← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

النَّهْرِ كالثُّلُثِ أو الرُّبُعِ، جَازَ، وكان بَيْعًا لِلْقَرَارِ، والماءُ تَابعٌ له. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ الصُّلْحُ على السَّقْىِ من نَهْرِه وقَنَاتِه؛ لأنَّ الحَاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، والماءُ مما يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه فى الجُمْلَةِ، بِدَلِيلِ ما لو أخَذَهُ فى قِرْبَتِه أو إِنَائِه، ويجوزُ الصُّلْحُ على مالا يجوزُ بَيْعُه؛ بِدَلِيلِ الصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ وأشْبَاهِه، والصُّلْحِ على المَجْهُولِ (٦٨). فصل: ولا يَصِحُّ الصُّلْحُ على ما لا يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، مثل أن يُصَالِحَ امْرَأةً لِتُقِرَّ له (٦٩) بالزَّوْجِيَّةِ؛ لأنَّه صُلْحٌ يُحِلُّ حَرَامًا، ولأنَّها لو أرادَتْ بَذْلَ نَفْسِها بِعِوَضٍ لم يَجُزْ. وإن دَفَعَتْ إليه عِوَضًا عن هذه الدَّعْوَى لِيَكُفَّ عنها، ففيه وَجْهَانِ؛ أحدُهما، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ الصُّلْحَ فى الإنْكَارِ إنَّما يكون فى حَقِّ المُنْكِرِ لافْتِدَاءِ اليَمِينِ، وهذه لا يَمِينَ عليها، وفى حَقِّ المُدَّعِى بِأخْذِ العِوَضِ فى مُقَابَلَةِ حَقِّه الذى يَدَّعِيه، وخُرُوجُ البُضْعِ من مِلْكِ الزَّوْجِ لا قِيمَةَ له، وإنَّما أُجِيزَ الخُلْعُ للحَاجَةِ إلى افْتِدَاءِ نَفْسِهَا. والثاني، يَصِحُّ، ذَكَرَهُ أبو الخَطَّابِ وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَ المُدَّعِىَ يَأْخُذُ عِوَضًا عن حَقِّه من النِّكَاحِ، فجازَ كعِوَض الخُلْعِ، والمَرْأةُ تَبْذُلُه لِقَطْعِ خُصُومَتِه وإزَالَةِ شَرِّه، وَرُبَّمَا تَوَجَّهَتِ اليَمِينُ عليها لكَوْنِ الحاكِمِ يَرى ذلك، [أو لأنَّها مَشْرُوعَةٌ فى حَقِّها فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ] (٧٠)، ومتى صَالَحَتْهُ على ذلك، ثم (٧١) ثَبَتَتِ الزَّوْجِيَّةُ بإِقْرَارِهَا أو بِبَيِّنَةٍ، فإن قُلْنا: الصُّلْحُ بَاطِلٌ. فالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ من الزَّوْجِ طَلَاقٌ ولا خُلْعٌ. وإن قُلْنا: هو صَحِيحٌ. احْتَمَلَ ذلك أيضا؛ [لذلك، واحْتَمَلَ] (٧٢) أن تَبِينَ منه بأَخْذِ العِوَضِ؛ لأنَّه أخَذَ العِوَضَ عمَّا يَسْتَحِقُّه من نِكَاحِها، فكان خُلْعًا، كما لو أَقَرَّتْ له بالزَّوْجِيَّةِ فخَالَعَها (٧٣). ولو ادَّعَتْ أن زَوْجَها طَلَّقَها ثلاثا، فصالَحَها على مَالٍ لِتَنْزِلَ عن

стр. 3257

دَعْوَاها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يجوزُ لها بَذْلُ نَفْسِهَا لِمُطَلِّقِهَا بِعِوَضٍ ولا بغيرِه. وإن دَفَعَتْ إليه مَالًا لِيُقِرَّ بِطَلَاقِها، لم يَجُزْ، فى أحدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ يجوزُ، كما لو بَذَلَتْ له عِوَضًا لِيُطَلِّقَها ثلاثا. فصل: وإن ادَّعَى على رَجُلٍ أنَّه عَبْدُه، فأنْكَرَه، فصَالَحَهُ على مَالٍ لِيُقِرَّ له بالعُبُودِيَّةِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُحِلُّ حَرَامًا، فإنَّ إرْقَاقَ الحُرِّ نَفْسَه لا يَحِلُّ بِعِوَضٍ ولا بغيرِه. وإن دَفَعَ إليه المُدَّعَى عليه مَالًا صُلْحًا عن دَعْوَاه، صَحَّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يَعْتِقَ عَبْدَه بمالٍ، ويُشْرَعُ لِلدَّافِعِ (٧٤) لِدَفْعِ اليَمِينِ الوَاجِبَةِ عليه، والخُصُومَةِ المُتَوَجهَةِ إليه. ولو ادَّعَى على رَجُلٍ ألْفًا، فأنْكَرَهُ، فدَفَعَ إليه شَيْئًا لِيُقِرَّ له بالأَلْفِ، لم يَصِحَّ. فإن أقَرَّ لَزِمَهُ ما أقَرَّ به، ويَرُدُّ ما أخَذَهُ؛ لأنَّه تَبَيَّنَ بإقْرَارِه كَذِبُه فى إنْكَارِه، وأنَّ الأَلْفَ عليه، فيَلْزَمُه أدَاؤُه بغيرِ عِوَضٍ، ولا يَحِلُّ له أخْذُ العِوَضِ عن أدَاءِ الوَاجِبِ عليه. وإن دَفَعَ إليه المُنْكِرُ مَالًا، صُلْحًا عن دَعْوَاه، صَحَّ. وقد مَضَى ذِكْرُه. فصل: ولو صَالَحَ شَاهِدًا على أن لا يَشْهَدَ عليه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَخْلُو من ثَلَاثَةِ أحْوَالٍ: أحدها، أن يُصَالِحَهُ على أن لا يَشْهَدَ عليه بِحَقٍّ تَلْزَمُ الشَّهَادَةُ به، كدَيْنِ آدَمِىٍّ (٧٥)، أو حَقٍّ للَّه تعالى لا يَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، كالزَّكَاةِ ونحوِها، فلا يجوزُ كِتْمَانُه، ولا يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عن ذلك، كما لا يجوزُ أخْذُ العِوَضِ على شُرْبِ الخَمْرِ وتَرْكِ الصَّلَاةِ. الثانى، أن يُصَالِحَهُ على أن لا يَشْهَدَ عليه بالزُّورِ. فهذا يَجِبُ عليه تَرْكُ ذلك، ويحرمُ عليه فِعْلُه، فلا يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، كما لا يجوزُ أن يُصَالِحَهُ على أن لا يَقْتُلَه ولا يَغْصِبَ مَالَهُ. الثالث، أن يُصَالِحَهُ على أن لا يَشْهَدَ عليه بما يُوجِبُ حَدًّا، كالزِّنَا والسَّرِقَةِ، فلا يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه؛ لأنَّ ذلك ليس بِحَقٍّ له، فلم يَجُزْ له أخْذُ عِوَضِه، كسَائِرِ ما ليس بِحَقٍّ له. ولو صَالَحَ السَّارِقَ والزَّانِىَ والشَّارِبَ بِمَالٍ، على أن لا يَرْفَعَهُ إلى

стр. 3258

السُّلْطَانِ، لم يَصِحَّ الصُلْحُ لذلك، ولم يَجُزْ له أخْذُ العِوَضِ. وإن صَالَحَهُ عن حَدِّ القَذْفِ، لم يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لأنَّه إن كانِ للهِ تعالى، لم يكُنْ له أن يَأْخُذَ عِوَضَه، لِكَوْنِه ليس بِحَقٍّ له، فأَشْبَه حَدَّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ، وإن كان حَقًّا له، لم يَجُز الاعْتِيَاضُ عنه، لكَوْنِه حَقًّا ليس بمَالِىٍّ، ولهذا لا يَسْقُطُ إلى بَدَلٍ، بِخِلَافِ القِصَاصِ، ولأنَّه شُرِعَ لِتَنْزِيهِ العِرْضِ، فلا يجوزُ أن يَعْتاضَ عن عِرْضِه بمالٍ. وهل يَسْقُطُ الحَدُّ بالصُّلْحِ؛ فيه وَجْهَانِ، مَبْنِيَّانِ على الخِلَافِ فى كَوْنِه حَقًّا للَّه تعالى، أو حَقًّا لآدَمِىٍّ؛ فإن كان حَقًّا للَّه تعالى، لم يَسْقُطْ بِصُلْحِ الآدَمِىِّ ولا إسْقَاطِه، كَحدِّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ، وإن كان حَقًّا لآدَمِىٍّ، سَقَطَ بِصُلْحِه وإسْقَاطِه، مثل القِصَاصِ. وإن صَالَحَ عن حَقِّ الشُّفْعَةِ، لم يَصِحَّ الصُّلْحُ، لأنَّه حَقٌّ شُرِعَ على خِلَافِ الأصْلِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، فإذا رَضِىَ بالْتِزَامِ الضَّرَرِ، سَقَطَ الحَقُّ من غير بَدَلٍ، كحَدِّ القَذْفِ، إلَّا أنَّه يَسْقُطُ هاهُنا وَجْهًا واحِدًا؛ لِكَوْنِه حَقًّا لآدَمِىٍّ. فصل: ولا يجوزُ أن يَشْرَعَ إلى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحا؛ وهو الرَّوْشَنُ يكُونُ على أطْرَافِ خَشَبَةٍ مَدْفُونَةٍ فى الحائِطِ، وأَطْرَافُها خَارِجَةٌ فى الطَّريقِ، سواءٌ كان ذلك يَضُرُّ فى العَادَةِ بالمَارَّةِ أو لا يَضُرُّ. ولا يجوزُ أن يَحْمِلَ (٧٦) عليها سَابَاطًا (٧٧) بِطَرِيقِ الأوْلَى، وهو المُسْتَوفِى لِهَوَاءِ الطَّرِيقِ كلِّه على حَائِطَيْنِ، سواءٌ كان الحائِطَانِ مِلْكَه أو لم يكُونا، وسواءٌ أذِنَ الإِمَامُ فى ذلك أو لم يَأْذَنْ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن لم يكُنْ فيه ضَرَرٌ جَازَ بإِذْنِ الإِمَامِ؛ لأنَّه نَائبُهم، فجَرَى إِذْنُه مَجْرَى إِذْنِ المُشْتَرِكِينَ فى الدَّرْبِ الذى ليس بِنَافِذٍ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ من ذلك ما لا ضَرَرَ فيه، وإن عَارَضَهُ رَجُلٌ من المُسْلِمِينَ وَجَبَ قَلْعُه. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: يجوزُ ذلك إذا لم يَضُرَّ بالمَارَّةِ، ولا يَمْلِكُ أحَدٌ مَنْعَه؛ لأنَّه ارْتَفَقَ بما لم يَتَعَيَّنْ مِلْكُ أحَدٍ فيه من غير مَضَرَّةٍ، فكان جَائِزًا، كالمَشْىِ فى الطَّرِيقِ والجُلُوسِ فيها. واخْتَلَفُوا فيما لا يَضُرُّ،

стр. 3259

فقال بعضُهم: إن كان فى شَارِعٍ تَمُرُّ فيه الجُيُوشُ والأحْمَالُ، فيكونُ بحيثُ إذا سَارَ فيه الفَارِسُ وَرُمْحُه مَنْصُوبٌ لا يَبْلُغُه. وقال أكْثَرُهُم: لا يُقَدَّرُ بذلك، بل يكونُ بحيثُ لا يَضُرُّ بالْعَمَّارِيَّاتِ (٧٨) والمَحَامِلِ. ولَنا، أنَّه بِنَاءٌ فى مِلْكِ غيره بغيرِ إِذْنِه، فلم يَجُزْ، كبِنَاءِ الدَّكَّةِ أو بِنَاءِ ذلك فى دَرْبٍ غيرِ نَافِذٍ بغير إِذْنِ أهْلِه، ويُفَارِقُ المُرُورَ فى الطَّرِيقِ، فإنَّها جُعِلَتْ لذلك، ولا مَضَرَّةَ فيه، والجُلُوسُ لا يَدُومُ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا مَضَرَّةَ فيه، فإنَّه يُظْلِمُ الطَّرِيقَ، ويَسُدُّ الضَّوْءَ، وربَّما سَقَطَ على المارَّةِ، أو سَقَطَ منه شىءٌ، وقد تَعْلُو الأرْضُ بمُرُورِ الزَّمَانِ، فيَصْدِمُ رُءُوسَ النّاسِ، ويَمْنَعُ مُرُورَ الدَّوَابِّ بالأحْمَالِ، ويَقْطَعُ الطَّرِيقَ إلَّا على الماشِى، وقد رَأيْنَا مثل هذا كثيرا، وما يُفْضِى إلى الضَّرَرِ فى ثانى الحالِ، يَجِبُ المَنْعُ منه فى ابْتِدَائِه، كما لو أرَادَ بِنَاءَ حَائِطٍ مائِلٍ إلى الطَّرِيقِ يُخْشَى وُقُوعُه على من يَمُرُّ فيها. وعلى أبى حنيفةَ: أنَّه بِنَاءٌ فى حَقٍّ مُشْتَرَكٍ، لو مَنَعَ منه بعضُ أهْلِه لم يَجُزْ، فلم يَجُزْ بغير إذْنِهِم، كما لو أخْرَجَهُ إلى هَوَاءِ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، وذلك لأنَّ حَقَّ الآدَمِىِّ لا يجوزُ لغيرِه التَّصَرُّفُ فيه بغيرِ إِذْنِه، وإن كان سَاكِنًا، كما لا يجوزُ إذا مَنَعَ منه. فصل: ولا يجوزُ أن يَبْنِىَ فى الطَّرِيقِ دُكَّانًا، بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه، سواءٌ كان الطَّرِيقُ وَاسِعًا أو غيرَ وَاسِعٍ، سواءٌ أذِنَ الإِمَامُ فيه أو لم يَأْذَنْ؛ لأنَّه بِنَاءٌ فى مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، ولأنَّه يُؤْذِى المارَّةَ ويُضَيِّقُ عليهم، ويَعْثُرُ به العاثِرُ، فلم يَجُزْ، كما لو كان الطَّرِيقُ ضَيِّقًا. فصل: ولا يجوزُ أن يَبْنِىَ دُكَّانًا ولا يُخْرِجَ رَوْشَنًا، ولا سَابَاطًا على دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، إلَّا بإِذْنِ أهْلِه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، إذا لم يكُنْ له فى الدَّرْبِ بَابٌ، وإن كان له فى الدَّرْبِ بَابٌ، فقد اخْتَلَفَ أصْحَابُه (٧٩)، فمنهم من مَنَعَهُ أيضا، ومنهم مَن أجَازَ له إخْرَاجَ الجَنَاحِ والسَّابَاطِ؛ لأنَّ له فى الدَّرْبِ اسْتِطْرَاقا، فمَلَكَ ذلك، كما يَمْلِكُهُ فى الدَّرْبِ

стр. 3260

النَّافِذِ. ولَنا، أنَّه بِنَاءٌ في هَوَاءِ مِلْكِ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، أشْبَه ما لو لم يكن له (٨٠) فيه بَابٌ، ولا نُسَلِّمُ الأَصْلَ الذى قَاسُوا عليه. فأما إن أَذنَ أهْلُ الدَّرْبِ فيه، جَازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فجَازَ بِإِذْنِهم، كما لو كان المالِكُ واحدًا. وإن صَالَحَ أهْل الدَّرْبِ من ذلك على عِوَضٍ مَعْلُومٍ، جَازَ. وقال القاضِى، وأصْحَابُ الشَّافِعِىِّ: لا يجوزُ؛ لأنَّه بَيْعٌ لِلْهَوَاءِ دون القَرَارِ. ولَنا، أنَّه يَبْنِى فيه بإذْنِهِم، فجَازَ، كما لو أَذِنُوا له بغيرِ عِوَضٍ، ولأنَّه مِلْكٌ لهم، فجَازَ لهم أخْذُ عِوَضِه، كالقَرَارِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يَجوزُ بشَرْطِ كَوْنِ ما يُخْرِجُه مَعْلُومَ المِقْدَارِ فى الخُرُوج والعُلُوِّ، وهكذا الحُكْمُ فيما إذا أخْرَجَه إلى مِلْكِ إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ، لا يجوزُ بغير إِذْنِه، ويجوزُ بِإِذْنِه، بِعوَضٍ وبغيرِه، إذا كان مَعْلُومَ المِقْدَارِ. واللَّه أعلمُ. فصل: ولا يجوزُ أن يَحْفِرَ فى الطَّرِيقِ النَّافِذَةِ بِئْرًا لِنَفْسِه، سواءٌ جَعَلَها لِمَاءِ المَطَرِ، أو لِيَسْتَخْرِجَ منها ما يَنْتَفِعُ به، ولا غير ذلك؛ لما ذَكَرْنَا من قبلُ. وإن أرَادَ حَفْرَهَا لِلْمُسْلِمِينَ ونَفْعِهم (٨١) أو لِنَفْعِ الطَّرِيقِ، مثل أن يَحْفِرَهَا لِيَسْتَقِىَ الناسُ من مَائِها، ويَشْرَبَ منه المارَّةُ، أو لِيَنْزِلَ فيها مَاءُ المَطَرِ عن الطَّرِيقِ، نَظَرْنَا، فإن كان الطَّرِيقُ ضَيِّقًا، أو يَحْفِرُها فى مَمَرِّ الناس بحيثُ يُخَافُ سُقُوطُ إنْسِانٍ فيها أو دَابَّةٍ، أو يُضَيِّقُ عليهم مَمَرَّهم، لم يَجُزْ ذلك؛ لأن ضَرَرَهَا أكْثَرُ من نَفْعِهَا، وإن حَفَرَها فى زَاوِيَةٍ فى (٨٢) طرِيقٍ واسِعٍ، وجَعَلَ عليها ما يَمْنَعُ الوُقُوعَ فيها، جَازَ؛ لأنَّ ذلك نَفْعٌ بلا ضَرَر، فجَازَ، كتَمْهِيدِها، وبِنَاءِ رَصِيفٍ فيها، فأمَّا (٨٣) فِعْلُه فى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، فلا يجوزُ إلَّا بإذْنِ أهْلِه؛ لأنَّ هذا مِلْكٌ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، فلم يَجُزْ فِعْلُ ذلك بغيرِ إذْنِهم. كما لو فَعَلَهُ فى بُسْتانِ إِنْسِانٍ. ولو صَالَحَ أَهلَ الدَّرْبِ عن ذلك بِعِوَضٍ، جَازَ، سواءٌ حَفَرَها لِنَفْسِه

