ مُخَالِطَهُ بالنَّقْدِ عنه. ولَنا، أنَّه ضَمِنَ ودَفَعَ بأَمْرِه، فأشْبَهَ إذا كان مُخَالِطًا له، أو قال: اضْمَنْ عَنِّى. وما ذَكَرَاهُ ليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّه إذا أمَرَهُ بالضَّمَانِ لا يكونُ إلَّا لِما هو عليه، وأَمْرُهُ بَالنَّقْدِ بعدَ ذلك يَنْصَرِفُ إلى ما ضَمِنَهُ، بِدَلِيلِ المُخَالِطِ له، فيَجِبُ عليه أدَاءُ ما أدَّى عنه، كما لو صَرَّحَ به. الحالُ الثاني، ضَمِنَ بأَمْرِهِ، وقَضَى بغير أمْرِه، فله الرُّجُوعُ أيضًا. وبه قال مالكٌ، والشَّافِعِىُّ في أحَدِ الوُجُوهِ عنه. والوجهُ الثاني: لا

стр. 3317

يَرْجِع (٢)؛ لأنَّه دَفَعَ بغيرِ أمْرِه، أشْبَهَ ما لو تَبَرَّعَ به. الثالثُ، أنَّه إن تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ على المَضْمُونِ عنه، فدفَع ما عليه، رَجَعَ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بالدَّفْعِ. ولَنا، أنَّه إذا أَذِنَ في الضَّمَانِ، تَضَمَّنَ ذلك إِذْنَه في الأَدَاءِ؛ لأنَّ الضَّمَانَ يُوجِبُ عليه الأَدَاءَ، فيَرْجعُ (٣) عليه، كما لو أَذِنَ في الأَدَاءِ صَرِيحًا. الحالُ الثالث، ضَمِنَ بغير أمْرِه، وقَضَى بأَمْرِه، فله الرُّجُوعُ أيضًا. وظَاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِىِّ أنَّه لا يَرْجِعُ؛ لأنَّ (٤) أَمْرَهُ بالقَضاءِ انْصَرَفَ إلى ما وَجَبَ بِضَمَانِه. [ولَنا: أنَّه أَدَّى دَيْنَه بأَمْرِهِ، فرَجَعَ عليه، كما لو لم يكُنْ ضَامِنًا، أو كما لو ضَمِنَ بأَمْرِه. وقولُهم: إنَّ إِذْنَه في القَضَاءِ انْصَرَفَ إلى ما وَجَبَ بِضَمَانِه] (٥). قُلْنا: الوَاجبُ (٦) بِضَمَانِه إنَّما هو أدَاءُ دَيْنِه، وليس هو شَيْئًا آخَرَ، فمتى أدَّاهُ عنه بإِذْنِه لَزِمَهُ إعْطَاؤُه بَدَلَهُ. الحالُ الرابع، ضَمِنَ بغير أَمْرِه، وقَضَى بغير أمْرِه، ففيه رِوَايَتانِ؛ إحداهما، يَرْجِعُ بما أَدَّى. وهو قولُ مالكٍ، وعبدِ اللهِ بن الحسنِ، وإسْحاقَ. والثانية، لا يَرْجِعُ بشيءٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَلِىٍّ وأبى قَتَادَةَ (٧)، فإنَّهما لو كانا يَسْتَحِقَّانِ الرُّجُوعَ على المَيِّتِ، صَارَ الدَّيْنُ لهما، فكانت ذِمَّةُ المَيِّتِ مَشْغُولَةً بِدَيْنِهِما، كاشْتِغَالِها بِدَيْنِ المَضْمُونِ عنه، ولم يُصَلِّ عليه النَّبِىُّ ﷺ ، ولأنَّه تَبَرَّعَ بذلك، أشْبَهَ ما لو عَلَفَ دَوَابَّهُ وأطْعَمَ عَبِيدَه بغيرِ أمْرِهِ. ووَجْهُ الأُولَى، أنَّه قَضاءٌ مُبْرِىءٌ من دَيْنٍ واجبٍ، فكان مِن ضَمانِ مَن هو عليه، كالحَاكِمِ إذا قَضَاهُ عنه عندَ امْتِنَاعِه. فأمَّا عَلِىٌّ وَأبو قَتادَةَ، فإنَّهما تَبَرَّعَا بالقَضَاءِ والضَّمَانِ، فإنَّهما قَضَيَا دَيْنَه قَصْدًا لتَبْرِئَةِ ذِمَّتِه، لِيُصَلِّىَ عليه رسولُ اللهِ ﷺ ، مع عِلْمِهِما بأنَّه لم يَتْرُكْ

