يَسْتَحِقُّ المُضَارِبُ فيه رِبْحًا حتى يَكْمُلَ رَأْسُ المالِ، كالذى ذَكَرْنا. فأمَّا إن تَلِفَ أحَدُ الأَلْفَيْنِ قبلَ الشِّرَاءِ به والتَّصَرُّفِ (٣) فيه، أو تَلِفَ بعضُه، انْفَسَخَتِ المُضَارَبةُ فيما تَلِفَ، وكان رأسُ المالِ الباقِى خاصَّةً. وقال بعضُ الشّافِعِيّةِ: مذهبُ الشَّافِعِىّ أنَّ التَالِفَ من الرِّبْحِ ورَأْسَ المالِ الأَلْفانِ معا؛ لأنَّ المالَ إنما يَصِيرُ (٤) قِرَاضًا بالقَبْضِ، فلا فَرْقَ بين هَلَاكِه قبلَ التَّصَرُّفِ وبعدَه. ولَنا، أنَّه مالٌ هَلَكَ على جِهَتِه قبلَ التَّصَرُّفِ فيه، فكان رَأْسُ المالِ الباقِى، كما لو تَلِفَ قبلَ القَبْضِ. وفارَقَ ما بعَد التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه دَارَ في التِّجارَةِ، وشَرَعَ فيما قُصِدَ بالعَقْدِ من التَّصَرُّفاتِ المُؤَدِّية إلى الرِّبْحِ.
فصل: وإذا دَفعَ إليه أَلْفًا مُضَارَبةً، ثم دَفعَ إليه أَلْفًا آخَرَ مُضَارَبةً، وأَذِنَ له في ضَمِّ أحَدِهِما إلى الآخَرِ قبلَ التَّصَرُّفِ في الأَوَّلِ، جَازَ، وصَارَا (٥) مُضَارَبةً واحِدَةً، كما لو دَفَعَهُما إليه مَرَّةً واحِدَةً. وإن كان بعدَ التَّصَرُّفِ في الأَوَّلِ في شِرَاءِ المَتَاعِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ حُكْمَ الأَوَّلِ اسْتَقَرَّ، فكان رِبْحُه وخُسْرَانُه مُخْتَصًّا به، فَضَمُّ الثاني إليه يُوجِبُ جُبْرَانَ خُسْرَانِ أحَدِهما برِبْحِ الآخَرِ، فإذا شَرَطَ ذلك في الثاني فَسَدَ. فإن نَضَّ الأَوَّلُ، جَازَ ضَمُّ الثاني إليه لِزَوَالِ هذا المَعْنَى. وإن لم يَأْذَنْ له في ضَمِّ الثانِي إلى الأَوَّلِ, لم يَجُزْ له ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال إسحاقُ: له ذلك قبلَ أن يَتَصَرَّفَ في الأَوَّلِ. ولَنا، أنَّه أَفْرَدَ كلَّ واحدٍ بعَقْدٍ، فكانا عَقْدَيْنِ لكلِّ عَقْدٍ حُكْمُ نَفْسِه، ولا تُجْبَرُ وَضِيعَةُ أحَدِهِما برِبْحِ الآخَرِ، كما لو نَهَاهُ عن ذلك.
فصل: قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْأَلُ عن المُضَارِبِ برِبْحٍ، ويَضَعُ مِرَارًا. فقال: يَرُدُّ الوَضِيعَةَ على الرِّبْحِ، إلَّا أن يَقْبِضَ المالَ صَاحِبُه، ثم يَرُدُّه إليه، فيقولُ: اعْمَلْ به ثانِيةً. فما رَبِحَ بعدَ ذلك لا تُجْبَرُ به وَضِيعَة الأَوَّلِ، فهذا ليس في نَفْسِى منه شيءٌ، وأما ما لم يَدْفَعْ إليه، فحتى يَحْتَسِبَا حِسَابًا كالقَبْضِ، كما قال ابنُ سِيرِينَ، قِيل:
стр. 3397
كيف يكونُ حِسَابًا كالقَبْضِ؟ قال (٦): يَظْهَرُ المالُ. يعني يَنِضُّ ويَجِىءُ، فيَحْتَسِبانِ عليه، وإن (٧) شاءَ صاحِبُ المالِ قَبَضَهُ. قيل له: فيَحْتَسِبانِ على (٨) المَتَاعِ؟ فقال: لا يَحْتَسِبانِ إلَّا على النّاضِّ؛ لأنَّ المتَاعَ قد يَنْحَطُّ سِعْرُهُ ويَرْتَفِعُ. قال أبو طَالِبٍ: قيل لأحمدَ: رَجُلٌ دَفَعَ إلى رَجُلٍ عَشرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ مُضَارَبةً، فوَضِعَ (٩)، فبَقِيَتْ أَلْفٌ، فحاسَبَه صاحِبُها، ثم قال له: اذْهَبْ فاعْمَلْ بها. فرَبِحَ؟ قال: يُقَاسِمُه ما فوقَ الأَلْفِ. يَعْنِى إذا كانت الأَلْفُ ناضَّةً حاضِرَةً، إن شاءَ صاحِبُها قَبَضَها. فهذا الحِسَابُ الذي كالقَبْضِ، فيكونُ أمْرُه بالمُضَارَبةِ بها في هذه الحال ابْتِداءَ مُضَارَبةٍ ثانِيةٍ، كما لو قَبَضَها منه ثم رَدَّها إليه. فأمَّا قبلَ ذلك، فلا شيء لِلْمُضَارِبِ حتى يُكْمِلَ عَشرَةَ آلافٍ، ولو أنَّ رَبَّ المالِ والمُضَارِبَ اقْتَسَما الرِّبْحَ، أو أخَذَ أحَدُهما منه شيئا بإذْنِ صاحِبِه، والمُضَارَبةُ بحَالِها، ثم سَافَرَ المُضَارِبُ به، فَخَسِرَ، كان على المُضَارِبِ رَدُّ ما أخَذَه من الرِّبْحِ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَا أنَّه ليس بِرِبْحٍ، ما لم تَنْجَبِرِ الخَسارَةُ.
فصل: وإذا قَارَضَ في مَرَضِه، صَحَّ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَبْتَغِى به الفَضْلَ، فأشْبَه البَيْعَ والشِّرَاءَ. ولِلْعامِلِ ما شَرَطَ له من الرِّبْحِ، وإن زَادَ على شَرْطِ مِثْلِه، ولا (١٠) يَحْتَسِبُ به من ثُلُثِه؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُسْتَحَقٍّ من مالِ رَبِّ المالِ، وإنَّما حَصَلَ بعَمَلِ المُضَارِبِ في المالِ، فما يُوجَدُ (١١) من الرِّبْحِ المَشْرُوطِ يَحْدُثُ على مِلْكِ العامِلِ، بخِلَافِ ما لو حابَى الأَجِيرَ في الأَجْرِ، فإنَّه يَحْتَسِبُ بما حاباهُ من ثُلُثِه؛ لأنَّ الأَجْرَ يُؤْخَذُ من مَالِه. ولو شَرَطَ في المُساقاةِ والمُزَارَعَةِ أكْثَرَ من أَجْرِ المِثْلِ، احْتَمَلَ أن لا يَحْتَسِبَ به مِن ثُلُثِه؛
стр. 3398
لأنَّ الثَّمرَةَ تَخْرُجُ على مِلْكَيْهِما (١٢)، كالرِّبْحِ في المُضَارَبةِ، واحْتَمَلَ أن يكونَ من ثُلُثِه؛ لأنَّ الثَّمَرةَ زِيَادَةٌ في مِلْكِه، خارِجَةٌ من (١٣) عَيْنِه، والرِّبْحُ لا يَخْرُجُ من (١٣) عَيْنِ المالِ، إنَّما يَحْصُلُ بالتَّقْلِيبِ.
فصل: وإذا ماتَ ربُّ المالِ، قَدَّمْنَا حِصَّةَ العامِلِ على غُرَمائِه، ولم يَأْخُذُوا شيئا من نَصيبِه؛ لأنَّه يَمْلِكُ الرِّبْحَ بالظُّهُورِ، فكان شَرِيكًا فيه، وليس لِرَبِّ المالِ شيءٌ من نَصِيبِه، فهو كالشَّرِيكِ بمَالِه، ولأنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بعَيْنِ المالِ دونَ الذِّمَّةِ، فكان مُقَدَّمًا، كحَقِّ الجِنَايَةِ، ولأَنَّه مُتَعَلِّقٌ بالمالِ قبلَ المَوْتِ، فكان أسْبَقَ، كحَقِّ الرَّهْنِ.
فصل: وإن ماتَ المُضَارِبُ ولم يُعْرَفْ مالُ المُضَارَبةِ بعَيْنِه، صارَ دَيْنًا في ذِمَّتِه، ولِصَاحِبِه أُسْوَةُ الغُرَماءِ. وقال الشّافِعِىُّ: ليس على المُضارِبِ شيءٌ؛ لأنَّه لم يكُنْ (١٤) في ذِمَّتِه وهو حَىٌّ شيءٌ، ولم يُعْلَمْ حُدُوثُ ذلك بالمَوْتِ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ المالُ قد هَلَكَ. ولَنا، أنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ المالِ في يَدِهِ، واخْتِلَاطُه بجُمْلَةِ التَّرِكَةِ، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ (١٥) عَيْنِه، فكان دَيْنًا كالوَدِيعَةِ إذا لم تُعْرَفْ عَيْنُها، ولأنَّه لا سَبِيلَ إلى إسْقاطِ حَقِّ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ الأَصْلَ بَقَاؤُه، ولم يُوجَدْ ما يُعَارِضُ ذلك ويُخَالِفُه، ولا سَبِيلَ إلى إعْطائِه عَيْنًا (١٦) من هذا المالِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ من غيرِ مالِ المُضَارَبةِ، فلم يَبْقَ إلَّا تَعَلُّقُه بالذِّمَّةِ.
٨٣٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا تَبَيَّنَ لِلْمُضَارِبِ أنَّ فِي يَدِه فَضْلًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أخْذُ شَيءٍ مِنْهُ إلَّا بإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ)
وجُمْلَتُه أنَّ الرِّبْحَ إذا ظَهَرَ في المُضَارَبةِ، لم يَجُزْ لِلْمُضَارِبِ أخْذُ شيءٍ منه بغيرِ إذْنِ
стр. 3399
رَبِّ المالِ. لا نَعْلَمُ في هذا بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا. وإنَّما لم يَمْلِكْ ذلك لأُمُورِ ثلاثةٍ؛ أحدها، أنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ (١) المالِ، فلا يَأْمَنُ الخُسْرانَ الذي يكونُ هذا الرِّبْحُ جَابِرًا له، فيَخْرُجُ بذلك عن أن يكونَ رِبْحًا. الثاني، أنَّ رَبَّ المالَ شَرِيكُه، فلم يكُنْ له مُقَاسَمَةُ نَفْسِه. الثالث، أنَّ مِلْكَهُ عليه غيرُ مُسْتَقِرٍّ؛ لأنَّه بعَرَضِ أن يَخْرُجَ في يَدِه بجُبْرانِ خَسَارَةِ المالِ. وإن أَذِنَ رَبُّ المالِ في أخْذِ شيءٍ, جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما.
فصل: وإن طَلَبَ أحَدُهما قِسْمَةَ الرِّبْحِ دونَ رَأْسِ المالِ، وأبَى الآخَرُ، قُدِّمَ قولُ المُمْتَنِعِ؛ لأنَّه إن كان رَبَّ المالِ، فلأنَّه لا يَأْمَنُ الخُسْرانَ في رَأْسِ المالِ، فيَجْبُرُهُ بالرِّبْحِ، وإن كان العامِلَ فإنَّه لا يَأْمَنُ أن يَلْزَمَه رَدُّ ما أخَذَ في وَقْتٍ لا يَقْدِرُ عليه وإن تَرَاضَيَا على ذلك، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، وسواءٌ اتَّفَقَا على قِسْمَةِ جَمِيعِه أو بعضِه، أو على أن يَأْخُذَ كلُّ واحدٍ منهما شيئا مَعْلُومًا يُنْفِقُه. ثم متى ظَهَرَ في المالِ خُسْرانٌ، أو تَلِفَ كلُّه، لَزِمَ العامِلَ رَدُّ أقَلِّ الأَمْرَيْنِ ممَّا أخَذَهُ، أو نِصْفِ خُسْرانِ المالِ، إذا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ نِصْفَيْنِ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: لا تجوزُ القِسْمةُ حتى يَسْتَوْفِىَ رَبُّ المالِ مالَهُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: إذا اقْتَسَما الرِّبْحَ، ولم يَقْبِضْ رَبُّ المالِ رَأْسَ مَالِه، فأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يقولون: يَرُدُّ العامِلُ الرِّبْحَ حتى يَسْتَوْفِىَ رَبُّ المالِ مَالَهُ. ولَنا، على جَوَازِ القِسْمَةِ، أنَّ المالَ لهما، فجازَ لهما أن يَقْتَسِمَا بعضَه، كالشَّرِيكَيْنِ. أو نقول: إنَّهما شَرِيكانِ، فجازَ لهما قِسْمَةُ الرِّبْحِ قبلَ المُفَاصَلَةِ، كشَرِيكَىِ العِنَانِ.
فصل: والمُضَارَبةُ من العُقُودِ الجائِزَةِ، تَنْفَسِخُ بِفَسْخِ أحَدِهِما، أيِّهما كان، وبمَوْتِه، وجُنُونِه، والحَجْرِ عليه لِسَفَهٍ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ في مالِ غيرِه بإِذْنِه، فهو كالوَكِيلِ. ولا فَرْقَ بين ما قبلَ التَّصَرُّفِ وبعدَه. فإذا انْفَسَخَتْ والمالُ ناضٌّ لا رِبْحَ فيه، أخَذَهُ رَبُّه، وإن كان فيه رِبْحٌ، قَسَما الرِّبْحَ على ما شَرَطَاهُ. وإن انْفَسَخَتْ والمالُ
стр. 3400
عَرْضٌ، فاتَّفَقَا على بَيْعِه أو قَسْمِه (٢)، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَعْدُوهما. وإن طَلَبَ العامِلُ البَيْعَ، وأبَى رَبُّ المالِ، وقد ظَهَرَ في المالِ رِبْحٌ، أُجْبِرَ رَبُّ المالِ على البَيْعِ. وهذا (٣) قولُ إسحاقَ والثَّوْرِىِّ؛ لأنَّ حَقَّ العامِلِ في الرِّبْحِ، ولا يَظْهَرُ إلَّا بالبَيْعِ. وإن لم يَظْهَرْ رِبْحٌ، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، وقد رَضِيَهُ مالِكُه كذلك، فلم يُجْبَرْ على بيْعِه. وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشّافِعِىِّ. وقال بعضُهم: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُجْبَرُ على البَيْعِ؛ لأنَّه ربَّما زَادَ فيه زَائِدٌ، أو رَغِبَ فيه راغِبٌ، فزَادَ على ثَمَنِ المِثْلِ، فيكونُ للعامِلِ في البَيْعِ حَظٌّ. ولَنا، أن المُضَارِبَ إنما اسْتَحَقَّ (٤) الرِّبْحَ إلى حينِ الفَسْخِ، وذلك لا يُعْلَمُ إلَّا بالتَّقْوِيمِ، ألا تَرَى أنَّ المُسْتَعِيرَ إذا غَرَسَ أو بَنَى، أو المُشْتَرِىَ، كان لِلْمُعِيرِ والشَّفِيعِ أن يَدْفَعَا قِيمَةَ ذلك، لأنَّه مُسْتَحِقٌّ للأَرْضِ، فههُنا أَوْلَى. وما ذَكَرُوه من احْتِمالِ الزِّيادَةِ، بزِيَادَةِ مُزَايِدٍ أو رَاغِبٍ على قِيمَتِه، فإنَّما حَدَثَ ذلك بعدَ فَسْخِ العَقْدِ، فلا يَسْتَحِقُّها العامِلُ. وإن طَلَبَ رَبُّ المالِ البَيْعَ، وأبى العامِلُ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يُجْبَرُ العامِلُ على البَيْعِ. وهو قولُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ عليه رَدَّ المالِ نَاضًّا كما أخَذَهُ. والثانى، لا يُجْبَرُ إذا لم يكُنْ في المالِ رِبْحٌ، أو أسْقَطَ حَقَّهُ من الرِّبْحِ؛ لأنَّه بالفَسْخِ زال تَصَرُّفُه، وصارَ أجنَبِيًّا من المالِ، فأشْبَهَ الوَكِيلَ إذا اشْتَرَى ما يُسْتَحَقُّ رَدُّه، فزَالَتْ وَكَالَتُه قبلَ رَدِّه. ولو كان رَأْسُ المالِ دَنَانِيرَ، فصارَ دَرَاهِمَ, [أو دَرَاهِمَ فصارَ دَنَانِيرَ] (٥)، فهو كما لو كان عَرْضًا، على ما شُرِحَ. وإذا نَضَّ رَأْسُ المالِ جَمِيعُه، لم يَلْزَمِ العامِلَ أن يَنِضَّ له الباقِى؛ لأنَّه شَرِكَةٌ بينهما، ولا يَلْزَمُ الشَّرِيكَ أن يَنِضَّ مالَ شَرِيكِه، ولأنَّه إنَّما لَزِمَهُ أن يَنِضَّ رَأْسَ المالِ، لِيَرُدَّ إليه (٦) رَأْسَ مالِه على صِفَتِه، ولا يُوجَدُ هذا المَعْنَى في الرِّبْحِ.