стр. 3261

لِيَنْزِلَ (٨٤) فيها مَاءُ المَطَرِ عن دَارِه، أو لِيَسْتَقِىَ منها مَاءً لِنَفْسِه، أو حَفَرَها لِلسَّبِيلِ ونَفْعِ الطَّرِيقِ. وكذلك إن فَعَلَ ذلك فى مِلْكِ إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ. فصل: ولا يَجُوزُ إخْرَاجُ المَيَازِيبِ إلى الطَّرِيقِ الأَعْظَمِ. ولا يجوزُ إخْرَاجُها إلى دَرْبٍ نَافِذٍ إلَّا بإِذْنِ أهْلِه. وقال أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: يجوزُ إخْرَاجُه إلى الطَّرِيقِ الأَعْظَمِ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، اجْتَازَ على دارِ العَبَّاسِ وقد نَصَبَ مِيزَابًا علي (٨٥) الطَّرِيقِ، فقَلَعَهُ، فقال العَبَّاسُ: تَقْلَعُهُ وقد نَصَبَهُ رسولُ اللهِ ﷺ بِيَدِه؟ فقال: واللهِ لا نَصَبْتَه إلَّا على ظَهْرِى، وانْحَنَى حتى صَعَدَ على ظَهْرِه، فنَصَبَهُ (٨٦). وما فَعَلَهُ رسولُ اللَّه ﷺ فلغيرِه فِعْلُه، ما لم يَقُمْ دَلِيلٌ على اخْتِصَاصِه به. ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، ولا يمكنُه رَدُّ مائِه إلى الدَّارِ. ولأنَّ الناسَ يَعْمَلُونَ ذلك في جَمِيعِ بِلَادِ الإِسْلَامِ من غيرِ نَكِيرٍ. ولَنا، أنَّ هذا تَصَرُّفٌ فى هَوَاءٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبين غيرِه بغيرِ إِذْنِه، فلم يَجُزْ، كما لو كان الطَّرِيقُ غيرَ نَافِذٍ، ولأنَّه يَضُرُّ بالطَّرِيقِ وأهْلِها، فلم يَجُزْ، كَبنَاءِ دَكَّةٍ فيها أو جَنَاحٍ يَضُرُّ بأَهْلِها، ولا يَخْفَى ما فيه من الضَّرَر، فإنَّ مَاءَهُ يَقَعُ على المَارَّةِ، وربما جَرَىَ فيه البَوْلُ أو ماءٌ نَجِسٌ فَيُنَجِّسُهُمْ، ويُزَلِّقُ الطَّرِيقَ، ويَجْعَلُ فيها الطِّينَ، والحَدِيثُ قَضِيَّةٌ فى عَيْنٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّه كان فى دَرْبٍ غيرِ نَافِذٍ، أو تَجَدَّدَتِ الطَّرِيقُ بعدَ نَصْبِه، ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ ذلك؛ لأنَّ الحاجَةَ دَاعِيَةٌ إليه، والعَادَةَ جَارِيَةٌ به، مع ما فيه من الخَبَرِ المَذْكُورِ. فصل: ولا يجوزُ أن يَفْتَحَ فى الحائِطِ المُشْتَرَكِ طَاقًا ولا بَابًا، إلَّا بإِذْنِ شَرِيكِه؛ لأنَّ ذلك انْتِفَاعٌ بِمِلْكِ غيره، وتَصَرُّفٌ فيه بما يَضُرُّ به. ولا يجوزُ أن يَغْرِزَ فيه وَتِدًا، ولا يُحْدِثَ عليه حَائِطًا ولا يَسْتُرَه، ولا يَتَصَرَّفَ فيه نَوْعَ تَصَرُّفٍ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ فى الحائِطِ

стр. 3262

بما يَضُرُّ به، فلم يَجُزْ، كنَقْضِه. ولا يجُوزُ له فِعْلُ شىءٍ من ذلك فى حَائِطِ جَارِه بِطَرِيقِ الأوْلَى؛ لأنَّه إذا لم يَجُزْ فيما له فيه حَقٌّ، ففيما لا حَقَّ له فيه أَوْلَى. وإن صَالَحَهُ عن ذلك بِعِوَضٍ، جَازَ. وأمَّا الاسْتِنَادُ إليه، وإسْنَادُ شىءٍ لا يَضُرُّهُ إليه، فلا بَأْسَ به؛ لأنَّه لا مَضَرَّةَ فيه، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَه الاسْتِظْلَالَ به. فصل: فأمَّا وَضْعُ خَشَبِهِ عليه، فإن كان يَضُرُّ بالحائِطِ لِضَعْفِه عن حَمْلِه، لم يَجُزْ، بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لما ذَكَرْنَا، ولقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ" (٨٧). وإن كان لا يَضُرُّ به، إلَّا أنَّ به غنْيَةً عن وَضْعِ خَشَبِهِ عليه، لِإمْكَانِ وَضْعِه على غيرِه، فقال أكثَرُ أصْحَابِنا: لا يجوزُ أيضا. وهو قول الشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ. لأنَّه انْتِفَاعٌ بمِلْكِ غيرِه بغيرِ إِذْنِه من غيرِ حَاجَةٍ، فلم يَجُزْ، كبِنَاءِ حَائِطٍ عليه. وأشَارَ ابنُ عَقِيلٍ إلى جَوَازِه؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يَمْنَعُ أحَدُكُمْ جَارَهُ أنْ يَضَعَ خَشَبَه عَلَى جِدَارِه". مُتَّفَقٌ عليه (٨٨). ولأنَّ ما أُبِيحَ للحَاجَةِ [العَامَّةِ لم يُعْتَبَرْ فيه حَقِيقَةُ الحاجَةِ] (٨٩)، كأَخْذِ الشِّقْصِ بالشُّفْعَةِ من المُشْتَرِى، والفَسْخِ بالخِيَارِ أو بالعَيْبِ، واتِّخَاذِ الكَلْبِ لِلصَّيْدِ، وإبَاحَةِ السَّلَمِ، ورُخَصِ السَّفَرِ، وغيرِ ذلك. فأمَّا إن دَعَتِ الحاجَةُ إلى وَضْعِه على حَائِطِ جَارِه، أو الحائِطِ المُشْتَرَكِ، بحيثُ لا يُمْكِنُه التَّسْقِيفُ بدُونِه، فإنَّه يجوزُ له وَضْعُه بغيرِ إِذْنِ الشَّرِيكِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ فى القَدِيمِ.

стр. 3263

وقال فى الجَدِيدِ: ليس له وَضْعُه. وهو قول أبى حنيفةَ، ومَالِكٍ؛ لأنَّه انْتِفَاعٌ بمِلْكِ غيرِه من غيرِ ضَرُورَةٍ، فلم يَجُزْ، كزِرَاعَتِه. ولَنا، الخَبَرُ، ولأنَّه انْتِفَاعٌ بحَائِطِ جَارِه على وَجْهٍ لا يَضُرُّ به، أشْبَه الاسْتِنَادَ إليه والاسْتِظْلَالَ به، ويُفَارِقُ الزَّرْعَ، فإنَّه يَضُرُّ، ولم تَدْعُ إليه حَاجَةٌ. إذا ثَبَتَ هذا، فاشْتَرَطَ القاضى وأبو الخَطَّابِ لِلْجَوَازِ أن يكونَ له ثَلَاثَةُ حِيطَانٍ، ولِجَارِه حَائِطٌ واحدٌ، وليس هذا فى كلامِ أحمدَ، إنَّما قال، فى رِوَايَةِ أبى داودَ: لا يَمْنَعُه إذا لم يِكُنْ ضَرَرٌ، وكان الحائِطُ يَبْقَى. ولأنَّه قد يَمْتَنِعُ التَّسْقِيفُ على حَائِطَيْنِ إذا كانا غيرَ مُتَقَابِلَيْنِ، أو كان البَيْتُ وَاسِعًا يَحْتَاج إلى أن يَجْعَلَ عليه جِسْرًا ثم يَضَعُ الخَشَبَ على ذلك الجِسْرِ. والأَوْلَى اعْتِبَارُه بما ذَكَرْنَا من اعْتِبَارِ التَّسْقِيفِ بدُونِه. ولا فرْقَ فيما ذَكَرْنَا بين البَالِغِ واليَتِيمِ والمَجْنُونِ والعاقِلِ؛ لما ذَكَرْنَا. واللَّه أعلمُ. فصل: فأمَّا وَضْعُه فى جِدَارِ المَسْجِدِ، إذا ؤجِدَ الشَّرْطَانِ، فعن أحمدَ فيه رِوَايَتانِ: إحْدَاهما، الجَوَازُ؛ لأنَّه إذا جَازَ فى مِلْكِ الجارِ، مع أنَّ حَقَّهُ مَبْنِىٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ، ففى حُقُوقِ اللَّه تعالى المَبْنِيَّةِ على المُسَامَحَةِ والمُسَاهَلَةِ أوْلَى. والثانية، لا يجوزُ. نَقَلَها أبو طَالِبٍ؛ لأنَّ القِيَاسَ يَقْتَضِى المَنْعَ فى حَقِّ الكُلِّ، تُرِكَ فى حَقِّ الجارِ لِلْخَبَرِ الوَارِدِ فيه، فوَجَبَ البَقَاءُ فى غيرِه على مُقْتَضَى القِيَاسِ. وهذا اخْتِيَارُ أبى بكرٍ. وخَرَّجَ أبو الخَطَّابِ من هذه الرِّوَايَةِ وَجْهًا لِلْمَنْعِ من وَضْعِ الخَشَبِ فى مِلْكِ الجَارِ؛ لأنَّه إذا مُنِعَ (٩٠) من وَضْعِ الخَشَبِ فى الجِدَارِ المُشْتَرَكِ بين المُسْلِمِينَ ولِلْوَاضِعِ فيه حَقٌّ فَلأنْ يُمْنَعَ مَن المُخْتَصِّ بغيرِه أَوْلَى. ولأنَّه إذا مُنِع فى حَقٍّ للَّه تعالى مع أنَّ حَقَّهُ على المُسَامَحَةِ والمُسَاهَلَةِ؛ لِغِنَى اللَّه تَعَالَى وكَرَمِه، فَلأَنْ يُمْنَعَ فى حَقِّ آدَمِىٍّ مع شُحِّه وضِيقِه أوْلَى. [والمَذْهَبُ الأوَّلُ] (٩١). فإن قِيل: فلِمَ لا تُجِيزُونَ فَتْحَ الطَّاقِ والبابِ فى الحائِطِ، بالقِيَاسِ على وَضْعِ الخَشَبِ؟ قُلْنا: لأنَّ الخَشَبَ يُمْسِكُ الحائِطَ ويَنْفَعُه، بخِلَافِ الطَّاقِ والبَابِ، فإنَّه يُضْعِفُ الحائِطَ، لأنَّه يَبْقَى مَفْتُوحًا فى الحائِطِ، والذى

стр. 3264

يَفْتَحُه لِلْخَشَبَةِ يَسُدُّهُ بها، ولأنَّ وَضْعَ الخَشَبِ تَدْعُو الحاجةُ إليه، بِخِلَافِ غيرِه. فصل: ومن مَلَكَ وَضْعَ خَشَبِهِ على حَائِطٍ، فزَالَ بِسُقُوطِه، أو قَلْعِه، أو سُقُوطِ الحائِطِ، ثم أُعِيدَ، فله إعَادَةُ خَشَبِهِ؛ لأنَّ السَّبَبَ المُجَوِّزَ لِوَضْعِه مُسْتَمِرٌّ، فَاسْتَمَرَّ اسْتِحْقَاقُ ذلك. وإن زَالَ السَّبَبُ، مثل أن يُخْشَى على الحَائِطِ من وَضْعِه عليه، أو اسْتُغْنِىَ عن وَضْعِه، لم تَجُزْ إعَادَتُه؛ لِزَوَالِ السَّبَبِ المُبِيحِ. وإن خِيفَ سُقُوطُ الحائِطِ بعدَ وَضْعِه عليه، [أو اسْتُغْنِىَ عن وَضْعِه] (٩٢)، لَزِمَ إزَالَتُه؛ لأنَّه يَضُرُّ بالمالِكِ، ويَزُولُ الخَشَبُ. وإن لم يُخَفْ عليه، لكن اسْتُغْنِىَ عن إبْقَائِه عليه، لم (٩٣) يَلْزَمْ إزَالَتُه؛ لأنَّ فى إزَالَتِه ضَرَرًا بِصَاحِبِه، ولا ضَرَرَ على صَاحِبِ الحائِطِ فى إبْقَائِه، بِخِلَافِ ما لو خَشِىَ سُقُوطَهُ. فصل: ولو كان له وَضْعُ خَشَبِه على جِدَارِ غيرِه، لم يَمْلِكْ إِعَارَتَه [ولا إِجَارَتَه] (٩٤)؛ لأنَّه إنَّما كان له ذلك لِحَاجَتِه الماسَّةِ إلى وَضْعِ خَشَبِه، ولا حَاجَةَ له إلى وَضْعِ خَشَبِ غيرِه، فلم يَمْلِكْه. وكذلك لا يَمْلِكُ بَيْعَ حَقِّه من وَضْعِ (٩٥) خَشَبِه، ولا المُصَالَحَةَ عنه لِلْمَالِكِ ولا لغيرِه؛ لأنَّه أُبِيحَ له من حَقِّ غيره لِحَاجَتِه، فلم يَجُزْ له ذلك فيه، كطَعَامِ غيرِه إذا أُبِيحَ له من أجْلِ الضَّرُورَةِ، ولو أرَادَ صَاحِبُ الحائِطِ إعَارَةَ الحائِطِ، أو إجَارَتَهُ على وَجْهٍ يَمْنَعُ هذا المُسْتَحِقَّ من وَضْعِ خَشَبِه، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّه وَسِيلَةٌ إلى مَنْعِ ذى الحَقِّ من حَقِّه، فلم يَمْلِكْه، كمَنْعِه. ولو أرَادَ هَدْمَ الحائِطِ لغيرِ حَاجَةٍ، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لما فيه من تَفْوِيتِ الحَقِّ. وإن احْتَاجَ إلى هَدْمِه لِلْخَوْفِ من انْهِدَامِه، أو لِتَحْويلِه إلى مَكَانٍ آخَرَ، أو لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، مَلَكَ ذلك؛ لأنَّ صَاحِبَ الخَشَبِ إنما ثَبَتَ (٩٦) حَقُّه لِلإرْفَاقِ به، مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الضَّرَرِ لِصَاحِبِ الحائِطِ (٩٧)،

стр. 3265

فمتى أفْضَى إلى الضَّرَرِ زَالَ الاسْتِحْقَاقُ؛ لِزَوَالِ شَرْطِه. فصل: وإذا أَذِنَ صَاحِبُ الحائِطِ لِجَارِه فى البِنَاءِ على حَائِطِه، أو وَضْعِ سُتْرَةٍ عليه، أو وَضْعِ خَشَبِه عليه فى المَوْضِع الذى لا يَسْتَحِقُّ وَضْعَهُ، جَازَ، فإذا فَعَلَ ما أُذِنَ له فيه، صَارَت العَارِيَّةُ لَازِمَةً، فإذا رَجَعَ المُعِيرُ فيها، لم يكُنْ له ذلك، ولم يَلْزَمِ المُسْتَعِيرَ إزَالَةُ ما فَعَلَه؛ لأنَّ إِذْنَهُ اقْتَضَى البَقَاءَ والدَّوَامَ، وفى القَلْعِ إِضْرَارٌ به، فلا يَمْلِكُ ذلك المُعِيرُ، كما لو أعَارَهُ أرْضًا لِلدَّفْنِ والغِرَاسِ، لم يَمْلِك المُطَالَبَةَ بِنَقْلِ المَيِّتِ والغِرَاس بغيرِ ضَمَانٍ. وإن أرَادَ هَدْمَ الحائِطِ لغير حَاجَةٍ، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ المُسْتَعِيرَ قد اسْتَحَقَّ تَبْقِيَةَ الخَشَبِ عليه، ولا ضَرَرَ فى تَبْقِيَتِه. وإن كان مُسْتَهْدَمًا، فله نَقْضُه. وعَلى (٩٨) صَاحِبِ البِنَاءِ والخَشَبِ إزَالَتُه. وإذا أُعِيدَ الحائِطُ لم يَمْلِك المُسْتَعِيرُ رَدَّ بِنَائِه وخَشَبِه إلَّا بإِذْنٍ جَدِيدٍ، سواءٌ بَنَاهُ بآلَتِه أو غيرِها. وهكذا لو قَلَعَ المُسْتَعِيرُ خَشَبَه (٩٩)، أو سَقَطَ بِنَفْسِه، لم يكُنْ له رَدُّه إلَّا بإِذْنٍ مُسْتَأْنَفٍ؛ لأنَّ المَنْعَ من القَلْعِ إنَّما كان لما فيه من الضَّرَرِ، وهاهُنا قد حَصَلَ القَلْعُ بغيرِ فِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو كان فى الأَرْضِ شَجَرٌ فانْقَلَعَ. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحَابِ الشَّافِعِىِّ، وقالوا فى الآخَرِ: له ذلك؛ لأنَّه قد اسْتَحَقَّ بَقَاءَ ذلك على التَّأْبِيدِ. وليس كذلك؛ فإنَّه إنَّما اسْتَحَقَّ الإبقَاءَ ضَرُورَةَ دَفْعِ ضَرَرِ القَلْعِ، وقد حَصَلَ القَلْعُ هاهُنا، فلا يَبْقَى الاسْتِحْقَاقُ. وإن قَلَعَ صَاحِبُ الحائِطِ ذلك عُدْوانًا، كان لِلآخَرِ إعَادَتُه؛ لأنَّه أُزِيلَ بغير حَقًّ، تَعَدِّيًا ممَّن عليه الحَقُّ، فلم يَسْقُط الحَقُّ عنه بِعُدْوَانِه. وإن اُزالَهُ أجْنَبِىٌّ (١٠٠)، لم يَمْلِكْ صَاحِبُه إعَادَتَه بغيرِ إذْنِ المالِكِ؛ لأنَّه زَالَ بغير عُدْوَانٍ منه، فأشْبَه ما لو سَقَطَ بِنَفْسِه. فصل: وإن أذِنَ له فى وَضْعِ خَشَبِه، أو البِنَاءِ على جِدَارِه بِعِوَضٍ، جَازَ، سواءٌ كان إِجَارَةً فى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أو صُلْحًا على وَضْعِه على التَّأْبِيدِ. ومتى زَالَ فله إعَادَتُه، سواءٌ

