← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

لِيَلْبَسَهُ، فحَمَلَ فيه تُرَابًا، فإنَّه يَضْمَنُ نَقْصَهُ ومَنَافِعَه؛ لأنَّه تَلِفَ بِتَعَدِّيه. وإن تَلِفَ بغير تَعَدٍّ منه (٢١) ولا اسْتِعْمَالٍ، كتَلَفِهَا لِطُولِ الزَّمَانِ عليها، ووُقُوعِ نارٍ عليها، فيَنْبَغِى أن يَضْمَنَ ما تَلِفَ منها بالنَّارِ ونحوِها؛ لأنَّه تَلَفٌ لم يَتَضَمَّنْهُ (٢٢) الاسْتِعْمالُ المَأْذُونُ فيه، فأَشْبَهَ تَلَفَها بِفِعْلٍ غيرِ مَأْذُونٍ فيه. وما تَلِفَ بمُرُورِ الزَّمَانِ عليه، يكونُ حُكْمُه حُكْمَ ما تَلِفَ بالاسْتِعْمالِ؛ لأنَّه تَلِفَ بالإِمْسَاكِ المَأْذُونِ فيه، فأشْبَهَ تَلَفَهُ بالفِعْلِ المَأْذُونِ فيه. فصل: فأمَّا وَلَدُ العَارِيَّةِ، فلا يَجِبُ ضَمَانُه، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه لم يَدْخُلْ في الإِعَارَةِ، فلم يَدْخُلْ في الضَّمَانِ، ولا فائِدَةَ لِلْمُسْتَعِيرِ فيه، فأشْبَهَ الوَدِيعَةَ، ويَضْمَنُه في الآخَرِ؛ لأنَّه وَلَدُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، فيُضْمَنُ، كوَلَدِ المَغْصُوبةِ. والأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فإنَّ وَلَدَ المَغْصُوبةِ لا يضْمَنُ إذا لم يكُنْ مَغْصُوبًا. وكذلك وَلَدُ العارِيَّةِ إذا لم يُوجَدْ مع أُمِّهِ. وإنَّما يُضْمَنُ وَلَدُ المَغْصُوبَةِ إذا كان مَغْصُوبًا، فلا أثَرَ لِكَوْنِه وَلَدًا لها. فصل: ويَجِبُ ضَمَانُ العَيْنِ بِمِثْلِها إن كانتْ من ذَوَاتِ الأَمْثَالِ، فإن لم تَكُنْ مِثْلِيَّةً، ضَمِنَها بِقِيمَتِها يومَ تَلَفِها، إلَّا على الوَجْهِ الذي يَجِبُ فيه ضَمانُ الأَجْزَاءِ التّالِفَةِ بالانْتِفَاعِ المَأْذُونِ فيه، فإنَّه يَضْمَنُها بِقِيمَتِها (٢٣) قبلَ تَلَفِ أَجْزَائِها، إن كانت قِيمَتُها حِينَئِذٍ أكْثَرَ، وإن كانتْ أقَلَّ، ضَمِنَها بِقِيمَتِها يومَ تَلَفِها، على الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. فصل: وإن كانت العَيْنُ باقِيَةً، فعَلَى المُسْتَعِيرِ رَدُّهَا إلى المُعِيرِ أو وَكِيلِه في قَبْضِها، ويَبْرَأُ ذلك من ضَمَانِها. وإن رَدَّها إلى المَكَانِ الذي أخَذَهَا منه، أو إلى مِلْكِ صَاحِبِها، لم يَبْرَأْ من ضَمَانِها. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفَةَ: يَبْرَأُ؛ لأنَّها صَارَتْ كالمَقْبُوضَةِ، فإنَّ رَدَّ العَوَارِىِّ في العَادَةِ يَكونُ إلى أَمْلَاكِ أَرْبَابِها، فيكونُ مَأْذُونًا

стр. 3572

فيه من طَرِيقِ العادَةِ. ولَنا، أنَّه لم يَرُدَّهَا إلى مَالِكِها، ولا نَائِبِه فيها، فلم يَبْرَأْ منها كما لو دَفَعَها إلى أَجْنَبِىٍّ. وما ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بالسَّارِقِ إذا رَدَّ المَسْرُوقَ إلى الحِرْزِ، ولا تُعْرَفُ العَادَة التي ذَكَرَها. وإن رَدَّهَا إلى مَنْ جَرَتْ عَادَتُه بِجَرَيانِ ذلك على يَدَيْهِ، كَزَوْجَتِه المُتَصَرِّفَةِ في مالِه، ورَدِّ الدَّابّةِ إلى سَائِسِها، فقِيَاسُ المَذْهَبِ أنَّه يَبْرَأُ. قالَه القاضي؛ لأنَّ أحمدَ قال في الوَدِيعَةِ: إذا سَلَّمَها المُودعُ إلى امْرأتِه، لم يَضْمَنْها. ولأنَّه مَأْذُونٌ في ذلك عُرْفًا، أشْبَهَ ما لو أُذِنَ فيه نُطْقًا. ومُؤْنَةُ الرَّدِّ على المُسْتَعِيرِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "العَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ". وقوله: "عَلَى اليَدِ ما أخَذَتْ حتى تُؤَدِّيَهُ" (٢٤). وعليه رَدُّها إلى المَوْضِعِ الذي أخَذَها منه؛ إلَّا أن يَتَّفِقَا على رَدِّها إلى غيرِه؛ لأنَّ ما وَجَبَ رَدُّهُ، لَزِمَ رَدُّه إلى مَوْضِعِه، كالمَغْصُوبِ. فصل: ولا تَصِحُّ العارِيَّةُ إلَّا من جائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في المالِ، فأشْبَهَ التَّصَرُّفَ بالبَيْعِ. وتُعْقَدُ بكلِّ فِعْلٍ أو لَفْظٍ يَدُلُّ عليها، مثل قوله: أعَرْتُكَ هذا. أو يَدْفَعُ إليه شيئا، ويقول: أبَحْتُكَ الانْتِفَاعَ به. أو خُذْ هذا فانْتَفِعْ به. أو يقول: أَعِرْنِى هذا. أو أَعْطِنِيه أرْكَبْه أو أَحْمِلْ عليه. ويُسَلِّمُه إليه. وأشْبَاه هذا؛ لأنَّه إبَاحَةٌ لِلتَّصَرُّفِ، فصَحَّ بالقولِ والفِعْلِ الدّالِّ عليه، كإِبَاحَةِ الطَّعَامِ بِقَوْلِه وتَقْدِيمِه إلى الضَّيْفِ. فصل: وتجوزُ إعَارَةُ كلِّ عَيْنٍ يُنْتَفَعُ بها مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مع بَقَائِها على الدَّوَامِ، كالدُّورِ، والعَقَارِ، والعَبِيدِ، والجَوَارِى، والدَّوَابِّ، والثِّيَابِ، والحَلْىِ لِلُّبْسِ، والفَحْلِ لِلضِّرَابِ، والكَلْبِ للصَّيْدِ، وغيرِ ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَعَارَ أَدْرُعًا (٢٥)، وذَكَرَ إعَارَةَ دَلْوِهَا وفَحْلِها. وذَكَرَ ابنُ مَسْعُودٍ عَارِيَّةَ القِدْرِ والمِيزَانِ، فيَثْبُتُ الحُكْمُ في هذه الأَشْيَاءِ، وما عداها مَقِيسٌ عليها إذا كان في مَعْناها. ولأنَّ ما جَازَ لِلْمالِكِ اسْتِيفَاؤُه

стр. 3573

من المَنَافِعِ، مَلَكَ إِبَاحَتَهُ إذا لم يَمْنَعْ منه مانِعٌ كالثِّيابِ. ولأنَّها أَعْيَانٌ تجوزُ إِجَارَتُها، فجازَتْ إِعَارَتُها، كالثِّيَابِ. ويجوزُ اسْتِعَارَةُ الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ لِيَزِنَ بها، فإن اسْتَعَارَها لِيُنْفِقَها، فهذا قَرْضٌ. وهذا قولُ أصْحَابِ الرَّأْىِ. وقيل: ليس هذا جَائِزًا، ولا تكون العَارِيَّةُ في الدَّنَانِيرِ، وليس له أن يَشْتَرِىَ بها شيئا. ولَنا، أنَّ هذا مَعْنَى القَرْضِ، فانْعَقَدَ القَرْضُ به، كما لو صَرَّحَ به. فصل: ولا تَجُوزُ إِعَارَةُ العَبْدِ المُسْلِمِ لِكَافِرٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ تَمْكِينُه من اسْتِخْدامِه، فلم تَجُزْ إِعَارَتُه لذلك، ولا إِعَارَةُ الصَّيْدِ لِمُحْرِمٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ له (٢٦) إِمْسَاكُه، ولا إِعَارَةُ المَرْأَةِ الجَمِيلَةِ لِرَجُلٍ غيرِ مَحْرَمِها، إن كان يَخْلُو بها، أو يَنْظُرُ إليها؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ عليها. وتجوزُ إِعَارَتُها لِامْرَأَةٍ ولذى مَحْرَمِها. ولا تَجُوزُ إعَارَةُ العَيْنِ لِنَفْعٍ مُحَرَّمٍ، كإِعَارَةِ الدّارِ لمن يَشْرَبُ فيها الخَمْرَ، أو يَبِيعُه فيها، أو يَعْصِى اللهَ تعالى فيها، ولا إعارَةُ عَبْدِه للزَّمْرِ، أو لِيَسْقِيَهُ الخَمْرَ، أو يَحْمِلَها له، أو يَعْصِرَها، أو نحو ذلك. ويُكْرَهُ أن يَسْتَعِيرَ وَالِدَيْه لِخِدْمَتِه؛ لأنَّه يُكْرَهُ له اسْتِخْدَامُهُما، فكُرِه اسْتعَارَتُهما لذلك. فصل: وتجوزُ الإِعَارَةُ مُطْلَقًا ومُقَيَّدًا؛ لأنَّها إِبَاحَةٌ، فجازَ فيها ذلك، كإِباحَةِ الطَّعَامِ. ولأنَّ الجَهَالَةَ إنَّما تُؤَثِّرُ في العُقُودِ اللَّازِمَةِ، فإذا أعَارَهُ شَيْئًا مُطْلَقًا، أُبِيحَ له الانْتِفَاعُ به في كل ما هو مُسْتَعِدٌّ له من الانْتِفَاعِ (٢٧). فإذا أعَارَهُ أَرْضًا مُطْلَقًا، فله أن يَزْرَعَ فيها، ويَغْرِسَ، ويَبْنِىَ، ويَفْعَلَ فيها كلَّ ما هي مُعَدَّةٌ له من الانْتِفَاعِ؛ لأنَّ الإِذْنَ مُطْلَقٌ. وإن أعَارَهُ لِلغِرَاسِ أو لِلْبِنَاءِ، فله أن يَزْرَعَ فيها ما شَاءَ؛ لأنَّ ضَرَرَهُ دون ضَرَرِهما، فكأنَّه اسْتَوْفَى بعضَ ما أَذِنَ له فيه. وإن اسْتَعَارَها لِلزَّرْعِ، لم يَغْرِسْ، ولم يَبْنِ؛ لأنَّ ضَرَرَهما أَكْثَرُ، فلم يكُنِ الإِذْنُ في القَلِيلِ إِذْنًا في الكَثِيرِ. وإن اسْتَعارَها لِلْغِرَاسِ، أو لِلْبِنَاءِ، مَلَكَ المَأْذُونَ فيه منهما دون الآخَرِ؛ لأنَّ ضَرَرَهما مُخْتَلِفٌ. فإنَّ

стр. 3574

ضَرَرَ الغِرَاسِ في باطِنِ الأَرْضِ لِانْتِشَارِ العُرُوقِ فيها، وضَرَرَ البِنَاءِ في ظَاهِرِهَا، فلم يكُنِ الإِذْنُ في أحَدِهِما إذْنًا في الآخَرِ. وإن اسْتَعَارَها لِزَرْعِ الحِنْطَةِ، فله زَرْعُها وزَرْعُ ما هو أقَلُّ ضَرَرًا منها، كالشَّعِيرِ والبَاقِلَّا والعَدَسِ، وله زَرْعُ ما ضَرَرُه كضَرَرِ الحِنْطَةِ؛ لأنَّ الرِّضَى بِزِرَاعَةِ شيءٍ رِضىً بِضَرَرِه، وما هو دونه، وليس له زَرْعُ ما هو أكْثَرُ ضَرَرًا منه، كالذُّرَةِ والدُّخْنِ والقُطْنِ؛ لأنَّ ضَرَرَهُ أكْثَرُ. وحُكْمُ إبَاحَةِ الانْتِفَاعِ في العَارِيَّةِ، كحُكْمِ الانْتِفَاعِ في الإِجَارَةِ فيما له أن يَسْتَوْفِيَهُ، وما يُمْنَعُ منه. وسَنَذْكُرُ في الإِجَارَةِ تَفْصِيلَ ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى. وإن أَذِنَ له في زَرْعِ مَرَّةٍ، لم يكُنْ له أن يَزْرَعَ أكْثَرَ منها. وإنْ أَذِنَ له في غَرْسِ شَجَرَةٍ فانْقَلَعَتْ، لم يكُنْ له غَرْسُ أُخْرَى، وكذلك إن أَذِنَ له في وَضْعِ خَشَبَةٍ (٢٨) على حائِطٍ فانْكَسَرَتْ، لم يَمْلِكْ وَضْعَ أُخْرَى؛ لأنَّ الإِذْنَ إذا اخْتَصَّ بشيءٍ لم يَتَجَاوَزْهُ. فصل: وإن (٢٩) اسْتَعارَ شَيْئًا، فله اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَتِه بِنَفْسِه وبِوَكِيلِه؛ لأنَّ وَكِيلَه نائِبٌ عنه، ويَدُه كيَدِه. وليس له أن يُؤْجِرَهُ؛ لأنَّه لم يَمْلِك المَنَافِعَ، فلا يَصِحُّ أن يُمَلِّكَها. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. ولا خِلَافَ بينهم أن المُسْتَعِيرَ لا يَمْلِكُ العَيْنَ. وأَجْمَعُوا على أنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ اسْتِعْمَالَ المُعَارِ فيما أُذِنَ له فيه، وليس له أن يُعِيرَه غيرَه. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحَابِ الشّافِعِىِّ. وقالُوا في الآخَرِ: له ذلك. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه يُمَلِّكُه على حَسَبِ ما مَلَكَه، فجازَ كما لِلْمُسْتَأْجِرِ أن يُؤْجِرَ. قال أصْحَابُ الرَّأْىِ: إذا اسْتَعارَ ثَوْبًا لِيَلْبَسَهُ هو، فأَعْطاهُ غيرَه، فَلَبِسَه، فهو ضَامِنٌ. وإن لم يُسَمِّ من يَلْبَسُه، فلا ضَمَانَ عليه. وقال مالِكٌ: إذا لم يَعْمَلْ بها إلَّا الذي كان يَعْمَلُ بها الذي أُعِيرَها، فلا ضَمَانَ عليه. ولَنا، أنَّ العارِيَّةَ إِبَاحَةُ المَنْفَعَةِ، فلم يَجُزْ أن يُبِيحَها غيره كإِبَاحَةِ (٣٠) الطَّعَامِ. وفارَقَ الإِجَارَةَ؛ لأنَّه مَلَكَ الانْتِفَاعَ على كل وَجْهٍ، فمَلَكَ أن

стр. 3575

يُمَلِّكَها، وفى العَارِيَّةِ لم يَمْلِكْها، إنَّما مَلَكَ اسْتِيفَاءَها على وَجْهِ ما أُذِنَ له، فأَشْبَه من أُبِيحَ له أَكْلُ الطَّعَامِ. فعلى هذا، إن أعَارَ فلِلْمالِكِ الرُّجُوعُ بأَجْرِ المِثْلِ، وله أن يُطَالِبَ مَن شَاءَ منهما؛ لأنَّ الأَوَّلَ سَلَّطَ (٣١) غيرَه على أخْذِ مالِ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، والثانى اسْتَوْفَاهُ بغير إِذْنِه، فإن ضَمِنَ الأَوَّلُ رَجَعَ على الثانِى؛ لأنَّ الاسْتِيفَاءَ حَصَلَ منه، فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه، وإن ضَمِنَ الثاني لم يَرْجِعْ على الأَوَّلِ، إلَّا أن يكونَ الثانِى لم يَعْلَمْ بحَقِيقَةِ الحالِ، فيَحْتَمِلُ أن يَسْتَقِرَّ الضَّمَانُ على الأَوَّلِ؛ لأنَّه غَرَّ الثاني، ودَفَعَ إليه العَيْنَ على أنَّه يَسْتَوْفِى مَنَافِعَها بغير عِوَضٍ. وإن تَلِفَتِ العَيْنُ في يَدِ الثاني، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه قَبَضَها على أن تكونَ مَضْمُونَةً عليه، فإن رَجَعَ على الأَوَّلِ، رَجَعَ الأَوَّلُ على الثاني، وإن رَجَعَ على الثاني، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ. فصل: وإن أعَارَهُ شيئا، وأَذِنَ له في إِجَارَتِه مُدَّةً مَعْلُومةً، أو في إِعَارَتِه مُطْلَقًا، أو مُدَّةً، جازَ، لأنَّ الحَقَّ لمَالِكِه، فجَازَ ما أَذِنَ فيه. وليس له الرُّجُوعُ بعد عَقْدِ الإِجَارَةِ حتى يَنْقَضِىَ؛ لأنَّ عَقْدَ الإِجَارَةِ لازِمٌ، وتكونُ العَيْنُ مَضْمُونَةً على المُسْتَعِيرِ، غيرَ مَضْمُونَةٍ على المُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّ عَقْدَ الإِجَارَةِ لا يُوجِبُ ضَمَانًا. وإن أجَرَه بغيرِ إِذْنٍ، لم تَصِحَّ الإِجَارَةُ، ويكونُ على المُسْتَأْجِرِ الضَّمَانُ، ولِلْمالِكِ تَضْمِينُ مَن شَاءَ منهما، على ما ذَكَرْناهُ في العَارِيَّةِ. فصل: ويجوزُ أن يَسْتَعِيرَ عَبْدًا لِيَرْهَنَه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعُوا على أنَّ الرَّجُلَ إذا اسْتَعارَ من الرَّجُلِ شيئا يَرْهَنُه عندَ رَجُلٍ، على شيءٍ مَعْلُومٍ، إلى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فرَهَنَ ذلك على ما أَذِنَ له فيه، أنَّ ذلك جائِزٌ؛ وذلك لأنَّه اسْتَعارَهُ لِيَقْضِىَ به حاجَتَهُ، فصَحَّ، كسائِرِ العَوَارِى. ولا يُعْتَبَرُ العِلْمُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وجِنْسِه؛ لأنَّ العَارِيَّةَ لا يُعْتَبَرُ فيها العِلْمُ. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، وأَصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال الشّافِعِىُّ: يُعْتَبَرُ ذلك؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بذلك. ولَنا، أنَّها عَارِيَّةٌ لِجِنْسٍ من النَّفْعِ، فلم تُعْتَبَرْ مَعْرِفَةُ قَدْرِه، كعَارِيَّةِ