стр. 3401
فصل: وإن انْفَسَخَ القِرَاضُ، والمالُ دَيْنٌ، لَزِمَ العامِلَ تَقَاضِيه، سواءٌ ظَهَرَ في المالِ رِبْحٌ أو لم يَظْهَرْ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن ظَهَرَ رِبْحٌ، لَزِمَهُ تَقَاضِيه، وإن لم يَظْهَرْ رِبْحٌ، لم يَلْزَمْهُ تَقَاضِيه؛ لأنَّه لا غَرَضَ له في العَمَلِ، فهو كالوَكِيلِ. ولَنا، أن المُضَارَبةَ تَقْتَضِى رَدَّ رَأْسِ المالِ على صِفَتِه، والدُّيُونُ لا تَجْرِى مَجْرَى النَّاضِّ، فلَزِمَه أن يَنِضَّه، كما لو ظَهَرَ في المالِ رِبْحٌ، وكما لو كان رَأْسُ المالِ عَرْضًا. ويُفَارِقُ الوَكِيلَ؛ فإنَّه لا يَلْزَمُهُ رَدُّ المالِ كما قَبَضَهُ، ولهذا لا يَلْزَمُه بَيْعُ العُرُوضِ (٧). ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الفَسْخِ من العامِلِ أو رَبِّ المالِ، فإن اقْتَضَى منه قَدْرَ رَأْسِ المالِ، أو كان الدَّيْنُ قَدْرَ الرِّبْحِ، أو دُونَه، لَزِمَ العامِلَ تَقَاضِيه أيضًا؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ نَصِيبَه من الرِّبْحِ عندَ وُصُولِه إليهما على وَجْهٍ يُمْكِنُ قِسْمَتُه، وَوُصُولُ كلِّ واحدٍ منهما إلى حَقِّه منه، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بعدَ تَقَاضِيه.
فصل: وأىُّ المُتَقَارِضَيْنِ ماتَ أو جُنَّ، انْفَسَخَ القِرَاضُ؛ لأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ، فانْفَسَخَ بمَوْتِ أحَدِهِما وجُنُونِه، كالتَّوْكِيلِ. فإن كان المَوْتُ أو الجُنُونُ برَبِّ المالِ، فأرَادَ الوارِثُ أو وَلِيُّه إتْمَامَهُ، والمالُ ناضٌّ، جازَ، ويكونُ رَأْسُ المالِ وحِصَّتُه من الرِّبْحِ رَأْسَ المالِ، وحِصَّةُ العامِلِ من الرِّبْحِ شَرِكَةً له مُشاعٌ (٨). وهذه الإِشَاعَةُ لا تَمْنَعُ؛ لأنَّ الشَّرِيكَ هو العامِلُ، وذلك لا يَمْنَعُ التَّصَرُّف. وإن كان المالُ عَرْضًا وأرَادُوا إتَمامَهُ، فظَاهِرُ كلامِ أحمدَ جَوَازُه؛ لأنَّه قال، في رِوَايةِ عليِّ بن سَعِيدٍ: إذا ماتَ رَبُّ المالِ، لم يَجُزْ لِلْعَامِلِ أن يَبِيعَ ولا يَشْتَرِىَ (٩) إلَّا بإذْنِ الوَرَثَةِ. فظاهِرُ هذا بَقاءُ العامِلِ على قِرَاضِه، وهو مَنْضُوصُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ هذا إتْمَامٌ لِلْقِرَاضِ (١٠) لا ابْتِدَاءٌ له، ولأنَّ القِرَاضَ إنَّما مُنِعَ منه (١١) في العُرُوضِ؛ لأنَّه يَحْتَاجُ عندَ المُفَاصَلَةِ إلى رَدِّ مِثْلِها أو قِيمَتِها، ويَخْتَلِفُ ذلك
стр. 3402
باخْتِلافِ الأَوْقاتِ، وهذا غيرُ مَوْجُودٍ ههُنا؛ لأنَّ رَأْسَ المالِ غيرُ العُرُوضِ، وحُكْمُه باقٍ، ألا تَرَى أنَّ لِلْعامِلِ أن يَبِيعَهُ لِيُسَلِّمَ رَأْسَ المالِ ويَقْسِمَ الباقِىَ وذَكَرَ القاضي وَجْهًا آخَرَ، أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّ القِرَاضَ قد بَطَلَ بالمَوْتِ، وهذا ابْتِدَاءُ قِرَاضٍ على عُرُوضٍ. وهذا الوَجْهُ أقْيَسُ؛ لأنَّ المالَ لو كان نَاضًّا كان ابْتدَاءَ قِرَاضٍ، وكانت حِصَّةُ العامِلِ من الرِّبْحِ شَرِكَةً له يَخْتَصُّ بها دُونَ رَبِّ المالِ. وإن كان المالُ ناقصًا (١٢) بِخَسَارَةٍ أو تَلَفٍ، كان رَأْسُ المالِ المَوْجُودَ منه حالَ ابْتِداءِ القِرَاضِ، فلو جَوَّزْنا ابْتِدَاءَ القِرَاضِ ههُنا وبِنَاءَهما على القِرَاضِ، لَصارَتْ حِصَّةُ العامِلِ من الرِّبْحِ غيرَ مُخْتَصَّةٍ به، وحِصَّتُهما من الرِّبْحِ مُشْتَرَكَةً بينهما، وحُسِبَتْ عليه العُرُوضُ بأكْثَرَ من قِيمَتِها، فيما إذا كان المالُ نَاقِصًا، وهذا لا يجوزُ في القِرَاضِ بلا خِلَافٍ. وكلامُ أحمدَ يُحْمَلُ على أنَّه يَبِيعُ ويَشْتَرِى بإِذْنِ الوَرَثَةِ، كبَيْعِه وشِرَائِه بعدَ انْفِساخِ القِرَاضِ. فأمَّا إن ماتَ العامِلُ أو جُنَّ، وأرَادَ ابْتداءَ القِرَاضِ مع وارِثِه أو وَلِيِّه، فإن كان نَاضًّا، جازَ، كما قُلْنا فيما إذا ماتَ رَبُّ المالِ، وإن كان عَرْضًا، لم يَجُزِ ابْتِدَاءُ القِرَاضِ إلَّا على الوَجْهِ الذي يُجَوِّزُ ابْتِدَاءَ القِرَاضِ على العُرُوضِ، بأن تُقَوَّمَ العُرُوضُ، ويُجْعَلَ رَأْسُ المالِ قِيمَتها يَوْمَ العَقْدِ؛ لأنَّ الذي كان منه العَمَلُ قد ماتَ، أو جُنَّ، وذَهَبَ عَمَلُه، ولم يَخْلُفْ أصْلًا يَبْنِى عليه وارِثُه، بخِلَافِ ما إذا ماتَ رَبُّ المالِ، فإنَّ المالَ المُقَارَضَ عليه مَوْجُودٌ، ومَنَافِعَه مَوْجُودَةٌ، فأمْكَنَ اسْتِدامَةُ العَقْدِ، وبِنَاءُ الوَارِث عليه. وإن كان المالُ نَاضًّا، جَازَ ابْتِدَاءُ القِرَاضِ فيه إذا ابْتَدَءَا (١٣) ذلك، فإن لم يَبْتَدِئاهُ، لم يكُنْ لِلْوارِثِ شِرَاءٌ ولا بَيْعٌ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ إنَّما رَضِىَ باجْتِهادِ مَوْرُوثِه (١٤)، فإذا لم يَرْضَ بِبَيْعِه، رَفَعَهُ إلى الحاكِمِ لِيَبِيعَهُ. فأمَّا إن كان المَيِّتُ رَبَّ المالِ، فليس لِلْعامِلِ الشِّرَاءُ؛ لأنَّ القِرَاضَ انْفَسَخَ. فأمَّا البَيْعُ، فإنَّ الحُكْمَ فيه وفى التَّقْوِيمِ واقْتِضَاءِ الدَّيْنِ، على ما ذَكَرْناهُ إذا فُسِخَتِ المُضَارَبةُ ورَبُّ المالِ حَىٌّ.
стр. 3403
فصل: إذا تَلِفَ المالُ قبلَ الشِّرَاءِ انْفَسَخَتِ المُضَارَبةُ؛ لِزَوَالِ المالِ الذي تَعَلَّقَ العَقْدُ به، وما اشْتَراهُ بعد ذلك لِلْمُضَارَبةِ، فهو لازِمٌ له، والثَّمَنُ عليه، سواءٌ عَلِمَ بتَلَفِ المالِ قبلَ نَقْدِ الثَّمَنِ أو جَهِلَ ذلك. وهل يَقِفُ على إِجَازَةِ رَبِّ المالِ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحداهما، إن أجَازَهُ، فالثَّمَنُ عليه، والمُضَارَبةُ بحَالِها. وإن لم يُجِزْه، لَزِمَ العامِلَ. والثانية، هو لِلْعامِلِ على كلِّ حالٍ. فإن اشْتَرَى للمُضارَبةِ شيئا، فتَلِفَ المالُ قبلَ نَقْدِه، فالشِّرَاءُ لِلمُضَارَبةِ، وعَقْدُها باقٍ، ويَلْزَمُ رَبَّ المالِ الثَّمَنُ، ويَصِيرُ رَأْسُ المالِ الثَّمَنَ دُونَ التَّالِفِ؛ لأنَّ الأَوَّلَ تَلِفَ قبلَ التَّصَرُّفِ فيه. وهذا قَوْلُ بعضِ الشَّافِعِيّةِ. ومنهم مَن قال: رَأْسُ المالِ هذا والتَّالِفُ. وحُكِىَ ذلك عن أبي حنيفةَ، ومحمدِ بن الحَسَنِ. ولَنا، أنَّ التَّالِفَ تَلِفَ قبلَ التَّصَرُّفِ فيه، فلم يكُنْ من رَأْسِ المالِ، كما لو تَلِفَ قبلَ الشِّرَاءِ. ولو اشْتَرَى عَبْدَيْنِ بمالِ المُضَارَبةِ، فتَلِفَ أحَدُ العَبْدَيْنِ، كان تَلَفُه من الرَّبْحِ، ولم يَنْقُصْ رَأْسُ المالِ بِتَلَفِه؛ لأنَّه تَلِفَ بعدَ التَّصَرُّفِ فيه. وإن تَلِفَ العَبْدان كِلَاهما، انْفَسَخَتِ المُضَارَبةُ؛ لِزَوَالِ مَالِها كلِّه. فإن دَفَعَ إليه رَبُّ المالِ بعدَ ذلك ألْفًا، كان الأَلْفُ رَأْسَ المالِ، ولم يُضَمَّ إلى المُضَارَبةِ الأُولَى؛ لأنَّها انْفَسَخَتْ لذَهَابِ مَالِها.
٨٣٧ - مسألة؛ قال: (وَإذَا اتَّفَقَ رَبُّ الْمَالِ والْمُضَارِبُ عَلَى أنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا، والوَضِيعَةَ عَلَيْهِمَا، كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا والوَضِيعَةُ عَلَى الْمَالِ)
وجُمْلَتُه أنَّه متى شَرَطَ على المُضَارِبِ ضَمانَ المالِ، أو سَهْمًا من الوَضِيعَةِ، فالشَّرْطُ باطِلٌ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، والعَقْدُ صَحِيحٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالِكٍ. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّ العَقْدَ يَفْسُدُ به. وحُكِىَ ذلك عن الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأفْسَدَ المُضَاربةَ، كما لو شَرَطَ لأحَدِهما فَضْلَ دَرَاهِم. والمذهبُ الأَوَّلُ. ولَنا، أنَّه شَرْطٌ لا يُؤَثِّرُ في جَهَالةِ الرِّبْحِ، فلم يَفْسُدْ به، كما لو شَرَطَ لُزُومَ المُضَارَبةِ. ويُفارِقُ شَرْطَ الدَّرَاهِم؛ لأنَّه إذا فَسَدَ الشَّرْطُ ثَبَتَتْ حِصَّةُ كلِّ واحدٍ منهما من (١) الرِّبْحِ مَجْهُولَةً.
стр. 3404
فصل: والشُّرُوطُ في المُضارَبةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ صَحِيحٌ، وفَاسِدٌ، فالصَّحِيحُ مثلُ أن يَشْتَرِطَ على العامِلِ أن لا يُسافِرَ بالمالِ، أو أن يُسَافِرَ به، أو لا يَتَّجِرَ إلَّا في بَلَدٍ بِعَيْنِه، أو نَوْعٍ بِعَيْنِه، أو لا يَشْتَرِىَ إلَّا من رَجُلٍ بِعَيْنِه. فهذا كلُّه صَحِيحٌ، سواءٌ كان (٢) النَّوْعُ ممَّا يَعُمُّ وُجُودُه، أو لا يَعُمُّ، أو الرَّجُلُ (٣) ممَّن يكْثُرُ عندَه المَتاعُ أو يَقِلُّ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: إذا شَرَطَ أن لا يَشْتَرِىَ إلَّا من رَجُلٍ بِعَيْنِه، أو سِلْعَةٍ بعَيْنِها، أو ما لا يَعُمُّ وُجُودُه، كالياقُوتِ الأَحْمَرِ، والخَيْلِ البُلْقِ (٤)، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يَمْنَعُ مَقْصُودَ المُضارَبةِ، وهو التَّقْلِيبُ (٥) وطَلَبُ الرِّبْحِ، فلم يَصِحَّ، كما لو اشْتَرَطَ أن لا يَبِيعَ ويَشْتَرِىَ إلَّا من فُلَانٍ، أو أن لا يَبِيعَ إلَّا بمثلِ ما اشْتَرَى به. ولَنا، أنَّها مُضارَبةٌ خاصَّة، لا تَمْنَعُ الرِّبْحَ بالكُلِّيَّةِ، فصَحَّتْ، كما لو شَرَطَ أن لا يَتَّجِرَ إلَّا في نَوْعٍ يَعُمُّ وُجُودُه، ولأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ تَخْصِيصُه بِنَوْعٍ، فصَحَّ تَخْصِيصُه في رَجُلٍ بعَيْنِه، وسِلْعَةٍ بِعَيْنِها، كالوَكَالَةِ. وقولُهم: إنَّه يَمْنَعُ المَقْصُودَ. مَمْنُوعٌ، وإنَّما يُقَلِّلهُ، وتَقْلِيلُه لا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كتَخْصِيصِه بالنَّوْعِ. ويُفَارِقُ ما إذا شَرَطَ أن لا يَبِيعَ إلَّا بِرأْسِ المالِ، فإنَّه يَمْنَعُ الرِّبْحَ بالكُلِّيَّةِ وكذلك إذا قال: لا تَبِعْ إلا من فُلانٍ، ولا تَشْتَرِ إلَّا من فُلَانٍ. فإنَّه يَمْنَعُ الرِّبْحَ أيضًا؛ لأنَّه لا يَشْتَرِى ما بَاعَهُ إلَّا بدون ثَمَنِه الذي بَاعَهُ به. ولهذا لو قال: لا تَبِعْ إلَّا ممَّن اشْتَرَيْتَ منه. لم يَصِحَّ؛ لذلك (٦).