стр. 3266

زَالَ لِسُقُوطِه، أو سُقُوطِ الحائِطِ، أو غيرِ ذلك؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ إبْقَاءَه بِعِوَضٍ، ويَحْتَاجُ إلى أن يكونَ البِنَاءُ مَعْلُومَ العَرْضِ والطُّولِ، والسُّمْكِ، والآلاتِ من الطِّينِ واللَّبِنِ، [أو الطِّينِ] (١٠١) والآجُرِّ وما أشْبهَ ذلك؛ لأنَّ هذا كلَّه يَخْتَلِفُ فيُحْتَاجُ إلى مَعْرِفَتِه. وإذا سَقَطَ الحائِطُ الذى عليه البِنَاءُ أو الخَشَبُ، فى أثْنَاءِ مُدَّةِ الإجَارَةِ، سُقُوطًا لا يَعُودُ، انْفَسَخَتِ الإِجَارَةُ فيما بَقِىَ [من المُدَّةِ] (١٠٢)، ورَجَعَ من الأُجْرَةِ بِقِسْطِ ما بَقِىَ من المُدَّةِ. وإن أُعِيدَ، رَجَعَ من الأُجْرَةِ بِقَدْرِ المُدَّةِ التى سَقَطَ البِنَاءُ والخشَبُ عنه. وإن صَالَحَهُ مالِكُ الحائِطِ على رَفْعِ بِنَائِه أو خَشَبِه بشىءٍ مَعْلُومٍ، جَازَ، كما يجوزُ الصُّلْحُ على وَضْعِه، سواءٌ كان ما صَالَحَه به مثلَ العِوَضِ الذى صُولِحَ به على وَضْعِه، أو أقَلَّ أو أكْثَرَ؛ لأنَّ هذا عِوَضٌ عن المَنْفَعَةِ المُسْتَحَقَّةِ له. وكذلك لو كان له مَسِيلُ مَاءٍ فى أرْضِ غيرِه، أو مِيزَابٌ، أو غيرُه، فصَالَحَ صَاحِبُ الأرْضِ مُسْتَحِقَّ ذلك بِعِوَضٍ، لِيُزِيلَه عنه، جَازَ. وإن كان الخَشَبُ أو الحائِطُ قد سَقَطَ، فصَالَحَهُ بشىءٍ على أن لا يُعِيدَه، جَازَ؛ لأنَّه لمّا جَازَ أن يَبِيعَ ذلك منه، جَازَ أن يُصَالِحَه (١٠٣) عنه؛ لأن الصُّلْحَ بَيْعٌ. فصل: وإذا وُجِدَ بنَاؤُه أو خَشَبُه على حَائِطٍ مُشْتَرَكٍ، أو حائِطِ جَارِه، ولم يُعْلَمْ سَبَبَهُ، فمتى زَالَ فله إعَادَتُه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ هذا الوَضْعَ بِحَقٍّ من صُلْحٍ أو غيرِه، فلا يَزْولُ هذا الظَّاهِرُ حتى يُعْلَمَ خِلَافُهُ. وكذلك لو وُجِدَ مَسِيلُ مَائِه فى أرْضِ غيرِه، أو مَجْرَى ماءِ سَطْحِه على سَطْحِ غيرِه، وما أشْبَهَ هذا، فهو له؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه له بِحَقٍّ، فجَرَى ذلك مَجْرَى اليَدِ الثَّابِتَةِ. وإذا اختَلَفَا فى ذلك، هل هو بِحَقٍّ أو بِعُدْوانٍ؟ فالقولُ قولُ صَاحِبِ الخَشَبِ والبِنَاءِ والمَسِيلِ مع يَمِينِه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ معه. فصل: إذا ادَّعَى رَجُلٌ دَارًا فى يَدِ أخَوَيْنِ، فأنْكَرَه أحَدُهما، وأقَرَّ الآخَرُ، ثم

стр. 3267

صَالَحَه عمَّا أقَرَّ له بِعِوَضٍ، صَحَّ الصُّلْحُ، ولأَخِيهِ الأَخْذُ بالشُّفْعَةِ. ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بين ما إذا كان الإنْكَارُ مُطْلَقًا، وبينَ ما إذا قال: هذه لنا وَرِثْنَاهَا جَمِيعًا عن أبِينَا أو أخِينَا. فيُقال: إذا كان الإنْكَارُ مُطْلَقًا، كان له الأخْذُ بالشُّفْعَةِ، وإن قال: وَرِثْنَاهَا عن أبِينَا. فلا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ المُنْكِرَ يَزْعُمُ أن المِلْكَ لأَخِيهِ المُقِرِّ لم يَزُلْ، وأن الصُّلْحَ باطِلٌ، فَيُؤَاخَذُ بذلك، ولا يَسْتَحِقُّ به شُفْعَةً. وَوَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّ المِلْكَ ثَبَتَ لِلْمُدَّعِى حُكْمًا؛ وقد رَجَعَ إلى المُقِرِّ بالبَيْعِ، وهو مُعْتَرِفٌ بأنَّه بَيْعٌ صَحِيحٌ، فتَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو كان الإنْكَارُ مُطْلَقًا. ويجوزُ أن يكونَ انْتَقَلَ نَصِيبُ المُقِرِّ إلى المُدَّعِى بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ أو سَبَبٍ من الأسْبَابِ، فلا يَتَنَافَى إنْكَارُ المُنْكِرِ وإقْرَارُ المُقِرِّ، كحَالَةِ إطْلَاقِ الإِنْكَارِ. وهذا أصَحُّ. ٨١٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا تَدَاعَى نَفْسَانِ جِدَارًا مَعْقُودًا بِبِنَاءِ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا، تَحَالَفَا، وكَانَ بَيْنَهُمَا. وكَذلِك إنْ كَانَ مَحْلُولًا مِنْ بِنَائِهِمَا. وإن كَانَ مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أحَدِهمَا، كَانَ لَهُ مَعَ يَمينِهِ) . وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الرَّجُلَيْنِ إذا تَدَاعَيَا حَائِطًا بين مِلْكَيْهِما، وتَسَاوَيا فى كَوْنِه مَعْقُودًا بِبِنَائِهِما معا، وهو أن يكونَ مُتَّصِلًا بهما اتِّصَالًا لا يمكنُ إحْدَاثُه بعدَ بِنَاءِ الحَائِطِ، مثل اتِّصَالِ البِنَاءِ بالطِّينِ، كهذه الفَطَائِرِ التى لا يُمْكِنُ إحْدَاثُ اتِّصَالِ بعضِها ببعضٍ، أو تَسَاوَيَا فى كونِه مَحْلُولًا من بِنَائِهِما، أو (١) غيرَ مُتَّصِلٍ بِبِنَائِهِما الاتِّصَالَ المَذْكُورَ، بل بينهما شَقُّ مُسْتَطِيلٌ، كما يكونُ بين الحَائِطَيْنِ اللذين أُلْصِقَ أحَدُهُما بالآخَرِ. فهما سواءٌ فى الدَّعْوَى، فإن لم يكُنْ لواحدٍ منهما بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا، فَيَحْلِفُ كُلُّ واحدٍ منهما على نِصْفِ الحائِطِ، أنَّه لَهُ، ويُجْعَلُ بينهما نِصْفَيْنِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَدُه على نِصْفِ الحائِطِ؛ لِكَوْنِ الحائِطِ فى أَيْديهِما. وإن حَلَفَ كلُّ واحدٍ منهما على جَمِيعِ الحائِطِ، أنَّه له، وما هو لِصَاحِبِه، جَازَ، وهو بينهما. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ

стр. 3268

المُنْذِرِ. ولا أعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ وذلك لأنَّ المُخْتَلِفَيْنِ فى العَيْنِ، إذا لم يكُنْ لواحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُ مَن هى فى يَدِه مع يَمِينِه، فإذا كانتْ فى أيْدِيهما، كانتْ يَدُ كلِّ واحدٍ منهما على نِصْفِها، فيكونُ القولُ قولَه فى نِصْفِها مع يَمِينِه. وإن كان لأَحَدِهِما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها، وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، تَعَارَضَتَا، وصَارَا كمَن لا بَيِّنَةَ لهما. فإن لم يكُنْ لهما بَيِّنَةٌ، ونَكَلَا عن اليَمِينِ، كان الحائِطُ فى أيْدِيهما على ما كان. وإن حَلَفَ أحَدُهما، ونَكَلَ الآخَرُ، قُضِىَ على النَّاكِلِ، فكان الكلُّ للآخَرِ. وإن كان الحَائِطُ مُتَّصِلًا بِبنَاءِ أحَدِهِما دون الآخَرِ، فهو له مع يَمِينِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يُرَجَّحُ بالعَقْدِ، ولا يُنْظَرُ إليه. ولَنا، أنَّ الظَّاهِرَ أنَّ هذا البِنَاءَ بُنِىَ كله بِنَاءً واحِدًا، فإذا كان بعضُه لِرَجُلٍ، كان بَقِيَّتُه له، والبِنَاءُ الآخَرُ المَحْلُولُ، الظَّاهِرُ أنَّه بُنِىَ وَحْدَه، فإنَّه لو بُنِىَ مع هذا، كان مُتَّصِلًا به، فالظَّاهِرُ أنَّه لغيرِ صَاحِبِ هذا الحائِطِ المُخْتَلَفِ فيه، فوَجَد مَن يُرَجَّحَ بهذا، كاليدِ والأزَجِ (٢). فإن قِيل: فَلِمَ لم تَجْعَلُوهُ له بغيرِ يَمِينٍ لذلك؟ قُلنا: لأنَّ ذلك ظَاهِرٌ، وليس بِيَقِينٍ، إذ يحْتَمِلُ أن يكونَ أحَدُهما بَنَى الحَائِطَ لِصَاحِبِه تَبَرُّعًا مع حَائِطِه، أو كان له فوَهَبَهُ إيَّاه، أو بَناهُ بِأُجْرَةٍ، فَشُرِعَتِ اليَمِينُ من أجْلِ الاحْتِمَالِ، كما شُرِعَتْ فى حَقِّ صَاحِبِ اليَدِ، وسَائِرِ من وَجَبَتْ عليه اليَمِينُ. فأمَّا إن كان مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أحَدِهما عَقْدًا يُمْكِنُ إحْدَاثُه، مثل البِنَاءِ باللَّبِنِ والآجُرِّ، فإنَّه يُمْكِنُ أن يُنْزَعَ من الحائِطِ المَبْنِىِّ نِصْفُ لَبِنَةٍ أو آجُرَّةٍ، ويُجْعَلَ (٣) مكانَها لَبِنَةٌ صَحِيحَةٌ أو آجُرَّةٌ صَحِيحَةٌ تُعْقَدُ بين الحَائِطَيْنِ، فقال القاضى: لا يُرَجَّحُ بهذا؛ لِاحْتِمَالِ أن يكونَ [صَاحِبُ الحَائِطِ] (٤) فَعَلَ هذا لِيَتَمَلَّكَ الحَائِطَ المُشْتَرَكَ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يُرَجَّحُ بهذا الاتِّصَالِ، كما يُرَجَّحُ بالاتِّصَالِ الذى لا يُمْكِنُ إحْدَاثُه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ صَاحِبَ الحائِطِ لا يَدَعُ غيرَه يَتَصَرَّفُ فيه، بِنَزْعِ آجُرِّه،

стр. 3269

وتَغْيِيرِ بِنَائِه، وفِعْلِ ما يَدُلُّ على مِلْكِه (٥)، فوَجَبَ أن يُرَجَّحَ بهذا، كما يُرَجَّحُ باليَدِ، فإنَّه يُمْكِنُ أن تكونَ يَدًا عَادِيَةً، حَدَثَتْ بالغَصْبِ أو بالسَّرِقَةِ أو العَارِيَّةِ أو الإجَارَةِ، فلم يَمْنَعْ ذلك التَّرْجِيحَ بها. فصل: فإن كان لأحَدِهما عليه بِنَاءٌ، كحَائِطٍ مَبْنِىٍّ عليه، أو عَقْدٍ مُعْتَمِدٍ عليه، أو قُبَّةٍ [ونحو هذا] (٦)، فهو له. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ؛ لأنَّ وَضْعَ بِنَائِه عليه (٧) بمَنْزِلَةِ اليَدِ الثَّابِتَةِ عليه، لكَوْنِه مُنْتَفِعًا به، فجَرَى مَجْرَى كَوْنِ حِمْلِه على البَهِيمَةِ وزَرْعِه فى الأَرْضِ، ولأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الإنسانَ لا يَتْرُكُ غيرَه يَبْنِى على حَائِطِه. وكذلك إن كانتْ له عليه سُتْرَةٌ، ولو كان فى أصْلِ الحائِطِ خَشَبَةٌ طَرَفُها تَحْتَ حَائِطٍ يَنْفَرِدُ به أحَدُهما، أو له عليها أزَجٌ مَعْقُودٌ، فالحَائِطُ المُخْتَلَفُ فيه له؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أن الخشَبَةَ لمن يَنْفَرِدُ بِوَضْعِ بنَائِه عليها، فيكونُ الظَّاهِرُ أنَّ ما عليها من البِنَاءِ له. فصل: فإن كان لأحَدِهما خَشَبٌ مَوْضُوعٌ، فقال أصْحابُنا: لا تُرَجَّحُ دَعْوَاه بذلك. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ هذا ممَّا يَسْمَحُ به الجَارُ. وقد وَرَد الخَبَرُ بالنَّهْىِ عن المَنْعِ منه. وعندَنا أنَّه حَقٌّ يَجِبُ التَّمْكِينُ منه. فلم تُرَجَّحْ به الدَّعْوَى، كإسْنَادِ مَتَاعِه فيه (٨)، وتَجْصِيصِه وتَزْوِيقِه. ويَحْتَمِلُ أن تُرَجَّحَ به الدَّعْوَى. وهو قول مالكٍ؛ لأنَّه مُنْتَفِعٌ به بِوَضْعِ مَالِه عليه، فأشْبَه البَانِىَ عليه والزَّارِعَ فى الأرْضِ، وَوُرُودُ الشَّرْعِ بالنَّهْىِ عن المَنْعِ مِنه، لا يَمْنَعُ كَوْنَه دَلِيلًا على الاسْتِحْقَاقِ، بِدَلِيلِ أنَّنا (٩) اسْتَدْلَلْنَا بِوَضْعِه على كَوْنِ الوَضْعِ مُسْتَحَقًّا على الدَّوَامِ، حتى متى زَالَ جَازَتْ إعَادَتُه، ولأنَّ كَوْنَه مُسْتَحَقًّا تُشْتَرَطُ له الحَاجَةُ إلى وَضْعِه، ففيما لا حَاجَةَ إليه له مَنْعُهُ من وَضْعِه. وأمَّا السَّمَاحُ به، فإنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَتَسَامَحُونَ به، ولهذا لمَّا رَوَى أبو هُرَيْرَةَ الحَدِيثَ عن النبىِّ ﷺ ، طَأطَؤُا رُءُوسَهُم، كَرَاهةً لذلك، فقال: مَالِى

стр. 3270

أرَاكُم عنها مُعْرِضِينَ؟ واللهِ لأرْمِيَنَّ بها بين أكْتَافِكُمْ (١٠). وأكْثَرُ الفُقَهَاءِ لا يُوجِبُونَ التَّمْكِينَ من هذا، ويَحْمِلُونَ الحَدِيثَ على كَرَاهَةِ المَنْعِ لا على تَحْرِيمِه. ولأنَّ الحائِطَ يُبْنَى لذلك، فيُرَجَّحُ به، كالأَزَجِ. وقال أصْحابُ أبى حنيفةَ: لا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بالجِذْعِ الواحِدِ؛ لأنَّ الحَائِطَ لا يُبْنَى له، ويُرَجَّحُ بالجِذْعَيْنِ؛ لأنَّ الحَائِطَ يُبْنَى لهما. ولَنا، أنَّه مَوْضُوعٌ على الحَائِطِ، فاسْتَوَى فى تَرْجِيحِ الدَّعْوَى به قَلِيلُه وكثِيرُه، كالبِنَاءِ. فصل: ولا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بكَوْنِ الدَّوَاخِلِ إلى أحَدِهما والخَوَارِجِ ووُجُوهِ الآجُرِّ والحِجَارَةِ، ولا كَوْنِ الآجُرَّةِ الصَّحِيحَةِ ممَّا يَلِى مِلْكَ أحَدِهِما وأَقْطَاعِ الآجُرِّ إلى مِلْكِ الآخَرِ، ولا بمَعَاقِدِ القِمْطِ فى الخُصِّ، يَعْنِى عَقْدَ الخُيُوطِ التى يُشَدُّ بها الخُصُّ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يُحْكَمُ به لمَن إليه وَجْهُ الحائِطِ ومعَاقِدُ القِمْطِ؛ لما رَوَى [نِمْرَانُ بن جَارِيَةَ] (١١) التَّمِيمِىُّ، عن أبِيهِ، أنَّ قَوْمًا اخْتَصَمُوا إلى النبىِّ ﷺ فى خُصٍّ، فبَعَثَ حُذَيْفَةَ بن اليَمَانِ لِيَحْكُمَ بينهم، فحَكَمَ به لمَن يَلِيه معَاقِدُ القِمْطِ، ثم رَجَعَ إلى النبىِّ ﷺ ، فأخْبَرَه، فقال: "أَصَبْتَ، وأَحْسَنْتَ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١٢). ورُوِىَ نحوُه عن عَلِىٍّ. ولأنَّ العُرْفَ جَارٍ (١٣) بأن من بَنَى حَائِطًا جَعَلَ وَجْهَ الحائِطِ إليه. ولَنا، عُمُومُ قوله ﵇: "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ" (١٤). ولأنَّ وَجْهَ الحائِطِ ومعَاقِدَ القِمْطِ إذا كانا شَرِيكَيْنِ فيه لابُدَّ من أن يكونَ

