لأنَّه ذَكَرَ شَيْئَيْنِ، ثم أبْدَلَ منهما دِرْهَمًا، فصارَ كأنَّه قال: هما دِرْهَمٌ. وإن قال: دِرْهَمًا. بالنَّصْبِ، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أَحَدُها، يَلْزَمُه دِرْهَمٌ واحِدٌ. وهو قولُ أبى عبدِ اللهِ ابن حامِدٍ، والقاضى؛ لأنَّ "كذا" يَحْتَمِلُ أقَلَّ من دِرْهَمٍ، فإذا عَطَفَ عليه مثلَه، ثم فَسَّرَهُما بِدِرْهَمٍ واحدٍ، جازَ، وكان كَلَامًا صَحِيحًا. وهذا يُحْكَى قَوْلًا لِلشّافِعِىِّ. والوَجْهُ الثاني، يَلْزَمُه دِرْهَمانِ. وهو اخْتِيَارُ أبى الحَسَنِ التَّمِيمىِّ؛ لأنَّه ذَكَرَ جُمْلَتَيْنِ، فإذا فَسّرَ ذلك بِدِرْهَمٍ عادَ التَّفْسِيرُ إلى كلِّ واحِدَةٍ منهما، كقَوْلِه: عِشْرُونَ دِرْهَمًا. يَعُودُ التَّفْسِيرُ إلى العِشْرِينَ، وكذا ههُنا. وهذا يُحْكَى قَوْلًا ثانِيًا للشّافِعِىِّ. والوَجْهُ الثالث، يَلْزَمُه أَكْثَرُ من دِرْهَمٍ. وَلعَلَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ الدِّرْهَمَ تَفْسِيرٌ لِلْجُمْلَةِ التي تَلِيه، فيَلْزَمُه بها دِرْهَمٌ، والأُولَى باقِيَةٌ على إِبْهامِهَا، فيُرْجَعُ (٣٧) في تَفْسِيرِها إليه. وهذا يُشْبِهُ مَذْهَبَ التَّمِيمِىِّ. وقال محمدُ بن الحَسَنِ: إذا قال: كذا دِرْهَمًا. لَزِمَهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ يُفَسَّرُ بالوَاحِدِ المَنْصُوبِ. وإن قال: كذا كذا دِرْهَمًا. لَزِمَهُ أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ [مُرَكَّبٍ يُفَسَّرُ بالوَاحِدِ المَنْصُوبِ. وإن قال: كذا وكذا دِرْهَمًا. لَزِمَهُ أحَدٌ وعِشْرُونَ درهمًا (٣٨)؛ لأنَّه أقلُّ عَدَدٍ] (٣٩) عُطِفَ (٤٠) بعضُه على بعضٍ يُفَسَّرُ بذلك، وإن قال: كذا دِرْهَمٍ. بالجَرِّ، لَزِمَهُ مائةُ دِرْهَمٍ (٤١)؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ يُضَافُ إلى الواحِدِ. وحُكِىَ عن أبي يوسفَ، أنَّه إذا قال: كذا كذا، أو كذا وكذا. يَلْزَمُه بهما أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا. ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ ما قُلْنَا، ويَحْتَمِلُ ما قَالُوه، فوَجَبَ المَصِيرُ إلى ما قُلْنَا؛ لأنَّه اليَقِينَ، وما زَادَ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ، كما لو قال: عَلَىَّ دَرَاهِمُ. لم يَلْزَمْهُ إلَّا أقَلُّ الجَمْعِ، ولا يَلْزَمُ كَثْرَةُ الاسْتِعْمَالِ، فإنَّ اللَّفْظَ إذا كان حَقِيقَةً في الأَمْرَيْنِ، جازَ التَّفْسِيرُ بكُلِّ واحدٍ منهما. وعلى ما ذَكَرَهُ محمدٌ يكونُ
стр. 3537
اللَّفْظُ المُفْرَدُ مُوجِبًا لأَكْثَرَ من المُكَرَّرِ، فإنَّه يَجِبُ بالمُفْرَدِ عِشْرُونَ، وبالمُكرَّرِ (٤٢) أحَدَ عَشَرَ، ولا نَعْرِفُ لَفْظًا مُفْرَدًا مُتَنَاوِلًا لِعَدَدٍ صَحِيحٍ يَلْزَمُ به أكْثَرُ ممَّا يَلْزَمُ بمُكَرَّرِهِ.
فصل: ولو قال: غَصَبْتُكَ، أو غَبَنْتُكَ. لم يَلْزَمْهُ شيءٌ؛ لأنَّه قد يَغْصِبُه نَفْسَه، ويَغْبِنُهُ في غير المالِ. وإن قال: غَصَبْتُكَ شيئا. وفَسَّرَهُ بِغَصْبِ نَفْسِه، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه جَعَلَ له مَفْعُولَيْنِ، فجَعَلَه المَفْعُولَ الأَوَّل وشيئا المَفْعُولَ الثانىَ، ويَجِبُ أن يكونَ الثاني غيرَ الأَوَّلِ. وإن فَسَّرَهُ بمالٍ، قُبِلَ وإن قَلَّ، وإن فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ، أو جِلْدِ مَيْتَةٍ، أو سِرْجِينٍ (٤٣) يُنْتَفَعُ به، قُبِلَ؛ لأنَّه قد يَقْهَرُهُ فَيأْخُذُه منه. وإن فَسَّرَهُ بما لا نَفْعَ فِيه، أو بما لا يُبَاحُ الانْتِفَاعُ به، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ أخْذَ ذلك ليس بِغَصْبٍ.
فصل: وتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ على الإِقْرَارِ بالمَجْهُولِ؛ لأنَّ الإِقْرَارَ به صَحِيحٌ، وما كان صَحِيحًا في نَفْسِه، صَحَّتِ الشّهَادَةُ به، كالمَعْلُومِ.
٨٥٥ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِى رَهْنٌ. فَقَالَ الْمالِكُ: وَدِيعَةٌ: كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ) .
إنَّما قَدَّمَ قَوْلَ المالِكِ؛ لأنَّ العَيْنَ ثَبَتَتْ له بالإِقْرَارِ، وادَّعَى المُقِرُّ دَيْنًا لا يَعْتَرِفُ له به، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. ولأنَّه أقَرَّ بمالٍ لغيرِه، وادَّعَى أنَّ له به (١) تَعَلُّقًا (٢)، فلم يُقْبَلْ، كما لو ادَّعَاهُ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ. وكذلك لو أقَرَّ له بِدَارٍ، وقال: اسْتَأْجَرْتُها. أو بثَوْبٍ وادَّعَى أنَّه قَصَّرَهُ، أو خَاطَهُ بأَجْرٍ يَلْزَمُ المُقِرَّ له، لم يُقبَلْ؛ لأنَّه مُدَّعٍ على غيرِه حَقًّا، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه إلَّا بِبَيِّنَةٍ. وكذلك لو قال: هذه الدَّارُ له، ولِى سُكْنَاهَا سَنَةً.
فصل: وإن قال: لَكَ عَلَىَّ أَلْفٌ من ثَمَنِ مَبِيعٍ لم أَقْبِضْهُ. فقال المُدَّعَى عليه: بَلْ لي عَلَيْكَ أَلْفٌ، ولا شىءَ لك عِنْدِى. فقال أبو الخَطَّابِ: فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما،
стр. 3538
القولُ قولُ المُقَرِّ له؛ لأنَّه اعْتَرَفَ له بالأَلْفِ، وادَّعَى عليه مَبِيعًا، فأَشْبَه ما إذا قال: هذا رَهْنٌ. فقال المالِكُ: وَدِيعَةٌ. أو له عَلَىَّ أَلْفٌ ولِى عنده مَبِيعٌ لم أَقْبِضْهُ. والثانى، القولُ قولُ المُقِرِّ. قال القاضي: هو قِياسُ المَذْهَبِ. وهو قولُ الشّافِعِىِّ، وأبى يوسفَ؛ لأنَّه أقَرَّ بحَقٍّ في مُقَابَلَةِ حَقٍّ له، ولا يَنْفَكُّ أحَدُهما عن الآخَرِ، فإذا لم يُسَلِّمْ له مالَه، لم يُسَلِّمْ لِلْمُقَرِّ له ما عليه، كما لو قال لِرَجُلٍ: بِعْتُكَ هذا العَبْدَ بأَلْفٍ. قال: بَلْ مَلَّكْتَنِيه بغير شيءٍ. وفارَقَ ما لو قال له: عِنْدِى رَهْنٌ. فقال المالِكُ: بل وَدِيعَةٌ؛ لأنَّ الدَّيْنَ يَنْفَكُّ عن الرَّهْنِ. ولو قال السَّيِّدُ لِعَبْدِه: بِعْتُكَ نَفْسَكَ بأَلْفٍ. فأَنْكَرَ العَبْدُ. عُتِقَ، ولا شىءَ لِلْمُقِرِّ؛ لأنَّ العَتْقَ يَنْفَكُّ عن الثَّمَنِ. ولا فَرْقَ بين أن يقولَ: لم أَقْبِضْهُ. مُنْ فَصِلً ا أو مُتَّصِلًا. فلو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ من ثَمَنِ مَبِيعٍ. ثم سَكَتَ، ثم قال: لم أَقْبِضْهُ. فَيُقْبَلُ قَوْله، كما لو كان مُتَّصِلًا؛ لأنَّ إِقْرَارَهُ تَعَلَّقَ بالمَبِيعِ، والأَصْلُ عَدَمُ القَبْضِ، فقبِلَ قَوْلُه فيه. فأمَّا إن قال: عَلَىَّ أَلْفٌ. ثم سَكَتَ، ثم قال: مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ. لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه فَسَّرَ إِقْرَارَه بما يُسْقِطُ وُجُوبَ تَسْلِيمِه بكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ، فلم يُقْبَلْ، كما لم (٣) يُقْبَلْ لو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ. ثم سَكَتَ، ثم قال: مُؤَجَّلٌ.
فصل: وإذا قال: بِعْتُكَ جَارِيَتِى هذه. قال: بَلْ زَوَّجْتَنِيها. فلا يَخْلُو؛ إمَّا أن يكونَ اخْتِلَافُهما قبلَ نَقْدِ الثمَنِ أو بعدَه، وقبلَ الاسْتِيلَادِ أو بعدَه، فإن كان بعدَ اعْتِرَافِ البائِعِ بِقَبْضِ الثمَنِ، فهو مُقِرٌّ بها لِمُدَّعِى الزَّوْجِيَّةِ؛ لأنَّه يَدَّعِى عليه شيئا، والزَّوْجُ يُنْكِرُ أنَّها مِلْكُه، ويَدَّعِى حِلَّها له (٤) بالزَّوْجِيَّةِ، فيَثْبُتُ الحِلُّ؛ لِاتِّفَاقِهِما عليه، ولا تُرَدُّ إلى البائِعِ لِاتِّفَاقِهِما على أنَّه لا يَسْتَحِقُّ أخْذَها. وإن كان قبلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وبعدَ الاسْتِيلَادِ، فالبائِعُ يُقِرُّ أنَّها صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَوَلَدُها حُرٌّ، وأنَّه لا مَهْرَ له، ويَدَّعِى الثّمَنَ، والمُشْتَرِى يُنْكِرُ ذلك كلَّه، فيُحْكَمُ بحُرِّيَّةِ الوَلَدِ؛ لإِقْرَارِ من يُنْسَبُ إليه مِلْكُه بِحُرِّيَّتِه، ولا وَلَاءَ عليه؛ لِاعْتِرَافِه بأنَّه حُرُّ الأَصْلِ، ولا تُرَدُّ الأَمَةُ إلى البائِعِ؛ لإِقْرَارِه
стр. 3539
بأنَّها أُمُّ وَلَدٍ، ولا يجوزُ نَقْلُ المِلْكِ فيها، ويَحْلِفُ المُشْتَرِى أنَّه ما اشْتَرَاها، ويَسْقُطُ عنه ثَمَنُها إلَّا قَدْرَ المَهْرِ؛ فإنَّه يَجِبُ لِاتِّفَاقِهِما على وُجُوبِه، وإن اخْتَلَفَا في سَبَبِه. وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشّافِعِىِّ. وقال بعضُهم: يَتَحَالَفَانِ، ولا يَجِبُ مَهْرٌ ولا ثَمَنٌ. وهو قولُ القاضي، إلَّا أنَّه لا يَجْعَلُ على البائِعِ يَمِينًا؛ لأنَّه لا يَرَى اليَمِينَ في إنْكَارِ النِّكَاحِ، ونَفَقَةُ الوَلَدِ على أبِيهِ؛ لأنَّه حُرٌّ، ونَفَقَةُ الأَمَةِ على زَوْجِها؛ لأنَّه إمَّا زَوْجٌ وإما سَيِّدٌ، وكِلاهما سَبَبٌ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ. وقال القاضي: نَفَقَتُها في كَسْبِها، فإن كان فيه فَضْلٌ فهى مَوْقُوفَةٌ؛ لأنَّنا أَزَلْنا عنها مِلْكَ السَّيِّدِ، وأَثْبَتْنَا لها حُكْمَ الاسْتِيلَادِ. فإن ماتَتْ وتَرَكَتْ مالًا، فلِلْبَائِعِ قَدْرُ ثَمَنِها؛ لأنَّه إمَّا أن يكونَ صَادِقًا فهو يَسْتَحِقُّ على المُشْتَرِى ثَمَنَها، وتَرِكَتُها لِلْمُشْتَرِى، والمُشْتَرِى مُقِرٌّ لِلْبَائِعِ بها، فيَأْخُذُ منها قَدْرَ ما يَدَّعِيه. وإن كان كاذِبًا، فهى مِلْكُه، وتَرِكَتُها كلُّها له، فيَأْخُذُ منها قَدْرَ ما يَدَّعِيهِ، وبَقِيّتُه مَوْقُوفَةٌ (٥). وإن ماتَتْ بعد الوَطْءِ، فقد ماتَتْ حُرَّةً، فمِيرَاثُها لِوَلَدِها ووَرَثَتِها، فإن لم يكُنْ لها وارِثٌ، فمِيرَاثُها مَوْقُوفٌ؛ لأنَّ أحَدًا لا يَدَّعِيه، وليس لِلسَّيِّدِ أن يَأْخُذَ منه قَدْرَ الثَّمَنِ؛ لأنَّه يَدَّعِى الثَّمَنَ على الوَاطِىِء، وليس مِيرَاثُها له؛ لأنَّه قد ماتَ قبلَها. وإن كان اخْتِلافُهما قبلَ الاسْتِيلَادِ، فعِنْدِى أنَّها تُقَرُّ في يَدِ الزَّوْجِ؛ لِاتِّفاقِهِما على حِلِّهَا له، واسْتِحْقَاقِه إمْسَاكَها، وإنَّما اخْتَلَفَا في السَّبَبِ. ولا تُرَدُّ إلى السَّيِّدِ؛ لِاتِّفَاقِهما على تَحْرِيمِها عليه. ولِلْبائِعِ أقَلُّ الأَمْرَيْنِ من الثَّمَنِ أو المَهْرِ؛ لِاتِّفَاقِهِما على اسْتِحْقَاقِه لذلك. والأَمْرُ في الباطِنِ على ذلك؛ فإنَّ السَّيِّدَ إن كان صَادِقًا، فالأَمَةُ حَلَالٌ لِزَوْجِهَا بالبَيْعِ. وإن كان كَاذِبًا، فهى حَلالٌ له بالزَّوْجِيَّةِ. والقَدْرُ الذي اتَّفَقَا عليه، إن كان (٦) السَّيِّدُ صَادِقًا، فهو يَسْتَحِقُّه ثَمَنًا، وإن كان كَاذِبًا، فهو يَسْتَحِقُّه مَهْرًا. وقال القاضي: يَحْلِفُ الزَّوْجُ أنَّه ما اشْتَرَاهَا؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، ويَسْقُطُ عنه الثَّمَنُ، ولا يَحْتاجُ السَّيِّدُ إلى اليَمِينِ على نَفْىِ الزَّوْجِيَّةِ؛ لأنَّه لا يُسْتَحْلَفُ فيه. وعند الشّافِعِىِّ: يَتَحَالَفَانِ
стр. 3540
معًا، ويَسْقُطُ الثمَنُ (٧) عن الزَّوْجِ؛ لأنَّ عَقْدَ البَيْعِ ما ثَبَتَ، ولا يَجِبُ المَهْرُ؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يَدَّعِيه، وتُرَدُّ الجارِيَةُ إلى سَيِّدِها، وفى كَيْفِيَّةِ رُجُوعِهَا وَجْهَانِ؛ أحدُهما، تَرْجِعُ إليه، فيَمْلِكُها ظَاهِرًا وبَاطِنًا، كما يَرْجِعُ البائِعُ في السِّلْعَةِ عندَ فَلَسِ المُشْتَرِى بالثمَنِ؛ لأنَّ الثَّمَنَ ههُنا قد تَعَذَّرَ، فيَحْتَاجُ السَّيِّدُ أن يقولَ: فَسَخْتُ البَيْعَ. وتَعُودُ إليه مِلْكًا. والثانى، تَرْجِعُ إليه في الظَّاهِرِ دُونَ البَاطِنِ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ امْتَنَعَ من أدَاءِ الثَّمَنِ مع إمْكَانِه. فعلَى هذا يَبِيعُها الحاكِمُ ويُوَفِّيه ثَمَنَها، فإن كان وَفْقَ حَقِّهِ، فحَسَنٌ. وإن كان دُونَه، أخَذَهُ، وإن زَادَ، فالزِّيَادَةُ لا يَدَّعِيها أحَدٌ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ يُقِرُّ بها للبائِعِ، والبائِعُ لا يَدَّعِى أكْثَرَ من الثمَنِ الأَوَّلِ، فهل تُقَرُّ في يَدِ المُشْتَرِى، أو تَرْجِعُ إلى بَيْتِ المالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. فإن رَجَعَ البائِعُ، وقال: صَدَقَ خَصْمِى، ما بِعْتُه إيَّاهَا، بل زَوَّجْتُه. لم يُقْبَلْ في إسْقَاطِ حُرِّيّةِ الوَلَدِ، ولا في اسْتِرْجَاعِها إن صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وقُبِلَ في إسْقَاطِ الثَّمَنِ، واسْتِحْقَاقِ المَهْرِ، وأَخْذِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ، واسْتِحْقَاق مِيرَاثِها ومِيرَاثِ وَلَدِها. وإن رَجَعَ الزَّوْجُ، ثَبَتَتِ الحُرِّيةُ، ووَجَبَ عليه الثَّمَنُ.
