وعن قَتَادَةَ، عن الحَسَنِ، أنَّ عَلِيًّا قال: إذا خَالفَ المُضَارِبُ فلا ضَمانَ، هما على ما شَرَطَا. وعن ابن مَسْعُودٍ، وحَكِيمِ بن حِزَامٍ، أنَّهما قَارَضَا. ولا مُخَالِفَ لهم (٥٣) في الصَّحابةِ. فحَصَلَ إجْماعًا. ولأنَّ بالناسِ حاجَةً إلى المُضَارَبةِ، فإن الدَّرَاهِمَ والدَّنَانِيرَ (٥٤) لا تُنَمَّى إلَّا بالتَّقَلُّبِ (٥٥) والتِّجارَةِ، وليس كلُّ مَن يَمْلِكُها يُحْسِنُ التِّجارَةَ، ولا (٥٦) كلُّ مَن يُحْسِنُ التِّجارَةَ (٥٧) له رَأْسُ مالٍ، فاحْتِيجَ إليها من الجانِبَيْنِ، فشَرَعَها اللَّه تعالى لِدَفْعِ الحاجَتَيْنِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّها تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ المُضارَبَةِ والقِرَاضِ؛ لأنَّهما لَفْظانِ مَوْضُوعانِ لها (٥٨) أو بما يُؤَّدِّى مَعْناها (٥٩)؛ لأنَّ المَقْصُودَ المَعْنى، فجَازَ بما دَلَّ عليه، كلَفْظِ التَّمْلِيكِ في البَيْعِ.
فصل: وحُكْمُها حُكْمُ شَرِكَةِ العِنَانِ، في أن كلَّ ما جَازَ للشَّرِيكِ عَمَلُه جَازَ لِلْمُضَارِبِ عَمَلُه (٦٠)، وما مُنِعَ منه الشِّرِيكُ مُنِعَ منه المُضَارِبُ، وما اخْتُلِفَ فيه ثَمَّ، فههُنا مِثْلُه، وما جَازَ أن يكون رَأْسَ مالِ الشَّرِكةِ، جَازَ أن يكونَ رَأْسَ مالِ المُضاربةِ. وما لا يجوزُ ثَمَّ لا يجوزُ ههُنا، على ما فَصَّلْناهُ.
فصل: القِسْمُ الرابع، أن يَشْتَرِكَ مَالَانِ وبَدَنُ صَاحِبِ أحَدِهما. فهذا يَجْمَعُ شَرِكَةً ومُضَارَبةً، وهو صَحِيحٌ. فلو كان بين رَجُلَيْنِ ثلاثةُ آلافِ دِرْهمٍ، لأحَدِهِمَا ألْفٌ، وللآخَرِ ألْفَانِ، فأَذِنَ صَاحِبُ الأَلْفَيْنِ لِصَاحِبِ الأَلْفِ أن (٦١) يَتَصَرَّفَ فيها على أنْ يكونَ
стр. 3362
الرِّبْحُ بينهما نِصْفَيْنِ، صَحَّ، ويكونُ لصَاحِبِ الأَلْفِ ثُلُثُ الرِّبْحِ بِحَقِّ مَالِه، والباقِى وهو ثُلُثَا الرِّبْحِ بينهما، لِصَاحِبِ الأَلْفَيْنِ ثلاثةُ أرْباعِه، ولِلعَامِلِ رُبْعُه، وذلك لأنَّه جَعَلَ له نِصْفَ الرِّبْحِ، فجَعَلْناهُ سِتَّةَ أسْهُمٍ، منها ثَلَاثةً لِلْعامِلِ، حِصَّةُ مَالِه سَهْمَانِ، وسَهْمٌ يَسْتَحِقُّه بعَمَلِه في مالِ شَرِيكِه، وحِصّةُ مالِ شَرِيكِه أرْبَعَةُ أسْهُمٍ، للعَامِلِ سَهمٌ وهو الرُّبْعُ. فإن قِيل: فكيف تجوزُ المُضَارَبةُ ورَأْسُ المالِ مُشَاعٌ؟ قُلْنا: إنَّما تَمْنَعُ الإِشَاعَةُ الجَوازَ إذا كانت مع غيرِ (٦٢) العامِلِ؛ لأنَّها تَمْنَعُه من التَّصَرُّفِ، بِخِلَافِ ما إذا كانت مع العامِلِ، فإنَّها لا تَمْنَعُه من التَّصَرُّفِ، فلا تَمْنَعُ من صِحَّةِ المُضَارَبةِ. فإن شَرَطَ للعامِلِ ثُلُثُ الرِّبْحِ فقط، فمالُ (٦٣) صاحبِه بِضَاعَةٌ في يَدِه، ولَيْسَتْ بِمُضَارَبةٍ؛ لأنَّ المُضَارَبةَ إنَّما تَحْصُلُ إذا كان الرِّبْحُ بينهما. فأمَّا إذا قال: رِبْحُ مَالِكَ لَكَ، وربحُ مَالِى لي. فقَبِلَ الآخَرُ، كان إِبْضاعًا لا غيرُ. وبهذا كلِّه قال الشَّافِعِىُّ، وقال مالِكٌ: لا يجوزُ أن يَضُمَّ إلى القِرَاضِ شَرِكَةً، كما لا يجُوزُ أن يَضُمَّ إليه عَقْدَ إجَارَةٍ. ولَنا، أنَّهما لم يَجْعَلَا أحَدَ العَقْدَيْنِ شَرْطًا للآخَرِ، فلم نَمْنَعْ من جَمْعِهِما، كما لو كان المالُ مُتَمَيِّزًا.
فصل: إذا دَفَعَ إليه أَلْفًا مُضَارَبةً، وقال: أَضِفْ إليه أَلْفًا من عِنْدِك، واتَّجِرْ بهما (٦٤)، والرِّبْحُ بيْنَنا، لك ثُلُثَاهُ، ولِى ثُلُثُه. جَاز؛ وكان شَرِكَةً وقِرَاضًا. وقال أصحابُ الشَّافِعِىِّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ إذا وَقَعَتْ على المالِ كان الرِّبْحُ تابِعًا له، دون العَمَلِ. ولَنا، أنَّهما تَساوَيَا في المالِ، وانْفَرَدَ أحَدُهُما بالعَمَلِ، فجازَ (٦٥) أن يَنْفَرِدَ بزِيَادَةِ الرِّبْحِ، كما لو لم يكُنْ له مال. وقولُهم: إن الرِّبْحَ تابِعٌ للمالِ وَحْدَه. مَمْنُوعٌ، بل هو تابِعٌ لهما، كما أنَّه حَاصِلٌ بهما. فإن شَرَطَ غيرُ العامِلِ لِنَفْسِه ثُلُثَىِ الرِّبْحِ، لم يَجُزْ. وقال القاضي: يجوزُ، بِنَاءً على جَوَازِ تَفَاضُلِهما في شَرِكَةِ العِنَانِ. ولَنا، أنَّه اشْتَرَطَ لِنَفْسِه
стр. 3363
جُزْءًا من الرِّبْحِ لا مُقَابِلَ له، فلم (٦٦) يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ رِبْحَ مالِ العامِلِ المُنْفَرِدِ، وفَارَقَ شَرِكَةَ العِنَان؛ لأنَّ فيها عَمَلًا منهما، فجازَ أن يَتَفَاضَلَا في الرِّبْحِ لِتَفَاضُلِهِما في العَمَلِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وإن جَعَلَا الرِّبْحَ بينهما نِصْفَيْنِ، ولم يَقُولَا مُضَارَبةً، جَازَ، وكان إِبْضاعًا كما تَقدَّمَ. وإن قالا: مُضَارَبَةً. فَسَدَ العَقْدُ؛ لما سَنَذكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: القِسْمُ الخامسُ، أن يَشْتَرِكَ بَدَنَانِ بمالِ أحَدِهِما. وهو أن يكونَ المالُ من أحَدِهما والعَمَلُ منهما، مثل أن يُخْرِجَ أحَدُهما ألْفًا، ويَعْمَلانِ فيه مَعًا، والرِّبْحُ بينهما. فهذا جائِزٌ. ونَصَّ عليه أحْمَدُ، في رِوَايةِ أبى الحارِثِ. وتكونُ مُضَارَبةً؛ لأنَّ غيرَ صاحِبِ المالِ يَسْتَحِقُّ المَشْرُوطَ له من الرِّبْحِ بعَمَلِه في مالِ غيرِه، وهذا هو حَقِيقَةُ المُضَارَبةِ. وقال أبو عبدِ اللَّه ابن حامِدٍ، والقاضِى، وأبو الخَطَّابِ: إذا (٦٧) شَرَطَ أن يَعْمَلَ معه رَبُّ المالِ، لم يَصِحَّ. وهذا مذهبُ مالِكٍ، والأَوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. قال: ولا تَصِحُّ المُضَارَبةُ حتى يُسَلِّمَ المالَ إلى العامِلِ، ويُخَلِّىَ بَيْنَه وبَيْنَه؛ لأنَّ المُضَارَبةَ تَقْتَضِى تَسْلِيمَ المالِ إلى المُضَارِبِ، فإذا شَرَطَ عليه العَمَلَ فلم يُسَلِّمْه لأنَّ يَدَهُ عليه، فيُخالِفُ مَوضُوعَها. وتَأَوَّلَ القاضِى كَلَامَ أحمدَ والخِرَقِىِّ، على أنَّ رَبَّ المالِ عَمِلَ من غير اشْتِرَاطٍ. ولَنا، أنَّ العَمَلَ أحَدُ رُكْنَىِ المُضَارَبةِ، فجازَ أن يَنْفَرِدَ به أحَدُهما مع وُجُودِ الأَمْرَيْنِ من الآخَرِ، كالمالِ. وقولُهم: إنَّ المُضَارَبةَ تَقْتَضِى تَسْلِيمَ المالِ إلى العامِلِ (٦٨). مَمْنُوعٌ، إنما تَقْتَضِى إطْلَاقَ التَّصَرُّفِ في مالِ غيرِه بجُزْءٍ مُشَاعٍ من رِبْحِه، وهذا حاصِلٌ مع اشْتِرَاكِهِما في العَمَلِ، ولهذا لو دَفَعَ مالَه إلى اثْنَيْنِ مُضَارَبةً صَحَّ، ولم يَحْصُلْ تَسْلِيمُ المالِ إلى أحَدِهما.
فصل: وإن شَرَطَ أن يَعْمَلَ معه غُلَامُ رَبِّ المالِ، صَحَّ. وهذا ظَاهِرُ كَلَامِ
стр. 3364
الشَّافِعِىِّ، وقولُ أكْثَر أصحابِه (٦٩). ومَنَعَهُ بعضُهم. وهو قولُ القاضي؛ لأنَّ يَدَ الغُلَامِ كيَدِ سَيِّدِه. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، الجَوَازُ؛ لأنَّ عَمَلَ الغُلَامِ مالٌ لِسَيِّدِه، فصَحَّ ضَمُّه إليه، كما يَصِحُّ أن يَضُمَّ إليه بَهِيمَةً يَحْمِلُ (٧٠) عليها.
فصل: وأمَّا شَرِكَةُ المُفاوَضَةِ فنَوْعانِ؛ أحَدُهما، أن يَشْتَرِكَا في جَمِيعِ أنْواعِ الشَّرِكَةِ، مثل أن يَجْمَعَا بين شَرِكَةِ العِنَانِ والوُجُوهِ والأَبْدَانِ، فيَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ كلَّ نَوْعٍ منها يَصِحُّ على انْفِرَادِه، فَصَحَّ مع غيرِه. والثاني، أن يُدْخِلَا بينهما في الشَّرِكَةِ الاشْتِرَاكَ فيما يَحْصُلُ لكلِّ واحدٍ منهما من مِيرَاثٍ، أو يَجِدُه من رِكَازٍ أو لُقَطَةٍ، ويَلْزَمُ كلَّ واحدٍ منهما ما يَلْزَمُ الآخَرَ من أرْشِ جِنَايةٍ، وضَمَانِ غَصْبٍ، وقِيمَةِ مُتْلَفٍ، وغَرَامةِ الضَّمَانِ، أو كَفَالَةٍ، فهذا فاسِدٌ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وأجَازَهُ الثَّوْرِىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، وأبو حنيفةَ. وحُكِىَ ذلك عن مالِكٍ. وشَرَطَ أبو حَنيفَةَ لها شُرُوطًا، وهى أن يكونا حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ، وأن يكونَ مالُهما في الشَّرِكَةِ سَوَاءً، وأن يُخْرِجَا جَمِيعَ ما يَمْلِكانِه من جِنْسِ الشَّرِكَةِ، وهو الدَّرَاهِمُ والدَّنَانِيرُ. واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا تَفَاوَضْتُمْ فأَحْسِنُوا المُفَاوَضَةَ" (٧١). ولأنَّها نَوْعُ شَرِكَةٍ يَخْتَصُّ باسْمٍ، فكان فيها صَحِيحٌ كشَرِكَةِ العِنَانِ. ولَنا: أنه عَقْدٌ لا يَصِحُّ بين الكافِرَيْنِ، ولا بين كافِرٍ ومُسْلِمٍ، فلم يَصِحَّ بين المُسلِمَيْنِ، كسَائِرِ العُقُودِ الفاسِدَةِ، ولأنَّه عَقْدٌ لم يَرِد الشَّرْعُ بمِثْلِه، فلم يَصِحَّ، كما ذَكَرْنا، ولأنَّ فيه غَرَرًا، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِ الغَرَرِ، وبَيَانُ غَرَرِه أنَّه يَلْزَمُ كلَّ واحِدٍ ما لَزِمَ الآخَرَ، وقد يَلْزَمُه شيءٌ لا يَقْدِرُ على القِيَامِ به، وقد أدْخَلَا فيه الأكْسَابَ النادِرَةَ، والخَبَرُ لا نَعْرِفُه، ولا رَوَاهُ أصْحَابُ السُّنَنِ، ثم ليس فيه ما يَدُلُّ على أنَّه أرادَ هذا العَقْدَ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ المُفَاوَضَةَ في الحَدِيثِ ولهذا رُوِىَ فيه: "ولا تَجَادَلُوا، فَإنَّ المُجَادَلَةَ مِنَ الشَّيْطانِ". وأما القِيَاسُ: فلا يَصِحُّ. فإن اخْتِصَاصَها باسْمٍ لا يَقتَضِى
стр. 3365
الصِّحَّةَ، كبَيْعِ المُنَابَذَةِ والمُلَامَسَةِ وسَائِرِ البُيُوعِ الفاسِدَةِ، وشَرِكَةُ العِنَانِ تَصِحُّ من الكَافِرَينِ والكافِر والمُسْلِمِ، بِخِلَافِ هذا.