стр. 3271

إلى أحَدِهمَا، إذْ لا يُمْكِنُ كونُه إليهما جَمِيعًا، فبَطَلَتْ دَلَالَتُه كالتَّزْوِيقِ، ولأنَّه يُرَادُ لِلزِّينَةِ، فأشْبَهَ التَّزْوِيقَ. وحَدِيثُهُم لا يُثْبِتُه أهْلُ النَّقْلِ، وإسْنَادُه مَجْهُولٌ. قالَه ابنُ المُنْذِرِ. قال الشَّالَنْجِىُّ (١٥): ذَكَرْتُ هذا الحَدِيثَ لأحمدَ، فلم يُقْنِعْهُ، وذَكَرْتُه لإِسحاقَ بن رَاهُويَه، فقال: ليس هذا حَدِيثًا. ولم يُصَحِّحْهُ. وحَدِيثُ عَلِىٍّ فيه مَقَالٌ، وما ذَكَرُوه من العُرْفِ ليس بِصَحِيحٍ؛ فإنَّ العادَةَ جَعْلُ وَجْهِ الحائِطِ إلى خَارِجٍ لِيَرَاهُ الناسُ، كما يَلْبَسُ الرَّجُلُ أحْسَنَ أَثْوَابِه، أعْلَاهَا الظَّاهِرُ للنّاسِ، لِيَرَوْه، فيَتَزَيَّنُ به، فلا دَلِيلَ فيه. فصل: ولا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بالتَّزْوِيقِ والتَّحْسِينِ، ولا يكونُ أحَدُهما له على الآجُرِّ سُتْرَةٌ غيرُ مَبْنِيَّةٍ عليه؛ لأنَّه مما يُتَسَامَحُ به، ويُمْكِنُ إحْدَاثُه. فصل: وإن تَنَازَعَ صَاحِبُ العُلْوِ والسُّفْلِ، في حَوَائِط البَيْتِ السُّفْلَانِىِّ، فهى لِصَاحِبِ السُّفْلِ؛ لأنَّه المُنْتَفِعُ بها، وهى من جُمْلَةِ البَيْتِ، فكانتْ لِصَاحِبِه. وإن تَنَازَعَا حَوَائِطَ (١٦) العُلْوِ، فهى لِصَاحِبِ العُلْوِ؛ لذلك. وإن تَنَازَعَا السَّقْفَ، تَحَالَفا، وكان بينهما. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنِيفةَ: هو لِصَاحِبِ السُّفْلِ؛ لأنَّ السَّقْفَ على مِلْكِه، فكان القولُ قولَه, كما لو تَنَازَعا سَرْجًا على دَابَّةِ أحَدِهما، كان القولُ قولَ صَاحِبِها. وحُكِىَ عن مَالِكٍ، أنه لِصَاحِبِ السُّفْلِ. وحُكِىَ عنه، أنَّه لِصَاحِبِ العُلْوِ؛ لأنَّه يَجْلِسُ عليه، ويَتَصَرَّفُ فيه، ولا يمكنُه السُّكْنَى إلَّا به. ولَنا، أنَّه حَاجِزٌ بين مِلْكَيْهما، يَنْتَفِعَانِ به، غيرَ مُتَّصِلٍ بِبِنَاءِ أحَدِهما اتِّصَالَ البُنْيَانِ، فكان بينهما، كالحَائِطِ بين المِلْكَيْنِ. وقولُهم: هو على مِلْكِ صَاحِبِ السُّفْلِ. يَبْطُلُ بِحِيطَانِ العُلْوِ، ولا يُشْبِهُ السَّرْجَ على الدَّابَّةِ؛ لأنَّه لا يَنْتَفِعُ به غيرُ صَاحِبِها، ولا يُرَادُ إلَّا لها، فكان في يَدِه. وهذا السَّقْفُ يَنْتَفِعُ به كلُّ واحِدٍ منهما؛ لأنَّه سَمَاءُ صَاحِبِ السُّفْلِ

стр. 3272

يُظِلُّه، وأَرْضُ صَاحِبِ العُلْوِ تُقِلُّه، فَاسْتَوَيَا فيه. فصل: وإن تَنَازَعَ صَاحِبُ العُلْوِ والسُّفْلِ في الدَّرَجَةِ التي يَصْعَدُ منها، فإن لم يَكُنْ تَحْتها مِرْفَقٌ لِصَاحِبِ السُّفْلِ، كَسُلَّم مُسَمَّرًا، أو دَكَّةٍ، فهى لِصَاحِبِ العُلْوِ وَحْدَهُ؛ لأنَّ له اليَدَ والتَّصَرُّفَ وحدَه؛ لأنَّها مَصْعَدُ صَاحِبِ العُلْوِ لا غيرُ. والعَرْصَةُ التي عليها الدَّرَجَةُ له أيضًا؛ لِانْتِفَاعِه بها وحدَه. وإن كان تحتها ثِنْىٌ (١٧) بُنِيَتْ لأَجْلِه، لتكونَ مَدْرَجًا لِلْعُلْوِ، فهى بينهما؛ لأنَّ يَدَيْهما عليها، ولأنَّها سَقْفٌ للسُّفْلَانِىِّ، ومَوْطِىءٌ لِلْفَوْقَانِيِّ، فهى كالسَّقْفِ الذي بينهما. وإن كان تحتهَا طَاقٌ صَغِيرٌ لم تُبْنَ الدَّرَجَةُ لأَجْلِه، وإنَّما جُعِلَ مِرْفَقًا يُجْعَلُ فيه جُبُّ الماءِ ونحوُه، فهى لِصَاحِبِ العُلْوِ؛ لأنَّها بُنِيَتْ لأَجْلِه وحدَه. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ بينهما؛ لأنَّ يَدَهُما عليها، وانْتِفَاعَهما حَاصِلٌ بها، فهى كالسَّقْفِ. فصل: ولو تَنَازَعَا مُسَنَّاةً (١٨) بين نَهْرِ أحَدِهِما وأَرْضِ الآخَرِ، تَحَالَفَا، وكانت بينهما؛ لأنَّها حَاجِزٌ بين مِلْكَيْهما، فهى كالحائِطِ بين المِلْكَيْنِ. فصل: إذا كان بينهما حَائِطٌ مُشْتَرَكٌ، فَانْهَدَمَ، فطَلَبَ أحَدُهما إعَادَتَه، فأبَى الآخَرُ، فهل يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ على إعَادَتِه؟ قال القاضي: فيه رِوَايَتَانِ: إحداهما، يُجْبَرُ. نَقَلَها ابنُ القَاسِمِ، وحَرْبٌ، وسِنْدِيٌّ. قال القاضي: هي أصَحُّ. وقال ابن عَقِيلٍ: وعلى ذلك أصْحَابُنا. وبه قال مَالِكٌ، في إحدى رِوَايَتَيْهِ، والشَّافِعِىُّ في قَدِيمِ قَوْلَيْهِ. واخْتَارَهُ بعضُ أصْحَابِه، وصَحَّحَهُ؛ لأنَّ في تَرْكِ بِنَائِه إضْرارًا، فَيُجْبَرُ عليه، كما يُجْبَرُ على القِسْمَةِ إذا طَلَبهَا أحَدُهما، وعلى النَّقْضِ إذا خِيفَ سُقُوطُه عليهما، لقولِ (١٩) النبيِّ ﷺ : "لَا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ" (٢٠). وهذا وشَرِيكُه يَتَضَرَّرَانِ في

стр. 3273

تَرْكِ بِنَائِه. والرواية الثانية، لا يُجْبَرُ. نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك، وهو أقْوَى دَلِيلًا، ومذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه مِلْكٌ لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه، فلم يُجْبَرْ مَالِكُه على الإِنْفَاقِ عليه، كما لو انْفَرَدَ به، ولأنَّه بِنَاءُ حَائِطٍ، فلم يُجْبَرْ عليه، كالابْتِدَاءِ، ولأنَّه لا يَخْلُو، إمَّا أن يُجْبَرَ على بِنَائِه لِحَقِّ نَفْسِه، أو لِحَقِّ جَارِه، أو لِحَقَّيْهِما جَمِيعًا، لا يجوزُ أن يُجْبَرَ عليه لِحَقِّ نَفْسِه، بِدَلِيلِ ما لو انْفَرَدَ به، ولا لِحَقِّ غيره, كما لو انْفَرَدَ به جَارُه، فإذا لم يكُنْ كلُّ واحدٍ منهما موجَبًا عليه، فكذلك إذا اجْتَمَعَا. وفَارَقَ القِسْمَةَ، فإنَّها دَفْعٌ لِلضَّرَرِ عنهما بما لا ضَرَرَ فيه، والباءُ فيه مَضَرَّةٌ، لما فيه من الغَرَامَةِ وإِنْفَاقِ مَالِه، ولا يَلْزَمُ من إِجْبَارِه على إِزَالَةِ الضَّرَرِ بما لا ضَرَرَ فيه، إجْبَارُه على إِزَالَتِه بما فيه ضَرَرٌ، بِدَلِيلِ قِسْمَةِ ما في قِسْمَتِه ضَرَرٌ. ويُفَارِقُ هَدْمَ الحائِطِ إذا خِيفَ سُقُوطُه؛ لأنَّه يَخافُ سُقُوطَ حَائِطِه على ما يتْلِفُه، فيُجْبَرُ على ما يُزِيلُ ذلك، ولهذا يُجْبَرُ عليه، وإن انْفَرَدَ بالحَائِطِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. ولا نُسَلِّمُ أن في تَرْكِه إِضْرَارًا، فإنَّ الضَّرَرِ إنَّما حَصَلَ بِانْهِدَامِه، وإنَّما تَرْكُ البِنَاءِ تَرْكٌ لما يَحْصُلُ النَّفْعُ به، وهذا لا يَمْنَعُ الإِنْسانَ منه، بِدَلِيلِ حَالَةِ الابْتِدَاءِ، وإن سَلَّمْنَا أنَّه إِضْرَارٌ، لكنْ في الإِجْبَارِ إضْرَارٌ، ولا يُزَالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، وقد يكونُ المُمْتَنِعُ لا نَفْعَ له في الحائِطِ، أو يكون الضَّرَرُ عليه أكْثَرَ من النَّفْعِ، أو يكونُ مُعْسِرًا ليس معه ما يَبْنِى به، فَيُكَلَّفُ الغَرَامَةَ مع عَجْزِه عنها، فعلَى هذه الرِّوَايَةِ إذا امْتَنَعَ أحَدُهما لم يُجْبَرْ، فإن أرَادَ شَرِيكُه البِنَاءَ فليس له مَنْعُه منه؛ لأنَّ له حَقًّا في الحَمْلِ ورَسْمًا، فلا يجوزُ مَنْعُه منه، وله بِنَاؤُه بِأَنْقَاضِه إن شاءَ، وبِنَاؤُه بآلَةٍ من عنده، فإن بَنَاهُ بآلَتِه وأنْقَاضِه، فالحائِطُ بينهما على الشَّرِكَةِ, كما كان؛ لأَنَّ المُنْفَقَ (٢١) إنَّما أُنْفِقَ على التَّالِفِ، وذلك أثَرٌ لا عَيْنٌ يَمْلِكُها. وإن بَنَاهُ بآلَةٍ من عنده، فالحَائِطُ مِلْكُه خَاصَّةً، وله مَنْعُ شَرِيكِه من الانْتِفاعِ به، ووَضْعِ خَشَبِه وَرُسُومِه عليه؛ لأنَّ الحَائِطَ له. وإذا أرَادَ نَقْضَه، فإن كان بَنَاهُ بآلتِه لم يَمْلِكْ نَقْضَهُ؛ لأنَّه مِلْكُهما، فلم يكنْ له التَّصَرُّفُ [بما] فيه

стр. 3274

مَضَرَّةٌ عليهما. وإن بَنَاهُ بآلَةٍ من عنده، فله نَقْضُه؛ لأنَّه مِلْكُه خَاصَّةً. فإن قال شَرِيكُه: أنا أَدْفَعُ إليك نِصْفَ قِيمَةِ البِنَاءِ ولا تَنْقُضْهُ. لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه لمَّا لم يُجْبَرْ على البِنَاءِ، لم يُجْبَرْ على الإِبْقَاءِ. وإن أرَادَ غيرُ البانِى نَقْضَه، أو إِجْبَارَ بَانِيه على نَقْضِه، لم يكُنْ له ذلك، على الرِّوَايَتَيْنِ جميعا؛ لأنَّه إذا لم يَمْلِكْ مَنعَه من بِنَائِه، فَلأَنْ لا يَمْلِكَ إجْبَارَهُ على نَقْضِه أَوْلَى، فإن كان له على الحائِطِ رَسْمُ انْتِفَاعٍ، ووَضْعُ خَشَبٍ، قال له: إمَّا أن تَأْخُذَ مِنِّى نِصْفَ قِيمَتِه، وتُمَكِّنَنِى من انْتِفَاعِى وَوَضْعِ خَشَبِى، وإمَّا أن تَقْلَعَ حَائِطَكَ، لِنُعِيدَ البِنَاءَ بيننا. فيَلْزَمُ الآخَرَ إجَابَتُه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إِبْطَالَ رُسُومِه وانْتِفَاعِه بِبنَائِه. وإن لم يُرِد الانْتِفَاعَ به، فطَالَبَهُ البَانِي بالغَرَامَةِ أو القِيمَةِ، لم يَلْزَمْهُ ذلك؛ لأنَّه إذا لم يُجْبَرْ على البِنَاءِ، فأَوْلَى أن لا يُجْبَرَ على الغَرَامَةِ، إلَّا أن يكونَ قد أَذِنَ في البِنَاءِ والإِنْفَاقِ، فيَلْزَمُه ما أَذِنَ فيه. فأمَّا على الرِّوَايَةِ الأُولَى، فمتى امْتَنَعَ أجْبَرَهُ الحاكِمُ على ذلك، فإن لم يَفْعَلْ، أخَذَ الحاكِمُ من مَالِه وأنْفَقَ عليه. وإن لم يكُنْ له مَالٌ، فأَنْفقَ عليه الشَّرِيكُ بإِذْنِ الحاكِمِ، أو إِذْنِ الشَّرِيكِ، رَجَعَ عليه متى قَدَرَ. وإن أرَادَ بِنَاءَهُ، لم يَمْلِك الشَّرِيكُ مَنْعَهُ. وما أَنْفَقَ؛ إن تَبَرَّعَ به لم يكُنْ له الرُّجُوعُ به، وإن نَوَى الرُّجُوعَ به، فهل له الرُّجُوعُ بذلك؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، بنَاءً على ما إذا قَضَى دَيْنَه بغيرِ إذْنِه. وإن بَنَاهُ لِنَفْسِه بآلَتِه، فهو بينهما. وإن بَنَاهُ بآلَةٍ من عنده، فهو له خَاصَّةً. فإن أرَادَ نَقْضه (٢٢)، فله ذلك، إلَّا أن يَدْفَعَ إليه شَرِيكُه نِصْفَ قِيمَتِه، فلا يكونُ له نَقْضُه؛ لأنَّه إذا أُجْبِرَ على بِنَائِه، فأَوْلَى أن يُجْبَرَ على إِبْقَائِه. فصل: فإن لم يكُنْ بين مِلْكَيْهِما حَائِطٌ قَدِيمٌ، فطَلَبَ أحَدُهما من الآخَرِ مُبَانَاتَه حَائِطًا يَحْجِزُ بين مِلْكَيْهما، فامْتَنَعَ، لم يُجْبَرْ عليه. رِوَايَةً واحِدَةً. وإن أرَادَ البِنَاءَ وَحْدَه، لم يكُنْ له البِنَاءُ إلَّا في مِلْكِه خَاصَّةً؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في مِلْكِ جَارِه المُخْتَصِّ به، ولا في المِلْكِ المُشْتَرَكِ بغيرِ مالَه فيه رَسْمٌ، وهذا لا رَسْمَ له. ولا أعْلَمُ في هذا خِلَافًا.

стр. 3275

فصل: فإن كان السُّفْلُ لِرَجُلٍ، والعُلْوُ لآخَرَ، فَانْهَدَمَ السَّقْفُ الذي بينهما، فطَلَبَ أحَدُهما المُبَانَاةَ من الآخَرِ، فامْتَنَعَ، فهل يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ على ذلك؟ على رِوَايَتَيْنِ، كالحائِطِ بين البَيْتَيْنِ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كالرِّوَايَتَيْنِ. وإن انْهَدَمَتْ حِيطَانُ السُّفْلِ، فطَالَبَه صَاحِبُ العُلْوِ بإعَادَتِها، فعلى رِوَايَتَيْنِ: إحْداهما، يُجْبَرُ. وهو قولُ مَالِكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وأحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. فعلى هذه الرِّوَايَةِ، يُجْبَرُ على البِنَاءِ وحدَه؛ لأنَّه مِلْكُه خَاصَّةً. والثانية، لا يُجْبَرُ. وهو قول أبى حنيفةَ، وإن أرَادَ صَاحِبُ العُلْوِ بِنَاءَهُ لم يُمْنَعْ من ذلك. على الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعا. فإن بَنَاهُ بآلَتِه، فهو على (٢٣) ما كان، وإن بَنَاهُ بآلَةٍ من عنده، فقد رُوِىَ عن أحمدَ: لا يَنْتَفِعُ به صَاحِبُ السُّفْلِ. يعني حتى يُؤَدِّىَ القِيمَةَ، فيَحْتَمِلُ أنَّه (٢٤) لا يَسْكُنَ، وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ البَيْتَ إنَّما يُبْنَى لِلسُّكْنَى، فلم يَمْلِكْهُ كغيرِه، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ الانْتِفَاعَ بالحِيطَانِ خاصَّةً، من طَرْحِ الخَشَب، وسَمْرِ الوَتَدِ، وفَتْحِ الطَّاقِ، ويكونُ له السُّكْنَى من غير تَصَرُّفٍ في مِلْكِ غيرِه، وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ السُّكْنَى إنَّما هي إِقَامَتُه في فِنَاءِ الحِيطَانِ، من غير تَصَرُّفٍ فيها، فأشْبَهَ الاسْتِظْلَالَ بها من خَارِجٍ. فأمَّا إن طَالَبَ صَاحِبُ السُّفْلِ بالبِنَاءِ، وأبَى صَاحِبُ العُلْوِ، ففيه رِوَايَتانِ: إحْداهما، لا يُجْبَرُ على بِنَائِه، ولا مُسَاعَدَتِه. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الحائِطَ مِلْكُ صَاحِبِ السُّفْلِ مُخْتَصٌّ به، فلم يُجْبَرْ غَيْرُه على بِنَائِه، ولا المُسَاعَدَةِ فيه، كما لو لم يكُنْ عليه عُلْوٌ. والثانية، يُجْبَرُ على مُسَاعَدَتِه والبِنَاءِ معه، وهو قول أبى الدَّرْدَاءِ؛ لأنَّه حَائِطٌ يَشْتَرِكَانِ في الانْتِفَاعِ به، أشْبَه الحائِطَ بين الدَّارَيْن. فصل: فإن كان بين البَيْتَيْنِ حَائِطٌ لأَحَدِهما، فانْهَدَم، فطَلَبَ أحَدُهما من الآخَرِ بِنَاءَهُ، أو المُسَاعَدَةَ (٢٥) في بِنَائِه، فامْتَنَعَ، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه إن كان المُمْتَنِعُ مَالِكَه لم يُجْبَرْ على بِنَاءِ مِلْكِه المُخْتَصِّ به، كحَائِطِ الآخَرِ، وإن كان المُمْتَنِعُ الآخَرَ لم يُجَبَرْ على بِنَاءِ