فصل: ويَصِحُّ تَأْقِيتُ المُضارَبةِ، مثلُ أن يقولَ: ضَارَبْتُكَ على هذه الدَّرَاهِم سَنَةً، فإذا انْقَضَتْ فلا تَبِعْ، ولا تَشْتَرِ. قال مُهَنَّا: سَأَلْتُ أحمدَ عن رَجُلٍ أعْطَى رَجُلًا ألْفًا مُضَارَبَةً شَهْرًا، قال: إذا مَضَى شَهْرٌ يكون قَرْضًا. قال: لا بَأْسَ به. قلتُ: فإن جاءَ
стр. 3405
الشَّهْرُ وهى مَتَاعٌ؟ قال: إذا بَاعَ المتَاعَ يكون قَرْضًا. وقال أبو الخَطَّابِ: في صِحَّةِ شَرْطِ التَّأْقِيتِ رِوَايتَانِ؛ إحْداهُما، هو صَحِيحٌ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. والثانية، لا يَصِحُّ. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ، ومالِكٍ. واخْتِيارُ أبى حَفْصٍ العُكْبَرِىّ، لِثَلاثة مَعانٍ؛ أحدُها، أنَّه عَقْدٌ يَقَعُ مُطْلَقًا، فإذا شَرَطَ قَطْعَه لم يَصِحَّ، كالنِّكَاحِ. الثاني، أنَّ هذا ليس من مُقْتَضَى العَقْدِ، ولا له فيه مَصْلَحَةٌ، فأَشْبَهَ ما لو شَرَطَ أن لا يَبِيعَ، وبَيَانُ أنَّه ليس من مُقْتَضَى العَقْدِ، أنَّه يَقْتَضِى أن يكونَ رأسُ المالِ نَاضًّا، فإذا مَنَعَهُ البَيْعَ لم يَنِضَّ. الثالث، أنَّ هذا يُؤَدِّى إلى ضَرَرٍ بالعامِلِ (٧)؛ لأنَّه قد يكونُ الرِّبْحُ والحَظُّ في تَبْقِيةِ المتَاعِ، وبَيْعِه بعد السَّنَةِ. فيَمْتَنِعُ (٨) ذلك بِمُضِيِّها. ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ يَتَوَقَّتُ بِنَوْعٍ من المَتَاعِ، فجازَ تَوْقِيتُه في الزَّمانِ، كالوَكَالةِ. والمَعْنَى الأَوَّل الذي ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالوَكَالةِ والوَدِيعَةِ، [والمَعْنَى الثانِى] (٩) والثالِث (١٠) يَبْطُلُ تَخْصِيصُه بِنَوْعٍ من المتَاعِ، ولأنَّ (١١) لِرَبِّ المالِ مَنْعَه من البَيْعِ والشِّرَاءِ في كلّ وَقْتٍ إذا رَضِىَ أن يَأْخُذَا بمالِه عَرْضًا، فإذا شَرَطَ ذلك، فقد شَرَطَ ما هو من مُقْتَضَى العَقْدِ، فصَحَّ، كما لو قال: إذا انْقَضَتِ السَّنَةُ فلا تَشْتَرِ شيئا. وقد سَلَّمُوا صِحَّةَ ذلك.
فصل: وإذا اشْتَرَطَ المُضَارِبُ نَفَقَةَ نَفْسِه، صَحَّ، سواءٌ كان في الحَضَرِ أو في (١٢) السَّفَرِ. وقال الشّافِعِىُّ: لا يَصِحُّ في الحَضَرِ. ولَنا، أن التِّجارَةَ في الحَضَرِ إحْدَى حَالَتَىِ المُضارَبةِ، فصَحَّ اشْتِراطُ (١٣) النَّفَقةِ فيها، كالسَّفَرِ، ولأنَّه شَرَطَ النَّفَقَةَ في مُقَابَلَةِ عَمَلِه، فصَحَّ، كما لو اشْتَرَطَها في الوَكَالةِ.
стр. 3406
فصل: والشُّرُوطُ الفاسِدَةُ تَنْقَسِمُ (١٤) ثلاثَةَ أقْسَامٍ؛ أحدُها، ما يُنَافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، مثل أن يَشْتَرِطَ لُزُومَ المُضَارَبةِ، أو لا يَعْزِلَهُ مُدَّةً بِعَيْنِها، أو لا يَبِيعَ إلَّا برَأْسِ المالِ أو أقَلَّ، أو لا يَبِيعَ إلَّا ممَّن اشْتَرَى منه، أو شَرَطَ أن لا يَشْتَرِىَ، أو لا يَبِيعَ، أو أن يُولِيَهُ ما يَخْتَارُه من السِّلَعِ، أو نحو ذلك، فهذه شُرُوطٌ فاسِدَةٌ؛ لأنَّها تُفَوِّتُ المَقْصُودَ من المُضَارَبةِ، وهو الرِّبْحُ، أو تَمْنَعُ الفَسْخَ الجائِزَ بِحُكْمِ الأَصْلِ. القسم الثاني، ما يَعُودُ بجَهالَةِ الرِّبْحِ، مثل أن يَشْتَرِطَ لِلْمُضارِبِ جُزْءًا من الرِّبْحِ مَجْهُولًا، أو رِبْحَ أحَدِ الكَسْبَيْنِ، أو أحَدِ الأَلْفَيْنِ، أو أحَدِ العَبْدَيْنِ، أو رِبْحَ إحْدَى السَّفْرَتَيْنِ، أو ما يَرْبَحُ في هذا الشَّهْرِ، أو أن حَقَّ أحَدِهما في عَبْدٍ يَشْتَرِيه، أو يَشْتَرِطَ (١٥) لأحَدِهما دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً بجَمِيعِ حَقِّه أو بِبَعْضِه، أو يَشْتَرِطَ جُزْءًا من الرِّبْحِ لأَجْنَبِىٍّ، فهذه شُرُوطٌ فاسِدَةٌ؛ لأنَّها تُفْضِى إلى جَهْلِ حَقِّ كلِّ واحِدٍ منهما من الرِّبْحِ، أو إلى فَوَاتِه بالكُلِّيّةِ، ومن شَرْطِ المُضَارَبةِ كَوْنُ الرِّبْحِ مَعْلُومًا. القسم الثالث، اشْتِرَاطُ ما ليس من مَصْلَحَةِ العَقدِ، ولا مُقْتَضَاهُ، مثل أن يَشْتَرِطَ على المُضَارِبِ المُضَارَبةَ له في مالٍ آخَرَ، أو يَأْخُذَهُ بِضَاعَةً أو قَرْضًا، أو أن يَخْدِمَهُ في شيءٍ بعَيْنِه، أو يَرْتَفِقَ بِبَعْضِ السِّلَعِ، مثل أن يَلْبَسَ الثَّوْبَ، ويَسْتَخْدِمَ العَبْدَ، ويَرْكَبَ الدّابّةَ، أو يَشْتَرِطَ على المُضَارِبِ ضَمَانَ المالِ أو سَهْمًا من الوَضِيعَةِ، أو أنَّه متى باعَ السِّلْعَةَ فهو أحَقُّ بها بالثَّمَنِ، أو شَرَطَ المُضَارِبُ على رَبِّ المالِ شيئا من ذلك. فهذه كلُّها شُرُوطٌ فاسِدَةٌ. وقد ذَكَرْنا كَثِيرًا منها في غيرِ هذا المَوْضِعِ مُعَلَّلًا. ومتى اشْتَرَطَ شَرْطًا فاسِدًا يَعُودُ بِجَهَالَةِ الرِّبْحِ، فَسَدَتِ المُضارَبةُ؛ لأنَّ الفَسَادَ لِمَعْنًى في العِوَضِ المَعْقُودِ عليه، فأفْسَدَ العَقْدَ، كما لو جَعَلَ رَأْسَ المالِ خَمْرًا أو خِنْزِيرًا، ولأنَّ الجَهَالةَ تَمْنَعُ من التَّسْلِيمِ، فتُفْضِى إلى التَّنازُعِ والاخْتِلافِ، ولا يَعْلَمُ ما يَدْفَعُه إلى المُضَارِبِ. وما عدا ذلك (١٦) من الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ،
стр. 3407
في أظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عنه، أنَّ العَقْدَ صَحِيحٌ. ذَكَرَه عنه الأَثْرَمُ وغيرُه؛ لأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ على مَجْهُولٍ، فلم تُبْطِلْهُ الشُّرُوطُ الفاسِدَة، كالنِّكَاحِ والعَتاقِ والطَّلَاقِ. وذَكَرَ القاضي، وأبو الخَطَّابِ، رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّها تُفْسِدُ العَقْدَ؛ لأنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأفْسَدَ العَقْدَ، كشَرْطِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ، أو شَرْطِ أن يَأْخُذَ له بِضَاعةً، والحُكْمُ في الشَّرِكَةِ كالمُضارَبَةِ (١٧) سَوَاءً.
فصل: وفى المُضَارَبَةِ الفاسِدَةِ فُصُولٌ ثلاثةٌ؛ أحدُها، أنَّه إذا تَصَرفَ نَفَذَ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه أَذِنَ له فيه، فإذا بَطَلَ العَقْدُ بَقِىَ الإِذْنُ، فمَلَكَ به التَّصَرُّفَ، كالوَكِيلِ. فإن قِيل: فلو اشْتَرَى الرَّجُلُ شِرَاءً فاسِدًا، ثم تَصَرَّفَ فيه، لم يَنْفُذْ تَصَرُّفُه (١٨)، مع أن البائِعَ قد أَذِنَ له في التَّصَرُّفِ. قُلْنا: لأنَّ المُشْتَرِىَ يَتَصَرَّفُ من جِهَةِ المِلْكِ لا بالإِذْنِ، فإن أَذِنَ له البائِعُ كان على أنَّه مِلْكُ المأْذُونِ له، فإذا لم يَمْلِكْ، لم يَصِحَّ، وههُنا أَذِنَ له رَبُّ المالِ في التَّصَرُّفِ في مِلْكِ نَفْسِه، وما شَرَطَهُ من الشَّرْطِ الفاسِدِ فليس بمَشْرُوطٍ في مُقَابَلَةِ الإِذْنِ؛ لأنَّه أَذِنَ له في تَصَرُّفٍ يَقَعُ له. الفصل الثاني، أنَّ الرِّبْحَ جَمِيعَهُ لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّه نَمَاءُ مَالِه، وإنَّما يَسْتَحِقُّ العامِلُ بالشَّرْطِ، فإذا فَسَدَتِ المُضَارَبةُ فَسَدَ الشَّرْطُ، فلم يَسْتَحِقَّ منه شيئا، ولكن (١٩) له أَجْرُ مِثْلِه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىّ. واخْتارَ الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ أنَّ الرِّبْحَ بينهما على ما شَرَطَاهُ، واحْتَجَّ بما رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا اشْتَرَكا في العُرُوضِ، قُسِمَ الرِّبْحُ على ما شَرَطا (٢٠). قال: وهذه الشَّرِكَةُ (٢١) فاسِدَةٌ. واحْتَجَّ بأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ مع الجَهالَةِ، فيَثْبُتُ المُسَمَّى في فاسِدِه، كالنِّكَاحِ. قال: ولا أَجْرَ له. وجَعَلَ أحْكَامَها كلَّها كأحْكَامِ الصَّحِيحَةِ. وقد ذَكَرْنا
стр. 3408
هذا. قال القاضي أبو يَعْلَى: والمذهبُ ما حَكَيْنا، وكلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على أنَّه صَحَّحَ الشَّرِكَةَ بالعُرُوضِ. وحُكِىَ عن مالِكٍ أنَّه يَرْجِعُ إلى إقْرَاضِ (٢٢) المِثْلِ. وحُكِىَ عنه: إن لم يَرْبَحْ فلا أجْرَ له. ومُقْتَضَى (٢٣) هذا أنَّه إن رَبِحَ، فله الأَقَلُّ ممَّا شَرَطَ له أو أجْرُ مثله. ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ عِنْدَنا مثلُ هذا؛ لأنَّه إذا كان الأَقَلُّ ما شَرَطَ له، فقد رَضِىَ به، فلا يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ منه، كما لو تَبَرَّعَ بالعَمَلِ الزَّائِدِ. ولَنا، أنَّ تَسْمِيةَ الرِّبْحِ من تَوَابِعِ المُضَارَبةِ، أو رُكْنٌ من أَرْكَانِها، فإذا فَسَدَتْ فَسَدَتْ أرْكانُها وتَوَابِعُها، كالصَّلَاةِ. ولا نُسَلِّمُ في النِّكَاحِ وُجُوبَ المُسَمَّى إذا كان العَقْدُ فاسِدًا، وإذا لم يَجِبْ له المُسَمَّى، وَجَبَ أَجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه إنَّما عَمِلَ ليَأْخُذَ المُسَمَّى، فإذا لم يَحْصُلْ له المُسَمَّى وَجَبَ رَدُّ عَمَلِه إليه، وذلك مُتَعَذِّرٌ، فتَجِبُ (٢٤) قِيمَتُه، وهو أجْرُ مِثْلِه، كما لو تَبَايَعا بَيْعًا فاسِدًا، وَتَقَابَضَا، وتَلِفَ أحَدُ العِوَضَيْنِ في يَدِ القابِضِ له، وَجَبَ رَدُّ قِيمَتِه. فعلى هذا سواءٌ ظَهَرَ في المالِ رِبْحٌ أو لم يَظْهَرْ، فأمَّا إن رَضِىَ المُضَارِبُ بالعَمَلِ بغيرِ عِوَضٍ، مثل أن يقولَ: قارَضْتُكَ والرِّبْحُ كلُّه لِى. فالصَّحِيحُ أنَّه لا شىءَ لِلْمُضارِبِ ههُنا؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بعَمَلِه، فأشْبَه ما لو أعَانَهُ في شيءٍ، أو تَوَكَّلَ له بغيرِ جُعْلٍ، أو أخَذَ له بِضَاعَةً. الفصل الثالث، في الضَّمَانِ، ولا ضَمَانَ عليه فيما يَتْلَفُ بغير تَعَدِّيهِ وتَفرِيطِه؛ لأنَّ ما كان القَبْضُ في صَحِيحِه مَضْمُونًا، كان مَضْمُونًا في فاسِدِه، وما لم يكُنْ مَضْمُونًا في صَحِيحِه، لم يُضْمَنْ في فاسِدِه. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: يَضْمَنُ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لا يَضْمَنُ ما قَبَضَهُ في صَحِيحِه، فلم يَضْمَنْهُ في فاسِدِه، كالوَكَالةِ، ولأنَّها إذا فَسَدَتْ صارَتْ إجَارَةً، والأَجِيرُ لا يَضْمَنُ سُكْنَى ما تَلِفَ بغيرِ تَعَدِّيهِ ولا فِعْلِه، فكذا ههُنا. وأمَّا الشَّرِكَةُ إذا فَسَدَتْ، فقد ذَكَرْناها قبلَ هذا.
стр. 3409
٨٣٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ: ضَارِبْ بِالدَّيْنِ الَّذِى عَلَيْكَ)
نَصَّ أحمدُ على هذا، وهو قولُ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ من نَحْفَظُ عنه من أهل العِلْمِ، أنَّه لا يجوزُ أن يَجْعَلَ الرَّجُلُ دَيْنًا له على رَجُلٍ مُضَارَبةً، وممَّن حَفِظْنا ذلك عنه: عَطَاءٌ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وبه قال الشّافِعِىُّ. وقال بعضُ أصْحابِنَا: يَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ المُضَارَبةُ؛ لأنَّه إذا اشْتَرَى شيئا لِلْمُضَارَبةِ، فقد اشْتَراهُ بإِذْنِ رَبِّ المالِ، ودَفَعَ الدَّيْنَ إلى من أَذِنَ له في دَفْعِه إليه، فتَبْرَأُ ذِمَّتُه منه، ويَصِيرُ كما لو دَفَعَ إليه عَرْضًا، وقال: بِعْهُ، وضَارِبْ بِثَمَنِه. وجَعَلَ أصْحابُ الشَّافِعِىِّ مَكَانَ هذا الاحْتِمالِ أنَّ الشِّراءَ (١) لِرَبِّ المالِ، ولِلْمُضَارِبِ أجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّه عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ، ولا يَصِحُّ عندَهم تَعْلِيقُ القِرَاضِ بِشَرْطٍ. والمذهبُ هو الأَوَّلُ؛ لأنَّ المالَ الذي في يَدَىْ مَن عليه الدَّيْنُ له، وإنَّما يَصِيرُ لِغَرِيمِه بِقَبْضِه، ولم يُوجَدْ القَبْضُ ههُنا. وإن قال له: اعْزِل المالَ الذي لِى عليك، وقد قارَضْتُكَ عليه. ففَعَلَ، واشْتَرَى بعَيْنِ ذلك (٢) المالِ (٣) شيئا لِلْمُضَارَبةِ، وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْمُشْتَرِى؛ لأنَّه اشْتَرَى (٤) لغيرِه بمالِ نَفْسِه، فحَصَلَ الشِّرَاءُ له وإن اشْتَرَى في ذِمَّتِه فكَذَلِكَ؛ لأنَّه عَقَدَ القِرَاضَ على ما لا يَمْلِكُه، وعَلَّقَهُ على شَرْطٍ لا يَمْلِكُ به المالَ.
فصل: وإن قال لِرَجُلٍ: اقْبِض المالَ الذي على فُلَانٍ، واعْمَلْ به مُضَارَبةً. فقَبَضَهُ، وعَمِلَ به، جازَ في قَوْلِهم جَمِيعًا. ويكون وَكِيلًا في قَبْضِه، مُؤْتَمَنًا عليه؛ لأنَّه قَبَضَهُ بإِذْنِ مَالِكِه من غيرِه، فجازَ أن يَجْعَلَهُ مُضَارَبةً، كما لو قال: اقْبِض المالَ من
стр. 3410
غُلَامِى، وضَارِبْ به. قال مُهَنَّا. سَأَلْتُ أحمدَ عن رجلٍ قال: أَقْرِضْنِى أَلْفًا شَهْرًا، ثم هو بعدَ الشَّهْرِ مُضَارَبةٌ؟ قال: لا يَصْلُحُ (٥)؛ وذلك لأنَّه إذا أقْرَضَهُ (٦) صَارَ دَيْنًا عليه، وقد ذَكَرْنا أنَّه لا يجوزُ أن يُضَارِبَ بالدَّيْنِ الذي عليه. ولو قال: ضَارِبْ به شَهْرًا، ثم خُذْهُ قَرْضًا. جازَ؛ لما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ.