٨٢٩ - مسألة؛ قال: (والرِّبْحُ عَلَى مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ)
يعني في جَمِيعِ (١) أقْسامِ الشَّرِكَةِ. ولا خِلَافَ في ذلك في المُضارَبةِ المَحْضَةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ للعامِلِ أن يَشْتَرِطَ على رَبِّ المالِ ثُلُثَ الرِّبْحِ، أو نِصْفَه، أو ما يُجْمِعَانِ عليه، بعدَ أن يكونَ ذلك مَعْلُومًا جُزْءًا من أجْزَاء. ولأنَّ اسْتِحْقاقَ المُضَارِبِ الرِّبْحَ بعَمَلِه، فجازَ ما يَتَّفِقانِ عليه من قَلِيلٍ وكَثِيرٍ، كالأُجْرَةِ في الإِجارَةِ، وكالجُزْءِ من الثَّمَرةِ في المُسَاقاةِ والمُزَارَعةِ. وأمَّا شَرِكَةُ العِنَانِ، وهو أن يَشْتَرِكَ بَدَنانِ بمالَيْهِما، فيجوزُ أن يَجْعَلَا الرِّبْحَ على قَدْرِ المالَيْنِ، ويجوزُ أن يَتَساوَيَا مع تَفَاضُلِهِمَا في المالِ، وأن يَتَفَاضَلَا فيه مع تَسَاوِيهِما في المالِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال مالِكٌ والشَّافِعِىُّ: من شَرْطِ صِحَّتِها كَوْنُ الرِّبْحِ والخُسْرَانِ على قَدْرِ المالَيْنِ؛ لأنَّ الرِّبْحَ في هذه الشَّرِكَةِ تَبَعٌ للمالِ، بدَلِيلِ أنَّه يَصِحُّ عَقْدُ الشَّرِكَةِ، وإطْلاقُ الرِّبْحِ، فلا يجوزُ تَغْيِيرُه بالشَّرْطِ، كالوَضِيعَةِ. ولَنا، أنَّ العَمَلَ ممَّا يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ، فجازَ أن يَتَفاضَلَا في الرِّبْحِ مع وُجُودِ العَمَلِ منهما، كالمُضَارِبَيْنِ لرَجُلٍ واحدٍ، وذلك لأنَّ أحَدَهما قد يكونُ أبْصَرَ بالتِّجارَةِ من الآخَرِ، وأقْوَى على العَمَلِ، فجازَ له أن يَشْتَرِطَ زِيَادَةً في الرِّبْحِ في مُقَابَلَةِ عَمَلِه، كما يُشْتَرَطُ الرِّبْحُ في مُقَابَلَةِ عَمَلِ المُضَارِبِ. يُحقِّقُه أنَّ هذه الشَّرِكَةَ مَعْقُودةٌ على المالِ والعَمَلِ جَمِيعًا، ولكلِّ واحدٍ منهما حِصَّةٌ من الرِّبْحِ إذا كان مُفْرَدًا (٢)، فكذلك إذا اجْتَمَعًا، وأمَّا حالَةُ الإِطْلاقِ، فإنَّه لمَّا لم يَكُنْ (٣) بينهما شَرْطٌ يُقْسمُ الرِّبْحُ عليه، ويَتَقَدَّرُ به، قَدَّرْناهُ بالمالِ، لِعَدَمِ الشَّرْطِ، فإذا وُجِدَ الشَّرْطُ، [فهو الأَصْلُ] (٤)، فيَصِيرُ إليه، كالمُضَارَبةِ يُصَارُ إلى الشَّرْطِ، فإذا عُدِمَ، وقالا (٥): الرِّبْحُ
стр. 3366
بَيْنَنا. كان بينهما نِصْفَيْنِ، وفارَقَ الوَضِيعَةَ؛ فإنَّها لا تَتَعَلَّقُ إلَّا بالمالِ، بدَلِيلِ المُضَارَبةِ. وأمَّا شَرِكَةُ الأَبْدانِ، فهى مَعْقُودَةٌ على العَمَلِ المُجَرَّدِ، وهما يتَفاضَلانِ فيه مَرةً، ويَتَساوَيانِ (٦) أُخْرَى، فجازَ ما اتَّفَقَا عليه من مُسَاواةٍ أو تَفَاضُلٍ، كما ذَكَرْنا في شَرِكَةِ العِنَانِ، بل هذه أَوْلَى؛ لِانْعِقَادِها على العَمَلِ المُجَرَّدِ. وأمَّا شَرِكَةُ الوُجُوهِ، فكلامُ الخِرَقِىِّ بعُمُومِه يَقْتَضِى جَوازَ ما يَتَّفِقَانِ عليه من مُسَاواةٍ أو تَفَاضُلٍ. وهو قِياسُ المذهبِ؛ لأنَّ سائِرَ الشَّرِكاتِ الرِّبْحُ فيها على ما يَتَّفِقَانِ عليه، فكذلك هذه، ولأنَّها تَنْعَقِدُ على العَمَلِ وغيرِه، فجازَ ما اتَّفَقَا عليه، كشَرِكَةِ العِنَانِ. وقال القاضي: الرِّبْحُ بينهما على قَدْرِ مِلكَيْهِما في المُشْتَرَى؛ لأنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بالضَّمَانِ، إذ الشَّرِكَةُ وَقَعَتْ عليه خاصَّةً، إذ لا مالَ عِنْدَهُما، فيَشْتَرِكانِ على العَمَلِ، والضَّمَانُ لا تَفَاضُلَ فيه، فلا يجوزُ التَّفَاضُلُ في الرِّبْحِ. ولَنا، أنَّها شَرِكَةٌ فيها عَمَلٌ، فجازَ ما اتَّفَقَا عليه في الرِّبْحِ، كسائِر الشَّرِكاتِ. وقولُ القاضي: لا مالَ لهما يَعْمَلانِ فيه. قُلْنا: إنَّما يَشْتَرِكانِ لِيَعْمَلَا في المُسْتَقْبَلِ فيما يأْخُذَانِه (٧) بجَاهِهما، كما أنَّ سائِرَ الشَّرِكاتِ إنَّما يكونُ العَمَلُ فيها فيما يَأْتِى، فكذا ههُنا. وأما المُضَارَبةُ التي فيها شَرِكَةٌ، وهى أن يَشْتَرِكَ مالَانِ وبَدَنُ صاحِبِ أحَدِهما، مثل أن يُخْرِجَ كلُّ واحدٍ منهما ألْفًا، ويَأْذَنَ أحَدُهما للآخَرِ (٨) في التِّجارَةِ بهما، فمهما شَرَطَا للعامِلِ من الرِّبْحِ إذا زادَ على النِّصْفِ، جَازَ؛ لأنَّه مُضَارِبٌ لصَاحِبِه في ألْفٍ (٩)، ولعامِلِ المُضَارَبةِ ما اتَّفَقَا عليه بغيرِ خِلَافٍ. وإن شَرَطا له دون نِصْفِ الرِّبْحِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بمالٍ وعَمَلٍ (١٠)، وهذا الجُزْء الزَّائِد على النِّصْفِ المَشْرُوطِ لغير العامِلِ لا مُقَابِلَ له، فبَطَلَ شَرْطُه. وإن جَعَلَا الرِّبْحَ بينهما نِصْفَيْنِ،
стр. 3367
فليس هذا شَرِكَةً، ولا مُضَارَبةً؛ لأنَّ شَرِكَةَ العِنَانِ تَقْتَضِى (١١) أن يَشْتَرِكَا في المالِ والعَمَلِ، والمُضَارَبَةُ تَقْتَضِى أن لِلْعَامِلِ نَصِيبًا من الرِّبْحِ في مُقَابَلَةِ عَمَلِه، ولم يَجْعَلَا (١٢) له ههُنا في مُقَابَلَةِ عَمَلِه شيئا. وإنَّما جَعَلَا الرِّبْحَ على قَدْرِ المالَيْنِ، وعَمَلُهُ في نَصِيبِ صاحِبِه تَبَرُّعٌ، فيكونُ ذلك إِبْضَاعًا، وهو جائِزٌ إن لم يكُنْ ذلك عِوَضًا عن قَرْضٍ، فإن كان العامِلُ اقْتَرَضَ الأَلْفَ أو بَعْضَها من صاحِبِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّه جَعَلَ عَمَلَهُ في مالِ صاحِبِه عِوَضًا عن قَرْضِه، وذلك غيرُ جائِزٍ. وأمَّا إذا اشْتَرَكَ بَدَنانِ بمالِ أحَدِهما، مثل أن يُخْرِجَ أحَدُهما أَلْفًا ويَعْمَلانِ جَمِيعًا فيه، فإنَّ لِلْعَامِلِ الذي لا مالَ له من الرِّبْحِ ما اتَّفَقَا عليه؛ لأنَّه مُضَارِبٌ مَحْضٌ، فأشْبَهَ ما لو لم يَعْمَلْ معه رَبُّ المالِ، فحَصَلَ ممَّا ذَكَرْنا أنَّ الرِّبْحَ بينهما على ما اصْطَلَحا عليه في جَمِيعِ أنْواعِ الشَّرِكَةِ، سواءٌ ما ذَكَرْنا في المُضَارَبةِ التي فيها شَرِكَةٌ على ما شَرَحْنا.
فصل: ومن شَرْطِ صِحَّةِ المُضَارَبَةِ تَقْدِيرُ نَصِيبِ العامِلِ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّه بالشَّرْطِ، فلم يُقَدَّرْ إلَّا به. ولو قال: خُذْ هذا المالَ مُضَارَبةً. ولم يُسَمِّ للعامِلِ شيئا من الرِّبْحِ، فالرِّبْحُ كلُّه لِرَبِّ المالِ، والوَضِيعَةُ عليه، ولِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحَابِ الرَّأُىِ. وقال الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ، والأَوْزَاعِىُّ: الرِّبْحُ بينهما نِصْفَيْنِ (١٣)، لأنَّه لو قال: والرِّبْحُ بَيْنَنا. لَكان بينهما نِصْفَيْنِ، فكذلك إذا لم يَذْكُرْ شيئا. ولَنا، أنَّ المُضَارِبَ إنَّما يَسْتَحِقُّ بالشَّرْطِ، ولم يُوجَدْ. وقولُه: مُضَارَبةً. اقْتَضَى أنَّ له جُزْءًا من الرِّبْحِ مَجْهُولًا، فلم تَصِحَّ المُضَارَبةُ (١٤)، كما لو قال: ولك جُزْءٌ من الرِّبْحِ. فأمَّا إذا قال: والرِّبْحُ بَيْنَنا. فإنَّ المُضَارَبةَ تَصِحُّ، ويكونُ بينهما نِصْفَيْنِ؛ لأنَّه أضَافَهُ إليهما إضَافَةً واحِدَةً، لم يَتَرَجَّحْ
стр. 3368
فيها أحَدُهما على الآخَرِ، فاقْتَضَى التَّسْوِيَةَ، كما لو قال: هذه الدَّارُ بَيْنِى وبَيْنَكَ. وإن قَدَّرَ نَصِيبَ العامِلِ، فقال: ولك ثُلُثُ الرِّبْحِ، أو رُبْعُه، أو جُزْءٌ مَعْلُومٌ، أىّ جُزْءٍ كان. فالباقِى لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بمالِه، لكَوْنِه نَمَاءَهُ وفَرْعَهُ، والعامِلُ يَأْخُذُ بالشَّرْطِ، فما شُرِطَ له (١٥) اسْتَحَقَّهُ، وما بَقِىَ فلِرَبِّ المالِ بِحُكْمِ الأَصْلِ. وإن قَدَّرَ نَصِيبَ رَبِّ (١٦) المالِ، مثل أن يقولَ: ولِى ثُلُثُ الرِّبْحِ. ولم يَذْكُرْ نَصِيبَ العامِلِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَصِحُ؛ لأنَّ العامِلَ إنَّما يَسْتَحِقُّ بالشَّرْطِ، ولم يُشْتَرَطْ له شَيءٌ، فتكونُ المُضَارَبَةُ فاسِدَةً. والثانى، يَصِحُّ، ويكون الباقِى لِلْعَامِلِ. وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ الرِّبْحَ لهما لا يَسْتَحِقُّه غيرُهما، فإذا قُدِّرَ نَصِيبُ أحَدِهما منه فالباقِى للآخَرِ من مَفْهُومِ اللَّفْظِ، كما عُلِمَ ذلك من قَوْلِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (١٧). ولم يَذْكُرْ نَصِيبَ الأَبِ، فعُلِمَ أنَّ الباقِىَ له. ولأنَّه لو قال: أَوْصَيْتُ بهذه المائةِ لِزَيْدٍ وعَمْرٍو. ونَصِيبُ زَيْدٍ منها ثَلَاثُون، كان الباقِى لِعَمْرٍو. كذا ههُنا. وإن قال: لي النَّصْفُ ولك الثُّلُثُ. وسَكَتَ عن السُّدُسِ، صَحَّ. وكان لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّه لو سَكَتَ عن جَمِيعِ الباقِى بعد جُزْءِ العامِلِ كان لِرَبِّ المالِ؛ فكذلك إذا ذَكَرَ بعضَه وتَرَكَ بعضَه. وإن قال: خُذْهُ مُضَارَبةً على الثُّلُثِ أو النِّصْفِ. أو قال: بالثُّلُثِ أو الرُّبْعِ. صَحَّ، وكان تَقْدِيرُ النَّصِيبِ لِلْعَامِل؛ لأنَّ الشَّرْطَ يُرَادُ لأَجْلِه، فإنَّ رَبَّ المالِ يَسْتَحِقُّ بمالِه لا بالشَّرْطِ، والعامِلُ يَسْتَحِقُّ بالعَمَلِ، والعَمَلُ يَكْثُرُ ويَقِلُّ، وإنَّما تَتَقَدَّرُ حِصَّتُه بالشَّرْطِ، فكان الشَّرْطُ له، ومتى شَرَطَا لأحَدِهِما شيئا، واخْتَلَفَا في الجُزْءِ المَشْرُوطِ لمن هو؟ فهو لِلْعَامِلِ، قَلِيلًا كان أو كَثِيرًا؛ لذلك. وإن قال: خُذْهُ مُضَارَبةً، ولك ثُلُثُ الرِّبْحِ، وثُلُثُ ما بَقِىَ. صَحَّ، وكان له خَمْسَةُ أَتْسَاعٍ؛ لأنَّ هذا معناه. وإن قال: لك ثُلُثُ الرِّبْحِ، ورُبْعُ ما بَقِى. فله
стр. 3369
النِّصْفُ. وإن قال: لك رُبْعُ الرِّبْحِ، ورُبْعُ ما بَقِىَ، فله ثَلَاثَةُ أثمانٍ ونِصْفُ ثُمْنٍ. وسواءٌ عَرَفَا الحِسَابَ أو جَهِلَاهُ؛ لأنَّ ذلك أجْزاءٌ مَعْلُومَةٌ مُقَدَّرَةٌ، فأشْبَه ما لو شَرَطَ الخُمْسَيْنِ. ومذهبُ الشَّافِعِىِّ في هذا ال فَصْلِ كلِّه كمَذْهَبِنا.
فصل: وإن قال: خُذْهُ مُضَارَبةً، ولك جُزْءٌ من الرِّبْحِ، أو شَرِكَةٌ في الرِّبْحِ، أو شَيءٌ من الرِّبْحِ، أو نَصِيبٌ أو حَظٌّ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، ولا تَصِحُّ المُضَارَبةُ إلَّا على قَدْرٍ مَعْلُومٍ. وإن قال: خُذْهُ، ولك مثلُ ما شُرِطَ لِفُلَانٍ. وهما يَعْلَمان ذلك. صَحَّ؛ لأنَّهما أشَارَا إلى مَعْلُومٍ عِنْدَهما. وإن كانا لا يَعْلَمانِه، أو لا يَعْلَمُه أحَدُهُما، فَسَدَتِ المُضَارَبةُ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ.
فصل: وإن قال: خُذْ هذا المالَ فَاتَّجِرْ به، ورِبْحُه كلُّه لك. كان قَرْضًا لا قِرَاضًا؛ لأنَّ قولَه: خُذْهُ فَاتَّجِرْ به. يَصْلُحُ لهما، وقد قَرَنَ به حُكْمَ القَرْضِ، فَانْصَرَفَ إليه. وإن قال مع ذلك: ولا ضَمَانَ عليك. فهذا قَرْضٌ شُرِطَ فيه نَفْىُ الضَّمَانِ، فلا يَنْتَفِى بِشَرْطِه، كما لو صرَّحَ به، فقال: خُذْ هذا قَرْضًا ولا ضَمَانَ عليك. وإن قال: خُذْهُ فَاتَّجِرْ به، والرِّبْحُ كلُّه لي. كان إِبْضاعًا؛ لأنَّه قَرَنَ به حُكْمَ الإِبْضاعِ فانْصَرَفَ إليه. فإن قال مع ذلك: وعليك ضَمَانُه. لم يَضْمَنْهُ؛ لأنَّ العَقْدَ يَقْتَضِى كَوْنَهُ أمانَةً غيرَ مَضْمُونةٍ، فلا يَزُولُ ذلك بِشَرْطِه. وإن قال: خُذْهُ مُضَارَبةً، والرِّبْحُ كلُّه لك، أو كلُّه لي. فهو عَقْدٌ فاسِدٌ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: والرِّبْحُ كلُّه لي كان إبْضَاعًا صَحِيحًا؛ لأنَّه أثْبَتَ له حُكْمَ الإِبْضاعِ فانْصَرَفَ إليه، كالتى قبلَها. وقال مالِكٌ: يكونُ مُضَارَبَةً صَحِيحَةً في الصُّورَتَيْنِ؛ لأنَّهما دَخَلَا في القِرَاضِ، فإذا شَرَطَ لأحَدِهما، فكأنَّه وَهَبَ الآخَرَ نَصيبَه (١٨)، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ العَقْدِ. ولَنا، أنَّ المُضَارَبةَ تَقْتَضِى كونَ الرِّبْحٍ بينهما، فإذا شَرَطَ اخْتِصَاصَ أحَدِهما بالرِّبْحِ، فقد شَرَطَ ما يُنَافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، ففسَدَ، كما لو شَرَطَ الرِّبْحَ كلَّه في شَرِكَةِ العِنَانِ لأَحَدِهما. ويُفَارِقُ ما إذا لم
стр. 3370
يَقُلْ (١٩) مُضَارَبةً؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لما أثْبَتَ حُكْمَه من الإِبْضاعِ والقَرْضِ (٢٠)، بخِلافِ مما إذا صَرَّحَ بالمُضَارَبَةِ. وما ذَكَرَه مالِكٌ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الهِبَةَ لا تَصِحُّ قبلَ وُجُودِ المَوْهُوبِ.
فصل: ويجوزُ أن يَدْفَعَ مالًا إلى اثْنَيْنِ مُضَارَبةً في عَقْدٍ واحِدٍ، فإن شَرَطَ لهما جُزْءًا من الرِّبْحِ بينهما نِصْفَيْنِ، جَازَ. وإن قال: لكما كذا وكذا من الرِّبْحِ. ولم يُبَيِّنْ كيف هو، [فهو بينهما نِصْفَانِ] (٢١)؛ لأنَّ إطْلَاقَ قولِه بينهما يَقْتَضِى التَّسْوِيَةَ، كما لو قال لِعَامِلِه: والرِّبْحُ بيننا. وإن شَرَطَ لأَحَدِهِما ثُلُثَ الرِّبْحِ، وللآخَرِ رُبْعَه، وجَعَلَ الباقِىَ له، جَازَ. وبهذا قال أبو حنيفةَ والشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: لا يجوزُ؛ لأنَّهما شَرِيكانِ في العَمَلِ بأبْدانِهِما، فلا يجُوزُ تَفَاضُلُهما في الرِّبْحِ كشَرِيكَىِ الأَبْدانِ. ولَنا، أن عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَيْنِ عَقْدَانِ، فجازَ أن يَشْتَرِطَ في أحَدِهما أكْثَرَ من الآخَرِ، كما لو انْفَرَدَ. ولأنَّهما يَسْتَحِقّانِ بالعَمَلِ وهما يتَفَاضَلَانِ فيه، فجازَ تَفَاضُلُهُما في العِوَضِ، كالأَجِيرَيْنِ. ولا نُسَلِّمُ وُجُوبَ التَّسَاوِى في شَرِكَةِ الأَبْدانِ، بل هي كمَسْأَلَتِنا في جَوَازِ تَفَاضُلِهما. ثم الفَرْقُ بينهما أنَّ ذلك عَقْدٌ واحِدٌ، وهذان (٢٢) عَقْدانِ.
فصل: وإن قَارضَ اثْنانِ واحِدًا بأَلْفٍ لهما، جَازَ. وإذا شَرَطَا له ربِحًا مُتَساوِيًا منهما، جَازَ. وإن شَرَطَ أحَدُهما له النِّصْفَ، والآخَرُ الثُّلُثَ، جَازَ، ويكون باقِى رِبْح مالِ كلِّ واحدٍ منهما لِصَاحِبه. وإن شَرَطَا كونَ الباقِى من الرِّبْحِ بينهما نِصْفَيْنِ، لم يَجُزْ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وكلامُ القاضي يَقْتَضِى جَوَازَهُ. وحُكِىَ ذلك عن أبي حنيفةَ وأبِى ثَورٍ. ولَنا، أنَّ أحَدَهما يَبْقَى له من رِبْحِ مالِه النِّصْفُ، والآخَرَ يَبْقَى له
стр. 3371
الثُّلُثانِ. فإذا شَرَطَا (٢٣) التَّسَاوِىَ فقد شَرَطَ أحَدُهما للآخَرِ جُزْءًا من رِبْحِ مالِه بغير عَمَلٍ، فلم يَجُزْ. كما لو شَرَطَ رِبْحَ مالِه المُنْفَرِدِ.