فصل: ولو أقَرَّ رَجُلٌ بِحُرِّيَةِ عَبْدٍ ثم اشْتَراهُ، أو شَهِدَ رَجُلَانِ بِحُرِّيَةِ عَبْدٍ لغَيْرِهما فرُدَّتْ شَهَادَتُهُما، ثم اشْتَراهُ أحَدُهما من سَيِّدِه، عُتِقَ في الحالِ؛ لِاعْتِرَافِه بأنَّ الذي اشْتَراهُ حُرٌّ، ويكون البَيْعُ صَحِيحًا بالنِّسْبَةِ إلى البائِعِ؛ لأنَّه مَحْكُومٌ له (٨) بِرِقِّه، وفي حَقِّ المُشْتَرِى اسْتِنْقَاذًا واسْتِخْلَاصًا، فإذا صَارَ في يَدِه (٩)، حُكِمَ بِحُرِّيَتِه؛ لإِقْرَارِه السَّابِقِ، ويَصِيرُ كما لو شَهِدَ رَجُلانِ على رَجُلٍ أنَّه طَلَّقَ امْرَأَتَه ثَلَاثًا، فرَدَّ الحاكِمُ شَهادَتَهما، فدَفَعَا إلى الزَّوْجِ عِوَضًا ليَخْلَعَها، صَحَّ، وكان في حَقِّه خُلْعًا صَحِيحًا، وفي حَقِّهِما اسْتِخْلَاصًا، ويكون وَلَاؤُه مَوْقُوفًا؛ لأنَّ أحَدًا لا يَدَّعِيه، فإنَّ البائِعَ يقول: ما أعْتَقْتُه. والمُشْتَرِى يقول: ما أعْتَقْتُه. والمُشْتَرِى يقول: ما أعْتَقَهُ إلَّا البائِعُ وأنا اسْتَخْلَصْتُه. فإن ماتَ وخَلَّفَ مالًا، فرَجَعَ أحَدُهُما عن قَوْلِه، فالمالُ له؛ لأنَّ أحَدًا لا
стр. 3541
يَدَّعِيه سِوَاه، لأنَّ الرَّاجِعَ إن كان البائِعَ، فقال: صَدَقَ المُشْتَرِى، كنتُ أعْتَقْتُه. فالوَلَاءُ له، ويَلْزَمُه رَدُّ الثَّمَنِ إلى المُشْتَرِى؛ لإِقْرَارِه بِبُطْلَانِ البَيْعِ، وإن كان الرَّاجِعُ المُشْتَرِىَ، قُبِلَ في المالِ؛ لأنَّ أحَدًا لا يَدَّعِيه سِوَاهُ، ولا يُقْبَلُ قَوْله في نَفْىِ الحُرِّيةِ؛ لأنَّها حَقٌّ لغيره. وإن رَجَعَا معا، فيَحْتَمِلُ أن يُوقَفَ حتى يَصْطَلِحَا عليه؛ لأنَّه لأَحَدِهما، ولا يَعْرِفُ عَيْنَه. ويَحْتَمِلُ أنَّ مَنْ هو في يَدِه يَحْلِفُ ويَأْخُذُه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ. وإن لم يَرْجِعْ واحِدٌ منهما، ففيه وَجْهَانِ؛ أحدُهما، يُقَرُّ في يَدِ مَن هو في يَدِه، فإن لم يكُنْ في يَدِ أحَدِهما، فهو لِبَيْتِ المالِ؛ لأنَّ أحَدًا لا يَدَّعِيه. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لِبَيْتِ المالِ على كلِّ حالٍ؛ لذلك.
فصل: ولو أقَرَّ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ أو غيرِه، ثم جاءَ به، وقال: هذا الذي أقْرَرْتُ [لك به. قال: بل هو غيرُه. لم يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُه إلى المُقَرِّ له؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه، ويَحْلِفُ المُقِرُّ أنَّه ليس له عندَه عَبْدٌ سِوَاهُ. فإن رَجَعَ المُقَرُّ له، فادَّعاهُ، لَزِمَهُ دَفْعُه إليه؛ لأنَّه لا مُنَازِعَ له فيه. وإن قال المُقَرُّ له: صَدَقْتَ] (١٠)، هذا لِى والذي أَقْرَرْتَ به آخَرُ لي عِنْدَكَ. لَزِمَهُ تَسْلِيمُ هذا، ويَحْلِفُ على نَفْىِ الآخَرِ.
٨٥٦ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ مَاتَ، فخلَّفَ وَلَدَيْنِ، فأقَرَّ أَحَدُهُما بِأَخٍ أوْ أُخْتٍ، لَزِمَهُ أنْ يُعْطِىَ الْفَضْلَ الَّذِى فِي يَدِهِ لِمَنْ أقَرَّ له بِهِ (١))
وجملةُ ذلك أنَّ أحَدَ الوَارِثَيْنِ إذا أقَرَّ بِوَارِثٍ ثَالِثٍ، مُشَارِكٍ لهما في المِيرَاثِ، لم يَثْبُتِ النَّسَبُ بالإِجْمَاعِ؛ لأنَّ النَّسَبَ لا يَتبَعَّضُ، فلا يُمْكِنُ إثْبَاتُه في حَقِّ المُقِرِّ دُونَ المُنْكِرِ، ولا يُمْكِنُ إِثْبَاتُه في حَقِّهِما؛ لأنَّ أحَدَهُما مُنْكِرٌ، ولم تُوجَدْ شَهَادَةٌ يَثْبُتُ بها النَّسَبُ، ولكنَّه يُشَارِكُ المُقِرَّ في المِيرَاثِ، في قولِ أكْثرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال الشّافِعِىُّ: لا يُشَارِكُه. وحُكِىَ ذلك عن ابنِ سِيرِينَ. وقال إبراهيمُ: ليس بشيءٍ حتى يُقِرُّوا جَمِيعًا؛
стр. 3542
لأنَّه لم يَثْبُتْ نَسَبُه، فلا يَرِثُ، كما لو أقَرَّ بِنَسَبِ مَعْرُوفِ النَّسَبِ. ولَنا، أنَّه أقَرَّ بِسَبَبِ مَالٍ لم يُحْكَمْ بِبُطْلَانِه، فلَزِمَه المالُ، كما لو أقَرَّ بِبَيْعٍ أو أقَرَّ بِدَيْنٍ، فأنْكَرَ (٢) الآخَرُ. وفارَقَ ما إذا أقَرَّ بِنَسَبِ مَعْرُوفِ النَّسَبِ؛ فإنَّه مَحْكُومٌ بِبُطْلَانِه. ولأنَّه يُقِرُّ له بمالٍ يَدَّعِيه المُقَرُّ له، ويجوزُ أن يكونَ له، فوَجَبَ الحُكْمُ له به، كما لو أقَرَّ بِدَيْنٍ على أبِيهِ، أو أقَرَّ له وَصِيَّةً، فأنْكَرَ سائِرُ الوَرَثَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الوَاجِبَ له فَضْلُ ما في يَدِ المُقِرِّ عن مِيرَاثِه. وبهذا قال ابنُ أبي لَيْلَى، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والحَسَنُ بن صَالِحٍ، وشَرِيكٌ، ويحيى بن آدمَ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وقال أبو حنيفةَ: إذا كان اثْنَانِ، فأقَرَّ أحَدُهما بأَخٍ، لَزِمَه دَفْعُ نِصْفِ ما في يَدِه، وإن أقَرَّ بأُخْتٍ، لَزِمَهُ ثُلُثُ ما في يَدِه؛ لأنَّ (٣) المُنْكِرَ (٤) أخَذَ ما لا يَسْتَحِقُّه من التَّرِكَةِ، فصَارَ كالغاصِبِ، فيكونُ الباقِى بينهما، كما لو غَصَبَ بعضَ التَّرِكَةِ أجْنَبِىٌّ. ولأنَّ المِيرَاثَ يَتَعَلَّقُ ببعضِ التَّرِكَةِ، كما يَتَعَلَّقُ بجَمِيعِها، فإذا هَلَكَ بعضُها، أو غُصِبَ، تَعَلَّقَ الحَقُّ بِبَاقِيها، والذي في يَدِ المُنْكِرِ كالمَغْصُوبِ، فيَقْتَسِمَانِ الباقِىَ بالسَّوِيَّةِ، كما لو غَصَبَهُ أجْنَبِىٌّ. ولَنا، أنَّ التَّرِكَةَ بينهم أَثْلَاثًا، فلا يَسْتَحِقُّ ممَّا في يَدِه إلَّا الثُّلُثَ، كما لو ثَبَتَ نَسَبُه بِبَيِّنَةٍ. ولأنَّه إِقْرَارٌ بِحَقٍّ يَتَعَلَّقُ بحِصَّتِه وحِصَّةِ أخِيهِ، فلا يَلْزَمُه أكْثَرُ ممَّا يَخُصُّه، كالإِقْرَارِ بالوَصِيَّةِ (٥)، وكإقْرَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ على مالِ الشَّرِكَةِ بِدَيْنٍ. ولأنَّه لو شَهِدَ معه بالنَّسَبِ أجْنَبِىٌّ ثَبَتَ، ولو لَزِمَهُ أكْثَرُ من حِصَّتِه لم تُقْبَلْ شَهَادَتُه؛ لِكَوْنِه يَجُرُّ بها نَفْعًا، لكَوْنِه يُسْقِطُ عن نَفْسِه بعضَ ما يَسْتَحِقُّه عليه، ولأنَّه حَقٌّ لو ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ لم يَلْزَمْهُ إلَّا قَدْرُ حِصّتِه، فإذا ثَبَتَ بالإِقْرَارِ لم يَلْزَمْهُ أكْثَرُ من ذلك، كالوَصِيَّةِ. وفارَقَ ما إذا غَصَبَ بعضَ التَّرِكَةِ وهما اثْنَانِ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ من كلِّ جُزْءٍ من التَّرِكَةِ، وههُنا يَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ
стр. 3543
[من كل جُزْءٍ من التَّرِكَةِ] (٦). ولأَصْحابِ الشّافِعِىِّ فيما إذا كان المُقِرُّ صادِقًا فيما بَيْنَه وبين اللَّه تَعَالَى، هل يَلْزَمُه أن يَدْفَعَ إلى المُقَرِّ له نَصِيبَهُ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، يَلْزَمُه. وهو الأَصَحُّ، وهل يَلْزَمُه أن يَدْفَعَ إليه نِصْفَ ما في يَدِه أو ثُلُثَه؟ [فيه وَجْهان] (٧).
فصل: وإن أقَرَّ جَمِيعُ الوَرَثَةِ بِنَسَبِ مَنْ يُشَارِكُهم في المِيرَاثِ، ثَبَتَ نَسَبُه، سواءٌ كان الوَرَثَةُ واحِدًا أو جَمَاعَةً، ذَكَرًا أو أُنْثَى. وبهذا قال الشّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ، وحَكَاهُ عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ المَيِّتِ في مِيرَاثِه، ودُيُونِه، والدُّيُونِ التي عليه، وبَيِّنَاتِه، ودَعَاوِيه، والأَيْمانِ التي له وعليه (٨)، وكذلك في النَّسَبِ. وقد رَوَتْ عائِشَةُ، أن سَعْدَ بن أبي وَقّاصٍ اخْتَصَمَ هو وعَبْدُ بن زَمْعَةَ في ابنِ أمَةِ زَمْعَة، فقال سَعْدٌ: أَوْصَانِى أَخِى عُتْبَةُ إذا قَدِمْتُ مَكّةَ أن أَنْظُرَ إلى ابنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، وأَقْبِضَه، فإنَّه ابْنُه. فقال عَبْدُ بن زَمْعَةَ: هو (٩) أَخِى، وابنُ وَلِيدَةِ أبِى، وُلِدَ على فِرَاشِه. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "هُوَ لَكَ يا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ". فقَضَى به لِعَبْد بن زَمْعَةَ. وقال: "احْتَجِبِى مِنْهُ يا سَوْدَةُ" (١٠). والمَشْهُورُ عن أبي حنيفةَ أنَّه لا يَثْبُتُ إلَّا بإِقْرَارِ
стр. 3544
رَجُلَيْنِ، أو رَجُلٍ وامْرَأَتَيْنِ. وقال مالِكٌ: لا يَثْبُتُ إلَّا بإِقْرَارِ اثْنَيْنِ؛ لأنَّه يَحْمِلُ النَّسَبَ على غيرِه، فاعْتُبِرَ فيه العَدَدُ، كالشَّهَادَةِ. ولَنا، أنَّه حَقٌّ يَثْبُتُ بالإِقْرَارِ، فلم يُعْتَبَرْ فيه العَدَدُ، كالدَّيْنِ. ولأنَّه قَوْلٌ لا تُعْتَبَرُ فيه العَدَالَةُ، فلم يُعْتَبَرِ العَدَدُ فيه، كإِقْرَارِ المَوْرُوثِ، واعْتِبَارُه بالشَّهَادَةِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يُعْتَبَرُ فيه اللَّفْظُ ولا العَدَالَةُ، ويَبْطُلُ بالإِقْرَارِ بالدَّيْنِ (١١).
فصل في شُرُوطِ الإِقْرَارِ بالنَّسَبِ: لا يَخْلُو إمَّا أن يُقِرَّ على نَفْسِه خاصّةً، أو عليه وعلى غيرِه، فإن أقَرَّ على نَفْسِه، مثل أن يُقِرَّ بوَلَدٍ، اعْتُبِرَ في ثُبُوتِ نَسَبِه أرْبَعَةُ شُرُوطٍ؛ أحدُها، أن يكونَ المُقَرُّ به مَجْهُولَ النَّسَبِ، فإن كان مَعْرُوفَ النَّسَبِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يَقْطَعُ نَسَبَهُ الثّابِتَ من غيرِه، وقد لَعَنَ النبيُّ ﷺ مَن انْتَسَبَ إلى غيرِ أَبِيه، أو تَوَلَّى غيرَ مَوَالِيه (١٢). الثاني، أن لا يُنَازِعَه فيه مُنَازِعٌ؛ لأنَّه إذا نَازَعَهُ فيه غيرُه تَعَارَضَا، فلم يكُنْ إلْحَاقُه بأحَدِهِما أَوْلَى من الآخَرِ. الثالث، أن يُمْكِنَ صِدْقُه، بأن يكونَ المُقَرُّ به
стр. 3545
يَحْتَمِلُ أن يُولَدَ لمِثْلِه. الرابع، أن يكونَ مِمَّنْ لا قَوْلَ له، كالصَّغِيرِ والمَجْنُونِ، أو يُصَدِّقَ المُقِرَّ إن كان ذا قَوْلٍ، وهو المُكَلَّفُ، فإن كان غيرَ مُكَلَّفٍ، لم يُعْتَبَرْ تَصْدِيقُه. فإن كَبِرَ وعَقَلَ، فأنْكَرَ، لم يُسْمَعْ إنْكَارُه؛ لأنَّ نَسَبَهُ ثابِتٌ، وجَرَىَ ذلك مَجْرَى مَن ادَّعَى مِلْكَ عَبْدٍ صَغِيرٍ في يَدِه، وثَبَتَ بذلك مِلْكُه، فلما كَبِرَ جَحَدَ ذلك. ولو طَلَبَ إحْلَافَهُ على ذلك، لم يُسْتَحْلَفْ؛ لأنَّ الأَبَ لو عَادَ فجَحَدَ النَّسَبَ، لم يُقْبَلْ منه. وإن اعْتَرَفَ إِنْسَانٌ بأنَّ هذا أَبُوهُ، فهو كاعْتِرَافِه بأنَّه ابْنُه. فأمَّا إن كان إِقْرَارًا عليه وعلى غيرِه، كإِقْرَارٍ بأَخٍ، اعْتُبِرَ فيه الشُّرُوطُ الأَرْبَعَة، وشَرْطٌ خامِسٌ، وهو كَوْنُ المُقِرِّ جَمِيعَ الوَرَثَةِ، فإن كان المُقِرُّ زَوْجًا أو زَوْجَةً لا وَارِثَ معهما، لم يَثْبُتِ النَّسَبُ بإِقْرَارِهِما؛ لأنَّ المُقِرَّ لا يَرِثُ المالَ كلَّه، وإن اعْتَرَفَ به الإِمَامُ معه، ثَبَتَ النَّسَبُ؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَ المُسْلِمِينَ، في مُشَارَكَةِ الوارِثِ وأَخْذِ الباقِى. وإن كان الوَارِثُ بِنْتًا أو أُخْتًا أو أُمًّا أو ذا فَرْضٍ يَرِثُ جَمِيعَ المالِ بالفَرْضِ والرَّدِّ، ثَبَتَ النَّسَبُ بقَوْلِه، كالابْنِ؛ لأنَّه يَرِثُ المالَ كلَّه. وعندَ الشّافِعِىِّ: لا يَثْبُتُ بِقَوْلِه النَّسَبُ؛ لأنَّه لا يَرَى الرَّدَّ، ويَجْعَلُ الباقِىَ لِبَيْتِ المالِ. ولهم فيما إذا وافَقَه الإِمامُ في الإِقْرَارِ وَجْهَانِ. وهذا من فُرُوعِ الرَّدِّ، ويُذْكَرُ في مَوْضِعِه. وإن كانت بِنْتٌ وأُخْتٌ، أو أُخْتٌ وزَوْجٌ، ثَبَتَ النَّسَبُ بقَوْلِهِما؛ لأنَّهما يَأْخُذَانِ المالَ كلَّه. وإذا أقَرَّ بِابْنِ ابْنِه، وابْنُه مَيِّتٌ، اعْتُبِرَ (١٣) فيه الشُّرُوطُ التي تُعْتَبَرُ في الإِقْرَارِ بالأَخِ، وكذلك إن أقَرَّ بعَمٍّ وهو ابنُ جَدِّه، فعلى ما ذَكَرْنَاهُ.