стр. 3576

الأَرْضِ لِلزَّرْعِ. ولا يَصِيرُ المُعِيرُ ضَامِنًا لِلدَّيْنِ. وقال الشّافِعِىُّ، في أحدِ قَوْلَيْه: يَصِيرُ ضَامِنًا له (٣٢) في رَقَبَةِ عَبْدِه؛ لأنَّ العَارِيَّةَ ما يُسْتَحَقُّ به مَنْفَعَةُ العَيْنِ، والمَنْفَعَةُ ههُنا لِلْمَالِكِ، فدَلَّ على أنَّه ضَمَانٌ. ولَنا، أنَّه أعَارَهُ لِيَقْضِىَ منه حَاجَتَهُ، فلم يكُنْ ضَامِنًا، كسَائِرِ العَوَارِى، وإنَّما يَسْتَحِقُّ بالعَارِيَّةِ النَّفْعَ المَأْذُونَ فيه، وما عَداهُ من النَّفْعِ فهو لِمَالِكِ العَيْنِ. وإن عَيَّنَ المُعِيرُ قَدْرَ الدَّيْنِ الذي يَرْهَنُه به وجِنْسَه، أو مَحلًّا، تَعَيَّنَ؛ لأنَّ العارِيَّةَ تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ، فإن خَالَفَه في الجَنْسِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه عَقْدٌ لم يَأْذَنْ له فيه، أشْبَهَ ما لو لم يَأْذَنْ في رَهْنِه. وكذلك إذا أَذِنَ له في مَحلٍّ، فخَالَفَهُ فيه؛ لأنَّه إذا أَذِنَ له في رَهْنِه بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، فرَهَنَهُ بِحَالٍّ، فقد لا يَجِدُ ما يَفُكُّه به في الحال، وإن أَذِنَ في رَهْنِه بحَالٍّ، فرَهَنَهُ بمُؤَجَّلٍ، فلم يَرْضَ أن يُحَالَ بينه وبين عَبْدِه إلى أجَلٍ، لم يَصِحَّ. وإن رَهَنَهُ بأَكْثَرَ ممَّا قَدَّرَه له، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ مَن رَضِىَ بِقَدْرٍ من الدَّيْنِ لم (٣٣) يَلْزَمْ أن يَرْضَى بأَكْثَرَ منه. وإن رَهَنَهُ بأَنْقَصَ منه، جَازَ؛ لأنَّ مَن رَضِىَ بعَشَرَةٍ, رَضِىَ بما دُونَها عُرْفًا، فأَشْبَهَ من أُمِرَ بِشِرَاءِ شيءٍ بِثَمَنٍ، فاشْتَرَاهُ بدُونِه. ولِلْمُعِيرِ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ بِفَكَاكِ الرَّهْنِ في الحالِ، سواءٌ كان بِدَيْنٍ حَالٍّ أو مُؤَجَّلٍ؛ لأنَّ لِلْمُعِيرِ الرُّجُوعَ في العَارِيَّةِ متى شَاءَ. وإن حَلَّ الدَّيْنُ، فلم يَفُكَّه الرَّاهِنُ، جَازَ بَيْعُه في الدَّيْنِ؛ لأنَّ ذلك مُقْتَضَى الرَّهْنِ، فإذا بِيعَ في الدَّيْنِ، أو تَلِفَ، رَجَعَ السَّيِّدُ على الرّاهِنِ بقِيمَتِه؛ لأنَّ العارِيَّةَ تُضْمَنُ بقِيمَتِها. وإن تَلِفَ بغير تَفْرِيطٍ، فلا شىءَ على المُرْتَهِنِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ لا يُضْمَنُ من غيرِ تَعَدٍّ. وإن اسْتَعارَ عَبْدًا من رَجُلَيْنِ، فرَهَنَهُ بمائةٍ، ثم قَضَى خَمْسِينَ، على أن تَخْرُجَ حِصَّةُ أحَدِهِما، لم تَخْرُجْ؛ لأنَّه رَهَنَهُ بجَمِيعِ الدَّيْنِ في صَفْقَةٍ، فلا يَنْفَكُّ بعضُه بِقَضَاءِ بعضِ الدَّيْنِ، كما لو كان العَبْدُ لِوَاحِدٍ. فصل: وتجوزُ العارِيَّةُ مُطْلَقَةً ومُؤَقَّتةً؛ لأنَّها إِبَاحَةٌ، فأَشْبَهَتْ إِبَاحَةَ الطَّعَامِ.

стр. 3577

ولِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ في العارِيَّةِ أىَّ وَقْتٍ شَاءَ، سواءٌ كانت مُطْلَقَةً أو مُؤَقَّتَةً، ما لم يَأْذَنْ في شَغْلِه بشيءٍ يَتَضَرَّرُ بالرُّجُوعِ فيه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، وقال مالِكٌ: إن كانت مُؤَقَّتةً، فليس له الرُّجُوعُ قبلَ الوَقْتِ، وإن لم تُؤَقَّتْ له مُدَّة، لَزِمَهُ تَرْكُه مُدَّةً يُنْتَفَعُ بها في مِثْلِها؛ لأنَّ المُعِيرَ قد مَلَّكَهُ المَنْفَعَةَ في (٣٤) مُدَّةٍ، وصَارَتِ العَيْنُ في يَدِه بِعَقْدٍ مُبَاحٍ، فلم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ فيها بغير اخْتِيَارِ المالِكِ، كالعَبْدِ المُوصَى بِخِدْمَتِه والمُسْتَأْجَرِ. ولَنا، أنَّ المَنَافِعَ المُسْتَقْبَلَةَ لم تَحْصُلْ في يَدِه، فلم يَمْلِكْها بالإِعَارَةِ، كما لو لم تَحْصُل العَيْنُ في يَدِه، وأمَّا العَبْدُ المُوصَى بخِدْمَتِه، فَلِلْمُوصِى الرُّجُوعُ، ولم يَمْلِك الوَرَثَةُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ التَّبَرُّعَ من غَيرِهم. وأمَّا المُسْتَأْجَرُ، فإنه مَمْلُوكٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فيَلْزَمُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنا. ويجوزُ لِلْمُسْتَعِيرِ الرَّدُّ متى شَاءَ. بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه إِباحَةٌ، فكانَ لِمَنْ أُبِيحَ له تَرْكُه، كإِبَاحَةِ الطَّعَامِ. فصل: وإذا أَطْلَقَ المُدَّةَ في العارِيَّةِ، فله أن يَنْتَفِعَ بها ما لم يَرْجِعْ. وإن وَقَّتَها، فله أن يَنْتَفِعَ ما لم يَرْجِعْ، أو يَنْقَضِىَ الوَقْتُ؛ لأنَّه اسْتَباحَ ذلك بالإِذْنِ، ففيما عَدَا مَحلِّ الإِذْنِ يَبْقَى على أَصْلِ التَّحْرِيمِ. فإن كان المُعَارُ أَرْضًا، لم يكُنْ له أن يَغْرِسَ، ولا يَبْنِىَ، ولا يَزْرَعَ بعدَ الوَقْتِ أو الرُّجُوعِ، فإن فَعَلَ شيئا من ذلك، لَزِمَهُ قَلْعُ غَرْسِه وبِنَائِه، وحُكْمُه حُكْمُ الغاصِبِ في ذلك؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِم حَقٌّ" (٣٥). وعليه أَجْرُ ما اسْتَوْفاهُ من نَفْعِ الأَرْضِ على وَجْهِ العُدْوَانِ، ويَلْزَمُه القَلْعُ، وتَسْوِيَةُ الحَفْرِ، ونَقْصُ الأَرْضِ، وسائِرُ أحْكَامِ الغَصْبِ؛ لأنَّه عُدْوانٌ. فصل: فإن أعَارَهُ شيئا يَنْتَفِعُ (٣٦) به انْتِفَاعًا يَلْزَمُ من الرُّجُوعِ في العَارِيَّةِ في أَثْنَائِه ضَرَرٌ بالمُسْتَعِيرِ، لم يَجُزْ له الرُّجُوعُ؛ لأنَّ الرُّجُوعَ يَضُرُّ بِالمُسْتَعِيرِ، فلم يَجُزْ له الإِضْرَارُ

стр. 3578

به، مثل أن يُعِيرَه لَوْحًا يَرْقَعُ به سَفِينَتَهُ، فَرَقَعَها به، ولَجَّجَ بها في البَحْرِ، لم يَجُزِ الرُّجُوعُ ما دَامَتْ في البَحْرِ، وله الرُّجُوعُ قبلَ دُخُولِها في البَحْرِ، وبعدَ الخُرُوجِ منه؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فيه. وإن أعَارَهُ أَرْضًا لِيَدْفِنَ فيها، فله الرُّجُوعُ ما لم يَدْفِنْ فيها. فإذا دَفَنَ لم يكُنْ له الرُّجُوعُ، ما لم يَبْلَ المَيِّتُ. وإن أعَارَهُ حَائِطًا لِيَضَعَ عليه أَطْرَافَ خَشَبِه، جَازَ، كما تجوزُ إعَارَةُ الأَرْضِ لِلْبِنَاءِ والغِرَاسِ، وله الرُّجُوعُ ما لم يَضَعْهُ، وبعدَ وَضْعِه ما لم يَبْنِ عليه؛ لأنَّه لا ضَرَرَ فيه، فإن بَنَى عليه، لم يَجُزِ الرُّجُوعُ؛ لما في ذلك من هَدْمِ البِنَاءِ. وإن قال: أنا أَدْفَعُ إليك أَرْشَ ما نَقَصَ بالقَلْعِ. لم يَلْزَمِ المُسْتَعِيرَ ذلك؛ لأنَّه إذا قَلَعَهُ انْقَلَعَ ما في مِلْكِ المُسْتَعِيرِ منه (٣٧). ولا يَجِبُ على المُسْتَعِيرِ قَلْعُ شَىءٍ من مِلْكِه بِضَمَانِ القِيمَةِ. وإن انْهَدَمَ الحائِطُ وزَالَ الخَشَبُ عنه، أو أزَالَهُ المُسْتَعِيرُ بِاخْتِيَارِه، لم يَمْلِكْ إعَادَتَهُ، سواءٌ بَنَى الحائِطَ بآلَتِه أو بغيرِها؛ لأنَّ العارِيَّةَ لا تَلْزَمُ، وإنَّما امْتَنَعَ الرُّجُوعُ قبلَ انْهِدَامِه؛ لما فيه من الضَّرَرِ بالمُسْتَعِيرِ، بإِزالَةِ المَأْذُونِ في وَضْعِه، وقد زَالَ ذلك. وكذلك إذا سَقَطَ الخَشَبُ والحائِطُ بحَالِه. وإن أعَارَهُ أَرْضًا لِزِرَاعَةِ شيءٍ، فله الرُّجُوعُ ما لم يَزْرَعْ، فإذا زَرَعَ لم يَمْلِكِ (٣٨) الرُّجُوعَ فيها إلى أن يَنْتَهِىَ الزَّرْعُ. فإن بَذَلَ له قِيمَةَ الزَّرْعِ لِيَمْلِكَه، لم يكُنْ له ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ له وَقْتًا يَنْتَهِى إليه. فإن كان ممَّا يُحْصَدُ قَصِيلًا (٣٩)، فله الرُّجُوعُ في وَقْتِ إِمْكَانِ حَصَادِه؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فيه، وإن لم يكُنْ كذلك، لم يكُن له الرُّجُوعُ حتى يَنْتَهِىَ. وإن أَذِنَ له في البِنَاءِ والغِرَاسِ فيها، فله الرُّجُوعُ قبلَ قَلْعِه. فإذا غَرَسَ وَبنَى، فلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ فيما بين الغِرَاسِ والبِنَاءِ؛ ولأنَّه لم يَتَعَلَّقْ به مِلْكُ المُسْتَعِيرِ، ولا ضَرَرَ عليه في الرُّجُوعِ فيه (٤٠)، فأشْبَهَ ما لو لم يَبْنِ في الأَرْضِ شيئا، ولم يَغْرِسْ فيها. ثم إن اخْتَارَ المُسْتَعِيرُ أَخْذَ بِنَائِه وغِرَاسِه، فله

стр. 3579

ذلك؛ لأنَّه مِلْكُه فمَلَكَ نَقْلَه. [ولا يَلْزَمُه] (٤١) تَسْوِيَةُ الحَفْرِ. ذَكَرَهُ القَاضى؛ لأنَّ المُعِيرَ (٤٢) رَضِىَ بذلك حيث أعَارَه، مع عِلْمِه بأنَّ له قَلْعَ غَرْسِه. ويَحْتَمِلُ أنَّ عليه تَسْوِيَةَ الحَفْرِ؛ لأنَّ القَلْعَ باخْتِيَارِه، فإنَّه (٤٣) لو امْتَنَعَ منه لم يُجْبَرْ عليه، فلَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الأرضِ (٤٤)، كما لو خَرَّبَ أرْضَه التي لم يَسْتَعِرْهَا. وإن أَبَى القَلْعَ، فبَذَلَ له المُعِيرُ ما يَنْقُصُ بالقَلْعِ، أو قِيمَةَ غِرَاسِه وبِنَائِه قَائِمًا، لِيَأْخُذَه المُعِيرُ، أُجْبِرَ المُسْتَعِيرُ عليه؛ لأنَّه رُجُوعٌ في العارِيَّةِ من غير إِضْرَارٍ. وإن قال المُسْتَعِيرُ: أنا أدْفَعُ قِيمَةَ الأَرْضِ لِتَصِيرَ لي. لم يكُنْ له؛ لأنَّ الغِرَاسَ تابِعٌ، والأَرْضَ أَصْلٌ، ولذلك يَتْبَعُها الغِرَاسُ والبِنَاءُ في البَيْعِ، ولا تَتْبَعُهُما، وبهذا كلِّه قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفَةَ، ومالِكٌ: يُطَالِبُ المُسْتَعِيرَ بالقَلْعِ من غيرِ ضَمَانٍ، إلَّا أن يكونَ أعَارَهُ مُدَّةً مَعْلُومةً، فرَجَعَ (٤٥) فيها قبل انْقِضَائِها؛ لأنَّ المُعِيرَ لم يَغُرَّهُ، فكان عليه القَلْعُ، كما لو شَرَطَ عليه. ولَنا، أنَّه بَنَى وغَرَسَ بإِذْنِ المُعِيرِ، من غير شَرْطِ القَلْعِ، فلم يَلْزَمْهُ القَلْعُ من غيرِ ضَمَانٍ، كما لو طَالَبَهُ قبلَ انْقِضَاءِ الوَقْتِ. وقولُهم: لم يَغُرَّهُ. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الغِرَاسَ والبِنَاءَ يُرَادُ للتَّبْقِيَة، وتَقْدِيرُ المُدَّةِ يَنْصَرِفُ إلى ابْتِدَائِه، كأنَّه قال له (٤٦): لا تَغْرِسْ بعدَ هذه المُدَّةِ. فإن امْتَنَعَ المُعِيرُ من دَفْعِ القِيمَةِ وأَرْشِ النَّقْصِ، وامْتَنَعَ المُسْتَعِيرُ (٤٧) من القَلْعِ ودَفْعِ الأَجْرِ (٤٨)، لم يُقْلَعْ؛ لأنَّ الإِعَارَةَ تَقْتَضِى الانْتِفَاعَ من غير ضَمَانٍ، والإِذْنُ فيما يَبْقَى على الدَّوَامِ وتَضُرُّ إِزَالَتُه رِضىً بالإِبْقَاءِ، وقولُ النبيِّ ﷺ : "لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِم حَقٌّ". يَدُلُّ بمَفْهُومِه على أن العِرْقَ الذي ليس بِظَالِمٍ له حَقٌّ، فعندَ ذلك، إن اتَّفَقَا على البَيْعِ،

