خَلَّصَهُ ورَدَّ نَقْصَه، وإنْ لم يُمْكِنْ تَخْلِيصُه، أو كان ذلك يُفْسِدُه، رَجَعَ عليه بمِثْلِه؛ لأنَّه صارَ كالهالِكِ، وإن لم يُفْسِدْه. رَدَّهُ ورَدَّ نَقْصَه. وإن احْتِيجَ في تَخْلِيصِه إلى غَرَامَةٍ، لَزِمَ الغاصِبَ ذلك؛ لأنَّه بِسَبَبِه. ولأَصْحابِ الشّافِعِىّ في هذا ال فَصْلِ نحوُ ما ذَكَرْنَا.
فصل: وإن غَصَبَ ثَوْبًا فصَبَغَهُ، لم يَخْلُ من ثلاثةِ أَقْسامٍ: أَحَدُها، أن يَصْبُغَهُ بِصِبْغٍ له. والثانى، أن يَصْبُغَهُ بِصِبْغٍ لِلْمَغْصُوبِ منه. الثالث، أن يَصْبُغَهُ بِصِبْغٍ لِغَيْرِهِما.
والأَوَّلُ لا يَخْلُو من ثلاثةِ أحْوَالٍ؛ أحَدها، أن يكونَ الثَّوْبُ والصِّبْغُ بحَالِهِما، لم تَزِدْ قِيمَتُهما ولم تَنْقُصْ، مثل إن كانت قِيمَةُ كلِّ واحِدٍ منهما خَمْسَةً، فصَارَتْ قِيمَتُهُما بعدَ الصِّبْغِ عَشَرَةً، فهما شَرِيكانِ؛ لأنَّ الصِّبْغَ عَيْنُ مالٍ له قِيمَةٌ، فإن تَرَاضَيَا بِتَرْكِه لهما، جَازَ، وإن باعَاهُ، فثَمَنُه بينهما نِصْفَيْنِ. الحالُ الثاني، إذا زَادَتْ قِيمَتُهُما، فصَارَا يُسَاوِيَانِ عِشْرِينَ، نَظَرْتَ؛ فإن كان ذلك لزِيَادَةِ الثِّيَابِ في السُّوقِ، كانت الزِّيَادَةُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ، وإن كانت لِزَيَادَةِ الصِّبْغِ في السُّوقِ، فالزِّيَادَةُ لِصَاحِبِه، وإن كانت لِزِيَادَتِهِمَا معا، فهى بينهما على حَسَبِ زِيَادَةِ كلِّ واحدٍ منهما، فإن تَسَاوَيَا في الزِّيَادَةِ في السُّوقِ، تَسَاوَى صَاحِبَاهُما فيهما، وإن زَادَ أحَدُهُما ثمَانِيَةً والآخرُ اثْنَيْنِ، فهى بينهما كذلك، وإن زَادَ بالعَمَلِ، فالزِّيَادَةُ بينهما؛ لأنَّ عَمَلَ الغاصِبِ زَادَ به في الثَّوْبِ والصِّبْغِ، وما عَمِلَهُ في المَغْصُوبِ لِلْمَغْصُوبِ منه إذا كان أثَرًا، وزِيَادَةُ مالِ الغاصِبِ له. وإن نَقَصَتِ القِيمَةُ لِتَغَيُّرِ الأَسْعارِ، لم يَضْمَنْهُ الغاصِبُ؛ لما تَقَدَّمَ. وإن نَقَصَ لأَجْلِ العَمَلِ، فهو على الغاصِبِ؛ لأنَّه بتَعَدِّيه، فإذا صَارَ قِيمَةُ الثَّوْبِ مَصْبُوغًا خَمْسَةً، فهو كلُّه لِمَالِكِه، ولا شىءَ للغاصِبِ؛ لأنَّ النَّقْصَ حَصَلَ بِعُدْوانِه، فكان عليه، وإن صَارَتْ قِيمَتُه سَبْعَةً، صارَ الثَّوْبُ بينهما، لِصَاحِبِه خَمْسَةُ أسْبَاعِه، ولِصَاحِبِ الصِّبْغِ (٣٣) سُبْعَاهُ. وإن زَادَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ في السُّوقِ، فصَارَ يُسَاوِى
стр. 3642