فصل: ومن شَرْطِ المُضَارَبةِ أن يكونَ رَأْسُ المالِ مَعْلُومَ المِقْدارِ. ولا يجوزُ أن يكونَ مَجْهُولًا ولا جُزَافًا، ولو شَاهَدَاهُ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَصِحُّ إذا شَاهَداهُ، والقولُ قولُ العامِلِ مع يَمِينِه في قَدْرِه؛ لأنَّه أَمِينُ رَبِّ المالِ، والقولُ قولُه فيما في يَدَيْهِ (٧)، فقامَ ذلك مقامَ المَعْرِفَةِ به. ولَنا، أنَّه مَجْهُولٌ، فلم تَصِحَّ المُضَارَبةُ به، كما لو لم يُشَاهِدَاه؛ وذلك لأنَّه لا يَدْرِى بكم يَرْجِعُ عند المُفَاصَلَةِ، ولأنَّه يُفْضِى إلى المُنَازَعةِ والاخْتِلَافِ في مِقْدارِه، فلم يَصِحَّ، كما لو كان في الكِيسِ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالسَّلَمِ، وبما إذا لم يُشَاهِدَاه.
فصل: ولو أحْضَرَ كِيسَيْنِ، في كلِّ واحدٍ منهما مالٌ مَعْلُومُ المِقْدارِ، وقال: قَارَضْتُكَ على أحَدِهِما. لم يَصِحَّ، سواءٌ تَسَاوَى ما فيهما أو اخْتَلَفَ؛ لأنَّه عَقْدٌ تَمْنَعُ صِحَّتَهُ الجَهَالَةُ، فلم يَجُزْ على غيرِ مُعَيَّنٍ، كالبَيْعِ.
٨٣٩ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ فِي يَدِه وَدِيعَةٌ، جَازَ لَهُ أنْ يَقُولَ: ضَارِبْ بِهَا)
وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الحَسَنُ: لا يجوزُ حتى يَقْبِضَها منه، قِيَاسًا على الدَّيْنِ. ولَنا، أنَّ الوَدِيعَةَ مِلْكُ رَبِّ المالِ، فجازَ أن يُضَارِبَه عليها، كما لو كانت حاضِرَةً. فقال: قارَضْتُكَ على هذا الأَلْفِ. وأشارَ إليه (١) في زَاوِيةِ
стр. 3411
البَيْتِ. وفارَقَ الدَّيْنَ؛ فإنَّه لا يَصِيرُ عَيْنُ المالِ مِلْكًا لِلْغَرِيمِ إلَّا بِقَبْضِه. ولو كانت الوَدِيعةُ قد تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِه، وصارَتْ في الذِّمَّةِ، لم يَجُزْ أن يُضَارِبَهُ عليها؛ لأنَّها صَارَتْ دَيْنًا.
فصل: ولو كان له (٢) في يَدِ غيرِه مالٌ مَغْصُوبٌ، فضَارَبَ الغاصِبَ به، صَحَّ أيضًا؛ لأنَّه مَالٌ لِرَبِّ المالِ، يُبَاحُ له بَيْعُه من غاصِبِه، وممَّن (٣) يَقْدِرُ على أخْذِه منه، فأشْبَه الوَدِيعَةَ. وإن تَلِفَ، وصَارَ في الذِّمّةِ، لم تَجُز المُضَارَبةُ به؛ لأنَّه صارَ دَيْنًا. ومتى ضَارَبَهُ بالمالِ المَغْصُوبِ، زالَ ضَمانُ الغَصْبِ (٤) بمُجَرَّدِ عَقْدِ المُضَارَبةِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال القاضي: لا يَزُولُ ضَمَانُ الغَصْبِ إلَّا بِدَفْعِه ثَمَنًا. وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ القِرَاضَ لا يُنَافِى الضَّمَانَ، بِدَلِيلِ ما لو تَعَدَّى فيه. ولَنا، أنَّه مُمْسِكٌ للمالِ بإِذْنِ مالِكِه، لا يَخْتَصُّ بِنَفْعِه، ولم يَتَعَدَّ فيه، فأَشْبَهَ ما لو قَبَضَهُ وقَبَّضَه (٥) إيّاهُ.
فصل: والعامِلُ أمِينٌ في مالِ المُضَارَبةِ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ في مالِ غيرِه بإِذْنِه، لا يَخْتَصُّ بِنَفْعِه، فكان أمِينًا، كالوَكِيلِ. وفارَقَ المُسْتَعِيرَ؛ فإنَّه قَبَضَهُ لِمَنْفَعَتِه خاصَّةً، وههُنا المَنْفَعَةُ بينهما. فعلى هذا القولُ قولُه في قَدْرِ رَأْسِ المالِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ من نَحْفَظُ عنهم (٦) من أهْلِ العِلْمِ على (٧) أن القولَ قولُ العامِلِ في قَدْرِ رَأْسِ المالِ. كذا قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأصحَابُ الرَّأْىِ، وبه نقولُ. ولأنَّه يَدَّعِى عليه قَبْضَ شيءٍ، وهو يُنْكِرُه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. وكذلك القولُ قولُه فيما يَدَّعِيهِ (٨) من تَلَفِ المالِ أو خَسَارَةٍ فيه، وما يُدَّعَى عليه من خِيَانَةٍ وتَفْرِيطٍ، وفيما يَدَّعِى
стр. 3412
أنَّه اشْتَراهُ لِنَفْسِه أو لِلمُضَارَبةِ؛ لأنَّ الاخْتِلاف ههُنا في نِيَّتِه، وهو أعْلَمُ بما نَوَاهُ، لا يَطَّلِعُ على ذلك أحدٌ سِوَاه، فكان القولُ قولَه فيما نَوَاهُ، كما لو اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ في نِيَّةِ الزَّوْجِ بكِنَايَةِ الطَّلَاقِ. ولأنَّه أمِينٌ في الشِّراءِ، فكان القولُ قولَه، كالوَكِيل. ولو اشْتَرَى عَبْدًا، فقال رَبُّ المالِ: كنتُ نَهَيْتُكَ عن شِرَائِه. فأنْكَرَ العامِلُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ النَّهْىِ. وهذا كله لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا.
فصل: وإن قال: أذِنْتَ لي في البَيْعِ نَسِيئةً وفى الشِّرَاءِ بعَشَرَةٍ. وقال: بل أَذِنْتُ لك في البَيْعِ نَقْدًا، وفى الشِّرَاءِ بخَمْسَةٍ. فالقولُ قولُ العامِلِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال أبو حنيفةَ. ويَحْتَمِلُ أن القولَ قولُ رَبِّ المالِ. وهو قولُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ. ولأنَّ القولَ قولُ رَبِّ المالِ في أصْلِ الإِذْنِ، فكذلك في صِفَتِه. ولَنا، أنَّهما اتَّفَقَا على الإِذْنِ، واخْتَلَفَا في صِفَتِه، فكان القولُ قولَ العامِلِ، كما لو قال: قد نَهَيْتُكَ عن شِرَاءِ عَبْدٍ. فأنْكَرَ النَّهْىَ.
فصل: وإن قال: شَرَطْتَ لي نِصْفَ الرِّبْحِ. فقال: بل ثُلُثَه. فعن أحْمَدَ فيه رِوَايَتانِ؛ إحْداهما: القولُ قولُ رَبِّ المالِ. نَصَّ عليه، في رِوَايةِ ابن المَنْصُورِ وسِنْدِىٍّ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، [وابنُ المُبَارَكِ] (٩)، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ يُنْكِرُ السُّدُسَ الزَّائِدَ واشْتِرَاطَه له، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. والثانية، أنَّ العامِلَ إذا ادَّعَى أجْرَ المِثْلِ، وزِيَادَةً يَتَغابَنُ الناسُ بمِثْلِها، فالقولُ قولُه، وإن ادَّعَى أكْثَرَ، فالقولُ قولُه فيما وافَقَ أجْرَ المِثْلِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يَتَحالَفانِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفَا في عِوَضِ عَقْدٍ، فيَتَحالفانِ، كالمُتَبَايِعَيْنِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" (١٠). [ولأنَّه اخْتلافٌ] (١١) في المُضَارَبةِ، فلم
стр. 3413
يَتَحَالفَا، كسَائِر ما قَدَّمْنَا اخْتِلَافَهما فيه، والمُتَبايِعَانِ يَرْجِعَانِ إلى رُءُوسِ أمْوَالِهما، بخِلَافِ ما نحن فيه.
فصل: وإن ادَّعَى العامِلُ رَدَّ المالِ، فأنْكَرَ رَبُّ المالِ، فالقولُ قولُ رَبِّ المالِ مع يَمِينِه. نَصَّ عليه أحمدُ. ولأَصْحابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهانِ؛ أحَدُهما كقَوْلِنا. والآخَرُ: يُقْبَلُ قَوْلُه؛ لأنَّه أمِينٌ، ولأنَّ مُعْظَمَ النَّفْعِ لِرَبِّ المالِ، فالعامِلُ كالمُودَعِ. ولَنا، أنَّه قَبَضَ المالَ لِنَفْعِ نَفْسِه، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرَّدِّ، كالمُسْتَعِيرِ، ولأنَّ رَبَّ المالِ مُنْكِرٌ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. وفارَقَ المُودَعَ؛ فإنَّه لا نَفْعَ له في الوَدِيعَةِ. وقولُهم: إنَّ مُعْظَمَ النَّفْعِ لِرَبِّ المالِ. يَمْنَعُه، وإن سُلِّمَ إلَّا أنَّ المُضَارِبَ لم يَقْبِضْه إلَّا لِنَفْعِ نَفْسِه، ولم يَأْخُذْه لِنَفْعِ رَبِّ المالِ.
فصل: وإن قال: رَبحْتُ ألْفًا. ثم قال: خَسِرْتُ ذلك. قُبِلَ قَوْلُه؛ لأنَّه أمِينٌ يُقْبَلُ قولُه في التَّلَفِ، فقُبِلَ قولُه (١٢) في الخَسارَةِ، كالوَكِيلِ. وإن قال: غَلِطْتُ أو نَسِيتُ. لم يُقْبَلْ قولُه؛ لأنَّه مُقِرٌّ بحَقٍّ لآدَمِىٍّ، فلم يُقْبَلْ قولُه في الرُّجُوعِ، كما لو أقَرَّ بأن رَأْسَ المالِ أَلْفٌ ثم رَجَعَ. ولو أنَّ العامِلَ خَسِرَ، فقال لِرَجُلٍ: أقْرِضْنِى ما أُتَمِّمُ به رَأْسَ المالِ لأَعْرِضَهُ على رَبِّه، فإننى أخْشَى أن يَنْزِعَهُ مِنِّى إن عَلِمَ بالخَسَارَةِ. فأقْرَضَهُ، فعَرَضَهُ على رَبِّ المالِ، وقال: هذا رَأْسُ مالِكَ. فأخَذَه، فله ذلك. ولا يُقْبَلُ رُجُوعُ العامِلِ عن إقْرَارِه إن رَجَعَ. ولا تُقْبَلُ شَهَادَةُ المُقْرِضِ له؛ لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا. وليس له مُطَالَبَةُ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ العامِلَ مَلَكَهُ بالقَرْضِ، ثم سَلَّمَهُ إلى رَبِّ المالِ، ولكن يَرْجِعُ المُقْرِضُ على العامِلِ لا غيرُ.
فصل: وإذا دَفَعَ رَجُلٌ إلى رَجُلَيْنِ مالًا قِرَاضًا على النِّصْفِ، فنَضَّ المالُ، وهو ثلاثةُ آلافٍ، فقال رَبُّ المالِ: رَأْسُ المالِ أَلْفانِ، فصَدَّقَهُ أحَدُهما، وقال الآخَرُ: بل هو أَلْفٌ. فالقولُ قولُ المُنْكِرِ مع يَمِينِه. فإذا حَلَفَ أنَّ رَأْسَ المالِ ألْفٌ والرِّبْحَ ألْفانِ،
стр. 3414
فنَصِيبُه منهما خَمْسُمائة، يَبْقَى ألْفَانِ وخَمْسُمائة، يَأْخُذُ رَبُّ المالِ أَلْفَيْنِ؛ لأنَّ الآخَرَ يُصَدِّقُه، ويَبْقَى خَمْسُمائة رِبْحًا بين رَبِّ المالِ والعامِلِ الآخَر، يَقْتَسِمانِها أثْلَاثًا، لِرَبِّ المالِ ثُلُثَاها، وللعامِلِ ثُلُثُها مائة وسِتَّة وسِتُّون وثُلُثانِ، ولِرَبِّ المالِ ثلاثُمائةٍ وثلاثةٌ وثَلَاثُونَ وثُلُثٌ؛ لأنَّ نَصِيبَ رَبِّ المالِ من الرِّبْحِ نِصْفُه، ونَصِيبَ هذا العامِلِ رُبْعُه، فيُقْسَمُ بينهما باقِى الرِّبْحِ على ثلاثةٍ، وما أخَذَهُ الحالِفُ فيما زَادَ على قَدْرِ نَصِيبِه كالتَّالِفِ منهما، والتالِفُ يُحْسَبُ في المُضَارَبةِ من الرِّبْحِ. وهذا قول الشَّافِعِىِّ.
فصل: وإن دَفَعَ إلى رَجُلٍ أَلْفًا يَتجِرُ فيه، فرَبِحَ، فقال العامِلُ: كان قَرْضًا لي رِبْحُه كلُّه. وقال ربُّ المالِ: كان قِرَاضًا فَرِبْحُه بيننا. فالقولُ قولُ رَبِّ المالِ؛ لأنَّه مِلْكُه، فالقولُ قولُه في صِفَةِ خُرُوجِه عن يَدِه. فإذا حَلَفَ قَسَمْنَا الرِّبْحَ بينهما. ويَحْتَمِلُ أن يَتَحالَفَا، ويكونُ للعامِلِ أكْثَرُ الأَمْرَيْنِ ممَّا شَرَطَهُ له من الرِّبْحِ أو أَجْرِ مثلِه؛ لأنَّه إن كان الأَكْثَرُ نَصِيبَهُ من الرِّبْحِ، فرَبُّ المالِ مُعْتَرِفٌ له به، وهو يَدَّعِى الرِّبْحَ كلَّه، وإن كان أجْرُ مِثْلِه أكْثَرَ، فالقولُ قولُه في عَمَلِه مع يَمِينِه. كما أنَّ القولَ قولُ رَبِّ المالِ في رِبْحِ (١٣) مالِه، فإذا حَلَفَ قُبِلَ قولُه في أنَّه ما عَمِلَ بهذا الشَّرْطِ، وإنَّما عَمِلَ لِغَرَضٍ ولم (١٤) يَسْلَمْ له، فيكونُ له أجْرُ المِثْلِ. وإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنةٌ بِدَعْوَاهُ، فنَصَّ أحمدُ في رِوَايةِ مُهَنَّا، أنَّهما يَتَعارَضَانِ، ويُقْسَمُ الرِّبْحُ بينهما نِصفَيْنِ. وإن قال رَبُّ المالِ: كان بِضَاعةً. وقال العامِلُ: بل كان قِرَاضًا. احْتَمَلَ أن يكونَ القولُ قولَ العامِلِ؛ لأنَّه عَمِلَه له، فيكونُ القولُ قولَه فيه. ويَحْتَمِلُ أن يَتَحالَفَا، ويكونُ للعامِلِ أقَلُّ الأَمْرَيْنِ من نَصِيبِه من الرِّبْحِ أو أَجْرِ مثلِه؛ لأنَّه لا (١٥) يَدَّعِى أكْثَرَ من نَصِيبِه من الرِّبْحِ، فلا يَسْتَحِقُّ زِيَادَةً عليه. وإن كان الأَقَلُّ أَجْرَ مِثْلِه، فلم يَثْبُتْ كونُه قِرَاضًا، فيكونُ له أجْرُ عَمَلِه. وإن قال رَبُّ المالِ: كان بِضَاعَةً. وقال العامِلُ: كان قَرْضًا. حَلَفَ كلُّ واحدٍ منهما على
стр. 3415
إنْكارِ ما ادَّعاهُ خَصْمُه، وكان له أجْرُ عَمَلِه لا غيرُ. وإن خَسِرَ المالُ أو تَلِفَ، فقال رَبُّ المالِ: كان قَرْضًا. وقال العامِلُ: كان قِرَاضًا أو بِضَاعةً. فالقولُ قولُ رَبِّ المالِ.
فصل: وإذا اشْتَرَطَ المُضَارِبُ النَّفَقَةَ، ثم ادَّعَى أنَّه إنَّما أنْفَقَ من مالِه، وأرَادَ الرُّجُوعَ، فله ذلك، سواءٌ كان المالُ باقِيًا في يَدَيْهِ (١٦)، أو قد رَجَعَ إلى مالِكِه. وبه قال أبو حنيفةَ إذا كان المالُ باقِيًا في يَدَيْهِ، وليس له ذلك إذا كان بعدَ رَدِّه. ولَنا، أنَّه أمِينٌ، فكان القولُ قولَه في ذلك، كما لو كان باقِيًا في يَدِه، وكالوَصِىِّ إذا ادَّعَى النَّفَقةَ على اليَتِيمِ.