стр. 3318

وَفَاءً، والمُتَبَرِّعُ لا يَرْجِعُ بشيءٍ، وإنما الخِلَافُ في المُحْتَسِبِ بالرُّجُوعِ. فصل: ويَرْجِعُ الضَّامِنُ على المَضْمُونِ عنه بأقَلِّ الأَمْرَيْنِ ممَّا قَضَى أو قَدْرِ الدَّيْنِ؛ لأنَّه إن كان الأَقَلُّ الدَّيْنَ، فالزَّائِدُ لم يكُنْ وَاجِبًا، فهو مُتَبَرِّعٌ بأدَائِه، وإن كان المَقْضِىُّ أقَلَّ، فإنَّما يَرْجِعُ بما غَرِمَ، ولهذا لو أبْرَأَهُ غَرِيمُه لم يَرْجِعْ بشيءٍ. وإن (٨) دَفَعَ عن الدَّيْنِ عَرْضًا، رَجَعَ بأقَلِّ الأمْرَيْنِ من قِيمَتِه أو قَدْر الدَّيْنِ لذلك، وإن قَضَى المُؤَجَّلَ قبلَ أجَلِه، لم يَرْجِعْ به قبلَ أجَلِه؛ لأنَّه لا يَجِبُ له أكْثَرُ ممَّا كان لِلْغَرِيمِ. فإن أحَالَهُ، كانت الحَوَالَةُ بمَنْزِلَةِ تَقْبِيضِه، ويَرْجِعُ بالأَقَلِّ ممَّا أحَالَ به أو قَدْرِ الدَّيْنِ، سواءٌ قَبَضَ الغَرِيمُ مِن المُحَالِ عليه أوْ أبْرَأَهُ، أو تَعَذَّرَ عليه الاسْتِيفَاءُ، لِفَلَسٍ أو مَطْلٍ؛ لأنَّ نَفْسَ الحَوَالَةِ كالإِقْبَاضِ. فصل: ولو كان على رَجُلَيْنِ مائةٌ، على كلِّ واحدٍ (٩) منهما نِصْفُها، وكلُّ واحِدٍ ضَامِنٌ عن صَاحِبِه [ما عليه] (١٠)، فَضَمِنَ آخَرُ عن أحَدِهِما المائةَ بأَمْرِه وقَضَاهَا، سَقَطَ الحَقُّ عن الجَمِيعِ، وله الرُّجُوعُ بها على الذي ضَمِنَ عنه، ولم يكُنْ له أن يَرْجِعَ على الآخَرِ بشيءٍ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لأنَّه لم يَضْمَنْ عنه، ولا أَذِنَ له في القَضاءِ، فإذا رَجَعَ على الذي ضَمِنَ عنه، رَجَعَ على الآخَرِ بِنِصْفِها، إن كان ضَمِنَ عنه بإِذْنِه؛ لأنَّه ضَمِنَها عنه بإِذْنِه، وقَضَاهَا ضَامِنُه. والرِّوَايَةُ الثانية، له الرُّجُوعُ على الآخَرِ بالمائةِ؛ لأنَّها وَجَبَتْ له على من أَدَّاهَا عنه، فمَلَكَ الرُّجُوعَ بها عليه كالأَصِيلِ (١١). فصل: إذا ضَمِنَ عن رَجُلٍ بأمْرِهِ (١٢)، فَطُولِبَ الضَّامِنُ، فله مُطَالَبَةُ المَضْمُونِ عنه بِتَخْلِيصِه؛ لأنَّه لَزِمَهُ الأدَاءُ عنه بأَمْرِه، فكانت له المُطالَبَةُ بِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِه. وإن لم يُطَالَبِ الضَّامِنُ، لم يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّه لمَّا لم يكُنْ له الرُّجُوعُ بالدَّيْنِ

стр. 3319

قبلَ غَرَامَته، لم يكُنْ له المُطَالَبَةُ به (١٣) قبلَ طَلَبِه منه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ له المُطَالَبَةَ؛ لأنَّه شَغَلَ ذِمَّتَه بإذْنِه، فكانت له المُطَالَبَةُ بِتَفْرِيغِها، كما لو اسْتَعَارَ عَبْدًا فرهَنَه، كان لِسَيِّدِه (١٤) مُطَالَبَتُه بِفَكَاكِه وتَفْرِيغِه من الرَّهْنِ. والأوَّلُ أَوْلَى. ويُفَارِقُ الضَّمَانُ العَارِيَّةَ؛ لأنَّ السَّيِّدَ يَتَضَرَّرُ بِتَعْوِيقِ مَنَافِع عَبْدِه المُسْتَعَار، فمَلَكَ المُطَالَبَةَ بما يُزِيلُ الضَّرَرَ عنه، والضَّامِنُ لا يَبْطُلُ بالضَّمَانِ شيءٌ من مَنَافِعِه. فأمَّا إن ضَمِنَ عنه بغير أمْرِه، لم يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ المَضْمُونِ عنه قبلَ الأَدَاءِ بحالٍ؛ لأنَّه لا حَقَّ له يُطَالِبُ به، ولا شَغَلَ ذِمَّتَهُ بأَمْرِه، فأشْبَهَ الأَجْنَبِىَّ. وقيل: إنَّ هذا يَنْبَنِى على الرِّوَايَتَيْنِ في رُجُوعِه على المَضْمُونِ عنه بما أدَّى عنه، فإن قُلْنا: لا يَرْجِعُ. فلا مُطَالَبَةَ له بحَالٍ. وإن قُلْنا: يَرْجِعُ. فحُكْمُه حُكْمُ مَن ضَمِنَ عنه بأَمْرِهِ، على ما مَضَى مِن (١٥) تَفْصِيلِه. فصل: فإن ضَمِنَ الضَّامِنَ ضَامِنٌ آخَرُ، فقَضَى أَحَدُهم الدَّيْنَ، بَرِئُوا جَمِيعًا. فإن قَضَاهُ المَضْمُونُ عنه، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ. وإن قَضَاهُ الضَّامِنُ الأَوَّلُ رَجَعَ على المَضْمُونِ عنه دون الضَّامِنِ عنه. وإن قَضَاهُ الثاني رَجَعَ على الأَوَّلِ، ثم رَجَعَ الأَوَّلُ على المَضْمُونِ عنه، إذا كان كلُّ واحدٍ منهما قد أَذِنَ لصاحِبه، فإن لم يكُنْ أَذِنَ له، ففى الرُّجُوعِ رِوَايَتانِ. وإن أَذِنَ الأَوَّلُ لِلثّانِى، ولم يأْذَنِ المَضْمُونُ عنه، أو أَذِنَ المَضْمُونُ عنه لِضَامِنِه، ولم يَأْذَن الضَّامِنُ لِضَامِنِه، رَجَعَ المأْذُونُ له على مَن أذِنَ له، ولم يَرْجِع الآخَرُ على إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فإن أذِنَ المَضْمُونُ عنه لِلضَّامِنِ الثاني في الضَّمَانِ، ولم يَأْذَنْ له الضَّامِنُ الأوَّلُ، رَجَعَ على المَضْمُونِ عنه، ولم يَرْجِعْ على الضَّامِنِ؛ لأنَّه إنَّما رجَع (١٦) على مَن أَذِنَ له دُونَ غيرِه. فصل: إذا كان له أَلْفٌ على رَجُلَيْنِ، على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُهُ، وكلُّ واحدٍ منهما