سَبْعَةً، ونَقَصَ الصِّبْغُ، فصَارَ يُسَاوِى ثَلَاثَةً، وكانت قِيمَةُ الثَّوْبِ مَصْبُوغًا عَشَرَةً، فهو بينهما، لِصَاحِبِ الثَّوْبِ سَبْعَةً، ولِصَاحِبِ الصِّبْغِ ثَلَاثَةٌ. وإن سَاوَى اثْنَى عَشَرَ، قُسِمَتْ بينهما، لِصَاحِبِ الثَّوْبِ نِصْفُها وخُمْسُها، ولِلْغَاصِبِ خُمْسُها وعُشْرُها، وإن انْعَكَسَ الحالُ، فصَارَ الثَّوْبُ يُسَاوِى في السُّوقِ ثلاثةً، والصِّبْغُ سَبْعَةً، انْعَكَسَتِ القِسْمَةُ (٣٤)، فصار (٣٥) لِصَاحِبِ الصِّبْغِ ههُنا ما كان لِصَاحِبِ الثَّوْبِ في التي قَبْلَها ولِصَاحِبِ الثَّوْبِ مِثلُ (٣٦) ما كان لِصَاحِبِ الصِّبْغِ؛ لأنَّ زِيَادَةَ السِّعْرِ لا تُضْمَنُ، فإن أرَادَ الغاصِبُ قَلْعَ الصِّبْغِ، فقال أَصْحَابُنَا: له ذلك، سواءٌ أَضَرَّ بالثَّوْبِ أو لم يَضُرّ به (٣٦)، ويَضْمَنُ نَقْصَ الثَّوْبِ إن نَقَصَ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ؛ لأنَّه عَيْنُ مَالِه، فمَلَكَ أخْذَه، كما لو غَرَسَ في أَرْضِ غيرِه. ولم يُفَرِّقْ أصْحَابُنا بين ما يَهْلَكُ صِبْغُهُ بالقَلْعِ، وبين ما لا يَهْلَكُ. ويَنْبَغِى أن يُقَالَ: ما يَهْلَكُ بالقَلْعِ لا يَمْلِكُ قَلْعَه؛ لأنَّه سَفَهٌ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه لا يُمَكَّنُ من قَلْعِه إذا تَضَرَّرَ الثَّوْبُ بِقَلْعِه؛ لأنَّه قال في المُشْتَرِى إذا بَنَى أو غَرَسَ في الأَرْضِ المَشْفُوعَةِ: فله أَخْذُه، إذا لم يكُنْ في أَخْذِه ضَرَرٌ. وقال أبو حنيفةَ: ليس له أَخْذُه؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا بالثَّوْبِ المَغْصُوبِ، فلم يُمَكَّنْ منه، كقَطْعِ خِرْقَةٍ منه، وفارَقَ قَلْعَ الغَرْسِ؛ لأنَّ الضَّرَرَ قَلِيلٌ يَحْصُلُ به نَفْعُ قَلْعِ العُرُوقِ من الأَرْضِ. وإن اخْتَارَ المَغْصُوبُ منه قَلْعَ الصِّبْغِ، ففيه وَجْهَانِ؛ أحدُهما، يَمْلِكُ إِجْبَارَ الغاصِبِ عليه، كما يَمْلِكُ إجْبَارَهُ على قَلْعِ شَجَرَةٍ من أَرْضِه، وذلك لأنَّه شَغَلَ مِلْكَه بمِلْكِه على وَجْهٍ أمْكَنَ تَخْلِيصُه، فلَزِمَهُ تَخْلِيصُه، وإن اسْتَضَرَّ الغاصِبُ، كقَلْعِ الشَّجَرِ، وعلى الغاصِبِ ضَمَانُ نَقْصِ الثَّوْبِ، وأَجْرُ القَلْعِ، كما يَضْمَنُ ذلك في الأَرْضِ. والثانى، لا يَمْلِكُ إِجْبَارَهُ عليه، ولا يُمَكَّنُ من قَلْعِه؛ لأنَّ الصِّبْغَ يَهْلَكُ بالاسْتِخْرَاجِ، وقد أمْكَنَ
стр. 3643