فصل: أذا كان عَبْدٌ بين رجُلَيْنِ، فبَاعَهُ أحَدُهما بأَمْرِ الآخَرِ بأَلْفٍ، وقال: لم أَقْبِضْ ثَمَنَهُ. وادَّعَى (١٧) المُشْتَرِى أنَّه قَبَضَهُ، وصَدَّقَه الذي لم يَبِعْ، بَرِئَ المُشْتَرِى من نِصْفِ ثَمَنِه؛ لِاعْتِرافِ شَرِيكِ البائِعِ بقَبْضِ وَكِيلِه حَقَّه، فبَرِئَ المُشْتَرِى منه، كما لو أقَرَّ أنَّه قَبَضَهُ بِنَفْسِه، وتَبْقَى الخُصُومَةُ بين البائِعِ وشَرِيكِه والمُشْتَرى، فإن خاصَمَهُ شَرِيكُه، وادَّعَى عليه أنَّك قَبَّضْتَه نَصِيبِى من الثَّمَنِ. فأنْكَرَ (١٨)، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه إن لم يكُنْ لِلمُدَّعِى بَيِّنَةٌ، وإن كانت له بَيِّنةٌ قُضِىَ بها عليه، ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ المُشْتَرِى له؛ لأنَّه يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا. وإن خَاصَمَ البائِعُ المُشْتَرِى، فادَّعَى المُشْتَرِى أنَّه دَفَعَ إليه الثَّمَنَ، وأنْكَرَ البائِعُ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ. فإذا حَلَفَ، أخَذَ من المُشْتَرِى نِصْفَ الثَّمَنِ، ولا يُشَاركُه فيه شَرِيكُه؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ أنَّه يَأْخُذُه ظُلْمًا، فلا يَسْتَحِقُّ مُشَارَكَتَه فيه. وإن كانت لِلْمُشْتَرِى بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها، ولا تُقْبَلُ شَهَادَةُ شَرِيكِه عليه؛ لأنَّه يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا، ومن شَهِدَ بشَهادَةٍ تَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا بَطَلَتْ شَهَادَتُه في الكُلِّ، ولا فَرْقَ بين مُخاصَمةِ الشَّرِيكِ قبلَ مُخاصَمَةِ المُشْتَرِى أو بعدَها. وإن ادَّعَى المشْتَرِى أنَّ شَرِيكَ البائِعِ قَبَضَ الثَّمَنَ منه، فَصَدَّقَهُ البائِعُ، نَظَرْتَ، فإن كان البائِعُ أَذِنَ لِشَريكِه في القَبْضِ، فهى كالتى قبلَها، وإن لم يَأْذَن له في القَبْضِ، لم تَبْرَأْ ذِمَّةُ
стр. 3416
المُشْتَرِى من شيءٍ من الثَّمَنِ؛ لأنَّ البائِعَ لم يُوَكِّلْه في القَبْضِ، فقَبْضُهُ له (١٩) لا يَلْزَمُه، ولا يَبْرَأُ المُشْتَرِى منه، كما لو دَفَعَهُ إلى أجْنَبِىٍّ. ولا يُقْبَلُ قولُ المُشْترِى على شَرِيكِ البائِعِ؛ لأنَّه يُنْكِرُه، وللبائِعِ المُطَالَبةُ بقَدْرِ نَصِيبِه لا غيرُ؛ لأنَّه مُقِرٌّ أن شَرِيكَه قَبَضَ حَقَّه. ويَلْزَمُ المُشْتَرِىَ دَفْعُ نَصِيبِه إليه، ولا يَحْتاجُ إلى يَمِينٍ (٢٠)؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ مُقِرٌّ بِبَقَاءِ حَقِّه. وإن دَفَعَه إلى شَرِيكِه، لم تَبْرَأْ ذِمَّتُه، فإذا قَبَضَ حَقَّه، فلِشَرِيكِه مُشَارَكَتُه فيما قَبَضَ؛ لأنَّ الدَّيْنَ لهما ثابِتٌ بِسَبَبٍ واحِدٍ، فما قَبَضَ منه يكونُ بينهما، كما لو كان مِيراثًا. وله أن لا يُشَارِكَه، ويُطَالِبَ المُشْتَرِىَ بحَقِّه كلِّه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الشَّرِيكُ مُشَارَكَتَهُ فيما قَبَضَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَسْتَحِقُّ ثمَنَ نَصِيبِه الذي يَنْفَرِدُ به، فلم يكُنْ لِشَرِيكِه مُشَارَكَتُه فيما قَبَضَ من ثَمَنِه، كما لو باعَ كلُّ واحدٍ منهما نَصِيبَه في صَفْقَةٍ. ويُخَالِفُ المِيرَاثَ؛ لأنَّ سَبَبَ اسْتِحْقاقِ الوَرَثَةِ لا يَتَبَعَّضُ، فلم يكن لِلْوَرَثةِ تَبْعِيضُه، وههُنا يَتَبَعَّضُ؛ لأنَّه إذا كان البائِعُ اثْنَيْنِ كان بمَنْزِلةِ عَقْدَيْنِ، ولأنَّ الوَارِثَ نائِبٌ عن المَوْرُوثِ، [فكان ما يَقْبِضُه لِلْمَوْرُوثِ] (٢١) يَشْتَرِكُ فيه جَمِيعُ الوَرَثةِ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فإنّ ما يَقْبِضُه لِنَفْسِه. فإن قُلْنا: له مُشَارَكَتُه فيما قَبَضَ. فعليه اليَمِينُ أنَّه لم يَسْتَوْفِ حَقَّهُ من المُشْتَرِى، ويَأْخُذُ من القابِض نِصْفَ ما قَبَضَهُ، ويُطالِبُ المُشْتَرِىَ ببَقِيَّةِ حَقِّه، إذا حَلَفَ له أيضًا أنَّه ما قَبَضَ منه شيئا. وليس لِلْمَقْبُوض منه أن يَرْجِعَ على المُشْتَرِى بعِوَضٍ ما أخَذ منه؛ لأنَّه مُقِرٌّ أنَّ المُشْتَرِىَ قد بَرِئَتْ ذِمَّتُه من حَقِّ شَرِيكِه، وإنَّما أخَذَ منه ظُلْمًا، فلا يَرْجِعُ بما ظَلَمَه هذا على غيرِه. وإن خاصَمَ المُشْتَرِى شَرِيكَ البائِعِ، فادَّعَى عليه أنَّه قَبَضَ الثَّمَنَ منه، فكانت له بَيِّنَةٌ، حُكِمَ (٢٢) بها. وتُقْبَلُ شَهَادَةُ البائِعِ له إذا كان عَدْلًا؛ لأنَّه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا؛ لأنَّه إذا ثَبَتَ
стр. 3417
أن شَرِيكَه قَبَضَ الثَّمنَ، لم يَمْلِكْ مُطَالَبَتَهُ بشيءٍ، لأنَّه ليس بوَكِيلٍ له في القَبْضِ، فلا يَقَعُ قَبْضُه له. هكذا ذَكَرَه بعضُ أصْحابِنَا، وعندى لا تُقْبَلُ شَهَادَتُه له؛ لأنَّه يَدْفَعُ عن نَفْسِه ضَرَرَ مُشَارَكَةِ شَرِيكِه له فيما يَقْبِضُه من المُشْتَرِى. وإذا لم تكنْ له (٢٣) بَيِّنَة، فحَلَفَ، أخَذَ من المُشْتَرِى نِصْفَ الثَّمنِ، وإن نَكلَ، أخَذَ المُشْتَرِى منه نِصْفَه.
فصل: وإذا كان العَبْدُ بين اثْنَيْنِ، فغَصَبَ رَجُلٌ نَصِيبَ أحَدِهما، بأن يَسْتَوْلِىَ على العَبْدِ، ويَمْنَعَ أحَدَهما الانْتِفاعَ دُونَ الآخَرِ، ثم إنَّ مالِكَ نِصْفِه والغاصِبَ باعَا العَبْدَ صَفْقةً واحِدَةً، صَحَّ في نَصِيبِ المالِكِ، وبَطَلَ في نَصِيبِ الغاصِبِ. وإن وَكَّلَ الشَّرِيكُ الغاصِبَ، أو وَكَّلَ الغاصِبُ الشَّرِيكَ في البَيْعِ، فباعَ العَبْدَ كلَّه صَفْقةً واحِدَةً، بَطَلَ في نَصِيبِ الغاصِبِ، في الصَّحِيحِ. وهل يَصِحُّ في نَصِيبِ الشَّرِيكِ؟ على رِوَايَتَيْنِ، بِنَاءً على تَفْرِيقِ الصَفْقَةِ؛ لأنَّ الصَّفْقةَ ههُنا وَقَعَتْ واحِدَةً، وقد بَطَلَ البَيْعُ في بعضِها، فبَطَلَ في سائِرِها. بخِلَافِ ما إذا باعَ المالِكُ والغاصِبُ، فإنَّهما عَقْدانِ؛ لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَيْنِ عَقْدانِ. ولو أنَّ الغاصِبَ ذَكَرَ لِلْمُشْتَرِى أنَّه وَكِيلٌ (٢٤) في نِصْفِه، لصَلَحَ في نَصِيبِ الآذِنِ؛ لكَوْنِه كالعَقْدِ المُنْفَرِدِ.
فصل: وإذا كان لِرَجُلَيْنِ دَيْنٌ لِسَبَبٍ واحدٍ؛ إما عَقْدٍ أو مِيرَاثٍ أو اسْتِهْلَاكٍ أو غيرِه، فقَبَضَ أحَدُهُما منه شَيْئًا، فللآخَرِ مُشَارَكَتُه فيه. هذا ظاهِرُ المذهبِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ لأحَدِهما أن يَأْخُذَ حَقَّه دُونَ صاحِبِه، ولا يُشَارِكُه الآخَرُ فيما أخَذَه. وهو قولُ أبى العَالِيَةِ، وأبى قِلَابةَ، وابن سِيرِينَ، وأبى عُبَيْدٍ. قيل لأَحمدَ: بِعْتُ أنا وصَاحِبِى متَاعًا بَيْنِى وبَيْنَه، فأعْطانِى حَقِّى، وقال: هذا حَقُّكَ خاصَّةً، وأنا أُعْطِى شَرِيكَكَ بعدُ. قال: لا يجوزُ. قيل له: فإن أَخَّرَهُ أو أبْرَأهُ من حَقِّه دُونَ صاحِبِه؟ قال: يجوزُ. قيل: فقد قال أبو عُبَيْدٍ: له أن يَأْخُذَ دون صاحِبِه إذا كان له أن يُؤَخِّرَ، ويُبْرِئَه دون
стр. 3418
صَاحِبِه؟ فَفَكَّرَ فيها، ثم قال: هذا يُشْبِه المِيراثَ إذا أخَذَ منه بعضُ الوَرَثَةِ دون بعضٍ، وقد قال ابنُ سِيرِينَ وأبو قِلَابةَ وأبو العَالِيَةِ: من أخَذَ شيئا فهو من نَصِيبِه. قال: فرَأيْتُه قد احْتَجَّ له وأجَازَهُ. قال أبو بكرٍ: العَمَلُ عندى على ما رَوَاهُ حَرْبٌ وحَنْبَلٌ، أنَّه لا يجوزُ. وهو الصَّحِيحُ. وقد صَرَّحَ به أحمدُ في أوَّلِ هذه الرِّوَايةِ، ولم يُصَرِّحْ بالرُّجُوعِ عمَّا قالَه؛ وذلك لأنَّه لا يَجوزُ أن يكونَ نَصِيبُ القابِضِ ما أخَذَهُ، لما في ذلك من قِسْمة الدَّيْنِ في الذِّمَّةِ من غيرِ رِضَى الشَّرِيكِ، فيكون المأْخُوذُ والباقِى جَمِيعًا مُشْتَرَكًا، ولغيرِ القابِضِ الرُّجُوعُ على القابِضِ بِنِصْفِه (٢٥)، سواءٌ كان باقِيًا في يَدِه، أو أخْرَجَه عنها برَهْنٍ أو قَضَاءِ دَيْنٍ أو غيرِه، وله أن يَرْجِعَ على الغَرِيمِ؛ لأنَّ الحَقَّ يَثْبُتُ في ذِمَّتِه لهما على وَجْهٍ سواءٍ، فليس له تَسْلِيمُ حَقِّ أحَدِهِما إلى الآخَرِ، فإن أخَذَ من الغَرِيمِ لم يَرْجِعْ على الشَّرِيكِ بشيءٍ؛ لأنَّ حَقَّه يَثْبُتُ في أحَدِ المَحلَّيْنِ، فإذا اختَارَ أحَدُهُما سَقَطَ حَقُّه من الآخَرِ، وليس للقابِضِ مَنْعُه من الرُّجُوعِ على الغَرِيمِ، بأن يقولَ: أنا أُعْطِيكَ نِصْفَ ما قَبَضْتُ. بل الخِيرَةُ إليه من أيِّهما شاءَ قَبَضَ، فإن قَبَضَ من شَرِيكِه شيئا، رَجَعَ الشَّرِيكُ على الغَرِيمِ بمِثْلِه، وإن هَلَكَ المَقْبُوضُ في يَدِ القابِضِ، تَعَيَّنَ حَقُّه فيه، ولم يَضْمَنْه للشَّرِيكِ؛ لأنَّه قَدْرُ حَقِّهِ فما (٢٦) تَعَدَّى بالقَبْضِ، وإنَّما كان لِشَريكِه مُشَارَكَتُه لِثُبُوتِه في الأَصْلِ مُشْتَركًا. وإن أَبْرَأَ أحَدَ الشَّرِيكَيْنِ من حَقِّه، بَرِئَ منه؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ تَلَفِه، ولا يَرْجِعُ عليه غَرِيمُه بشيءٍ. وإن أَبْرَأَ أحَدَهما من عُشْرِ الدَّيْنِ، ثم قَبَضَا من الدَّيْنِ شيئا، اقْتَسَماهُ على قَدْرِ حَقِّهِما في الباقِى؛ لِلْمُبْرِئ أَرْبَعةُ أتْساعِه، ولِشَريكِه خَمْسَةُ أَتْساعِه. وإن قَبَضَا نِصْفَ الدَّيْنِ، ثم أَبْرَأ أحَدَهُما من عُشْرِ الدَّيْنِ كلِّه، نَفَذَتْ بَرَاءَتُه في خُمْسِ الباقِى، وما بَقِىَ بينهما على ثَمَانِيةٍ؛ لِلْمُبْرِئُ ثَلَاثَةُ أَثْمانِه، وللآخَرِ خَمْسَةُ أثْمانِه، فما قَبَضَاهُ بعدَ ذلك اقْتَسَماهُ على هذا. وإن اشْتَرَى أحَدُهُما بِنَصِيبِه من الدَّيْنِ ثَوْبًا، فللآخَرِ إبْطالُ الشِّرَاءِ، فإن بَذَلَ له المُشْتَرِى (٢٧) نِصْفَ الثَّوْبِ، ولا يُبْطِلِ البَيْعَ، لم
стр. 3419
يَلْزَمْهُ ذلك. وإن أجَازَ البَيْعَ لِيَمْلِكَ نِصْفَ الثَّوْبِ، انْبَنَى على بَيْعِ الفُضُولِىِّ، هل يَقِفُ على الإِجَازَةِ أَو لا؟ وإن أخَّرَ أحَدُهُما حَقَّه من الدَّيْنِ، جازَ؛ فإِنَّه لو أسْقَطَ حَقَّهُ جازَ، فتَأْخِيرُه أَوْلَى. فإن قَبَضَ الشَّرِيكُ بعدَ ذلك شيئا، لم يكُنْ لِشَرِيكِه الرُّجُوعُ عليه بشيءٍ. ذَكَرَه القاضي. والأَوْلَى أنَّ له الرُّجُوعَ؛ لأنَّ الدَّيْنَ الحالَّ لا يَتَأَجَّلُ بالتَّأْجِيلِ؛ فوُجُودُ التَّأْجِيلِ كعَدَمِه. فأمَّا إن قُلْنا بالرَّوَايةِ الأُخْرَى، وأنَّ ما يَقْبِضُهُ (٢٨) أحَدُهُما له دونَ صَاحِبه، فوَجْهُها أنَّ ما في الذِّمَّةِ لا يَنْتَقِلُ إلى العَيْنِ إلَّا بِتَسْلِيمِه إلى غَرِيمِه (٢٩) أو وَكِيلِه، وما قَبَضَهُ أحَدُهما فليس لِشَرِيكِه فيه قَبْضٌ، ولا لِوَكِيلِه، فلا يَثْبُتُ له فيه حَقٌّ، وكان لِقَابِضِه؛ لِثُبُوتِ يَدِه عليه بِحَقٍّ، فأشْبَهَ ما لو كان الدَّيْنُ بِسَبَبَيْنِ. وليس هذا قِسْمَةَ الدَّيْنِ في الذِّمَّةِ، وإنما تَعَيَّنَ حَقُّه بقَبْضِه، فأشْبَه تَعْيِينَه بالإِبْرَاءِ، ولأنَّه لو كان لغيرِ القابِضِ حَقٌّ في المَقْبُوضِ، لم يَسْقُطْ بِتَلَفِه، كسائِر الحُقُوقِ، ولأنَّ هذا القَبْضَ لا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ بِحَقٍّ أو بغيرِ حَقٍّ، فإن كان بحَقٍّ، لم يُشَارِكْهُ غيرُه فيه، كما لو كان الدَّيْنُ بِسَبَبَينِ، وإن كان بغير حَقٍّ، لم يكُنْ له مُطَالَبَتُه؛ لأنَّ حَقَّهُ في الذِّمَّةِ لا في العَيْنِ، فأشْبَهَ ما لو أخَذَ غاصِبٌ منه مالًا، فعلى هذا ما قَبَضَه القابِضُ يَخْتَصُّ به دُونَ شَرِيكِه، وليس لِشَرِيكِه الرُّجُوعُ عليه. وإن اشْتَرَى بِنَصِيبِه ثَوْبًا، صَحَّ، ولم يكُنْ لِشَريكِه إبْطَالُ الشِّرَاءِ. وإن قَبَضَ أكْثَرَ من حَقِّه بغيرِ إذْنِ شَرِيكِه، لم يَبْرَأ الغَرِيمُ ممَّا زَادَ على حَقِّه.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايةُ عن أحمدَ، في قِسْمَةِ الدَّيْنِ في الذِّمَمِ، فنَقَلَ حَنْبَلٌ مَنْعَ ذلك. وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ الذِّمَمَ لا تَتَكَافَأُ ولا تَتَعادَلُ، والقِسْمَةُ تَقْتَضِى التَّعْدِيلَ. وأما القِسْمَةُ من غير تَعْدِيلٍ فهى بَيْعٌ، ولا يجوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ. فعلى هذا لو تَقَاسَما، ثم تَوِىَ (٣٠) بعضُ المالِ، رَجَعَ من تَوِىَ مالُه على مَن لم يَتْوَ. وبهذا قال ابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِىُّ. ونَقَلَ حَرْبٌ جَوازَ ذلك؛ لأنَّ الاخْتِلافَ لا يَمْنَعُ القِسْمَةَ، كما لو اخْتَلَفَتِ
стр. 3420
الأَعْيانُ. وبه قال الحَسَنُ، وإسحاقُ. فعَلَى هذا لا يَرْجِعُ من تَوِىَ مالُه على مَنْ لم يَتْوَ، إذا أَبْرَأَ كلُّ واحدٍ منهما (٣١) صاحِبَهُ. وهذا إذا كان في ذِمَمٍ، فأمَّا في ذِمَّةٍ واحِدَةٍ، فلا تُمْكِنُ القِسْمَةُ؛ لأنَّ مَعْنَى القِسْمَةِ إفْرَازُ الحَقِّ، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك في ذِمَّةٍ واحِدَةٍ.