стр. 3276

مِلْكِ غيرِه، ولا المُسَاعَدَةِ فيه. ولا يَلْزَمُ على هذا حَائِطُ السُّفْلِ، حيث يُجْبَرُ صَاحِبُه على بِنَائِه، مع اخْتِصَاصِه بِمِلْكِه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أن صَاحِبَ العُلْوِ مَلَكَهُ مُسْتَحِقًّا لإِبْقَائِه على حِيطَانِ السُّفْلِ دائمًا، فلَزِمَ صَاحِبَ السُّفْلِ تَمْكِينُه ممَّا يَسْتَحِقُّهُ، وطَرِيقُه البِنَاءُ، فلذلك وَجَبَ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وإن أرادَ صَاحِبُ الحائِطِ بِنَاءَهُ، أو نَقْضَهُ بعد بِنَائِه، لم يكُنْ لِجَارِه مَنْعُه؛ لأنَّه مِلْكُه خاصَّةً. وإن أرَادَ جَارُه بِنَاءَهُ، أو نَقْضَه، أو التَّصَرُّفَ فيه، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه. فصل: ومتى هَدَمَ أحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الحائِطَ المُشْتَرَكَ، أو السَّقْفَ الذي بينهما، نَظَرْتَ، فإن خِيفَ سُقُوطُه، وَوَجَبَ هَدْمُه، فلا شىءَ على هَادِمِه، ويكونُ كما لو انْهَدَمَ بِنَفْسِه؛ لأنَّه فَعَلَ الوَاجِبَ، وأزَالَ الضَّرَرَ الحاصِلَ بِسُقُوطِه، وإن هَدَمَهُ لغير ذلك، فعليه إِعَادَتُه سواءٌ هَدَمَهُ لِحَاجَةٍ أو غيرها، وسواءٌ الْتَزَمَ إعَادَتَهُ أو لم يَلْتَزِمْ؛ لأنَّ الضَّرَرَ حَصَلَ بِفِعْلِه، فلَزِمَهُ إعادتُه (٢٦). فصل: فإن اتَّفَقَا على بِنَاءِ الحَائِطِ المُشْتَرَكِ بينهما نِصْفَيْنِ، ومِلْكُه بينهما الثُّلُثُ والثُّلُثَانِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يُصَالِحُ على بعضِ مِلْكِه ببعضٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو أقَرَّ له بِدَارٍ فصَالَحَهُ على سُكْنَاها. ولو اتَّفَقَا على أن يُحَمِّلَهُ كل واحدٍ منهما ما شَاءَ، لم يَجُزْ؛ لِجَهَالَةِ الحِمْلِ فإنَّه يُحَمِّلُه من الأَثْقَالِ ما لا طَاقَةَ له بِحَمْلِه. وإن اتَّفَقَا على أن يكونَ بينهما نِصْفَيْنِ، جَازَ. فصل: فإن كان بينهما نَهْرٌ، أو قَنَاةٌ، أو دُولَابٌ، أو نَاعُورَةٌ، أو عَيْنٌ، فَاحْتَاجَ إلى عِمَارَةٍ، ففى إجْبَارِ المُمْتَنِعِ منهما رِوَايَتَانِ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّه يُجْبَرُ هاهُنا على الإِنْفَاقِ؛ لأنَّه لا يتمكَّنُ شَرِيكُه من مُقَاسَمَتِه، فيَضُرُّ به، بِخِلَافِ الحائِطِ؛ فإنَّه يُمْكِنُهما قِسْمَةُ العَرْصَةِ. والأَوْلَى التَّسْوِيَةُ؛ لأنَّ في قِسْمَةِ العَرْصَةِ إضْرَارًا بهما (٢٧)،

стр. 3277

والإِنْفَاقُ أرْفَقُ بهما، فكانا سَوَاءً. والحُكْمُ في الدُّولَابِ والنَّاعُورَةِ، كالحُكْمِ في الحائِطِ، على ما ذَكَرْنَاهُ. وأما البِئْرُ والنَّهْرُ، فلكلِّ واحدٍ منهما الإِنْفَاقُ عليه، وإذا أنْفَقَ عليه، لم يكُنْ له مَنْعُ الآخَرِ من نَصِيبِه من الماءِ؛ لأنَّ الماءَ يَنْبُعُ من مِلْكَيْهِما، وإنَّما أثَّرَ أحدُهما في نَقْلِ الطِّينِ منه، وليس له فيه عَيْنُ مالٍ، فأشْبَه الحائِطَ إذا بَنَاهُ بآلَتِه، والحُكْمُ في الرُّجُوعِ بالنَّفَقَةِ، كحُكْمِ الرُّجُوعِ في النَّفَقَةِ على الحائِطِ، على ما مَضَى. فصل: إذا كان لِرَجُلَيْنِ بَابَانِ في زُقَاقٍ غيرِ نَافِذٍ، أحدهما قَرِيبٌ من بَابِ الزُّقَاقِ، والآخَرُ في دَاخِلِه، فَلِلْقَرِيبِ من البَابِ نَقْلُ بَابِه إلى ما يَلِى بَابَ الزُّقَاقِ؛ لأنَّ له الاسْتِطراقَ إلى بَابِه القَدِيمِ، فقد نَقَصَ من اسْتِطْرَاقِه، ومتى أرَادَ رَدَّ بَابِه إلى مَوْضِعِه الأَوَّلِ، كان له؛ لأنَّ حَقَّهُ لم يَسْقُطْ، وإن أرَادَ نَقْلَ بَابِه تِلْقَاءَ صَدْرِ الزُّقَاقِ، لم يكُنْ له ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه يُقَدِّمُ بَابَه إلى مَوْضِعٍ لا اسْتِطْرَاقَ له فيه. ويَحْتَمِلُ جَوَازَ ذلك؛ لأنَّه كان له أن يَجْعَلَ بَابَه في أَوَّلِ البِنَاءِ، في أي مَوْضِعٍ شَاءَ، فتَرْكُهُ في مَوْضِعٍ لا يُسْقِطُ حَقَّه، كما أن تَحْوِيلَه بعد فَتْحِه لا يُسْقِطُه (٢٨)، ولأنَّ له أن يَرْفَعَ حَائِطَه كلَّه، فلا يُمْنَعُ من رَفْعِ مَوْضِعِ البابِ وَحْدَه. فأمَّا صَاحِبُ البابِ الثاني، فإن كان في دَاخِلِ الدَّرْبِ بابٌ [لآخَرَ، فحُكْمُه في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ حُكْمُ صَاحِبِ البابِ الأَوَّلِ سواءً، وإن لم يكُنْ له ثَمَّ] (٢٩) بَابٌ آخَرُ، كان له تَحْوِيلُ بَابِه حيث شَاءَ؛ لأنَّه على الأَوَّلِ، لا مُنَازِعَ له فيما تَجَاوَزَ البَابَ الأوَّلَ، وعلى الاحْتِمَالِ الذي ذَكَرْنَاهُ، لكلِّ واحدٍ منهما ذلك. ولو أرَادَ كلُّ واحدٍ منهما (٣٠) أن يَفْتَحَ في دَارِه بَابًا آخَرَ، أو يَجْعَلَ دَارَه دَارَيْنِ، يَفْتَحُ لكلِّ واحِدَةٍ منهما بَابًا، جَازَ، إذا وَضَعَ البَابَيْنِ في مَوْضِعِ اسْتِطْرَاقِه. وإن كان ظَهْرُ دَارِ أحَدِهِما إلى شَارِعٍ نَافِذٍ، أو زُقَاقٍ نَافِذٍ، ففَتَحَ في حَائِطِه بَابًا إليه، جَازَ؛ لأنَّه

стр. 3278

يَرْتَفِقُ بما لم يَتَعَيَّنْ مِلْكُ أحَدٍ عليه. فإن قِيل: في هذا إضْرَارٌ بأَهْلِ الدَّرْبِ؛ لأنَّه بِجَعْلِه نَافِذًا يَسْتَطْرِقُ إليه من الشَّارِعِ. قُلْنا: لا يَصِيرُ الدَّرْبُ نَافِذًا، وإنَّما تَصِيرُ دَارُه نَافِذَةً، وليس لأحدٍ اسْتِطْرَاقُ دَارِه. فأمَّا إن كان بَابُه في الشَّارِعِ، وظَهْرُ دَارِه إلى الزُّقَاقِ الذي لا يَنْفُذُ، فأرَادَ أن يَفْتَحَ بَابًا إلى الزُّقَاقِ للاسْتِطْرَاقِ، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّه ليس له حَقٌّ في الدَّرْبِ الذي قد تَعَيَّنَ عليه مِلْكُ أَرْبَابِه. ويَحْتَمِلُ الجَوَازَ، كما ذَكَرْنا في الوَجْهِ الذي قد تَقَدَّمَ. وإن أرَادَ أن يَفْتَحَ فيه بَابًا لغير الاسْتِطْرَاقِ، أو يَجْعَلَ له بَابًا يَسْمُرُهُ، أو شُبَّاكًا، جَازَ؛ لأنَّه لمَّا كان له رَفْعُ الحائِطِ بِجُمْلَتِه، فبعضُه أَوْلَى. قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ عندى أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّ شَكْلَ البَابِ مع تَقَادُمِ العَهْدِ ربَّما اسْتُدِلَّ به على حَقِّ الاسْتِطْرَاقِ، فيَضُرُّ بأَهْلِ الدَّرْبِ، بِخِلَافِ رَفْعِ الحائِطِ؛ فإنَّه لا يَدُلُّ على شيءٍ. فصل: وإذا كان لِرَجُلٍ دَارَانِ مُتَلَاصِقَتَانِ ظَهْرُ كلِّ واحِدَةٍ منهما إلى ظَهْرِ الأُخْرَى، وبابُ كلِّ واحِدَةٍ منهما في زُقَاقٍ غيرِ نَافِذٍ، فرَفَعَ الحاجِزَ بينهما، وجَعَلَهُما دَارًا واحِدَةً، جَازَ. وإن فَتَحَ من كلِّ واحِدَةٍ منهما بَابًا إلى الأُخْرَى، ليتمَكَّنَ من التَّطَرُّقِ من كلِّ واحِدَةٍ منهما إلى كِلَا الدَّارَيْنِ، لم يَجُزْ. ذَكَرَهُ القاضي؛ لأن ذلك يُثْبِتُ الاسْتِطْرَاقَ في الدَّرْبِ الذي لا يَنْفُذُ من دَارٍ لم يكُنْ لها فيه طَرِيقٌ، ولأنَّ ذلك ربَّما أَدَّى إلى إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ في قَوْلِ من يُثْبِتُها بالطَّرِيقِ لكلِّ واحِدَةٍ من الدَّارَيْنِ في زُقَاقِ الأُخْرَى. ويَحْتَمِلُ جَوَازَ ذلك؛ لأنَّ له رَفْعَ الحاجِزِ جَمِيعِه، فبعضُه أَوْلَى، وهذا أشْبَهُ، وما ذَكَرْنَاهُ لِلْمَنْعِ مُنْتَقِضٌ بما إذا رَفَعَ الحائِطَ جَمِيعَه. وفى كلِّ مَوْضِعٍ قُلْنا: ليس له فِعْلُه. إذا صَالَحَهُ أهْلُ الدَّرْبِ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ، أو أَذِنُوا له بغيرِ عِوَضٍ، جَازَ. فصل: إذا تَنَازَعَ صَاحِبُ البَابَيْنِ في الدَّرْبِ، وتَدَاعَيَاهُ، ولم يكُنْ فيه بَابٌ لغيرِهما، ففيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ: أحدُها، أنَّه يُحْكَمُ بالدَّرْبِ من أَوَّلِه إلى البابِ الذي يَلِي أَوَّلَهُ بينهما؛ لأنَّ لهما الاسْتِطْرَاقَ فيه جميعًا، وما بعدَه إلى صَدْرِ الدَّرْبِ للآخَرِ؛ لأنَّ الاسْتِطْرَاقَ في

стр. 3279

ذلك له وحدَه، فله اليَدُ والتَّصَرُّفُ. والوَجْه الثانى (٣١)، أنَّ من أَوَّلِه إلى أَقْصَى حَائِط الأَوَّلِ بينهما؛ لأنَّ ما يُقَابِلُ ذلك لهما التَّصَرُّفُ فيه، بِنَاءً على أنَّ للأَوَّلِ أن يَفْتَحَ بَابَه فيما شَاءَ من حَائِطِه، وما بعدَ ذلك للثانى؛ لأنَّه ليس بِفِنَاءٍ للأَوَّلِ، ولا له فيه اسْتِطْرَاقٌ. والثالث، يكونُ بينهما؛ لأنَّ لهما جمِيعا يَدًا وتَصَرُّفًا. وهكذا الحُكْمُ فيما إذا كان لِرَجُلٍ عُلْوُ خَانٍ، ولآخَرَ سُفْلُه، ولِصَاحِبِ العُلْوِ دَرَجَةٌ في أثناءِ صَحْنِ الخَانِ، فاخْتَلَفَا في الصَّحْنِ، فما كان من الدَّرَجَةِ إلى بَابِ الخَانِ بينهما، وما وَرَاءَ ذلك إلى صَدْرِ الخَانِ على الوَجْهَيْنِ، أحدِهما هو لِصَاحِبِ السُّفْلِ. والثانى هو بينهما. فإن كانت الدَّرَجَةُ في صَدْرِ الصَّحْنِ، فالصَّحْنُ بينهما؛ لِوُجُودِ اليَدِ والتَّصَرُّفِ منهما جميعا. فعلى الوَجْهِ الذي يقول: إن صَدْرَ الدَّرْبِ مُخْتَصٌّ بِصَاحِبِ البابِ الصَّدْرَانِيِّ. له أن يَسْتَبْدِلَ (٣٢) بما يَخْتَصُّ به منه، بأن يَجْعَلَهُ دِهْلِيزًا لِنَفْسِه، أو يُدْخِلَه في دَارِه على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بِجَارِه، ولا يَضَعُ على حَائِطِه شَيْئًا؛ لأنَّ ذلك مِلْكٌ له يَنْفَرِدُ به. فصل: وليس لِلرَّجُلِ التَّصَرُّفُ في مِلْكِه تَصَرُّفًا يَضُرُّ بِجَارِه، نحو أن يَبْنِىَ فيه حَمَّامًا بين الدُّورِ، أو يَفْتَحَ خَبَّازًا بين العَطَّارِينَ، أو يَجْعَلَهُ دُكَّان قِصَارَةٍ يَهُزُّ الحِيطَانَ ويُخَرِّبُها، أو يَحْفِرَ بِئْرًا إلى جَانِبِ بِئْرِ جَارِه يَجْتَذِبُ مَاءَها. وبهذا قال بعضُ أصْحَابِ أبي حنيفةَ. وعن أحمدَ رِوَايَة أخْرَى: لا يُمْنَعُ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وبعضُ أصْحَابِ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في مِلْكِه المُخْتَصِّ به، ولم يَتَعَلَّقْ به حَقُّ غيرِه، فلم يُمْنَعْ منه، كما لو طَبَخَ في دَارِه أو خَبَزَ فيها، وسَلَّمُوا أنَّه يُمْنَعُ مِن (٣٣) الدَّقِّ الذي يَهْدِمُ الحِيطَانَ ويَنْثِرُهَا. ولَنا: قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ" (٣٤). ولأنَّ هذا إِضْرَارٌ بِجِيرَانِه، فمُنِعَ منه، كالدَّقِّ الذي يَهُزُّ الحِيطانَ ويَنْثِرُها، وكسَقْىِ الأَرْضِ الذي يَتَعَدَّى إلى هَدْمِ

стр. 3280

حِيطَانِ جَارِه، أو إِشْعَالِ نَارٍ تَتَعَدَّى إلى إحْرَاقِها. قالوا: هاهُنا تَعَدَّتِ النّارُ التي أضْرَمَها، والماءُ الذي أَرْسَلَه، فكان مُرْسِلًا لذلك في مِلْكِ غيرِه، فأشْبَه ما لو أرْسَلَه إليها قَصْدًا. قُلْنا: والدُّخَانُ هو أجْزَاءُ الحَرِيقِ الذي أَحْرَقَهُ، فكان مُرْسِلًا له في مِلْكِ جَارِه، فهو كأجْزَاءِ النارِ والماءِ. وأمَّا دُخَانُ الخُبْزِ والطَّبِيخِ، فإنَّ ضَرَرَهُ يَسِيرٌ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، وتَدْخُلُه المُسَامَحَةُ. فصل: وإن كان سَطْحُ أحَدِهِما أعْلَى من سَطْحِ الآخَرِ، فليس لِصَاحِبِ الأَعْلَى الصُّعُودُ على سَطْحِه على وَجْهٍ يُشْرِفُ على سَطْحِ جَارِه، إلَّا أن يَبْنِىَ سُتْرَةً تَسْترُهُ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَلْزَمُه عَمَلُ سُتْرَةٍ؛ لأنَّ هذا حَاجِزٌ بين مِلْكَيْهِما، فلا (٣٥) يُجْبَرُ أحَدُهما عليه، كالأَسْفَلِ. ولَنا، أنَّه إِضْرَارٌ بِجَارِه، فَمُنِعَ منه، كدَقٍّ يَهزُّ الحِيطَانَ، وذلك لأنَّه يَكْشِفُ جَارَهُ، ويَطَّلِعُ على حُرُمِهِ، فأشبهَ ما لو اطَّلَعَ عليه من صِيرِ بابِهِ أو خَصَاصِهِ (٣٦)، وقد دَلَّ على المَنْعِ من ذلك قولُ النبيِّ ﷺ : "لَوْ أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ إلَيْكَ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ" (٣٧). ويُفَارِقُ الأَسْفَلَ؛ فإنَّ تَصَرُّفَهُ لا يَضُرُّ بالأَعْلَى، ولا يَكْشِفُ دَارَهُ. فصل: إذا كانتْ بينهما عَرْصَةُ حَائِطٍ، فاتَّفَقَا على قَسْمِها طُولًا، جَازَ ذلك، سواءٌ اتَّفَقَا على قَسْمِهَا طُولًا أو عَرْضًا؛ لأنَّها مِلْكُهما، ولا تَخْرُجُ عنهما. وإن اخْتَلَفَا، فطَلَبَ أحَدُهُما قَسْمَها طُولًا (٣٨) وهو أن يُجْعَلَ له نِصْفُ الطُّولِ في جَمِيعِ العَرْضِ، ولِلْآخَرِ مثلُه، فقال أصْحابُنا: يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ على القِسْمَةِ. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ؛