فصل: وإن كان أحَدُ الوَلَدَيْنِ غيرَ وارِثٍ، لكَوْنِه رَقِيقًا، أو مُخَالِفًا لِدِينِ مَوْرُوثِه، أو قاتِلًا، فلا عِبْرَةَ به، وثَبَتَ النَّسَبُ بقَوْلِ الآخَرِ وَحْدَه؛ لأنَّه يحوزُ جَمِيعَ المِيرَاثِ. ثم إن كان المُقَرُّ به يَرِثُ، شَارَكَ المُقِرَّ في المِيرَاثِ، وإن كان غيرَ وارِثٍ، لِوُجُودِ أحَدِ المَوَانِعِ فيه، ثَبَتَ نَسَبُه ولم يَرِثْ؛ وسواءٌ كان المُقِرُّ مُسْلِمًا أو كافِرًا.
стр. 3546
فصل: وإن كان أحَدُ الوَارِثَيْنِ غيرَ مُكَلَّفٍ، كالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، فأقَرَّ المُكَلَّفُ بأَخٍ ثالِثٍ، لم يَثْبُتِ النَّسَبُ بإِقْرَارِه؛ لأنَّه لا يَحُوزُ المِيرَاثَ كلَّه. فإن بَلَغَ الصَّبِىُّ، أو أفَاقَ المَجْنُونُ، فأَقَرَّا به أيضًا، ثَبَتَ نَسَبُه؛ لِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الوَرَثَةِ عليه. وإن أَنْكَرَ، لم يَثْبُت النَّسَبُ. وإن مَاتَا قبلَ أن يَصِيرَا مُكَلَّفَيْنِ، ثَبَتَ نَسَبُ المُقَرِّ به؛ لأنَّه وُجِدَ الإِقْرَارُ من جَمِيعِ الوَرَثَةِ، فإنَّ المُقَرَّ به (١٤) صَارَ جَمِيعَ الوَرَثَةِ. ولو كان الوارِثَانِ بَالِغَيْنِ عاقِلَيْنِ، فأقَرَّ به أحَدُهما وأنْكَرَ الآخَرُ، ثم ماتَ المُنْكِرُ ووَرِثَهُ المُقِرُّ، ثَبَتَ نَسَبُ المُقَرِّ به؛ لأنَّ المُقِرَّ (١٥) صارَ جَمِيعَ الوَرَثَةِ، فأشْبَه ما لو أقَرَّ به ابْتِدَاءً بعدَ مَوْتِ أَخِيهِ، وكما لو كان شَرِيكُه في المِيرَاثِ غيرَ مُكَلَّفٍ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَثْبُتُ النَّسَبُ؛ لأنَّه أنْكَرَهُ بعضُ الوَرَثَةِ، فلم يَثْبُتْ نَسَبُه، كما لو لم يَمُتْ، بِخِلَافِ ما إذا كان شَرِيكُه غيرَ مُكَّلَفٍ، فإنَّه (١٦) لم يُنْكِرْهُ وارِثٌ. وهذا فيما إذا كان المُقِرُّ يَحُوزُ جَمِيعَ المِيرَاثِ بعدَ المَيِّتِ، فإن كان لِلْمَيِّتِ وارِثٌ سِوَاه، أو مَن يُشَارِكُه في المِيرَاثِ، لم يَثْبُت النَّسَبُ بقَوْلِ الباقِى منهما، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه ليس كلَّ الوَرَثَةِ، ويَقُومُ وارِثُ المَيِّتِ الثاني مَقَامَه، فإذا وافَقَ المُقِرَّ في إقْرَارِه ثَبَتَ النَّسَبُ، وإن خَالَفَه لم يَثْبُتْ كالمَوْرُوثِ. وإن خَلَّفَ وَلَدَيْنِ، فأقَرَّ أحَدُهما بأَخٍ، وأنْكَرَهُ الآخَرُ، ثم ماتَ المُنْكِرُ، وخَلَّفَ ابْنًا، فأقَرَّ بالذى أنْكَرَه أَبُوهُ، ثَبَتَ نَسَبُه؛ لإِقْرَارِ جَمِيعِ الوَرَثَةِ به. ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ؛ لإِنْكَارِ المَيِّتِ له.
فصل: وإذا أقَرَّ الوارِثُ بمَن يَحْجُبُه، كأَخٍ أقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ، وأخٍ من أَبٍ أقَرَّ بأَخٍ من أبَوَيْنِ، وابنِ ابْنٍ أقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ، ثَبَتَ نَسَبُ المُقَرِّ به، ووَرِثَ وسَقَطَ المُقِرُّ. وهذا اخْتِيَارُ ابنِ حامِدٍ والقاضى، وقولُ أبى العَبّاسِ بن سُرَيْجٍ. وقال أكْثَرُ أصْحابِ الشّافِعِىِّ: يَثْبُتُ نَسَبُ المُقَرِّ به، ولا يَرِثُ؛ لأنَّ تَوْرِيثَهُ يُفْضِى (١٧) إلى إِسْقَاطِ تَوْرِيثِه،
стр. 3547
فسَقَطَ، بَيَانُه أنَّه لو وَرِثَ لخَرَجَ المُقِرُّ به عن كَوْنِه وَارِثًا، فيَبْطُلُ إِقْرَارُه، ويَسْقُطُ (١٨) نَسَبُ المُقَرِّ به وتَوْرِيثُه، فيُؤَدِّى تَوْرِيثُه إلى إِسْقَاطِ نَسَبِه وتَوْرِيثِه، فأثْبَتْنَا النَّسَبَ دون المِيرَاثِ. ولَنا، أنَّه ابنٌ ثابِتُ النَّسَبِ، لم يُوجَدْ في حَقِّه أحَدُ مَوَانِعِ الإِرْثِ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١٩). أي (٢٠) فيَرِثُ، كما لو ثَبَتَ نَسَبُه بِبَيِّنَةٍ، ولأن ثُبُوتَ النَّسَبِ سَبَبٌ لِلْمِيرَاثِ، فلا يجوزُ قَطْعُ حُكْمِه عنه، ولا يُوَرَّثُ مَحْجُوبٌ به مع وُجُودِه وسَلَامَتِه من المَوَانِع. وما احْتَجُّوا به لا يَصِحُّ؛ لأنَّنا إنَّما نَعْتَبِرُ كونَ المُقِرِّ وارِثًا على تَقْدِيرِ عَدَمِ المُقَرِّ به، وخُرُوجُه بالإِقْرَارِ عن الإِرْثِ لا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ، بِدَلِيلِ أنَّ الابْنَ إذا أقَرَّ بأَخٍ فإنَّه يَرِثُ، مع كَوْنِه يَخْرُجُ بإِقْرَارِه عن أن يكون جَمِيعَ الوَرَثَةِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّما يُقْبَلُ إقْرَارُه إذا صَدَّقَهُ المُقَرُّ به، فصَارَ إقْرَارًا من جَمِيعِ الوَرَثَةِ، وإن كان المُقرُّ به طِفْلًا أو مَجْنُونًا، لم يُعْتَبَرْ قولُه، [فقد أقَرَّ كلُّ مَن يُعْتَبَرُ قَوْلُه] (٢١). [قُلْنا: ومثلُه ههُنا، فإنَّه إن كان المُقَرُّ به كَبِيرًا، فلا بُدَّ من تَصْدِيقِه، فقد أقَرَّ به كلُّ مَن يُعْتَبَرُ إقْرَارُه] (٢٢)، وإن كان صَغِيرًا غيرَ مُعْتَبَرِ القَوْلِ، لم يَثْبُتِ النَّسَبُ بقولِ الآخَرِ، كما لو كانا اثْنَين (٢٣) أحَدهُما صَغِيرٌ فأقَرَّ البالِغُ بأَخٍ آخَرَ (٢٤)، لم يُقْبَلْ، ولم يَقُولُوا: إنَّه لا تُعْتَبَرُ مُوَافَقَتُه، كذا ههُنا. ولأنَّه لو كان في يَدِ إنْسَانٍ عَبْدٌ مَحْكُومٌ له بمِلْكِه، فأقَرَّ به لغيرِه، ثَبَتَ لِلمُقَرِّ له، وإنْ كان (٢٥) المُقِرُّ يَخْرُجُ بالإِقْرَارِ عن كَوْنِه مَالِكًا، كذا ههُنا.
فصل: فإن خَلَّفَ ابْنًا، فأقَرَّ بأَخٍ، ثَبَتَ نَسَبُه، ثم إن أقَرَّ بثَالِثٍ، ثَبَتَ نَسَبُه
стр. 3548
أيضًا؛ لأنَّه إِقْرَارٌ من جَمِيعِ الوَرَثَةِ. فإن قال الثالِثُ: الثاني (٢٦) ليس بأخٍ لنا. فقال القاضي: يَسْقُطُ نَسَبُ الثاني؛ لأنَّ الثالِثَ وارِثٌ مُنْكِرٌ لِنَسَبِ الثانِى، فأَشْبَهَ ما لو كان نَسَبُه ثابِتًا قبلَ الثانِى. وفيه وَجْهٌ آخَر: لا يَسْقُطُ نَسَبُه ولا مِيرَاثُه؛ لأنَّ نَسَبَهُ ثَبَتَ بقولِ الأَوَّلِ، [وثَبَتَ مِيرَاثُه، فلا يَسْقُطُ بعدَ ثُبُوتِه] (٢٧)، ولأنَّه أقَرَّ به (٢٨) من هو كلُّ الوَرَثَة حين الإِقْرَارِ، [وثَبَتَ مِيرَاثُه فلا يَسْقُطُ بعد ثُبُوتِه] (٢٩)، ولأنَّ الثانىَ لو أنْكَرَ الثالِثَ، لم يَثْبُتْ نَسَبُه، وإنَّما ثَبَتَ نَسَبُه بإِقْرَارِه، فلا يجوزُ له إِسْقَاطُ نَسَبِ مَن يَثْبُتُ نَسَبُه بقَوْلِه، كالأَوَّلِ، ولأنَّ ذلك يُؤَدِّى إلى إِسْقَاطِ الأَصْلِ بالفَرْعِ الذي يَثْبُتُ به.
فصل: وإن أقَرَّ الابْنُ بأَخَوَيْهِ دَفْعَةً واحِدَةً، فصَدَّقَ كلُّ واحدٍ منهما صَاحِبه، ثَبَتَ نَسَبُهما. وإن تَكَاذَبا، ففيهما وَجْهانِ؛ أحدهما، لا يَثْبُتُ نَسَبُهما. وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما لم يُقِرَّ به كلُّ الوَرَثَةِ. والثانى، يَثْبُتُ نَسَبُهما؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما وُجِدَ الإِقْرَارُ به مِن ثَابِتِ النَّسَبِ، هو كلَّ الوَرَثَةِ حين الإِقْرَارِ، فلم تُعْتَبَرْ مُوَافَقَةُ غيرِه، كما لو كانا صَغِيرَيْنِ. فإن كان أحَدُهما يُصَدِّقُ صَاحِبَه (٣٠) دُونَ الآخَرِ، ثَبَتَ نَسَبُ المُتَّفَقِ عليه منهما، وفى الآخَرِ وَجْهَانِ. وإن كانا تَوْأَمَيْنِ، ثَبَتَ نَسَبُهما، ولم يُلْتَفَتْ إلى إنْكَارِ المُنْكِرِ منهما، سواءٌ تجَاحَدَا معًا، أو جَحَدَ أحَدُهُما صَاحِبَه؛ لأنَّنا نَعْلَمُ كَذِبَهما، فإنَّهما لا يَفْتَرِقَانِ. ولو أقَرَّ الوارِثُ بِنَسَبِ أحَدِهما، ثَبَتَ نَسَبُ الآخَرِ؛ لأنَّهما لا يَفْتَرِقَانِ في النَّسَبِ. وإن أقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرَيْنِ، دَفْعَةً واحِدَةً، ثَبَتَ نَسَبُهما، على الوَجْه الذي يَثْبُتُ فيه نَسَبُ الكَبِيرَيْنِ المُتَجَاحِدَيْنِ. وهل يَثْبُتُ على
стр. 3549
الوَجْهِ الآخَرِ؟ يَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ؛ لأنَّه أقَرَّ به كلُّ الوَرَثَةِ حين الإِقْرَارِ، ولم يَجْحَدْهُ أحَدٌ، فأَشْبَهَ ما لو انْفَرَدَ. ويَحْتَمِلُ ألَّا يَثْبُتَ؛ لأنَّ أحَدَهُما وارِثٌ، ولم يُقِرّ بِصَاحِبِه، فلم يَجْتَمِعْ كلُّ الوَرَثَةِ على الإِقْرَارِ به، ويَدْفَعُ المُقِرُّ إلى كل واحدٍ منهما ثُلُثَ المِيرَاثِ، سواءٌ قُلْنا بِثُبُوتِ النَّسَبِ أو لم نَقُلْ؛ لأنَّه مُقِرٌّ له (٣١) به.
فصل: إذا خَلَّفَ امْرَأةً وأَخًا، فأَقَرَّتِ المَرْأَةُ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ، وأَنْكَرَ الأَخُ، لم يَثْبُتْ نَسَبُه، ودَفَعَتْ إليه ثُمْنَ المِيرَاثِ، وهو الفَضْلَةُ التي في يَدِ الزَّوْجَةِ عن مِيرَاثِها. وإن أقَرَّ به الأَخُ وحدَه، لم يَثْبُتْ نَسَبُه، ودَفَعَ إليه جَمِيعَ ما في يَدِه، وهو ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ المالِ. فإن خَلَّفَ اثْنَيْنِ، فأقَرَّ أحَدُهما بِامْرَأَةٍ لأَبِيهِ، وأنْكَرَ الآخَرُ، لم تَثْبُتِ الزَّوْجِيَّةُ، ويَدْفَعُ إليها ثُمْنَ نِصْفِ المِيرَاثِ. ولأَصْحَابِ الشّافِعِىِّ في هذه المَسْأَلَةِ كَقَوْلِنا؛ لأنَّ الزَّوْجِيَّةَ زَالَتْ بالمَوْتِ، وإنما المُقَرُّ به حَقّها من المِيرَاثِ. ولهم وَجْهٌ آخَر: لاشىءَ لها، وإن كان لِلْمَيِّتِ امْرَأَةٌ أُخْرَى، فلا شىءَ لِلْمُقَرِّ لها؛ لأنَّ الفَضْلَ الذي تَسْتَحِقُّه في يَدِ غيرِ المُقِرِّ. وكذلك ما كان مثلَ هذا، مثل أن يَخْلُفَ أخًا من أبٍ وأخًا من أُمٍّ، فَيُقِرَّ الأَخُ من الأُمِّ بأَخٍ لِلْمَيِّتِ، فلا شىءَ لِلْمُقرِّ به، سواءٌ أقَرَّ بأَخٍ من أبَوَيْنِ، أو من أَبٍ، أو من أُمٍّ، لأنَّ مِيرَاثَه في يَدِ غيرِ المُقِرِّ. وإن أقَرَّ بأَخَوَيْنِ من أُمٍّ، دَفَعَ إليهما ثُلُثَ ما في يَدِه؛ لأنَّه يُقِرُّ أنَّهم شُرَكَاءُ في الثُّلُثِ، لكلِّ واحدٍ منهما تُسْعٌ، وفي يَدِه سُدْسٌ، وهو تُسْعٌ ونِصْفُ تُسْعٍ، فيَفْضُلُ في يَدِه نِصْفُ تُسْعٍ، وهو ثُلُثُ ما في يَدِه.
فصل: وإذا شَهِدَ من الوَرَثَةِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبِ مُشَارِكٍ لهم في المِيرَاثِ، ثَبَتَ نَسَبُه إذا لم يكونا مُتَّهَمَيْنِ. وكذلك إن شَهِدَا على إقْرَارِ المَيِّتِ به. وإن كانا مُتَّهمَيْنِ، كأخَوَيْنِ من أُمٍّ يَشْهَدَانِ بأَخٍ من أَبَوَيْنِ، في مَسْأَلَةٍ فيها زَوْجٌ وأُخْتَانِ من أُبَوَيْنِ، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما؛ لأنَّ ثُبُوتَ نَسَبِه يُسْقِطُ العَوْلَ، فيَتَوَفَّرُ عليهما الثُّلُثُ. وكذلك لو شَهِدا
стр. 3550
بأخٍ من أَبٍ، في مَسْأَلَةٍ معهما أُمٌّ وأُخْتٌ من أبَوَيْنِ وأخْتٌ من أَبٍ، لم تُقْبَلْ شَهَادَتُهما؛ لأنَّ ثُبُوتَ نَسَبِه يُسْقِطُ أُخْتَه، فيذهبُ العَوْلُ من المَسْأَلَةِ. فإنْ لم يكُونَا وَارِثَيْنِ، أو لم يكُنْ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهما، وثَبَتَ النَّسَبُ؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.