стр. 3580

بِيعَتِ الأَرْضُ بِغِرَاسِها، ودُفِعَ إلى كلِّ واحدٍ منهما قَدْرُ حَقِّه، فيُقال: كم قِيمَةُ الأَرْضِ غيرَ مَغْرُوسَةٍ ولا مَبْنِيَّةٍ؟ فإذا قِيلَ عَشَرَة. قُلْنا: وكم تُسَاوِى مَغْرُوسَةً ومَبْنِيّةً؟ فإن قالوا: خَمْسَةَ عَشَرَ. قُلْنا: فَلِلْمُعِيرِ ثُلُثَا الثَّمَنِ، ولِلْمُسْتَعِيرِ ثُلُثُه. وإن امْتَنَعَا من (٤٩) البَيْعِ، بَقِيَا على حَالِهِما، ولِلْمُعِيرِ دُخُولُ أَرْضِه كيفَ شَاءَ، والانْتِفَاعُ بها بما لا يَضُرُّ الغِرَاسَ والبِنَاءَ، ولا يَنْتَفِعُ بهما، ليس لِصَاحِبِ الغِرَاسِ والبِنَاءِ الدُّخُولُ إلَّا لِحَاجَةٍ، مثل السَّقْىِ وإصْلَاحِ الثَّمَرَةِ؛ لأنَّ الإِذْنَ في الغِرَاسِ إِذْنٌ فيما يَعُودُ بِصَلَاحِه، وأَخْذِ ثِمَارِه، وسَقْيِه. وليس له دُخُولُها لِلتَّفَرُّجِ؛ لأنَّه قد رَجَعَ في الإِذْنِ له. ولكلِّ واحدٍ منهما بَيْعُ ما يَخْتَصُّ به من المِلْكِ مُنْفَرِدًا، فيكونُ لِلْمُشْتَرِى مثلُ ما كان لِبَائِعِه. وقال بعضُ أصْحابِ الشّافِعِىِّ: ليس لِلْمُسْتَعِيرِ بَيْعُ الشَّجَرِ؛ لأنَّ مِلْكَه فيه غيرُ مُسْتَقِرٍّ، بدَلِيلِ أنَّ لِلْمُعِيرِ أَخْذَهُ متى شَاءَ بقِيمَتِه. قُلْنا: عَدَمُ اسْتِقْرَارِه لا يَمْنَعُ بَيْعَهُ، بِدَلِيلِ الشِّقْصِ المَشْفُوعِ والصَّدَاقِ قبل الدُّخُولِ. وفى جَمِيعِ هذه المَسَائِلِ، متى كان المُعِيرُ شَرَطَ على المُسْتَعِيرِ القَلْعَ عند رُجُوعِه، ورَدّ العَارِيَّة غيرَ مَشْغُولَة، لَزِمَهُ ذلك؛ لأنَّ المسلِمين على شُرُوطِهِم، ولأنَّ العَارِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ غيرُ مُطْلَقَةٍ، فلم تَتَنَاوَلْ ما عدا المُقَيَّدِ؛ لأنَّ المُسْتَعِيرَ دَخَلَ في العَارِيَّةِ رَاضِيًا بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ الدّاخِلِ عليه بالقَلْعِ، وليس على صَاحِبِ الأَرْضِ ضَمَانُ نَقْصِه. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. وأمَّا تَسْوِيَةُ الحُفَرِ الحاصِلَةِ بالقَلْعِ [فإذا كانتْ مَشْروطةً عليه، لَزِمَه؛ لما ذَكَرْنا، وإلَّا لم يَلْزَمْ؛ لأنَّه رَضِىَ بضَرَرِ القَلْعِ] (٥٠) من الحَفْرِ ونحوِه، حيثُ اشْتَرَط القَلْعَ. ولم يَذْكُرْ أصْحَابُنا على المُسْتَعِيرِ أجْرًا في شيءٍ من هذه المَسَائِل، إلَّا فيما إذا اسْتَعَارَ أرْضًا لِلزَّرْعِ، فزَرَعَها، ثم رَجَعَ المُعِيرُ فيها قبلَ كَمَالِ الزَّرْعِ، فإنَّ عليه أَجْرَ مِثْلِه، من حينَ رَجَعَ المُعِيرُ؛ لأنَّ الأَصْلَ جَوَازُ الرُّجُوعِ، وإنَّما مُنِعَ من القَلْعِ لما فيه من الضَّرَرِ، ففى دَفْعِ الأَجْرِ جَمْعٌ بينَ الحَقَّيْنِ، فيُخَرَّجُ في سائِرِ المسائِلِ مثلُ هذا، لوُجُودِ هذا المَعْنَى فيه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ الأَجْرُ في شيءٍ

стр. 3581

من المَوَاضِعِ؛ لأنَّ حُكْمَ العارِيَّةِ باقٍ فيه، لكَوْنِها صارَتْ لَازِمَةً لِلضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِفَسْخِها، والإِعَارَةُ تَقْتَضِى الانْتِفَاعَ بغيرِ عِوَضٍ. فصل: وإذا اسْتَعارَ دَابَّةً لِيَرْكَبَها، جَازَ؛ لأنَّ إِجَارَتَها لذلك جَائِزَةٌ، والإِعَارَةُ أَوْسَعُ، لِجَوَازِها فيما لا تجوزُ إجَارَتُه، مثل إِعَارَةِ الكَلْبِ لِلصَّيْدِ. فإن اسْتَعَارهَا إلى مَوْضِعٍ، فجاوَزَهُ (٥١)، فقد تَعَدَّى، وعليه الأُجْرَةُ لِلزِّيَادَةِ خاصَّةً. فإذا اسْتَعَارَها إلى طَبَرِيَّة، فتَجَاوَزَ إلى القُدْسِ، فعليه أَجْرُ ما بين طَبَرِيَّة والقُدْس خاصَّة. وإن اخْتَلَفَا، فقال المالِكُ: أعَرْتُكَها إلى طَبَرِيَّةَ. وقال المُسْتَعِيرُ: أَعَرْتَنِيهَا إلى القُدْسِ. فالقولُ قولُ المالِكِ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: إن كان يُشْبِهُ ما قال المُسْتَعِيرُ، فالقولُ قولُه، وعليه الضَّمَانُ. ولَنا، أنَّ المالِكَ مُدَّعًى عليه، فكان القولُ قولَه، لقولِ النبيِّ ﷺ : "لكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" (٥٢). فصل: ومن اسْتَعَارَ شيئا، فانْتَفَعَ به، ثم ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا، فَلِمَالِكِه أَجْرُ مِثْلِه، يُطَالِبُ به مَنْ شَاءَ منهما، فإن ضَمِنَ المُسْتَعِيرُ، رَجَعَ على المُعِيرِ بما غَرِمَ؛ لأنَّه غَرَّهُ بذلك وغَرَّمَهُ، [لأنَّه دَخَلَ على أن لا أجْرَ عليه] (٥٣). وإن رَجَعَ على المُعِيرِ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ، فإنَّ الضَّمَانَ اسْتَقَرَّ عليه. قال أحمدُ، في قَصَّارٍ دَفَعَ ثَوْبًا إلى غير صَاحِبِه، فلَبِسَه، فالضَّمَانُ على القَصَّارِ دُونَ اللَّابِسِ. وإن تَلِفَ فالقِيمَةُ تَسْتَقِرُّ على المُسْتَعِيرِ؛ لأنَّه دَخَلَ على العَيْنِ مَضْمُونةً عليه. فإن ضَمِنَ المُعِيرُ، رَجَعَ على المُسْتَعِيرِ، وإن ضَمِنَ المُسْتَعِيرُ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّ الضَّمَانَ اسْتَقَرَّ عليه. وإن نَقَصَتِ العَيْنُ بالاسْتِعْمالِ، انْبَنَى على ضَمَانِ النَّقْصِ، فإن قُلْنا: هو على المُسْتَعِيرِ. فَحُكْمُه حُكْمُ

стр. 3582

القِيمَةِ. وإن قُلْنا: هو على المُعِيرِ. فهو كالأَجْرِ. على ما بَيَّنّاهُ. فصل: وإذا حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرَ رَجُلٍ من أَرْضِه إلى أَرْضٍ غيرِه، فنَبَتَ فيها، لم يُجْبَرْ على قَلْعِه. وقال أصْحَابُ الشّافِعِىِّ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ: يُجْبَرُ على ذلك، إذا طَالَبَهُ رَبُّ الأَرْضِ به؛ لأنَّ مِلْكَهُ حَصَلَ في مِلْكِ غيره بغيرِ إِذْنِه، فأشْبَهَ ما لو انْتَشَرَتْ أغْصَانُ شَجَرَتِه في هَوَاءِ مِلْكِ جَارِه. وَلنا، أنَّ قَلْعَهُ إِتْلَافٌ لِلمَالِ على مالِكِه (٥٤)، ولم يُوجَدْ منه تَفْرِيطٌ، ولا يَدُومُ ضَرَرُه، فلا يُجْبَرُ على ذلك، كما لو حَصَلَتْ دَابَّتُه في دارِ غيرِه على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ خُرُوجُها إلَّا بِقَلْعِ البابِ أو قَتْلِها، فإنَّنا لا نُجْبِرُه على قَتْلِها. ويُفَارِقُ أغْصَانَ الشَّجَرَةِ، فإَّنه يَدُومُ ضَرَرُه، ولا يُعْرَفُ قَدْرُ ما يَشْغَلُ من الهَوَاءِ فيُؤَدِّى أَجْرَهُ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُقَرُّ في الأَرْضِ إلى حين حَصَادِه بأَجْرِ مِثْلِه. وقال القاضي: ليس عليه أَجْرٌ؛ لأنَّه حَصَلَ في أرْضِ غيرِه بغيرِ تَفْرِيطِه، فأَشْبَهَ ما لو باتَتْ دَابَّتُه في أَرْضِ إِنْسَانٍ بغيرِ تَفْرِيطِه. وهذا بَعِيدٌ؛ لأنَّ إِلْزَامَهُ تَبْقِيَةَ زَرْعٍ ما أَذِنَ فيه، [في أرْضِهِ] (٥٥)، بغيرِ أجْرٍ ولا انْتِفَاعٍ، إِضْرَارٌ به، وشَغْلٌ لمِلْكِه بغيرِ اخْتِيَارِه، من غيرِ عِوَضٍ، فلم يَجُزْ، كما لو أرَادَ إِبْقَاءَ بَهِيمَتِه في دارِ غيرِه عَامًا. ويُفَارِقُ مَبِيتَها؛ لأنَّ ذلك لا يُجْبَرَ المالِكُ عليه، ولا يُمْنَعُ من إِخْرَاجِهَا، فإذا تَرَكَها اخْتِيارًا منه، كان رَاضِيًا به، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. ويكونُ الزَّرْعُ لِمَالِكِ البَذْرِ؛ لأنَّه من عَيْنِ مَالِه. ويَحْتَملُ أن يكونَ حُكْمُ هذا الزَّرْعِ حُكْمَ زَرْعِ الغاصِبِ، على ما سَنَذْكُرُه؛ لأنَّه حَصَلَ في أَرْضِه بغير إِذْنِه، فأشْبَهَ ما لو زَرَعَهُ مَالِكُه. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ هذا بغير عُدْوَانٍ، وقد أمْكَنَ جَبْرُ حَقّ مالِكِ الأَرْضِ، بِدَفْعِ الأَجْرِ إليه. وإن أحَبَّ مالِكُه قَلْعَه، فله ذلك، وعليه تَسْوِيَةُ الحَفْرِ، وما نَقَصَتِ الأَرْضُ؛ لأنَّه أدْخَلَ النَّقْصَ على مِلْكِ غيرِه، لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِه، فأَشْبَه المُسْتَعِيرَ. وأمَّا إن كان السَّيْلُ حَمَلَ نَوًى، فنَبَتَ شَجَرًا في أرْضِ غيرِه، كالزَّيْتُونِ والنَّخِيلِ ونحوِه، فهو لِمَالِكِ النَّوَى؛ لأنَّه من نَمَاءِ مِلْكِه، فهو كالزَّرْعِ، ويُجَبَرُ على قَلْعِه ههُنا؛ لأنَّ

стр. 3583

ضَرَرَه يَدُومُ، فأُجْبِرَ على إزَالَتِه، كأَغْصَانِ الشَّجَرَةِ المُنْتَشِرَةِ في هَوَاءِ مِلْكِ غيرِ مَالِكِهَا. وإن حَمَلَ السَّيْلُ أَرْضًا بِشَجَرِهَا، فنَبَتَتْ في أَرْضِ آخَرَ كما كانت، فهى لِمَالِكِها، يُجْبَرُ على إزَالَتِها، كما ذَكَرْنا. وفى كلِّ ذلك، إذا تَرَكَ صاحِبُ الأَرْضِ المُنْتَقِلَةِ [أو الشَّجَرِ] (٥٦) أو الزَّرْعِ ذلك لِصَاحِبِ الأَرْضِ التي انْتَقَلَ إليها، لم يَلْزَمْهُ نَقْلُه ولا أَجْرٌ، ولا غيرُ ذلك؛ لأنَّه حَصَلَ بغيرِ تَفْرِيطِه ولا عُدْوَانِه، وكانت الخِيَرَةُ إلى صَاحِبِ الأَرْضِ المَشْغُولَةِ به، إن شاءَ أخَذَهُ لِنَفْسِه، وإن شَاءَ قَلَعَهُ. فصل: وإذا اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّابّةِ ورَاكِبُها، فقال الرّاكِبُ: هي عارِيَّةٌ. وقال المالِكُ: بل اكْتَرَيْتَها (٥٧). فإن كانت الدَّابّةُ باقِيَةً [لم تَنْقُصْ] (٥٨)، لم يَخْلُ مِن أن يكونَ الاخْتِلَافُ عَقِيبَ العَقْدِ، أو بعد مُضِىِّ مُدَّةٍ لمِثْلِها أَجْرٌ، فإن كان عَقِيبَ العَقْدِ، فالقولُ قولُ الرّاكِبِ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ عَقْدِ الإِجَارَةِ، وبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الرَّاكِبِ منها، فيَحْلِفُ، ويَرُدُّ الدّابّةَ إلى مَالِكِها؛ لأنَّها عَارِيّةٌ. وكذلك إن ادَّعَى المالِكُ أنَّها عَارِيَّةٌ. وقال الرَّاكِبُ: بل اكْتَرَيْتُها، فالقولُ قولُ المالِكِ مع يَمِينِه؛ لما ذَكَرْنَا. وإن كان الاخْتِلَافُ بعدَ مُضِىِّ مُدّةٍ لمِثْلِها أَجْرٌ، فادَّعَى المالِكُ الإِجَارَةَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه. وحُكِىَ ذلك عن مالِكٍ. وقال أصْحَابُ الرَّأْىِ: القولُ قولُ الرَّاكِبِ. وهو مَنْصُوصُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّهما اتّفَقَا على تَلَفِ المَنَافِعِ على مِلْكِ الرّاكِبِ، وادَّعَى المالِكُ عِوَضًا لها، والأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِه. وبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الرّاكِبِ منه، فكان القولُ قولَه. ولَنا، أنَّهما اخْتَلَفَا في كَيْفِيّةِ انْتِقَالِ المنَافِعِ إلى مِلْكِ الرّاكِبِ، فكان القولُ قولَ المالِكِ، كما لو اخْتَلَفَا في عَيْنٍ، فقال المالِكُ: بِعْتُكَها. وقال الآخَرُ: وَهَبْتَنِيهَا. ولأنَّ المنافِعَ تَجْرِى مَجْرَى الأَعْيانِ، في المِلْكِ والعَقْدِ عليها، ولو اخْتَلَفَا في الأَعْيَانِ، كان القولُ قولَ المالِكِ، كذا ههُنا. وما

стр. 3584

ذَكَرُوه يَبْطُلُ بهذه المَسْأَلَةِ. ولأنَّهما اتَّفَقَا على أنَّ المَنَافِعَ لا تَنْتَقِلُ إلى الرّاكِبِ إلَّا بِنَقْلِ المالِكِ لها، فيكونُ القولُ قولَه في كَيْفِيَّةِ الانْتِقَالِ، كالأَعْيانِ، فيَحْلِفُ المالِكُ، ويَسْتَحِقُّ الأَجْرَ. وفى قَدْرِه وَجْهَانِ؛ أحدهما: أَجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّهما لو اتَّفَقَا على وُجُوبِه، واخْتَلَفَا في قَدْرِه، وَجَبَ أَجْرُ المِثْلِ، فمع الاخْتِلَافِ في أصْلِه أَوْلَى. والثانى: المُسمَّى؛ لأنَّه وَجَبَ بِقَوْلِ المالِكِ ويَمِينِه، فوَجَبَ ما حَلَفَ عليه، كالأَصْلِ. وإن كان اخْتِلَافُهُما في أثْنَاء المُدَّةِ، فالقولُ قولُ الرّاكِبِ فيما مَضَى منها (٥٩)، والقولُ قولُ المُسْتَعِيرِ فيما بَقِىَ؛ [لأنَّ ما بَقِىَ] (٦٠) بمَنْزِلَةِ ما لو اخْتَلَفَا عَقِيبَ العَقْدِ. وإن ادَّعَى المالِكُ في (٦١) هذه الصُّورَةِ أنَّها عَارِيَّةٌ. وادَّعَى الرَّاكِبُ أنَّها بأَجْرٍ، فالرّاكِبُ يَدَّعِى اسْتِحْقَاقَ المَنَافِعِ، وَيعْتَرِفُ بالأَجْرِ لِلْمالِكِ، والمالِكُ يُنْكِرُ ذلك كلَّه، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، فيَحْلِفُ، ويَأْخُذُ بَهِيمَتَه. وان اخْتَلَفَا في ذلك بعدَ تَلَفِ البَهِيمَةِ قبلَ مُضِىّ مُدَّةٍ لمِثْلِها أَجْرٌ، فالقولُ قولُ المالِكِ، سواءٌ ادَّعَى الإِجَارَةَ أو الإِعَارَةَ؛ لأنَّه إنِ ادَّعَى الإِجَارَةَ، فهو مُعْتَرِفٌ لِلرَّاكِبِ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِه مِن ضَمَانِها، فيُقْبَلُ إقْرَارُه على نَفْسِه، وإن ادَّعَى الإِعَارَةَ، فهو يَدَّعِى قِيمَتَها، فالقولُ قولُه؛ لأنَّهما اخْتَلَفَا في صِفَةِ القَبْضِ، والأَصْلُ فيما يَقْبِضُه الإِنْسَانُ من مالِ غيرِه الضَّمَانُ، لقولِ النبيِّ ﷺ : "عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ". فإذا حَلَفَ المالِكُ، اسْتَحَقَّ القِيمَةَ، والقولُ في قَدْرِهَا قولُ الرّاكِبِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ المُخْتَلَفَ فيها، والأَصْلُ عَدَمُها. وإن اخْتَلَفَا في ذلك بعدَ مُضِىِّ مُدَّةٍ لمِثْلِها أَجْرٌ، وتَلَفِ البَهِيمَةِ، وكان الأَجْرُ بِقَدْرِ قِيمَتِها، أو كان ما يَدَّعِيه المالِكُ منهما أقَلَّ ممَّا يَعْتَرِفُ به الرَّاكِبُ، فالقولُ قولُ المالِكِ بغيرِ يَمِينٍ، سواءٌ ادَّعَى الإِجَارَةَ أو الإِعَارَةَ، إذ لا فائِدَةَ في اليَمِينِ على شيءٍ يَعْتَرِفُ له به. ويَحْتَمِلُ أن لا يَأْخُذَه إلَّا بِيَمِينٍ؛ لأنَّه يَدَّعِى شيئا لا يُصَدَّقُ فيه، ويَعْتَرِفُ