стр. 3320

ضَامِنٌ عن صَاحِبِه، فأَبْرَأَ الغَرِيمُ أحَدَهما من الأَلْفِ، بَرِئَ منه، وبَرِئَ صَاحِبُه من ضَمَانِه، وبَقِىَ عليه خَمْسُمائة. [وإن قَضَاهُ أحَدُهُما خَمْسَمائة] (١٧)، أو أبْرَأهُ الغَرِيمُ منها، وعَيَّنَ القَضَاءَ بِلَفْظِه أو بِبَيِّنةٍ عن الأَصْلِ والضَّمَانِ، انْصَرَفَ إليه. وإن أَطْلَقَ، احْتَمَلَ أنَّ له صَرْفَها إلى ما شَاءَ منهما، [كمَن أَخْرَجَ زَكَاةَ نِصَابٍ وله نِصَابَانِ غَائِبٌ وحَاضِرٌ، كان له صَرْفُها إلى ما شَاءَ منهما] (١٨). واحْتَمَلَ أن يكونَ نِصْفُها عن الأَصْلِ، ونِصْفُها عن الضَّمَانِ؛ لأنَّ إِطْلَاقَ القَضَاءِ والإِبْرَاءِ يَنْصَرِفُ إلى جُمْلَةِ ما في ذِمَّتِه، فيكونُ منهما (١٩)، والمُعْتَبَرُ في القَضَاءِ لَفْظُ القاضِى ونِيَّتُه، وفى الإِبْراءِ لَفْظُ المُبْرِئ ونِيَّتُهُ، ومتى اخْتَلَفُوا في ذلك، فالقولُ قولُ مَن المُعْتَبَرُ لَفْظُه ونِيَّتُه. فصل: ولو ادَّعَى أَلْفًا على حَاضِرٍ وغَائِبٍ، وأنَّ كلَّ واحدٍ منهما ضَامِنٌ عن صَاحِبِه، فاعْتَرَفَ الحَاضِرُ بذلك، فله أخْذُ الألْفِ منه، فإذا قَدِمَ الغَائِبُ فَاعْتَرَفَ، رَجَعَ عليه صَاحِبُه بِنِصْفِه، وإن أنْكَرَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، وإن أنْكَرَ الحاضِرُ، فالقولُ قولُه مع يَمِينه، فإن قَامَتْ عليه بَيِّنَةٌ فَاسْتَوْفَى الأَلْفَ منه، لم يَرْجِعْ على الغَائِبِ بشيءٍ؛ لأنَّه بإنْكارِهِ مُعْتَرِفٌ أنَّه لا حَقَّ له عليه، وإنما المُدَّعِى ظَلَمَهُ. وإن اعْتَرَفَ الغَائِبُ وعَادَ الحَاضِرُ عن إنْكَارِه، فله أن يَسْتَوْفِىَ منه؛ لأنَّه يَدَّعِى عليه حَقًّا يَعْتَرِفُ له به، فكان له أخْذُه منه. وإن لم يَقُمْ على الحَاضِرِ بَيِّنَةٌ، حَلَفَ وبَرِئَ، فإذا قَدِمَ الغائِبُ فأنْكَرَ أيضًا وحَلَفَ، بَرِئَ، وإن اعْتَرَفَ، لَزِمَهُ دَفْعُ الأَلْفِ. وقال بعضُ أصحابِ الشَّافِعِىِّ: لا يَلْزَمُه إلَّا خَمْسُ المائةِ الأَصْلِيَّةِ دون المَضْمُونَةِ؛ لأنَّها سَقَطَتْ عن المَضْمُونِ عنه بِيَمِينِه، فتَسْقُطُ عن ضَامِنِه. ولَنا، أنَّه مُعْتَرِفٌ (٢٠) بها وغَرِيمُه يَدَّعِيهَا،

стр. 3321

واليَمِينُ إنَّما أَسْقَطَتِ المُطَالَبَةَ عنه في الظَّاهِرِ، ولم تُسْقِطْ عنه الحقَّ الذي في ذِمَّتِه، ولهذا لو قَامَتْ عليه بَيِّنَةٌ بعدَ يَمِينِه، لَزِمَهُ، ولَزِمَ الضَّامِنَ. فصل: وإذا ادَّعَى الضَّامِنُ أَنَّه قَضَى الدَّيْنَ، فأَنْكَرَ المَضْمُونُ له، ولا بَيِّنَةَ له، فالقولُ قولُ المَضْمُونِ له؛ لأنَّه ادَّعَى تَسْلِيمَ المالِ إلى مَن لم يَأْمَنْهُ عليه (٢١)، فكان القولُ قولَ المُنْكِرِ، وله مُطَالَبَةُ مَن شاءَ منهما، فإن رَجَعَ على المَضْمُونِ عنه، فهل يَرْجِعُ الضَّامِنُ بما قَضَاهُ عنه؟ نَظَرْنَا؛ فإن لم يَعْتَرِفْ له بالقَضاءِ، لم يَرْجِعْ عليه، وإن اعْتَرَفَ له بالقَضَاءِ، وكان قد قَضَى بغير بَيِّنَةٍ في غَيْبَةِ المَضْمُونِ عنه، لم يَرْجِعْ بشيءٍ، سواءٌ صَدَّقَهُ المَضْمُونُ عنه أو كَذَّبَهُ؛ لأنَّه أَذِنَ له في قَضَاءٍ مُبْرِئٍ ولم يُوجَدْ، وإن قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ، ثَبَتَ بها الحَقُّ، لكن إن (٢٢) كانت مَيْتَةً أو غَائِبَةً فَلِلضَّامِنِ الرُّجُوعُ على المَضْمُونِ له (٢٣)؛ لأنه مُعْتَرِفٌ (٢٤) أنه ما قَصَّرَ ولا فَرَّطَ. وإن قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ مَرْدُودَةٍ بأَمْرٍ ظَاهِرٍ، كالكُفْرِ والفِسْقِ الظَّاهِرِ، لم يَرْجِع الضَّامِنُ لِتَفْرِيطِه؛ لأنَّ هذه البَيِّنَةَ كَعَدَمِهَا. وإن رُدَّتْ بِأَمْرٍ خَفِىٍّ، كالفِسْقِ البَاطِنِ، أو كانت الشَّهَادَةُ مُخْتَلَفًا فيها، مثل أن أَشْهَدَ عَبْدَيْنِ، أو شَاهِدًا واحِدًا، فَرُدَّتْ لذلك، أو كان مَيْتًا أو غَائِبًا، احْتَمَلَ أن يَرْجِعَ؛ لأنَّه قَضَى بِبَيِّنةٍ شَرْعِيَّةٍ، والجَرْحُ والتَّعْدِيلُ ليس إليه. واحْتَمَلَ أن لا يَرْجِعَ؛ لأنَّه أشْهَدَ مَن لا يَثْبُتُ الحَقُّ بِشَهَادَتِه. وإن قَضَى بغير بَيِّنَةٍ بِحَضْرَةِ (٢٥) المَضْمُونِ عنه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَرْجِعُ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه إذا كان حَاضِرًا كان الاحْتِياطُ إليه، فإذا تَرَكَ التَّحَفُّظ وهو حَاضِرٌ، فهو المُفَرِّطُ دونَ الضَّامِنِ. والثانى، لا يَرْجِعُ؛ لأنَّه قَضَى قَضاءً لا يُبْرِئُ، فأشْبَهَ ما لو قَضَى في غَيْبَتِه. فأمَّا إن رَجَعَ (٢٦)