فصل: وإذا شَرَطَا جُزْءًا من الرِّبْحِ لغيرِ العامِلِ نَظَرْتَ؛ فإن شَرَطَاهُ لِعَبْدِ أحَدِهما أو لِعَبْدَيْهِما، صَحَّ، وكان ذلك مَشْرُوطًا لِسَيِّدِهِ. فإذا جَعَلَا الرِّبْحَ بينهما وبين عَبْدَيْهِما أثْلَاثًا، كان لِصَاحِبِ العَبْدِ الثُّلُثانِ، وللآخَرِ الثُّلُثُ. وإن شَرَطَاهُ لأَجْنَبِىٍّ، أو لِوَلَدِ أحَدِهِما [أو امْرَأتِه] (٢٤)، أو قَرِيبِه، وشَرَطَا عليه عَمَلًا مع العامِلِ، صَحَّ، وكانا عَامِلَيْنِ. وإن لم يَشْتَرِطَا عليه عَمَلًا، لم تَصِحَّ المُضَارَبةُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وحُكِىَ عن أصْحَابِ الرَّأْىِ أنَّه يَصِحُّ، والجُزْءُ المَشرُوطُ له لِرَبِّ المالِ، سواءٌ شَرَطَا (٢٥) لِقَرِيبِ العامِلِ، أو لِقَرِيبِ رَبِّ المالِ، أو لأَجْنَبِىٍّ؛ لأنَّ العامِلَ لا يَسْتَحِقُّ شيئا (٢٦) إلَّا ما شُرِطَ له، ورَبُّ المالِ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بحُكْمِ الأَصْلِ، والأَجْنَبِىُّ لا يَسْتَحِقُّ شيئا؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بمالٍ أو عَمَلٍ، وليس هذا واحِدًا منهما، فما شُرِطَ لا يَسْتَحِقُّه، فيَرْجِعُ إلى رَبِّ المالِ، كما لو تَرَكَ ذِكْرَهُ. ولَنا، أنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ يَعُودُ إلى الرِّبْحِ، ففَسَدَ به العَقْدُ، كما لو شَرَطَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً. وإن قال: لك الثُّلُثانِ، على أن تُعْطِىَ امْرَأَتَكَ نِصْفَهُ. فكذلك؛ لأنَّه شَرَطَ في الرِّبْحِ شَرْطًا لا يَلْزَمُ، فكان فاسِدًا. والحُكْمُ في الشَّرِكَةِ كالحُكْمِ في المُضَارَبةِ، فيما ذَكَرْناهُ.
فصل: والحُكْمُ في الشَّرِكَةِ كالحُكْمِ في المُضَارَبةِ، في وُجُوبِ مَعْرِفَةِ قَدْرِ ما لكلِّ واحِدٍ منهما من الرِّبْحِ، إلَّا أنَّهما إذا أطْلَقاهَا ولم يَذْكُرَا الرِّبْحَ، كان بينهما على قَدْرِ المالَيْنِ، وفى شرَكِةِ الوُجُوهِ، يكونُ على قَدْرِ مِلْكَيْهِما في المُشْتَرَى؛ لأنَّ لهما أصْلًا يَرْجِعَانِ إليه، ويَتَقَدَّرُ (٢٧) الرِّبْحُ به، بخِلَافِ المُضَارَبةِ، فإنَّه لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الرِّبْحِ فيها
стр. 3372
بالمالِ والعَمَلِ (٢٨)، لكَوْنِ أحَدِهما من غيرِ (٢٨) جِنْسِ الآخَرِ، فلا يُعْلَمُ قَدْرُهْ منه. وأما شَرِكَةُ الأَبْدانِ، فلا مالَ فيها يُقَدّرُ الرِّبْحُ به، فيَحْتَمِلُ أن يَتَقَدَّرَ بالعَمَلِ؛ لأنَّ عَمَلَ أحَدِهِما من جِنْسِ عَمَلِ الآخَرِ، فقد تَسَاوَيا في أصْلِ العَمَلِ، فيكونُ ذلك أصْلًا يُرْجَعُ إليه. ويَحْتَمِلُ ألَّا يَتَقَدَّرَ (٢٩) به؛ لأنَّ العَمَلَ يَقِلُّ ويَكْثُرُ ويَتَفَاضَلُ، ولا يُوقَفُ على مِقْدارِه، بِخِلَافِ المالِ، فَيُعْتَبَرُ ذِكْرُ الرِّبحِ والمَعْرِفَةُ به, كما في المُضَارَبةِ.
٨٣٠ - مسألة؛ قال: (والْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ)
يَعْنِى الخُسْرَانَ في الشَّرِكَةِ على كلِّ واحدٍ منهما بقَدْرِ مَالِه، فإن كان مالُهما مُتَسَاوِيًا في القَدْرِ، فالخُسْرَانُ بينهما نِصْفَيْنِ، وإن كان أثْلَاثًا، فالوَضِيعَةُ أثْلاثًا. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا بين أهْلِ العِلْمِ. وبه يقول (١) أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ وغيرُهما. وفى شَرِكَةِ الوُجُوهِ تكونُ الوَضِيعَةُ على قَدْرِ مِلْكَيْهِما في المُشْتَرَى، سواءٌ كان الرِّبْحُ بينهما كذلك أو لم يَكُنْ، وسواءٌ كانت الوَضِيعَةُ لِتَلَفٍ، أو نُقْصانٍ في الثَّمَنِ عما اشْتَرَيا به، أو غيرِ ذلك. والوَضِيعَةُ في المُضَارَبةِ على المالِ خاصَّةً، ليس على العامِلِ منها شَىءٌ؛ لأنَّ الوَضِيعَةَ عِبَارَةٌ عن نُقْصَانِ رَأْسِ المالِ، وهو مُخْتَصٌّ بمِلْكِ رَبِّه، لا شَىْءَ لِلْعَامِلِ فيه، فيكونُ نَقْصُه من مَالِه دونَ غيرِه؛ وإنَّما يَشْتَرِكانِ فيما يَحْصُلُ من النَّماءِ، فأشْبَه المُسَاقَاةَ والمُزَارَعَةَ، فإنَّ رَبَّ الأَرْضِ والشَّجَرِ يُشَارِكُ العَامِلَ فيما يَحْدُثُ من الزَّرْعِ والثَّمَرِ. وإن تَلِفَ الشَّجَرُ، أو هَلَكَ شيءٌ من الأَرْضِ بِغَرَقٍ أو غيرِه، لَم يكُنْ على العامِلِ شيءٌ.
٨٣١ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ لأَحَدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ فَضْلَ دَرَاهِم)
وجُمْلَتُه أنَّه متى جَعَلَ نَصِيبَ أحَدِ الشُّرَكاءِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، أو جَعَلَ مع نَصِيبِه
стр. 3373
دَرَاهِمَ، مثل أن يَشْتَرِطَ لِنَفْسِه جُزْءًا وعَشْرَةَ دَرَاهِم، بَطَلَتِ الشَّركَةُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ من نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ على إبْطالِ القِرَاضِ إذا شَرَطَ أحَدُهُما أو كِلَاهُما لِنَفْسِه دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، وممَّن حَفِظْنا ذلك عنه مالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ، والجَوَابُ فيما لو قال: لك نِصْفُ الرِّبْحِ إلَّا عَشْرَةَ دَرَاهِم، أو نِصْفُ الرِّبْحِ وعَشْرَةُ دَرَاهِم، كالجَوابِ فيما إذا شَرَطَ دَرَاهِمَ مُفْرَدَةٌ. وإنَّما لم يَصِحَّ ذلك لِمَعْنَيَيْنِ؛ أحدِهِما، أنَّه إذا شَرَطَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، احْتَمَلَ أن لا يَرْبَحَ غيرَها، فيَحْصُلُ على جَمِيعِ الرِّبْحِ، واحْتَمَلَ أن لا يَرْبَحَها (١)، فيَأْخُذُ من رَأْسِ المالِ جُزْءًا. وقد يَرْبَحُ كَثِيرًا، فيَسْتَضِرُّ مَن شُرِطَتْ له الدَّرَاهِمُ. والثانى، أنَّ حِصَّةَ العامِلِ يَنْبَغِى أن تكونَ مَعْلُومَةً بالأَجْزاءِ، لَمَّا تَعَذَّرَ كَوْنُها مَعْلُومَةً بالقَدْرِ، فإذا جُهِلَتِ الأَجْزَاءُ، فَسْدَتْ، كما لو جُهِلَ القَدْرُ فيما يُشْتَرَطُ أن يكونَ مَعْلُومًا به. ولأنَّ العامِلَ متى شَرَطَ لِنَفْسِه دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، رُبَّما تَوَانَى في طَلَبِ الرِّبْح؛ لِعَدَمِ فائِدَتِه فيه، وحُصُولِ نَفْعِه لغيرِه، بِخِلَافِ ما إذا كان له جُزْءٌ من الرِّبْحِ.
فصل: وإن دَفَعَ إليه أَلْفَيْنِ (٢) مُضَارَبةً، على أن لكلِّ واحدٍ منهما رِبْحَ أَلْفٍ، أو على أنَّ لأَحَدِهما رِبْحَ أحَدِ الثَّوْبَيْنِ، أو رِبْحَ إحْدَى السَّفْرَتَيْنِ، أو رِبْحَ تِجَارَتِه في شَهْرٍ أو عامٍ بِعَيْنِه، ونحو ذلك، فَسَدَ الشَّرْطُ والمُضَارَبة؛ لأنَّه قد يَرْبَحُ في ذلك المُعَيَّنِ دونَ غيرِه، وقد يَرْبَحُ في غيرِه دُونَهُ، فيَخْتَصُّ أحَدُهُما بالرِّبْحِ، وذلك يُخَالِفُ مَوْضُوعَ الشَّركِةِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. وإن دَفَعَ إليه ألْفًا، وقال: لَكَ رِبْحُ نِصْفِه. لم يَجُزْ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: يجوزُ؛ لأنَّ نِصْفَ رِبْحِه هو رِبْحُ نِصْفِه، فجَازَ شَرْطُه، كما لو عَبَّرَ عنه بِعِبَارَتِه الأُخْرَى. ولَنا، أنَّه شَرَطَ لأَحَدِهِما رِبْحَ بعضِ المالِ دونَ بعضٍ، وكذلك جَعَلَ للآخَرِ (٣)، فلم يَجُزْ. كما لو قال: لك رِبْحُ هذه الخَمْسِمائة.
стр. 3374
ولأنَّه يُمْكِنُ أن يُفْرِدَ نِصْفَ المالِ، فيَرْبَحَ فيه دونَ النِّصْفِ الآخَرِ، بخِلَافَ نِصْفِ الرِّبْحِ؛ فإنَّه (٤) لا يُؤَدِّى إلى انْفِرَادِهِ برِبْحِ شَىْءٍ من المالِ.
٨٣٢ - مسألة؛ قال: (والْمُضَارِبُ إذَا بَاعَ بِنَسِيئَةٍ بِغَيْرِ أمْرٍ، ضَمِنَ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والْأُخْرَى لَا يَضْمَنُ)
وجُمْلَتُه أنَّ المُضَارِبَ وغيرَه من الشُّرَكاءِ، إذا نَصَّ له على التَّصَرُّفِ، فقال: نَقْدًا أو نَسِيئَةً. أو قال: بِنَقْدِ البَلَدِ. أو ذَكَرَ نَقْدًا غيرَه، جَازَ، ولم تَجُزْ مُخَالَفَتُه؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ بالإذْنِ، فلا يَتَصَرَّفُ في غيرِ ما أَذِنَ له فيه، كالوَكِيلِ، ولأنَّ ذلك لا يَمْنَعُ مَقْصُودَ المُضَارَبةِ. وقد بَطَلَتْ (١) بذلك الفائدةُ في العادَةِ. وإن أطْلَقَ، فلا خِلَافَ في جَوَازِ البَيْعِ حَالًّا، وفى البَيْعِ نَسِيئَةً رِوَايَتانِ؛ إحْدَاهما، ليس له ذلك. وهو قولُ مالِكٍ، وابنِ أبي لَيْلَى، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه نائِبٌ في البَيْعِ، فلم يَجُزْ له البَيْعُ نَسِيئَةً بغير إذْنٍ صَرِيحٍ فيه، كالوَكِيلِ، وذلك لأنَّ النائِبَ لا يجُوزُ له التَّصَرُّفُ إلَّا على وَجْهِ الحَظِّ والاحْتِيَاطِ، وفى النَّسِيئَةِ تَغْرِيرٌ بالمالِ، وقَرِينَةُ الحالِ تُقَيِّدُ مُطْلَقَ الكَلَامِ، فيَصِيرُ كأنَّه قال: بِعْهُ حالًّا. والثانية (٢)، يَجُوزُ له البَيْعُ نَسَاءً. وهو قولُ أبى حنيفةَ، واخْتِيَارُ ابن عَقِيلٍ؛ لأنَّ إِذْنَه في التِّجارَةِ والمُضَارَبةِ يَنْصَرِفُ إلى التِّجَارَةِ المُعْتَادَةِ، وهذا عادَةُ التُّجّارِ، ولأنَّه يَقْصِدُ به الرِّبْحَ، والرِّبحُ في النَّسَاءِ أكْثَرُ. ويُفَارِقُ الوَكَالَةَ المُطْلَقَةَ (٣)؛ فإنَّها لا تَخْتَصُّ بِقَصْدِ الرِّبْحِ، وإنَّما المَقْصُودُ تَحْصِيل الثَّمَنِ فحَسْبُ، فإذا أمْكَن تَحْصِيلُه من غير خَطَرٍ، كان أَوْلَى، ولأنَّ الوَكَالةَ المُطْلَقَةَ في البَيْعِ تَدُلُّ على أنَّ حاجَةَ المُوَكِّلِ إلى الثَّمَنِ ناجِزَةٌ، فلم يَجُزْ تَأْخِيرُه، بِخِلَافِ المُضَارَبةِ. وإن قال له: اعْمَلْ برَأْيِكَ. فله البَيْعُ نَسَاءً. وكذلك إذا قال له: تَصَرَّفْ كيف شِئْتَ. وقال الشَّافِعِىُّ: ليس له البَيْعُ نَسَاءً في
стр. 3375
المَوْضِعَيْنِ؛ لأنَّ فيه غَرَرًا، فلم يَجُزْ، كما لو لم يَقُلْ له ذلك. ولَنا، أنَّه داخِلٌ في عُمُومِ لَفْظِه، وقَرِينَةُ حالِه تَدُلُّ على رِضَائِه بِرَأْيِه (٤) في صِفَاتِ البَيْعِ، وفى أنْواعِ التِّجارَةِ، وهذا منها. فإذا قُلْنا: له البَيْعُ نَسَاءً. فالبَيْعُ صَحِيحٌ، ومهما فاتَ من الثمَنِ لم (٥) يَلْزَمْه ضَمَانُه، إلا أن يُفَرِّطَ بِبَيْعِ مَن لا يُوثَقُ به، أو مَن لا يَعْرِفهُ، فيَلْزَمُه ضَمَانُ الثَّمَنِ الذي انْكَسَرَ على المُشْتَرِى. وإن قُلْنا: ليس له البَيْعُ نَسَاءً، فالبَيْعُ باطِلٌ؛ لأنَّه فَعَلَ ما لم يُؤْذَنْ له فيه، فأشْبَهَ البَيْعَ من الأَجْنَبِىِّ، إلَّا على الرِّوَايةِ التي تقولُ: يَقِفُ بَيْعُ الأَجْنَبِىِّ على الإِجَازَةِ. فههُنا مِثْلُه. ويَحْتَمِلُ قولُ الخِرَقِيِّ صِحَّةَ البَيْعِ؛ فإنَّه إنَّما ذَكَرَ الضَّمَانَ؛ ولم يَذْكُرْ فَسَادَ البَيْعِ. وعلى كلِّ حالٍ يَلْزَمُ العامِلَ الضَّمَانُ؛ لأنَّ ذَهَابَ الثَّمَنِ حَصَلَ بِتَفْرِيطِه. فإن قُلْنا بِفَسَادِ البَيْعِ، ضَمِنَ المَبِيعَ بقِيمَتِه إذا تَعَذَّرَ عليه اسْتِرْجَاعُه، إمَّا لِتلَفِ المَبِيعِ أو امْتِنَاعِ المُشْتَرِى من رَدِّه إليه. وإن قلْنا بصِحَّتِه، احْتَمَلَ أن يَضْمَنَه بقِيمَتِه أيضًا؛ لأنَّه لم يَفُتْ بالبَيْعِ أكْثَرُ منها، ولا يَنْحَفِظُ بِتَرْكِه سِوَاهَا، وزِيادَةُ الثَّمَنِ حَصَلَتْ بِتَفْرِيطِه، فلا يَضْمَنُها. واحْتَمَلَ أن يَضْمَنَ الثَّمَن؛ لأنَّه وَجَبَ بالبَيْعِ، وفاتَ بِتَفْرِيطِ البائِعِ. وإن نَقَصَ عن القِيمَةِ، فقد انتَقَلَ الوُجُوبُ إليه، بدَلِيلِ أنَّه لو حَصَلَ الثَّمَن لم يَضْمَنْ شيئا.