стр. 3585

له الرَّاكِبُ بما يَدَّعِيه، فيَحْلِفُ على ما يَدَّعِيهِ. وإن كان ما يَدَّعِيه المالِكُ أَكْثَرَ، مثل إن كانت قِيمَةُ البَهِيمَةِ أَكْثَرَ من أَجْرِهَا، فَادَّعَى المالِكُ أنَّها عَارِيَّةٌ، لِتَجِبَ له القِيمَةُ، وأنْكَرَ اسْتِحْقَاقَ الأُجْرَةِ، وادَّعَى الرَّاكِبُ أنَّها مُكْتَرَاةٌ، أو كان الكِرَاءُ أكْثَرَ من قِيمَتِها فَادَّعَى المالِكُ أنَّه أجَرَها، لِيَجِبَ له الكِرَاءُ، وادَّعَى الرّاكِبُ أنَّها عارِيَّةٌ، فالقولُ قولُ المالِكِ في الصُّورَتَيْنِ؛ لما قَدَّمْنَا، فإذا حَلَفَ، اسْتَحَقَّ ما حَلَفَ عليه. ومَذْهَبُ الشّافِعِىِّ في هذا كلِّه نحوُ ما ذَكَرْنَا. فصل: وإن قال المالِكُ: غَصَبْتَها. وقال الرّاكِبُ: بل أَعَرْتَنِيهَا. فإن كان الاخْتِلَافُ عَقِيبَ العَقْدِ، والدَّابّةُ قائِمَةٌ لم يَتْلَفْ منها شيءٌ، فلا مَعْنَى للاخْتِلَافِ، ويأْخُذُ المالِكُ بَهِيمَتَه، وكذلك إن كانت الدّابّةُ تَالِفَةً؛ لأنَّ القِيمَةَ تَجِبُ على المُسْتَعِيرِ، كَوُجُوبِها على الغاصِبِ. وإن كان الاخْتِلَافُ بعدَ مُضِىِّ مُدَّةٍ لمِثْلِها أجْرٌ، فالاخْتِلَافُ في وُجُوبِه، والقولُ قولُ المالِكِ. وهذا ظاهِرُ قولِ الشّافِعِىِّ. ونَقَلَ المُزَنِىُّ عنه أنَّ القولَ قولُ الرَّاكِبِ؛ لأنَّ المالِكَ يَدَّعِى عليه عِوَضًا، الأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِه منه، ولأنَّ الظَّاهِرَ من اليَدِ أنَّها بِحَقٍّ، فكان القولُ قولَ صَاحِبِها. ولَنا، ما قَدَّمْنَا في الفَصْلِ الذي قبلَ هذا، بل هذا أَوْلَى، لأنَّهما ثَمَّ اتَّفَقَا على أنَّ المَنَافِعَ مِلْكٌ لِلرَّاكِبِ، وههُنَا لم يَتَّفِقَا على ذلك، فإنَّ المالِكَ يُنْكِرُ انْتِقَالَ المِلْكِ فيها إلى الرّاكِبِ، والرَّاكِب يَدَّعِيهِ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الانْتِقَالِ، فيَحْلِفُ، ويَسْتَحِقُّ الأَجْرَ. وإن قال المالِكُ: غَصَبْتَها (٦٢). وقال الرّاكبُ: أجَرْتَنِيهَا. فالاخْتِلَافُ ههُنا في (٦٣) وُجُوبِ القِيمَةِ؛ لأنَّ الأَجْرَ يَجِبُ في المَوْضِعَيْنِ، إلَّا أن يَخْتَلِفَ المُسَمَّى وأَجْرُ المِثْلِ، والقولُ قولُ المالِكِ مع يَمِينِه، فإن كانت الدَّابّةُ تَالِفَةً عَقِيبَ أَخْذِها، حَلَفَ وأخَذَ قِيمَتَها، وإن

стр. 3586

كانت قد بَقِيَتْ مُدَّةً لمِثْلِها أَجْرٌ، والمُسَمَّى بِقَدْرِ أجْرِ المِثْلِ، أخَذَهُ المالِكُ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا على اسْتِحْقَاقِه، وكذلك إن كان أجْرُ المِثْلِ دوُنَ المُسَمَّى. وفي اليَمِينِ وَجْهَانِ. وإن كان زَائِدًا على المُسَمَّى، لم يَسْتَحِقّه إلَّا بِيَمِينٍ، وَجْهًا واحِدًا.

стр. 3587

كِتابُ الغَصْبِ الغَصْبُ: هو الاسْتِيلَاءُ على مالِ غيرِه بِغَيْرِ حَقٍّ. وهو مُحَرَّمٌ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ. أمَّا الكِتَابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١). وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ (٣). والسَّرِقَةُ نَوْعٌ مِن الغَصْبِ. وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى جابِرٌ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال في خُطْبَتِه يوم النَّحْرِ: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذَا فِي شَهْرِكُمْ هذَا، فِي بَلَدِكُمْ هذَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وغيرُه (٤). وعن سَعِيدِ بن زَيْدٍ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "مَنْ أخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْع أَرَضِينَ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). ورَوَى أبو حُرَّة الرَّقاشيُّ، عن عَمِّه وعَمْرِو بن يَثْربِيٍّ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ". رَوَاهُ أبو إِسحاقَ الجُوزَجَانِيُّ (٦). وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ على تَحْرِيمِ الغَصْبِ في الجُمْلَةِ، وإنَّما

стр. 3588

اخْتَلَفُوا في فُرُوعٍ مِنْه. إذا ثَبَتَ هذا، فمَن غَصَبَ شيئا لَزِمَهُ رَدُّه، ما كان بَاقِيًا، بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه. لقولِ النبيِّ ﷺ : "عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" (٧). ولأنَّ حَقَّ المَغْصُوبِ منه مُتَعَلِّقٌ (٨) بعَيْنِ مالِه ومَاليَّتِه، ولا يَتَحَقَّقُ ذلك إلَّا بَردِّه. فإن تَلِفَ في يَدِه، لَزِمَهُ بَدَلُه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٩). ولأنَّه لما تَعَذَّرَ رَدُّ العَيْنِ، وَجَبَ رَدُّ ما يَقُومُ مَقَامَها في المالِيَّةِ. ثم يُنْظَرُ؛ فإن كان ممَّا تَتَمَاثَلُ أجْزَاؤُه، وتَتَفَاوَتُ صِفَاتُه، كالحُبُوبِ والأَدْهَانِ، وَجَبَ مِثْلُه، لأنَّ المِثْلَ أقْرَبُ إليه من القِيمَةِ، وهو [مُمَاثِلٌ له من طَرِيقِ الصُّورَةِ والمُشَاهَدَةِ والمَعْنَى، والقِيمَةُ] (١٠) مُمَاثِلَةٌ من طَرِيقِ الظَّنِّ والاجْتِهَادِ، فكان ما طَرِيقُه المُشَاهَدةُ مُقَدَّمًا، كما يُقَدَّمُ النَّصُّ على القِيَاسِ، لكَوْنِ النَّصِّ طَرِيقهُ الإِدْرَاكُ بالسَّمَاعِ، والقِيَاسُ طَرِيقُه الظَّنُّ والاجْتِهَادُ. وإن كان غيرَ مُتَقَارِبِ الصِّفَاتِ، وهو ما عدا المَكِيلَ والمَوْزُونَ، وَجَبَتْ قِيمَتُه، في قول الجَمَاعَةِ. وحُكِىَ عن العَنْبَرِىِّ: يَجبُ في كلِّ شيءٍ مِثْلُه؛ لما رَوَتْ جَسْرَةُ بنتُ دَجاجَة، عن عائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالتْ: ما رَأَيْتُ صَانِعًا مثلَ حَفْصَة، صَنَعَتْ طَعَامًا، فبَعَثَتْ به إلى النبيِّ ﷺ ، فأخَذَنِى الأَفْكَلُ (١١) فَكَسَرْتُ الإِنَاءَ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ما كَفَّارَةُ ما صَنَعْتُ؟ فقال: "إِنَاءٌ مِثْلُ الْإِنَاءِ، وطَعَامٌ مِثْلُ الطَّعَامِ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٢). وعن أَنَسٍ، أنَّ إحْدَى نِسَاءِ النَّبيِّ ﷺ كَسَرَتْ قَصْعَةَ الأُخْرَى، فدَفَعَ النبيُّ ﷺ -قَصْعَةَ الكاسِرَةِ إلى رسولِ صاحِبَةِ المَكْسُورَةِ، وحَبَسَ المَكْسُورَةَ في بَيْتِه. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ مُطَوَّلًا، ورَوَاهُ

стр. 3589

التِّرْمِذِيُّ نحوَه (١٣)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَعِيرًا، وَرَدَّ مثلَه (١٤). ولَنا؛ ما رَوَى عبدُ اللَّه بن عُمَرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ ، قال: "مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ". مُتَّفَقٌ عليه (١٥). فأَمَرَ بالتَّقْوِيمِ في حِصَّةِ الشَّرِيكِ؛ لأنَّها مُتْلَفَةٌ بالعِتْقِ، ولم يَأْمُرْ بالمِثْلِ. ولأنَّ هذه الأَشْيَاءَ لا تَتَسَاوَى أجْزَاؤُها، وتَتَبَايَنُ صِفَاتُها، فالقِيمَةُ فيها أَعْدَلُ وأَقْرَبُ إليها، فكانت أَوْلَى. وأما الخَبَرُ فمَحْمُولٌ على أنَّه جَوَّزَ ذلك بالتَّراضِي، وقد عَلِمَ أنَّها تَرْضَى بذلك. فصل: وما تَتَماثَلُ أَجْزاؤُه، وتَتَقَارَبُ صِفَاتُه، كالدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ والحُبُوبِ والأَدْهانِ، ضُمِنَ بِمِثْلِه. بغير خِلَافٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: كلُّ مَطْعُومٍ، من مَأْكُولٍ أو مَشْرُوبٍ، فمُجْمَعٌ على أنَّه يَجبُ على مُسْتَهْلِكِه مِثْلُه لا قِيمَتُه. وأمَّا سائِر المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه يُضْمَنُ بمِثْلِه أيضًا؛ فإنَّه قال: في رِوَايَةِ حَرْبٍ،

стр. 3590

وإبراهيمَ بنَ هَانِئٍ (١٦): ما كان من الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ، وما يُكَالُ ويُوزَنُ، فعليه مِثْلُه دُونَ القِيمَةِ. فظَاهِرُ هذا وُجُوبُ المِثْلِ في كلِّ مَكِيلٍ ومَوْزُونٍ، إلَّا أن يكونَ ممَّا فيه صِنَاعَةٌ، كمَعْمُولِ الحَدِيدِ والنُّحَاسِ والرَّصَاصِ من الأَوَانِى والآلاتِ ونحوِها. والحَلْىِ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ وشِبْهِه، والمَنْسُوجِ من الحَرِيرِ والكَتَّانِ والقُطْنِ والصُّوفِ والشَّعْرِ، والمَغْزُولِ من ذلك، فإنَّه يُضْمَنُ بِقِيمَتِه؛ لأنَّ الصِّنَاعَةَ تُؤَثِّرُ في قِيمَتِه، وهى مُخْتَلِفَةٌ، فالقِيمَةُ فيه أَحْصَرُ، فأَشْبَه غيرَ المَكِيلِ والمَوْزُونِ. وذَكَرَ القاضي أنَّ النُّقْرَةَ (١٧) والسَّبِيكَةَ من الأَثْمَانِ، والعِنَبَ والرُّطَبَ والكُمَّثْرَى إنَّما (١٨) يَضْمَنُه (١٩) بقِيمَتِه. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ يَدُلُّ على ما قُلْنا. وإنَّما خَرَجَ منه ما فيه الصِّنَاعَةُ؛ لما ذَكَرْنَا. ويَحْتَمِلُ أنَّ يَضْمَنَ النّقْرَةَ بقِيمَتِها، لِتَعَذُّرِ وُجُودِ مِثْلِها إلَّا بِتَكْسِيرِ الدَّرَاهِم المَضْرُوبَةِ وسَبْكِها، وفيه إِتْلَافٌ. فعلَى هذا، إن كان المَضْمُونُ بِقِيمَتِه من جِنْسِ الأَثْمانِ، وَجَبَتْ قِيمَتُه من غَالِبِ نَقْدِ البَلَدِ، فإن كانتْ من غيرِ جِنْسِه، وَجَبَتْ بكلِّ حالٍ، وإن كانتْ من جِنْسِه، فكانت مَوْزُونةً وَجَبَتْ (٢٠). وإن كانت أقَلَّ أو أكْثَرَ، قُوِّمَ بغير جِنْسِه، لئلَّا يُؤَدِّىَ إلى الرِّبَا. وقال القاضي: إن كانتْ فيه صِنَاعَةٌ مُبَاحَةٌ، فزَادَتْ قِيمَتُه من أَجْلِها، جَازَ تَقْوِيمُه بِجِنْسِه؛ لأنَّ ذلك قِيمَتُه، والصِّناعَةُ لها قِيمَةٌ، وكذلك لو كُسِرَ الحَلْىُ، وَجَبَ أرْشُ كَسْرِه، ويُخَالِفُ البَيْعَ، لأنَّ الصِّنَاعَةَ لا يُقَابِلُها العِوَضُ في العُقُودِ، ويُقَابِلُها في الإِتْلَافِ، ألَا تَرَىَ أنَّها لا تَنْفَرِدُ بالعَقْدِ، وتَنْفَرِدُ بِضَمَانِها بالإتْلَافِ. قال بعضُ أصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: هذا مذهبُ الشّافِعِىِّ. وذكر بعضُهم مثلَ القولِ الأَوَّلِ، وهو الذي ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ القِيمَةَ مَأخُوذَةٌ على سَبِيلِ العِوَضِ، فالزِّيَادَةُ فيه رِبًا،

стр. 3591

كالبَيْعِ وكالنَّقْصِ. وقد قال أحمدُ، في رِوَايَةِ ابن مَنْصُورٍ: إذا كَسَرَ الحَلْىَ، يُصْلِحُه أَحَبُّ إلىَّ. قال القاضي: وهذا مَحْمُولٌ على أنَّهما تَرَاضَيا بذلك، لا أنَّه على طَرِيقِ الوُجُوبِ. وهذا فيما إذا كانت الصِّنَاعَةُ مُبَاحَةً، فإن كانت مُحَرَّمَةً كالأَوَانِي وحَلْىِ الرِّجَالِ، لم يَجزْ ضَمَانُه بأَكْثَرَ من وَزْنِه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الصِّنَاعَةَ لا قِيمَةَ لها شَرْعًا، فهى كالمَعْدُومَةِ. ٨٦٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا، فغَرَسَها، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِه وأُجْرَتِهَا إلى وَقْتِ تَسْلِيمِهَا، ومِقْدَارِ نُقْصَانِهَا، إنْ كَانَ نَقَصَهَا الغَرْسُ) . الكلَامُ في هذه المَسْأَلَةِ في فُصُولٍ: أحدها ، أنَّه يُتَصَوَّرُ غَصْبُ العَقَارِ من الأَرَاضِى والدُّورِ، ويَجِبُ ضَمَانُها على غَاصِبِهَا. هذا ظاهِرُ مذهبِ أحمدَ، وهو المَنْصُوصُ عن أَصْحَابِه، وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِىُّ، ومحمدُ بن الحَسَنِ. ورَوَى ابنُ مَنصُورٍ، عن أحمدَ في مَن غَصَبَ أَرْضًا فزَرَعَها، ثم أصَابَها غَرَقٌ من الغاصِبِ، غَرِمَ قِيمَةَ الأَرْضِ، وإن كان شيئا من السَّمَاءِ، لم يكُنْ عليه شيءٌ. وظَاهِرُ هذا أنَّها لا تُضْمَنُ بالغَصْبِ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا يُتَصَوَّرُ غَصْبُها، ولا تُضْمَنُ بالغَصْبِ، وإن أَتْلَفَها، ضَمِنَها بالإِتْلَافِ؛ لأنَّه لا يُوجَدُ فيها النّقْلُ والتَّحْوِيلُ (١)، فلم يَضْمَنْها، كما لو حالَ بينه وبين مَتَاعِه، فتَلِفَ المَتَاعُ؛ لأنَّ الغَصْبَ إِثْبَاتُ اليَدِ على المالِ عُدْوانًا على وَجْهٍ تَزُولُ به يَدُ المالِكِ، ولا يُمْكِنُ ذلك في العَقَارِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "مَنْ ظلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ، طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أرَضِينَ". [رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢) عن عائِشَةَ] (٣). وفي لَفْظٍ: "مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ". فأَخْبَرَ النبيُّ ﷺ أنَّه يُغْصَبُ ويُظْلَمُ فيه. ولأنَّ ما ضُمِنَ في البَيْعِ، وَجَبَ ضَمَانُه في الغَصْبِ، كالمَنْقُولِ، ولأنَّه