стр. 3322

المَضْمُونَ له على الضَّامِنِ، فاسْتَوْفَى منه مَرَّةً ثانيةً، رَجَعَ على (٢٧) المَضْمُونِ عنه بما قَضاهُ ثانيا؛ لأنَّه أَبْرَأَ به ذِمَّتَهُ ظَاهِرًا. قال القاضِى: ويَحْتَمِلُ أنَّ له الرُّجُوعَ بما قَضَاهُ أَوَّلًا دونَ الثاني؛ لأنَّ البَراءَةَ حَصَلَتْ به في البَاطِنِ. ولأصحابِ الشَّافِعِىِّ كهذيْنِ الوَجْهَيْنِ وَجْهٌ ثالثٌ، أنَّه لا يَرْجِعُ بشيءٍ بحالٍ؛ لأنَّ الأوَّلَ ما أَبْرأَهُ ظَاهِرًا، والثانىَ ما أَبْرأَهُ بَاطِنًا. ولَنا، أنَّ الضَّامِنَ أَدَّى عن المَضْمُونِ عنه (٢٨) بإذْنِه إذا أَبْرَأَةُ ظَاهِرًا وبَاطِنًا فرَجَع به، كما لو قَامَتْ به البَيِّنَةُ. والوَجْهُ الأَوَّلُ أَرْجَحُ؛ لأنَّ القَضاءَ المُبْرِئَ في الباطِنِ ما أوْجَبَ الرُّجُوعَ، فيَجِبُ أن يَجِبَ بالباقِى المُبْرِئ في الظَّاهِرِ. وإن اعْتَرَفَ المَضْمُونُ له بالقَضَاءِ، وأنْكَرَ المَضْمُونُ عنه، لم يُلْتَفَتْ إلى إنْكَارِهِ؛ لأنَّ ما في ذِمَّتِه حَقٌّ لِلمَضْمُونِ (٢٩) له، فإذا اعْتَرَفَ بالقَبْضِ من الضَّامِنِ، فقد اعْتَرَفَ بأنَّ الحَقَّ الذي له صَارَ لِلضَّامِنِ، فيَجِبُ أن يُقْبَلَ إقْرَارُهُ، لكَوْنِه إقْرَارًا في حَقِّ نَفْسِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ؛ لأنَّ الضَّامِنَ مُدَّعٍ لما يَسْتَحِقُّ به الرُّجُوعَ على المَضْمُونِ عنه، فقولُ المَضْمُونِ له شَهَادَةٌ على فِعْلِ نَفْسِه، فلا يُقْبَلُ. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ، وشَهادَةُ الإِنْسَانِ على فِعْلِ نَفْسِه صَحِيحَةٌ، كشهادَةِ المُرْضِعَةِ بالرَّضَاعِ، وقد ثَبَتَ ذلك بِخَبَرِ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ (٣٠). فصل: ولا يَدْخُلُ الضَّمانَ والكَفالةَ خِيارٌ؛ لأنَّ الخِيارَ جُعِلَ لِيُعْرَفَ ما فيه الحَظُّ،

стр. 3323

والضَّمِينُ والكَفِيلُ دَخَلَا (٣١) على بَصِيرَةٍ أنَّه لا حَظَّ لهما، ولأنَّه عَقْدٌ لا يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فلم يَدْخُلْهُ خِيارٌ، كالنَّذْرِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ والشَّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ عن أحَدٍ خِلافَهم. فإن شَرَطَ الخِيارَ فيهما، فقال القاضي: عندى أنَّ الكَفالةَ تَبْطُلُ، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه شَرَطَ ما يُنَافِى مُقْتَضَاهَا، فَفَسَدَتْ، كما لو شَرَطَ أن لا يُؤدِّىَ ما على المَكْفُولِ به، وذلك لأنَّ مُقْتَضَى الضَّمانِ والكَفالةِ لُزُومُ ما ضَمِنَه أو كَفَلَ به، والخِيارُ يُنَافِى ذلك. ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلُ الشَّرْطُ وتَصِحَّ الكَفَالَةُ، كما قُلْنا في الشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ في البَيْعِ. ولو أقَرَّ بأنَّه كَفَلَ (٣٢) بِشَرْطِ الخِيَارِ، لَزِمَتْهُ الكَفالةُ، وبَطَلَ الشَّرْطُ؛ لأنَّه وَصَلَ بإِقْرارِه ما يُبْطِلُه، فأشْبَهَ اسْتِثْنَاءَ الكُلِّ. فصل: وإذا ضَمِنَ رجلانِ عن رجلٍ ألْفًا، ضَمانَ اشْتِرَاكٍ (٣٣) فقالا: ضَمِنَّا لك الأَلْفَ الذي على زيْدٍ. فكلُّ واحدٍ منهما ضَامِنٌ لِنِصْفِه. وإن كانوا ثَلَاثَةً، فكلُّ واحدٍ منهم (٣٤) ضَامِنٌ ثُلُثَهُ. فإن قال واحدٌ منهم (٣٤): أنا وهذان (٣٥) ضَامِنُونَ لك الأَلْفَ. فسَكَتَ الآخَرانِ، فعليه ثُلُثُ الأَلْفِ، ولا شىءَ عليهما. وإن قال كلُّ واحدٍ منهم: كلُّ واحدٍ مِنَا ضَامِنٌ لك الأَلْفَ. فهذا ضَمَانُ اشْتِرَاكٍ وانْفِرَادٍ، وله مُطَالَبَةُ كلِّ واحدٍ منهم بالألْفِ كلِّه إن شاءَ. وإن أدَّى أحَدُهم الأَلْفَ كلَّه، أو حِصَّتَهُ منه (٣٦). لم يَرْجِعْ إلَّا على المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم ضَامِنٌ أَصْلِىٌّ، وليس بِضَامِنٍ عن الضَّامِنِ الآخَرِ. ٨٢٥ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ كَفَلَ بِنَفْسٍ لَزِمَهُ مَا عَلَيْهَا إنْ لَمْ يُسَلِّمْهَا) وجملةُ ذلك أن الكَفَالةَ بالنَّفْسِ صَحِيحَةٌ، في قولِ أكْثَر أَهْلِ العِلْمِ. هذا مذهبُ