فُصُولٌ في العَبْدِ المأْذُونِ له: يجوزُ أن يَأْذَنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِه في التِّجَارةِ. بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كان لِحَقِّ سَيِّدِه، فجازَ له التَّصَرُّفُ بإِذْنِه. ويَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ في قَدْرِ ما أَذِنَ له فيه؛ لأنَّ تَصَرُّفَهُ إنَّما جازَ بإِذْنِ سَيِّدِه، فزَالَ الحَجْرُ في قَدْرِ ما أَذِنَ فيه، كالتَّوْكيلِ (٣٢). فإن دَفَعَ إليه مالًا يَتَّجِرُ فيه (٣٣) كان له أن يَبِيعَ ويَشْتَرِىَ ويَتَّجِرَ فيه. وإن أَذِنَ له أن يَشْتَرِىَ في ذِمَّتِه، جازَ. وإن عَيَّنَ له نَوْعًا من المالِ يَتَّجِرُ فيه، جازَ، ولم يكُنْ له التِّجَارةُ في غيرِه. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ أن يَتَّجِرَ في غيرِه، ويَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ (٣٤) مُطْلَقًا؛ لأنَّ إذْنَه إطْلَاقٌ من الحَجْرِ وفَكٌّ له، والإطْلاق لا يَتَبَعَّضُ، كبُلُوغِ الصَّبِىِّ. ولَنا، أنَّه مُتَصَرِّفٌ بالإِذْنِ من جِهَةِ الآدَمِىِّ، فوَجَبَ أن يَخْتَصَّ ما أَذِنَ له فيه، كالوَكِيلِ والمُضَارِبِ. وما قاله يَنْتَقِضُ (٣٥) بما إذا أَذِنَ له في شِرَاءِ ثَوْبٍ ليَلْبَسَهُ، أو طَعَامٍ ليَأْكُلَهُ. ويُخَالِفُ البُلُوغَ؛ فإنَّه يَزُولُ به المَعْنَى المُوجِبُ لِلْحَجْرِ، فإنَّ البُلُوغَ مَظِنَّةُ كَمالِ العَقْلِ، الذي يتَمَكَّنُ به من التَّصَرُّفِ على وَجْهِ المَصْلَحَةِ، وههُنا الرِّقُّ سَبَبُ الحَجْرِ، وهو مَوْجُودٌ، فنَظِيرُ البُلُوغِ في الصَّبِىِّ العِتْقُ لِلْعَبْدِ، وإنَّما يَتَصَرَّفُ العَبْدُ بالإِذْنِ، ألا تَرَى أنَّ الصَّبِىَّ يَسْتَفِيدُ بالبُلُوغِ قَبُولَ النِّكَاح، بخِلَافِ العَبْدِ!
فصل: وإذا أَذِنَ له في التِّجَارةِ، لم يَجُزْ له أن يُؤْجِرَ نَفْسَه، ولا يَتَوَكَّلُ لإِنْسانٍ. وبه
стр. 3421
قال الشَّافِعِىُّ. وأباحَهُما أبو حنيفةَ؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِه، فمَلَكَ ذلك كالمُكاتَبِ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ على نَفْسِه، فلا يَمْلِكُه بالإِذْنِ في التِّجارَةِ، كَبَيْعِ (٣٦) نَفْسِه وتَزَوُّجِه. وقولُهم: إنَّه يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِه. مَمْنُوعٌ، بل يَتَصَرَّفُ لِسَيِّدِهِ، وبهذا فارَقَ المُكَاتَبَ [فإن المُكاتَبَ] (٣٧) يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِه، ولهذا كان له أن يَبِيعَ من سَيِّدِه.
فصل: وإذا رَأَى السَّيِّدُ عَبْدَه يَتَّجِرُ، فلم يَنهَهُ، لم يَصِرْ مَأْذُونًا له. وبه (٣٨) قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِيرُ مَأْذُونًا له؛ لأنَّه سَكَتَ عن حَقِّه، فكان مُسْقِطًا له، كالشَّفِيعِ إذا سَكَتَ عن طَلَبِ الشُّفْعَةِ. ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ يَفْتَقِرُ إلى الإِذْنِ، فلم يَقُم السُّكُوتُ مَقامَ الإذْنِ، كما لو باعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ والمُرْتَهِنُ ساكِتٌ، أو باعَهُ المُرْتَهِنُ والرّاهِنُ سَاكِتٌ، وكتَصَرُّفاتِ الأَجانِبِ. ويُخَالِفُ الشُفْعَةَ؛ فإنَّها تَسْقُطُ بمُضِىِّ الزَّمَانِ إذا عَلِمَ بها (٣٩)؛ لأنَّها على الفَوْرِ.
فصل: ولا يَبْطُلُ الإِذْنُ بالإِبَاقِ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَبْطُلُ؛ لأنَّه يُزِيلُ به (٤٠) ولَايَةَ السَّيِّدِ عنه في التِّجَارةِ، بدَلِيلِ أنَّه لا يجوزُ بَيْعُه ولا هِبَتُه ولا رَهْنُه، فأشْبَهَ ما لو باعَهُ. ولَنا، أنَّ الإِبَاقَ لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الإِذْنِ له (٤٠) في التِّجَارةِ، فلم يَمْنَعِ اسْتِدَامَتَهُ، كما لو غَصَبَهُ غاصِبٌ أو (٤١) حُبِسَ بِدَيْنٍ عليه أو على غيرِه. وما ذَكَرُوهُ غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ سَبَبَ الوِلَايَةِ باقٍ وهو الرِّقُّ، ويجوزُ بَيْعُه وإجَارَتُه ممَّن يَقْدِرُ عليه، ويَبْطُلُ بالمَغْصُوبِ.
стр. 3422
فصل: ولا يجوزُ للمَأْذُونِ التَّبَرُّعُ بهِبَةِ الدَّرَاهِم، ولا كُسْوَةِ الثِّيابِ. وتجوزُ هِبَتُه المأْكُولَ، وإعارَةُ دَابَّتِه، واتِّخاذُ الدَّعْوَةِ، ما لم يكُنْ إسْرَافًا. وبه قال أبو حنيفةَ، وقال الشَّافِعِىُّ: لا يجوزُ شيءٌ من ذلك بغيرِ إِذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بمالِ مَوْلَاه، فلم يَجُزْ، كهبَةِ دَرَاهِمِه. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُجِيبُ دَعْوَةَ المَمْلُوكِ (٤٢). ورَوَى أبو سَعِيدٍ مَوْلَى أبى أُسِيدٍ، أنَّه تَزَوَّجَ، فحَضَرَ دَعْوَتَه أناسٌ من أصْحَابِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ منهم: عبدُ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبُو ذَرٍّ، فأَمَّهُمْ وهو يَوْمَئِذٍ عَبْدٌ. رَوَاهُ صَالِحٌ في مَسَائِلِه بإسْنادِه (٤٣). ولأنَّ العادَةَ جَارِيَةٌ بهذا بين التُّجَّارِ، فجازَ، كما جازَ لِلْمَرْأةِ الصَّدَقَةُ بِكِسْرَةِ الخُبْزِ من بَيْتِ زَوْجِها.
стр. 3423
كتابُ الِوَكالةِ
وهى جائِزَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا الكِتابُ فقولُ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (١). فجَوَّزَ العَمَلَ عليها، وذلك بحُكْمِ النِّيَابةِ عن المُسْتَحِقِّينَ، وأيضا قولُه تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ (٢). وهذه وَكَالةٌ. وأما السُّنَّةُ، فرَوَى أبو دَاوُدَ، والأَثْرَمُ، وابنُ مَاجَه (٣)، عن الزُّبَيْرِ بن الْخِرِّيتِ، عن أبي لَبِيدٍ لِمَازَةَ بن زَبَّارٍ، عن عُرْوَةَ بن الجَعْدِ قال: عَرَضَ للنَّبِىِّ ﷺ جَلَبٌ، فأعْطَانِى دِينَارًا، فقال: "يَا عُرْوَةُ، ائْتِ الجَلَبَ، فَاشْتَرِ لَنَا شَاةً". قال: فأتَيْتُ الجَلَبَ، فسَاوَمْتُ صَاحِبَه، فاشْتَرَيْتُ شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ، فجِئْتُ أسُوقُهُما، أو أقُودُهُما، فلَقِيَنِى رَجُلٌ بالطَّرِيقِ، فسَاوَمَنِى، فَبِعْتُ منه شَاةً بِدِينَارٍ، فأتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ بالدِّينارِ وبالشَّاةِ (٤). فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، هذا دِينَارُكم، وهذه شَاتُكم. قال: "وصَنَعْتَ كَيْفَ؟ ". قال: فحَدَّثْتُه الحَدِيثَ. قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لَهُ في صَفْقَةِ يَمِينِه". هذا لَفْظُ رِوَايةِ الأَثْرَمِ. ورَوَى أبو دَاوُدَ (٥)، بإسْنادِه عن جابِرِ بن عبدِ اللَّه، قال: أرَدْتُ الخُرُوجَ إلى خَيْبَر، فأتَيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ فقلتُ له (٦): إنِّي أرَدْتُ الخُرُوجَ إلى خَيْبَرٍ. فقال: "ائْتِ وَكِيلِى، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيةً، فَضَعْ يَدَكَ
стр. 3424
عَلَى تَرْقُوَتِهِ". ورُوِىَ عنه ﷺ ، أنَّه وَكَّلَ عَمْرَو بن أُمَيَّةَ الضَّمْرِىَّ، في قَبُولِ نِكَاحِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وأبا رَافِعٍ في قَبُولِ نِكَاحِ مَيْمُونَةَ (٧). وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على جَوَازِ الوَكَالَةِ في الجُمْلَةِ. ولأنَّ الحاجَةَ دَاعِيَةٌ إلى ذلك؛ فإنَّه لا يُمْكِنُ كلَّ واحدٍ فِعْلُ ما يَحْتَاجُ إليه، فدَعَتِ الحاجَةُ إليها.
فصل: وكلُّ مَن صَحَّ تَصَرُّفُه في شيءٍ بِنَفْسِه، وكان ممَّا تَدْخُلُه النِّيابَةُ، صَحَّ أن يُوَكِّلَ فيه رَجُلًا كان (٨) أو امْرَأةً، حُرًّا كان (٨) أو عَبْدًا، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا. وأمَّا من يَتَصَرَّفُ بالإِذْنِ، كالعَبْدِ المَأْذُونِ له، والوَكِيلِ، والمُضَارِبِ، فلا يَدْخُلُون (٩) في هذا. لكنْ يَصِحُّ من العَبْدِ التَّوْكِيلُ فيما يَمْلِكُه دون سَيِّدِه، كالطَّلَاقِ والخُلْعِ. [وكذلك الحُكْمُ في المَحْجُورِ عليه لِسَفَهٍ، لا يُوَكّلُ إلَّا فيما له فِعْلُه، من الطَّلَاقِ والخُلْعِ] (١٠)، وطَلَبِ القِصَاصِ، ونحوِه. وكلُّ ما يَصِحُّ (١١) أن يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِه، وتَدْخُلُه النِّيَابَةُ، صَحَّ أن يَتَوَكَّلَ لغيرِه فيه، إلَّا الفاسِقَ، فإنَّه يَصِحُّ أن يَقْبَلَ النِّكَاحَ لِنَفْسِه. وذَكَرَ القاضي أنَّه لا يَصِحُّ أن يَقْبَلَهُ لغيرِه. وكلامُ أبى الخَطَّابِ يَقْتَضِى جَوازَ ذلك. وهو القِيَاسُ. ولأَصْحابِ الشّافِعِىِّ في ذلك وَجْهانِ، كهذَيْنِ. فأمَّا تَوْكِيلُه في الإِيجابِ، فلا يجوزُ إلَّا على الرِّوَايةِ التي تُثْبِتُ الوِلَايَةَ له. وذَكَرَ أصْحابُ الشّافِعِىِّ في ذلك وَجْهَيْنِ؛ أحدَهما: يجوزُ تَوْكِيلُه؛ لأنَّه ليس بِوَلِىٍّ. وَوَجْهُ الوَجْهِ الآخَرِ، أنَّه مُوجِبٌ لِلنَّكَاحِ، أشْبَهَ الوَلِىَّ. ولأنَّه لا يجوزُ أن يَتَوَلَّى ذلك بِنَفْسِه، فلم يَجُزْ أن يَتَوَكَّلَ فيه، كالمَرْأةِ. ويَصِحُّ تَوْكِيلُ المَرْأةِ في طَلَاقِ نَفْسِها، وطَلَاقِ غيرِها. ويَصِحُّ تَوْكِيلُ العَبْدِ في قَبُولِ النِّكَاحِ؛ لأنَّه ممَّن يجُوزُ أن يَقْبَلَه لِنَفْسِه؛ وإنَّما يَقِفُ ذلك على إِذْنِ سَيِّدِه، لِيَرْضَى
стр. 3425
بِتَعَلُّقِ الحُقُوقِ به. ومَن لا يَمْلِكُ. التَّصَرُّفَ في شيءٍ لِنَفْسِه، لا يَصِحُّ أن يَتَوَكَّلَ فيه، كالمَرْأةِ في عَقْدِ النِّكاحِ وقَبُولِه، والكافِرِ في تَزْوِيج مُسْلِمَة، والطِّفْلِ والمَجْنُون في الحُقُوقِ كلِّها.
فصل: ولِلمُكَاتَبِ أن يُوَكّلَ فيما يَتَصَرَّفُ فيه بِنَفْسِه. وله أن يَتوَكَّلَ بجُعْلٍ، لأنَّه من اكْتِسَابِ المالِ. ولا يُمْنَعُ المُكَاتَبُ من الاكْتِسَابِ، وليس له أن يَتَوَكَّلَ لغيرِه بغيرِ جُعْلٍ، إلا بإِذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنَافِعَه كأعْيانِ مالِه، وليس له بَذْلُ عَيْنِ مالِه بغيرِ عِوَضٍ. ولِلْعَبْدِ أن يَتَوَكَّلَ بإِذْنِ سَيِّدِه، وليس له التَّوْكِيلُ بغيرِ إِذْنِ سَيِّدِه، وإن كان مَأْذُونًا له في التِّجَارةِ؛ لأنَّ الإِذْنَ في التِّجَارةِ لا يَتَناوَلُ التَّوْكِيلَ. وتَصِحُّ وَكَالَةُ الصَّبِىِّ المُرَاهِقِ، إذا أَذِنَ له الوَلِىُّ؛ لأنَّه مِمَنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُه.