فصل: وإن أقَرَّ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبِ مُشَارِكٍ لهما في المِيرَاثِ، وثَمَّ وارِثٌ غَيْرُهما، لم يَثْبُتِ النَّسَبُ، إلَّا أن يَشْهَدَا به، وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَثْبُتُ؛ لأنَّهما بَيِّنَةٌ. ولَنا، أنَّه إِقْرَارٌ من بعضِ الوَرَثَةِ، فلم يَثْبُتْ به النَّسَبُ، كالواحدِ. وفارَقَ الشَّهَادَةَ؛ لأنَّه تُعْتَبَرُ فيها العَدَالَةُ والذُّكُورِيَّةُ، والإِقْرَارُ بِخِلَافِه.
فصل: إذا أقَرَّ بِنَسَبِ مَيِّتٍ (٣٢)، صَغِيرٍ أو مَجْنُونٍ، ثَبَتَ نَسَبُه، ووَرِثَهُ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ نَسَبُه دُونَ مِيرَاثِه؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ في قَصْدِ أَخْذِ مِيراثِه. وقال أبو حنيفةَ: لا يَثْبُتُ نَسَبُه ولا إِرْثُه؛ لذلك. ولَنا، أنَّ عِلَّةَ ثُبُوتِ نَسَبِه في حَيَاتِه الإِقْرَارُ به، وهو مَوْجُودٌ بعدَ المَوْتِ، فيَثْبُتُ به، كحَالَةِ الحَيَاةِ. وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بما (٣٣) إذا كان المُقَرُّ به حَيًّا مُوسِرًا، أو المُقِرُّ فَقِيرًا، فإنَّه يَثْبُتُ نَسَبُه، ويَمْلِكُ المُقِرُّ التَّصَرُّفَ في مالِه، وإِيقَافَه منه على نَفْسِه. وإن كان المُقَرُّ به كَبِيرًا عَاقِلًا، فكذلك في قولِ القاضي، وظَاهِرِ مَذْهَبِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه لا قَوْلَ له، أشْبَهَ الصَّغِيرَ. وفيه وَجْهٌ آخَر، أنَّه لا يَثْبُتُ نَسَبُه؛ لأنَّ نَسَبَ المُكَلَّفِ لا يَثْبُتُ إلَّا بِتَصْدِيقِه، ولم يُوجَدْ. ويُجَابُ عن هذا بأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فإن ادَّعَى نَسَبَ المُكَلَّفِ في حَيَاتِه، فلم يُصَدِّقْهُ حتى ماتَ المُقِرُّ، ثم صَدَّقَه، ثَبَتَ نَسَبُه؛ لأنَّه وُجِدَ الإِقْرَارُ والتَّصْدِيقُ من المُقَرِّ به (٣٤)، فأشْبَه ما لو صَدَّقَه في حَيَاتِه. وقال أبو الخَطَّابِ: وإذا أقَرَّ رَجُلٌ بِزَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ، أو أَقَرَّتْ أن فُلَانًا زَوْجُها، فلم يُصَدِّقْهُ المُقَرُّ به (٣٥) إلَّا بعد مَوْتِه، وَرِثَه؛ لأنَّه وُجِدَ الإِقْرَارُ والتَّصْدِيقُ معا.
стр. 3551
فصل: وإذا خَلَّفَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَابْنًا من غيرِها، فأقَرَّ الابْنُ بأَخٍ له، لم يَثْبُتْ نَسَبُه؛ لأنَّه لم يُقِرَّ به كلُّ الوَرَثَةِ. وهل يَتَوَارَثَانِ؟ فيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يَتَوارَثانِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُقِرُّ أنَّه لا وَارِثَ له سِوَى صَاحِبِه، ولا مُنَازِعَ لهما. والثانى، لا يَتَوارَثانِ؛ لأنَّ النَّسَبَ بينهما لم يَثْبُتْ، فإنْ (٣٦) كان لكلِّ واحدٍ منهما وارِثٌ غيرَ صاحِبِه، لم يَرِثْهُ؛ لأنَّه مُنَازَعٌ في المِيرَاثِ، ولم يَثْبُتْ نَسَبُه.
فصل: وإذا ثَبَتَ النَّسَبُ بالإِقْرَارِ، ثم أَنْكَرَ المُقِرُّ، لم يُقْبَلْ إِنْكَارُه؛ لأنَّه نَسَبٌ ثَبَتَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ فلم يَزُلْ بإِنْكَارِه، كما لو ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أو بالفِرَاشِ، وسواءٌ كان المُقَرُّ به غيرَ مُكَلَّفٍ، أو مُكَلَّفًا، فصَدَّقَ المُقِرَّ. ويَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ نَسَبُ المُكَلَّفِ باتِّفَاقِهِمَا على الرُّجُوعِ عنه؛ لأنَّه ثبَتَ بِاتِّفَاقِهِما، فزَالَ بِرُجُوعِهِما، كالمالِ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه نَسَبٌ ثَبَتَ بالإِقْرَارِ، فأشْبَهَ نَسَبَ الصَّغِيرِ والمَجْنُونِ. وفارَقَ المالَ؛ لأنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لإِثْبَاتِه.
فصل: وإن أقَرَّتِ المَرْأَةُ بِوَلَدٍ، ولم تكُنْ ذاتَ زَوْجٍ [ولا نَسَبٍ] (٣٧)، قُبِلَ إِقْرَارُها. وإن كانت ذاتَ زَوْجٍ، فهل يُقْبَلُ إِقْرَارُها؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهما، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ فيه حَمْلًا لِنَسَبِ الوَلَدِ على زَوْجِها، ولم يُقِرَّ به، أو إلْحَاقًا لِلْعَارِ به بِوِلَادَةِ امْرَأَتِه من غيرِه. والثانية: يُقْبَلُ؛ لأنَّها شَخْصٌ أقَرَّ بِوَلَدٍ يَحْتَمِلُ أن يكونَ منه، فقُبِلَ كالرَّجُلِ. وقال أحمدُ، في رِوَايَةِ ابن مَنْصُورٍ، في امْرَأَةٍ ادَّعَتْ وَلَدًا: فإن كان لها إِخْوَةٌ أو نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، فلا بُدَّ من أن يَثْبُتَ أنَّه ابْنُها، فإن لم يكُنْ لها دافِعٌ فمَن (٣٨) يَحُولُ بينَها وبينه، وهذا لأنَّها متى كانت ذاتَ أَهْلٍ، فالظّاهِرُ أنَّه لا تَخْفَى عليهم وِلَادَتُها، فمتى ادَّعَتْ وَلَدًا لا يَعْرِفُونَه، فالظَّاهِرُ كَذِبُها. ويَحْتَمِلُ أن تُقْبَلَ دَعْوَاها (٣٩) مُطْلَقًا؛ لأنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ له، فأشْبَهَتِ الرَّجُلَ.
стр. 3552
فصل: ولو قَدِمَتِ امْرَأَةٌ من بَلْدِ الرُّومِ، ومعها (٤٠) طِفْلٌ، فأقَرَّ به رَجُلٌ، لَحِقَهُ؛ لِوُجُودِ الإِمْكانِ، وعَدَمِ المُنَازِعِ، لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ دَخَلَ أَرْضَهُم، أو دَخَلَتْ هي دارَ الإِسْلَامِ وَوَطِئَها (٤١)، والنَّسَبُ يُحْتَاطُ لإِثْبَاتِه، ولهذا لو وَلَدَت امْرَأَةُ رَجُلٍ وهو غائِبٌ عنها، بعد عِشْرِينَ سَنَة من غَيْبَتِه، لَحِقَهُ، وإن لم يُعْرَفْ له قُدُومٌ إليها، ولا عُرِفَ لها خُرُوجٌ من بَلَدِهَا.
فصل: وإن أقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ، لم يكُنْ مُقِرًّا بِزَوْجِيَّةِ أُمِّهِ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ، وقال أبو حنيفةَ: إذا كانت مَشْهُورَةً بالحُرِّيَّةِ، كان مُقِرًّا بِزَوْجِيَّتِها؛ لأنَّ أنْسَابَ المُسْلِمِينَ وأحْوَالَهم يَجِبُ حَمْلُها على الصِّحَّةِ، وذلك أن تكونَ وَلَدَتْه منه في نِكَاحٍ صَحِيحٍ. ولَنا، أنَّ الزَّوْجِيَّةَ ليست مُقْتَضَى لَفْظِه ولا مَضْمُونِه، فلم يكُنْ مُقِرًّا بها، كما لو لم تكُنْ مَعْرُوفَةً بالحُرِّيَّةِ. وما ذَكَرُوهُ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النَسَبَ مَحْمُولٌ على الصِّحَّةِ، وقد يُلْحَقُ بالوطْءِ في النِّكَاحِ الفاسِدِ والشُّبْهَةِ، فلا يَلْزَمُهُ بِحُكمِ إِقْرَارِه، ما لم يَتَضَمَّنْهُ لَفْظُه (٤٢)، ولم يُوجِبْهُ.
فصل: وإذا كان له أمَةٌ لها ثلاثةُ أوْلادٍ، لا زَوْجَ لها، ولا أقَرَّ بِوَطْئِها، فقال: أحَدُ هؤلاءِ وَلَدِى. فإِقْرَارُه صَحِيحٌ، ويُطَالَبُ بالبَيَانِ، فإن عَيَّنَ أحَدَهُم ثَبَتَ نَسَبُه وحُرِّيَّتُه، ثم يُسْأَلُ عن كَيْفِيَّةِ الاسْتِيلَادِ، فإن قال: كان (٤٣) بنِكَاحٍ. فعَلَى الولدِ (٤٤) الوَلَاءُ؛ لأنَّه قد مَسَّهُ رِقٌّ، والأُمُّ وَوَلَدَاها الآخَرَانِ رَقِيقٌ قِنٌّ. وإن قال: اسْتَوْلَدْتُها في مِلْكِى. فالمُقَرُّ به حُرُّ الأَصْلِ، لا وَلَاءَ عليه، والأَمَةُ أُمُّ وَلَدٍ. ثم إن كان المُقَرُّ به الأَكْبَرَ، فأخَوَاهُ أَبْنَاءُ أُمّ وَلَدٍ، حُكْمُهما حُكْمُها في العِتْقِ بمَوْتِ سَيِّدِها. وإن كان
стр. 3553
الأَوْسَطَ، فالأَكْبَرُ قِنٌّ، والأَصْغَرُ له حُكْمُ أُمِّهِ، وإن عَيَّنَ الأَصْغَرَ، فأخَوَاهُ رَقِيقٌ قِنٌّ؛ لأنَّها وَلَدَتْهُما قبلَ الحُكْمِ بكَوْنِها أُمَّ وَلَدٍ، وإن قال: هو من وَطْءِ شُبْهَةٍ. فالوَلَدُ حُرُّ الأَصْلِ، وأخَوَاهُ مَمْلُوكَانِ، وإن مَاتَ قبلَ أن يُبَيِّنَ، أُخِذَ وَرَثَتُه بالبَيَانِ، ويَقُومُ بَيَانُهم مَقَامَ بَيَانِه، فإن بَيَّنُوا النَّسَبَ ولم يُبَيِّنُوا الاسْتِيلَادَ، ثَبَتَ النَّسَبُ وحُرِّيَّةُ الوَلَدِ، ولم يَثْبُتْ لِلأُمِّ ولا لِوَلَدَيْها حُكْمُ الاسْتِيلَادِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ من نِكَاحٍ أو وَطْءِ شُبْهَةٍ، وإن لم يُبَيِّنُوا النَّسَبَ، وقالوا: لا نَعْرِفُ ذلك، ولا الاسْتِيلَادَ، فإنَّا نُرِيه القافَةَ (٤٥)، فإن أَلْحَقُوا به واحِدًا منهم أَلْحَقْناهُ، ولا يَثْبُتُ حُكْمُ الاسْتِيلَادِ لغيرِه، فإن لم تكنْ قَافَةٌ أُقْرِعَ بينهم، فمن وَقَعَتْ له القُرْعَةُ عَتَقَ وَوَرِثَ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ، إلَّا أنَّه لا يُوَرِّثُه بالقُرْعَةِ. ولَنا، أنَّه حُرٌّ اسْتَنَدَتْ حُرِّيَّتُه إلى إِقْرَارِ أَبِيه به (٤٦)، فوَرِث، كما لو عَيَّنَهُ في إِقْرَارِه.
فصل: وإذا كان له أَمَتَانِ، لكلِّ واحِدَةٍ منهما وَلَدٌ، فقال: أحَدُ هذَيْنِ وَلَدِى من أَمَتِى. نَظَرْتَ؛ فإن كان لكلّ واحِدَةٍ منهما زَوْجٌ يُمْكِنُ إِلْحاقُ الوَلَدِ به، لم يَصِحَّ إقْرَارُه، وأُلْحِقَ (٤٧) الوَلَدَانِ بالزَّوْجَيْنِ. وإن كان لإِحْدَاهما زَوْجٌ دون الأُخْرَى، انْصَرَفَ الإِقْرارُ إلى وَلَدِ الأُخْرَى؛ لأنَّه الذي يُمْكِنُ إلْحاقُه به، وإن لم يكن لواحِدَةٍ منهما زَوْجٌ، ولكن أقَرَّ السَّيِّدُ بِوَطْئِهِما، صارَتَا فِرَاشًا، ولَحِقَ وَلَدَاهُما به، إذا أمْكَنَ أن يُولَدَا (٤٨) بعدَ وَطْئِه، وإن أمْكَنَ في إحْدَاهما دون الأُخْرَى، انْصَرَفَ الإِقْرارُ إلى مَن أمْكَنَ؛ لأنَّه وَلَدُه حُكْمًا. وإن لم يكُنْ أقَرَّ بِوَطْءِ واحِدَةٍ منهما، صَحَّ إقْرارُه وثَبَتَتْ (٤٩) حُرِّيَّةُ المُقَرِّ به؛ لأنَّه أقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ مع الإِمْكانِ لا مُنَازِعَ له فيه، فلَحِقَهُ نَسَبُه، ثم يُكَلَّفُ البَيَانَ، كما لو طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِه، فإذا بَيَّنَ قُبِلَ بَيَانُه؛ لأنَّ المَرْجِعَ في ذلك إليه، ثم يُطَالَبُ بِبَيَانِ كَيْفِيَّة الوِلَادَةِ، فإن قال: اسْتَوْلَدْتُها في مِلْكِى.