стр. 3324

شُرَيْحٍ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، واللَّيْثِ، وأبى حنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ في بعض أَقْوَالِه: الكَفالةُ بالبَدَنِ ضَعِيفَةٌ. واخْتَلَفَ أصْحابُه، فمنهم مَن قال: هي صَحِيحَةٌ قَوْلًا واحِدًا. وإنَّما أرَادَ أنَّها ضَعِيفَةٌ في القِيَاسِ، وإن كانت ثَابِتَةً بالإِجْمَاعِ والأَثَرِ. ومنهم مَن قال: فيها قَوْلَانِ؛ أحدُهما، أَنَّها غيرُ صَحِيحَةٍ؛ لأنَّها كَفَالَةٌ بِعَيْنٍ، فلم تَصِحَّ، كالكَفَالَةِ بالوَجْهِ وبَدَنِ الشَّاهِدين. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ (١). ولأنَّ ما وَجَبَ تَسْلِيمُه بِعَقْدٍ وَجَبَ تَسْلِيمُه بِعَقْدِ الكَفالةِ، كالمالِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه متى تَعَذَّرَ على الكَفِيلِ إحْضَارُ المَكْفُولِ به مع حَيَاتِه، أو امْتَنَعَ من إحْضَارِه، لَزِمَهُ ما عليه. وقال أكْثَرُهم: لا يَغْرَمُ. ولَنا، عُمُومُ قولِه ﵇: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" (٢). ولأنَّها أحَدُ نَوْعَىِ الكَفالةِ، فوَجَبَ بها الغُرْمُ، كالكَفالةِ بالمالِ. فصل: وإذا قال: أنا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ، أو بِنَفْسِه، أو بِبَدَنِه، [أو بِوَجْهِه، كان كَفِيلًا به. وإن كَفَلَ بِرأْسِه أو كَبِدِه] (٣)، أو جُزْءٍ لا تَبْقَى الحَيَاةُ بِدُونِه، أو بِجُزْءٍ شَائِعٍ منه، كثُلُثِه أو رُبُعِه، صَحَّتِ الكَفَالَةُ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه إحْضَارُ ذلك إلَّا بإِحْضَارِه كلِّه. وإن تَكَفَّلَ بِعُضْوٍ تَبْقَى الحَيَاةُ بعدَ زَوَالِه، كَيدِه وَرِجْلِه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، تَصِحُّ الكَفَالَةُ. وهو قولُ أبى الخَطَّابِ، وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه إحْضَارُ هذه الأَعْضَاءِ على صِفَتِها إلَّا بإِحْضَارِ البَدَنِ كلِّه، فأَشْبَه الكَفَالَةَ بِوَجْهِه ورَأْسِه، ولأنَّه حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالجُمْلَةِ فَيثْبُتُ حُكْمُه إذا أُضِيفَ إلى البعضِ، كالطَّلاقِ والعَتَاقِ. والثانى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُمْكِنُ إحْضَارُهُ بدون الجُمْلَةِ مع بَقَائِها. وقال القاضي: لا تَصِحُّ الكَفَالَةُ ببعضِ البَدَنِ، ولا تَصِحُّ إلَّا في جَمِيعِه؛ لأنَّ ما لا يَسْرِى لا يَصِحُّ إذا خُصَّ به عُضْوٌ، كالبَيْعِ والإِجَارَةِ.

стр. 3325

فصل: وتَصِحُّ الكَفَالَةُ بِبَدَنِ كلِّ مَن يَلْزَمُ حُضُورُه في مَجْلِسِ الحُكْمِ بِدَيْنٍ لَازِمٍ، سواءٌ كان الدَّيْنُ مَعْلُومًا أو مَجْهُولًا. وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ (٤): لا تَصِحُّ بمَن عليه دَيْنٌ مَجْهُولٌ؛ لأنَّه قد يَتَعَذَّرُ إحْضَارُ المَكْفُولِ به، فيَلْزَمُه الدَّيْنُ، ولا يُمْكِنُ طَلَبُه منه لِجَهْلِهِ. ولَنا، أنَّ الكَفَالَةَ بالبَدَنِ لا بالدَّيْنِ، والبَدَنُ مَعْلُومٌ، فلا تَبْطُلُ الكَفَالَةُ لِاحْتِمَالٍ عَارِضٍ، ولأنَّا قد تَبَيَّنَّا أنَّ ضَمانَ المَجْهُولِ يَصِحُّ، وهو الْتِزَامُ المالِ ابْتِدَاءً، فالكَفَالَةُ التي لا تَتَعَلَّقُ بالمالِ ابْتِدَاءً أَوْلَى (٥). وتَصِحُّ الكَفالةُ بالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ؛ لأنَّهما قد يَجِبُ إحْضارُهما مَجْلِسَ الحُكْمِ لِلشَّهَادَةِ عليهما بالإِتْلَاف، وإِذْنُ (٦) وَلِيِّهِما يَقُومُ مَقامَ إِذْنِهما. وتَصِحُّ الكَفَالَةُ بِبَدَنِ المَحْبُوسِ والغَائِبِ. وقال أبو حنيفةَ: لا تَصِحُّ. ولَنا، أنَّ كلَّ وَثِيقةٍ صَحَّتْ مع الحُضُورِ صَحَّتْ مع الغَيْبَةِ والحَبْسِ, كالرَّهْنِ والضَّمانِ، ولأنَّ الحَبْسَ لا يَمْنَعُ من التَّسْلِيمِ، لكَوْنِ المَحْبُوسِ يُمْكِنُ تَسْلِيمُه بأَمْرِ الحاكِم، أو أَمرِ من حَبَسَهُ، ثم يُعِيدُه إلى الحَبْسِ بالحَقَّيْنِ جَمِيعَا، والغائِبُ يَمْضِى إليه فيُحْضِرُهُ إن كانت الغَيْبَةُ غيرَ مُنْقَطِعَةٍ، وهو أن يَعْلَمَ خَبَرَهُ، وإن لم يَعْلَمْ خَبَرَهُ، لَزِمَهُ ما عليه: قالَه القاضي. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: لا يَلْزَمُه ما عليه حتى تَمْضِىَ مُدَّةٌ يُمْكِنُه الرَّدُّ فيها، فلا يَفْعَلُ. فصل: ولا تَصِحُّ الكَفَالَةُ بِبَدَنِ مَن عليه حَدٌّ، سواءٌ كان حَقًّا للَّه تعالى، كحَدِّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ، أو لآدَمِىٍّ، كحَدِّ القَذْفِ والقِصَاصِ. وهذا قَوْلُ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم شُرَيْحٌ، والحَسَنُ. وبه قال إسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وبه قال الشَّافِعِىُّ في حُدُودِ اللَّه تعالى، واخْتَلَفَ قولُه في حُدُودِ الآدَمِىِّ، فقال في مَوْضِعٍ: لا كَفَالَةَ في حُدُودِ (٧) الآدَمِىِّ (٨) ولا لِعَانَ. وقال في مَوْضِعٍ: تَجُوزُ الكَفَالَةُ بمَن عليه حَقٌّ أو