وُصُولُ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه بدُونِه بالبَيْعِ، فلم يُجْبَرْ على قَلْعِه، كقَلْعِ الزَّرْعِ من الأَرْضِ، وفارَقَ الشَّجَرَ، فإنَّه لا يَتْلَفُ بالقَلْعِ. قال القاضي: هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، ولَعَلَّه أخَذَ ذلك من قولِ أحمدَ في الزَّرْعِ، وهذا (٣٧) مُخَالِفٌ لِلزَّرْعِ؛ لأنَّ له غايَةً يَنْتَهِى إليها، ولِصَاحِبِ الأَرْضِ أَخْذُه بِنَفَقَتِه، فلا يَمْتَنِعُ عليه اسْتِرْجَاعُ أَرْضِه في الحالِ، بِخِلَافِ الصِّبْغِ، فإنَّه لا نِهَايَةَ له إلَّا تَلَفُ الثَّوْبِ، فهو أشْبَهُ بالشَّجَرِ في الأَرْضِ. ولا يَخْتَصُّ وُجُوبُ القَلْعِ في الشَّجَرِ بما لا يَتْلَفُ، فإنَّه يُجْبَرُ على قَلْعِ ما يَتْلَفُ وما لا يَتْلفُ. ولأَصْحَابِ الشّافِعِىِّ وَجْهَانِ كهذَيْنِ. وإن بَذَلَ رَبُّ الثَّوْبِ قِيمَةَ الصِّبْغِ للغاصِبِ لِيَمْلِكَه، لم يُجْبَرْ على قَبُولِه؛ لأنَّه إِجْبَارٌ على بَيْعِ مالِه، فلم يُجْبَرْ عليه، كما لو بَذَلَ له قِيمَةَ الغِرَاسِ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْبَرَ على ذلك إذا لم يَقْلَعْهُ، قِيَاسًا على الشَّجَرِ، والبِنَاءِ في الأَرْضِ المَشْفُوعَةِ، والعَارِيَّةِ، وفى الأَرْضِ المَغْصُوبَةِ إذا لم يَقْلَعْهُ الغاصِبُ، ولأنَّه أَمْرٌ يَرْتَفِعُ به النِّزَاعُ، ويَتَخَلَّصُ به أحَدُهُما من صَاحِبِه من غيرِ ضَرَرٍ، فأُجْبِرَ عليه، كما ذَكَرْنا. وإن بَذَلَ الغاصِبُ قِيمَةَ الثَّوْبِ لِصَاحِبِه لِيَمْلِكَهُ، لم يُجْبَرْ على ذلك، كما لو بَذَلَ صاحِبُ الغِرَاسِ قِيمةَ الأَرْضِ لِمَالِكِها في هذه المَوَاضِع. وإن وَهَبَ الغاصِبُ الصِّبْغَ لِمَالِكِ الثَّوْبِ، فهل يَلْزَمُه قَبُولُه؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحَدِهما، يَلْزَمُه؛ لأنَّ الصِّبْغَ صارَ من صِفَاتِ العَيْنِ، فهو كزِيَادَةِ الصِّفَةِ (٣٨) في المُسْلَمِ فيه. الثاني، لا يُجْبَرُ؛ لأنَّ الصِّبْغَ عَيْنٌ يُمْكِنُ إِفْرَادُها، فلم يُجْبَرْ على قَبُولِها. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يُجْبَرُ؛ لأنَّه قال في الصَّدَاقِ: إذا كان ثَوْبًا فصَبَغَه (٣٩)، فبَذَلْتَ له نِصْفَهُ مَصْبُوغًا، لَزِمَهُ قَبُولُه. وإن أرَادَ المالِكُ بَيْعَ الثَّوْبِ، وأبَى الغاصِبُ، فله بَيْعُه؛ لأنَّه مِلْكُه، فلا يَمْلِكُ الغاصِبُ مَنْعَه من بَيْعِ مِلْكِه بِعُدْوَانِه. وإن أرَادَ الغاصِبُ بَيْعَه، لم يُجْبَر المالِكُ على بَيْعِه؛ لأنَّه
стр. 3644
مُتَعَدٍّ، فلم يَسْتَحِقَّ إِزالَةَ مِلْكِ صاحِبِ الثَّوْبِ عنه بِعُدْوانِه. ويَحْتَمِلُ أن يُجْبَرَ لِيَصِلَ الغاصِبُ إلى ثَمَنِ صِبْغِه.