فصل: وليس له السَّفَرُ بالمالِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ في السَّفَرِ تَغْرِيرًا بالمالِ وخَطَرًا، ولهذا يُرْوى: "إنَّ المُسَافِرَ ومَالَه لَعَلَى قَلَتٍ، إلَّا مَا وَقَى اللهُ تَعَالَى" (٦). أي هَلَاكٍ، ولا يجوزُ له التَّغْرِيرُ بالمالِ بغيرِ إِذْنِ مالِكِه. والوَجْهُ الثاني، له السَّفَرُ به إذا لم يكُنْ مَخُوفًا. قال القاضي: قِيَاسُ المذهبِ جَوازُه، بِنَاءً على السَّفَرِ بالوَدِيعَةِ. وهذا قولُ مالِكٍ. ويُحْكَى ذلك عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الإِذْنَ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى ما جَرَتْ به العادَةُ، والعَادَةُ جَارِيَةٌ بالتِّجَارَةِ سَفَرًا وحَضَرًا، ولأنَّ المُضَارَبةَ مُشْتَقَّةٌ من
стр. 3376
الضَّرْبِ في الأَرْضِ، فمَلَكَ ذلك بمُطْلَقِها، وهذان الوَجْهَانِ في المُطْلَقِ. فأمَّا إن أُذِنَ في السَّفَرِ، أو نُهى عنه، أو وُجِدَتْ قَرِينَةٌ دالَّةٌ على أحَدِ الأَمْرَيْنِ، تَعَيَّنَ ذلك، وثَبَتَ ما أُمِرَ به. وحُرِّمَ ما نُهِىَ عنه. وليس له السَّفَرُ في مَوْضِعٍ مَخُوفٍ، على الوَجْهَيْنِ جميعا. وكذلك لو أُذِنَ له في السَّفَرِ مُطْلَقًا، لم يكنْ له السَّفَرُ في طَرِيق مَخُوفٍ، ولا إلى بَلَدٍ مَخُوفٍ، فإن فَعَلَ، فهو ضامِنٌ لما يَتْلَفُ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بِفِعْلِ ما ليس له فِعْلُه. وإن سَافَرَ في طَرِيقٍ آمِنٍ، جَازَ، ونَفَقَتُه في مالِ نَفْسِه. وبهذا قال ابنُ سِيرِينَ، وحَمَّادُ بن أبي سليمانَ. وهو ظاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِىِّ، وقال الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، ومالِكٌ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: يُنْفِقُ من المالِ بالمَعْرُوفِ، إذا شَخَصَ به عن البَلَدِ؛ لأنَّ سَفَرَهُ لأَجْلِ المالِ، فكانت نَفَقَتُه منه، كأَجْرِ الحَمَّالِ. ولَنا، أنَّ نَفَقَتَهُ تَخُصُّه، فكانت عليه، كنَفَقَةِ الحَضَرِ، وأَجْرِ الطَّبِيبِ، وثَمَنِ الطِّيبِ (٧)، ولأنَّه دَخَلَ على أنَّه يَسْتَحِقُّ من الرِّبْحِ الجُزْءَ المُسَمَّى، فلا يكونُ له غيرُه، ولأنَّه لو اسْتَحَقَّ النَّفَقَةَ أفْضَى إلى أن يَخْتَصَّ بالرِّبْحِ إذا لم يَرْبَحْ سِوَى ما أنْفَقَهُ. فأمَّا إن اشْتَرَطَ (٨) له النَّفَقَةَ، فله ذلك، وله ما قَدَّرَ له من مَأْكُولٍ ومَلْبُوسٍ ومَرْكُوبٍ وغيرِه. قال أحمدُ، في رِوَايَةِ الأَثْرَمِ: أحَبُّ إلىَّ أن يَشْتَرِطَ نَفَقَةً مَحْدُودَةً، وإن أطْلَقَ صَحَّ. نَصَّ عليه. وله نَفَقَتُه من المَأْكُولِ، ولا كُسْوَةَ له. قال أحمدُ: إذا قال: له نَفَقَتُه. فإنَّه يُنْفِقُ. قِيلَ له: فيَكْتَسِى؟ قال: لا، إنَّما له النَّفَقَةُ. وإن كان سَفَرُه طَوِيلًا، يَحْتاجُ إلى تَجْدِيدِ كُسْوَةٍ، فظَاهِرُ كلامِ أحمدَ جَوَازُها؛ لأنَّه قِيلَ له: فلم يَشْتَرِطِ الكُسْوَة، إلَّا أنَّه في بَلَدٍ بَعِيدٍ، وله مُقَامٌ طَوِيلٌ، يَحْتَاجُ فيه إلى كُسْوَةٍ؟ فقال: إذا أذِنَ له في النَّفَقَةِ فَعَلَ، ما لم يَحْمِلْ على مالِ الرَّجُلِ، ولم يكُنْ ذلك قَصْدَه. هذا مَعْناهُ. وقال القاضي، وأبو الخطَّابِ: إذا شَرَطَ له النَّفَقَةَ، فله جَمِيعُ نَفَقَتِه، من مَأْكُولٍ ومَلْبُوسٍ (٩) بالمَعْرُوفِ.
стр. 3377
وقال أحمدُ: يُنْفِقُ على مَعْنَى ما كان يُنْفِقُ على نَفْسِه، غيرَ مُتَعَدٍّ بالنَّفَقَةِ، ولا مُضِرٍّ بالمالِ. ولم يَذْهَبْ أحمدُ إلى تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ؛ لأنَّ الأَسْعَارَ تَخْتَلِفُ، وقد تَقِلُّ، وقد تَكْثُرُ (١٠). فإن اخْتَلَفَا في قَدْرِ النَّفَقَةِ، فقال أبو الخَطَّابِ: يَرْجِعُ في القُوتِ إلى الإِطْعَامِ في الكَفَّارَةِ، وفى الكُسْوَةِ إلى أقَلّ مَلْبُوسِ مثلِه. فإن كان معه مالٌ لِنَفْسِه مع مالِ المُضَارَبةِ، أو كان معه مُضَارَبةٌ أُخْرَى، أو بِضَاعَةٌ لآخَرَ، فالنَّفَقَةُ على قَدْرِ المالَيْنِ، لأنَّ النَّفَقَةَ إنَّما كانت لأَجْلِ السَّفَرِ، والسَّفَرُ للمالَيْنِ، فيَجِبُ أن تكونَ النَّفَقَةُ مَقْسُومَةً على قَدْرِهِما، إلَّا أن يكونَ رَبُّ المالِ قد شَرَطَ له النَّفَقَةَ مع عِلْمِه بذلك. ولو أَذِنَ له في السَّفَرِ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، أو غير مُعَيَّنٍ، ثم لَقِيَهُ رَبُّ المالِ في السَّفَرِ، إمَّا بذلك المَوْضِعِ، أو في غيره، وقد نَضَّ المالُ، فأخَذَ مالَه، فطَالَبه العامِلُ بِنَفَقَةِ الرُّجُوعِ إلى بَلَدِه، لم يَكُنْ له؛ لأنَّه إنما يَسْتَحِقُّ (١١) النَّفَقَةَ ما دَامَا في القِرَاضِ، وقد زَالَ، فزَالَتِ النَّفَقَةُ، ولذلك (١٢) لو مات لم يَجِبْ تَكْفِينُه. وقد قِيلَ: له ذلك؛ لأنَّه كان شَرَطَ له نَفَقَةَ ذَهَابِه ورُجُوعِه وغيرِه، بِتَسْفِيرِه إلى المَوْضِعِ الذي أَذِنَ له فيه، مُعْتَقِدًا أنَّه مُسْتَحِقٌّ لِلنَّفَقَةِ ذاهِبًا ورَاجِعًا، فإذا قَطَعَ عنه النَّفَقَةَ، تَضَرَّرَ بذلك.
فصل: وحُكْمُ المُضَارِبِ حُكْمُ الوَكِيلِ، في أنَّه ليس له أن يَبِيعَ بأَقَلَّ من ثَمَنِ المِثْلِ، ولا يَشْتَرِىَ بأكْثَرَ منه، ممَّا لا يَتَغَابَنُ الناسُ بمِثْلِه، فإن فَعَلَ، فقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ البَيْعَ يَصِحُّ (١٣)، ويَضْمَنُ النَّقْصَ؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَنْجَبِرُ بضَمانِ النَّقْصِ. والقِيَاسُ أنَّ البَيْعَ باطِلٌ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه بَيْعٌ لم يُؤْذَنْ له فيه، فأشْبَهَ بَيْعَ الأَجْنَبِىِّ. فعلى هذا، إن تَعَذَّرَ رَدُّ المَبِيعِ، ضَمِنَ النَّقْصَ أيضًا، وإن أمْكَنَ رَدُّه، وَجَبَ رَدُّه إن كان باقِيًا، أو قِيمَتُه إن كان تالِفًا، ولِرَبِّ المالِ مُطَالَبَةُ مَن شَاءَ من العامِلِ
стр. 3378
أو المُشْتَرِى، فإن أخَذَ من المُشْتَرِى قِيمَتَهُ رَجَعَ المُشْتَرِى على العامِلِ بالثمَنِ، وإن رَجَعَ على العامِلِ بقِيمَتِه رَجَعَ العامِلُ على المُشْتَرِى بها، ورَدَّ عليه الثمنَ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَلَ في يَدِه. وأما ما يَتَغابَنُ الناسُ بمثلِه، فغيرُ مَمْنُوعٍ منه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، وأما إذا أشْتَرَى بأكْثَرَ من ثَمَنِ المِثْلِ بعَيْنِ المالِ، فهو كالبَيْعِ. وإن اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، لَزِمَ العامِلَ دون رَبِّ المالِ، إلَّا أن يُجِيزَه، فيكونَ له. هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وقال القاضي: إن أَطْلَقَ الشِّرَاءَ ولم يَذْكُرْ رَبَّ المالِ، فكذلك، وإن صَرَّحَ للبائِعِ أنَّنى اشْتَرَيْتُه لِفُلَانٍ، فالبَيْعُ باطِلٌ أيضًا.
فصل: وهل له أن يَبِيعَ ويَشْتَرِىَ بغير نَقْدِ البَلَدِ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ الأُولَى، جَوَازُه إذا رَأَى أنَّ (١٤) المَصْلَحَةَ فيه، والرِّبْحَ حاصِلٌ به، كما يجوزُ أن يَبِيعَ عَرْضًا بِعَرْضٍ ويَشْتَرِيَهُ به. فإذا قُلْنا: لا يَمْلِكُ ذلك. ففَعَلَهُ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو اشْتَرَى أو باعَ بغيرِ ثمَنِ المِثْلِ. وإن قال له: اعْمَلْ برأْيِكَ. فله ذلك. وهل له الزِّرَاعَةُ؟ يَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ ذلك؛ لأنَّ المُضَارَبةَ لا يُفْهَمُ من إطْلَاقِها المُزَارَعَةُ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، في مَن دَفَعَ إلى رَجُلٍ أَلْفًا، وقال: اتَّجِرْ فيها بما شِئْتَ. فزَرَعَ زَرْعًا، فرَبِحَ فيه، فالمُضَارَبةُ جائِزَةٌ، والرِّبْحُ بينهما. قال القاضي: ظَاهِرُ هذا أنَّ قولَه: اتّجِرْ بما شِئْتَ. دَخَلَتْ فيه المُزَارَعَةُ؛ لأنَّها من الوُجُوهِ التي يُبْتَغَى بها النَّماءُ، وعلى هذا لو تَوَى (١٥) المالُ كلُّه (١٦) في المُزَارَعَةِ، لم يَلْزَمْهُ ضَمَانُه.
فصل: وله أن يَشْتَرِىَ المَعِيبَ، إذا رَأَى المَصْلَحَةَ فيه؛ لأنَّ المَقْصُودَ الرِّبْحُ، وقد يكونُ الرِّبْحُ في المَعِيبِ. فإن اشْتَراهُ يَظُنُّه سَلِيمًا، فبَانَ مَعِيبًا، فله فِعْلُ ما يَرَى المَصْلَحَةَ فيه، من رَدِّه بالعَيْبِ، أو إمْسَاكِه وأخْذِ أرْشِ العَيْبِ. فإن اخْتَلَفَ العامِلُ ورَبُّ المالِ في الرَّدِّ، فطَلَبَه (١٧) أحَدُهما، وأبَاهُ الآخَرُ، فَعَلَ ما فيه النَّظَرُ والحَظُّ؛ لأنَّ
стр. 3379
المَقْصُودَ تَحْصيلُ الحَظِّ، فيُحْمَلُ (١٨) الأَمْرُ على (١٩) ما فيه الحَظّ. وأمَّا الشَّرِيكَان [إذا اخْتَلَفَا] (٢٠) في رَدِّ المَعِيبِ، فلِطَالِبِ الرَّدِّ رَدُّ نَصِيبِه، وللآخَرِ إمْسَاكُ نَصِيبِه، إلَّا أن يكونَ البائِعُ لم يَعْلَمْ أن الشِّراءَ لهما جَمِيعًا، فلا يَلْزَمُه قَبُولُ رَدِّ بَعْضِه؛ لأنَّ ظَاهِرَ الحالِ أنَّ العَقْدَ لمن وَلِيَهُ، فلم يَجُزْ إدْخَالُ الضَّرَرِ على البائِعِ بِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عليه. ولو أرَادَ الذي وَلِىَ العَقْدَ رَدَّ بعضِ المَبِيعِ وإمْسَاكَ البَعْضِ، كان حُكْمُه حُكْمَ ما لو أرَادَ شَرِيكُه ذلك، على ما فَصَّلْ ناهُ.
فصل: وليس له أن يَشْتَرِىَ مَن يَعْتِقُ على رَبِّ المالِ بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّ عليه فيه ضَرَرًا. فإن اشْتَرَاهُ بإِذْنِ رَبِّ المالِ، صَحَّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يَشْتَريَهُ بِنَفْسِه، فإذا أَذِنَ لغيرِه فيه، جَازَ، ويَعْتِقُ عليه، وتَنْفَسِخُ المُضَارَبةُ في قَدْرِ ثَمَنِه؛ لأنَّه قد تَلِفَ، ويكونُ مَحْسُوبًا (٢١) على رَبِّ المالِ. فإن كان ثَمَنُهُ كلَّ المالِ، انْفَسَخَتِ المُضَارَبةُ. وإن كان في المالِ رِبْحٌ، رَجَع (٢٢) العامِلُ بحِصَّتِه منه، وإن كان بغيرِ إِذْنِ رَبِّ المالِ، احْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ الشِّرَاءُ إذا كان الثمَنُ عَيْنًا؛ لأنَّ العامِلَ اشْتَرَى ما ليس له أن يَشْتَرِيَهُ، فكان بمَنْزِلَةِ ما لو اشْتَرَى شيئا بأكْثَرَ من ثَمَنِه، ولأنّ الإِذْنَ في المُضَارَبةِ إنما يَنْصَرِفُ إلى ما يمكنُ بَيْعُه والرِّبْحُ فيه، فلا يَتَنَاوَلُ غير ذلك. وإن كان (٢٣) اشْتَراهُ في الذِّمَّةِ، وَقَعَ الشِّرَاءُ للعاقِدِ، وليس له دَفْعُ الثَّمَنِ من مالِ المُضَارَبةِ، فإن فَعَلَ ضَمِنَ. [وهذا قول] (٢٤) الشَّافِعِىِّ وأكْثَرِ الفُقَهاءِ. وقال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ صِحَّةُ الشِّرَاءِ؛ لأنَّه مالٌ مُتَقَوَّمٌ قابِلٌ للعُقُودِ، فصَحَّ شِرَاؤُه، كما لو اشْتَرَى مَن نَذَرَ رَبُّ المالِ إعْتَاقَهُ، ويَعْتِقُ على رَبِّ المالِ، وتَنْفَسِخُ
стр. 3380
المُضَارَبةُ فيه. ويَلْزَمُ العامِلَ ضَمَانُه، على ظَاهِرِ كلامِ أحمدَ، عَلِمَ بذلك أو جَهِلَ؛ لأنَّ مالَ المُضَارَبةِ تَلِفَ بِسَبَبِه، ولا فَرْقَ في الإِتْلَافِ المُوجِبِ للضَّمَانِ بين العِلْمِ والجَهْلِ. وفيما يَضْمَنُه وَجْهانِ؛ أَحَدُهما، قِيمَتُه؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَتَ فيه ثم تَلِفَ، فأشْبَه، ما لو أتْلَفَهُ بفِعْلِه. والثانى، الثَّمَنُ الذي اشْتَراهُ به؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ منه حَصَلَ بالشِّرَاءِ، وبَذْلِ الثَّمَنِ فيما يَتْلَفُ بالشِّرَاءِ، فكان عليه ضَمَانُ ما فَرَّطَ فيه. ومتى ظَهَرَ في المال رِبْحٌ فلِلعَامِلِ حِصَّتُه منه. وقال أبو بكرٍ: إن لم يكُنِ العامِلُ عَالِمًا بأنَّه يَعْتِقُ على رَبِّ المالِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَلَ لِمعْنًى في المَبِيعِ لم يَعْلَمْ به المُشْتَرِى، فلم يَضْمَنْ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعْلَمْ بِعَيْبِه، فتَلِفَ به. قال: ويَتَوَجَّهُ أن لا يَضْمَنَ، وإن عَلِمَ.
فصل: وإن اشْتَرَى امْرَأَةَ رَبِّ المالِ، صَحَّ الشِّرَاءُ، وانْفَسَخَ النِّكَاحُ. فإن كان قبلَ الدُّخُولِ، فهل يَلْزَمُ الزَّوْجَ نِصْفُ الصَّدَاقِ؟ فيه وَجْهانِ، ذَكَرْناهُما في غير هذا المَوْضِع. فإن قُلْنا: يَلْزَمُه. رَجَعَ به على العامِلِ؛ لأنَّه سَبَبُ (٢٥) تَقْرِيرِه عليه، فرَجَعَ عليه، كما لو أَفْسَدَت امْرأَةٌ نِكَاحَه بالرّضَاعِ. وإن اشْتَرَى (٢٦) زَوْجَ رَبَّةِ المالِ، صَحَّ الشِّرَاءُ، وانْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لأنَّها مَلَكَتْ زَوْجَها. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَصِحُّ الشِّرَاءُ إذا كان بغيرِ إذْنِها؛ لأنَّ الإِذْنَ إنَّما يتَنَاوَلُ شِرَاءَ مَالَها فيه حَظٌّ، وشِرَاءُ زَوْجِها يَضُرُّ بها؛ لأنَّه يَفْسَخُ نِكَاحَها، ويَضُرُّ بها، ويُسْقِطُ حَقَّها من النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ، فلم يَصِحَّ كشِرَاءِ ابْنِها. ولَنا، أنَّه اشْتَرَى ما يُمْكِنُ طَلَبُ الرِّبْحِ فيه، فجازَ، كما لو اشْتَرَى أَجْنَبِيًّا. ولا ضَمَانَ على العامِلِ فيما يَفُوتُ من المَهْرِ ويَسْقُطُ من النَّفَقَةِ؛ لأنَّ ذلك لا يَعُودُ إلى المُضَارَبةِ، وإنَّما هو بِسَبَبٍ آخَرَ. ولا فَرْقَ بين شِرَائِه في الذِّمَّةِ أو بِعَيْنِ المالِ.