стр. 3326

حَدٌّ؛ لأنَّه حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فَصَحَّتِ الكَفَالَةُ به، كسَائِر حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ. ولَنا، ما رُوِىَ عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا كَفَالَةَ في حَدٍّ" (٩). ولأنَّه حَدٌّ، فلم تَصِحَّ الكَفالةُ فيه كحُدُودِ اللَّه تعالى، ولأنَّ الكَفَالةَ اسْتِيثاقٌ، والحُدُودُ مَبْناها على الإِسْقاطِ والدَّرْء بالشُّبُهاتِ، فلا يَدْخُلُ فيها الاسْتِيثاقُ، ولأنَّه حَقٌّ لا يَجوزُ اسْتِيفاؤُه من الكَفِيلِ إذا تَعَذَّرَ عليه إحْضَارُ المَكْفُولِ به، فلم تَصِحَّ الكَفَالَةُ بمَن هو عليه، كَحَدِّ الزِّنَى. فصل: ولا تجوزُ الكَفالةُ بالمُكاتَبِ من أَجْلِ دَيْنِ الكِتابةِ؛ لأنَّ الحُضُورَ لا يَلْزَمُه. فلا تجوزُ الكَفالةُ به، كدَيْنِ الكِتابةِ. فصل: وتَصِحُّ الكَفالةُ حَالَّةً ومُؤَجَّلَةً، كما يَصِحُّ الضَّمانُ حَالًّا ومُؤَجَّلًا، وإذا أطْلَقَ كانت حَالَّةً؛ لأنَّ كلَّ عَقْدٍ يَدْخُلُه الحُلُولُ اقْتَضَى إطْلَاقُه الحُلُولَ، كالثَّمَنِ والضَّمَانِ، فإذا تَكَفَّلَ حَالًّا كان له مُطَالَبَتُه بإِحْضَارِه، فإن أحْضَرَه وهناك يَدٌ حَائِلَةٌ ظَالِمةٌ لم يَبْرَأْ منه، ولم يَلْزَمِ المَكْفُولَ له تَسَلُّمُهُ (١٠)؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ له غَرَضُه. وإن لم يكُنْ يَدٌ حَائِلَةٌ، لَزِمَهُ قَبُولُه، فإن قَبِلَهُ بَرِئَ من الكَفَالَةِ. وقال ابنُ أبي موسى: لا يَبْرَأُ حتى يقولَ: قد بَرِئْتُ إليك منه. أو قد سَلَّمْتُه إليك. أو قد أخْرَجْتُ نَفْسِى من كَفَالَتِه. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّه عَقْدٌ على عَمَلٍ، فبَرِئَ منه بالعَمَلِ المَعْقُودِ عليه، كالإِجَارَةِ. فإن امْتَنَعَ من تَسَلُّمِه بَرِئَ؛ لأنَّه أحْضَرَ ما يَجِبُ تَسْلِيمُه [عندَ غَرِيمِه وطَلَبَ منه تَسَلُّمَهُ] (١١) على وَجْهٍ لا ضَرَرَ في قَبْضِه، فبَرِئَ منه [كالمُسْلَمِ فيه] (١٢). وقال بعضُ أصْحَابِنا: إذا امْتَنَعَ من تَسَلُّمِه، أَشْهَدَ على امْتِنَاعِه رَجُلَيْنِ، وبَرِئَ، لأنَّه فَعَلَ ما وَقَعَ

стр. 3327

العَقْدُ على فِعْلِه، فبَرِئَ منه. وقال القاضي: يَرْفَعُه إلى الحاكِم فيُسَلِّمهُ إليه؛ فإن لم يَجِدْ حَاكِمًا أشْهَدَ شَاهِدَيْنِ على إحْضَارِه وامْتِنَاعِ المَكْفُولِ له من قَبُولِه. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ مع وُجُودِ صَاحِبِ الحَقِّ لا يَلْزَمُه دَفْعُه إلى نَائِبِهِ، كحاكِمٍ أو غيرِه. وإن كانت الكَفَالَةُ مُؤَجَّلَةً، لم يَلْزَمْه (١٣) إحْضَارُه قبلَ الأَجَلِ، كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، فإذا حَلَّ الأجَلُ فأَحْضَرَهُ وسَلَّمَهُ بَرِئَ. وإن كان غَائِبًا أو مُرْتَدًّا لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ، لم يُؤْخَذْ بالحَقِّ حتى يَمْضِىَ زَمَنٌ يُمْكِنُ المُضِىُّ إليه وإعَادَتُه. وقال ابن شُبْرُمَةَ: يُحْبَسُ في الحالِ؛ لأنَّ الحَقَّ قد تَوَجَّهَ عليه. ولَنا، أنَّ الحَقَّ يُعْتَبَرُ في وُجُوبِ أدَائِه إمكانُ التَّسْلِيمِ. وإن كان حَالَّا كالدَّيْنِ، فإذا مَضَتْ مُدَّةٌ يمكنُ إحْضَارُه فيها ولم يُحْضِرْه، أو كانت الغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً لا يُعْلَمُ خَبَرُهُ، أو امْتَنَعَ من إحْضَارِه مع إمْكَانِه، أُخِذَ بما عليه. وقال أصحابُ الشَّافِعِىِّ: إن كانت الغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً لا يُعْلَمُ مَكَانُه، لم يُطَالَبِ الكَفِيلُ بإحْضَارِه، ولم يَلْزَمْهُ شيءٌ، وإن امْتَنَعَ من إحْضَارِه مع إمْكَانِه حُبِسَ. وقد دَلَّلْنَا على (١٤) وُجُوبِ الغُرْمِ فيما مَضَى. وإن أحْضَرَ المَكْفُولَ به قبلَ الأَجَلِ، ولا ضَرَرَ في تَسْلِيمِه، لَزِمَهُ. وإن كان فيه ضَرَرٌ، مثل أن تكونَ حُجَّةُ الغَرِيمِ غَائِبَةً، أو لم يكُنْ يومَ مَجْلِسِ الحاكِمِ، أو الدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ عليه لا يُمْكِنُ اقْتِضَاؤُه منه، أو قد وَعَدَهُ بالإِنْظَارِ في تلك المُدَّةِ، لم يَلْزَمْهُ قَبُولُه، كما نقولُ في مَن دَفَعَ الدَّيْنَ المُؤَجَّلَ قبل حُلُولِه. فصل: وإذا عَيَّنَ في الكَفَالَةِ تَسْلِيمَهُ في مكانٍ، فأَحْضَرَهُ في غيرِه، لم يَبْرَأْ من الكَفَالَةِ. وبه قال أبو يوسفَ ومحمدٌ. وقال القاضي: إن أحْضَرَهُ بمكانٍ آخَرَ من البَلَدِ وسَلَّمَهُ، بَرِئَ من الكَفَالَةِ. وقال بعضُ أصْحَابِنا: متى أحْضَرَهُ في أىِّ مكانٍ كان، وفى ذلك المَوْضِعِ سُلْطَانٌ، بَرِئَ من الكَفَالَةِ؛ لكَوْنِه لا يُمْكِنُه الامْتِنَاعُ من مَجْلِسِ الحاكِمِ، ويُمْكِنُ إثْبَاتُ الحُجَّةِ فيه. وقيل: إن كان عليه ضَرَرٌ في إحْضَارِه بمكانٍ آخَرَ، لم يَبْرَأَ الكَفِيلُ بإِحْضَارِه فيه، وإلَّا بَرِئَ، كقَوْلِنا فيما إذا أحْضَرَهُ قبل الأَجَلِ.