стр. 3554
فالوَلَدُ حُرُّ الأَصْلِ، لا وَلَاءَ عليه، وأُمُّه أُمُّ وَلَدٍ. وإن قال: في نِكَاحٍ. فعَلَى الوَلَدِ الوَلَاءُ؛ لأنَّه مَسَّهُ رِقٌّ، والأَمَّةُ قِنٌّ؛ لأنَّها عَلِقَتْ بمَمْلُوكٍ. وإن قال: بِوَطْءِ شُبْهَةٍ. فالوَلَدُ حُرُّ الأَصْلِ، والأَمَةُ قِنٌّ؛ لأنَّها عَلِقَتْ به (٥٠) في غير مِلْكٍ. وإن ادَّعَتِ الأُخْرَى أنَّها التي اسْتَوْلَدَها، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الاسْتِيلَادِ، فأَشْبَهَ ما لو ادَّعَتْ ذلك من غير إِقْرَارِه بشيءٍ، فإذا حَلَفَ رَقَّتْ ورَقَّ وَلَدُها، وإذا ماتَ وَرِثَهُ وَلَدُه المُقَرُّ به. وإن كانت أمَةً قد صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ عَتَقَتْ أيضًا، وإن لم تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ عَتَقَتْ على وَلَدِها إن كان هو الوارِثَ وَحْدَه، وإن كان معه غيرُه عَتَقَ منها بِقَدْرِ ما مَلَكَ. فإن ماتَ قبلَ أن يُبَيِّنَ، قامَ وَارِثُه مَقَامَهُ في البَيَانِ؛ لأنَّه يَقُومُ مَقَامَهُ في إلْحاقِ النَّسَبِ وغيرِه، فإذا بَيَّنَ كان كما لو بَيَّنَ المَوْرُوثُ، وإن لم يَعْلَم الوارِثُ كَيْفِيَّةَ الاسْتِيلَادِ، ففى الأَمَةِ وَجْهَانِ؛ أحدُهما، يكونُ رَقِيقًا؛ لأنَّ الرِّقَ الأَصْلُ، فلا يَزُولُ بالاحْتِمَالِ. والثانى يُعْتَقُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّها وَلَدَتْهُ في مِلْكِه؛ لأنَّه أقَرَّ بِوَلَدِها وهى في مِلْكِه. وهذا مَنْصُوصُ الشّافِعِىِّ. فإن لم يكُنْ وارِثٌ، أو كان وارِثٌ فلم يُعَيِّنْ، عُرِضَ [على القافَةِ] (٥١)، فإن أَلْحَقَتْ به أحَدَهُما، ثَبَتَ نَسَبُه، وكان حُكْمُه كما لو عَيَّنَ الوارِثُ، فإن لم تكُنْ قَافَةٌ، أو كانتْ فلم تَعْرِفْ، أُقْرِعَ بين الوَلَدَيْنِ، فَيَعْتِقُ أحَدُهما بالقُرْعَةِ؛ لأنَّ لِلْقُرْعَةِ مَدْخَلًا في إِثْبَاتِ الحُرِّيَّةِ. وقِيَاسُ المَذْهَبِ ثُبُوتُ نَسَبِه ومِيرَاثِه، على ما ذَكَرْنا في التي قَبْلَها. وقال الشّافِعِىُّ: لا يَثْبُتُ نَسَبٌ ولا مِيرَاثٌ. واخْتَلَفُوا في المِيرَاثِ، فقال المُزَنِىُّ: يُوقَفُ نَصِيبُ ابنٍ (٥٢)؛ لأنَّنا تَيَقَّنَّا ابْنًا وارِثًا. ولهم وَجْهٌ آخَرُ: لا يُوقَفُ شيءٌ؛ لأنَّه لا يُرْجَى انْكِشَافُه. وقال أبو حنيفةَ: يُعْتَقُ من كل واحِدٍ نِصْفُه، ويُسْتَسْعَى في باقِيه، ولا يَرِثَانِ. وقال ابنُ أبي لَيْلَى مثلَ ذلك، إلَّا أنَّه يَجْعَلُ المِيرَاثَ بينهما نِصْفَيْنِ، ويَدْفَعَانِه في سِعَايَتِهما. والكَلَامُ على قِسْمَةِ الحُرِّيَّةِ والسِّعَايَةِ يَأْتِى في (٥٣) العِتْقِ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
стр. 3555
٨٥٧ - مسألة؛ قال: (وَكَذلِكَ إنْ أقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيه، لَزِمَهُ مِنَ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الوارِثَ إذا أقَرَّ بدَيْنٍ على مَوْرُوثِه، قُبِلَ إِقْرَارُه. بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه. ويَتَعَلَّقُ ذلك بِتَرِكَةِ المَيِّتِ، كما لو أقَرَّ به المَيِّتُ قبلَ مَوْتِه، فإن لم يَخْلُفْ تَرِكَةً، لم يُلْزَم الوارِثُ بشيءٍ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه أدَاءُ دَيْنِه إذا كان حَيًّا مُفْلِسًا، فكذلك إذا كان مَيِّتًا. وإن خَلَفَ تَرِكَةً، تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بها، فإن أحَبَّ الوارِثُ تَسْلِيمَها في الدَّيْنِ، لم يَلْزَمْهُ إلَّا ذلك، وإن أحَبَّ اسْتِخْلَاصَها وإِيفَاءَ الدَّيْنِ من مالِه، فله ذلك، ويَلْزَمُه أقَلُّ الأَمْرَيْنِ من قِيمَتِها أو قَدْرِ الدَّيْنِ بمَنْزِلَةِ الجانِى. وإن كان الوارِثُ واحِدًا، فحُكْمُه ما ذَكَرْنا. وإن كانا اثْنَيْنِ أو أكْثَرَ، وثَبَتَ الدَّيْنُ بإِقْرَارِ المَيِّتِ، أو بَيِّنَةٍ، أو إِقْرَارِ جَمِيعِ الوَرَثَةِ، فكذلك. وإذا اخْتارَ الوَرَثَةُ أخْذَ التَّرِكَةِ وقَضَاءَ الدَّيْنِ من أمْوَالِهِم، فعلى كلِّ واحدٍ منهم من الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِه. وإن أقَرَّ أحَدُهم، لَزِمَهُ من الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِه، والخِيَرَةُ إليه في تَسْلِيمِ نَصِيبِه في الدَّيْنِ أو اسْتِخْلَاصِه. وإذا قَدَّرَهُ من الدَّيْنِ، فإن كانا اثْنَيْنِ، لَزِمَهُ النِّصْفُ، وإن كانوا ثَلَاثَةً، فعليه الثُّلُثُ. وبهذا قال النَّخَعِىُّ، والحَسَنُ، والحَكَمُ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، والشّافِعِىُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يَلْزَمُه جَمِيعُ الدَّيْنِ، أو جَمِيعُ مِيرَاثِه. وهذا آخِرُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ رَجَعَ إليه بعد قَوْلِه كَقَوْلِنا؛ لأنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِه، فلا يَسْتَحِقُّ الوارِثُ منها إلَّا ما فَضَلَ من الدَّيْنِ؛ لِقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١). ولأنَّه يقولُ: ما أخَذَهُ المُنْكِرُ أخَذَهُ (٢) بغيرِ اسْتِحْقَاقٍ. فكان غاصِبًا، فتَعَلَّقَ الدَّيْنُ بما بَقِىَ من التَّرِكَةِ, كما لو غَصَبَهُ أجْنَبِىٌّ. ولَنا، أنَّه لا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ من نِصْفِ المِيرَاثِ، فلا يَلْزَمُه أكْثَرُ من نِصْفِ الدَّيْنِ، كما لو أقَرَّ أَخُوهُ، ولأنَّه إِقْرَارٌ يَتَعَلَّقُ بِحِصَّتِه وحِصَّةِ أَخِيه، فلا يَجِبُ عليه إلَّا ما يَخُصُّه،
стр. 3556
كالإِقْرَارِ بالوَصِيَّةِ، وإقْرَارِ أحَدِ الشَّرِيكَيْنِ على مالِ الشَّرِكَةِ، ولأنَّه حَقٌّ لو ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، أو قَوْلِ المَيِّتِ، أو إقْرَارِ الوَارِثين، لم يَلْزَمْهُ إلَّا نِصْفُه، فلم يَلْزَمْهُ بإِقْرَارِه أَكْثَرُ من نِصْفِه، كالوَصِيَّةِ، ولأنَّ شَهَادَتَهُ بالدَّيْنِ مع غيرِه تُقْبَلُ، ولو لَزِمَهُ أكْثَرُ من حِصَّتِه [لم تُقْبَلْ شَهَادَتُه] (٣)؛ لأنَّه يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا.
فصل: إذا ادَّعَى رَجُلَانِ دارًا بينهما، مَلَكَاهَا بِسَبَبٍ يُوجِبُ الاشْتِرَاكَ (٤)، مثل أن يَقُولَا: وَرِثْناهَا أو ابْتَعْناهَا معا. فأقَرَّ المُدَّعَى عليه بِنِصْفِها لأحَدِهما، فذلك لهما جَمِيعًا؛ لأنَّهما اعْتَرَفا أنَّ الدَّارَ لهما مُشَاعَةً، فإذا غَصَبَ غَاصِبٌ نِصْفَها، كان منهما، والباقِى بينهما، وإن لم يكُونَا ادَّعَيَا شيئا يَقْتَضِى الاشْتِرَاكَ، بل ادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما نِصْفَها، فأقرَّ لأحَدِهما بما ادَّعَاهُ، لم يُشَارِكْهُ الآخَرُ، وكان على خُصُومَتِه؛ لأنَّهما لم يَعْتَرِفَا بالاشْتِرَاكِ، فإن أقَرَّ لأَحَدِهما بالكُلِّ، وكان المُقَرُّ له يَعْتَرِفُ للآخَرِ بالنِّصْفِ، سَلَّمَهُ إليه، وكذلك إن كان قد تَقَدَّمَ إقْرَارُهُ بذلك، وَجَبَ تَسْلِيمُ النِّصْفِ إليه؛ لأنَّ الذي هي في يَدِه قد اعْتَرَفَ له بها، فصَارَ بمَنْزِلَتِه، فيَثْبُتُ لمن يُقِرُّ له، وإن لم يكُنْ اعْتَرَفَ للآخَرِ، وادَّعَى جَمِيعَها، أو ادَّعَى أكْثَرَ من النِّصْفِ، فهو له. فإن قِيلَ: فكَيْفَ يَمْلِكُ جَمِيعَها ولم يَدَّعِ إلَّا نِصْفَها؟ قُلْنا: ليس من شَرْطِ صِحَّةِ الإِقْرَارِ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى، بل مَتَى أقَرَّ الإِنْسَانُ بشيءٍ فصَدَّقَهُ المُقَرُّ له، ثَبَتَ، وقد وُجِدَ التَّصْدِيقُ ههُنا في (٥) النِّصْفِ الذي لم يَسْبِقْ دَعْوَاه، ويجوزُ أن يكونَ اقْتَصَرَ على دَعْوَى أَلْفٍ؛ لأنَّ له حُجَّةً به، أو لأنَّ النِّصْفَ الآخَرَ قد اعْتَرَفَ له به، فادَّعَى النِّصْفَ الذي لم يَعْتَرِفْ به. فإن لم يُصَدِّقْهُ في إقْرَارِه بالنِّصْفِ الذي لم يَدَّعِه، ولم يَعْتَرِفْ به لِلآخَرِ، فَفِيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ؛ أحدُها: يَبْطلُ الإِقْرَارُ به؛ لأنَّه أقَرَّ به لمن لا (٦) يَدَّعِيه. الثاني، يَنْزِعُهُ الحاكِمُ [من يَدِه] (٧)
стр. 3557
حتى يَثْبُتَ لِمُدَّعِيه، ويُؤْجِرُه، ويَحْفَظُ أُجْرَتَه لِمَالِكِه. والثالث، يُدْفَعُ إلى مُدَّعِيه لِعَدَمِ المُنَازِعِ فيه. ومذهبُ الشّافِعِىِّ في هذا ال فَصْلِ كلِّه كنَحْوِ ما ذَكَرْنَا.
٨٥٨ - مسألة؛ قال: (وَكُلُّ مَنْ قُلْت: الْقَوْلُ قَوْلُه. فَلِخَصْمِهِ عَلَيْهِ اليَمِينُ)
يَعْنِى في هذا البابِ وفيما أشْبَهَهُ، مثل أن يقولَ: عِنْدِى أَلْفٌ. ثم قال: وَدَيعَةً. أو قال: عَلَىَّ. ثم قال: وَدِيعَةً. أو قال: له عِنْدِى رَهْنٌ. فقال المالِكُ: وَدِيعَة. ومثل الشَّرِيكِ والمُضَارِبِ والمُنْكِرِ لِلدَّعْوَى، وإذا اخْتَلَفَا في قِيمَةِ الرَّهْنِ أو قَدْرِه، أو قَدْرِ الدَّيْنِ الذي الرَّهْنُ به، وأشْبَاه هذا، فكُلُّ مَن قُلْنا (١): القَوْلُ قولُه. فعليه لِخَصْمِه اليَمِينُ، لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "لَوْ أُعْطِىَ النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وأَمْوَالَهُمْ، ولكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). ولأنَّ اليَمِينَ يُشْرَعُ في حَقِّ مَن ظَهَرَ صِدْقُه، وقَوِىَ جانِبُه، تَقْوِيَةً لِقَوْلِه واسْتِظْهَارًا، والذي جُعِلَ القَوْلُ قولُه كذلك، فيَجِبُ أن تُشْرَعَ اليَمِينُ في حَقِّه.
فصل: إذا أَقَرَّ أنَّه وَهَبَ وأَقْبضَ الهِبَة، أو رَهَنَ وأَقْبَضَ، أو أقَرَّ (٣) أنَّه قَبَضَ ثَمَنَ (٤) المَبِيعِ، أو أجْرَ المُسْتَأْجَرِ، ثم أنْكَرَ ذلك، وسَأَلَ إحْلَافَ خَصْمِه، ففيه رِوَايَتَانِ؛ إحْداهُما، لا يُسْتَحْلَفُ. وهو قولُ أبى حنِيفةَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ دَعْواهُ تَكْذِيبٌ لإِقْرارِه، فلا تُسْمَعُ، كما لو أقَرَّ المُضَارِبُ أنَّه رَبِحَ أَلْفًا، ثم قال: غَلِطْتُ. ولأنَّ الإِقْرَارَ أقْوَى من البَيِّنَةِ، ولو شَهِدَتِ البَيِّنَةُ (٥) فقال: أحْلِفُوه لي مع بَيِّنَتِه. لم يُسْتَحْلَفْ، كذا ههُنا. والثانية، يُسْتَحْلَفُ. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ، وأبى يوسفَ؛ لأنَّ العادَةَ جَارِيَةٌ بالإِقْرَارِ قبلَ القَبْضِ، فيَحْتَمِلُ صِحّةَ ما قالَه، فيَنْبَغِى أن يُسْتَحْلَفَ خَصْمُه لِنَفْى الاحْتِمَالِ.
стр. 3558
ويُفَارِقُ الإِقْرَارُ البَيِّنَةَ لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدهما، أنَّ العادَةَ جَارِيَةٌ بالإِقْرَارِ (٦) بالقَبْضِ قبلَه (٧)، ولم تَجْرِ العادَةُ بالشَّهَادَةِ على القَبْضِ قبلَه؛ لأنَّها تكونُ شَهَادَةَ زُورٍ. والثانى، أنَّ إنْكَارَهُ مع الشَّهَادَةِ طَعْنٌ في البَيِّنَةِ، وتَكْذِيبٌ لها، وفى الإِقْرَارِ بِخِلَافِه. ولم يَذْكُر القاضي في "المُجَرَّدِ" غيرَ هذا الوَجْهِ. وكذلك لو أقَرَّ أنَّه اقْتَرَضَ منه أَلْفًا وقَبَضَها، أو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ. ثم قال: ما كنتُ قَبَضْتُها، وإنَّما أَقْرَرْتُ لأَقْبِضَها. فالحُكْمُ كذلك. ولأنَّه يُمْكِنُ أن يكونَ قد أقَرَّ بِقَبْضِ ذلك بِنَاءً على قولِ وَكِيلِه وظَنِّه، والشَّهَادَةُ لا تجوزُ إلَّا على اليَقِينِ. فأمَّا إن أقَرَّ أنَّه وَهَبَهُ طَعَامًا، ثم قال: ما أقْبَضْتُكَه. وقال المُتَّهِبُ: بل أَقْبَضْتَنِيه. فالقولُ قولُ الواهِبِ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ القَبْضِ. وإن كانت في يَدِ المُتَّهِبِ، فقال: أَقْبَضْتَنِيها. فقال: بل أَخْذْتَها منِّى بغيرِ إِذْنِى. فالقولُ قولُ الواهِبِ أيضًا؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ. وإن كانت حين الهِبَةِ في يَدِ المُتَّهِبِ، لم يُعْتَبَرْ إِذْنُ الواهِبِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ مُضِىُّ مُدَّةٍ يتَأَتَّى القَبْضُ فيها. وعلى مَن قُلْنا: القَوْلُ قَوْلُه. منهما (٦) اليَمِينُ؛ لما ذَكَرْنَا.
٨٥٩ - مسألة؛ قال: (وَالْإِقْرَارُ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، كَالإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ، إذَا كَان لِغَيْرِ وارِثٍ)
هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ. وهو قولُ أَكْثَر أهْلِ العِلْمِ، قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ إِقْرَارَ المَرِيضِ في مَرَضِه لغيرِ الوارِثِ جائِزٌ. وحكى أصْحَابُنا رِوَايةً أُخْرَى؛ أنَّه [لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه إِقْرَارٌ في مَرَضِ المَوْتِ، أشْبَه الإِقْرَارَ لِوَارِثٍ. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوَايَةٌ أُخْرَى أنَّه] (١) لا يُقْبَلُ إِقْرَارُه بِزِيَادَةٍ على الثُّلُثِ؛
стр. 3559
لأنَّه مَمْنُوعٌ من عَطِيَّةِ ذلك لأَجْنَبِىٍّ، كما هو مَمْنُوعٌ من عَطِيَّةِ الوارِثِ، فلا (٢) يَصِحُّ إِقْرَارُه بما لا يَمْلِكُ عَطِيَّتَه، بِخِلَافِ الثُّلُثِ فما دون. ولَنا، أنَّه إِقْرَارٌ غيرُ مُتَّهَمٍ فيه، فقُبِلَ، كالإِقْرَارِ في الصِّحَّةِ، يُحَقِّقُه أنَّ حالَةَ المَرَضِ أَقْرَبُ إلى الاحْتِيَاطِ لِنَفْسِه، وإِبْرَاءِ ذِمَّتِه، وتَحَرِّى الصِّدْق، فكان أَوْلَى بالقَبُولِ. وفارَقَ الإِقْرَارَ لِلْوَارِثِ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ فيه، على ما سَنَذْكُرُه.
فصل: فإن أقَرَّ لأَجْنَبِىٍّ بِدَيْنٍ في مَرَضِه، وعليه دَيْنٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أو إِقْرَارٍ في صِحَّتِه، وفى المال سَعَةٌ لهما، فهما سَوَاءٌ، وإن ضَاقَ عن قَضائِهِما، فظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّهما سَوَاءٌ. وهو اخْتِيَارُ التَّمِيمِىِّ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وذَكَر أبو عُبَيْدٍ أنَّه قولُ أكْثَر (٣) أهْلِ المَدِينَةِ؛ لأنَّهما حَقَّانِ يَجِبُ قَضَاؤُهما من رَأْسِ المالِ، لم يَخْتَصَّ أحَدُهما بِرَهْنٍ، فاسْتَوَيَا، كما لو ثَبَتَا بِبَيِّنَةٍ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَحَاصُّ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ. قال (٤) القاضي: هو قِيَاسُ المَذْهَبِ؛ لنَصِّ أحمدَ في المُفْلِسِ أنَّه إذا أقَرَّ وعليه دَيْنٌ ببَيِّنَةٍ، يَبْدَأُ بالدَّيْنِ الذي بالبَيِّنَةِ. وبهذا قال النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحَابُ الرأى؛ لأنَّه أقَرَّ بعدَ تَعَلُّقِ الحَقِّ بِتَرِكَتِه، فوَجَبَ أن لا يُشَارِكَ المُقَرَّ له مَن ثَبَتَ دَيْنُه بِبَيِّنَةٍ، كغَرِيمِ المُفْلِسِ الذي أقرَّ له بعدَ الحَجْرِ عليه، والدَّلِيلُ على تَعَلُّقِ الحَقِّ بمالِه، مَنْعُه من التَّبَرُّعِ ومن الإِقْرَارِ لوَارِثٍ؛ ولأنَّه مَحْجُورٌ عليه ولهذا لا تَنْفُذُ هِبَاتُه وتَبَرُّعَاتُه، فلم يُشَارِكْ مَن أَقَرَّ له قبل الحَجْرِ، ومن ثَبَتَ دَيْنُه بِبَيِّنَةٍ، كالذى أقَرَّ له المُفْلِسُ. وإن أقَرَّ لهما جَمِيعًا في المَرَضِ، تَسَاوَيَا، ولم يُقَدَّمِ السّابِقُ منهما؛ لأنَّهما اسْتَوَيَا في الحالِ، فأَشْبَها غَرِيمَىِ الصِّحَّةِ.