стр. 3592

يُمْكِنُ الاسْتِيلَاءُ عليه على وَجْهٍ يَحُولُ بينه وبين مَالِكِه، مثل أن يَسْكُنَ الدَّارَ ويَمْنَعَ مالِكَها من دُخُولِهَا، فأَشْبَهَ ما لو أخَذَ الدّابّةَ والمَتَاعَ. وأمَّا إذا حال بينه وبين مَتَاعِه، فما اسْتَوْلَى على مالِه، فنَظِيرُه ههُنا أن يَحْبِسَ المالِكَ، ولا يَسْتَوْلِى على دَارِه. وأمَّا ما تَلِفَ من الأَرْضِ بِفِعْلِه، أو سَبَبِ فِعْلِه، كهَدْمِ حِيطَانِها، وَتَغْرِيقِها، وكَشْطِ تُرَابِهَا، وإلْقَاءِ الحِجَارَةِ فيها، أو نَقْصٍ يَحْصُلُ بِغَرْسِه أو بِنَائِه، فيَضْمَنُه بغيرِ اخْتِلَافٍ في المَذْهَبِ، ولا بين العُلَمَاءِ؛ لأنَّ هذا إِتْلَافٌ، والعَقَارُ يُضْمَنُ بالإِتْلافِ من غيرِ اخْتِلَافٍ. ولا يَحْصُلُ الغَصْبُ من غيرِ اسْتِيلَاءٍ، فلو دَخَلَ أرْضَ إِنْسانٍ أو دَارَه، لم يَضْمَنْها بِدُخُولِه، سواءٌ دَخَلَها بإذْنِه أو غيرِ إِذْنِه، وسواء كان صَاحِبُها فيها أو لم يكُنْ. وقال بعضُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ: إن دَخَلَها بغير إِذْنِه، ولم يكُنْ صَاحِبُها فيها، ضَمِنَها، سواءٌ قَصَدَ ذلك، أو ظَنَّ أنَّها دَارُه، أو دَارٌ أذِنَ له في دُخُولِها؛ لأنَّ يَدَ الدَّاخِلِ ثَبَتَتْ عليها بذلك، فيَصِيرُ غَاصِبًا، فإنَّ الغَصْبَ إِثْبَاتُ اليَدِ العَادِيَةِ، وهذا قد ثَبَتَتْ يَدُه، بِدَلِيلِ أنَّهما لو تَنَازَعَا في الدّارِ ولا بَيِّنَةَ لهما، حُكِمَ بها لمن هو فيها، دُونَ الخَارِجِ منها. ولَنا، أنَّه غيرُ مُسْتَوْلٍ عليها، فلم يَضْمَنْها، كما لو دَخَلَها بإِذْنِه، أو دَخَلَ صَحْرَاءَهُ، ولأنَّه إنَّما يَضْمَنُ بالغَصْبِ ما يَضْمَنُه في العَارِيَّةِ، وهذا لا تَثْبُتُ به العَارِيَّةُ، ولا يَجِبُ به الضَّمَانُ فيها، فكذلك لا يَثْبُتُ به الغَصْبُ، إذا كان بغيرِ إذْنٍ. الفصل الثاني: أنَّه إذا غَرَسَ في أَرْضِ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، أو بَنَى فيها، فطَلَبَ صاحِبُ الأَرْضِ قَلْعَ غِرَاسِه أو بِنَائِه، لَزِمَ الغاصِبَ ذلك. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لما رَوَى سَعِيدُ بن زَيْدِ بن عَمْرِو بن نُفَيْلٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لَيْسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ حَقٌّ" رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٤)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى أبو دَاوُدَ، وأبو عُبَيْدٍ في الحَدِيثِ أنَّه قال: فلقد أخْبَرَنِى الذي حَدَّثَنِى هذا الحَدِيثَ، أنَّ رَجُلًا غَرَسَ في أَرْضِ رَجُلٍ من الأَنْصَارِ، مِن بنى بَيَاضَةَ، فَاخْتَصَمَا إلى النبيِّ ﷺ ، فقَضَى لِلرَّجُلِ بأَرْضِه، وقَضَى

стр. 3593

لِلآخَرِ أن يَنْزِعَ نَخْلَهُ. قال: فلقد رَأَيْتُها تُضْرَبُ في أُصُولِهَا بالفُؤوسِ، وإنَّها لَنَخْلٌ عُمٌّ (٥). ولأنَّه شَغَلَ مِلْكَ غيرِه، بمِلْكِه الذي لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه، بغيرِ إِذْنِه، فلَزِمَهُ تَفْرِيغُه، كما لو جَعَلَ فيه قُمَاشًا. وإذ قَلَعَها لَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الحَفْرِ، ورَدُّ الأَرْضِ إلى ما كانت عليه؛ لأنَّه ضَرَرٌ حَصَلَ بِفِعْلِه في مِلْكِ غيره، فلَزِمَتْهُ إزَالَتُه. وإن أرَادَ صاحِبُ الأَرْضِ أَخْذَ الشَّجَرِ والبِنَاءِ بغير عِوَضٍ، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّه عَيْنُ مالِ الغاصِبِ، فلم يَمْلِكْ صاحِبُ الأرْضِ أَخْذَه، كما لو وَضَعَ فيها أثَاثًا أو حَيَوانًا. وإن طَلَبَ أخْذَه بقِيمَتِه، وأَبَى مالِكُه إلَّا القَلْعَ، فله القَلْعُ؛ لأنَّه (٦) مِلْكُه، فمَلَكَ نَقْلَهُ. ولا يُجْبَرُ على أَخْذِ القِيمَةِ؛ لأنَّها مُعَاوَضَةٌ، فلم يُجْبَرْ عليها. وإن اتَّفَقَ على تَعْوِيضِه عنه بالقِيمَةِ أو غيرِها، جَازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، فجَازَ ما اتَّفَقَا عليه. وإن وَهَبَ الغاصِبُ الغِرَاسَ والبِنَاءَ لِمَالِكِ الأرْضِ، لِيَتَخَلَّصَ من قَلْعِه، وقَبِلَهُ المالِكُ، جَازَ. وإن أبَى قَبُولَه، وكان في قَلْعِه غَرَضٌ صَحِيحٌ [لم يُجْبَرْ على قَبُولِه؛ لما تَقَدَّم، وإن لم يكُنْ فيه غَرَضٌ صحيحٌ] (٧) احْتَمَلَ أنَّ يُجْبَرَ على قَبُولِه؛ لأنَّ فيه رَفْعَ الخُصُومَةِ مِن غيرِ غَرَضٍ يَفُوتُ، ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يُجْبَرَ؛ لأنَّ فيه إِجْبَارًا على عَقْدٍ يُعْتَبَرُ الرِّضَى فيه. وإن غَصَبَ أَرْضًا وغِرَاسًا من رَجُلٍ واحدٍ، فغَرَسَهُ فيها (٨) فالكُلُّ لِمَالِكِ الأرْضِ. فإن طَالَبَهُ المالِكُ بِقَلْعِه، وفي قَلْعِه غَرَضٌ، أُجْبِرَ على قَلْعِه؛ لأنَّه فَوَّتَ عليه غَرَضًا مَقْصُودًا بالأرْضِ، فأُخِذَ بإعَادَتِها إلى ما كانت، وعليه تَسْوِيَةُ الأرْضِ، ونَقْصُها، ونَقْصُ الغِرَاسِ؛ لما ذَكَرْنا. وإن لم يكُنْ في قَلْعِه غَرَضٌ، لم يُجْبَرْ على قَلْعِه؛ لأنَّه سَفَهٌ، فلا يُجْبَرُ على السَّفَهِ. وقيل: يُجْبَرُ؛ لأنَّ المالِكَ مُحَكَّمٌ في مِلْكِه، والغاصِبُ غيرُ مُحَكَّمٍ، فإن أرَادَ الغاصِبُ قَلْعَه، ومَنَعَهُ المالِكُ (٩) لم يَمْلِكْ

стр. 3594

قَلْعَه؛ لأنَّ الجَمِيعَ مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ منه، فلم يَمْلِكْ غيرُه التَّصَرُّفَ فيه بغيرِ إذْنِه. فصل: والحُكْمُ فيما إذا بَنَى في الأَرْضِ، كالحُكْمِ فيما إذا غَرَسَ فيها في هذا التَّفْصِيلِ جَمِيعِه، إلَّا أنَّه يَتَخَرَّجُ أنَّه إذا بَذَلَ مالِكُ الأَرْضِ القِيمَةَ لِصَاحِبِ البِنَاءِ أُجْبِرَ على قَبُولِها، إذا لم يكُنْ في النَّقْضِ غَرَضٌ صَحِيحٌ؛ لأنَّ النَّقْضَ سَفَهٌ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لما رَوَى الخَلَّالُ، بإِسْنادِه عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عائِشَةَ، قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ بَنَى فِي رِبَاعِ قَوْمٍ، بِإذْنِهِمْ فَلَهُ القِيمَةُ، ومَنْ بَنَى بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَهُ النَّقْضُ" (١٠). ولأنَّ ذلك مُعَاوَضَةٌ، فلا يُجْبَرُ عليها. وإذا كانت الآلةُ من تُرَابِ الأَرْضِ وأَحْجَارِهَا، فليس لِلْغاصِبِ النَّقْضُ، على ما ذَكَرْنا في الغَرْسِ. فصل: وإن غَصَبَ دَارًا، فجَصَّصَها وزَوَّقَها وطَالَبَه رَبُّهَا بإِزَالَتِه، وفي إزَالَتِه غَرَضٌ، لَزِمَهُ إزَالَتُه، وأَرْشُ نَقْصِها إن نَقَصَتْ، وإن لم يكُنْ فيه غَرَضٌ، فوَهَبَهُ الغاصِبُ لِمَالِكِها، أُجْبِرَ على قَبُولِه؛ لأنَّ ذلك صِفَةٌ في الدَّارِ، فأشْبَهَ قُصَارَةَ الثَّوْبِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْبَرَ؛ لأنَّها أعْيَانٌ مُتَمَيِّزَةٌ، فصارَتْ بِمَنْزِلَةِ القُمَاشِ. وإن طَلَبَ الغاصِبُ قَلْعَه، ومَنَعَهُ المالِكُ، وكان له قِيمَةٌ بعدَ الكَشْطِ، فلِلْغاصِبِ قَلْعُه، كما يَمْلِكُ قَلْعَ غِرَاسِه، سواءٌ بَذَلَ له المالِكُ قِيمَتَهُ، أو لم يَبْذلْ. وإن لم يكُنْ له قِيمَةٌ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَمْلِكُ قَلْعَه؛ لأنَّه عَيْنُ مَالِه. والثانى، لا يَمْلِكُ؛ لأنَّه سَفَهٌ يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، فلم يُجْبَرْ عليه (١١). فصل: وإن غَصَبَ أَرْضًا، فكَشَطَ تُرَابَها، لَزِمَهُ رَدُّه وفَرْشُه على ما كان، إن طَلَبَه المالِكُ، وكان فيه غَرَضٌ صَحِيحٌ، وإن لم يكُنْ فيه غَرَضٌ، فهل يُجْبَرُ على فَرْشِه؟

стр. 3595

يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وإن مَنَعَهُ المالِكُ فَرْشَهُ، أو رَدَّهُ وطَلَبَ الغاصِبُ ذلك، وكان في رَدِّه غَرَضٌ من إِزَالَةِ ضَرَرٍ، أو ضَمَانٍ، فله فَرْشُه ورَدُّه، وعليه أجْرُ مِثْلِها مُدَّةَ شَغْلِها وأجْرُ نَقْصِها. وإن أخَذَ تُرَابَ أَرْضٍ، فضَربَه (١٢) لِبِنَاءٍ، رَدَّ، ولا شيءَ له، إلَّا أن يكونَ قد جَعَلَ فيه تِبْنًا له، فيكونَ له أن يَحُلَّهُ ويَأْخُذَ تِبْنَهُ. وإن كان لا يَحْصُلُ منه شيءٌ، ففيه وَجْهانِ، بِنَاءً على كَشْطِ التَّزْويقِ إذا لم يكُنْ [له قِيمَةٌ. وإن طَالَبَهُ المالِكُ بحَلِّه، لَزِمَهُ ذلك إذا كان فيه غَرَضٌ، وإن لم يكُنْ] (١٣) فيه غَرَضٌ، فعلى وَجْهَيْنِ. وإن جَعَلَهُ آجُرًّا أو فَخَّارًا، لَزِمَهُ رَدُّه، ولا أجْرَ له لِعَمَلِه، وليس له كَسْرُهُ، ولا لِلْمالِكِ إجْبَارُه عليه؛ لأنَّ ذلك سَفَهٌ لا يُفِيدُ، وإِتْلَافٌ لِلْمالِ، وإِضَاعَةٌ له، وقد نَهَى النبيُّ ﷺ عن إِضَاعةِ المالِ (١٤). فصل: وإن غَصَبَ أَرْضًا، فحَفَرَ فيها بِئْرًا فطَالَبَهُ المالِكُ بِطَمِّهَا، لَزِمَهُ ذلك؛ لأنَّه يَضُرُّ بالأَرْضِ، ولأنَّ التُّرَابَ مِلْكُه، نَقَلَهُ من مَوْضِعِه، فلَزِمَهُ رَدُّه، كتُرَابِ الأَرْضِ. وكذلك إن حَفَرَ فيها نَهْرًا، أو حَفَرَ بِئرًا في مِلْكِ رَجُلٍ بغير إِذْنِه. وإن أرَادَ الغاصِبُ طَمَّهَا، فمَنَعَهُ المالِكُ، نَظَرْنَا؛ فإن كان له غَرَضٌ في طَمِّها، بأن يَسْقُطَ عنه ضَمَانُ ما يَقَعُ فيها، أو يكونَ قد نَقَلَ تُرَابها إلى مِلْكِ نَفْسِه، أو مِلْكِ غيرِه، أو طَرِيقٍ يَحْتاجُ إلى تَفْرِيغِه، فله الرَّدُّ؛ لما فيه من الغَرَضِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وإن لم يكُنْ له غَرَضٌ في طَمِّ البِئْرِ، مثل أن يكونَ قد وَضَعَ التُّرَابَ في مِلْكِ المَغْصُوبِ منه، وأَبْرَأَهُ المَغْصُوبُ منه ممَّا حَفَرَ، وأَذِنَ فيه، لم يكُنْ له طَمُّهَا، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه إتْلَافٌ لا نَفْعَ فيه، فلم يكُنْ له فِعْلُه, كما لو غَصَبَ نُقْرَةً، فطَبَعَها دَرَاهِمَ، ثم أرَادَ جَعْلَها نُقْرَةً. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والمُزَنِيُّ، وبعضُ الشَّافِعِيَّةِ. وقال بعضُهم: له طَمُّها. وهو الوجْهُ الثانِي لَنا؛ لأنَّه لا يَبْرَأُ من الضَّمَانِ بإِبْرَاءِ المالِكِ، لأنَّه إِبْرَاءٌ ممَّا لم يَجِبْ بعدُ، وهو أيضًا إِبْرَاءٌ من

стр. 3596

حَقِّ غيرِه وهو الواقِعُ فيها. ولنَا، أنَّ الضَّمَانَ إنَّما لَزِمَهُ لِوُجُودِ التَّعَدِّى، فإذا رَضِىَ صاحِبُ الأرْضِ، زَالَ التَّعَدِّى، فزَالَ الضَّمَانُ، وليس هذا إِبْرَاءً ممَّا لم يَجِبْ، وإنَّما هو إسْقَاطُ التَّعَدِّى بِرِضَائِه به. وهكذا يَنْبَغِى أن يكونَ إذا لم يَتَلَفَّظْ بالإِبْرَاءِ، ولكن مَنَعَهُ من طَمِّها؛ لأنَّه يَتَضَمَّنُ رِضَاهُ بذلك. الفصل الثالث: أنَّ على الغاصِبِ أَجْرَ الأَرْضِ منذُ غَصْبِهَا إلى وَقْتِ تَسْلِيمِها. وهكذا كلُّ ما لَهُ أجْرٌ، فعلى الغاصِبِ أَجْرُ مِثْلِه، سواءٌ اسْتَوْفَى المنَافِعَ أو تَرَكَها حتى ذَهَبَتْ؛ لأنَّها تَلِفَتْ في يَدِه العَادِيَةِ، فكان عليه عِوَضُها، كالأعْيانِ. وإن غَصَبَ أَرْضًا، فبَنَاهَا دَارًا، فإن كانت آلَاتُ بِنَائِها من مالِ الغاصِبِ، فعليه أَجْرُ الأرْضِ دُونَ بِنَائِها؛ لأنَّه إنَّما غَصَبَ الأرْضَ والبِنَاءُ له، فلم يَلْزَمْهُ أَجْرُ مالِه. وإن بَنَاهَا بِتُرَابٍ منها، وآلاتٍ لِلْمَغْصُوبِ منه، فعليه أَجْرُهَا مَبْنِيَّةً؛ لأنَّ الدّارَ كلَّها مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ منه، وإنَّما لِلْغاصِبِ فيها أثَرُ الفِعْلِ، فلا يكونُ في مُقَابَلَتِه أَجْرٌ؛ لأنَّه وَقَعَ عُدْوانًا. وإن غَصَبَ دارًا، فنَقَضَها، ولم يَبْنِهَا، فعليه أَجْرُ دَارٍ إلى حينِ نَقْضِها، وأَجْرُهَا مَهْدُومَةً من حين نَقْضِهَا إلى حينِ رَدِّهَا؛ لأنَّ البِنَاءَ انْهَدَمَ وتَلِفَ، فلم يَجِبْ أَجْرُهُ مع تَلَفِهَا (١٥). وإن نَقَضَها، ثم بَنَاهَا بآلَةٍ من عندِه، فالحُكْمُ فيها كذلك. وإن بَنَاهَا بآلَتِها، أو آلَةٍ من تُرَابِها، أو مِلْكِ المَغْصُوبِ منه (١٦)، فعليه أَجْرُهَا عَرْصَةً، منذُ نَقَضَها إلى أن بَنَاهَا، وأَجْرُهَا دارًا فيما قبلَ ذلك وبعدَه؛ لأنَّ البِنَاءَ لِلْمالِكِ. وحُكْمُها في نَقْضِ بِنَائِها الذي بَنَاهُ الغاصِبُ، حُكْمُ ما لو غَصَبَها عَرْصَةً فبَنَاهَا. وإن كان الغاصِبُ باعَها، فبَنَاهَا المُشْتَرِي، أو نَقَضَها ثم بَنَاهَا، فالحُكْمُ لا يَخْتَلِفُ، لكن (١٧) لِلْمالِكِ مُطَالَبَةَ مَن شَاءَ منهما، والرُّجُوعَ عليه، فإن رَجَعَ على الغاصِبِ، رَجَعَ الغاصِبُ على المُشْتَرِي بِقِيمَةِ ما تَلِفَ من الأَعْيانِ، لأنَّ المُشْتَرِىَ دَخَلَ على أنَّه مَضْمُونٌ عليه بالعِوَضِ، [فَاسْتَقَرَّ ضَمَانُه عليه] (١٨). وإن رَجَعَ المالِكُ على المُشْتَرِي، رَجَعَ المُشْتَرِي على الغاصِبِ بِنَقْصِ