стр. 3328

ولأَصْحابِ الشَّافِعِىِّ اخْتِلَافٌ على نحوِ ما ذَكَرْنا. ولَنا، أنَّه سَلَّمَ ما شَرَطَ تَسْلِيمَه في مكانٍ في غيرِه، فلم يَبْرَأْ، كما لو أحْضَرَ المُسَلَّمَ فيه في غير هذا (١٥) المَوْضِعِ الذي شَرَطَهُ، ولأنَّه قد سَلَّمَ (١٦) في مَوْضِعٍ لا يَقْدِرُ على إثْبَاتِ الحُجَّةِ فيه، لِغَيْبَةِ شُهُودِه، أو غيرِ ذلك، وقد يَهْرُبُ منه، ولا يَقْدِرُ على إمْسَاكِه، ويُفَارِقُ ما إذا أحْضَرَهُ قبلَ الأَجَلِ، فإنَّه عَجَّلَ الحَقَّ قبل أجَلِه، فَزادَه خَيْرًا، فإذا لم يكُنْ فيه ضَرَرٌ وَجَبَ قَبُولُه. وإن وَقَعَتِ الكَفَالَةُ مُطْلَقَةً، وَجَبَ تَسْلِيمُه في مكانِ العَقْدِ، كالسَّلَمِ. فإن سَلَّمَهُ في غيرِه، فهو كتَسْلِيمِه في غير المكانِ الذي عَيَّنَهُ. وإن كان المَكْفُولُ به مَحْبُوسًا عند غيرِ الحاكِمِ، لم يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُه (١٧) مَحْبُوسًا؛ لأنَّ ذلك الحَبْسَ يَمْنَعُه اسْتِيفَاءَ حَقِّه. وإن كان مَحْبُوسًا عند الحاكِمِ، فسَلَّمَهُ إليه مَحْبُوسًا لَزِمَهُ تَسْلِيمُه (١٨)؛ لأنَّ حَبْسَ الحاكِمِ لا يَمْنَعُه اسْتِيفَاءَ حَقِّه. وإذا طَالَبَ الحاكِمُ بإِحْضَارِه، أحْضَرَهُ مَجْلِسَه، وحَكَمَ بينهما، ثم يَرُدُّه إلى الحَبْسِ. فإن تَوَجَّهَ عليه حَقٌّ لِلْمَكْفُولِ له، حَبَسَهُ بالحَقِّ الأَوَّلِ وحَقِّ (١٩) المَكْفُولِ له (٢٠). فصل: وإن كَفَلَ إلى أجَلٍ مَجْهُولٍ، لم تَصِحَّ الكَفالةُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ؛ لأنَّه ليس له وَقْتٌ يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتُه فيه، وهكذا الضَّمَانُ. وإن جَعَلَهُ إلى الحَصادِ والجِزَازِ والعَطَاءِ، خُرِّجَ على الوَجْهَيْنِ، كالأَجَلِ في البَيْعِ (٢١). والأَوْلَى صِحَّتُها (٢٢) هنا؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ من غير عِوَضٍ، جَعَلَ له أجَلًا لا يَمْنَعُ من حُصُولِ المَقْصُودِ منه، فصَحَّ،