فصل: وإن اشْتَرَى المَأْذُونُ له مَن يَعْتِقُ على رَبِّ المالِ بإِذْنِه، صَحَّ وعَتَقَ. فإن كان
стр. 3381
على المَأْذُونِ له دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه وما في يَدِه، وقُلْنا: يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِرَقَبَتِه. فعليه دَفْعُ قِيمَةِ العَبْدِ الذي عَتَقَ إلى الغُرَماءِ؛ لأنَّه الذي أتْلَفَ عليهم بالعَتْقِ. وإن نَهَاهُ عن الشِّرَاءِ، فالشِّرَاءُ باطِلٌ؛ لأنَّه يَمْلِكُه بالإِذْنِ، وقد زَالَ بالنَّهْىِ. وإن أطْلَقَ الإِذْنَ، فقال أبو الخَطَّابِ: يَصِحُّ شِرَاؤُه؛ لأنَّ مَن صَحَّ أن يَشْتَرِيَه السَّيِّدُ، صَحَّ شِرَاءُ المَأْذُونِ له، كالأَجْنَبِىِّ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ إذا أَذِنَ له في التِّجَارَةِ ولم يَدْفَعْ إليه مَالًا. وقال القاضي: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ فيه إتْلَافًا على السَّيِّدِ، فإنَّ إذْنَه يَتَنَاوَلُ ما فيه حَظٌّ، فلا يَدْخُلُ فيه الإِتْلافُ. وفارَقَ عامِلَ المُضَارَبةِ؛ لأنَّه يَضْمَنُ القِيمَةَ، فيَزُولُ الضَّرَرُ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ، كالوَجْهَيْنِ. وإن اشْتَرَى امْرأَةَ رَبِّ المالِ، أو زَوْجَ رَبَّةِ المالِ، فهل يَصِحُّ؟ على وَجْهَيْنِ أيضًا، كَشِرَاءِ مَن يَعْتِقُ بالشِّرَاءِ.
فصل: وإن اشْتَرَى المُضَارِبُ مَن يَعْتِقُ عليه، صَحَّ الشِّرَاءُ. فإن لم يكُنْ ظَهَرَ في المالِ رِبْحٌ، لم يَعْتِقْ منه شيءٌ، وإن ظَهَرَ فيه رِبْحٌ، ففيه وَجْهَانِ، مَبْنِيَّانِ على العامِلِ متى يَمْلِكُ الرِّبحَ؟ فإن قُلْنا: يَمْلِكُه بالقِسْمَةِ. لم يَعْتِقْ منه شيءٌ؛ لأنَّه ما مَلَكَهُ. وإن قُلْنا: يَمْلِكُه بالظُّهُورِ. ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَعْتِقُ. وهو قولُ أبى بكرٍ؛ لأنَّه لم يَتِمَّ مِلْكُه عليه، لأنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ (٢٧) المالِ، فلم يَعْتِقْ لذلك. والثانى، يَعْتِقُ بِقَدْرِ حِصَّتِه من الرِّبْحِ، إن كان مُعْسِرًا، ويُقَوَّمُ عليه بَاقِيه إن كان مُوسِرًا؛ لأنَّه مَلَكَهُ بفِعْلِه، فيَعْتِقُ (٢٨) عليه، كما لو اشْتَراهُ بمالِه. وهذا قولُ القاضي، ومذهبُ أصْحابِ أبى حنيفةَ، لكن عِنْدَهم يسْتَسْعى في بَقِيَّتِه إن كان مُعْسِرًا. ولَنا رِوايَةٌ كقَوْلِهم. وإن اشْتَراهُ ولم يَظْهَرْ رِبْحٌ، ثم ظَهَرَ بعدَ ذلك، والعَبْدُ باقٍ في التِّجَارَةِ، فهو كما لو كان الرِّبْحُ ظَاهِرًا وَقْتَ الشِّرَاءِ. وقال الشّافِعِىُّ: إن اشْتَراهُ بعدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، لم يَصِحَّ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى أن يَتَنَجَّزَ (٢٩) العامِلُ حَقَّهُ قبل رَبِّ المالِ. ولَنا، أنَّهما شَرِيكانِ، فصَحَّ
стр. 3382
شِرَاءُ كلِّ واحِدٍ منهما مَن يَعْتِقُ عليه، كشَرِيكَىِ العِنَانِ.
فصل: وليس له أن يَشْتَرِىَ بأكْثَرَ من رَأْسِ المالِ؛ لأنَّ الإِذْنَ ما تَنَاولَ أكْثَرَ منه. فإن كان رَأْسُ المالِ ألْفًا، فاشْتَرَى عَبْدًا بأَلْفٍ، ثم اشْتَرَى عَبْدًا آخَرَ بعَيْنِ الأَلْفِ، فالشِّرَاءُ فاسِدٌ؛ لأنَّه اشْتَراهُ بمالٍ يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُه في البَيْعِ الأَوَّلِ. وإن اشْتَراهُ في ذِمَّتِه، صَحَّ الشِّرَاءُ، والعَبْدُ له؛ لأنَّه اشْتَرَى في ذِمَّتِه لغيرِه ما لم يَأْذَنْ له في شِرَائِه، فوَقَعَ له. وهل يَقِفُ على إِجَازَةِ رَبِّ المالِ؟ على رِوَايَتَيْنِ. ومذهبُ الشّافِعِىِّ كنَحْوِ ما ذَكَرْنَا.
فصل: وليس لِلْمُضَارِبِ وَطْءُ أَمَةٍ من المُضَارَبةِ، سواءٌ ظَهَرَ في المالِ رِبْحٌ أو لم يَظْهَرْ، فإن فَعَلَ، فعليه المَهْرُ والتَّعْزِيرُ. وإن عَلِقَتْ منه ولم يَظْهَرْ في المالِ رِبْحٌ، فوَلَدُه رَقِيقٌ؛ لأنَّها عَلِقَتْ منه في غير مِلْكٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، ولا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له؛ لذلك (٣٠). وإن ظَهَرَ في المالِ رِبْحٌ، فالوَلدُ حُرٌّ، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له، وعليه قِيمَتُها. ونحوَ هذا قال سفيانُ وإسحاقُ. وقال القاضي: إن لم يَظْهَرْ رِبْحٌ، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه وَطِىءَ في غير مِلْكٍ ولا شُبْهةِ مِلْكٍ. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّ عليه التَّعْزِيرَ؛ لأنَّ ظُهُورَ الرِّبْحِ يَنْبَنِى على التَّقْوِيمِ، والتَّقْوِيمُ غيرُ مُتَحَقِّقٍ، لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَ السِّلَعَ تُسَاوِى أكْثَرَ مما قُوِّمَتْ به؛ فيكونُ ذلك (٣١) شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ، لأنَّه يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
فصل: وليس لِرَبِّ المالِ وَطْءُ الأَمَةِ أيضًا؛ لأنَّه يَنْقُصُها إن كانت بِكْرًا، ويُعَرِّضُها للخُرُوجِ من المُضارَبةِ والتَّلَفِ، فإن فَعَلَ، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّها مَمْلُوكَتُه. وإن عَلِقَتْ منه، صارَتْ أُمَّ وَلَدِه، وَوَلَدُه حُرٌّ؛ لذلك (٣٠)، وتَخْرُجُ من المُضارَبةِ، وتُحْسَبُ قِيمَتُها، ويُضَافُ إليها بَقِيَّةُ المالِ، فإن كان فيه رِبْحٌ فلِلْعَامِلِ حِصَّتُه منه.
فصل: وإذا أذِنَ رَبُّ المالِ لِلْمُضَارِبِ في الشِّرَاءِ [من مالِ المُضَارَبةِ] (٣٢)،
стр. 3383
فاشْتَرَى جَاريَةً لِيتَسَرَّى بها، خَرَجَ ثَمَنُها من المُضارَبةِ، وصَارَ قَرْضًا في ذِمَّتِه؛ لأنَّ اسْتِباحَةَ البُضْعِ لا تَحْصُلُ إلَّا بمِلْكِه؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٣٣).
فصل: وليس لواحِدٍ منهما تَزْوِيجُ الأَمَةِ؛ لأنَّه يَنْقُصُها، ولا مُكَاتَبَةُ العَبْدِ؛ لذلك. فإن اتّفَقَا على ذلك، جَازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما لا يَخْرُجُ عنهما.
فصل: وليس لِلْمُضَارِبِ دَفْعُ المالِ إلى آخَرَ مُضَارَبةً. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ الأَثْرَمِ، وحَرْبٍ، وعبدِ اللَّه، قال: إن أَذِنَ له رَبُّ المالِ، وإلَّا فلا. وخَرَّجَ القاضِى وَجْهًا في جَوَازِ ذلك، بِنَاءً على تَوْكِيلِ الوَكِيلِ من غيرِ إذْنِ المُوَكِّلِ. ولا يَصِحُّ هذا التَّخْرِيجُ، وقِيَاسُه على الوَكِيلِ مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّه إنَّما دَفعَ إليه المالَ ههُنا ليُضَارِبَ به، وبِدَفْعِه إلى غيرِه مُضَارَبةً (٣٤) يَخْرُجُ عن كَوْنِه مُضَارِبًا به، بِخِلَافِ الوَكِيلِ. الثاني، أنَّ هذا يُوجِبُ في المالِ حَقًّا لغيرِه، ولا يجوزُ إيجابُ حَقٍّ في مالِ إنْسانٍ بغيرِ إِذْنِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. ولا أعْرِفُ عن غيرِهم خِلافَهم. فإن فَعَلَ، فلم يَتْلَف المالُ، ولا ظَهَرَ فيه رِبْحٌ، رَدَّه إلى مالِكِه، ولا شىءَ له ولا عليه. وإن تَلِفَ، أو رَبِحَ فيه، فقال الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ: هو في الضَّمَانِ والتَّصَرُّفِ كالغاصِبِ، ولِرَبِّ المالِ مُطَالَبَةُ مَنْ شاءَ منهما بِرَدِّ المالِ إن كان بَاقِيًا، ويَرُدُّ بَدَلَهُ إن كان تَالِفًا، أو تَعَذَّرَ رَدُّه، فإن طالَبَ الأَوَّلَ، وضَمَّنَه قِيمَةَ التَّالِفِ، ولم يكن الثانِى عَلِمَ (٣٥) بالحالِ، لم يَرْجِعْ عليه بِشىءٍ (٣٦) منه (٣٧)؛ لأنَّه دَفَعَهُ إليه على وَجْهِ الأمَانةِ. وإن عَلِمَ بالحالِ، رَجَعَ عليه؛ لأنَّه قَبَضَ مالَ غيرِه على سَبِيلِ العُدْواد، وتَلِفَ تحت يَدِه، فاسْتَقَرَّ ضَمَانُه (٣٨)
стр. 3384
عليه. وإن ضَمَّنَ الثاني مع عِلْمِه بالحالِ، لم يَرْجِعْ على الأَوَّلِ. وإن لم يَعْلَمْ، فهل يَرْجِعُ على الأَوَّلِ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحدِهما، يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه غَرَّهُ، فأشْبَه ما لو غَرَّهُ بِحُرِّيَةِ أَمَةٍ. والثانى: لا يَرْجِعُ؛ لأنَّ التَّلَفَ كان في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه. وإن رَبِحَ في المالِ، فالرِّبْحُ لمالِكِه، ولا شىءَ لِلْمُضارِبِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه مالٌ ولا عَمَلٌ. وهل للثانى أَجْرُ مِثْلِه؟ على رِوَايَتَينِ؛ إحداهما، له ذلك؛ لأنَّه عَمِلَ في مالِ غيرِه بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فكان له أجْرُ مِثْلِه، كالمُضَارَبةِ الفاسِدَةِ. والثانية، لا شىءَ له؛ لأنَّه عَمِلَ في مالِ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، فلم يَسْتَحِقَّ لذلك عِوَضًا، كالغاصِبِ. وفارَقَ المُضَارَبَةَ؛ لأنَّه عَمِلَ في مالِه بإِذْنِه. وسواءٌ اشْتَرَى بِعَيْنِ المالِ أو في الذِّمَّةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا اشْتَرَى في الذِّمَّة يكونُ الرِّبْحُ له، لأنَّه رَبِحَ فيما اشْتَراهُ في ذِمَّتِه ممَّا لم يَقَعْ (٣٩) الشِّرَاءُ فيه لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو لم يَنْقُدِ الثَّمَنَ من مالِ رَبِّ المالِ. قال الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ: هذا قولُ أكْثَرِهِم. يعني قولَ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأبى حنيفةَ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان عَالِمًا بالحالِ، فلا شىءَ لِلْعَامِلِ، كالغَاصِبِ، وإن جَهِلَ الحالَ، فله أجْرُ مثلِه، يَرْجِعُ به على المُضَارِبِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه غَرَّهُ، واسْتَعْمَلَهُ بِعِوَضٍ لم يَحْصُلْ له، فوَجَبَ أجْرُه عليه، كما لو اسْتَعْمَلَهُ في مالِ نَفْسِه. وقال القاضي: إن اشْتَرَى بعَيْنِ المالِ، فالشِّراءُ باطِلٌ. وإن كان اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، ثم نَقَدَ المالَ، وكان قد شَرَطَ رَبُّ المالِ لِلْمُضَارِبِ النِّصْفَ، فدَفَعَهُ المُضَارِبُ إلى آخَرَ، على أن يكونَ لِرَبِّ المالِ النِّصْفُ، والنِّصْفُ الآخَرُ بينهما؛ فهو على ما اتَّفَقُوا عليه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ رَضِىَ بنِصْفِ (٤٠) الرِّبْحِ، فلا يَدْفَعُ إليه أكْثَرَ منه، والعامِلَانِ على ما اتَّفَقَا عليه. وهذا قولٌ قَدِيمٌ للشَّافِعِىِّ. وليس هذا مُوَافِقًا لأُصُولِ المَذْهَبِ، ولا لِنَصِّ أحمدَ، فَإنَّ أحمدَ قال: لا يَطِيبُ الرِّبْحُ لِلْمُضَارِبِ. ولأنَّ المُضارِبَ الأَوَّل ليس له عَمَلٌ ولا مالٌ، ولا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ في المُضَارَبةِ إلَّا بواحِدٍ منهما، والعامِلُ الثانِى عَمِلَ في مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه ولا شَرْطِه، فلم يَسْتَحِقّ ما شَرَطَهُ (٤١) له غيرُه، كما لو دَفَعَهُ إليه الغاصِبُ
стр. 3385
مُضارَبةً، ولأنَّه إذا لم يَسْتَحِقَّ ما شَرَطَهُ له رَبُّ المالِ في المُضَارَبةِ الفاسِدَةِ، فما شَرَطَهُ له غيرُه بغيرِ إِذْنِه أَوْلَى.
فصل: وإن أَذِنَ رَبُّ المالِ في دَفْعِ المالِ مُضارَبةً، جَازَ ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. ويكونُ العامِلُ الأَوَّلُ وَكِيلًا لِرَبِّ المالِ في ذلك. فإذا دَفَعَهُ إلى آخَرَ، ولم يَشْرُطْ لِنَفْسِه شيئا من الرِّبْحِ، كان صَحِيحًا. وإن شَرَطَ لِنَفْسِه شيئا من الرِّبْحِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليس من جِهَتِه مالٌ ولا عَمَلٌ، والرِّبْحُ إنَّما يُسْتَحَقُّ بواحِدٍ منهما. وإن قال: اعْمَلْ برأْيِكَ، أو بما أرَاكَ اللهُ. جَازَ له دَفْعُه مُضَارَبةً. نَصَّ عليه؛ لأنَّه قد يَرَى أن يَدْفَعَهُ إلى أبْصَرَ منه. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ له ذلك؛ لأنَّ قَوْلَه: اعْمَلْ برأْيِكَ. يَعْنِى في كَيْفِيَّةِ المُضارَبةِ والبَيْعِ والشِّراءِ وأنْواعِ التِّجَارَةِ، وهذا يَخْرُجُ به عن المُضَارَبةِ، فلا يَتَناوَلُه إِذْنُه.
فصل: وليس له أن يَخْلِطَ مالَ المُضَارَبةِ بمَالِه، فإن فَعَلَ ولم يَتَمَيَّزْ، ضَمِنَه؛ لأنَّه أمَانةٌ، فهو (٤٢) كالوَدِيعَةِ. فإن قال له: اعْمَلْ برأْيِكَ. جَازَ (٤٣) ذلك. وهو قولُ مالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال الشَّافِعِىُّ: ليس له ذلك. وعليه الضَّمَانُ إن فَعَلَهُ؛ لأنَّ ذلك ليس من التِّجَارَةِ. ولَنا، أنَّه قد يَرَى الخَلْطَ أَصْلَح له، فيَدْخُلُ في قَوْلِه: اعْمَلْ برأْيِكَ. وهكذا القولُ في المُشَارَكةِ به ليس له فِعْلُها، إلَّا أن يقولَ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ. فيَمْلِكُها.