стр. 3597

التّالِفِ، ولم يَرْجِعْ بِقِيمَةِ ما تَلِفَ. وهل يَرْجِعُ كلُّ واحِدٍ منهما على صَاحِبِه بالأَجْرِ؟ على رِوَايَتَيْنِ. وليس له مُطَالَبَةُ المُشْتَرِي (١٩) من الأَجْرِ إلَّا بِأَجْرِ مُدَّةِ مُقَامِها في يَدَيْهِ؛ لأنَّ يَدَهُ إنَّما ثَبَتَتْ عليها حِينَئِذٍ. الفصل الرابع: أنَّ على الغاصِبِ ضَمَانَ نَقْصِ الأَرْضِ، إن كان نَقَصَها الغَرْسُ، أو نَقَصَتْ بغيرِه. وهكذا كلُّ عَيْنٍ مَغْصُوبةٍ، على الغاصِبِ ضَمَانُ نَقْصِها إذا كان نَقْصًا مُسْتَقِرًّا، كثَوْبٍ تَخَرَّقَ، وإنَاءٍ تَكَسَّرَ، وطَعَامٍ سَوَّسَ، وبِنَاءٍ خُرِّبَ، ونحوِه، فإنَّه يَرُدُّهَا وأَرْشَ النَّقْصِ؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَلَ في يَدِ الغاصِبِ، فوَجَبَ ضَمَانُه، كالقَفِيزِ من الطَّعَامِ، والذِّرَاعِ من الثَّوْبِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا شَقَّ رَجُلٌ لِرَجُلٍ ثَوْبًا شَقًّا قَلِيلًا، أخَذَ أرْشَهُ. وإن كان كَثِيرًا، فصَاحِبُه بالخِيَارِ بين تَسْلِيمِه وأَخْذِ قِيمَتِه، وبين إمْسَاكِه وأَخْذِ أَرْشِه. وقد رُوِىَ عن أحمدَ كلامٌ يَحْتَمِلُ هذا؛ فإنَّه قال، في رِوَايةِ موسى بن سَعِيدٍ (٢٠)، في الثَّوْب: إن شَاءَ شَقَّ الثَّوْبَ، وإن شَاءَ مثلَه. يَعْنِى - واللَّه أعلم - إن شاءَ أخَذَ أَرْشَ الشَّقِّ (٢١). وَوَجْهُه أنَّ هذه جِنَايَةٌ أَتْلَفَتْ مُعْظَمَ مَنْفَعَتِه، فكانت له المُطَالَبَةُ بِقِيمَتِه، كما لو قَتَلَ شَاةً له. وحَكَى أصْحابُ مَالِكٍ عنه، أنَّه إذا جَنَى على عَيْنٍ، فأَتْلَفَ غَرَضَ صَاحِبِها فيها، كان المَجْنِىُّ عليه بالخِيَارِ، إن شَاءَ رَجَعَ بما نَقَصَتْ، وإن شَاءَ سَلَّمَها وأخَذَ قِيمَتَها. ولَعَلَّ ما يُحْكَى عنه من قَطْعِ ذَنَبِ حِمَارِ القاضِي، يَنْبَنِى (٢٢) على ذلك؛ لأنَّه أَتْلَفَ غَرَضَهُ به، فإنَّه لا يَرْكَبُه في العَادَةِ. وحُجَّتُهُم أنَّه أَتْلَفَ المَنْفَعَةَ المَقْصُودَةَ من السِّلْعَةِ، فلَزِمَتْه قِيمَتُها، كما لو أَتْلَفَ جَمِيعَها. ولَنا، أنَّها جِنَايَةٌ على مالٍ أَرْشُها دُونَ قِيمَتِه، فلم يَمْلِك المُطَالَبَةَ بجَمِيعِ قِيمَتِه، كما لو كان الشِّقُّ يَسِيرًا، ولأنَّها جِنَايَةٌ تَنْقُصُ بها القِيمَةُ، فأَشْبَهَ ما لو لم يَتْلَفْ

стр. 3598

غَرَضُ صَاحِبِها، وفي الشَّاةِ تَلِفَ جَمِيعُها؛ لأنَّ الاعْتِبَارَ في الإِتْلَافِ بالمَجْنِيِّ عليه، لا بِغَرَضِ صَاحِبِه؛ لأنَّ هذا إن لم يَصْلُحْ لهذا صَلَحَ لِغَيْرِه. فصل: وقَدْرُ الأَرْشِ قَدْرُ (٢٣) نَقْصِ القِيمَةِ في جَمِيعِ الأَعْيانِ. وبهذا قال الشّافِعِيُّ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ عَيْنَ الدّابّةِ تُضْمَنُ بِرُبْعِ قِيمَتِها. فإنَّه قال، في رِوَايَةِ أبي الحارِثِ، في رَجُلٍ فَقَأَ عَيْنَ دَابَّةٍ لِرَجُلٍ: عليه رُبْعُ قِيمَتِهَا. قيل له: فَقَأَ العَيْنَيْنِ؟ فقال: إذا كانت واحِدَةً، فقال عُمَرُ رُبْعُ القِيمَةِ، وأمَّا العَيْنانِ فما سَمِعْتُ فيهما شَيْئًا. قيل له: فإن كان بَعِيرًا أو بَقَرَةً أو شَاةً؟ فقال: هذا غيرُ الدَّابَّةِ، هذا يُنْتَفَعُ بِلَحْمِه، يُنْظَرُ ما نَقَصَها. وهذا يَدُلُّ على أنَّ أحمدَ إنَّما أَوْجَبَ مِقْدارًا (٢٤) في العَيْنِ الواحِدَةِ من الدّابّةِ، وهى الفَرَسُ والبَغْلُ والحِمَارُ خَاصَّةً لِلْأَثَرِ الوارِدِ فيه، وما عَدَا هذا يُرْجَعُ إلى القِيَاسِ. واحْتَجَّ أصْحَابُنَا لهذه الرِّوَايَةِ، بما رَوَى زيدُ بن ثابِتٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى في عَيْنِ الدّابَّةِ بِرُبْعِ قِيمَتِها (٢٥). ورُوِىَ (٢٦) عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه كَتَبَ إلى شُرَيْحٍ لمَّا كَتَبَ إليه يَسْأَلُه عن عَيْنِ الدّابّةِ: إنَّا كُنَّا نُنْزِلُها مَنْزِلَةَ الآدَمِىِّ، إلَّا أنَّه أَجْمَعَ رَأْيُنا أن قِيمَتَها رُبْعُ الثَّمَنِ. وهذا إِجْمَاعٌ يُقَدَّمُ على القِيَاسِ. ذكَرَ هذَيْنِ أبو الخَطَّابِ في "رُؤُوسِ المَسَائِلِ". وقال أبو حنيفةَ: إذا قَلَعَ عَيْنَ بَهِيمَةٍ يُنْتَفَعُ بها من وِجْهَتَيْنِ، كالدَّابّةِ والبَعِيرِ والبَقَرَةِ، وَجَبَ نِصْفُ قِيمَتِها، وفي إِحْدَاهُما رُبْعُ قِيمَتِها؛ لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّه عنه: أَجْمَعَ رَأْيُنَا على أنَّ قِيمَتَها رُبْعُ الثَّمَنِ. وَرُوِىَ عن أحمَدَ، في العَبْدِ، أنَّه يُضْمَنُ في الغَصْبِ بما يُضْمَنُ به في الجِنَايَةِ؛ ففى يَدِه نِصْفُ قِيمَتِه، وفي مُوضِحَتِه نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِه، وهذا قولُ بعض (٢٧) أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه ضَمَانٌ لأَبْعَاضِ

стр. 3599

العَبْدِ، فكان مُقَدّرًا من قِيمَتِه، كأَرْشِ الجِنَايَةِ. ولَنا، أنَّه ضَمَانُ مالٍ من غيرِ جِنَايَةٍ، فكان الواجِبُ ما نَقَصَ، كالثَّوْبِ، وذطث لأنَّ القَصْدَ بالضَّمَانِ جَبْرُ حَقِّ المالِكِ بإِيجَابِ قَدْرِ المُفَوَّتِ عليه، وقَدْرُ النَّقْصِ هو الجابِرُ، ولأنَّه لو فاتَ الجَمِيعُ لوَجَبَتْ قِيمَتُه، فإذا فاتَ منه شيءٌ وَجَبَ قَدْرُه من القِيمَةِ، كغِيرِ الحَيَوانِ. وأمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بن ثابِتٍ، فلا أَصْلَ له، ولو كان صَحِيحًا لما احْتَجَّ أحمدُ وغيرُه بحَدِيثِ عُمَرَ وتَرَكُوهُ، فإنَّ قولَ النبيِّ ﷺ أحَقُّ أنَّ يُحْتَجَّ به. وأمَّا قولُ عُمَرَ، فمَحْمُولٌ على أنَّ ذلك كان قَدْرَ نَقصِها، كما رُوِىَ عنه أنَّه قَضَى في العَيْنِ القائِمَةِ بخَمْسِينَ دِينَارًا، ولو كان تَقْدِيرًا، لوَجَبَ في العَيْنِ نِصْفُ القِيمَةِ، كعَيْنِ الآدَمِيِّ. وأمَّا ضَمَانُ الجِنَايَةِ على أَطْرَافِ العَبْدِ، فمَعْدُولٌ به عن القِيَاسِ، لِلإِلْحَاقِ بالجِنَايَةِ على الحُرِّ، والواجبُ ههُنا ضَمَانُ اليَدِ، ولا تَثْبُتُ اليَدُ على الحُرِّ، فوَجَبَ البَقَاءُ فيه على مُوجِبِ الأَصْلِ، وإِلْحاقُه بسَائِرِ الأَمْوالِ المَغْصُوبَةِ. وقولُ أبي حنيفةَ: إنَّ هذا في بَهِيمَةِ الأَنْعامِ والدَّابّةِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا القولَ مَبْنِىٌّ على قولِ عُمَرَ، وقَوْلُ عُمَرَ إنَّما هو في الدَّابّةِ، والدَّابّةُ في العُرْفِ ما يُعَدُّ لِلرُّكُوبِ دُونَ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ. فصل: وإن غَصَبَ عَبْدًا، فَجنَى عليه جِنَايَةً مُقَدَّرَةَ الدِّيَةِ، فعلى قَوْلِنا: ضَمَانُ الغَصْبِ ضَمَانُ الجِنَايَةِ. الواجِبُ أَرْشُ الجِنَايَةِ، كما لو جَنَى عليه من غيرِ غَصْبٍ، فنَقَصَتْهُ الجِنَايَةُ أقَلَّ من ذلك أو أكْثَرَ. وإن قُلْنا: ضَمَانُ الغَصْبِ غيرُ ضَمَانِ الجِنَايَةِ. وهو الصَّحِيحُ، فعليه أكْثَرُ الأَمْرَيْنِ، من أَرْشِ النَّقْصِ أو دِيَةِ ذلك العُضْوِ؛ لأنَّ سَبَبَ (٢٨) ضَمَانِ كل واحدٍ منهما وُجِدَ (٢٩)، فوَجَبَ أكْثَرُهُما، ودَخَلَ الآخَرُ فيه، فإنَّ الجِنَايةَ واليَدَ وُجِدَا جَمِيعًا. فإن غَصَبَ عَبْدًا يُسَاوِى ألْفًا؛ فزَادَتْ قِيمَتُه، فصَارَ يُسَاوِى أَلْفَيْنِ، ثم قَطَعَ يَدَهُ، فنَقَصَ أَلْفًا، لَزِمَهُ أَلْفٌ، ورَدَّ العَبْدَ؛ لأنَّ سَبَبَ (٣٠) زِيَادَة

стр. 3600

السُّوقِ مع تَلَفِ العَيْنِ مَضْمُونَةٌ، ويَدُ العَبْدِ كَنِصْفِه، فكأنَّه بِقَطْعِ يَدِه فَوَّتَ نِصْفَه. وإن نَقَصَ أَلْفًا وَخَمْسَمائة، وقُلْنا: الواجِبُ ما نَقَصَ. فعليه أَلْفٌ وخَمْسُمائة، ويَرُدُّ العَبْدَ. وإن قُلْنا: ضَمَانُ الجِنَايَةِ. فعليه أَلْفٌ، وَرَدُّ العَبْدِ فحَسْبُ. وإن نَقَصَ خَمْسَمائة، فعليه رَدُّ العَبْدِ، وهل يَلْزَمُه أَلْفٌ أو خَمْسُمائة؟ على وَجْهَيْنِ. فصل: وإن غَصَبَ عَبْدًا، فقَطَعَ آخَرُ يَدَهُ، فلِلْمالِكِ تَضْمِينُ أيِّهما شَاءَ؛ لأنَّ الجَانِىَ قَطَعَ يَدَهُ، والغاصِبُ حَصَلَ النَّقْصُ في يَدِه، إن ضَمَّنَ الجانِىَ، فله تَضْمِينُه نِصْفَ قيمَتِه لا غيرُ، ولا يَرْجِعُ على أحَدٍ؛ لأنَّه لم يُضَمِّنْه أكْثَرَ ممَّا وَجَبَ عليه. ويَضْمَنُ الغاصِبُ ما زَادَ على نِصْفِ القِيمَةِ إن نَقَصَ أكْثَرُ من النِّصْفِ، ولا يَرْجِعُ على أحَدٍ. وإن قُلْنا: إنَّ ضَمَانَ الغَصْبِ ضَمَانُ الجِنَايَةِ، أو لم يَنْقُصْ أكْثَرُ من نِصْفِ قِيمَتِه. لم يَضْمَنِ الغاصِبُ ههُنا شَيْئًا. وإن اخْتَارَ تَضْمِينَ الغاصِبِ، وقُلْنا: إن ضَمَانَ الغَصْبِ كضَمَانِ الجِنَايَةِ. ضَمَّنَه نِصْفَ القِيمَةِ، ورَجَعَ بها الغاصِبُ على الجانِى؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِه فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه. وإن قُلْنا: إن ضَمَانَ الغَصْبِ بما نَقَصَ. فَلِرَبِّ العَبْدِ تَضْمِينُه بأَكْثَرِ الأَمْرَيْنِ؛ لأنَّ ما وُجِدَ في يَدِه فهو في حُكْمِ المَوْجُودِ منه، ثم يَرْجِعُ الغاصِبُ على الجانِى بِنِصْفِ القِيمَةِ؛ لأنَّها أَرْشُ جِنايَتِه (٣١)، فلا يَجِبُ عليه أكْثَرُ منها. فصل: وإن غَصَبَ (٣٢) عَبْدًا، فقَطَعَ أُذُنَيْهِ، أو يَدَيْهِ، أو ذَكَرَهُ، أو أَنْفَهُ، أو لِسَانَه أو خُصْيَتَيْه، لَزِمَتْهُ قِيمَتُه (٣٣) كلُّها، ورَدُّ العَبْدِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبهذا قال مالِكٌ، والشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ والثَّوْرِيُّ: يُخَيَّرُ المالِكُ بين أن يَصْبِرَ ولا شَىْءَ له، وبين أَخْذِ قِيمَتِه ويَمْلِكُه الجانِى؛ لأنَّه ضَمَانُ مالٍ، فلا يَبْقَى مِلْكُ صَاحِبِه عليه مع ضَمَانِه له، كسَائِر الأَمْوَالِ. ولَنا، أنَّ المُتْلَفَ البَعْضُ، فلا يَقِفُ ضَمَانُه على زَوَالِ