٨٦٠ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، لَمْ يَلْزَمْ بَاقِى الوَرَثَةِ قَبُولُه إلَّا بِبَيِّنَةٍ)
وبهذا قال شُرَيْحٌ، وأبو هاشمٍ، وابنُ أُذَيْنَةَ (١)، والنَّخَعِىُّ، ويحيى الأَنْصَارِىُّ، وأبو
стр. 3560
حنيفةَ وأَصْحَابُهُ. ورُوِىَ ذلك عن القاسِمِ، وسَالِمٍ. وقال عَطَاءٌ، والحَسَنُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ: يُقْبَلُ؛ لأنَّ مَن صَحَّ الإِقْرَارُ له في الصِّحَّةِ، صَحَّ في المَرَضِ، كالأَجْنَبِىِّ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كالمَذْهَبَيْنِ. وقال مالِكٌ: يَصِحُّ إذا لم يُتَّهَمْ، ويَبْطُلُ إن اتُّهِمَ، كمَن له بِنْتٌ وابنُ عَمٍّ، فأقَرَّ لِابْنَتِه، لم يُقْبَلْ، وإن أقَرَّ لِابْنِ عَمِّه، قُبِلَ؛ لأنَّه لا يُتَّهَمُ في أنَّه يَزْوِى ابنتَه ويُوصِلُ المالَ إلى ابنِ عَمِّه، وعِلَّةُ مَنْعِ الإِقْرَارِ التُّهْمَةُ، فاخْتَصَّ المَنْعُ بِمَوْضِعِهَا (٢). ولَنا، أنَّه إِيصَالٌ لمالِه إلى وَارِثِه بقَوْلِه في مَرَضِ مَوْتِه، فلم يَصِحَّ بغيرِ رِضَى بَقِيَّةِ وَرَثَتِه، كَهِبَتِه، ولأنَّه مَحْجُورٌ عليه في حَقِّه، فلم يَصِحَّ إِقْرَارُه له، كالصَّبِىِّ في حَقِّ جَمِيعِ (٣) النَّاسِ. وفَارَقَ الأَجْنَبِىَّ؛ فإنَّ هِبَتَه له تَصِحُّ. وما ذَكَرَهُ مالِكٌ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ التُّهْمَةَ لا يُمْكِنُ اعْتِبَارُها بِنَفْسِها، فوَجَبَ اعْتِبَارُها بمَظِنَّتِها وهو الإِرْثُ، وكذلك اعْتُبِرَ في الوَصِيَّةِ والتَّبَرُّعِ وغيرِهِما.
فصل: وإن أَقَرَّ لِامْرأَتِه بِمَهْرِ مِثْلِها أو دُونَه، صَحَّ في قَوْلِهِم جَمِيعًا. لا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا إلَّا الشَّعْبِىَّ، قال: لا يجوزُ إقْرَارُه لها؛ لأنَّه إقْرَارٌ لِوَارِثٍ. ولَنا، أنَّه إقْرَارٌ بما تَحَقَّقَ سَبَبُهُ، وعُلِمَ وُجُودُه، ولم تُعْلَم البَرَاءَةُ منه، فأَشْبَهَ ما لو كان عليه دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ، فأقَرَّ بأنَّه لم يُوَفِّه. وكذلك إن اشْتَرَى من وَارِثِه شيئا، فأقَرَّ له بِثَمَنِ مِثْلِه؛ لأنَّ القَوْلَ قولُ المُقَرِّ له، في أنَّه لم يَقبِضْ ثَمَنَهُ. وإن أَقَرَّ لِامْرَأَتِه بِدَيْنٍ سِوَى الصَّدَاقِ، لم يُقْبَلْ. وإن أقَرَّ لها، ثم أبَانَها، ثم (٤) تَزَوَّجَها، وماتَ في (٥) مَرَضِه، لم يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ لها. وقال محمدُ بن الحسنِ: يُقْبَلُ؛ لأنَّها صارَتْ إلى حالٍ لا يُتَّهَمُ فيها، فأَشْبَه ما لو أقَرَّ المَرِيضُ ثم بَرَأَ. ولَنا، أنَّه إِقْرَارٌ لِوَارِثٍ في مَرَضِ المَوْتِ، أشْبَهَ ما لو لم يُبِنْها، وفارَقَ ما إذا صَحَّ من مَرَضِه؛ لأنَّه لا يكونُ مَرَضَ المَوْتِ.
стр. 3561
فصل: وإن أقَرَّ لِوَارِثٍ، فصارَ غيرَ وارِثٍ كرجلٍ أقَرَّ لأَخِيهِ ولا وَلَدَ له، ثم وُلِدَ له ابْنٌ، لم يَصِحّ إِقْرَارُه له. وإن أقَرَّ لغيرِ وارِثٍ، ثم صارَ وارِثًا، صَحَّ إِقْرَارُه له (٦). نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا أقَرَّ لِامْرَأَةٍ بِدَيْنٍ في المَرَضِ، ثم تَزَوَّجَها، جَازَ إِقْرَارُه؛ لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ. وحُكِىَ له قولُ سُفْيَانَ في رَجُلٍ له ابْنَانِ، فأقَرَّ لأَحَدِهِمَا بِدَيْنٍ في مَرَضِه، ثم ماتَ الابْنُ، وتَرَكَ ابْنًا، والأَبُ حَىٌّ، ثم ماتَ بعد ذلك، جَازَ إقْرَارُه. فقال أحمدُ: لا يجوزُ. وبهذا قال عثمانُ البَتِّىُّ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ رِوَايةً أُخْرَى في الصُّورَتَيْنِ مُخَالِفَةً لما قُلْنا. وهو قول سُفْيَانَ الثَّوْرِىّ، والشّافِعِىّ؛ لأنَّه مَعْنًى يُعْتَبَرُ فيه عَدَمُ المِيرَاثِ، فكان الاعْتِبَارُ فيه بِحَالَةِ المَوْتِ، كالوَصِيَّةِ. ولَنا، أنَّه قولٌ تُعْتَبَرُ فيه التُّهْمَةُ، فاعْتُبِرَتْ حالَ وُجُودِه دونَ غيرِه، كالشَّهَادَةِ، ولأنَّه إذا أقَرَّ لغير وارِثٍ، ثَبَتَ الإِقْرَارُ، وصَحَّ؛ لِوُجُودِه من أهْلِه خَالِيًا عن تُهْمَةٍ، فيَثْبُتُ الحَقُّ به، ولم يُوجَدْ مُسْقِطٌ له، فلا يَسْقُطُ. وإذا أقَرَّ لِوَارِثٍ، وَقَعَ باطِلًا؛ لِاقْتِرَانِ التُّهْمَةِ به، فلا يَصِحُّ بعدَ ذلك، ولأنَّه إِقْرَارٌ لِوَارِثٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو اسْتَمَرَّ (٧) المِيرَاثُ. وإن أقَرَّ لغيرِ وارِثٍ، صَحَّ، واسْتَمَرَّ، كما لو اسْتَمَرَّ عَدَمُ الإِرْثِ. أمَّا الوَصِيَّةُ، فإنَّها عَطِيَّةٌ بعد المَوْتِ، فاعْتُبِرَتْ فهِا حالَةُ المَوْتِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
فصل: وإن أقَرَّ لِوَارِثٍ وأَجْنَبِىٍّ، بَطَلَ في حَقِّ الوَارِثِ، وصَحَّ في حَقِّ الأَجْنَبِىِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ في حَقِّ الأَجْنَبِىِّ، كما لو شَهِدَ بِشَهَادَةٍ يَجُرُّ إلى نَفْسِه بعضَها، بَطَلَتْ شَهَادَتُه في الكُلِّ، وكما لو شَهِدَ لِابْنِه وأَجْنَبِىٍّ. وقال أبو حنيفةَ: إن أقَرَّ لهما بِدَيْنٍ من الشَّرِكَةِ، فاعْتَرَفَ الأَجْنَبِىُّ بالشَّرِكَةِ، صَحَّ الإِقْرَارُ لهما، وإن جَحَدَها، صَحَّ له دُونَ الوَارِثِ. ولَنا، أنَّه إِقْرَارٌ لِوَارِثٍ وأَجْنَبِىٍّ، فيَصِحُّ لِلأَجْنَبِىِّ دون الوَارِثِ، كما لو أقَرَّ بِلَفْظَيْنِ، أو كما لو جَحَدَ الأَجْنَبِىُّ الشَّركِةَ. ويُفَارِقُ (٨) الإِقْرَارُ الشَّهَادَةَ؛ لِقُوَّةِ الإِقْرَارِ،
стр. 3562
ولذلك لا تُعْتَبَرُ فيه العَدَالَةُ. ولو أَقَرَّ بشيءٍ له فيه نَفْعٌ، كالإِقْرَارِ بِنَسَبِ مُوسِرٍ، قُبِلَ. ولو أقَرَّ بشيءٍ يَتَضَمَّنُ دَعْوَى على غيرِه، قُبِلَ فيما عليه دون مالَه. كما لو قال لِامْرَأَتِه: خَلَعْتُكِ على أَلْفٍ. بانَتْ بإِقْرَارِه، والقولُ قولُها في نَفْىِ العِوَضِ. وإن قال لِعَبْدِه: اشْتَرَيْتَ نَفْسَكَ مِنِّى بِأَلْفٍ. فكذلك.
فصل: ويَصِحُّ إِقْرَارُ المَرِيض بوَارِثٍ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. والأُخْرَى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه إِقْرَارٌ لِوَارِثٍ، فأَشْبَه الإِقْرَارَ له بمالٍ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه عند الإِقْرَارِ غيرُ وَارِثٍ، فصَحَّ (٩). كما لو لم يَصِرْ وَارِثًا، ويُمْكِنُ بنَاءُ هذه المَسْأَلَةِ على ما إذا أقَرَّ لغيرِ وارِثٍ ثم صَارَ وَارِثًا، فمَن صَحَّحَ الإِقْرَارَ ثَمَّ، صَحَّحَهُ ههُنَا، ومن أَبْطَلَهُ، أَبْطَلَهُ. وإن مَلَكَ ابنَ عَمِّهِ، فأقَرَّ في مَرَضِه أنَّه كان أَعْتَقَهُ في صِحَّتِه، وهو أَقْرَبُ عَصَبَتِه، عَتَقَ، ولم يَرِثْهُ؛ لأنَّ تَوْرِيثَهُ يُوجِبُ إِبْطَالَ الإِقْرَارِ بِحُرِّيَّتِه، وإذا بَطَلَتِ الحُرِّيَّةُ سَقَطَ الإِرْثُ، فصَارَ تَوْرِيثُه سَبَبًا (١٠) إلى إسْقَاطِ تَوْرِيثِه، فأَسْقَطْنَا (١١) التَّوْرِيثَ وَحْدَه. ويَحْتَمِلُ أن يَرِثَ؛ لأنَّه حين الإِقْرارِ غيرُ وارِثٍ، فصَحَّ إِقْرَارُه له (١٢)، كالمَسْأَلَةِ قَبْلَها.
فصل: ويَصِحُّ الإِقْرَارُ من المَرِيضِ بإِحْبَالِ الأَمَةِ؛ لأنَّه يَمْلِكُ ذلك، فمَلَكَ الإِقْرَارَ به. وكذلك كلُّ ما مَلَكَه مَلَكَ الإِقْرَارَ به. فإذا أقَرَّ بذلك، ثم ماتَ، فإن بَيَّنَ أنَّه اسْتَوْلَدَها في مِلْكِه، فوَلَدُه حُرُّ الأَصْلِ، وأُمُّه أُمُّ وَلَدٍ، تَعْتِقُ من رَأْسِ المالِ. وإن قال: من نِكَاحِه، أو وَطْءِ شُبْهَةٍ. لم تَصِر الأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ وعَتَقَ الوَلَدُ، فإن كان من نِكَاحٍ فعليه الوَلَاءُ؛ لأنَّه مَسَّهُ رِقٌّ، وإن قال: من وَطْءِ شُبْهَةٍ. لم تَصِر الأَمَةُ أُمِّ وَلَدٍ. وإن لم يَتَبَيَّن السَّبَبُ، فالأَمَةُ مَمْلُوكَةٌ؛ لأنَّ الأَصْلَ الرِّقُّ، ولم يَثْبُتْ سَبَبُ الحُرِّيَّةِ. ويَحْتَمِلُ أن تَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ اسْتِيلَادُها في مِلْكِه، من قِبَلِ أنَّها مَمْلُوكَتُه، والوِلَادَةُ
стр. 3563
مَوْجُودَةٌ، ولا وَلَاءَ على الوَلَدِ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُه، فلا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ.
فصل: في الأَلْفاظِ التي يَثْبُتُ بها الإِقْرَارُ، إذا قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ. أو قال له: لِى (١٣) عَلَيْكَ أَلْفٌ؟ فقال: نعم، أو أَجَل، أو صَدَقْتَ، أو لعَمْرِى، أو أنا مُقِرٌّ به، أو بما ادَّعَيْتَ، أو بِدَعْوَاكَ. كان مُقِرًّا في جَمِيعِ ذلك؛ لأنَّ هذه الأَلْفَاظَ وُضِعَتْ لِلتَّصْدِيقِ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ (١٤). وإن قال: أليس لي عِنْدَكَ أَلْفٌ؟ قال: بَلَى. كان إقْرارًا صَحِيحًا؛ لأنَّ بَلَى جَوَابٌ لِلسُّؤَالِ بِحَرْفِ النَّفْىِ، قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (١٥). وإن قال: لَكَ عَلَىَّ (١٦) أَلْفٌ في عِلْمِى، أو فيما أعْلَمُ. كان مُقِرًّا به، [لأن ما في عِلْمِه لا يَحْتَمِلُ إلَّا الوُجُوبَ. وإن قال: اقْضِنِى الأَلْفَ الذي لي عَلَيْكَ. قال: نعم. كان مُقِرًّا به] (١٧)؛ لأنَّه تَصْدِيقٌ لما ادَّعَاهُ. وإن قال: اشْتَرِ عَبْدِى هذا. أو أعْطِنِى عَبْدِى هذا. فقال: نعم. كان إِقْرارًا؛ لما ذَكَرْنَا. وإن قال: [لَكَ عَلَىَّ] (١٨) أَلْفٌ إن شاءَ اللهُ تعالى. كان مُقِرًّا به. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال أصْحَابُ الشّافِعِىِّ: ليس بإِقْرَارٍ؛ لأنَّه عَلَّقَ إِقْرَارَهُ على شَرْطٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَلَّقَهُ على مَشِيئَةِ زَيْدٍ، ولأنَّ ما عُلِّقَ على مَشِيئَةِ اللَّه تعالى لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه. ولَنا، أنَّه وَصَلَ إِقْرَارَه بما يَرْفَعُه كلَّه، ولا يَصْرِفُه إلى غيرِ الإِقْرَارِ، فلَزِمَهُ ما أقَرَّ به، وبَطَلَ ما وَصَلَهُ به، كما لو قال: له (١٣) عَلَىَّ أَلْفٌ إلَّا ألْفًا. ولأنَّه عَقَّبَ الإِقْرَارَ بما لا يُفِيدُ حُكْمًا آخَرَ، ولا يَقْتَضِى رَفْعَ الحُكْمِ، أشْبَهَ ما لو قال: له عَلَىَّ ألْفٌ في مَشِيئَةِ اللهِ تعالى. وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إلَّا أن يَشَاءَ اللهُ. صَحَّ الإِقْرَارُ؛ لأنَّه أقَرَّ، ثم عَلَّقَ رَفْعَ
стр. 3564
الإِقْرَارِ على أمْرٍ لا يُعْلَمُ، فلم يَرْتَفِعْ. وإن قال: لَكَ عَلَىَّ أَلْفٌ، إن شِئْتَ، أو إن شَاءَ زَيْدٌ. لم يَصِحَّ الإِقْرَارُ. وقال القاضي: يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقَّبَهُ بما يَرْفَعُه، فصَحَّ الإِقْرَارُ دُونَ ما يَرْفَعُه، كاسْتِثْنَاءِ الكُلِّ، وكما لو قال: إن شَاءَ اللهُ. ولَنا، أنَّه عَلَّقَهُ على شَرْطٍ يُمْكِنُ عِلْمُه، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ، إن شَهِدَ بها فُلَانٌ. وذلك لأنَّ الإِقْرَارَ إِخْبَارٌ بِحَقٍّ سابِقٍ، فلا يَتَعَلَّقُ على شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ. ويُفَارِقُ التَّعْلِيقَ على مَشِيئَةِ اللهِ تعالى، فإنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تعالى تُذْكَرُ في الكَلَامِ تَبَرُّكًا وَصِلَةً وتَفْوِيضًا إلى اللَّه تعالى، لا لِلاشْتِرَاطِ، كقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ (١٩). وقد عَلِمَ اللهُ أنَّهم سَيَدْخُلُونَ بغير شَكٍّ. ويقولُ (٢٠) الناسُ: صَلَّيْنَا إن شَاءَ اللهُ تعالى. مع تَيَقُّنِهِمْ صَلَاتَهُم، بِخِلَافِ مَشِيئَةِ الآدَمِىِّ. الثاني، أنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تعالَى لا تُعْلَمُ إلَّا بِوُقُوعِ الأَمْرِ، فلا يُمْكِنُ وَقْفُ الأَمْرِ على وُجُودِها، ومَشِيئَةُ الآدَمِىِّ يُمْكِنُ العِلْمُ بها، فيُمْكِنُ جَعْلُها شَرْطًا. يَتَوَقَّفُ الأَمْرُ على وُجُودِهَا، والماضِى لا يمْكِنُ وَقْفُه، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الأَمْرِ ههُنا على المُسْتَقْبَلِ، فيكونُ وَعْدًا لا إِقْرَارًا. وإن قال: بِعْتُكَ إن شاءَ اللهُ تعالى، أو زَوَّجْتُكَ إن شاءَ اللهُ تعالى. فقال أبو إسحاقَ بن شَاقْلَا: لا أعْلَمُ خِلَافًا عنه في أنَّه إذا قِيلَ له: قَبِلْتَ هذا النِّكَاحَ؟ فقال: نعم إن شاءَ اللَّه تعالى. أنَّ النِّكَاحَ وَقَعَ به. قال أبو حنيفةَ: ولو قال: بِعْتُكَ بأَلْفٍ إن شِئْتَ. فقال: قد شِئْتُ وقَبِلْتُ. صَحَّ؛ لأنَّ هذا الشَّرْطَ من مُوجِبِ العَقْدِ ومُقْتَضَاهُ، فإنَّ الإِيجَابَ إذا وُجِدَ من البائِعِ كان القَبُولُ إلى مَشِيئَةِ المُشْتَرِى واخْتِيَارِه. وإن قال: له عَلَىَّ ألْفَانِ (٢١) إن قَدِمَ فُلَانٌ. لم يَلْزَمْهُ؛ لأنَّه لم يُقِرَّ بها في الحالِ، وما لا يَلْزَمُه في الحالِ، لا يَصِيرُ واجِبًا عند
стр. 3565
وُجُودِ الشَّرْطِ. وإن قال: إن شَهِدَ فُلَانٌ عَلَىَّ لك بِأَلْفٍ صَدَّقْتُه. لم يكُنْ إِقْرَارًا؛ لأنَّه يَجُوزُ أن يُصَدِّقَ الكاذِبَ. وإن قال: إن شَهِدَ بها فُلَانٌ فهو صَادِقٌ. احْتَمَلَ أن لا يكونَ إقْرَارًا؛ لأنَّه عَلَّقَهُ على شَرْطٍ، فأَشْبَهَتِ التي قَبْلَها. واحْتَمَلَ أن يكونَ إقْرَارًا في الحالِ؛ لأنَّه لا (٢٢) يُتَصَوَّرُ صِدْقُه إذا شَهِدَ بها، إلَّا أن تكونَ ثَابِتَةً في الحال، وقد أَقَرَّ بِصِدْقِهِ. وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ إن شَهِدَ بها فُلَانٌ. لم يكُنْ إقْرَارًا؛ لأنه مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ.