فصل: وليس له أن يَشْتَرِىَ خَمْرًا ولا خِنْزِيرًا، سواءٌ كانا مُسْلِمَيْنِ أو كان أحَدُهُما مُسْلِمًا والآخَرُ ذِمِّيًّا، فإن فَعَلَ، فعليه الضَّمَانُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان العامِلُ ذِمِّيًّا صَحَّ شِرَاؤُه لِلْخَمْرِ، وبَيْعُه إيّاها؛ لأنَّ المِلْكَ عندَه يَنْتَقِلُ إلى الوَكِيلِ، وحُقُوقُ العَقْدِ تَتَعَلَّقُ به. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: يَصِحُّ شِرَاؤُه إيَّاها؛ لأنَّ
стр. 3386
المِلْكَ فيها يَنْتَقِلُ إلى الوَكِيلِ، ولا يَصِحُّ بَيْعُه؛ لأنَّه يَبِيعُ ما ليس بمِلْكٍ له (٤٤)، ولا لِمُوَكِّلِه. ولَنا، أنَّه إن كان العامِلُ مُسْلِمًا، فقد اشْتَرَى خَمْرًا، ولا يَصِحُّ أن يَشْتَرِىَ خَمْرًا ولا يَبِيعَهُ، وإن كان ذِمِّيًّا، فقد اشْتَرَى لِلمُسْلِمِ ما لا يَصِحُّ أن يَمْلِكَه ابْتِداءً، فلا يَصِحُّ، كما لو اشْتَرَى الخِنْزِيرَ، ولأنَّ الخَمْرَ مُحَرَّمَةٌ، فلا يَصِحُّ شِرَاؤُها له، كالخِنْزِيرِ والمَيْتَةِ، ولأنَّ ما لا يجوزُ بَيْعُه لا يجوزُ شِرَاؤُه، كالمَيْتَةِ والدَّمِ. وكلُّ ما جَازَ في الشَّرِكَةِ، جازَ في المُضَارَبةِ، وما جَازَ في المُضَارَبةِ، جازَ في الشَّرِكَةِ، وما مُنِعَ منه في إحْداهما (٤٥) مُنِعَ منه في الأُخْرَى (٤٦)؛ لأنَّ المُضارَبةَ شَرِكَةٌ، ومَبْنَى كل واحِدَةٍ منهما على الوَكَالَةِ والأمَانَةِ.
٨٣٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا ضَارَبَ لِرَجُلٍ، لَمْ يَجُزْ أنْ يُضَارِبَ لِآخَرَ، إذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْأَوَّلِ. فَإنْ فَعَلَ، ورَبِحَ، رَدَّهُ في شَرِكَةِ الأَوَّلِ)
وجملةُ ذلك أنَّه إذا أخَذَ من إنْسانٍ (١) مُضَارَبةً، ثم أرَادَ أخْذَ مُضَارَبةٍ أُخْرَى (٢) من آخَرَ، فأَذِنَ له الأَوَّلُ، جازَ. وإن لم يَأْذَنْ له (٣)، ولم يكُنْ عليه ضَرَرٌ، جازَ أيضًا، بغير خِلَافٍ، وإن كان فيه ضَرَرٌ على رَبِّ المالِ الأَوَّلِ (٤)، ولم يَأْذَنْ له (٥)، مثل أن يكونَ المالُ الثانِى كَثِيرًا يَحْتاجُ (٦) أن يَقْطَعَ زَمَانَهُ، ويَشْغَلَه عن التِّجارَةِ في الأَوَّلِ، أو يكونَ (٧)
стр. 3387
المالُ الأَوَّلُ كَثِيرًا متى اشْتَغَلَ عنه بغيرِه انْقَطَعَ عن بعضِ تَصَرُّفاتِه، لم يَجُزْ له ذلك. وقال أكْثَرُ الفُقَهاءِ: يجوزُ؛ لأنَّه عَقْدٌ لا يَمْلِكُ به مَنَافِعَه كلَّها، فلم يَمْنَعْ من المُضَارَبةِ، كما لو لم يكُنْ فيه ضَرَرٌ، وكالأَجِيرِ المُشْتَرَكِ. ولَنا، أنَّ المُضَارَبةَ على الحَظِّ والنَّمَاءِ، فإذا فَعَلَ ما يَمْنَعُه، لم يَكُنْ له، كما لو أرادَ التَّصَرُّفَ بالعَيْنِ، وفارَقَ ما لا ضَرَرَ فيه. فعلى هذا إذا فَعَلَ ورَبِحَ، رَدَّ الرِّبْحَ في شَرِكَةِ الأَوَّلِ، ويَقْتَسِمانِه، فلْيَنْظُرْ (٨) ما رَبِحَ في المُضَارَبةِ الثانِيةِ، فيَدْفَعُ إلى رَبِّ المالِ منها نَصِيبَهُ، ويَأْخُذُ المُضَارِبُ نَصِيبَه من الرِّبْحِ، فيَضُمُّهُ إلى رِبْحِ المُضَارَبةِ الأُولَى، ويُقَاسِمُه لِرَبِّ (٩) المُضَارَبةِ الأُولَى؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ حِصَّتَه من الرِّبْحِ بالمَنْفَعَةِ التي اسْتُحِقَّتْ بالعَقْدِ الأَوَّلِ، فكان بينهما، كرِبْحِ المالِ الأَوَّلِ. فأمَّا حِصَّةُ رَبِّ المالِ الثاني من الرِّبْحِ، فتُدْفَعُ إليه؛ لأنَّ العُدْوانَ من المُضارِبِ لا يُسْقِطُ حَقَّ رَبِّ المالِ الثاني، ولأنَّا لو رَدَدْنَا رِبْحَ الثاني كلَّه في الشَّرِكَةِ الأُولَى، لَاخْتَصَّ الضَّرَرُ بِرَبِّ المالِ الثاني، ولم يَلْحَقِ المُضَارِبَ شيءٌ من الضَّرَرِ، والعُدْوَانُ منه، بل ربَّما انْتَفَعَ إذا كان قد شَرَطَ الأَوَّلُ النِّصْفَ والثانى الثُّلُثَ، ولأنَّه لا يَخْلُو إمَّا أن يُحْكَمَ بِفَسَادِ المُضَاربةِ الثانية، أو بِصِحَّتِها، فإن كانت فاسِدَةً، فالرِّبْحُ كلُّه لِرَبِّ المالِ، ولِلْمُضارِبِ أجْرُ مِثْلِه، وإن حَكَمْنا بِصِحَّتِها، وَجَبَ صَرْفُ حِصَّةِ رَبِّ المالِ إليه بمُقْتَضَى العَقْدِ ومُوجِبِ الشَّرْطِ. والنَّظَرُ يَقتَضِى أن لا يَسْتَحِقَّ رَبُّ المُضَارَبةِ الأُولَى من رِبْحِ (١٠) الثانيةِ شيئا؛ لأنَّه إنَّما يَسْتحِقُّ بمالٍ أو عَمَلٍ، وليس له في المُضَارَبةِ الثانيةِ مالٌ ولا عَمَلٌ. وتَعَدِّى المُضَارِبِ إنَّما كان بِتَرْكِ العَمَلِ، واشْتِغالِه عن المالِ الأَوَّلِ، وهذا لا يُوجِبُ عِوَضًا، كما لو اشْتَغَلَ بالعَمَلِ في مالِ نَفْسِه، أو آجَرَ نَفْسَه، أو تَرَكَ التِّجَارَةَ لِلَعِبٍ، أو اشْتِغالٍ بِعِلْمٍ، أو غير ذلك. ولو أوْجَبَ عِوَضًا، لأَوْجَبَ شيئا مُقَدَّرًا، لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَقَدَّرُ بِرِبْحِه في الثاني. واللَّه أعلمُ.
стр. 3388
فصل: وإن دَفَعَ إليه مُضَارَبةً، واشْتَرَطَ النَّفَقَةَ، فكَلَّمَهُ رَجُلٌ في أن يَأْخُذَ له بِضَاعَةً أو مُضارَبةً، ولا ضَرَرَ فيها. فقال أحمدُ: إذا اشْتَرَطَ النَّفَقَةَ، صارَ أَجِيرًا له، فلا يَأْخُذُ من أحَدٍ بِضَاعَةً، فإنَّها تَشْغَلُه عن المالِ الذي يُضَارِبُ به. قِيل: فإن كانت لا تَشْغَلُه؟ فقال: ما يُعْجِبُنِى أن يكونَ إلَّا بإِذْنِ صاحِبِ المُضَارَبةِ، فإنَّه لا بُدَّ مِن شُغْلٍ. وهذا، واللهُ أعلمُ، على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ. وإن فَعَلَ، فلا شىءَ عليه؛ لأنَّه لا ضَرَرَ على رَبِّ المُضَارَبةِ فيه.
فصل: وإن أخَذَ من رَجُلٍ مُضَارَبةً، ثم أخَذَ من آخَرَ بِضَاعَةً، أو عَمِلَ في مالِ نَفْسِه، أو اتَّجَرَ (١١) فيه، فرِبْحُه في مالِ البِضَاعَةِ لِصَاحِبِها، وفي مالِ نَفْسِه لِنَفْسِه.
فصل: إذا أخَذَ من رَجُلٍ مائةً قِرَاضًا، ثم أخَذَ من آخَرَ مِثْلَها، واشْتَرَى بكلِّ مائةٍ عَبْدًا، فاخْتَلَطَ العَبْدَانِ، ولم يَتَمَيَّزَا، فإنَّهما يَصْطَلِحَانِ عليهما. كما لو كانت لِرَجُلٍ حِنْطَةٌ، فانْثَالَتْ عليها (١٢) أُخْرَى. وذَكَرَ القاضي في ذلك وَجْهَيْنِ؛ أحدَهما، يَكُونانِ شَرِيكَيْنِ فيهما، كما لو اشْتَرَكَا في عَقْدِ البَيْعِ، فيُبَاعانِ، ويُقَسَّمُ بينهما، فإن كان فيهما رِبْحٌ دَفَعَ إلى العامِلِ حِصَّتَه، والباقِى بينهما نِصْفَيْنِ (١٣). والثانى، يكُونانِ لِلْعَامِلِ، وعليه أدَاءُ رَأْسِ المالِ، والرِّبْحُ له والخُسْرَانُ عليه. وللشَّافِعِىِّ قَوْلانِ، كالوَجْهَيْنِ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ مِلْكَ كلِّ واحدٍ منهما ثابِتٌ في أحَدِ العَبْدَيْنِ، فلا يَزُولُ بالاشْتِباهِ عن جَمِيعِه، ولا عن بعضِه، بغيرِ رِضَاهُ، كما لو لم يَكُونَا في يَدِ المُضَارِبِ، ولأنَّنا لو جَعَلْناهما لِلْمُضارِبِ، أدَّى إلى أن يكونَ تَفْرِيطُه سَبَبًا لِانْفِرَادِه بالرِّبْحِ، وحِرْمَانِ المُتَعَدَّى عليه، وعَكْسُ ذلك أَوْلَى، وإن جَعَلْناهما شَرِيكَيْنِ، أدَّى إلى أن يَأْخُذَ أحَدُهما رِبْحَ مالِ الآخَرِ بغيرِ رِضَاهُ؛ وليس له فيه مالٌ ولا عَمَلٌ.
стр. 3389
فصل: إذا تَعَدَّى المُضَارِبُ، وفَعَلَ ما ليس له فِعْلُه، أو اشْتَرَى شيئا نُهِىَ عن شِرَائِه، فهو ضامِنٌ للمالِ، في قولِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن أبي هُرَيْرَةَ، وحَكِيمِ بن حِزَامٍ، وأبى قِلَابةَ، ونَافِعٍ، وإياسٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، ومالِكٍ، والشّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وعن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه: لا ضَمَانَ على مَن شُورِكَ في الرِّبْحِ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن الحَسَنِ والزُّهْرِىِّ. ولَنا، أنَّه مُتَصَرِّفٌ في مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلَزِمَهُ الضَّمَانُ، كالغاصِبِ. ولا نقولُ بمُشَارَكَتِه في الرِّبْحِ، فلا يَتَنَاوَلُه قولُ عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه. ومتى اشْتَرَى ما لم يُؤْذَنْ له (١٤) فيه، فرَبِحَ فيه، فالرِّبْحُ لِرَبِّ المالِ، نَصّ عليه أحمدُ. وبه قال أبو قِلَابَةَ، ونافِعٌ. وعن أحمدَ، أنَّهما يَتَصَدَّقانِ بالرِّبْحِ. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ. قال القاضي: قول أحمدَ: يَتَصَدَّقانِ بالرِّبْحِ. على سَبِيلِ الوَرَعِ، وهو لِرَبِّ المالِ في القَضَاءِ. وهذا قولُ الأَوْزَاعِىِّ. وقال إِياسُ بن مُعاوِيَةَ، ومالِكٌ: الرِّبْحُ على ما شَرَطَاهُ؛ لأنَّه نَوْعُ تَعَدٍّ، فلا يَمْنَعُ كَوْنَ الرِّبْحِ بينهما على ما شَرَطاهُ، كما لو لَبِسَ الثَّوْبَ، أو رَكِبَ (١٥) دَابَّةً ليس له رُكُوبُها. وقال القاضي: إذا اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، ثم نَقَدَ المالَ، فالرِّبْحُ لِرَبِّ المالِ. وإن اشْتَرَى بعَيْنِ المالِ، فالشِّرَاءُ باطِلٌ، في إحْدَى الرَّوَايَتَيْنِ. والأُخْرَى هو (١٦) مَوْقُوفٌ على إِجَازَةِ المالِكِ، فإن أجَازَهُ، صَحَّ، وإلَّا بَطَلَ. والمذهبُ الأَوَّلُ، نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ الأَثْرَمِ. وقال أبو بكرٍ: لم يَرْوِ أنَّه يَتَصَدَّقُ بالرِّبْحِ إلَّا حَنْبَلٌ. واحْتَجَّ أحمدُ بحَدِيثِ عُرْوَةَ البارِقِىِّ، وهو ما رَوَى أبو لَبِيدٍ، عن عُرْوَة بن الجَعْدِ، قال: عَرَضَ للنَّبِىِّ ﷺ جَلَبٌ، فأَعْطَانِى دِينَارًا، فقال: "عُرْوَةُ، إئْتِ الْجَلَبَ، فَاشْتَرِ لَنَا شَاةً". فأَتَيْتُ الْجَلَبَ، فساوَمْتُ صَاحِبَه، فاشْتَرَيْتُ شَاتَيْنِ بدِينارٍ، فجِئْتُ أَسُوقُهما أو أقُودُهما، فلَقِيَنِى رَجُلٌ بالطَّرِيقِ، فسَاوَمَنِى، فبِعْتُ منه (١٧) شَاةً بالدِّينارِ، فجِئْتُ بالدِّينارِ وبالشاةِ، فقلتُ: يا رسولَ
стр. 3390
اللهِ، هذا دِينَارُكم، وهذه شَاتُكم. قال: "كيْفَ صَنَعْتَ؟ " فحَدَّثْتُه الحَدِيثَ، فقال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ في صَفْقَةِ يَمِينِهِ". رَوَاهُ الأَثْرَمُ (١٨). ولأنَّه نَماءُ مالِ غيرِه، بغيرِ إذْنِ مالِكِه، فكان لمَالِكِه، كما لو غصَبَ حِنْطَةً فزَرَعَها. فأمَّا المُضارِبُ، ففيه رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، لا شىءَ له؛ لأنَّه عَقَدَ عَقْدًا لم يُؤْذَنْ له فيه، فلم يكُنْ له شيءٌ، كالغاصِبِ. وهذا اخْتِيارُ أبى بكرٍ. والثانية، له أَجْرٌ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ رَضِىَ بالبَيْعِ، وأَخَذَ الرِّبْحَ، فاسْتَحَقَّ العامِلُ عِوَضًا، كما لو عَقَدَه بإِذْنِه (١٩). وفى قَدْرِ الأَجْرِ رِوَايتانِ؛ إحْداهما، أجْرُ مِثْلِه، ما لم يُحِطْ بالرِّبْحِ؛ لأنَّه عَمِلَ ما يَسْتَحِقُّ به العِوَضَ، ولم يُسَلَّمْ له المُسَمَّى، فكان له أجْرُ مِثْلِه، كالمُضارَبةِ الفاسِدَةِ. والثانية، له الأقَلُّ من المُسَمَّى أو أجْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه إن كان الأَقَلُّ المُسَمَّى، فقد رَضِىَ به، فلم يَسْتَحِقَّ أكْثَرَ منه، وإن كان الأَقَلُّ أجْرَ المِثْلِ، لم يَسْتَحِقَّ أكْثَرَ منه؛ لأنَّه لم يَعْمَلْ ما أُمِرَ (٢٠) به. وإن قَصَدَ الشِّرَاءَ لِنَفْسِه، فلا أجْرَ له، رِوَايةً واحِدَةً. وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: إن اشْتَرَى في ذِمَّتِه، ثم نَقَدَ المالَ، فلا أجْرَ له، رِوَايةً واحِدَةً، وإن اشْتَرَى بعَيْنِ المالِ، فعلى رِوَايَتَيْنِ.