стр. 3601

المِلْكِ عن جُمْلَتِه، كَقَطْعِ ذَكَرِ المُدَبَّرِ، وكقَطْعِ إِحْدَى يَدَيْهِ أو أُذُنَيْهِ، ولأنَّ المَضْمُونَ هو المُفَوَّتُ، فلا يَزُولُ المِلْكُ عن غيرِه بِضَمَانِه، كما لو قَطَعَ تِسْعَ أصَابِعَ. وبهذا يَنْ فَصِلُ عما ذَكَرُوهُ، فإنَّ الضَّمَانَ في مُقَابَلَةِ المُتْلَفِ، لا في مُقَابَلَةِ الجُمْلَةِ. فأمَّا إن ذَهَبَتْ هذه الأَعْضَاءُ بغيرِ جِنَايَةٍ، فهل يَضْمَنُها ضَمَانَ الإِتْلَافِ، أو بما نَقَصَ؟ على رِوَايَتَيْنِ، سَبَقَ ذِكْرُهما. فصل: وإن جَنَى العَبْدُ المَغْصُوبُ، فجِنَايَتُه مَضْمُونَةٌ على الغاصِبِ؛ لأنَّه نَقْصٌ في العَبْدِ الجانِى، لكَوْنِ أَرْشِ الجِنَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِه، فكان مَضْمُونًا على الغاصِبِ، كسائِرِ نَقْصِه. وسواءٌ في ذلك ما يُوجِبُ القِصَاصَ أو المالَ. ولا يَلْزَمُه أكْثَرُ من النَّقْصِ الذي لَحِقَ العَبْدَ. وإن جَنَى على سَيِّدِه، فجِنَايَتُه مَضْمُونَةٌ على الغاصِبِ أيضًا؛ لأنَّها (٣٤) من جُمْلَةِ جِنَايَاتِه، فكان مَضْمُونًا على الغاصِبِ، كالجِنَايَةِ على الأَجْنَبِىِّ. فصل: إذا نَقَصَتْ عَيْنُ المَغْصُوبِ دُونَ قِيمَتِه، فذلك على ثلاثةِ أقْسَامٍ؛ أحدها، أن يكونَ الذّاهِبُ جُزْءًا مُقَدَّرَ البَدَلِ، كعَبْدٍ خَصَاهُ، وزَيْتٍ أغْلَاهُ، ونُقْرَةٍ ضَرَبَها دَرَاهِمَ فنَقَصَتْ عَيْنُها دُونَ قِيمَتِها، فإنَّه يَجبُ ضَمَانُ النَّقْصِ، فيَضْمَنُ نَقْصَ العَبْدِ بقِيمَتِه، ونَقْصَ الزَّيْتِ والنُقْرَةِ بِمِثْلِهِما مع رَدِّ الباقِى منهما؛ لأنَّ الناقِصَ من العَيْنِ له بَدَلٌ مُقَدَّرٌ، فلَزِمَهُ ما تَقَدَّرَ به، كما لو أَذْهَبَ الجَمِيعَ. الثاني، أن لا يكونَ مُقَدَّرًا، مثل إن غَصَبَ عَبْدًا ذا سِمَنٍ مُفْرِطٍ، فخَفَّ جِسْمُه، ولم تَنْقصْ قِيمَتُه، فلا شىءَ فيه سِوَى رَدِّه؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما أَوْجَبَ في هذا ما نَقَصَ من القِيمَةِ، ولم يُقَدِّرْ بَدَلَه، ولم تَنْقُص القِيمَةُ، فلم يَجِبْ شيءٌ، بخِلَافِ الصُّورَةِ الأُولَى؛ فإنَّ الذّاهِبَ مُقَدَّرُ البَدَلِ، فلم يَسْقُطْ بَدَلُه. الثالث، أن يكونَ النَّقْصُ في مُقَدَّرِ البَدَلِ، لكن الذَّاهِبَ منه أَجْزَاءٌ غيرُ مَقْصُودَةٍ، كعَصِيرٍ أَغْلَاهُ فذَهَبَتْ مَائِيَّتُه، وانْعَقَدَتْ أجْزَاؤُه، فنَقَصَتْ عَيْنُه دُونَ قِيمَتِه، ففيه وَجْهَانِ؛ أحدُهما، لا شىءَ فيه (٣٥) سِوَى رَدِّه؛ لأنَّ النَّارَ إنَّما أذْهَبَتْ

стр. 3602

مائِيَّتَهُ التي يَقْصِدُ ذَهَابَها، ولهذا تَزْدَادُ حَلَاوَتُه، وتَكْثُرُ قِيمَتُه، فلم يَجِبْ ضَمَانُها، كسِمَنِ العَبْدِ الذي يَنْقُصُ قِيمَتَهُ. والثانى، يَجِبُ ضَمَانُه؛ لأنَّه مُقَدَّرُ البَدَلِ، فأَشْبَهَ الزَّيْتَ إذا أَغْلَاهُ. وإن نَقَصَتِ العَيْنُ والقِيمَةُ جَمِيعًا، وَجَبَ في الزَّيْتِ وشِبْهِه ضَمَانُ النَّقْصَيْنِ جَمِيعًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مَضْمُونٌ مُنْفَرِدًا، فكذلك إذا اجْتَمَعَا، وذلك مثل أن يكونَ رَطْلُ زَيْتٍ قِيمَتُه دِرْهَمٌ، فأَغْلَاهُ، فنَقَصَ ثُلُثُه، فصارَ قِيمَةُ الباقِى نِصْفَ دِرْهَمٍ، فعليه ثُلُثُ رَطْلٍ وسُدُسُ دِرْهَمٍ. وإن كانت قِيمَةُ الباقِى ثُلُثَىْ دِرْهَمٍ، فليس عليه أَكْثَرُ [من ثُلُثِ رَطْلٍ؛ لأنَّ قِيمَةَ الباقِى لم تَنْقُصْ. وإن خَصَى العَبْدَ، فنَقَصَتْ قِيمَتُه، فليس عليه أكْثَرُ] (٣٦) مِن ضَمَانِ خُصْيَتَيه؛ لأنَّ ذلك بمنزلةِ ما لو فَقَأَ عَيْنَيْه. وهل يجبُ في العصيرِ ما نقَصَ مِن القيمةِ، أو يكونُ كالزَّيْتِ؟ على وَجْهَيْن. فصل: وإن غَصَب عَبْدًا فسَمِنَ سِمَنًا نقَصَتْ به قيمتُه، أو كان شابًّا فصار شيخًا، أو كانت الجاريةُ ناهِدًا فسَقط ثَدْياها. وَجَبَ أرْشُ النَّقْصِ. لا نعلمُ فيه خِلافًا. فإن كان العبدُ أمْرَدَ، فنَبتَتْ لِحْيَتُه فنَقَصَتْ قِيمَتُه، وجَب ضَمانُ نَقْصِه. وبه قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ ضَمانُه؛ لأنَّ الفائِتَ لا يُقْصَدُ قَصْدًا صحيحًا، فأشْبَهَ الصِّناعةَ المُحَرَّمَةَ. ولَنا، أنَّه نقَص في القيمةِ بتَغَيُّرِ (٣٧) صِفَتِه، فيَضْمَنُه، كبَقِيَّةِ الصُّوَرِ. فصل: وإن نقَص المغْصوبُ نَقْصًا غيرَ مُسْتَقِرٍّ، كطعامٍ ابْتَلَّ. وخِيفَ فَسادُه، أو عَفِنَ وخُشِىَ تَلَفُه. فعليه ضَمانُ نَقْصِه. وهذا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ. وله قولٌ آخَرُ؛ أنَّه لا يضْمَنُ نَقْصَه. وقال القاضي (٣٨): يَلْزَمُه بدَلُه، لأنَّه لا يُعْلَمُ قَدْرُ نَقْصِه، وكلَّما نقَص شيئا ضَمِنَه؛ لأنَّه يَسْتَنِدُ إلى السَّبَبِ الموجودِ في يَدِ الغاصِبِ، فكان كالموجودِ في يَدِه. وقال أبو الخَطَّابِ: يتخَيَّرُ صَاحبُه بينَ أخْذِ بَدَلِه، وبَين تَرْكِه حتى يسْتَقِرَّ فَسادُه،

стр. 3603

ويأْخُذَ أرْشَ نَقْصِه. وقال أبو حنيفة: يتخَيَّرُ بينَ إمْساكِه ولا شىءَ له، أو تَسْلِيمهِ إلى الغاصِب ويأخذُ منه قِيمَتَه؛ لأنَّه لو ضَمِنَ النَّقْصَ لَحَصَلَ له مثلُ كَيْلِه وزيادةٌ، وهذا لا يجوزُ، كما لو باع قَفِيزًا جَيِّدًا بقَفِيِزٍ رَدِىءٍ ودِرْهَمٍ. ولَنا، أنَّ عَيْنَ مالِه باقيةٌ، وإنَّما حدَث فيه نَقْصٌ، فوجَب فيه ما نَقَص، كما لو كان (٣٩) عبدًا فمَرِض. وقد وافَق بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ علَى هذا في العَفَنِ. وقال (٤٠): يَضْمَنُ ما نَقص، قولًا واحدًا، ولا يَضْمَنُ ما تَولَّد منه؛ لأنَّه ليس من فِعْلِه. وهذا الفَرْقُ لا يصِحُّ؛ لأنَّ البَلَلَ (٤١) قد يكونُ من غيرِ فِعْلِه أيضًا، وقد يكونُ العَفَنُ بسَبَبٍ منه. ثم إنَّ ما وُجِدَ في يَدِ الغاصِبِ، فهو مَضْمُونٌ عليه، لِوُجُودِه في يَدِه، فلا فَرْقَ. وقولُ أبي حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا الطَّعَامَ عَيْنُ مالِه، وليس بِبَدَلٍ عنه. وقولُ أبي الخَطَّابِ لا بَأْسَ به. ٨٦٣ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ زَرَعَها، فأَدْرَكَها رَبُّها والزَّرْعُ قائِمٌ، كَانَ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الأَرْضِ، وعَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وإنِ اسْتُحِقَّتْ بَعْدَ أَخْذِ الغاصِبِ الزَّرْعَ، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الأَرْضِ) قوله: "فَأَدْرَكَها رَبُّها" يَعْنِى اسْتَرْجَعَها من الغاصِبِ، أو قَدَرَ على أَخْذِهَا منه. وهو مَعْنَى قولِه: "اسْتُحِقَّتْ". يعني أخَذَهَا مُسْتَحِقُّها. فمتى كان هذا بعدَ حَصَادِ الغاصِبِ الزَّرْعَ، فإنَّه لِلْغاصِبِ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ وذلك لأنَّه نَمَاءُ مَالِه، وعليه الأُجْرَةُ إلى وَقْتِ التَّسْلِيمِ وضَمَانُ النَّقْصِ. ولو لم يَزْرَعْها، فنَقَصَتْ لِتَرْكِ الزِّرَاعَةِ، كأرَاضِى البَصْرَةِ، أو نَقَصَتْ لغير (١) ذلك، ضَمِنَ نَقْصَها أيضًا؛ لما قَدَّمْنَا في المَسْأَلَةِ التي قبلَ هذه. فأمَّا إن أخَذَها صاحِبُها والزَّرْعُ قائِمٌ فيها، لم يَمْلِكْ إِجْبَارَ الغاصِبِ على قَلْعِه، وخُيِّرَ المالِكُ بينَ أن يُقِرَّ الزَّرْعَ في الأَرْضِ إلى الحَصَادِ، ويَأْخُذَ من الغاصِبِ أَجْرَ

стр. 3604

الأَرْضِ وأَرْشَ نَقْصِها، وبين أن يَدْفَعَ إليه نَفَقَتَه ويكونَ الزَّرْعُ له. وبهذا قال أبو عُبَيْدٍ. وقال أكْثَرُ الفُقَهاءِ: يَمْلِكُ إِجْبَارَ الغاصِبِ على قَلْعِه، والحُكْمُ فيه كالغَرْسِ سواء، لقولِه ﵇: "لَيْسَ لِعِرْقٍ ظالمٍ حَقٌّ" (٢). ولأنَّه زَرَعَ في أَرْضِ غيرِه ظُلْمًا، أشْبَه الغِرَاسَ. ولَنا، ما رَوَى رافِعُ بن خَدِيِجٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ زَرَعَ في أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَىْءٌ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٣)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فيه دَلِيلٌ على أنَّ الغاصِبَ لَا يُجْبَرُ على قَلْعِه؛ لأنَّه مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ منه. ورُوِىَ أنَّ النبيَّ ﷺ رَأَى زَرْعًا في أرضِ ظُهَيْرٍ (٤)، فأعْجَبَه، فقال: "مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ". فقال: إنَّه ليس لِظُهَيْرٍ، ولكنَّه لفلان. قال: "فَخُذُوا زَرْعَكُمْ، ورُدُّوا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ" قال رافِع: فأخَذْنا زَرْعَنا، ورَدَدْنَا عليه نَفَقَتَه (٥). ولأنَّه أمْكَنَ رَدُّ المَغْصُوبِ إلى مالكِه منٍ غيرِ إتْلافِ مالِ الغاصِبِ، على قُرْبٍ من الزَّمانِ، فلم يَجُزْ إتْلافُه، كما لو غَصَبَ سَفِينةً، فحمَل فيها مالَهُ. وأدْخَلَها البحرَ، أو غَصَب لَوْحًا. فرَقَّع به سَفِينةً، فإنَّه لا يُجْبَرُ على رَدِّ المغْصُوبِ في اللُّجَّةِ، ويُنْتَظَرُ حتى تُرْسَى، صِيانةً للمالِ عن التَّلَفِ. كذا ههُنا. ولأنَّه زرعٌ حصَل في مِلْكِ غيرِه، فلم يُجْبَرْ على قَلْعِه على وَجْهٍ يضُرُّ به. كما لو كانتِ الأرضُ مُسْتعارَةً أو مَشْفُوعةً. وفارَق الشَّجَرَ والنَّخْلَ؛ لأنَّ مُدَّتَه تَتَطاوَلُ، ولا يُعْلَمُ متى يَنْقَطِعُ من الأرضِ، فانْتِظارُه يُؤَدِّى إلى تَرْكِ رَدِّ الأصلِ بالكُلِّيَّةِ. وحَدِيثُهم وَرَدَ في الغَرْسِ، وحَدِيثُنا في الزَّرْعِ، فيُجْمَعُ بين الحديثَيْنِ، ويُعْمَلُ بكلِّ واحدٍ منهما في مَوْضعِه. وذلك أوْلَى مِن إبْطَالِ أحَدِهما. إذا

стр. 3605

ثبت هذا، فمتى رَضِىَ المالِكُ بتَرْكِ الزَّرْعِ للغاصِبِ. ويأخُذُ منه أجْرَ الأرضِ. فله ذلك؛ لأنَّه شغَل المغْصُوبَ بمالِه، فمَلَكَ صاحِبُه أخْذَ أَجْرِه، كما لو تَرَكَ في الدَّارِ طَعامًا أو أحْجارًا يَحْتاجُ في نَقْلِه إلى مُدَّةٍ. وإن أحَبَّ أخْذَ الزَّرْعِ، فله ذلك، كما يَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ أخْذَ شَجَرِ المُشْتَرِى بقِيمَتِه. وفيما يُرَدُّ على الغاصِبِ روايتان؛ إحْداهما، قِيمةُ (٦) الزَّرْعِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عن الزَّرْعِ. فيُقَدَّرُ بقِيمَتِه، كما لو أتْلَفَه. ولأنَّ الزَّرْعَ للغاصِبِ إلى حينِ انْتِزَاعِ المالِكِ له منه، بدليلِ أنَّه لو أخَذَه قبلَ انْتِزَاعِ المالِكِ له، كان مِلْكًا له. ولو لم يَكُنْ مِلْكًا له لَما مَلَكَهُ بأخْذِه. فيكونُ أخْذُ المالِكِ له تَمَلُّكًا له، إلَّا أنْ يُعَوِّضَه، فيجِبُ أن يكونَ بقِيمَتِه، كما لو أخَذَ الشِّقْصَ (٧) المشْفُوعَ. ويَجِبُ على الغاصِبِ أجْرُ الأرضِ إلى حينِ تَسْلِيمِ الزَّرْعِ؛ لأنَّ الزَّرْعَ كان مَحكْومًا له به، وقد شغَل به أرْضَ غيرِه. والرِّواية الثانية، أنَّه يَرُدُّ على الغاصِبِ ما أنْفَقَ مِن البَذْرِ (٨)، ومُؤْونةِ الزَّرْعِ في الحَرْثِ والسَّقْىِ، وغيرِه. وهذا الذي ذَكَرَهُ القاضي. وهو (٩) ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وظَاهِرُ الحَدِيثِ، لقولِه ﵇: "عَلَيْهِ نَفَقَتُه". وقِيمَةُ الشىءِ لا تُسَمَّى نَفَقَةً له. والحَدِيثُ مَبْنِيٌّ على هذه المَسْأَلَةِ؛ فإنَّ أحْمدَ إنَّما ذَهَبَ إلى هذا الحُكْمِ (٧) اسْتِحْسَانًا، على خِلَافِ القِيَاسِ، فإنَّ القِيَاسَ أنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ البَذْرِ (٨)؛ لأنَّه نَمَاءُ عَيْنِ مالِه، فأشْبَه ما لو غَصَبَ دَجَاجَةً فحَضَنَتْ بَيْضًا له. أو طَعَامًا فعَلَفَهُ دَوَابَّ له، كان النَّماءُ له. وقد صَرَّحَ به أحمدُ، فقال: هذا شيءٌ لا يُوَافِقُ القِيَاسَ، أسْتَحْسِنُ أن يَدْفَعَ إليه نَفَقَتَه؛ للأَثَرِ. ولذلك جَعَلْنَاهُ لِلْغاصِبِ إذا اسْتُحِقَّتِ الأَرْضُ بعدَ أَخْذِ الغاصِبِ له، وإذا كان العَمَلُ بالحَدِيثِ، فيَجِبُ أن يُتَّبَعَ مَدْلُولُه.