٨٤٠ - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الشِّرَاءِ والْبَيْعِ، ومُطَالَبةِ (١) الحُقُوقِ، والْعِتْقِ والطَّلَاقِ، حَاضِرًا كَانَ المُوَكِّلُ أو غَائِبًا)
لا نَعْلَمُ خِلَافًا في جَوازِ التَّوْكِيلِ في البَيْعِ والشِّراءِ. وقد ذَكَرْنا الدَّلِيلَ عليه من الآيةِ والخَبَرِ، ولأنَّ الحاجةَ داعِيَةٌ إلى التَّوْكِيلِ فيه؛ لأنَّه قد يكونُ مِمَّنْ لا يُحْسِنُ البَيْعَ والشِّرَاءَ، أو لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ إلى السُّوقِ. وقد يكونُ له مالٌ ولا يُحْسِنُ التِّجَارةَ فيه، وقد يُحْسِنُ ولا يَتَفَرَّغُ، وقد لا تَلِيقُ به التِّجَارَةُ لكَوْنِه امْرَأةً، أو ممَّن يَتَعَيَّرُ بها، ويَحُطُّ ذلك من مَنْزِلَتِه، فأبَاحَها الشَّرْعُ دَفْعًا للحاجَةِ، وتَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الآدَمِىِّ المَخْلُوقِ لِعِبَادَةِ اللَّه سُبْحانَهُ. ويجوزُ التَّوْكِيلُ في الحَوَالةِ، والرَّهْنِ، والضَّمَانِ، والكَفَالةِ، والشَّرِكَةِ، والوَدِيعَةِ، والمُضَارَبةِ، والجَعَالَةِ، والمُسَاقاةِ، والإِجَارَةِ، والقَرْضِ، والصُّلْحِ، والوَصِيَّةِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، والصَّدَقَةِ، والفَسْخِ، والإِبْراءِ؛ لأنَّها في مَعْنَى البَيْعِ في الحاجَةِ إلى التَّوْكِيلِ فيها، فيَثْبُتُ فيها حُكْمُه. ولا نَعْلَمُ في شيءٍ من
стр. 3426
ذلك اخْتِلَافًا. ويجوزُ التَّوْكِيلُ في عَقْدِ النِّكَاحِ في الإِيجابِ والقَبُولِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وَكَّلَ عَمْرَو بن أُمَيَّةَ، وأبَا رَافِعٍ، في قَبُولِ النِّكَاحِ له (٢). ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، فإنَّه ربَّما احْتاجَ إلى التَّزَوُّجِ من مَكانٍ بَعِيدٍ، لا يُمْكِنُه السَّفَرُ إليه، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَزَوَّجَ أمَّ حَبِيبَةَ، وهى يَوْمَئِذٍ بأرْضِ الحَبَشَةِ (٣). ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الطَّلَاقِ، والخُلْعِ، والرَّجْعَةِ، والعَتَاقِ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، كدُعَائِها إلى التَّوْكِيلِ في البَيْعِ والنِّكَاحِ. ويجوزُ التَّوْكِيلُ في تَحْصِيلِ المُبَاحاتِ، كإِحْياءِ المَواتِ، وإسْقَاءِ (٤) الماءِ، والاصْطِيَادِ، والاحْتِشَاشِ؛ لأنَّها تَمَلُّكُ مالٍ بِسَبَبٍ لا يَتَعَيَّنُ عليه، فجازَ التَّوْكِيلُ فيه، كالابْتِياعِ والاتِّهَابِ. ويجوزُ التَّوْكِيلُ في إثْباتِ القِصَاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، واسْتِيفَائِهما، في حَضْرَةِ المُوَكّلِ وغَيْبَتِه؛ لأنَّهما من حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، وتَدْعُو الحاجَةُ إلى التَّوْكِيلِ فيهما، لأنَّ مَن له حَقٌّ قد لا يُحْسِنُ الاسْتِيفاءَ، أو لا يُحِبُّ أن يَتَولَّاهُ بِنَفْسه (٥).
فصل: ويجوزُ التَّوْكِيلُ في مُطَالَبةِ الحُقُوقِ، وإِثْباتِها، والمُحَاكَمَةِ فيها، حاضِرًا كان المُوَكِّلُ أو غائِبًا، صَحِيحًا أو مَرِيضًا. وبه قال مالِكٌ، وابنُ أبي لَيْلَى، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لِلْخَصْمِ أن يَمْنَعَ من مُحَاكَمَةِ الوَكِيلِ إذا كان المُوَكِّلُ حَاضِرًا؛ لأنَّ حُضُورَهُ مَجْلِسَ الحُكْمِ، ومُخَاصَمَتَهُ حَقٌّ لِخَصْمِه عليه، فلم يكُنْ له نَقْلُه إلى غيرِه بغيرِ رِضَاءِ خَصْمِه، كالدَّيْنِ عليه. ولَنا، أنَّه حَقٌّ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فيه، فكان لِصَاحِبِه الاسْتِنَابَةُ بغير رِضَاءِ خَصْمِه، كحالِ غَيْبَتِه ومَرَضِه، وكدَفْعِ المالِ الذي عليه، ولأنَّه إجْماعُ الصَّحَابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فإنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، وَكَّلَ عَقِيلًا عند أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، وقال: ما قُضِىَ له فَلِى، وما قُضِىَ عليه
стр. 3427
فعَلَىَّ. وَوَكَّلَ عبدَ اللَّه بن جَعْفَرٍ عند عثمانَ، وقال: إنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَمًا، وإن الشَّيْطَانَ لَيَحْضُرهَا، وإنِّى لأَكْرَهُ أن أَحْضُرَها. قال أبو زِيَادٍ (٦): القُحَمُ المَهالِكُ. وهذه قِصَصٌ انْتَشَرَتْ، لأنَّها في مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، فلم يُنْقَلْ إنْكَارُها، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، فإنَّه قد يكونُ له حَقٌّ، أو يُدَّعَى عليه، ولا يُحْسِنُ الخُصُومَةَ، أو لا يُحِبُّ أن يَتَوَلَّاها بِنَفْسِه. ويجوزُ التَّوْكِيلُ في الإِقْرَارِ. ولأَصْحابِ الشّافِعِىِّ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يجوزُ التَّوْكِيلُ فيه؛ لأنَّه إِخْبَارٌ بِحَقٍّ، فلم يَجُزِ التَّوْكِيلُ فيه، كالشَّهَادَةِ. ولَنا، أنَّه إِثْباتُ حَقٍّ في الذِّمَّةِ بالقَوْلِ، فجازَ التَّوْكِيلُ فيه، كالبَيْعِ، وفارَقَ الشَّهَادَةَ، فإنَّها لا تُثْبِتُ الحَقَّ، وإنَّما هي (٧) إِخْبَارٌ بِثُبُوتِه على غيرِه.
فصل: ولا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ في الشَهَادَةِ؛ لأنَّها تَتَعَلَّقُ بعَيْنِ الشَّاهِدِ (٨) لِكَوْنِها خَبَرًا عما رَآه أو سَمِعَهُ، ولا يَتَحَقَّقُ هذا المَعْنَى في نائِبِه. فإن اسْتَنَابَ فيها، كان النَّائِبُ شَاهِدًا على شَهَادَتِه، لكَوْنِه يُؤَدِّى ما سَمِعَه من شَاهِدِ الأَصْلِ، وليس وَكِيلًا (٩). ولا يَصِحُّ في الأَيْمانِ والنُّذُورِ؛ لأنَّها تَتَعَلَّقُ بعَيْنِ الحالِفِ والناذِرِ، فأشْبَهَتِ العِبادَاتِ البَدَنِيَّة والحُدُودَ. ولا يَصِحُّ في الإِيلَاءِ والقَسَامةِ واللِّعَانِ؛ لأنَّها أَيْمَانٌ. ولا في القَسْمِ بين الزَّوْجاتِ؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ الزَّوْجِ لأمْرٍ لا يُوجَدُ من غيرِه. ولا في الرَّضَاعِ؛ لأنَّه يَخْتَصُّ بالمُرْضِعَةِ والمُرْتَضِعِ، لأمْرٍ يَخْتَصُّ بإِثْباتِ لَحْمِ المُرْتَضِعِ، وإِنْشَازِ عَظْمِه بِلَبَنِ المُرْضِعَةِ. ولا في الظِّهَارِ؛ لأنَّه قَوْلٌ مُنْكَرٌ وزُورٌ، فلا يجوزُ فِعْلُه، ولا الاسْتِنَابَةُ فيه. ولا يَصِحُّ في الغَصْبِ؛ لأنَّه مُحَرَّمٌ. ولا في الجِنَايَاتِ؛ لذلك. ولا في كلِّ مُحَرَّمٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ له فِعْلُه، فلم يَجُزْ لِنَائِبِه.
فصل: فأمَّا حُقُوقُ اللَّه تعالى فما كان منها حَدًّا كحَدِّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ، جَازَ التَّوْكِيلُ
стр. 3428
في اسْتِيفَائِه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "اغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هذَا، فَإن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْها". فغَدَا عليها أُنَيْسٌ، فاعْتَرَفَتْ، فأَمَرَ بها فَرُجِمَتْ. مُتَّفَقٌ عليه (١٠). وأمَرَ النبيُّ ﷺ بِرَجْمِ ماعِزٍ، فرَجَمُوهُ (١١). ووَكَّلَ عُثْمانُ عَلِيًّا في إقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ على الوَلِيدِ بن عُقْبَةَ. وَوَكَّلَ عَلِىٌّ الحَسَنَ في ذلك، فأبَى الحَسَنُ، فوَكَّلَ عبدَ اللَّه بن جَعْفَرٍ، فأقَامَهُ، وعَلِىٌّ يَعُدُّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٢). ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك؛ لأنَّ الإِمامَ لا يُمْكِنُه تَوَلِّى ذلك بنَفْسِه. ويجوزُ التَّوْكِيلُ في إِثْباتِها. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يجوزُ في إِثْبَاتِها. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها تَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ، وقد أُمِرْنَا بدَرْئِها بها، والتَّوْكِيلُ يُوصِلُ إلى الإِيجابِ. ولَنا، حَدِيثُ أُنَيْسٍ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ وَكَّلَهُ في إِثْباتِه واسْتِيفائِه جَمِيعًا، فإنَّه قال: "فَإِن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْها". وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يكُنْ ثَبَتَ، وقد وَكَّلَهُ في إِثْباتِه [واسْتِيفَائِه جَمِيعًا] (١٣). ولأنَّ الحاكِمَ إذا اسْتَنابَ، دَخَلَ في
стр. 3429
ذلك الحُدُودُ، فإذا دَخَلَتْ في التَّوْكِيلِ بِطَرِيقِ العُمُومِ، وَجَبَ أن تَدْخُلَ بالتَّخْصِيصِ بها أَوْلَى، والوَكِيلُ يَقُومُ مُقَامَ المُوَكِّلِ في دَرْئِها بالشُّبُهاتِ. وأمَّا العِباداتُ، فما كان منها له تَعَلُّقٌ بالمالِ، كالزَّكَاةِ والصَّدَقاتِ والمَنْذُورَاتِ والكَفَّارَاتِ، جَازَ التَّوْكِيلُ في قَبْضِها وتَفْرِيقِها، ويجوزُ لِلْمُخْرِجِ التَّوْكِيلُ في إِخْرَاجِها ودَفْعِها إلى مُسْتَحِقِّها. ويجوزُ أن يقولَ لغيرِه: أَخْرِجْ زَكَاةَ مالِى من مالِكَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ بَعَثَ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقاتِ وتَفْرِيقِها، وقال لِمُعَاذٍ حين بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ: "أَعْلِمْهُم أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ فِي (١٤) فُقَرَائِهِم، فإنْ هُمْ أطَاعُوكَ (١٥) بِذلِكَ، فَإيَّاكَ وكَرَائِمَ أَمْوَالِهِم، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها (١٦) وَبيْنَ اللهِ حِجَابٌ". مُتَّفَقٌ عليه (١٧). ويجوزُ التَّوْكِيلُ في الحَجِّ إذا أَيِسَ المَحْجُوجُ عنه من الحَجِّ بِنَفْسِه، وكذلك العُمْرَة. ويجوزُ أن يُسْتَنَابَ مَن يَحُجُّ عنه بعد المَوْتِ. وأما العِبادَاتُ البَدَنِيَّةُ المَحْضَةُ، كالصلاةِ والصيامِ والطَّهارَةِ من الحَدَثِ، فلا يَجوزُ التَّوْكِيلُ فيها؛ لأنَّها تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ مَن هي عليه، فلا يَقُومُ غيرُه مَقامَه فيها، إلَّا أنَّ الصِّيامَ المَنْذُورَ يُفْعَلُ عن المَيِّتِ، وليس ذلك بِتَوْكِيلٍ؛ لأنَّه لم يُوَكِّلْ في ذلك، ولا وَكَّلَ فيه غيرُه. ولا يجوزُ في الصلاةِ إلَّا في رَكْعَتَىِ الطَّوَافِ تَبَعًا لِلْحَجِّ. وفي فِعْلِ الصَّلَاةِ المَنْذُورَةِ، [وفى الاعْتِكافِ] (١٨)
стр. 3430
المَنْذُورِ عن المَيِّتِ رِوَايَتانِ. ولا تَجوزُ الاسْتِنَابَةُ في الطَّهَارَةِ، إلَّا في صَبِّ الماءِ، وإِيصالِ الماءِ [إلى الأعْضاءِ] (١٩)، وفى تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ عن البَدَنِ والثَّوْبِ وغيرِهما.
فصل: وكلُّ ما جازَ التَّوْكِيلُ فيه، جازَ اسْتِيفَاؤُه في حَضْرَةِ المُوَكِّلِ وغَيْبَتِه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهذا مذهبُ مالِكٍ. وقال بعضُ أصْحابِنَا: لا يجُوزُ اسْتِيفَاءُ القِصَاصِ وحَدِّ القَذْفِ في غَيْبَةِ المُوَكِّلِ. أَوْمَأَ إليه أحمدُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ وبعضِ الشّافِعِيّةِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَعْفُوَ المُوَكِّلُ في حَالَةِ غَيْبَتِه، فيَسْقُطَ؛ وهذا الاحْتِمالُ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ الاسْتِيفاءَ. ولأنَّ العَفْوَ مَنْدُوبٌ إليه، فإذا حَضَرَ، احْتَمَلَ أن يَرْحَمَهُ فيَعْفُوَ. والأَوَّلُ ظَاهِرُ المذهبِ؛ لأنَّ ما جازَ اسْتِيفَاؤُه في حَضْرَةِ المُوَكِّلِ، جازَ في غَيْبَتِه، كالحُدُودِ وسائِرِ الحُقُوقِ، واحْتِمَالُ العَفْوِ بَعِيدٌ. والظاهِرُ أنَّه لو عَفَا لبَعَثَ وأعْلَمَ وَكِيلَه بِعَفْوِه، والأَصْلُ عَدَمُه، فلا يُؤَثِّرُ، ألا تَرَى أنَّ قُضاةَ رسولِ اللَّه ﷺ كانوا يَحْكُمُونَ في البِلَادِ، ويُقِيمُونَ الحُدُودَ التي تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، مع احْتِمالِ النَّسْخِ؟ وكذلك لا يحْتَاطُ في اسْتِيفَاءِ الحُدُودِ بإِحْضَارِ الشُّهُودِ، مع احْتِمالِ رُجُوعِهِم عن الشَّهَادَةِ، أو تَغَيُّرِ اجْتِهادِ الحاكِمِ.