فصل: وعلى العاملِ أن يَتَوَلَّى بِنَفْسِه كلَّ ما جَرَتِ العادَةُ أن يَتَوَلَّاهُ المُضَارِبُ بِنَفْسِه؛ من نَشْرِ الثَّوْبِ، وطَيِّه، وعَرْضِه على المُشْتَرِى، ومُسَاوَمَتِه، وعَقْدِ البَيْعِ معه، وأخْذِ الثَّمنِ، وانْتِقَادِه، وشَدِّ الكِيسِ، وخَتْمه، وإحْرَازِه في الصُّندُوقِ، ونحو ذلك. ولا أجْرَ له (٢١) عليه؛ لأنَّه مُسْتَحِقٌّ للرِّبْحِ في مُقَابَلَتِه. فإن اسْتَأْجَرَ مَنْ يَفْعَلُ ذلك، فالأَجْرُ عليه خاصَّةً؛ لأنَّ العَمَلَ عليه. فأمَّا ما لا يَلِيهِ [رَبُّ المالِ] (٢٢) في العادَةِ؛
стр. 3391
مثل النِّدَاءِ على المتَاعِ، ونَقْلِه إلى الخانِ، فليس على العامِلِ عَمَلُه، وله أن يَكْتَرِىَ مَن يَعْمَلُه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ العَمَلَ في المُضارَبةِ غيرُ مَشْرُوطٍ، لِمَشَقَّةِ اشْتِرَاطِه، فرُجِعَ فيه إلى العُرْفِ. فإن فَعَلَ العامِلُ ما لا يَلْزَمُه فِعْلُهُ مُتَبَرِّعًا، فلا أجْرَ له. وإن فَعَلَهُ ليأْخُذَ عليه أجْرًا، فلا شىءَ له أيضًا، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ. وخَرَّجَ أصْحابُنا وَجْهًا، أنَّ له الأَجْرَ، بِنَاءً على الشَّرِيكِ إذا انْفَرَدَ بعَمَلٍ لا يَلْزَمُه، هل له أجْرٌ لذلك؟ على رِوَايَتَيْنِ. وهذا مثلُه. والصَّحِيحُ أنَّه لا شىءَ له في المَوْضِعَيْنِ؛ لأنَّه عَمِلَ في مالِ غيرِه عَمَلًا لم يُجْعَلْ له في مُقَابَلَتِه شيءٌ، فلم يَسْتَحِقَّ شيئا، كالأَجْنَبِىِّ.
فصل: وإذا سُرِقَ مالُ المُضَارَبةِ أو غُصِبَ، فلِلْمُضاربِ (٢٣) طَلَبُه، والمُخَاصَمَةُ فيه، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ، ليس له (٢٤) ذلك؛ لأنَّ المُضَارَبةَ عَقْدٌ على التِّجَارَةِ، فلا تَدْخُلُ فيه الخُصُومَةُ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه يَقْتَضِى حِفْظَ المالِ، ولا يَتِمُّ ذلك إلَّا بالخُصُومةِ والمُطَالَبةِ، سِيَّما إذا كان غائِبًا عن رَبِّ المال، إمَّا لِسَفَرِ المُضَارِبِ، أو رَبِّ المالِ، فإنَّه لا مُطالِبَ (٢٥) به (٢٦) إلا المُضَارِبُ، فإن تَرَكَهُ ضَاعَ. فعلى هذا إن تَرَكَ الخُصومَةَ والطَّلَبَ به في هذه الحال، غَرِمَهُ؛ لأنَّه ضَيَّعَهُ وفَرَّطَ فيه. وإن كان رَبُّ المالِ حاضِرًا، وعَلِمَ الحالَ، لم يَلْزَمِ العَامِلَ طَلَبُه، ولا يَضْمَنُهُ إذا تَرَكَهُ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ أَوْلَى بذلك من وَكِيله.
فصل: وإذا اشْتَرَى للمُضَارَبَةِ عَبْدًا، فقَتَلَهُ عَبْدٌ لغيرِه، ولم يكُنْ ظَهَرَ في المالِ رِبْحٌ، فالأَمْرُ إلى رَبِّ المالِ، إن شَاءَ اقْتَصَّ، وإن شاءَ عَفَا على غير مالٍ، وتَبْطُلُ المُضَاربَةُ فيه؛ لذَهَابِ رَأْسِ المال. وإن شاءَ عَفَا على مالٍ، فإن عَفَا على (٢٧) مثلِ رَأْسِ المالِ، أو أقَلَّ،
стр. 3392
أو أكْثَرَ، فالمُضَارَبةُ بِحَالِها، والرِّبْحُ بينهما على شَرْطِهِما؛ لأنَّه وُجِدَ بَدَلٌ عن رَأْسِ المالِ، فهو كما لو وَجَدَ بَدَلَه بالبَيْعِ، وإن كان في العَبْدِ رِبْحٌ، فالقصَاصُ إليهما، والمُصَالَحةُ كذلك؛ لكَوْنِهما شَرِيكَيْنِ فيه. والحُكْمُ في انْفِساخِ المُضَارَبةِ وبَقَائِها على ما تَقَدَّمَ.
٨٣٤ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ لِلْمُضارِبِ رِبْحٌ حَتَّى يَسْتَوْ فِىَ رَأْسَ الْمَالِ)
يَعْنِى أنَّه لا يَسْتَحِقُّ أخْذَ شيءٍ من الرِّبْحِ حتى يُسَلِّمَ رَأْسَ المالِ إلى رَبِّهِ، ومتى كان في المالِ خُسْرانٌ ورِبْحٌ، جُبِرَتِ الوَضِيعَة من الرِّبْحِ، سواءٌ كان الخُسْرانُ والرِّبْحُ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، أو الخُسْرانُ في صَفْقَةٍ والرِّبْحُ في أُخْرَى، أو أحَدُهما في سَفْرَةٍ والآخَرُ في أُخْرَى؛ لأنَّ مَعْنَى الرِّبْحِ هو الفاضِلُ عن رَأْسِ المالِ، وما لم يَفْضل فليس بِرِبْحٍ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا، وأما مِلْكُ العامِلِ لِنَصِيبِه من الرِّبْحِ بمُجَرَّدِ الظُّهُورِ قبلَ القِسْمَةِ، فظَاهِرُ المذهبِ أنَّه يَثْبُتُ. هذا الذي ذَكَرَه القاضي مَذْهَبًا. وبه قال أبو حنيفةَ. وحَكَى أبو الخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّه لا يَمْلِكُه إلَّا بالقِسْمَةِ. وهو مذهبُ مالِكٍ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلانِ، كالمَذْهَبَيْنِ. واحْتَجَّ مَن لم يُمَلِّكْه بأنه لو مَلَكَهُ لاخْتَصَّ برِبْحِه، ولوَجَبَ أن يكونَ شَرِيكًا لِرَبِّ المالِ، كشَرِيكَىِ العِنَانِ. ولَنا، أن الشَّرْطَ صَحِيحٌ، فيَثْبُتُ مُقْتَضَاهُ، وهو أن يكونَ له جُزْءٌ من الرِّبْحِ، فإذا وُجدَ يَجِبُ أن يَمْلِكَهُ بحُكْمِ الشَّرْطِ، كما يَمْلِكُ المُسَاقِى حِصَّتَهُ من الثمَرَةِ بظُهورِها (١)، وقِياسًا على كل شَرْطٍ صَحِيحٍ في عَقْدٍ، ولأنَّ هذا الرِّبْحَ مَمْلُوكٌ، فلا بُدَّ له من مالِكٍ، ورَبُّ المالِ لا يَمْلِكُه اتِّفاقًا، ولا تَثْبُتُ أحْكامُ المِلْكِ في حَقِّه، فلَزِمَ أن يكونَ لِلْمُضَارِبِ، ولأنَّه يَمْلِكُ المُطَالبةَ بالقِسْمَةِ؛ فكان مالِكًا كأحَدِ شَرِيكَىِ العِنَانِ. ولا يَمْتنِعُ (٢) أن يَمْلِكَه، ويكونَ وقَايةً لِرَأْسِ (٣) المالِ، كنَصِيبِ ربِّ (٤) المالِ من الرِّبْحِ، وبهذا امْتَنَعَ اخْتِصَاصُه بِرِبْحِه، ولأنَّه
стр. 3393
لو اخْتَصَّ برِبْحِ نَصِيبِه (٥) لاسْتَحَقَّ من الرِّبْحِ أكْثَرَ ممَّا شَرَطَ له، ولا يَثْبُتُ بالشَّرْطِ ما يُخَالِفُ مُقْتَضاه. قال (٦) أحمدُ: إذا وَطِئَ المُضارِبُ جارِيَةً من المُضَارَبةِ، فإن لم يكُنْ ظَهَرَ في المالِ رِبْحٌ، لم تكنْ أُمَّ وَلَدِه، وإن ظَهَرَ فيه رِبْحٌ، فهى أُمُّ وَلَدِه. وهذا يَدُلُّ على أنَّه يَمْلِكُ الرِّبْحَ بالظُّهُورِ.
فصل: وإذا دَفَعَ إلى رَجُلٍ مائةً مُضَارَبَةً، فخَسِرَ عَشَرَةً، ثم أخَذَ رَبُّ المالِ منها عَشَرَةً، فإنَّ الخُسْرانَ لا يَنْقُصُ به رَأْسُ المالِ؛ لأنَّه قد يَرْبَحُ فيَجْبُرُ الخُسْرَانَ، لكنَّه يَنْقُصُ بما أخَذَهُ رَبُّ المالِ، وهى العَشَرَةُ، وقِسْطُها من الخُسْرانِ، وهو دِرْهَمٌ وتُسْعُ دِرْهَمٍ، ويَبْقَى رَأْسُ المالِ ثَمَانِينَ وثَمَانِيةَ دَرَاهِم وثَمَانِيَةَ أتْسَاعِ دِرْهَمٍ. وإن كان أخَذَ نِصْفَ التِّسْعِين الباقِيَةِ، بَقِىَ رَأْسُ المالِ خَمْسِينَ؛ لأنَّه أخَذَ نِصْفَ المالِ، فسَقَطَ نِصْفُ الخُسْرانِ. وإن كان أخَذَ خَمْسِينَ، بَقِىَ أرْبَعَةٌ وأَرْبَعُونَ وأرْبَعةُ أَتْساعٍ. وكذلك إذا رَبِحَ المالُ، ثم أخَذَ رَبُّ المالِ بعضَه، كان ما أخَذَهُ من الرِّبْح ورَأْسِ المالِ، فلو كان رَأْسُ المالِ مائةً، فرَبِحَ عِشْرِينَ، فأخَذَها رَبُّ المالِ، لَبَقِىَ رَأْسُ المالِ ثَلَاثَةً وثمانِينَ وثُلُثًا؛ لأنَّه أخَذَ سُدُسَ المالِ، فنَقَصَ رَأْسُ المالِ سُدُسَهُ، وهو سِتَّة عَشَرَ وثُلُثانِ، وحَظُّها من الرِّبْحِ ثَلَاثَةٌ وثُلُثٌ. ولو كان أخَذَ سِتِّينَ، بَقِىَ رَأْسُ المالِ خَمْسِينَ؛ لأنَّه أخَذَ نِصْفَ المالِ، فبَقِىَ نِصْفُ المالِ. وإن أخَذَ خَمْسِينَ، بَقِىَ (٧) ثَمَانِيةً وخَمْسِينَ وثُلُثًا؛ لأنَّه أخَذَ رُبْعَ المالِ وسُدُسَه، فبَقِىَ ثُلُثُه ورُبْعُه، وهو ما ذَكَرْنا. وإن أخَذَ منه سِتِّينَ، ثم خَسِرَ في الباقِى فصارَ أَرْبَعِينَ، فرَدَّها، كان له على رَبِّ المالِ خَمْسَةٌ؛ لأنَّ ما أخَذَهُ رَبُّ المالِ انْفَسَخَتْ فيه المُضَارَبةُ، فلا يَجْبُرُ برِبْحِه خُسْرَانَ ما بَقِى في يَدِه، لمُفَارْقَتِه إيّاه، وقد أخَذَ من الرِّبْحِ عَشَرَةً، لأنَّ سُدُسَ ما أخَذَ رِبْحٌ، فكانت العَشَرَةُ بينهما. وإن لم يَرُدَّ الأَرْبَعِينَ كلَّها، بل رَدَّ منها إلى رَبِّ المالِ عِشْرِينَ، بَقِىَ رَأْسُ المالِ خَمْسَة وعِشْرينَ.
فصل: إذا اشْتَرَى رَبُّ المالِ من مالِ المُضَارَبةِ شيئا لِنَفْسِه، لم يَصِحَّ في إحْدَى
стр. 3394
الرِّوَايَتَيْنِ. وهو قولُ الشّافِعِىّ. ويَصِحُّ في الأُخْرَى. وبه قال مالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه قد تَعَلَّقَ حَقُّ المُضَارِبِ به، فجازَ له شِرَاؤُه، وكما لو اشْتَرَى من مُكَاتَبِه أو من عَبْدِه المَأْذُونِ الذي عليه دَيْنٌ. ولَنا، أنَّه مَلَكَهُ، فلم يَصِحَّ شِرَاؤُه له، كشِرَائِه من وَكِيله وعَبْدِه المَأْذُونِ الذي لا دَيْنَ عليه. وفارَقَ المُكَاتَبَ؛ فإنَّ (٨) السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ ما في يَدِه، ولهذا لا يُزَكِّيه، وله أخْذُ ما فيه شُفْعَةٌ بها. فأمَّا المَأْذُونُ له، فلا يَصِحُّ شِرَاءُ سَيِّدِه منه بحالٍ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ إذا اسْتَغْرَقَتْه الدُّيُونُ؛ لأنَّ الغُرَماءَ يأخُذُونَ ما في يَدِه. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ مِلْكَ السَّيِّدِ لم يَزُلْ عنه، وإن اسْتَحَقَّ أخْذَه، كمَالِ المُفْلِسِ.
فصل: وإن اشْتَرَى المُضَارِبُ لِنَفْسِه من مالِ المُضَارَبةِ، ولم يَظْهَرْ في المالِ رِبْحٌ، صَحَّ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ. وحُكِىَ ذلك عن أبي حنيفةَ. وقال أبو ثَوْرٍ: البَيْعُ باطِلٌ؛ لأنَّه شَرِيكٌ. ولَنا، أنَّه مِلْكٌ لغيرِه، فصَحَّ شِرَاؤُه له، كما لو اشْتَرَى الوَكِيلُ من مُوَكِّلِه، وإنَّما يكونُ شَرِيكًا إذا ظَهَرَ رِبْحٌ؛ لأنَّه إنَّما (٩) يُشَارِكُ رَبَّ المالِ في الرِّبْحِ، لا في أصْلِ المالِ، ومتى ظَهَرَ في المالِ رِبْحٌ (١٠) كان شِرَاؤُه كشِرَاءِ أحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، على ما سَنَذْكُرُه.
فصل: وإن اشْتَرَى أحَدُ الشَّرِيكَيْنِ من مالِ الشَّرِكَةِ شيئا، بَطَلَ في قَدْرِ حَقِّه؛ لأنَّه مِلْكُه، وهل يَصِحُّ في حِصَّةِ شَرِيكِه؟ على وَجْهَيْنِ، بِنَاءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وتَتَخَرَّجُ الصِّحَّةُ في الجَمِيعِ، بنَاءً على أنَّ لِرَبِّ المالِ أن يَشْتَرِىَ من مالِ المُضَارَبةِ لِنَفْسِه. وإن اشْتَرَى أحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّةَ شَرِيكِه منه، جازَ؛ لأنَّه يَشْتَرِى مِلْكَ غيرِه. وقال أحمدُ. في الشَّرِيكَيْنِ في الطَّعَامِ، يُرِيدُ أحَدُهما بَيْعَ حِصَّتِه من صَاحِبِه: إن لم يَكُونا يَعْلَمانِ كَيْلَهُ فلا [بَأْسَ، وإن عَلِمَا كَيْلَه فلا] (١١) بُدَّ من كَيْلِه، يعني أنَّ مَن عَلِمَ مَبْلَغَ شيءٍ (١٢) لم يَبِعْه
стр. 3395
صُبْرَةً (١٣)، وإن بَاعَهُ إيَّاه بالكَيْلِ والوَزْنِ، جازَ.
فصل: ولو اسْتَأْجَرَ أحَدُ الشَّرِيكَيْنِ من صَاحِبِه دَارًا، لِيَحْرُزَ فيها مال الشَّرِكَةِ أو غَرَائِرَ، جازَ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ صالِحٍ. وان اسْتَأْجَرَهُ لِنَقْلِ الطَّعَامِ، أو غُلَامِه أو دَابَّتِه، ففيه رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، الجَوَازُ؛ لأنَّ ما جَازَ أن يَسْتأجِرَ له غيرَ الحَيَوانِ، جازَ أنْ يَسْتأْجِرَ له الحَيَوانَ، كمَالِ الأَجْنَبِىِّ. والأُخْرَى، لا يجوزُ؛ لأنَّ هذا لا تَجِبُ الأُجْرَةُ فيه إلَّا بالعَمَلِ، ولا يُمْكِنُ إِيفاءُ العَمَلِ في المُشْتَركِ؛ لأنَّ نَصِيبَ المُسْتَأْجِرِ غيرُ مُتَمَيِّزٍ من نَصِيبِ المُؤْجِرِ، فإذًا لا تَجِبُ الأُجْرَةُ، والدَّارُ والغَرَائِرُ لا يُعْتَبَرُ فيهما (١٤) إيقاعُ العَمَلِ، إنَّما تَجِبُ بوَضْعِ العَيْنِ في الدَّارِ، فيُمْكِنُ تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عليه.