فصل: وإن قال: لِى عَلَيْكَ (٢٣) أَلْفٌ. فقال: أنا أُقِرُّ. لم يكُنْ إقْرَارًا؛ لأنَّه وَعَدَ بالإِقْرَارِ في المُسْتَقْبَلِ. وإن قال: لا أُنْكِرُ. لم يكُنْ إقْرارًا؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ من عَدَمِ الإِنْكَارِ الإِقْرَارُ، فإنَّ بينهما قِسْمًا آخَرَ، وهو السُّكُوتُ عنهما. وإن قال: لا أُنْكِرُ أن تكونَ مُحِقًّا (٢٤). لم يكُنْ إِقْرَارًا؛ لذلك. وإن قال: أنا مُقِرٌّ. ولم يَزِدْ، احْتَمَلَ أن يكونَ مُقِرًّا؛ لأنَّ ذلك عَقِيبُ الدَّعْوَى، فيَنْصَرِف (٢٥) إليها. وكذلك إن قال: أَقْرَرْتُ. قال اللهُ تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ (٢٦). ولم يَقُولُوا: أَقْرَرْنَا بذلك. ولا زَادُوا عليه، فكان منهم إِقْرَارًا. واحْتَمَلَ أن لا يكونَ مُقِرًّا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ غيرَ ذلك، مثل أن يُرِيدَ: أنا مُقِرٌّ بالشَّهَادَةِ، أو ببُطْلَانِ دَعْوَاكَ. وإن قال: لَعَلَّ أو عَسَى. لم يكن مُقِرًّا؛ لأنَّهما لِلتَّرَجِّى. وإن قال: أَظُنُّ أو أحْسَبُ (٢٧) أو أُقَدِّرُ. لم يكُنْ إِقْرَارًا؛ لأنَّ هذه الأَلْفَاظَ تُسْتَعْمَلُ لِلشَّكِّ. وإن قال: خُذْ، أو اتَّزِنْ. لم يكُنْ إقْرارًا (٢٨)؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ: خُذِ الجَوَابَ، أو اتَّزِنْ شَيْئًا آخَرَ. وإن قال: خُذْهَا،
стр. 3566
أو اتَّزِنْها، أو هي صِحَاحٌ. ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما ليس بإِقْرَارٍ؛ لأنَّ الصِّفَةَ تَرْجِعُ إلى المُدَّعِى، ولم يُقِرَّ بِوُجُوبِه، ولأنَّه يَجوزُ أن يُعْطِيَهُ ما يَدَّعِيهِ من غيرِ أن يكونَ وَاجِبًا عليه، فأمْرُهُ بِأَخْذِهَا أَوْلَى أن لا يَلْزَمَ منه الوُجُوبُ. والثانى، يكونُ إِقْرَارًا؛ لأنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى ما تَقَدَّمَ. وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إذا جاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ. أو إذا جاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فلَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ. فقال أصْحَابُنَا: الأَوَّلُ إِقْرَارٌ، والثانى ليس بإِقْرَارٍ. وهذا مَنْصُوصُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه في الأَوَّلِ بَدَأَ بالإِقْرَارِ (٢٩)، ثم عَقَّبَهُ بما لا يَقْتَضِى رَفْعَهُ، لأنَّ قولَه: إذا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ. يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ المَحلَّ، فلا يَبْطُلُ الإِقْرَارُ بأَمْرٍ مُحْتَمِلٍ، وفى الثاني بَدَأَ بالشَّرْطِ [فعَلَّقَ عليه لَفْظًا] (٣٠) يَصْلُحُ للإقْرَارِ ويَصْلُحُ لِلْوَعْدِ، فلا يكونُ إِقْرَارًا مع الاحْتِمَالِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه لا فَرْقَ بينهما؛ لأنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وتَأْخِيرَه سَوَاءٌ، فيكونُ فيهما جميعا وَجْهَانِ.
стр. 3567
[كِتابُ العَارِيَّةِ] (١)
٨٦١ - مسألة؛ قال: (وَالْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ، وإنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهَا المُسْتَعِيرُ)
العَارِيَّةُ: إِبَاحَةُ الانْتِفَاعِ بِعَيْنٍ من أَعْيَانِ المالِ. مُشْتَقَّةٌ (٢) مِن عَارَ الشئُ: إذا ذَهَبَ وجَاءَ. ومنه قِيلَ للبَطَّالِ: عَيَّارٌ؛ لِتَرَدُّدِه في بَطَالَتِه، والعَرَبُ تقولُ: أعَارَهُ، وعَارَهُ. مثل أطَاعَهُ، وطَاعَهُ. والأَصْلُ فيها الكِتَابُ والسُّنَّةُ والإِجْمَاعُ؛ أمَّا الكِتَابُ فقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٣). رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ وابنِ مَسْعُودٍ أنَّهما قالا: العَوَارِىّ. وفَسَّرَها ابنُ مَسْعُودٍ، فقال: القِدْرُ والمِيزَانُ والدَّلْوُ. وأمَّا السُّنَّةُ، فما رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال في خُطْبَةِ عَامِ حَجَّةِ الوَدَاعِ: "العَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ، والدَّيْنُ مَقْضِىٌّ، والمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، والزَّعِيمُ غَارِمٌ". أخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ (٤)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورَوَى صَفْوَانُ بن أُمَيَّةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَعَارَ منه أَدْرُعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فقال: أَغَصْبًا يا محمدُ؟ قال: "بَلْ عَارِيَّة مَضْمُونَةٌ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٥). وأَجْمَعَ المسلمون على جَوازِ العارِيَّةِ واسْتِحْبَابِها، ولأنَّه لمَّا جَازَتْ هِبَةُ الأَعْيَانِ، جَازَتْ هِبَة المَنَافِعِ، ولذلك صَحَّتِ الوَصِيَّةُ بِالأَعْيَانِ والمَنَافِعِ جَمِيعا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ العَارِيَّةَ مَنْدُوبٌ إليها، وليستْ واجِبَةً، في قولِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ، وقيل: هي واجِبَةٌ؛ للآيَةِ، ولما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ (٦) النبيَّ ﷺ قال: "مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّى حَقَّها". الحَدِيث.
стр. 3568
قيل: يا رسُولَ اللَّه: وما حَقُّهَا؟ قال: "إِعَارَةُ دَلْوِهَا، وإِطْرَاقُ فَحْلِها، ومِنْحَةُ لَبَنِها يَوْمَ وِرْدِهَا" (٧). فذَمَّ اللهُ تعالى مانِعَ العَارِيَّةِ، وَتَوَعَدَّهُ رسولُ اللهِ ﷺ بما ذكَر في خَبَرِه. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "إذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ، فَقَدْ قَضَيْتَ ما عَلَيْكَ". رَوَاهُ ابن المُنْذِرِ (٨). ورُوِىَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَيْسَ في الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" (٩). وفي حَدِيثِ الأَعْرَابِىِّ الذي سَأَلَ رسولَ اللهِ ﷺ : ماذا فرَضَ اللهُ عَلَىَّ من الصَّدَقَةِ؟ قال: "الزَّكَاة". فقال: هل عَلَىَّ غيرُها؟ قال: "لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا" (١٠). أو كما قال. والآية فَسَّرَها ابنُ عمرَ والحسنُ البَصْرِىُّ بالزَّكَاةِ، وكذلك زَيْدُ بن أسْلَمَ. وقال عِكْرِمَةُ: إذا جَمَعَ ثَلَاثَتَها فله الوَيْلُ، إذا سَهَا عن الصَّلَاةِ، ورَاءَى، ومَنَعَ الماعُونَ. ويَجِبُ رَدُّ العارِيَّةِ إن كانت باقِيَةً. بغيرِ خِلَافٍ. ويَجِبُ ضَمَانُها إذا كانت تَالِفَةً، تَعَدَّى فيها المُسْتَعِيرُ أو لم يَتَعَدَّ. رُوِىَ ذلك عن (١١) ابنِ عَبَّاسٍ وأبى هُرَيْرَةَ. وإليه ذَهَبَ عَطَاءٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وقال الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وعمرُ بن عبد العَزِيزِ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ: هي أمَانَةٌ لا يَجِبُ ضَمَانُها إلَّا بالتَّعَدِّى؛ لما رَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْتَعِيرِ غَيْرُ المُغِلِّ (١٢)، ضَمَانٌ" (١٣). ولأنَّه قَبَضَها بإِذْنِ
стр. 3569
مَالِكِها، فكانت أمَانَةً، كالوَدِيعَةِ. قالوا: وقولُ النبيِّ ﷺ : "العَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ". يَدُلُّ على أنَّها أمَانَةٌ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١٤). ولَنا، قولُ النبىّ ﷺ ، في حَدِيثِ صَفْوَانَ: "بل عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة". ورَوَى الحَسَنُ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (١٥). وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ولأنَّه أخَذَ مِلْكَ غيرِه لِنَفْعِ نَفْسِه، مُنْفَرِدًا بِنَفْعِه من غيرِ (١٦) اسْتِحْقَاقٍ، ولا إذْنٍ في الإِتْلَافِ، فكان مَضْمُونًا كالغَصْبِ (١٧)، والمَأْخُوذِ على وَجْهِ السَّوْمِ. وحَدِيثُهُم يَرْوِيهِ عُمَرُ بن عبد الجَبَّارِ، عن عُبَيْدِ بن حَسَّانٍ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، وعُمَرُ وعُبَيْدٌ ضَعِيفَانِ. قالَه الدَّارَقُطْنِىُّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ ضَمَانَ المَنَافِعِ والأَجْزَاءِ، وقِيَاسُهم مَنْقُوضٌ بالمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمَ.
فصل: وإن شَرَطَ نَفْىَ الضَّمَانِ، لم يَسْقُطْ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ: يَسْقُطُ. قال أبو الخَطَّابِ. أَوْمَأَ إليه أحمدُ. وهو قولُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ؛ لأنَّه لو أَذِنَ في إِتْلَافِها لم يَجِبْ ضَمَانُها، فكذلك إذا أسْقَطَ عنه ضَمَانَها. وقيل: بل مذهبُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ، أنَّها لا تُضْمَنُ إلَّا أن يَشْتَرِطَ ضَمَانَها فيَجِبُ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ لِصَفْوَانَ: "بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة". ولَنا، أنَّ كلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ، لم يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ، كالمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ أو فاسِدٍ، وما اقْتَضَى الأَمَانَةَ، فكذلك، كالوَدِيعَةِ
стр. 3570
والشَّرِكَةِ والمُضَارَبةِ، والذي كان مِن النبيِّ ﷺ إِخْبَارٌ بِصِفَةِ العارِيَّةِ وحُكْمِهَا. وفارَقَ ما إذا أَذِنَ في الإِتْلَافِ، فإنَّ الإِتْلَافَ فِعْلٌ يَصِحُّ الإِذْنُ فيه، ويَسْقُطُ حُكْمُه، إذْ لا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ مع الإِذْنِ فيه، وإسْقاطُ الضَّمانِ ههُنا نَفْىٌ لِلْحُكْمِ مع وُجُودِ سَبَبِه، وليس ذلك لِلْمالِكِ، ولا يَمْلِكُ الإِذْنَ فيه.
فصل: وإذا انْتَفَعَ بها، ورَدَّهَا على صِفَتِهَا، فلا شىءَ عليه؛ لأنَّ المَنَافِعَ مَأْذُونٌ في إِتْلَافِهَا، فلا يَجِبُ عِوَضُها. وإن تَلِفَ شيءٌ من أَجْزَائِها التي لا تَذْهَبُ بالاسْتِعْمالِ، فعليه ضَمَانُها؛ لأنَّ ما ضُمِنَ جُمْلَتُه ضُمِنَتْ أَجْزَاؤُه، كالمَغْصُوبِ. وأمَّا أَجْزَاؤُها التي تَذْهَبُ بالاسْتِعْمالِ، كخَمْلِ (١٨) المِنْشَفَةِ والقَطِيفَةِ، وخُفِّ الثَّوْبِ يَلْبَسُهُ، ففيه وَجْهَانِ؛ أحدُهما، يَجِبُ ضَمَانُه؛ لأنَّها أَجْزَاءُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٌ، فكانت مَضْمُونَةً، كما لو كانت مَغْصُوبَةً، ولأنَّها أَجْزَاءٌ يَجِبُ ضَمَانُها لو تَلِفَتِ العَيْنُ قبلَ اسْتِعْمالِها، فَتُضْمَنُ إذا تَلِفَتْ وَحْدَها، كسائِر الأَجْزَاءِ. والثانى، لا يَضْمَنُها. وهو قولُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ الإِذْنَ في الاسْتِعْمالِ تَضَمَّنَهُ، فلا يَجِبُ ضَمَانُه، كالمَنَافِعِ، وكما لو أَذِنَ في إِتْلَافِهَا صَرِيحًا. وفارَقَ ما إذا تَلِفَتِ العَيْنُ قبلَ اسْتِعْمَالِها؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَمْيِيزُها من العَيْنِ، ولأنَّه إنَّما أَذِنَ في إِتْلَافِها على وَجْهِ الانْتِفَاعِ، فإذا تَلِفَتْ (١٩) قبلَ ذلك فقد تَلِفَتْ (٢٠) على غيرِ الوَجْهِ الذي أذِنَ فيه، فضَمِنَها، كما لو أجَرَ العَيْنَ المُسْتَعارَةَ، فإنَّه يَضْمَنُ مَنَافِعَها. فإذا قُلْنا: لا يَضْمَنُ الأَجْزَاءَ. فتَلِفَتِ العَيْنُ بعد ذَهَابِهَا بالاسْتِعْمالِ، فإنَّها تُقَوَّمُ حالَ التَّلَفِ؛ لأنَّ الأَجْزَاءَ التالِفَةَ تَلِفَتْ غيرَ مَضْمُونَةٍ، لكَوْنِها مَأْذُونًا في إتْلَافِها، فلا يجوزُ تَقْوِيمُها عليه. وإن قُلْنا: يَجِبُ ضَمَانُ الأَجْزَاءِ. قُوِّمَتِ العَيْنُ قبلَ تَلَفِ أجْزَائِها. وإن تَلِفَتِ العَيْنُ قبلَ ذَهَابِ أجْزَائِها. ضَمِنَها كلَّها بأَجْزَائِها. وكذلك لو تَلِفَتِ الأَجْزَاءُ باسْتِعْمالٍ غيرِ مَأْذُونٍ فيه، مثل أن يُعِيرَه ثَوْبًا
стр. 3571
لِيَلْبَسَهُ، فحَمَلَ فيه تُرَابًا، فإنَّه يَضْمَنُ نَقْصَهُ ومَنَافِعَه؛ لأنَّه تَلِفَ بِتَعَدِّيه. وإن تَلِفَ بغير تَعَدٍّ منه (٢١) ولا اسْتِعْمَالٍ، كتَلَفِهَا لِطُولِ الزَّمَانِ عليها، ووُقُوعِ نارٍ عليها، فيَنْبَغِى أن يَضْمَنَ ما تَلِفَ منها بالنَّارِ ونحوِها؛ لأنَّه تَلَفٌ لم يَتَضَمَّنْهُ (٢٢) الاسْتِعْمالُ المَأْذُونُ فيه، فأَشْبَهَ تَلَفَها بِفِعْلٍ غيرِ مَأْذُونٍ فيه. وما تَلِفَ بمُرُورِ الزَّمَانِ عليه، يكونُ حُكْمُه حُكْمَ ما تَلِفَ بالاسْتِعْمالِ؛ لأنَّه تَلِفَ بالإِمْسَاكِ المَأْذُونِ فيه، فأشْبَهَ تَلَفَهُ بالفِعْلِ المَأْذُونِ فيه.