فصل: ولا تَصِحُّ الوَكَالَةُ إلَّا بالإِيجابِ والقَبُولِ؛ لأنَّه عَقْدٌ تَعَلَّقَ به حَقُّ كلِّ واحدٍ منهما، فافْتَقَرَ إلى الإِيجابِ والقَبُولِ، كالبَيْعِ. ويجوزُ الإِيجابُ بكلِّ لَفْظٍ دَلَّ على الإِذْنِ، نحو أن يَأْمُرَهُ بِفِعْلِ شيءٍ، أو يقولَ: أَذِنْتُ لك في فِعْلِه. فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَكَّلَ عُرْوَةَ بن الجَعْدِ في شِرَاءِ شاةٍ بِلَفْظِ الشِّراءِ (٢٠)، وقال اللهُ تعالى، مُخْبرًا عن أهْلِ الكَهْفِ أنَّهم قالُوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ (٢١). ولأنَّه لَفْظٌ دَالٌّ على الإِذْنِ، فجَرَى مَجْرَى قولِه: وَكَّلْتُكَ. ويجوزُ القَبُولُ بِقَوْلِه: قَبِلْتُ. وكُلِّ لَفْظٍ دَلَّ عليه. ويجوزُ بكلِّ فِعْلٍ دَلَّ على القَبُولِ، نحو أن
стр. 3431
يَفْعَلَ ما أمَرَهُ بفِعْلِه؛ لأنَّ الذين وَكَّلَهُم النَّبِىُّ ﷺ لم يُنْقَلْ عنهم سِوَى امْتِثَال أَمْرِه. ولأنَّه إِذْنٌ في التَّصَرُّفِ، فجازَ القَبُولُ فيه بالفِعْلِ، كأَكْلِ الطَّعَامِ. ويجوزُ القَبُولُ على الفَوْرِ والتَّرَاخِى، نحو أن يَبْلُغَهُ أن رَجُلًا وَكَّلَهُ في بَيْعِ شيءٍ منذ سَنَةٍ، فيَبِيعَه. أو يقولَ: قَبِلْتُ. أو يَأْمُره بفِعْلِ شَىءٍ، فيَفْعَلُه بعد مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؛ لأنَّ قَبُولَ وُكَلَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لوَكَالَتِه كان بِفِعْلِهم، وكان مُتَرَاخِيًا عن تَوْكِيلِه إيَّاهم. ولأنَّه إِذْنٌ في التَّصَرُّفِ، والإِذْنُ قائِمٌ، ما لم يَرْجِعْ عنه، فأشْبَه الإِبَاحَةَ. وهذا كلُّه مذهبُ الشَّافِعِىِّ.
فصل: ويجوزُ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ، نحو قوله: إذا قَدِمَ الحاجُّ فَبِعْ هذا الطَّعَامَ. وإذا جَاءَ الشِّتَاءُ فاشْتَرِ لنا فَحْمًا. وإذا جاءَ الأَضْحَى فاشْتَرِ لنا أُضْحِيَّةً. وإذا طَلَبَ منك أهْلِى شَيْئًا فَادْفَعْهُ إليهم. وإذا دَخَلَ رَمَضَانُ فقد وَكَّلْتُكَ في كذا (٢٢)، أو فأنتَ وَكِيلِى. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشّافِعِىُّ: لا يَصِحُّ، لكن إن تَصَرَّفَ صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لِوُجُودِ الإِذْنِ، وإن كان وَكِيلًا بِجُعْلٍ فَسَدَ المُسَمَّى، وله أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَمْلِكُ به التَّصَرُّفَ في الحيَاةِ، فأشْبَه البَيْعَ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أَمِيرُكُم زَيْدٌ، فإن قُتِلَ فجَعْفَرٌ، فإن قُتِلَ فعبدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ" (٢٣). وهذا في مَعْناه. ولأنَّه عَقْدٌ اعْتُبِرَ في حَقِّ الوَكِيلِ (٢٤) حُكْمُهُ، وهو إِبَاحَةُ التَّصَرُّفِ وصِحَّتُه، فكان صَحِيحًا، كما لو قال: أنْتَ وَكِيلِى في بَيْعِ عَبْدِى إذا قَدِمَ الحاجُّ. ولأنَّه لو قال: وَكَّلْتُكَ في شِرَاءِ كذا، في وَقْتِ كذا. صَحَّ بلا خِلَافٍ، ومَحلُّ النِّزَاعِ في مَعْناه. ولأنَّه إِذْنٌ في التَّصَرُّفِ، أشْبَهَ الوَصِيَّةَ والتَّأْمِيرَ. ولأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ بغيرِ جُعْلٍ، ولا يَخْتَصُّ فاعِلُه بكَوْنِه من أهْلِ القُرْبَةِ، فصَحَّ بالجُعْلِ، كالتَّوْكِيلِ الناجِزِ.
فصل: ويجوزُ التَّوْكِيلُ بِجُعْلٍ وبغيرِ (٢٥) جُعْلٍ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَكَّلَ أُنَيْسًا في إقَامَةِ
стр. 3432
الحَدِّ (٢٦)، وعُرْوَةَ في شِرَاءِ شاةٍ (٢٧)، وعَمْرًا وأبا رَافِعٍ في قَبُولِ النِّكَاحِ بغير جُعْلٍ (٢٨). وكان يَبْعَثُ عُمَّالَه لِقَبْضِ الصَّدَقاتِ، ويَجْعَلُ لهم عُمَالَةً. ولهذا قال له ابْنَا عَمِّه: لو بَعَثْتَنَا على هذه الصَّدَقَاتِ، فَنُؤَدِّى إليك ما يُؤَدِّى الناسُ، ونُصِيبُ ما يُصِيبُه الناسُ (٢٩)؟ يَعنِيانِ العُمالَةَ. فإن كانت بِجُعْلٍ، اسْتَحَقَّ الوَكِيلُ الجُعْلَ بِتَسْلِيمِ ما وُكِّلَ فيه إلى المُوَكِّلِ، إن كان ممَّا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه، كثَوْبٍ يَنسِجُه أو يَقْصِرُه أو يَخِيطُه، فمتى سَلَّمَهُ إلى المُوَكِّلِ مَعْمُولًا فله الأَجْرُ. وإن كان الخَيَّاطُ في دارِ المُوَكِّلِ، فكُلَّما عَمِلَ شيئا وَقَعَ مَقْبُوضًا، فيَسْتَحِقُّ الوَكِيلُ الجُعْلَ إذا فَرَغَ الخيَّاطُ من الخِيَاطَةِ. وإن وُكِّلَ في بَيْعٍ أو شِرَاءٍ أو حَجٍّ، اسْتَحَقَّ الأَجْرَ إذا عَمِلَهُ. وإن لم يَقْبِضِ الثَّمَنَ في البَيْعِ. وإن قال: إذا بِعْتَ الثَّوْبَ، وقَبَضْتَ ثَمَنَهُ، وسَلَّمْتَهُ إلَىَّ، فلك الأجْرُ. لم يَسْتَحِقّ منها شيئا حتى يُسَلِّمَهُ إليه، فإن فاتَه التَّسْلِيمُ لم يَسْتَحِقَّ شيئا؛ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ.
فصل: ولا تَصِحُّ الوَكَالَةُ إلَّا في تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ. فإن قال: وَكَّلْتُكَ في كلِّ شيءٍ. أو في كلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ. أو في كلِّ تَصَرُّفٍ يجوزُ لي. أو في كلِّ ما لِىَ التَّصَرُّفُ فيه. لم يَصِحَّ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وقال ابنُ أبي لَيْلَى: يَصِحُّ، ويَمْلِكُ به كلَّ ما تَنَاوَلَهُ لَفْظُه؛ لأنَّه لَفْظٌ عامٌّ، فصَحَّ فيما يَتَنَاوَلُه، كما لو قال: بِعْ مالِى كُلَّه. ولَنا، أنَّ في هذا غَرَرًا عَظِيمًا، وخَطَرًا كَبِيرًا؛ لأنَّه تَدْخُلُ فيه هِبَةُ مالِه، وطَلَاقُ نِسَائِه (٣٠)، وإعْتَاقُ رَقِيقِه، وتَزَوُّجُ نِسَاءٍ كَثِيرٍ (٣١). ويَلْزَمُه المُهُورُ الكَثِيرَةُ، والأَثْمانُ العَظِيمَةُ، فيَعْظُمُ الضَّرَرُ. وإن قال: اشْتَرِ لي ما شِئْتَ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه قد يَشْتَرِى ما لا يَقْدِرُ على ثَمَنِه. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، ما يَدُلُّ على صِحَّتِه؛ لِقَوْلِه في رَجُلَيْنِ، قال كلُّ واحدٍ
стр. 3433
منهما لِصَاحِبِه: ما اشْتَرَيْتَ من شيءٍ فهو بيننا: إنَّه جائِزٌ. وأَعْجَبَهُ. ولأنَّ الشَّرِيكَ والمُضَارِبَ وَكِيلَانِ في شِرَاءِ ما شاءَ. فعلى هذا ليس له أن يَشْتَرِىَ إلَّا بِثَمَنِ المِثْلِ فما دُون، ولا يَشْتَرِىَ ما لا يَقْدِرُ المُوَكِّلُ على ثَمَنِه، ولا ما لا يَرَى المَصْلَحَةَ له في شِرَائِه. وإن قال: بِعْ مالِى كلَّه، واقْبِضْ دُيُونِى كلَّها. صَحَّ؛ لأنَّه قد يَعْرِفُ مالَه ودُيُونَهُ. وإن قال: بِعْ ما شِئْتَ من مَالِى، واقْبِضْ ما شِئْتَ من دُيُونِى. جازَ؛ لأنَّه إذا جازَ التَّوْكِيلُ في الجَمِيعِ، ففى بعضِه أوْلَى. وإن قال: اقْبِضْ دَيْنِى كلَّه، وما يَتَجَدَّدُ في المُسْتَقْبَلِ. صَحَّ. وقال أصْحابُ الشّافِعِىِّ: إذا قال: بِعْ ما شِئْتَ من مالِى. لم يَجُزْ. وإن قال: مِنْ عَبِيدِى. جازَ؛ لأنَّه مَحْصُورٌ بالجِنْسِ. ولَنا، أنَّ ما جازَ التَّوْكِيلُ في جَمِيعِه، جازَ في بعضِه، كعَبِيدِه (٣٢). وإن قال: اشْتَرِ لي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أو ثَوْبًا هَرَوِيًّا. صَحَّ. وإن قال: اشْتَرِ لي عَبْدًا، أو قال ثَوْبًا. ولم يَذْكُرْ جِنْسَه، صَحَّ أيضًا. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَصِحُّ. وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ، لأنَّه مَجْهُولٌ. ولَنا، أنَّه تَوْكِيلٌ في شِرَاءِ عَبْدٍ، فلم يُشْتَرَطْ ذِكْرُ نَوْعِه، كالقِرَاضِ. ولا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ قَدْرِ الثَّمَنِ. ذَكَرَه القاضي. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَ قَدْرَ الثمَنِ. وهو أحدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأن العَبِيدَ تَتَفاوَتُ من الجِنْسِ الواحدِ، وإنما تَتَمَيَّزُ بالثَّمَنِ. ولَنا، أنَّه إذا ذَكَرَ نَوْعًا، فقد أَذِنَ في أعْلاهُ ثَمَنًا، فيَقِلُّ الغَرَرُ، ولأنَّ تَقْدِيرَ الثَّمنِ يَضُرُّ، فإنَّه قد لا يَجِدُ بِقَدْرِ الثَّمنِ. ومن اعْتَبَرَ ذِكْرَ الثَّمنِ، جَوَّزَ أن يَذْكُرَ له أكثَرَ الثَّمنِ وأقَلَّهُ.
فصل: وإذا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ في تَصَرُّفٍ، وجَعَلَ لكلِّ واحدٍ الانْفِرَادَ بالتَّصَرُّفِ، فله ذلك؛ لأنَّه مَأْذُونٌ له فيه (٣٣). فإن لم يَجْعَلْ له ذلك، فليس لأحَدِهما الانْفِرَادُ به؛ لأنَّه لم يَأْذَنْ له في ذلك، وإنَّما يجوزُ له ما أَذِنَ فيه مُوَكِّلُه. وبهذا قال الشّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وإن وَكَّلَهُما في حِفْظِ مالِه، حَفِظَاهُ معا في حِرْزٍ لهما؛ لأنَّ قولَه: افْعَلَا كذا.
стр. 3434
يَقْتَضِى اجْتِمَاعَهُما على فِعْلِه، وهو ممَّا يُمْكِنُ، فتَعَلَّقَ بهما. وفارَقَ هذا قولَه: بِعْتُكُما. حيث كان منْقَسِمًا بينهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ كونُ المِلْكِ لهما على الاجْتِماعِ، فانْقَسَمَ بينهما. فإن غابَ أحدُ الوَكِيلَيْنِ، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا لِلْحاكِم ضَمُّ أمِينٍ إليه لِيَتَصَرَّفا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا وِلايَةَ لِلْحَاكِم عليه، فلا يَضُمُّ الحاكِمُ وَكِيلًا له بغيرِ أمْرِه. وفارَقَ ما لو ماتَ أحدُ الوَصِيَّيْنِ، حيث يُضِيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِىِّ أمِينًا لِيَتَصَرَّفَا (٣٤)؛ لِكَوْنِ الحاكِم له النَّظَرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتِيمِ، ولهذا لو لم يُوص إلى أحَدٍ، أقَامَ الحاكِمُ أمِينًا في النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ. وإن حَضَرَ الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَيْنِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعَى الوَكالَةَ لهما، وأقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَمَ بِثُبُوتِ الوَكَالَةِ لهما، ولم يَمْلِك الحاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَه، فإذا حَضَرَ الآخَرُ (٣٥) تَصَرَّفَا معا، ولا يَحْتاجُ إلى إِعادَةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً. فإن قِيل: هذا حُكْمٌ للغائِبِ. قُلْنا: يجوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يجوزُ أن يَحْكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ لمن لم يُخْلَقْ لأَجْلِ من يَسْتَحِقُّه في الحالِ، كذا ههُنا. وإن جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ، أو عَزَلَ نَفْسَه، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ. وبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وجَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ في هذا سَوَاءٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحد منهما الانْفِرَادُ بها. ولَنا، أنَّه لم يَرْضَ بِتَصَرُّفِ أحَدِهِما، أشْبَه البَيْعَ والشِّرَاءَ.
٨٤١ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أنْ يُوَكِّلَ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ، إلَّا أنْ يَجْعَلَ ذلِكَ إلَيْهِ)
لا يَخْلُو التَّوْكِيلُ من ثلاثةِ أحْوالٍ:
أحدُها، أن يَنْهَى المُوَكِّلُ وَكِيلَه عن التَّوْكِيلِ، فلا يجوزُ له ذلك بغيرِ خِلَافٍ، لأنَّ
стр. 3435
ما نَهاهُ عنه غيرُ داخِلٍ في إِذْنِه. قلم يَجُزْ له (١)، كما لو لم يُوَكِّلْهُ.
الثاني، أَذِنَ له في التَّوْكِيلِ، فيجوزُ له ذلك؛ لأنَّه عَقْدٌ أذِنَ له فيه، فكان له فِعْلُه، كالتَّصَرُّفِ المَأْذُونِ له (٢) فيه. ولا نَعْلَمُ في هذَيْنِ خِلَافًا. وإن قال له: وَكَّلْتُكَ فاصْنَعْ ما شِئْتَ. فله أن يُوَكِّلَ. وقال أصْحابُ الشّافِعِىِّ: ليس له التَّوْكِيلُ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ يَقْتَضِى تَصَرُّفًا يَتَوَلّاهُ بِنَفْسِه، وقولُه: اصْنَعْ ما شِئْتَ. يَرْجِعُ إلى ما يَقْتَضِيه التَّوْكِيلُ من تَصَرُّفِه بِنَفْسِه. ولَنا، أنَّ لَفْظَهُ عَامٌّ فيما شاءَ، فيَدْخُلُ في عُمُومِه التَّوْكِيلُ.
الثالث، أَطْلَقَ الوَكَالَةَ، فلا يَخْلُو من أَقْسامٍ ثلاثةٍ؛ أحدُها، أن يكونَ العَمَلُ ممَّا يَرْتَفِعُ الوَكِيلُ عن مِثْلِه، كالأَعْمالِ الدَّنِيَّةِ (٣) في حَقِّ [أَشْرافِ الناسِ] (٤) المُرْتَفعِينَ عن فِعْلِها في العادَةِ، أو يَعْجِزُ عن عَمَلِه لكَوْنِه لا يُحْسِنُه، أو غير ذلك، فإنَّه يجوزُ له التَّوْكِيلُ فيه؛ لأنَّه إذا كان مما لا يعْمَلُه (٥) الوَكِيلُ عادَةً، انْصَرَفَ الإِذْنُ إلى ما جَرَتْ به العادَةُ من الاسْتِنَابَةِ فيه. القسم الثاني، أن يكونَ ممَّا يَعْمَلُه بِنَفْسِه، إلَّا أنَّه يَعْجِزُ عن عَمَلِه كلِّه (٦)؛ لِكَثْرَتِه وانْتِشَارِه، فيجُوزُ له التَّوْكِيلُ في عَمَلِه أيضًا؛ لأنَّ الوَكَالةَ اقْتَضَتْ جَوَازَ التَّوْكِيلِ، فجازَ التَّوْكِيلُ في فِعْلِ جَمِيعِه، كما لو أَذِنَ في التَّوْكِيلِ بِلَفْظِه. وقال القاضِى: عِنْدِى أنَّه إنَّما له التَّوْكِيلُ فيما زادَ على ما يَتَمَكَّنُ من عَمَلِه بِنَفْسِه؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ إنَّما جازَ لِلْحاجَةِ، فاخْتَصَّ ما دَعَتْ إليه الحاجَةُ، بِخِلَافِ وُجُودِ إِذْنِه، فإنَّه مُطْلَقٌ. ولأَصْحابِ الشّافِعِىِّ وَجْهانِ كهذَيْنِ. القِسْم الثالِث: ما عدا هذَيْنِ