٨٣٥ - مسألة؛ قال: (وَإذَا اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ، فَرَبِحَ في إحْدَاهُمَا، وخَسِرَ في الأُخْرَى، جُبِرَتِ الوَضِيعَةُ مِنَ الرِّبْحِ)
وجُمْلَتُه أنَّه إذا دَفَعَ إلى المُضَارِبِ أَلْفَيْنِ، فاشْتَرَى بكلِّ أَلْفِ عَبْدًا، فرَبِحَ في أحَدِهما، وخَسِرَ في الآخَرِ، أو تَلِفَ، وَجَبَ جَبْرُ الخُسْرانِ من الرِّبْحِ، ولا يَسْتَحِقُّ المُضَارِبُ شيئا إلَّا بعدَ كمالِ الأَلْفَيْنِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، إلَّا فيما إذا تَلِفَ أحَدُ العَبْدَيْنِ، فإنَّ أصْحَابَه ذَكَرُوا فيه وَجْهًا ثانِيًا، أنَّ التالِفَ من رَأْسِ المالِ؛ لأنَّه بَدَلُ أحَدِ الأَلْفَيْنِ، ولو تَلِفَ أحَدُ الأَلْفَيْنِ، كان مِن (١) رَأْسِ المالِ، فكذلك بَدَلُه. ولَنا، أنَّه تَلِفَ بعدَ أن دَارَ في القِرَاضِ، وتصَرَّفَ في المالِ بالتِّجَارَةِ، فكان تَلَفُه من (٢) الرِّبْحِ، كما لو كان رَأْسُ المالِ دِينَارًا واحِدًا، فاشْتَرَى به سِلْعَتَيْنِ، ولأنَّهما سِلْعَتانِ تُجْبَرُ خَسَارَةُ إحْدَاهما برِبْحِ الأُخْرَى، فجُبِرَ تَلَفُها به، كما لو كان رَأْسُ المالِ دِينارًا، ولأنَّه رَأْسُ مالٍ واحدٍ، فلا
стр. 3396
يَسْتَحِقُّ المُضَارِبُ فيه رِبْحًا حتى يَكْمُلَ رَأْسُ المالِ، كالذى ذَكَرْنا. فأمَّا إن تَلِفَ أحَدُ الأَلْفَيْنِ قبلَ الشِّرَاءِ به والتَّصَرُّفِ (٣) فيه، أو تَلِفَ بعضُه، انْفَسَخَتِ المُضَارَبةُ فيما تَلِفَ، وكان رأسُ المالِ الباقِى خاصَّةً. وقال بعضُ الشّافِعِيّةِ: مذهبُ الشَّافِعِىّ أنَّ التَالِفَ من الرِّبْحِ ورَأْسَ المالِ الأَلْفانِ معا؛ لأنَّ المالَ إنما يَصِيرُ (٤) قِرَاضًا بالقَبْضِ، فلا فَرْقَ بين هَلَاكِه قبلَ التَّصَرُّفِ وبعدَه. ولَنا، أنَّه مالٌ هَلَكَ على جِهَتِه قبلَ التَّصَرُّفِ فيه، فكان رَأْسُ المالِ الباقِى، كما لو تَلِفَ قبلَ القَبْضِ. وفارَقَ ما بعَد التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه دَارَ في التِّجارَةِ، وشَرَعَ فيما قُصِدَ بالعَقْدِ من التَّصَرُّفاتِ المُؤَدِّية إلى الرِّبْحِ.
فصل: وإذا دَفعَ إليه أَلْفًا مُضَارَبةً، ثم دَفعَ إليه أَلْفًا آخَرَ مُضَارَبةً، وأَذِنَ له في ضَمِّ أحَدِهِما إلى الآخَرِ قبلَ التَّصَرُّفِ في الأَوَّلِ، جَازَ، وصَارَا (٥) مُضَارَبةً واحِدَةً، كما لو دَفَعَهُما إليه مَرَّةً واحِدَةً. وإن كان بعدَ التَّصَرُّفِ في الأَوَّلِ في شِرَاءِ المَتَاعِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ حُكْمَ الأَوَّلِ اسْتَقَرَّ، فكان رِبْحُه وخُسْرَانُه مُخْتَصًّا به، فَضَمُّ الثاني إليه يُوجِبُ جُبْرَانَ خُسْرَانِ أحَدِهما برِبْحِ الآخَرِ، فإذا شَرَطَ ذلك في الثاني فَسَدَ. فإن نَضَّ الأَوَّلُ، جَازَ ضَمُّ الثاني إليه لِزَوَالِ هذا المَعْنَى. وإن لم يَأْذَنْ له في ضَمِّ الثانِي إلى الأَوَّلِ, لم يَجُزْ له ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال إسحاقُ: له ذلك قبلَ أن يَتَصَرَّفَ في الأَوَّلِ. ولَنا، أنَّه أَفْرَدَ كلَّ واحدٍ بعَقْدٍ، فكانا عَقْدَيْنِ لكلِّ عَقْدٍ حُكْمُ نَفْسِه، ولا تُجْبَرُ وَضِيعَةُ أحَدِهِما برِبْحِ الآخَرِ، كما لو نَهَاهُ عن ذلك.
فصل: قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْأَلُ عن المُضَارِبِ برِبْحٍ، ويَضَعُ مِرَارًا. فقال: يَرُدُّ الوَضِيعَةَ على الرِّبْحِ، إلَّا أن يَقْبِضَ المالَ صَاحِبُه، ثم يَرُدُّه إليه، فيقولُ: اعْمَلْ به ثانِيةً. فما رَبِحَ بعدَ ذلك لا تُجْبَرُ به وَضِيعَة الأَوَّلِ، فهذا ليس في نَفْسِى منه شيءٌ، وأما ما لم يَدْفَعْ إليه، فحتى يَحْتَسِبَا حِسَابًا كالقَبْضِ، كما قال ابنُ سِيرِينَ، قِيل:
стр. 3397
كيف يكونُ حِسَابًا كالقَبْضِ؟ قال (٦): يَظْهَرُ المالُ. يعني يَنِضُّ ويَجِىءُ، فيَحْتَسِبانِ عليه، وإن (٧) شاءَ صاحِبُ المالِ قَبَضَهُ. قيل له: فيَحْتَسِبانِ على (٨) المَتَاعِ؟ فقال: لا يَحْتَسِبانِ إلَّا على النّاضِّ؛ لأنَّ المتَاعَ قد يَنْحَطُّ سِعْرُهُ ويَرْتَفِعُ. قال أبو طَالِبٍ: قيل لأحمدَ: رَجُلٌ دَفَعَ إلى رَجُلٍ عَشرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ مُضَارَبةً، فوَضِعَ (٩)، فبَقِيَتْ أَلْفٌ، فحاسَبَه صاحِبُها، ثم قال له: اذْهَبْ فاعْمَلْ بها. فرَبِحَ؟ قال: يُقَاسِمُه ما فوقَ الأَلْفِ. يَعْنِى إذا كانت الأَلْفُ ناضَّةً حاضِرَةً، إن شاءَ صاحِبُها قَبَضَها. فهذا الحِسَابُ الذي كالقَبْضِ، فيكونُ أمْرُه بالمُضَارَبةِ بها في هذه الحال ابْتِداءَ مُضَارَبةٍ ثانِيةٍ، كما لو قَبَضَها منه ثم رَدَّها إليه. فأمَّا قبلَ ذلك، فلا شيء لِلْمُضَارِبِ حتى يُكْمِلَ عَشرَةَ آلافٍ، ولو أنَّ رَبَّ المالِ والمُضَارِبَ اقْتَسَما الرِّبْحَ، أو أخَذَ أحَدُهما منه شيئا بإذْنِ صاحِبِه، والمُضَارَبةُ بحَالِها، ثم سَافَرَ المُضَارِبُ به، فَخَسِرَ، كان على المُضَارِبِ رَدُّ ما أخَذَه من الرِّبْحِ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَا أنَّه ليس بِرِبْحٍ، ما لم تَنْجَبِرِ الخَسارَةُ.
فصل: وإذا قَارَضَ في مَرَضِه، صَحَّ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَبْتَغِى به الفَضْلَ، فأشْبَه البَيْعَ والشِّرَاءَ. ولِلْعامِلِ ما شَرَطَ له من الرِّبْحِ، وإن زَادَ على شَرْطِ مِثْلِه، ولا (١٠) يَحْتَسِبُ به من ثُلُثِه؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُسْتَحَقٍّ من مالِ رَبِّ المالِ، وإنَّما حَصَلَ بعَمَلِ المُضَارِبِ في المالِ، فما يُوجَدُ (١١) من الرِّبْحِ المَشْرُوطِ يَحْدُثُ على مِلْكِ العامِلِ، بخِلَافِ ما لو حابَى الأَجِيرَ في الأَجْرِ، فإنَّه يَحْتَسِبُ بما حاباهُ من ثُلُثِه؛ لأنَّ الأَجْرَ يُؤْخَذُ من مَالِه. ولو شَرَطَ في المُساقاةِ والمُزَارَعَةِ أكْثَرَ من أَجْرِ المِثْلِ، احْتَمَلَ أن لا يَحْتَسِبَ به مِن ثُلُثِه؛
стр. 3398
لأنَّ الثَّمرَةَ تَخْرُجُ على مِلْكَيْهِما (١٢)، كالرِّبْحِ في المُضَارَبةِ، واحْتَمَلَ أن يكونَ من ثُلُثِه؛ لأنَّ الثَّمَرةَ زِيَادَةٌ في مِلْكِه، خارِجَةٌ من (١٣) عَيْنِه، والرِّبْحُ لا يَخْرُجُ من (١٣) عَيْنِ المالِ، إنَّما يَحْصُلُ بالتَّقْلِيبِ.
فصل: وإذا ماتَ ربُّ المالِ، قَدَّمْنَا حِصَّةَ العامِلِ على غُرَمائِه، ولم يَأْخُذُوا شيئا من نَصيبِه؛ لأنَّه يَمْلِكُ الرِّبْحَ بالظُّهُورِ، فكان شَرِيكًا فيه، وليس لِرَبِّ المالِ شيءٌ من نَصِيبِه، فهو كالشَّرِيكِ بمَالِه، ولأنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بعَيْنِ المالِ دونَ الذِّمَّةِ، فكان مُقَدَّمًا، كحَقِّ الجِنَايَةِ، ولأَنَّه مُتَعَلِّقٌ بالمالِ قبلَ المَوْتِ، فكان أسْبَقَ، كحَقِّ الرَّهْنِ.
فصل: وإن ماتَ المُضَارِبُ ولم يُعْرَفْ مالُ المُضَارَبةِ بعَيْنِه، صارَ دَيْنًا في ذِمَّتِه، ولِصَاحِبِه أُسْوَةُ الغُرَماءِ. وقال الشّافِعِىُّ: ليس على المُضارِبِ شيءٌ؛ لأنَّه لم يكُنْ (١٤) في ذِمَّتِه وهو حَىٌّ شيءٌ، ولم يُعْلَمْ حُدُوثُ ذلك بالمَوْتِ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ المالُ قد هَلَكَ. ولَنا، أنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ المالِ في يَدِهِ، واخْتِلَاطُه بجُمْلَةِ التَّرِكَةِ، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ (١٥) عَيْنِه، فكان دَيْنًا كالوَدِيعَةِ إذا لم تُعْرَفْ عَيْنُها، ولأنَّه لا سَبِيلَ إلى إسْقاطِ حَقِّ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ الأَصْلَ بَقَاؤُه، ولم يُوجَدْ ما يُعَارِضُ ذلك ويُخَالِفُه، ولا سَبِيلَ إلى إعْطائِه عَيْنًا (١٦) من هذا المالِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ من غيرِ مالِ المُضَارَبةِ، فلم يَبْقَ إلَّا تَعَلُّقُه بالذِّمَّةِ.
٨٣٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا تَبَيَّنَ لِلْمُضَارِبِ أنَّ فِي يَدِه فَضْلًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أخْذُ شَيءٍ مِنْهُ إلَّا بإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ)
وجُمْلَتُه أنَّ الرِّبْحَ إذا ظَهَرَ في المُضَارَبةِ، لم يَجُزْ لِلْمُضَارِبِ أخْذُ شيءٍ منه بغيرِ إذْنِ
стр. 3399
رَبِّ المالِ. لا نَعْلَمُ في هذا بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا. وإنَّما لم يَمْلِكْ ذلك لأُمُورِ ثلاثةٍ؛ أحدها، أنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ (١) المالِ، فلا يَأْمَنُ الخُسْرانَ الذي يكونُ هذا الرِّبْحُ جَابِرًا له، فيَخْرُجُ بذلك عن أن يكونَ رِبْحًا. الثاني، أنَّ رَبَّ المالَ شَرِيكُه، فلم يكُنْ له مُقَاسَمَةُ نَفْسِه. الثالث، أنَّ مِلْكَهُ عليه غيرُ مُسْتَقِرٍّ؛ لأنَّه بعَرَضِ أن يَخْرُجَ في يَدِه بجُبْرانِ خَسَارَةِ المالِ. وإن أَذِنَ رَبُّ المالِ في أخْذِ شيءٍ, جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما.
فصل: وإن طَلَبَ أحَدُهما قِسْمَةَ الرِّبْحِ دونَ رَأْسِ المالِ، وأبَى الآخَرُ، قُدِّمَ قولُ المُمْتَنِعِ؛ لأنَّه إن كان رَبَّ المالِ، فلأنَّه لا يَأْمَنُ الخُسْرانَ في رَأْسِ المالِ، فيَجْبُرُهُ بالرِّبْحِ، وإن كان العامِلَ فإنَّه لا يَأْمَنُ أن يَلْزَمَه رَدُّ ما أخَذَ في وَقْتٍ لا يَقْدِرُ عليه وإن تَرَاضَيَا على ذلك، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، وسواءٌ اتَّفَقَا على قِسْمَةِ جَمِيعِه أو بعضِه، أو على أن يَأْخُذَ كلُّ واحدٍ منهما شيئا مَعْلُومًا يُنْفِقُه. ثم متى ظَهَرَ في المالِ خُسْرانٌ، أو تَلِفَ كلُّه، لَزِمَ العامِلَ رَدُّ أقَلِّ الأَمْرَيْنِ ممَّا أخَذَهُ، أو نِصْفِ خُسْرانِ المالِ، إذا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ نِصْفَيْنِ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: لا تجوزُ القِسْمةُ حتى يَسْتَوْفِىَ رَبُّ المالِ مالَهُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: إذا اقْتَسَما الرِّبْحَ، ولم يَقْبِضْ رَبُّ المالِ رَأْسَ مَالِه، فأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يقولون: يَرُدُّ العامِلُ الرِّبْحَ حتى يَسْتَوْفِىَ رَبُّ المالِ مَالَهُ. ولَنا، على جَوَازِ القِسْمَةِ، أنَّ المالَ لهما، فجازَ لهما أن يَقْتَسِمَا بعضَه، كالشَّرِيكَيْنِ. أو نقول: إنَّهما شَرِيكانِ، فجازَ لهما قِسْمَةُ الرِّبْحِ قبلَ المُفَاصَلَةِ، كشَرِيكَىِ العِنَانِ.
فصل: والمُضَارَبةُ من العُقُودِ الجائِزَةِ، تَنْفَسِخُ بِفَسْخِ أحَدِهِما، أيِّهما كان، وبمَوْتِه، وجُنُونِه، والحَجْرِ عليه لِسَفَهٍ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ في مالِ غيرِه بإِذْنِه، فهو كالوَكِيلِ. ولا فَرْقَ بين ما قبلَ التَّصَرُّفِ وبعدَه. فإذا انْفَسَخَتْ والمالُ ناضٌّ لا رِبْحَ فيه، أخَذَهُ رَبُّه، وإن كان فيه رِبْحٌ، قَسَما الرِّبْحَ على ما شَرَطَاهُ. وإن انْفَسَخَتْ والمالُ
стр. 3400
عَرْضٌ، فاتَّفَقَا على بَيْعِه أو قَسْمِه (٢)، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَعْدُوهما. وإن طَلَبَ العامِلُ البَيْعَ، وأبَى رَبُّ المالِ، وقد ظَهَرَ في المالِ رِبْحٌ، أُجْبِرَ رَبُّ المالِ على البَيْعِ. وهذا (٣) قولُ إسحاقَ والثَّوْرِىِّ؛ لأنَّ حَقَّ العامِلِ في الرِّبْحِ، ولا يَظْهَرُ إلَّا بالبَيْعِ. وإن لم يَظْهَرْ رِبْحٌ، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، وقد رَضِيَهُ مالِكُه كذلك، فلم يُجْبَرْ على بيْعِه. وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشّافِعِىِّ. وقال بعضُهم: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُجْبَرُ على البَيْعِ؛ لأنَّه ربَّما زَادَ فيه زَائِدٌ، أو رَغِبَ فيه راغِبٌ، فزَادَ على ثَمَنِ المِثْلِ، فيكونُ للعامِلِ في البَيْعِ حَظٌّ. ولَنا، أن المُضَارِبَ إنما اسْتَحَقَّ (٤) الرِّبْحَ إلى حينِ الفَسْخِ، وذلك لا يُعْلَمُ إلَّا بالتَّقْوِيمِ، ألا تَرَى أنَّ المُسْتَعِيرَ إذا غَرَسَ أو بَنَى، أو المُشْتَرِىَ، كان لِلْمُعِيرِ والشَّفِيعِ أن يَدْفَعَا قِيمَةَ ذلك، لأنَّه مُسْتَحِقٌّ للأَرْضِ، فههُنا أَوْلَى. وما ذَكَرُوه من احْتِمالِ الزِّيادَةِ، بزِيَادَةِ مُزَايِدٍ أو رَاغِبٍ على قِيمَتِه، فإنَّما حَدَثَ ذلك بعدَ فَسْخِ العَقْدِ، فلا يَسْتَحِقُّها العامِلُ. وإن طَلَبَ رَبُّ المالِ البَيْعَ، وأبى العامِلُ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يُجْبَرُ العامِلُ على البَيْعِ. وهو قولُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ عليه رَدَّ المالِ نَاضًّا كما أخَذَهُ. والثانى، لا يُجْبَرُ إذا لم يكُنْ في المالِ رِبْحٌ، أو أسْقَطَ حَقَّهُ من الرِّبْحِ؛ لأنَّه بالفَسْخِ زال تَصَرُّفُه، وصارَ أجنَبِيًّا من المالِ، فأشْبَهَ الوَكِيلَ إذا اشْتَرَى ما يُسْتَحَقُّ رَدُّه، فزَالَتْ وَكَالَتُه قبلَ رَدِّه. ولو كان رَأْسُ المالِ دَنَانِيرَ، فصارَ دَرَاهِمَ, [أو دَرَاهِمَ فصارَ دَنَانِيرَ] (٥)، فهو كما لو كان عَرْضًا، على ما شُرِحَ. وإذا نَضَّ رَأْسُ المالِ جَمِيعُه، لم يَلْزَمِ العامِلَ أن يَنِضَّ له الباقِى؛ لأنَّه شَرِكَةٌ بينهما، ولا يَلْزَمُ الشَّرِيكَ أن يَنِضَّ مالَ شَرِيكِه، ولأنَّه إنَّما لَزِمَهُ أن يَنِضَّ رَأْسَ المالِ، لِيَرُدَّ إليه (٦) رَأْسَ مالِه على صِفَتِه، ولا يُوجَدُ هذا المَعْنَى في الرِّبْحِ.