стр. 3281

لأنَّ ذلك لا يَضُرُّ. فإذا اقْتَسَمَا اقْتَرَعَا، فكان لكلِّ واحدٍ منهما ما تَخْرُجُ به القُرْعَةُ، فإن كان مَبْنِيًّا فلا كلامَ، وإن كان غيرَ مَبْنِىٍّ، كان لكلِّ واحدٍ منهما أن يَبْنِىَ في نَصِيبِه، وإن أحَبَّ أن يُدْخِلَ بعضَ عَرْصَتِه في دَارِه فَعَلَ، وإن أحَبَّ أن يَزِيدَ في حَائِطِه من عَرْصَتِهِ فَعَلَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْبَرَ على القِسْمَةِ؛ لأنَّها تُوجِبُ اخْتِصَاصَ كلِّ واحدٍ منهما ببعضِ الحائِطِ المُقَابِلِ لِمِلْكِ شَرِيكِه، وزَوَالَ مِلْكِ شَرِيكِه، فيَتَضَرَّرُ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على حَائِطٍ يَسْتُرُ مِلْكَه، وربما اخْتَارَ أحَدُهُما أن لا يَبْنِىَ حَائِطَه، فيَبْقَى مِلْكُ (٣٩) كلِّ واحدٍ منهما مَكْشُوفًا، أو يَبْنِيه ويَمْنَعُ جَارَه من وَضْعِ خَشَبِه عليه، وهذا ضَرَرٌ لا يَرِدُ الشَّرْعُ بالإِجْبَارِ عليه. فإن قِيل: فإذا كان مُشْتَرَكًا تَمَكَّنَ أيضًا مِن مَنْعِ شَرِيكِه وَضْعَ خَشَبِه عليه. قُلْنا: إذا كان له عليه رَسْمُ وَضعِ خَشَبِه، أو انْتِفَاعٌ به، لم يَمْلِكْ مَنْعَهُ من رَسْمِه، وهاهُنا يَمْلِكُ مَنْعَهُ بالكُلِّيَّةِ. وأمَّا إن طَلَبَ قَسْمَها عَرْضًا، وهو أن يُجْعَلَ لكلِّ واحِدٍ منهما نِصْفُ العَرْضِ في كَمَالِ الطُّولِ، نَظَرْنَا، فإن كانت العَرْصَةُ لا تَتَّسِعُ لِحَائِطَيْنِ، لم يُجْبَر المُمْتَنِعُ من قَسْمِهَا (٤٠). واخْتَارَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّه يُجْبَرُ. وهو ظَاهِرُ كلامِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها عَرْصَةٌ، فأُجْبِرَ على قَسْمِهَا، كعَرْصَةِ الدَّارِ. ولَنا، أنَّ في قَسْمِهَا ضَرَرًا، فلم يُجْبَر المُمْتَنِعُ من قَسْمِها عليه، كالدَّارِ الصَّغِيرَةِ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بذلك. وإن كانت تَتَّسِعُ لِحَائِطَيْنِ، بحيثُ يَحْصُلُ لكلِّ واحدٍ منهما ما يَبْنِى فيه حَائِطًا، ففى إِجْبَارِ المُمْتَنِعِ وَجْهانِ: أحدُهما: يُجْبَرُ. قالَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في القَسْمِ (٤١)؛ لكَوْنِ كلِّ واحدٍ منهما يَحْصُلُ له ما يَنْدَفِعُ به حاجَتُه، فأشْبَهَ عَرْصَةَ الدَّارِ التي يَحْصُلُ لكلِّ واحدٍ منهما ما يَبْنِى فيه دَارًا. والثانى، لا يُجْبَرُ. ذَكَرَهُ القاضي؛ لأنَّ هذه القِسْمَةَ لا تَقَعُ فيها قُرْعَةٌ؛ لأنَّنا لو أقْرَعْنَا بينهما، لم نَأْمَنْ أن تَخْرُجَ قُرْعَةُ كلِّ واحِدٍ منهما على ما يلي مِلْكَ جَارِه، فلا يَنْتَفِعُ به، فلو أجْبَرْنَاهُ على القِسْمَةِ

стр. 3282

لأَجْبَرْنَاهُ على أخْذِ ما يَلِى دَارَه من غيرِ قُرْعَةٍ، وهذا لا نَظِيرَ له. ولأصْحَابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهَانِ، كهذَيْنِ. ومتى اقْتَسَمَا العَرْصَةَ طُولًا، فبَنَى كلُّ واحِدٍ منهما لِنَفْسِه حَائِطًا، وبَقِيَتْ بينهما فُرْجَةٌ، لم يُجْبَرْ أحَدُهما على سَدِّها، ولم يُمْنَعْ من سَدِّها؛ لأنَّ ذلك يَجْرِى مَجْرَى بِنَاءِ الحائِطِ في عَرْصَتِه. فصل: وإن كان بينهما حَائِطٌ، فاتَّفَقَا على قِسْمَتِه طُولًا، جَازَ، ويُعَلَّمُ بين نَصِيبِهما بِعَلَامَةٍ. وإن اتَّفَقَا على قِسْمَتِه عَرْضًا، فقال أصْحَابُنا: يجُوزُ (٤٢)؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما، فأَشْبَهَ العَرْصَةَ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَجوزَ القِسْمَةُ؛ لأنَّها لا تكونُ إلَّا بِتَمْيِيزِ نَصِيبِ أحَدِهما من الآخَرِ، بحيثُ يُمْكِنُه الانْتِفَاعُ بِنَصِيبِه دُونَ نَصِيبِ صَاحِبِه، وهاهُنا لا يَتَمَيَّزُ، ولا يُمْكِنُ انْتِفَاعُ أحَدِهِما بِنَصِيبِه مُنْفَرِدًا؛ لأنَّه إن وَضَعَ خَشَبَهُ على أحَدِ جَانِبَى الحائِطِ، كان ثِقْلُه على الحائِطِ كلِّه، وإن فَتَحَ فيه طَاقًا يُضْعِفُه، ضَعُفَ كُلُّه، وإن وَقَعَ بعضُه، تَضَرَّرَ النَّصِيبُ الآخَرُ. وإن طَلَبَ أحَدُهما قَسْمَهُ وأَبَى الآخَرُ، فذَكَرَ القاضي، أنَّ الحُكْمَ في الحائِطِ كالحُكْمِ في عَرْصَتِه، سواءٌ، ولا يُجْبَرُ على قَسْمِ الحائِطِ، إلَّا أن يَطْلُبَ أحَدُهُما قَسْمَه طُولًا. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْبَرَ على قَسْمِه أيضًا، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحَابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّهما إن قَطَعَاهُ بينهما، فقد أتْلَفَا جُزْءًا من الحائِطِ، ولا يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ من ذلك، كما لو كان بينهما ثَوْبٌ، فطَلَبَ أحَدُهما قَطْعَهُ. وإن لم يُقْطَعْ وعَلَّمَا عَلَامَةً على نِصْفِه، كان انْتِفَاعُ أحَدِهِما بِنَصِيبِه انْتِفَاعًا بِنَصِيبِ الآخَرِ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه يُجْبَرُ على قَسْمِ الدَّارِ وقَسْمِ حَائِطِها المُحِيط بها، وكذلك قَسْمِ البُسْتَانِ وحَائِطِه، ولا يُجْبَرُ على القَطْعِ المُضِرِّ، بل يُعَلِّمُه بِخَطٍّ بين نَصِيبِهِما، ولا يَلْزَمُ من ذلك انْتِفَاعُ أحَدِهِما بِنَصِيبِ الآخَرِ وإن اتَّصَل به، بِدَلِيلِ الحائِطِ المُتَّصِلِ في دَارَيْنِ. واللَّه أعْلَمُ.

стр. 3283

كتابُ الحَوالَةِ والضَّمانِ الحَوَالَةُ ثابِتَةٌ بالسُّنَّةِ، والإِجْمَاعِ. أما السُّنَّةُ، فما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَطْلُ الغَنِىِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أحَدُكُم عَلَى مَلِىءٍ فَلْيَتْبَعْ". مُتَّفَقٌ عليه (١). وفى لَفْظٍ: "مَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِىءٍ فَلْيَحْتَلْ" (٢). وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على جَوَازِ الحَوَالَةِ في الجُمْلَةِ، واشْتِقَاقها من تَحْوِيلِ الحَقِّ من ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ، وقد قيل: إنَّها بَيْعٌ، فإن المُحِيلَ يَشْتَرِى ما في ذِمَّتِه بمَالِه في ذِمَّةِ المُحَالِ عليه، وجَازَ تَأْخِيرُ القَبْضِ رُخْصَةً؛ لأنَّه مَوْضُوعٌ على الرِّفْقِ، فيَدْخُلُها خِيَارُ المَجْلِسِ لذلك. والصَّحِيح أنَّها عَقْدُ إرْفَاقٍ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِه، ليس بمَحْمُولٍ على غيرِه؛ لأنَّها لو كانت بَيْعًا لمَا جَازَتْ، لِكَوْنِها بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، ولما جَازَ التَّفَرُّقُ (٣) قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه بَيْعُ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِه. ولَجَازَتْ بِلَفْظِ البَيْعِ، ولَجَازَتْ بين جِنْسَيْنِ، كالبَيْعِ كله. ولأنَّ لَفْظَها يُشْعِرُ بالتَّحَوُّلِ لا بالبَيْعِ، فعلى هذا لا يَدْخُلُها خِيَارٌ، وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، وهذا أشْبَهُ بِكَلَامِ أحمَدَ وأُصُولِه. ولا بُدَّ فيها من مُحِيلٍ ومُحْتَالٍ ومُحَالٍ عليه. ويُشْتَرَطُ في صِحَّتِهَا رِضَى المُحِيلِ، بلا خِلَافٍ؛ فإنَّ الحَقَّ عليه، ولا يَتَعَيَّنُ عليه جِهَةُ قَضَائِه. وأمَّا المُحْتَالُ والمُحَالُ عليه، فلا يُعْتَبَرُ رِضَاهُما، على ما سَنَذْكُرُه إن شاء اللهُ تعالى. ٨٢٠ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّه عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُ ذلِكَ الْحَقِّ، فَرَضِىَ، فَقَدْ بَرِئَ المُحِيلُ أَبَدًا) ومن شَرْطِ صِحَّةِ الحَوَالَةِ شُرُوطٌ أرْبَعَةٌ: أحدُها، تَمَاثُلُ الحَقَّيْنِ؛ لأنَّها تَحْوِيلٌ

стр. 3284

لِلْحَقِّ ونَقْلٌ له، فَيُنْقَلُ على صِفَتِه، ويُعْتَبَرُ تَمَاثُلُهما في أُمُورٍ ثلاثةٍ: أحدُها، الجِنْسُ. فَيُحِيلُ مَن عليه ذَهَبٌ بِذَهَبٍ، ومن عليه فِضَّةٌ بِفِضَّةٍ. ولو أحَالَ من عليه ذَهَبٌ بِفِضَّةٍ، أو من عليه فِضَّةٌ بِذَهَبٍ، لم يَصِحَّ. الثانى، الصِّفَةُ. فلو أحَالَ مَن عليه صِحَاحٌ بمُكَسَّرَةٍ، أو من عليه مِصْرِيَّة بِأَمِيرِيَّةٍ، لم يَصِحَّ. الثالث، الحُلُولُ والتَّأْجِيلُ. ويُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ أجَلِ المُؤَجَّلَيْن، فإن كان أحَدُهُما حَالًّا والآخَرُ مُؤَجَّلًا، أو أُجِّل أحَدُهما إلى شَهْرٍ والآخَرُ إلى شَهْرَيْنِ، لم تَصِحَّ الحَوَالَةُ. ولو كان الحَقَّانِ حَالَّيْنِ، فشَرَطَ على المُحْتالِ أن يَقْبِضَ حَقَّهُ أو بَعْضَه بعدَ شَهْرٍ لم تَصِحَّ الحَوَالَةُ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتَأَجَّلُ، ولأنَّه شَرَطَ ما لو كان ثَابِتًا في نَفْسِ الأَمْرِ لم تَصِحَّ الحَوَالَةُ؛ فكذلك إذا شَرَطَهُ (١). وإذا اجْتَمَعَتْ هذه الأُمُورُ، وصَحَّت الحَوَالَةُ، وتَرَاضَيَا بأن يَدْفَعَ المُحَالُ عليه (٢) خَيْرًا من حَقِّه، أو رَضِىَ المُحْتَالُ بدون الصِّفَةِ، أو رَضِىَ مَن عليه المُؤَجَّلُ بِتَعْجِيلِه، أو رَضِىَ مَن له الحالُّ بإِنْظَارِه، جازَ؛ لأنَّ ذلك يجوزُ في القَرْضِ، ففى الحَوَالَةِ أَوْلَى. وإن مَاتَ المُحِيلُ، أو المُحَالُ، فالأَجَلُ بِحَالِه. وإن مَاتَ المُحَالُ عليه، ففى حُلُولِ الحَقِّ رِوَايَتَانِ، مَضَى ذِكْرُهما. الشَّرْطُ الثانى، أن تكونَ على دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ. ولا يُعْتَبَرُ أن يُحِيلَ بِدَيْنٍ [غيرِ] (٣) مُسْتَقِرٍّ، إلا أن السَّلَمَ لا تَصِحُّ الحَوَالَةُ به ولا عليه، لأن دَيْنَ السَّلَمِ ليس بمُسْتَقِرٍّ لكَوْنه بِعَرْضِ الفَسْخِ، لِانْقِطَاعِ المُسْلَمِ فيه. ولا تَصِحُّ الحَوَالَةُ به؛ لأنَّها لم تَصِحَّ إلَّا فيما يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، والسَّلَمُ لا يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَسْلَمَ في شيءٍ، فَلَا يَصْرِفْه إلَى غَيْرِهِ" (٤). ولا تَصِحُّ الحَوَالَةُ على المُكَاتَبِ بمالِ

стр. 3285

الكِتَابَةِ؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَقِرٍّ، فإنَّ له أن يَمْتَنِعَ من أدَائِه، ويَسْقُطُ بِعَجْزِه. وتَصِحُّ الحَوَالَةُ عليه بِدَيْنٍ غيرِ دَيْنِ الكِتَابَةِ؛ لأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الأحْرَارِ في المُدَايَناتِ. وإن أحَالَ المُكاتَبُ سَيِّدَهُ بِنَجْمٍ قد حَلَّ عليه، صَحَّ، وبَرِئَتْ ذِمَّةُ المُكَاتَبِ بالحَوَالَةِ، ويكونُ ذلك بِمَنْزِلَةِ القَبْضِ. وإن أحَالَتِ المَرأَةُ على زَوْجِهَا بِصَدَاقِها قبلَ الدُّخُولِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَقِرٍّ. وإن أحَالَها الزَّوْجُ به، صَحَّ؛ لأنَّ له تَسْلِيمَهُ إليها، وحَوَالَتُه به تَقُومُ مقَامَ تَسْلِيمِه. وإن أحَالَتْ به بعدَ الدُّخُولِ، صَحَّ؛ لأنَّه مُسْتَقِرٌّ. وإن أحَالَ البائِعُ بالثَّمَنِ على المُشْتَرِى في مُدَّةِ الخِيَارِ، لم يَصِحَّ، في قِيَاسِ ما ذَكَرْنَا. وإن أحَالَهُ المُشْتَرِى به، صَحَّ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الوَفَاءِ، وله الوَفَاءُ قبلَ الاسْتِقْرَارِ. وإن أحَالَ البائِعُ بالثَّمَنِ على المُشْتَرِى، ثم ظَهَرَ على عَيْبٍ، لم يَتَبَيَّنْ أنَّ الحَوَالَةَ كانت بَاطِلَةً؛ لأنَّ الثَّمَنَ كان ثَابِتًا مُسْتَقِرًّا، والبَيْع كان لَازِمًا، وإنَّما ثَبَتَ الجَوَازُ عند العِلْمِ بالعَيْبِ بالنِّسْبَةِ إلى المُشْتَرِى. ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ الحَوَالَةُ؛ لأنَّ سَبَبَ الجَوَازِ عَيْبُ المَبِيعِ، وقد كان مَوْجُودًا وَقْتَ الحَوَالَةِ. وكلُّ مَوْضِعٍ أحَالَ مَن عليه دَيْنٌ غيرُ مُسْتَقِرٍّ به، ثم سَقَطَ الدَّيْنُ، كالزَّوْجَةِ يَنْفَسِخُ نِكَاحُها بِسَبَبٍ من جِهَتِها، أو المُشْتَرِى يَفْسَخُ البَيْعَ ويَرُدُّ المَبِيعَ، فإن كان ذلك قبلَ القَبْضِ من المُحَالِ عليه، ففيه وَجْهَانِ: أحدُهما، تَبْطُلُ الحَوَالَةُ؛ لعدمِ الفائِدَةِ في بَقَائِها، ويَرْجِعُ المُحِيلُ بِدَيْنِه على المُحَالِ عليه. والثاني، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّ الحَقَّ انْتَقَلَ عن المُحِيلِ، فلم يَعُدْ إليه، وثَبَتَ لِلْمُحْتَالِ فلم يَزُلْ عنه، ولأنَّ الحَوَالَةَ بمَنْزِلَةِ القَبْضِ، فكأنَّ المُحِيلَ أَقْبَضَ المُحْتَالَ دَيْنَه، فيَرْجِعُ عليه به، ويَأْخُذُ المُحْتَالُ من المُحَالِ عليه. وسواءٌ تَعَذَّرَ القَبْضُ من المُحَالِ عليه أو لم يَتَعَذَّرْ. وإن كان بعدَ القَبْضِ، لم يَبْطُلْ، وَجْهًا واحِدًا، ويَرْجِعُ المُحِيلُ على المُحْتَالِ به. فصل: وإن أحالَ من لا دَيْنَ له عليه رَجُلًا على آخَرَ له عليه دَيْنٌ، فليس ذلك بحَوَالَةٍ، بل هي وَكَالَةٌ تَثْبُتُ فيها أحْكامُها؛ لأنَّ الحَوَالَةَ مَأْخُوذَةٌ من تَحَوُّلِ الحَقِّ وانْتِقَالِه، ولا حَقَّ هاهُنا يَنْتَقِلُ ويَتَحَوَّلُ، وإنَّما جَازَتِ الوَكَالَةُ بِلَفْظِ الحَوَالَةِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا في المَعْنَى؛ وهو اسْتِحْقَاقُ الوَكِيلِ مُطَالَبَةَ مَن عليه الدَّيْنُ، كاسْتِحْقَاقِ