فصل: فأمَّا وَلَدُ العَارِيَّةِ، فلا يَجِبُ ضَمَانُه، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه لم يَدْخُلْ في الإِعَارَةِ، فلم يَدْخُلْ في الضَّمَانِ، ولا فائِدَةَ لِلْمُسْتَعِيرِ فيه، فأشْبَهَ الوَدِيعَةَ، ويَضْمَنُه في الآخَرِ؛ لأنَّه وَلَدُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، فيُضْمَنُ، كوَلَدِ المَغْصُوبةِ. والأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فإنَّ وَلَدَ المَغْصُوبةِ لا يضْمَنُ إذا لم يكُنْ مَغْصُوبًا. وكذلك وَلَدُ العارِيَّةِ إذا لم يُوجَدْ مع أُمِّهِ. وإنَّما يُضْمَنُ وَلَدُ المَغْصُوبَةِ إذا كان مَغْصُوبًا، فلا أثَرَ لِكَوْنِه وَلَدًا لها.
فصل: ويَجِبُ ضَمَانُ العَيْنِ بِمِثْلِها إن كانتْ من ذَوَاتِ الأَمْثَالِ، فإن لم تَكُنْ مِثْلِيَّةً، ضَمِنَها بِقِيمَتِها يومَ تَلَفِها، إلَّا على الوَجْهِ الذي يَجِبُ فيه ضَمانُ الأَجْزَاءِ التّالِفَةِ بالانْتِفَاعِ المَأْذُونِ فيه، فإنَّه يَضْمَنُها بِقِيمَتِها (٢٣) قبلَ تَلَفِ أَجْزَائِها، إن كانت قِيمَتُها حِينَئِذٍ أكْثَرَ، وإن كانتْ أقَلَّ، ضَمِنَها بِقِيمَتِها يومَ تَلَفِها، على الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
فصل: وإن كانت العَيْنُ باقِيَةً، فعَلَى المُسْتَعِيرِ رَدُّهَا إلى المُعِيرِ أو وَكِيلِه في قَبْضِها، ويَبْرَأُ ذلك من ضَمَانِها. وإن رَدَّها إلى المَكَانِ الذي أخَذَهَا منه، أو إلى مِلْكِ صَاحِبِها، لم يَبْرَأْ من ضَمَانِها. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفَةَ: يَبْرَأُ؛ لأنَّها صَارَتْ كالمَقْبُوضَةِ، فإنَّ رَدَّ العَوَارِىِّ في العَادَةِ يَكونُ إلى أَمْلَاكِ أَرْبَابِها، فيكونُ مَأْذُونًا
стр. 3572
فيه من طَرِيقِ العادَةِ. ولَنا، أنَّه لم يَرُدَّهَا إلى مَالِكِها، ولا نَائِبِه فيها، فلم يَبْرَأْ منها كما لو دَفَعَها إلى أَجْنَبِىٍّ. وما ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بالسَّارِقِ إذا رَدَّ المَسْرُوقَ إلى الحِرْزِ، ولا تُعْرَفُ العَادَة التي ذَكَرَها. وإن رَدَّهَا إلى مَنْ جَرَتْ عَادَتُه بِجَرَيانِ ذلك على يَدَيْهِ، كَزَوْجَتِه المُتَصَرِّفَةِ في مالِه، ورَدِّ الدَّابّةِ إلى سَائِسِها، فقِيَاسُ المَذْهَبِ أنَّه يَبْرَأُ. قالَه القاضي؛ لأنَّ أحمدَ قال في الوَدِيعَةِ: إذا سَلَّمَها المُودعُ إلى امْرأتِه، لم يَضْمَنْها. ولأنَّه مَأْذُونٌ في ذلك عُرْفًا، أشْبَهَ ما لو أُذِنَ فيه نُطْقًا. ومُؤْنَةُ الرَّدِّ على المُسْتَعِيرِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "العَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ". وقوله: "عَلَى اليَدِ ما أخَذَتْ حتى تُؤَدِّيَهُ" (٢٤). وعليه رَدُّها إلى المَوْضِعِ الذي أخَذَها منه؛ إلَّا أن يَتَّفِقَا على رَدِّها إلى غيرِه؛ لأنَّ ما وَجَبَ رَدُّهُ، لَزِمَ رَدُّه إلى مَوْضِعِه، كالمَغْصُوبِ.
فصل: ولا تَصِحُّ العارِيَّةُ إلَّا من جائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في المالِ، فأشْبَهَ التَّصَرُّفَ بالبَيْعِ. وتُعْقَدُ بكلِّ فِعْلٍ أو لَفْظٍ يَدُلُّ عليها، مثل قوله: أعَرْتُكَ هذا. أو يَدْفَعُ إليه شيئا، ويقول: أبَحْتُكَ الانْتِفَاعَ به. أو خُذْ هذا فانْتَفِعْ به. أو يقول: أَعِرْنِى هذا. أو أَعْطِنِيه أرْكَبْه أو أَحْمِلْ عليه. ويُسَلِّمُه إليه. وأشْبَاه هذا؛ لأنَّه إبَاحَةٌ لِلتَّصَرُّفِ، فصَحَّ بالقولِ والفِعْلِ الدّالِّ عليه، كإِبَاحَةِ الطَّعَامِ بِقَوْلِه وتَقْدِيمِه إلى الضَّيْفِ.
فصل: وتجوزُ إعَارَةُ كلِّ عَيْنٍ يُنْتَفَعُ بها مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مع بَقَائِها على الدَّوَامِ، كالدُّورِ، والعَقَارِ، والعَبِيدِ، والجَوَارِى، والدَّوَابِّ، والثِّيَابِ، والحَلْىِ لِلُّبْسِ، والفَحْلِ لِلضِّرَابِ، والكَلْبِ للصَّيْدِ، وغيرِ ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَعَارَ أَدْرُعًا (٢٥)، وذَكَرَ إعَارَةَ دَلْوِهَا وفَحْلِها. وذَكَرَ ابنُ مَسْعُودٍ عَارِيَّةَ القِدْرِ والمِيزَانِ، فيَثْبُتُ الحُكْمُ في هذه الأَشْيَاءِ، وما عداها مَقِيسٌ عليها إذا كان في مَعْناها. ولأنَّ ما جَازَ لِلْمالِكِ اسْتِيفَاؤُه
стр. 3573
من المَنَافِعِ، مَلَكَ إِبَاحَتَهُ إذا لم يَمْنَعْ منه مانِعٌ كالثِّيابِ. ولأنَّها أَعْيَانٌ تجوزُ إِجَارَتُها، فجازَتْ إِعَارَتُها، كالثِّيَابِ. ويجوزُ اسْتِعَارَةُ الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ لِيَزِنَ بها، فإن اسْتَعَارَها لِيُنْفِقَها، فهذا قَرْضٌ. وهذا قولُ أصْحَابِ الرَّأْىِ. وقيل: ليس هذا جَائِزًا، ولا تكون العَارِيَّةُ في الدَّنَانِيرِ، وليس له أن يَشْتَرِىَ بها شيئا. ولَنا، أنَّ هذا مَعْنَى القَرْضِ، فانْعَقَدَ القَرْضُ به، كما لو صَرَّحَ به.
فصل: ولا تَجُوزُ إِعَارَةُ العَبْدِ المُسْلِمِ لِكَافِرٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ تَمْكِينُه من اسْتِخْدامِه، فلم تَجُزْ إِعَارَتُه لذلك، ولا إِعَارَةُ الصَّيْدِ لِمُحْرِمٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ له (٢٦) إِمْسَاكُه، ولا إِعَارَةُ المَرْأَةِ الجَمِيلَةِ لِرَجُلٍ غيرِ مَحْرَمِها، إن كان يَخْلُو بها، أو يَنْظُرُ إليها؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ عليها. وتجوزُ إِعَارَتُها لِامْرَأَةٍ ولذى مَحْرَمِها. ولا تَجُوزُ إعَارَةُ العَيْنِ لِنَفْعٍ مُحَرَّمٍ، كإِعَارَةِ الدّارِ لمن يَشْرَبُ فيها الخَمْرَ، أو يَبِيعُه فيها، أو يَعْصِى اللهَ تعالى فيها، ولا إعارَةُ عَبْدِه للزَّمْرِ، أو لِيَسْقِيَهُ الخَمْرَ، أو يَحْمِلَها له، أو يَعْصِرَها، أو نحو ذلك. ويُكْرَهُ أن يَسْتَعِيرَ وَالِدَيْه لِخِدْمَتِه؛ لأنَّه يُكْرَهُ له اسْتِخْدَامُهُما، فكُرِه اسْتعَارَتُهما لذلك.
فصل: وتجوزُ الإِعَارَةُ مُطْلَقًا ومُقَيَّدًا؛ لأنَّها إِبَاحَةٌ، فجازَ فيها ذلك، كإِباحَةِ الطَّعَامِ. ولأنَّ الجَهَالَةَ إنَّما تُؤَثِّرُ في العُقُودِ اللَّازِمَةِ، فإذا أعَارَهُ شَيْئًا مُطْلَقًا، أُبِيحَ له الانْتِفَاعُ به في كل ما هو مُسْتَعِدٌّ له من الانْتِفَاعِ (٢٧). فإذا أعَارَهُ أَرْضًا مُطْلَقًا، فله أن يَزْرَعَ فيها، ويَغْرِسَ، ويَبْنِىَ، ويَفْعَلَ فيها كلَّ ما هي مُعَدَّةٌ له من الانْتِفَاعِ؛ لأنَّ الإِذْنَ مُطْلَقٌ. وإن أعَارَهُ لِلغِرَاسِ أو لِلْبِنَاءِ، فله أن يَزْرَعَ فيها ما شَاءَ؛ لأنَّ ضَرَرَهُ دون ضَرَرِهما، فكأنَّه اسْتَوْفَى بعضَ ما أَذِنَ له فيه. وإن اسْتَعَارَها لِلزَّرْعِ، لم يَغْرِسْ، ولم يَبْنِ؛ لأنَّ ضَرَرَهما أَكْثَرُ، فلم يكُنِ الإِذْنُ في القَلِيلِ إِذْنًا في الكَثِيرِ. وإن اسْتَعارَها لِلْغِرَاسِ، أو لِلْبِنَاءِ، مَلَكَ المَأْذُونَ فيه منهما دون الآخَرِ؛ لأنَّ ضَرَرَهما مُخْتَلِفٌ. فإنَّ
стр. 3574
ضَرَرَ الغِرَاسِ في باطِنِ الأَرْضِ لِانْتِشَارِ العُرُوقِ فيها، وضَرَرَ البِنَاءِ في ظَاهِرِهَا، فلم يكُنِ الإِذْنُ في أحَدِهِما إذْنًا في الآخَرِ. وإن اسْتَعَارَها لِزَرْعِ الحِنْطَةِ، فله زَرْعُها وزَرْعُ ما هو أقَلُّ ضَرَرًا منها، كالشَّعِيرِ والبَاقِلَّا والعَدَسِ، وله زَرْعُ ما ضَرَرُه كضَرَرِ الحِنْطَةِ؛ لأنَّ الرِّضَى بِزِرَاعَةِ شيءٍ رِضىً بِضَرَرِه، وما هو دونه، وليس له زَرْعُ ما هو أكْثَرُ ضَرَرًا منه، كالذُّرَةِ والدُّخْنِ والقُطْنِ؛ لأنَّ ضَرَرَهُ أكْثَرُ. وحُكْمُ إبَاحَةِ الانْتِفَاعِ في العَارِيَّةِ، كحُكْمِ الانْتِفَاعِ في الإِجَارَةِ فيما له أن يَسْتَوْفِيَهُ، وما يُمْنَعُ منه. وسَنَذْكُرُ في الإِجَارَةِ تَفْصِيلَ ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى. وإن أَذِنَ له في زَرْعِ مَرَّةٍ، لم يكُنْ له أن يَزْرَعَ أكْثَرَ منها. وإنْ أَذِنَ له في غَرْسِ شَجَرَةٍ فانْقَلَعَتْ، لم يكُنْ له غَرْسُ أُخْرَى، وكذلك إن أَذِنَ له في وَضْعِ خَشَبَةٍ (٢٨) على حائِطٍ فانْكَسَرَتْ، لم يَمْلِكْ وَضْعَ أُخْرَى؛ لأنَّ الإِذْنَ إذا اخْتَصَّ بشيءٍ لم يَتَجَاوَزْهُ.
فصل: وإن (٢٩) اسْتَعارَ شَيْئًا، فله اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَتِه بِنَفْسِه وبِوَكِيلِه؛ لأنَّ وَكِيلَه نائِبٌ عنه، ويَدُه كيَدِه. وليس له أن يُؤْجِرَهُ؛ لأنَّه لم يَمْلِك المَنَافِعَ، فلا يَصِحُّ أن يُمَلِّكَها. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. ولا خِلَافَ بينهم أن المُسْتَعِيرَ لا يَمْلِكُ العَيْنَ. وأَجْمَعُوا على أنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ اسْتِعْمَالَ المُعَارِ فيما أُذِنَ له فيه، وليس له أن يُعِيرَه غيرَه. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحَابِ الشّافِعِىِّ. وقالُوا في الآخَرِ: له ذلك. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه يُمَلِّكُه على حَسَبِ ما مَلَكَه، فجازَ كما لِلْمُسْتَأْجِرِ أن يُؤْجِرَ. قال أصْحَابُ الرَّأْىِ: إذا اسْتَعارَ ثَوْبًا لِيَلْبَسَهُ هو، فأَعْطاهُ غيرَه، فَلَبِسَه، فهو ضَامِنٌ. وإن لم يُسَمِّ من يَلْبَسُه، فلا ضَمَانَ عليه. وقال مالِكٌ: إذا لم يَعْمَلْ بها إلَّا الذي كان يَعْمَلُ بها الذي أُعِيرَها، فلا ضَمَانَ عليه. ولَنا، أنَّ العارِيَّةَ إِبَاحَةُ المَنْفَعَةِ، فلم يَجُزْ أن يُبِيحَها غيره كإِبَاحَةِ (٣٠) الطَّعَامِ. وفارَقَ الإِجَارَةَ؛ لأنَّه مَلَكَ الانْتِفَاعَ على كل وَجْهٍ، فمَلَكَ أن
стр. 3575
يُمَلِّكَها، وفى العَارِيَّةِ لم يَمْلِكْها، إنَّما مَلَكَ اسْتِيفَاءَها على وَجْهِ ما أُذِنَ له، فأَشْبَه من أُبِيحَ له أَكْلُ الطَّعَامِ. فعلى هذا، إن أعَارَ فلِلْمالِكِ الرُّجُوعُ بأَجْرِ المِثْلِ، وله أن يُطَالِبَ مَن شَاءَ منهما؛ لأنَّ الأَوَّلَ سَلَّطَ (٣١) غيرَه على أخْذِ مالِ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، والثانى اسْتَوْفَاهُ بغير إِذْنِه، فإن ضَمِنَ الأَوَّلُ رَجَعَ على الثانِى؛ لأنَّ الاسْتِيفَاءَ حَصَلَ منه، فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه، وإن ضَمِنَ الثاني لم يَرْجِعْ على الأَوَّلِ، إلَّا أن يكونَ الثانِى لم يَعْلَمْ بحَقِيقَةِ الحالِ، فيَحْتَمِلُ أن يَسْتَقِرَّ الضَّمَانُ على الأَوَّلِ؛ لأنَّه غَرَّ الثاني، ودَفَعَ إليه العَيْنَ على أنَّه يَسْتَوْفِى مَنَافِعَها بغير عِوَضٍ. وإن تَلِفَتِ العَيْنُ في يَدِ الثاني، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه قَبَضَها على أن تكونَ مَضْمُونَةً عليه، فإن رَجَعَ على الأَوَّلِ، رَجَعَ الأَوَّلُ على الثاني، وإن رَجَعَ على الثاني، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ.
فصل: وإن أعَارَهُ شيئا، وأَذِنَ له في إِجَارَتِه مُدَّةً مَعْلُومةً، أو في إِعَارَتِه مُطْلَقًا، أو مُدَّةً، جازَ، لأنَّ الحَقَّ لمَالِكِه، فجَازَ ما أَذِنَ فيه. وليس له الرُّجُوعُ بعد عَقْدِ الإِجَارَةِ حتى يَنْقَضِىَ؛ لأنَّ عَقْدَ الإِجَارَةِ لازِمٌ، وتكونُ العَيْنُ مَضْمُونَةً على المُسْتَعِيرِ، غيرَ مَضْمُونَةٍ على المُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّ عَقْدَ الإِجَارَةِ لا يُوجِبُ ضَمَانًا. وإن أجَرَه بغيرِ إِذْنٍ، لم تَصِحَّ الإِجَارَةُ، ويكونُ على المُسْتَأْجِرِ الضَّمَانُ، ولِلْمالِكِ تَضْمِينُ مَن شَاءَ منهما، على ما ذَكَرْناهُ في العَارِيَّةِ.
فصل: ويجوزُ أن يَسْتَعِيرَ عَبْدًا لِيَرْهَنَه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعُوا على أنَّ الرَّجُلَ إذا اسْتَعارَ من الرَّجُلِ شيئا يَرْهَنُه عندَ رَجُلٍ، على شيءٍ مَعْلُومٍ، إلى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فرَهَنَ ذلك على ما أَذِنَ له فيه، أنَّ ذلك جائِزٌ؛ وذلك لأنَّه اسْتَعارَهُ لِيَقْضِىَ به حاجَتَهُ، فصَحَّ، كسائِرِ العَوَارِى. ولا يُعْتَبَرُ العِلْمُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وجِنْسِه؛ لأنَّ العَارِيَّةَ لا يُعْتَبَرُ فيها العِلْمُ. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، وأَصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال الشّافِعِىُّ: يُعْتَبَرُ ذلك؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بذلك. ولَنا، أنَّها عَارِيَّةٌ لِجِنْسٍ من النَّفْعِ، فلم تُعْتَبَرْ مَعْرِفَةُ قَدْرِه، كعَارِيَّةِ