стр. 3606

فصل: فإن كان الزَّرْعُ ممَّا يَبْقَى أُصُولُه في الأَرْضِ، ويُجَزُّ مَرَّةً بعدَ أُخْرَى كالرَّطْبَةِ والنَّعْنَاعِ، احْتَمَلَ أنَّ يكونَ حُكْمُه [ما ذَكَرْنا؛ لِدُخُولِه في عُمُومِ الزَّرْعِ، لأنَّه ليس له فَرْعٌ قَوِيٌّ، فأَشْبَهَ الحِنْطَةَ والشَّعِيرَ. واحْتَمَلَ أن يكونَ حُكْمُه] (١٠) حُكْمَ الغَرْسِ؛ لِبَقَاءِ أصْلِه (١١) وتَكَرُّرِ أَخْذِه، ولأنَّ القِيَاسَ يَقْتَضِي أن يَثْبُتَ لكلِّ زَرْعٍ مثلُ حُكْمِ الغَرْسِ، وإنَّما تُرِكَ فيما تَقِلُّ مُدَّتُه للأَثَرِ، ففيما عَداهُ يَبْقَى على قَضِيّةِ القِيَاسِ. فصل: وإن غَصَبَ أَرْضًا فغَرَسَها فأَثْمَرَتْ، فأَدْرَكَها رَبُّها بعدَ أَخْذِ الغاصِبِ ثَمَرَتَها، فهى له. وإن أَدْرَكَها والثَّمَرَةُ فيها، فكذلك؛ لأنَّها ثَمَرَةُ شَجَرِه، فكانتْ له، كما لو كانتْ في أَرْضِه، ولأنَّها نَمَاءُ أصْلٍ مَحْكُومٍ به لِلْغَاصِبِ، فكان له، كأَغْصَانِها وَوَرَقِها. ولَبَنِ الشَّاةِ وَوَلَدِها. وقال القاضي: هي لِمَالِكِ الأَرْضِ إن أَدْرَكَها في الغِرَاسِ؛ لأنَّ أحمدَ قال، في رِوَايَةِ عَلِيِّ بن سَعِيدٍ: إذا غَصَبَ أَرْضًا فغَرَسَها، فالنَّماءُ لِمَالِكِ الأَرْضِ. قال القاضي: وعليه من النَّفَقَةِ ما أَنْفَقَهُ الغارِسُ من مُؤْنَةِ الثَّمَرَةِ؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ في مَعْنَى الزَّرْعِ فكانتْ (١٢) لِصَاحِبِ الأَرْضِ إذا أدْرَكَهُ قائِمًا فيها، كالزَّرْعِ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ أحْمدَ قد صَرَّحَ بأنَّ أخْذَ رَبِّ الأَرْضِ الزَّرْعَ شيءٌ لا يُوافِقُ القِيَاسَ، وإنَّما صَارَ إليه للأَثَرِ، فيَخْتَصُّ الحُكْمُ به، ولا يُعَدَّى إلى غيرِه، ولأنَّ الثَّمَرَةَ تُفَارِقُ الزَّرْعَ من وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّ الزَّرْعَ نَمَاءُ الأَرْضِ، فكان لِصَاحِبِها، والثَّمَرةُ نَمَاءُ الشَّجَرِ. فكان لِصَاحِبِه. الثاني، أنَّه يَرُدُّ عِوَضَ الزَّرْعِ الذي (١٣) أخَذَه، مثل البَذْرِ الذي نَبَتَ منه الزَّرْعُ، مع ما أَنْفَقَ عليه، ولا يُمْكِنُه مثلُ ذلك في الثَّمَرِ. فصل: وإن غَصَبَ شَجَرًا فأَثْمَرَ، فالثَّمرُ لِصَاحِبِ الشَّجَرِ. بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه نَمَاءُ مِلْكِه، ولأنَّ الشَّجَرَ عَيْنُ مِلْكِه نَمَا وزَادَ، فأشْبَهَ ما لو طَالَتْ أَغْصَانُه. وعليه

стр. 3607

رَدُّ الثَّمَرِ إن كان بَاقِيًا، وإن كان تَالِفًا فعليه بَدَلُه وإن كان رُطَبًا فصَارَ تَمْرًا، أو عِنَبًا فصار زَبِيبًا، فعليه رَدُّهُ وأَرْشُ نَقْصِه إن نَقَصَ، وليس له شيءٌ بِعَمَلِه فيه، وليس لِلشَّجَرِ أُجْرَةٌ؛ لأنَّ أُجْرَتَها لا تجوزُ في العُقُودِ، فكذلك في الغَصْبِ، ولأنَّ نَفْعَ الشَّجَرِ تَرْبِيَةُ الثَّمَرِ وإخْرَاجُه، وقد عَادَتْ هذه المَنَافِعُ إلى المالِكِ. ولو كانت ماشِيَةً، فعليه ضَمَانُ وَلَدِها إن وَلَدَتْ عندَه، ويَضْمَنُ لَبَنَها بمِثْلهِ؛ لأنَّه من ذَوَاتِ الأَمْثالِ، ويَضْمَنُ أَوْبَارَها وأشْعَارَها بمِثْلِه، كالقُطْنِ. فصل: وإذا غَصَبَ أَرْضًا، فحُكْمُها في جَوَازِ دُخُولِ غيرِه إليها حُكْمُها (١٤) قبلَ الغَصْبِ. فإن كانت مُحَوَّطَةً، كالدَّارِ والبُسْتَانِ المُحَوَّطِ، لم يَجُزْ لغيرِ مالِكِها دُخُولُها؛ لأنَّ مِلْكَ مَالِكِها لم يَزُلْ عنها، فلم يَجُزْ دُخُولُها بغيرِ إِذْنِه، كما لو كانتْ في يَدِه. قال أحمدُ، في الضَّيْعَةِ تَصِيرُ غَيْضَةً فيها سَمَكٌ: لا يَصِيدُ فيها أحَدٌ إلَّا بإذْنِهِم. وإن كانت صَحْرَاءَ، جازَ الدُّخُولُ فيها وَرَعْىُ حَشِيشِها. قال أحمدُ: لا بَأْسَ بِرَعْىِ الكَلإِ في الأَرْض المَغْصُوَبةِ؛ وذلك لأنَّ الكَلأَ لا يُمْلَكُ بمِلْكِ الأَرْضِ. ويَتَخَرَّجُ في كل واحِدَةٍ من الصُّورَتَيْنِ مثل حُكْمِ الأُخْرَى. قِيَاسًا لها عليها. ونَقَلَ عنه المَرُّوذِيُّ، في رَجُلٍ والِدَاهُ في دَارٍ طَوَابِيقُها غَصْبٌ. لا يَدْخُلُ على والِدَيْه، وذلك لأنَّ دُخُولَهُ عليهما تَصَرُّفٌ في الطَّوَابِيقِ المَغْصُوبَةِ. ونَقَلَ عنه الفَضْلُ بنُ عبد الصَّمَدِ (١٥)، في رَجُلٍ له إِخْوَةٌ في أَرْضِ غَصْبٍ: يَزُورُهم ويُرَاوِدُهم على الخُرُوجِ، فإن أجَابُوه، وإلَّا لم يُقِمْ معَهم، ولا يَدَعُ زِيَارَتَهم. يعني يَزُورُهم بحيث يَأْتِى بابَ دَارِهم، ويَتَعَرَّفُ أخْبَارَهم، ويُسَلِّمُ عليهم، ويُكلِّمُهم، ولا يَدْخُلُ إليهم. ونَقَلَ المَرُّوذِيُّ عنه: أكْرَهُ المَشْىَ على العَبَّارَةِ التي يَجْرِى فيها الماءُ. وذلك لأنَّ العَبّارَةَ وُضِعَتْ لِعُبُورِ الماءِ، لا لِلْمَشْىِ عليها، وربَّما كان المَشْىُ عليها يَضُرُّ بها. وقال أحمدُ: لا يَدْفِنُ في الأَرْضِ المَغْصُوبَةِ؛ لما في

стр. 3608

ذلك من التَّصَرُّفِ في أَرْضِهِم بغيرِ إِذْنِهم. وقال أحمدُ، في مَن ابْتَاعَ طَعَامًا مِن مَوْضِع غَصْبٍ، ثم عَلِمَ: رَجَعَ إلى المَوْضِعِ الذي أخَذَهُ منه، فرَدَّه. ورُوِىَ عنه، أنَّه قال: يَطْرَحُه. يَعْنِى على مَن ابْتَاعَهُ منه؛ وذلك لأنَّ قُعُودَه فيه حَرَامٌ، مَنْهِيٌّ عنه، فكان البَيْعُ فيه مُحَرَّمًا، ولأنَّ الشِّرَاءَ ممَّن يَقْعُدُ في المَوْضِعِ المُحَرَّمِ يَحْمِلُهم على القُعُودِ والبَيْعِ فيه، وتَرْكُ الشِّراءِ منهم [يَمْنَعُهم من] (١٦) القُعُودِ. وقال: لا يَبْتَاعُ من الخَاناتِ التي في الطُّرُقِ، إلَّا أن لا يَجِدَ غيرَه. كأنَّه بمَنْزِلَةِ المُضْطَرِّ. وقال في السُّلْطانِ إذا بَنَى دَارًا، وجَمَعَ النّاسَ إليها: أكْرَهُ الشِّرَاءَ منها. وهذا إن شاء اللَّه تعالى على سَبِيلِ الوَرَعِ، لما فيه من الإِعَانةِ على الفِعْلِ المُحَرَّمِ، والظَّاهِرُ صِحَّةُ البَيْعِ؛ لأنَّه إذا صَحَّتِ الصَّلَاةُ في الدّارِ المَغْصُوبَةِ، في رِوَايَةٍ، وهى عِبَادَةٌ، فما ليس بِعِبَادَةٍ أوْلَى. وقال في مَن غَصَبَ ضَيْعَةً، وغُصِبَتْ من الغاصِبِ، فأرَادَ الثاني رَدَّهَا: جَمَعَ بينهما. يَعْنِى بين مَالِكِها والغاصِبِ الأَوَّلِ. وإن ماتَ بعضُهم، جَمَعَ وَرَثَتَه. إنَّما قال هذا احْتِياطًا، خَوْفَ التَّبعَةِ من الغاصِبِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه رُبَّما طَالَبَ بها، وادَّعَاها مِلْكًا باليَدِ، وإلَّا فالوَاجِبُ رَدُّهَا على مَالِكِها. وقد صَرَّح بهذا في رِوَايةِ عبدِ اللَّه، في رَجُلٍ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا أَلْفًا، فجاءَ رَجُلٌ إلى المُسْتَوْدَعِ، فقال: إن فُلَانًا غَصَبَنِى الأَلْفَ الذي اسْتَوْدَعَكَهُ. وصَحَّ ذلك عند المُسْتَوْدَعِ، فإن لم يَخَف التَّبِعَةَ، وهو أن يَرْجِعُوا به عليه، دَفَعَهُ إليه. ٨٦٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا، أو أَمَةً، وقِيمَتُه مائِةٌ، فزَادَ في بَدَنِهِ، أو بِتَعَلُّمٍ، حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُه مِائَتَيْنِ، ثُمَّ نَقَصَ بِنُقْصَانِ بَدَنِهِ، أو نِسْيانِ مَا عُلَّمَ، حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُه مِائةً، أخَذَهُ السَّيِّدُ، وأخَذَ مِنَ الْغاصِبِ مِائَةً) وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ: لا يَجِبُ عليه عِوَضُ الزِّيَادَةِ، إلَّا أن

стр. 3609

يُطَالبَ بِرَدِّها زَائِدَةً، فلا يَرُدُّهَا؛ لأنَّه رَدَّ العَيْنَ كما أخَذَها، فلم يَضْمَنْ نَقْصَ قِيمَتِها، كَنَقْصِ سِعْرِهَا. ولَنا، أنَّها زِيَادَةٌ في نَفْسِ المَغْصُوبِ، فلَزِمَ الغَاصِبَ ضَمَانُها، كما لو طَالَبَهُ بِرَدِّها فلم يَفْعَلْ. وفارَقَ زِيَادَةَ السِّعْرِ، فإنَّها (١) لو كانت مَوجُودَةً حالَ الغَصْبِ، لم يَضْمَنْها، والصِّنَاعَةُ إن لم تَكُنْ مِن عَيْنِ المَغْصُوبِ، فهى صِفَةٌ فيه، ولذلك يَضْمَنُها إذا طُولِبَ بِرَدِّ العَيْنِ [وهى مَوْجُودَةٌ فلم يَرُدَّها] (٢)، وأَجْرَيْنَاهَا هي والتَّعَلُمَ مُجْرَى السِّمَنِ الذي هو عَيْنٌ؛ لأنَّها صِفَةٌ تَتْبَعُ العَيْنَ، وأَجْرَيْنَا الزِّيَادَةَ الحادِثَةَ في يَدِ الغاصِبِ مُجْرَى الزِّيَادَةِ المَوْجُودَةِ حالَ الغَصْبِ؛ لأنَّها زِيَادَةٌ في العَيْنِ المَمْلُوكَةِ لِلْمَغْصُوبِ منه، فتكونُ مَمْلُوكَةً له أيضًا؛ لأنَّها تَابِعَةٌ لِلْعَيْنِ. فأمَّا إن غَصَبَ العَيْنَ سَمِينَةً، أو ذَاتَ صِنَاعَةٍ، أو تَعَلَّم القُرْآن ونحوه، فهَزَلَتْ ونَسِيَتْ فنَقَصَتْ قِيمَتُها، فعليه ضَمَانُ نَقْصِها. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّها نَقَصَتْ عن حال غَصْبِها نَقْصًا أَثَّرَ في قِيمَتِها، فوَجَبَ ضَمانُه (٣)، كما لو أَذهَبَ عُضْوًا من أعْضَائِها. فصل: إذا غَصَبَها وقِيمَتُها مائةٌ فسَمِنَتْ، فبَلَغَتْ قِيمَتُها أَلْفًا، ثم تَعَلَّمَتْ صِنَاعَةً، [فبَلَغَتْ أَلْفَيْنِ، ثم هَزَلَتْ ونَسِيَتْ، فعَادَتْ قِيمَتُها إلى مائةٍ، رَدَّها ورَدَّ أَلْفًا وتِسْعَمائة. وإن بَلَغَتْ بالسِّمَنِ أَلْفًا] (٤)، ثم هَزَلَتْ فبَلَغَتْ مائةً، ثم تَعَلَّمَتْ فبَلَغَتْ أَلْفًا، ثم نَسِيَتْ فعَادَتْ إلى مائةٍ، رَدَّها ورَدَّ أَلْفًا وثَمَانِمائة؛ لأنَّها نَقَصَتْ بالهُزَالِ تِسْعَمائة، وبالنِّسْيَانِ تِسْعَمائة. وإن سَمِنَتْ فبَلَغَتْ أَلْفًا، ثم هَزَلَتْ فعادَتْ إلى مائةٍ، ثم تَعَلَّمَتْ فعادَتْ إلى أَلْفٍ، رَدَّها وتِسْعَمائة؛ لأنَّ زَوَالَ الزِّيَادَةِ الأُولَى أَوْجَبَ الضَّمَانَ، ثم حَدَثَتْ زِيَادَةٌ أُخْرَى مِن وَجْهٍ آخَرَ على مِلْكِ المَغْصُوبِ منه، فلا يَنْجَبِرُ مِلْكُ الإِنْسَانِ بمِلْكِه. وأمَّا إذا بَلَغَتْ بالسِّمَنِ أَلْفًا، ثم هَزَلَتْ فعَادَتْ إلى مائةٍ، ثم

стр. 3610

سَمِنَتْ فعادَتْ إلى أَلْفٍ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَرُدُّهَا زائِدَةً، ويَضْمَنُ نَقْصَ الزِّيَادَةِ الأُولَى، كما لو كانا من جِنْسَيْنِ، فإنَّ مِلْكَ الإِنْسانِ لا يَنْجَبِرُ بمِلْكِه؛ لأنَّ الزِّيَادَةَ الثانيةَ غيرُ الأُولَى. فعلى هذا إن هَزَلَتْ مَرَّةً ثانِيةً، فعادَتْ إلى مائةٍ، ضَمِنَ النَّقْصَيْنِ بأَلْفٍ وثَمَانِمائة. والوَجْهُ الثاني، أنَّه إذا رَدَّهَا سَمِينَةً، فلا شىءَ عليه؛ لأنَّه عادَ ما ذَهَبَ، فأَشْبَه ما لو مَرِضَتْ فنَقَصَتْ، ثم عُوفِيَتْ، أو نَسِيَتْ صِنَاعَةً ثم تَعَلَّمَتْها، أو أَبَقَ العَبْدُ ثم عَادَ. وفارَقَ ما إذا زَادَتْ من جِهَةٍ أُخْرَى؛ فإنَّه لم يَعُدْ ما ذَهَبَ. وهذا الوَجْهُ، أقْيَسُ؛ لما ذَكَرْنا من شَوَاهِدِه. فعلى هذا لو سَمِنَتْ بعدَ الهُزَالِ، [ولم تَبْلُغْ] (٥) قِيمَتُها إلى ما بَلَغَتْ في السِّمَنِ الأَوَّلِ، أو زَادَتْ عليه، ضَمِنَ أكْثَرَ الزِّيَادَتَيْنِ، وتَدْخُلُ الأُخْرَى فيها. وعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ يَضْمَنُهما جَمِيعًا. فأمَّا إن زَادَتْ بالتَّعْلِيمِ أو الصِّنَاعَةِ، ثم نَسِيَتْ، ثم تَعَلَّمَتْ ما نَسِيَتْهُ، فعادَتِ القِيمَةُ الأُولَى، لم يَضْمَن النَّقْصَ الأَوَّلَ؛ لأنَّ العِلْمَ الثاني هو الأوّلُ، فقد عَادَ ما ذَهَبَ. وإن تَعَلَّمَتْ (٦) عِلْمًا آخَرَ، أو صِنَاعَةً أُخْرَى، فهو كعَوْدِ السِّمَنِ، فيه وَجْهَانِ. ذَكَرَ هذا القاضي، وهو مذهبُ الشّافِعِيِّ. وقال أبو الخَطَّابِ: متى زَادَتْ، ثم نَقَصَتْ، ثم زادَتْ مثلَ الزِّيَادَةِ الأُولَى، ففى ذلك وَجْهانِ، سواءٌ كانا من جِنْسٍ كالسِّمَنِ مَرَّتَيْنِ، أو من جِنْسَيْنِ كالسِّمَنِ والتَّعْلِيمِ. والأَوَّلُ أَوْلَى. فصل: وإن مَرِضَ المَغْصُوبُ ثم بَرأَ، أو ابْيَضَّتْ عَيْنُه ثم ذَهَبَ بَيَاضُهَا، أو غَصَبَ جارِيَةً حَسْنَاءَ فسَمِنَتْ سِمَنًا نَقَصَها، ثم خَفَّ سِمَنُها فعادَ حُسْنُها وقِيمَتُها رَدَّها ولا ضَمَانَ عليه؛ لأنَّه لم يَذْهَبْ مالَهُ قِيمَةٌ، والعَيْبُ الذي أَوْجَبَ الضَّمَانَ زَالَ في يَدَيْهِ. كذلك لو حَمَلَتْ فنَقَصَتْ، ثم وَضَعَتْ فزَالَ نَقْصُها، لم يَضْمَنْ شيئا. فإن رَدَّ المَغْصُوبَ ناقِصًا بمَرَضٍ، أو عَيْبٍ، أو سِمَنٍ مُفْرِطٍ، أو حَمْلٍ، فعليه أَرْشُ نَقْصِه، فإن زَالَ عَيْبُه في يَدَىْ مالِكِه، لم يَلْزَمْهُ رَدُّ ما أخَذَ من أَرْشِه؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ ضَمَانُه بِرَدٍّ (٧)
следующие страницы →