стр. 3286

المُحْتَالِ مُطَالَبَةَ المُحَالِ عليه، وتَحَوُّلُ ذلك إلى الوَكِيلِ كَتَحَوُّلِه إلى المُحِيلِ. وإن أحَالَ مَن عليه دَيْنٌ على مَن لا دَيْنَ عليه، فليست حَوَالَةً أيضًا. نَصَّ عليه أحمدُ. فلا يَلْزَمُ المُحَالَ عليه الأَدَاءُ، ولا المُحْتَالَ قَبُولُ ذلك؛ لأنَّ الحَوَالَةَ مُعَاوَضَةٌ، ولا مُعَاوَضَةَ هاهُنا، وإنَّما هو اقْتِرَاضٌ. فإن قَبَضَ المُحْتَالُ منه الدَّيْنَ، رَجَعَ على المُحِيلِ؛ لأنَّه قَرْضٌ. وإن أَبْرَأَهُ ولم يَقْبِضْ منه شيئا، لم تَصِحَّ البَرَاءَةُ؛ لأنَّها بَرَاءَةٌ لمن لا دَيْنَ عليه. وإن قَبَضَ منه الدَّيْنَ، ثم وَهَبَهُ إيَّاهُ، رَجَعَ المُحَالُ عليه على المُحِيلِ به؛ لأنَّه قد غَرِمَ عنه، وإنَّما عَادَ إليه المالُ بِعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَرْجِعَ عليه، لكَوْنِه ما غَرمَ عنه شيئا. وإن أحَالَ مَن لا دَيْنَ عليه (٥) [على مَن لا دَيْنَ عليه] (٦) فهى وَكَالَةٌ في اقْتِرَاضٍ. ولَيْسَتْ حَوَالَةً؛ لأنَّ الحَوَالَةَ إنَّما تكونُ بِدَيْنٍ على دَيْنٍ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما. فصل: الشَّرْطُ الثالثُ، أن تَكُونَ بِمَالٍ مَعْلُومٍ؛ لأنها إن كانت بَيْعًا فلا تَصِحُّ في مَجْهُولٍ، وإن كانت تَحَوُّلَ الحَقِّ فيُعْتَبَرُ فيها التَّسْلِيمُ، والجَهَالَةُ تَمْنَعُ منه، فتَصِحُّ بكلِّ ما يَثْبُتُ مثلُه في الذِّمَّةِ بالإِتْلَافِ من الأثْمَانِ والحُبُوبِ والأَدْهَانِ، ولا تَصِحُّ (٧) فيما لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، ومن شَرْطِ الحَوَالَةِ تَسَاوِى الدَّيْنَيْنِ، فأمَّا ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا غيرَ المِثْلِيَّاتِ، كالمَذْرُوعِ والمَعْدُودِ، ففى صِحَّةِ الحَوَالَةِ به وَجْهانِ: أحدُهما: لا تَصِحُّ؛ لأنَّ المِثْلَ فيه لا يَتَحَرَّرُ، ولهذا لا يَضْمَنُه بمِثْلِه في الإِتْلَافِ، وهذا ظَاهِرُ مذهب الشَّافِعِىِّ. والثاني: تَصِحُّ. ذَكَرَهُ القاضي؛ لأنَّه حَقٌّ ثَابِتٌ في الذِّمَّةِ، فأَشْبَهَ مَالَهُ مِثْلٌ. ويَحْتَمِلُ أن يُخَرَّجَ هذانِ الوَجْهانِ على الخِلَافِ فيما يَقْتَضِى به قَرْضَ هذه الأمْوالِ، فإن كان عليه إِبِلٌ من الدِّيَةِ وله على آخَرَ مِثْلُها في السِّنِّ، فقال القاضِى: تَصِحُّ؛ لأنَّها تَخْتَصُّ بأقَلِّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ في السِّنِّ والقِيمَةِ وسَائِرِ

стр. 3287

الصِّفَاتِ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا تَصِحُّ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّها مَجْهُولَةٌ، ولأنَّ الإِبِلَ ليست من المِثْلِيَّاتِ التي تُضْمَنُ بِمِثْلِهَا في الإِتْلَافِ، ولا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا في رِوَايَةٍ. وإن كان عليه إِبِلٌ من دِيَةٍ، وله على آخَرَ مِثْلُها قَرْضًا، فأحَالَه عليه، فإن قُلْنا: يَرُدُّ في القَرْضِ قِيمَتَها. لم تَصِحَّ الحَوَالَةُ؛ لِاخْتِلَافِ الجِنْسِ. وإن قُلْنا: يَرُدُّ مِثْلَها. اقْتَضَى قولُ القَاضِى صِحَّةَ الحَوَالَةِ؛ لأنَّه أمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الحَقِّ على صِفَتِه من المُحَالِ عليه، ولأن الخِيرَةَ في التَّسْلِيمِ إلى مَن عليه الدَّيْنُ، وقد رَضِىَ بِتَسْلِيمِ ماله في ذِمَّةِ المُقْتَرِضِ. وإن كانت بالعَكْسِ، فاحْتالَ المُقْرِضُ (٨) بإِبِلِ الدِّيَةِ، لم تَصِحَّ؛ لأنَّنا إن قُلْنا: تَجِبُ القِيمَةُ في القَرْضِ. فقد اخْتَلَفَ الجِنْسُ. وإن قُلْنا: يَجِبُ المِثْلُ. فَلِلْمُقْرِضِ مثلُ ما أقْرَضَ في صِفَاتِه وقِيمَتِه، والذي عليه الدِّيَةُ لا يَلْزَمُهُ ذلك. فصل: الشَّرْطُ الرابعُ، أن يُحِيلَ بِرِضَائِه؛ لأنَّ الحَقَّ عليه، فلا يَلْزَمُه أدَاؤُه من جِهَةِ الدَّيْنِ الذي على المُحَالِ عليه، ولا خِلَافَ في هذا. فإذا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُ الحَوَالَةِ وصَحَّتْ (٩)، بَرِئَتْ ذِمَّةُ المُحِيلِ، في قولِ عَامَّةِ الفُقَهَاءِ، إلَّا ما يُرْوَى عن الحسنِ، أنَّه كان لا يَرَى الحَوَالَةَ بَرَاءَةً إلَّا أن يُبْرِئَهُ. وعن زُفَرَ أنَّه قال: لا تَنْقُلُ الحَقَّ. وأَجْرَاهَا مَجْرَى الضَّمَانِ، وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ الحَوَالَةَ مُشْتَقَّةٌ من تَحْوِيلِ الحَقِّ، بِخِلَافِ الضَّمَانِ، فإنَّه مُشْتَقٌّ من ضَمِّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ. فعُلِّقَ على كلِّ واحدٍ مُقْتَضَاهُ، وما دَلَّ عليه لَفْظُهُ. إذا ثَبَتَ أن الحَقَّ انْتَقَلَ، فمتى رَضِىَ بها المُحْتَالُ، ولم يَشْتَرِطِ اليَسَارَ، لم يَعُدِ الحَقُّ إلى المُحِيلِ أبَدًا، سواءٌ أمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الحَقِّ، أو تَعَذَّرَ لِمَطْلٍ أو فَلَسٍ أو مَوْتٍ أو غيرِ ذلك. هذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، وبه قال اللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحْمَدَ ما يَدُلُّ على أنَّه إذا كان المُحَالُ عليه مُفْلِسًا، ولم يَعْلَم المُحْتَالُ بذلك، فله الرُّجُوعُ، إلَّا أن يَرْضَى بعدَ

стр. 3288

العِلمِ. وبه قال جَمَاعَةٌ من أصْحابِنا، ونحوُه قولُ مَالِكٍ؛ لأنَّ الفَلَسَ عَيْبٌ في المُحَالِ عليه، فكان له الرُّجُوعُ، [كما لو اشْتَرَى سِلْعَةً فوَجَدَها مَعِيبَةً، ولأنَّ المُحِيلَ غَرَّهُ، فكان له الرُّجُوعُ] (١٠) , كما لو دَلَّسَ المَبِيعَ. وقال شُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ: متى أفْلَسَ أو ماتَ، رَجَعَ على صَاحِبِه، وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ عليه في حَالَيْنِ؛ إذا مَاتَ المُحَالُ عليه مُفْلِسًا، وإذا جَحَدَهُ وحَلَفَ عليه [عند الحاكِمِ، وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: يَرْجِعُ عليه في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، وإذا حُجِرَ عليه] (١١) لِفَلَسٍ؛ لأنَّه رُوِىَ عن عثمانَ، أنَّه سُئِلَ عن رَجُلٍ أُحِيلَ بِحَقِّه، فماتَ المُحالُ عليه مُفْلِسًا فقال: يَرْجِعُ بِحَقِّه، لا تَوًى (١٢) على مالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ لم يُسَلَّم العِوَضُ فيه لأحَدِ (١٣) المُتَعاوِضَيْنِ، فكان له الفَسْخُ، كما لو اعْتَاضَ بِثَوْبٍ فلم يُسَلَّمْ إليه. ولَنا، أنَّ حَزْنًا جَدَّ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، كان له على علىٍّ رَضِىَ اللهُ عنه دَيْنٌ، فأحَالَهُ به، فماتَ المُحالُ عليه، فأخْبَرَهُ، فقال: اخْتَرْتَ علينا، أَبْعَدَكَ اللهُ. فأبْعَدَهُ بمُجَرَّدِ احْتِيَالِه، ولم يُخْبِرْهُ أنَّ له الرُّجُوعَ. ولأنَّها بَراءَةٌ من دَيْنٍ ليس فيها قَبْضٌ ممَّن عليه، ولا ممَّن يَدْفَعُ عنه (١٤)، فلم يكُنْ فيها رُجُوعٌ, كما لو أَبْرَأَهُ من الدَّيْنِ، وحَدِيثُ عُثمانَ لم يَصِحَّ، يَرْوِيهِ خَالِدُ بن جَعْفَرٍ عن مُعَاوِيَةَ بن قُرَّةَ عن عثمانَ، ولم يَصِحَّ سَمَاعُه منه، وقد رُوِىَ أنَّه قال: في حَوَالَةٍ أو كَفَالَةٍ. وهذا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ، ولا يَصِحُّ، ولو صَحَّ كان قولُ علىٍّ مُخالِفًا له. وقولُهم: إنَّه مُعَاوَضَةٌ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى بَيْعِ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، وهو مَنْهِىٌّ عنه، ويُفَارِقُ المُعَاوَضَةَ بالثَّوْبِ؛ لأنَّ فى ذلك قَبْضًا يَقِفُ اسْتِقْرَارُ العَقْدِ عليه، وهاهُنا الحَوَالَةُ بمَنْزِلَةِ القَبْضِ، وإلَّا كان بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.

стр. 3289

فصل: فإن شَرَطَ مَلَاءَةَ المُحَالِ عليه، فبَانَ مُعْسِرًا، رَجَعَ على المُحِيلِ. وبه قال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ. وقال بعضُهم: لا يَرْجِعُ؛ لأنَّ الحَوَالَةَ لا تُرَدُّ بالإِعْسَارِ إذا لم يَشْتَرِط المَلاءَةَ، فلا تُرَدُّ به، وإن شَرَطَ، كما لو اشْتَرَطَ كونه مُسْلِمًا، ويُفَارِقُ البَيْعَ؛ فإنَّ الفَسْخَ يَثْبُتُ بالإِعْسَارِ فيه من غيرِ شَرْطٍ، بِخِلَافِ الحَوَالَةِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِمْ" (١٥). ولأنَّه شَرَطَ ما فيه مَصْلَحَةُ العَقْدِ في عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فيَثْبُتُ الفَسْخُ بِفَوَاتِه (١٦)، كما لو اشْتَرَطَ صِفَةً في المَبِيعِ، وقد يَثْبُتُ بالشَّرْطِ ما لا يَثْبُتُ بإِطْلَاقِ العَقْدِ، بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ صِفَةٍ في المَبِيعِ. فصل: ولو لم يَرْضَ المُحْتَالُ بالحَوَالَةِ، ثم بان المُحَالُ عليه مُفْلِسًا، أو مَيِّتًا، رَجَعَ على المُحِيلِ، بلا خِلَافٍ؛ فإنَّه لا يَلْزَمُه الاحْتِيَالُ على غير مَلِىءٍ، لما عليه فيه من الضَّرَرِ، وإنَّما أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبُولِ الحَوَالَةِ إذا أُحِيلَ على مَلِىءٍ، ولو أحَالَهُ على مَلِىءٍ فلم يَقْبَلْ حتى أعْسَرَ، فله الرُّجُوعُ أيضًا، على ظَاهِرِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ؛ لكَوْنِه اشْتَرَطَ في بَرَاءَةِ المُحِيلِ إِبْدَاءَ رِضَى المُحْتَالِ. ٨٢١ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِىءٍ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَحْتَالَ) المَلِىءُ: هو القَادِرُ على الوَفَاءِ. جاء في الحَدِيثِ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، [أنَّه قال] (١): "إنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: مَنْ يُقْرِض المَلِىءَ غَيْرَ الْمُعْدِمِ" (٢). وقال الشَّاعِرُ (٣): تُطِيلِينَ لَيَّانِى وأَنْتِ مَلِيئَةٌ ... وأُحْسِنُ يا ذَاتَ الوِشَاحِ التَّقَاضِيَا يعني قَادِرَةٌ على وَفَائِى. والظَّاهِرُ أنَّ الخِرَقِىَّ أرَادَ بالمَلِىءِ هاهُنا القَادِرَ على الوَفَاءِ غيرَ الجَاحِدِ ولا المُمَاطِلِ. قال أحمدُ في تَفْسِيرِ المَلِىءِ، كأنَّ المَلِىءَ عنده، أن يكون مَلِيًّا

стр. 3290

بمَالِه وقَوْلِه وبَدَنِه ونحو هذا. فإذا أُحِيلَ على مَن هذه صِفَتُه لَزِمَ المُحْتَالَ والمُحالَ عليه القَبُولُ، ولم يُعْتَبَرْ رِضَاهُما. وقال أبو حنيفةَ: يُعْتَبَرُ رِضَاهُما؛ لأنَّها مُعَاوَضَةٌ، فيُعْتَبَرُ الرِّضَا من المُتَعَاقِدَيْنِ. وقال مَالِكٌ والشَّافِعِىُّ: يُعْتَبَرُ رِضَى المُحْتَالِ؛ لأنَّ حَقَّه فى ذِمَّةِ المُحِيلِ، فلا يجوزُ نَقْلُه إلى غيرِها بغيرِ رِضَاهُ، كما لا يجوزُ أن يُجْبِرَهُ على أن يَأْخُذَ بالدَّيْنِ عَرْضًا. فأمَّا المُحَالُ عليه، فقال مَالِكٌ: لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ، إلَّا أن يكونَ المُحْتَالُ عَدُوَّهُ. وللشَّافِعِىِّ في اعْتِبَارِ رِضَائِه قَوْلَانِ؛ أحَدُهما: يُعْتَبَرُ. وهو يُحْكَى عن الزُّهْرِىِّ؛ لأنَّه أحَدُ من تَتِمُّ به الحَوَالَةُ، فأشْبَهَ المُحِيلَ. والثانى: لا يُعْتَبَرُ؛ لأنَّه أقَامَه فى القَبْضِ مقَامَ نَفْسِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى رِضَى مَن عليه الحَقُّ، كالتَّوْكِيلِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا أُتْبِعَ أحَدُكُم عَلَى مَلِىءٍ فَلْيَتْبَعْ" (٤). ولأنَّ لِلْمُحِيلِ أن يُوَفِّىَ الحَقَّ الذي عليه بِنَفْسِه وبِوَكِيلِه، وقد أقَامَ المُحالَ عليه مقَامَ نَفْسِه في التَّقْبِيضِ فلَزِمَ المُحَالَ القَبُولُ، كما لو وَكَّلَ رَجُلًا فى إِبْقائِه، وفَارَقَ ما إذا أرَادَ أن يُعْطِيَه عمَّا في ذِمَّتِه عَرْضًا؛ لأنَّه يُعْطِيه غيرَ ما وَجَبَ له، فلم يَلْزَمْهُ قَبُولُه. فصل: إذا أحَالَ رَجُلًا على زَيْدٍ بأَلْفٍ، فأحَالَهُ زيدٌ بها على عَمرٍو، فالحَوَالَةُ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ حَقَّ الثانِى ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ في الذِّمَّةِ، فصَحَّ أن يُحِيلَ به، كالأَوَّلِ. وهكذا لو أحَالَ الرَّجُلُ عَمْرًا على زيدٍ بما ثَبَتَ (٥) له في ذِمَّتِه، صَحَّ أيضًا؛ لما ذَكَرْنَا. وتَكَرُّرُ المُحْتَالِ والمُحِيلِ لا يَضُرُّ. فصل: إذا اشْتَرَى عَبْدًا، فأحالَ المُشْتَرِى البَائِعَ بالثَّمَنِ (٦)، ثم ظَهَرَ العَبْدُ حُرًّا أو مُسْتَحَقًّا، فالبَيْعُ باطِلٌ، والحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه لا ثَمَنَ على المُشْتَرِى، وإنما تَثْبُتُ حُرِّيَّتُه بِبَيِّنةٍ أو اتِّفَاقِهِم، فإن اتَّفَقَ المُحِيلُ والمُحَالُ عليه على حُرِّيَّتِه، وكَذَّبَهُما