стр. 3329

كالنَّذْرِ. وهكذا كلُّ مَجْهُولٍ لا يَمْنَعُ مَقْصُودَ الكَفَالَةِ. وقد رَوَىَ مُهَنَّا عن أحمدَ، في رَجُلٍ كَفَلَ رَجُلًا (٢٣)، فقال: إن جِئْتُ به في وَقْتِ كذا، وإلَّا فما عليه عَلَىَّ. فقال: لا أَدْرِى، ولكنْ إن قال: سَاعَةَ كذا. لَزِمَهُ. فنَصَّ على تَعْيِينِ السَّاعَةِ وتَوَقَّفَ عن (٢٤) تَعْيِينِ الوَقْتِ، ولعلَّه أرَادَ وَقْتًا مُتَّسِعًا، أو وَقْتَ شيءٍ يَحْدُثُ، مثل وَقْتِ الحَصَادِ ونحوه. فأمَّا إن قال: وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ونحو ذلك، صَحَّ. وإن قال: إلى الغَدِ أو إلى (٢٥) شَهْرِ كذا. تعلَّق بأوَّلِه، على ما ذَكَرْنَا في السَّلَمِ. فصل: وإذا تَكَفَّلَ بِرَجُلٍ إلى أجَلٍ، إن جَاءَ به فيه، وإلَّا لَزِمَهُ ما عليه، صَحَّ. وبه قال أبو حنيفةَ وأبو يوسفَ: وقال محمدُ بن الحَسَنِ والشَّافِعِىُّ: لا تَصِحُّ الكَفَالَةُ، ولا يَلْزَمُه ما عليه؛ لأنَّ هذا تَعْلِيقُ الضَّمَانِ بِخَطَرٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَلَّقَهُ بِقُدُومِ زَيْدٍ. ولَنا، أنَّ هذا مُوجِبُ الكَفالةِ ومُقْتَضَاهَا، فصَحَّ اشْتِرَاطُه، كما لو قال: إن جِئتُ به في وَقْتِ كذا، وإلَّا فلَكَ حَبْسِى. ومَبْنَى الخِلَافِ ههُنا على الخِلَافِ في أنَّ هذا مُقْتَضَى الكَفَالَةِ، وقد دَلَّلْنَا عليه. وأمَّا إن قال: إن جِئْتُ به في (٢٦) وَقْتِ كذا، وإلَّا فأنا كَفِيلٌ بِبَدَنِ فُلَانٍ، أو فأنا ضَامِنٌ لك مالَكَ على فُلَانٍ. أو قال: إذا جَاءَ زَيْدٌ فأنا ضَامِنٌ لك ما عليه. أو إذا قَدِمَ الحَاجُّ فأنا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ. أو قال: أنا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ شَهْرًا. فقال القاضي: لا تَصِحُّ الكَفَالَةُ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ ومُحمدِ بن الحَسَنِ؛ لأنَّ ذلك خَطَرٌ، فلم يَجُزْ تَعْلِيقُ الضَّمَانِ والكَفَالَةِ به، كمَجِىءِ المَطَرِ وهُبُوبِ الرِّيحِ، ولأنَّه إِثْبَاتُ حَقٍّ لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، فلم يَجُزْ تَعْلِيقُه على شَرْطٍ، ولا تَوْقِيتُه، كالهِبَةِ. وقال الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ، وأبو الخَطَّابِ: تَصِحُّ، وهو قولُ أبى حنيفةَ وأبى يوسفَ؛ لأنَّه أضَافَ الضَّمانَ إلى سَبَبِ الوُجُودِ، فيَجِبُ أن يَصِحَّ، كضَمَانِ الدَّرَكِ. والأَوَّلُ

стр. 3330

أَقْيَسُ. فإن قال: كَفَلْتُ بِفُلَانٍ إن جِئْتُ به في وَقْتِ كذا. وإلَّا فأنا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ، أو ضَامِنُ المالِ الذي على فُلَانٍ. لم يَصِحّ فيهما عند القاضي؛ لأنَّ الأَوَّل مُؤَقَّتٌ، والثانىَ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ. وقال أبو الخَطَّابِ: يَصِحُّ فيهما. فأمَّا إن قال: كَفَلْتُ بأَحَدِ هذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ. لم يَصِحَّ في قولِهم جَمِيعًا؛ لأنَّه غيرُ مَعْلُومٍ في الحالِ ولا في المآلِ. فصل: فإن قال: كَفَلْتُ بِبَدَنِ فُلَانٍ، على أن يَبْرَأَ فُلَانٌ الكَفِيلُ. أو على أن تُبْرِئَهُ من الكَفَالَةِ؛ لم يَصِحَّ؛ لأنَّه شَرَطَ شَرْطًا لا يَلْزَمُ الوَفَاءُ به، فيكون فَاسِدًا وتَفْسُدُ الكَفَالَةُ به. ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ الكَفَالَةُ؛ لأنَّه شَرَطَ تَحْوِيلَ الوَثِيقَةِ التي على الكَفِيلِ إليه (٢٧). فعلى هذا لا تَلْزَمُه الكَفَالَةُ، إلَّا أن يُبْرِئَ المَكْفُولُ له الكَفِيلَ الأَوَّل؛ لأنَّه إنَّما كَفَلَ بهذا الشَّرْطِ، فلا تَثْبُتُ كَفَالَتُه بدون شَرْطِه. وإن قال: كَفَلْتُ لك بهذا الغَرِيمِ، على أن تُبْرِئَنِى من الكَفالةِ بفلانٍ. أو ضَمِنْتُ لك هذا الدَّيْنَ، بِشَرْطِ أن تُبْرِئَنِى من ضَمَانِ الدَّيْنِ الآخَرِ، أو على أن تُبْرِئَنِى من الكَفَالَةِ بِفُلَانٍ. خُرِّجَ فيه الوَجْهانِ، والأَوْلَى أَنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه شَرَطَ فَسْخَ عَقْدٍ في عَقْدٍ، فلم يَصِحَّ، كالبَيْعِ بِشَرْطِ فَسْخِ بَيْعٍ آخَرَ. وكذلك لو شَرَطَ في الكَفَالَةِ أو الضَّمَانِ أن يَتَكَفَّلَ المَكْفُولُ له أو المَكْفُولُ به بآخَرَ، أو يَضْمَنَ دَيْنًا عليه، أو يَبِيعَهُ شيئا عَيَّنَهُ، أو يُؤْجِرَه دَارَه، لم يكُنْ (٢٨) يَصِحُّ؛ لما ذَكَرْنَا. فصل: ولو تَكَفَّلَ اثْنَانِ بوَاحِدٍ، صَحَّ. وأيُّهم قَضَى الدَّيْنَ بَرِئَ الآخَرَانِ (٢٩)؛ لما ذَكَرْنَا في الضَّمَانِ. وإن سَلَّمَ المَكْفُولُ به نَفْسَهُ، بَرِئَ كَفِيلَاهُ؛ لأنَّه أتَى بما يَلْزَمُ الكَفِيلَيْنِ لأجْلِه (٣٠)، وهو إحْضَارُ نَفْسِه، فبَرِئَتْ ذِمَّتُهما، كما لو قَضَى الدَّيْنَ. وإن أحْضَرَ أحَدَ الكَفِيلَيْنِ، لم يَبْرَأ الآخَرُ؛ لأنَّ إحْدَى الوَثِيقَتَيْنِ انْحَلَّتْ من غيرِ اسْتِيفَاءٍ، فلم تَنْحَلَّ الأُخْرَى، كما لو أَبْرأَ أحَدَهما، أو انْفَكَّ أحَدُ الرَّهْنَيْنِ من غيرِ قَضَاءِ الحَقِّ.
следующие страницы →