стр. 3291

المُحْتَالُ، ولا بَيِّنَةَ بذلك، لم يُقْبَلْ قَوْلُهُما عليه؛ لأنَّهما يُبْطِلَانِ حَقَّهُ، أشْبَه (٧) ما لو بَاعَ المُشْتَرِى العَبْدَ، ثم اعْتَرَفَ هو وبَائِعُه أنَّه كان حُرًّا، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما على المُشْتَرِى الثانى، وإن أقَامَا بَيِّنَةً، لم تُسْمَعْ؛ لأنَّهما كَذَّبَاهَا بدُخُولِهما في التَّبَايُعِ. وإن أقَامَ العَبْدُ بَيِّنَةً بحُرِّيَّتِه، قُبِلَتْ، وبَطَلَتِ الحَوَالَةُ. وإن صَدَّقَهما المُحْتَالُ، وَادَّعَى أنَّ الحَوَالَةَ بغيرِ ثَمَنِ العَبْدِ، فالقَوْلُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأَصْلَ صِحَّةُ الحَوَالَةِ، وهما يَدَّعِيَانِ بُطْلانَها، فكانت جَنْبَتُه أَقْوَى. فإن أقَامَا البَيِّنَةَ أنَّ الحَوَالَةَ كانت بالثَّمَنِ، قُبِلَتْ؛ لأنَّهما لم يُكَذِّباها. وإن اتَّفَقَ المُحِيلُ والمُحْتَالُ على حُرِّيَّةِ العَبْدِ، وكَذَّبَهُما المُحَالُ عليه، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما عليه في حُرِّيَّةِ العَبْدِ؛ لأنَّه إقْرَارٌ على غيرِهما، وتَبْطُلُ الحَوَالَةُ؛ لِاتِّفَاقِ المَرْجُوعِ عليه بالدَّيْنِ والرَّاجِعِ به على اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ، والمُحَالُ عليه يَعْتَرِفُ لِلْمُحْتَالِ بِدَيْنٍ لا يُصَدِّقُه فيه، فلا يَأْخُذُ منه شيئا. وإن اعْتَرَفَ المُحْتَالُ (٨) والمُحَالُ عليه بِحُرِّيَّةِ العَبْدِ عَتَقَ؛ لإِقْرَارِ مَن هو في يَدِه بحُرِّيَّتِه، وبَطَلَتِ الحَوَالَةُ بالنِّسْبَةِ إليهما، ولم يكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ على المُحِيلِ؛ لأنَّ دُخُولَه معه في الحَوَالَةِ اعْتِرَافٌ بِبَرَاءَتِه، فلم يكُنْ له الرُّجُوعُ عليه. فصل: وإن اشْتَرَى عَبْدًا، فأحَالَ المُشْتَرِى البَائِعَ بالثَّمنِ على آخَرَ، فقَبَضَهُ من المُحَالِ عليه، ثم رَدَّ المُشْتَرِى العَبْدَ بِعَيْبٍ، أو مُقَايَلَةٍ، أو اخْتِلَافٍ في ثَمَنٍ، فقد بَرِئَ المُحَالُ عليه؛ لأنَّه قَبَضَ منه بإِذْنِه، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى على البَائِعِ. وإن رَدَّهُ قبلَ القَبْضِ، فقال القاضي: تَبْطُلُ الحَوَالَةُ، ويَعُودُ المُشْتَرِى إلى ذِمَّةِ المُحَالِ عليه، ويَبْرَأُ البَائِعُ، فلا يَبْقَى له دَيْنٌ ولا عليه؛ لأنَّ الحَوَالَةَ بالثَّمنِ، وقد سَقَطَ بالفَسْخِ، فيَجِبُ أن تَبْطُلَ الحَوَالَةُ لِذَهَابِ حَقِّه من المالِ المُحَالِ به. وقال أبو الخَطَّابِ: لا تَبْطُلُ الحَوَالَةُ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ عَوَّضَ البَائِعَ عمَّا في ذِمَّتِه مالَه في ذِمَّةِ المُحَالِ عليه، ونَقَلَ حَقَّهُ إليه نَقْلًا صَحِيحًا، وبَرِئَ من الثَّمَنِ، وَبرِئَ المُحَالُ عليه من دَيْنِ المُشْتَرِى، فلم

стр. 3292

يَبْطُلْ ذلك بِفَسْخِ العَقْدِ الأَوَّلِ، كما لو أَعْطَاهُ بالثَّمَنِ ثَوْبًا وسَلَّمَهُ إليه، ثم فَسَخَ العَقْدَ، لم يَرْجِعْ بالثَّوْبِ، كذا هاهُنا. فإن قُلْنا [ببُطْلانِ الحَوَالةِ، رجع المُحِيلُ على المُحالِ عليه بدَيْنِه، ولم يَبْقَ بينهما وبينَ البائعِ مُعامَلةٌ. وإن قُلْنا] (٩): لا تَبْطُلُ. رَجَعَ المُشْتَرِى على البائِعِ بالثَّمَنِ، ويأْخُذُه البَائِعُ من المُحَالِ عليه. فإن عادَ البَائِعُ فأَحالَ المُشْتَرِىَ (١٠) بالثَّمَنِ على مَن أحَالَهُ المُشْتَرِى عليه، صَحَّ وبَرِئَ البائِعُ، وعادَ المُشْتَرِى إلى غَرِيمِه بالثَّمَنِ (١١) وإن كانت المَسْأَلَةُ بحَالِها، لكنْ أحَالَ البائِعُ أجْنَبِيًّا على المُشْتَرِى، ثم رَدَّ العَبْدَ المَبِيعَ، ففى الحَوَالَةِ وَجْهَانِ: أحدُهما، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّ ذِمَّةَ المُشْتَرِى بَرِئَتْ بالحَوَالَةِ من حَقِّ البائِعِ، وصارَ الحَقُّ عليه لِلْأَجْنَبِىِّ المُحْتَالِ، فأشْبَهَ ما لو دَفَعَهُ المُشْتَرِى إلى المُحِيلِ، فعلى هذا يَرْجِعُ المُشْتَرِى على البائِعِ بالثَّمَنِ، ويُسَلِّمُ إلى المُحْتَالِ ما أحَالَهُ به. والثانى، تَبْطُلُ الحَوَالَةُ إن كان الرَّدُّ قبلَ القَبْضِ، لِسُقُوطِ الثَّمَنِ الذي كانت الحَوَالَةُ به، ولأنَّه لا فَائِدَةَ في بَقَاءِ الحَوَالَةِ هاهنا، فيَعُودُ البائِعُ بِدَيْنِه، ويَبْرَأُ المُشْتَرِى منهما، كالمَسألةِ قبلَها، وإذا قُلْنا: لا تَبْطُلُ. فأحَالَ المُشْتَرِى المُحَالَ عليه بالثَّمنِ على البائِعِ، صَحَّ، وبَرِئَ المُشْتَرِى منهما. فصل: إذا كان لِرَجُلٍ على آخَرَ دَيْنٌ، فأَذِنَ لآخَرَ في قَبْضِه، ثم اخْتَلَفَ هو والمَأْذُونُ له، فقال: وَكَّلْتُكَ في قَبْضِ دَيْنِي بِلَفْظِ التَّوْكِيلِ. فقال: بل أَحَلْتَنِى بِلَفْظِ الحَوَالَةِ. أو كانت بالعَكْسِ، فقال: أحَلْتُكَ بِدَيْنِكَ. فقال: بل وَكَّلْتَنِى. فالقولُ قولُ مُدَّعِى الوَكَالَةِ منهما مع يَمِينِه؛ لأنَّه يَدَّعِى بَقَاءَ الحَقِّ على ما كان، ويُنْكِرُ انْتِقَالَهُ، والأَصْلُ معه، فإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ حُكِمَ بها؛ لأنَّ اخْتِلَافَهما في اللَّفْظِ، وهو ممَّا يُمْكِنُ إقَامَةُ البَيِّنَةِ عليه. وإن اتَّفَقَا على أنَّه قال: أَحَلْتُكَ بالمالِ الذي لي قِبَلَ زيدٍ. ثم اخْتَلَفَا، فقال المُحِيلُ: إنَّما وَكَّلْتُكَ في القَبْضِ لي. وقال الآخَرُ: بل أَحَلْتَنِى بِدَيْنِى عليك. فالقولُ قولُ مُدَّعِى الحَوَالَةِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ معه، فإنَّ

стр. 3293

اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ في الحَوَالَةِ دون الوَكَالَةِ، فيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ على ظَاهِرِه، كما لو اخْتَلَفَا في دَارٍ في يَدِ أحَدِهِما. والثانى، القولُ قولُ المُحِيلِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقَاءُ حَقِّ المُحِيلِ على المُحَالِ (١٢) عليه، والمُحْتَالُ يَدَّعِى نَقْلَه، والمُحِيلُ يُنْكِرُه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. فعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ، يَحْلِفُ المُحْتَالُ، ويَثْبُتُ حَقُّه في ذِمَّةِ المُحَالِ عليه، ويَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ، ويَسْقُطُ عن (١٣) المُحِيلِ. وعلى الوَجْهِ الثانى، يَحْلِفُ المُحِيلُ، ويَبْقَى حَقُّه في ذِمَّةِ المُحَالِ عليه. وعلى كلا الوَجْهَيْنِ: إن كان المُحْتَالُ قد قَبَضَ الحَقَّ من المُحَالِ عليه، وتَلِفَ في يَدِه، فقد بَرِئَ كلُّ واحدٍ منهما من صَاحِبِه، ولا ضَمَانَ عليه، سواءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطِه أو غيرِه؛ لأنَّه إن تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ، وكان المُحْتَالُ مُحِقًّا، فقد أتْلَفَ مَالَهُ، وإن كان مُبْطِلًا، ثَبَتَ لكلِّ واحدٍ منهما في ذِمَّةِ الآخَرِ مثلُ ما في ذِمَّتِه له، فيَتَقَاصَّانِ، ويَسْقُطَانِ. وإن تَلِفَ بغير تَفْرِيطٍ، فالمُحالُ (١٤) قد قَبَضَ حَقَّهُ، وتَلِفَ في يَدِه، وبَرِئَ منه المُحِيلُ بالحَوَالَةِ، والمُحَالُ عليه بِتَسْلِيمِه (١٥)، والمُحِيلُ يقول: قد تَلِفَ المالُ في يَدِ وَكِيلِى بغيرِ تَفْرِيطٍ. فلا ضَمانَ عليه. وإن لم يَتْلَفْ، احْتَمَلَ أن لا يَمْلِكَ المُحِيلُ طَلَبَهُ؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ أنَّ له عليه من الدَّيْنِ مثلَ مَالَهُ في يَدِه، وهو مُسْتَحِقٌّ لِقَبْضِه، فلا فَائِدَةَ في أن يَقْبِضَه منه ثم يُسَلِّمه إليه. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ أخْذَهُ منه، [ويَمْلِكَ المُحْتَالُ مُطَالَبَتَهُ بِدَيْنِه. وقيل: يَمْلِكُ المُحِيلُ أخذَهُ منه] (١٦)، ولا يَمْلِكُ المُحْتَالُ المُطَالَبَةَ بِدَيْنِه؛ لِاعْتِرَافِه بِبَرَاءَةِ المُحِيلِ منه بالحَوالةِ (١٧). وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ المُحْتَالَ إن اعْتَرَفَ بذلك، فهو يَدَّعِى أنَّه قَبَضَ هذا المالَ منه بغيرِ حَقٍّ، وأنَّه يَسْتَحِقُّ المُطَالَبَةَ به، فعلى كلا الحالَيْنِ، هو مُسْتَحِقٌّ لِلْمُطَالَبَةِ بمثلِ هذا المالِ المَقْبُوضِ منه، في قولِهما جميعا، فلا

стр. 3294

وَجْهَ لإِسْقَاطِه، ولا مَوْضِعَ لِلْبَيِّنَةِ في هذه المَسْأَلَةِ؛ لأنَّهما لا يَخْتَلِفَانِ في لَفْظٍ يُسْمَعُ، ولا فِعْلٍ يُرَى، وإنَّما يَدَّعِى المُحِيلُ بَيِّنَةً، وهذا لا تَشْهَدُ به البَيِّنَةُ نَفْيًا ولا إِثْبَاتًا. فصل: وإنْ كانت المَسْأَلَةُ بالعَكْسِ، فقال: أَحَلْتُكَ بِدَيْنِكَ. فقال: بل وَكَّلْتَنِى. ففيها الوَجْهانِ أيضًا؛ لما قَدَّمْنَاهُ. فإن قُلْنا: القولُ قولُ المُحِيلِ. فحَلَفَ، بَرِئَ من حَقِّ المُحْتَالِ، ولِلْمُحْتَالِ قَبْضُ المالِ من المُحَالِ عليه لِنَفْسِه؛ لأنَّه يجوزُ له ذلك بقولِهما معا، فإذا قَبَضَه كان له بِحَقِّه. وإن قُلْنا: القولُ قولُ المُحْتَالِ. فحَلَفَ كان له مُطَالَبَةُ المُحِيلِ بِحَقِّه، ومُطَالَبَةُ المُحْتَالِ عليه؛ لأنَّه إمَّا وَكِيلٌ وإما مُحْتَالٌ. فإن قَبَضَ منه قبلَ أخْذِه من المُحِيلِ، فله أخْذُ ما قَبَضَ لِنَفْسِه؛ لأنَّ المُحِيلَ يقول: هو لك. والمُحْتَالُ يقول: هو أمَانَةٌ في يَدِى، ولى مِثْلُه على صَاحِبِه، وقد أَذِنَ لي (١٨) في أخْذِه ضِمْنًا. فإذا أخَذَهُ لِنَفْسِه حَصَلَ غَرَضُه، ولم يَأْخُذْ من المُحِيلِ شَيْئًا. وإن اسْتَوْفَى من المُحِيلِ، رَجَعَ على المُحَالِ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه قد تَثْبُتُ الوَكَالَةُ بِيَمِينِ المُحْتَالِ، وبَقِىَ الحَقُّ في ذِمَّةِ المُحَالِ عليه لِلْمُحِيلِ. والثاني، لا يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه يَعْتَرِفُ أنَّه قد بَرِئَ من حَقِّه، وإنما المُحْتَالُ ظَلَمَهُ بأَخْذِ ما كان عليه. قال القاضي: والأَوَّلُ أصَحُّ. وإن كان قد قَبَضَ الحَوَالَةَ، فتَلِفَتْ في يَدِه بِتَفْرِيطٍ، أو أتْلَفَهَا، سَقَطَ حَقُّه على الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه إن كان مُحِقًّا فقد أتْلَفَ حَقَّهُ، وإن كان مُبْطِلًا فقد أتْلَفَ مثلَ دَيْنِه، فيَثْبُتُ في ذِمَّتِه ويَتَقَاصَّانِ. وإن تَلِفَتْ بغير تَفْرِيطِه، فعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ، يَسْقُطُ حَقُّه أيضًا؛ لأنَّ مَالَهُ تَلِفَ تَحْتَ يَدِه. وعلى الثاني، له أن يَرْجِعَ على المُحِيلِ بِحَقِّه، وليس لِلْمُحِيلِ الرُّجُوعُ على المُحَالِ عليه؛ لأنَّه يَعْتَرِفُ بِبَرَاءَتِه. فصل: وإن اتَّفَقَا على أنَّ المُحِيلَ قال: أَحَلْتُكَ بدَيْنِكَ. ثم اخْتَلَفَا، فقال أحَدُهما: هي حَوَالَةٌ بِلَفْظِها. وقال الآخَرُ: هي وَكَالَةٌ بِلَفْظِ الحَوَالَةِ. فالقولُ قولُ مُدَّعِى الحَوَالَةِ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الحَوَالَةَ بدَيْنِه لا تَحْتَمِلُ الوَكَالَة، فلم يُقْبَلْ قولُ

стр. 3295

مُدَّعِيها. وسواء اعْتَرَفَ المُحِيلُ بِدَيْنِ المُحْتَالِ، أو قال: لا دَيْنَ لك عَلَىَّ. لأنَّ قوله: أحَلْتُكَ بِدَيْنِكَ. اعْتِرَافٌ بِدَيْنِه، فلا يُقْبَلُ جَحْدُهُ له بعدَ ذلك. فأمَّا إنْ لم يَقُلْ بِذيْنِكَ، بل قال: أحَلْتُكَ. ثم قال: ليس لك عَلَىَّ دَيْنٌ، وإنما عَنَيْتُ التَّوْكِيلَ بلَفْظِ الحَوَالَةِ. أو قال: أَرَدْتُ أن أقولَ، وَكَّلْتُكَ، فسَبَقَ لِسَانِى فقلتُ: أحَلْتُكَ. وادَّعَى المُحْتَالُ أنَّها حَوَالَةٌ بِدَيْنِه، وأنَّ دَيْنَهُ كان ثَابِتًا على المُحِيلِ، فهل ذلك اعْتِرَافٌ بالدَّيْنِ أو لا؟ فيه وَجْهَانِ، سَبَقَ تَوْجِيهُهما. فصل: وإذا كان لِرَجُلٍ دَيْنٌ على آخَرَ، فطَالَبَهُ به، فقال: قد أَحَلْتَ به عَلَىَّ فُلَانًا الغائِبَ. وأنْكَرَ صَاحِبُ الدَّيْنِ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه. وإن كانَ لمن عليه الدَّيْنُ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ، سُمِعَتْ بَيِّنَتُه، لإِسْقَاطِ حَقِّ المُحِيلِ عليه. وإن ادَّعَى رَجُلٌ أنَّ فُلَانًا الغَائِبَ أحَالَنِى عليك، فأَنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فالقولُ قولُه. فإن أقَامَ المُدَّعِى بَيِّنَةً، ثَبَتَتْ في حَقِّه وحَقِّ الغائِبِ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ يُقْضَى بها (١٩) على الغائِبِ، ولَزِمَ الدَّفْعُ إلى المُحْتَالِ. وإن لم يكُنْ له بَيِّنَةٌ، فأَنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فهل تَلْزَمُه اليَمِينُ؟ فيه وَجْهانِ، بنَاءً على ما لو اعْتَرَفَ له هل يَلْزَمُه الدَّفْعُ؟ [على وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ] (٢٠) إليه؛ لأنَّه مُقِرٌّ بِدَيْنِه عليه، ووُجُوبِ دَفْعِه إليه، فلَزِمَهُ الدَّفْعُ إليه، كما لو كانت بَيِّنَةً. والثانى، لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ من إنْكَارِ المُحِيلِ ورُجُوعِه عليه، فكان له الاحْتِيَاطُ لِنَفْسِه، كما لو ادَّعَى عليه أنِّى وَكِيلُ فُلَانٍ في قَبْضِ دَيْنِه منك، فصَدَّقَهُ، وقال: لا أدْفَعُه (٢١) إليك. فإذا قُلْنا: يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ مع الإِقْرَارِ. لَزِمَتْهُ (٢٢) اليَمِينُ مع الإِنْكَارِ. فَإذا حَلَفَ، بَرِئَ، ولم يكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ على المُحِيلِ؛ لِاعْتِرَافِه بِبَرَاءَتِه. وكذلك إن قُلْنا: لا تَلْزَمُه اليَمِينُ. فليس لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ على المُحِيلِ، ثم يُنْظَرُ في المُحِيلِ، فإن صَدَّقَ
следующие страницы →