القسم الثاني، أن يَغْصِبَ ثَوْبًا وصِبْغًا من واحِدٍ، فَيَصْبُغَه به، فإن لم تَزِدْ قِيمَتُهُما ولم تَنْقُصْ، رَدَّهُمَا ولا شىءَ عليه. وإن زَادَتِ القِيمَةُ فهى لِلْمالِكِ، ولا شىءَ للغاصِبِ؛ لأنَّه (٤٠) إنَّما له في الصِّبْغِ أثَرٌ لا عَيْنٌ. وإن نَقَصَتْ بالصِّبْغِ، فعلى الغاصِبِ ضَمَانُ النَّقْصِ؛ لأنَّه بِتَعَدِّيه. وإن نَقَصَ لِتَغَيُّرِ الأَسْعَارِ لم يَضْمَنْهُ.
القسم الثالث، أن يغْصِبَ ثَوْبَ رَجُلٍ وصِبْغَ آخَرَ، فيَصْبُغَه به، فإن كانت القِيمَتَانِ بحَالِهِما، فهما شَرِيكانِ بِقَدْرِ مَالِهِما، وإن زَادَتْ، فالزِّيَادَةُ لهما، وإن نَقَصَتْ بالصّبْغِ، فالضَّمَانُ على الغاصِبِ، ويكون النَّقْصُ من صاحِبِ الصّبْغِ؛ لأنَّه تَبَدَّدَ فى الثَّوْبِ، ويَرْجِعُ به على الغاصِبِ، وإن نَقَصَ لِنَقْصِ سِعْرِ الثِّيابِ، أو سِعْرِ الصِّبْغِ، أو لِنَقْصِ سِعْرِهِما، لم يَضْمَنْهُ الغاصِبُ، وكان نَقْصُ مالِ كلِّ واحدٍ منهما من صَاحِبِه. وإن أرَادَ صاحِبُ الصِّبْغِ قَلْعَهُ، أو أرَادَ ذلك صاحِبُ الثَّوْبِ، فحُكْمُهما حُكْمُ ما لو صَبَغهُ الغاصِبُ بِصِبْغٍ من عندِه، على ما مَرَّ بَيَانُه. وإن غَصَبَ عَسَلًا ونَشَاءً، وعَقَدَهُ حَلْوَاءَ، فحُكْمُهُ حُكْمُ ما لو غَصَبَ ثَوْبًا فصَبَغَهُ، على ما ذُكِرَ فيه. الحكم الثاني، أنَّه متى كان لِلْمَغْصُوبِ أَجْرٌ، فعلى الغاصِبِ أَجْرُ مِثْلِه مُدَّةَ مُقَامِه في يَدَيْهِ، سواءٌ اسْتَوْفَى المَنَافِعَ أو تَرَكَها تَذْهَبُ. هذا هو المَعْرُوفُ في المذهبِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايَةِ الأَثْرَمِ. وبه قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَضْمَنُ المَنَافِعَ. وهو الذي نَصَرَهُ أصْحَابُ مالِكٍ. وقد رَوَى محمدُ بن الحَكَمِ، عن أحمدَ، في مَن غصَبَ دارًا فسَكَنَها عِشْرِينَ سَنَةً: لا أَجْتَرِىءُ أن أقولَ عليه سُكْنَى ما سَكَنَ. وهذا يَدُلُّ على توَقُّفِه عن إِيجَابِ الأَجْرِ، إلَّا أن أبا بكرٍ قال: هذا قولٌ قَدِيمٌ؛ لأنَّ محمدَ بن الحَكَمِ ماتَ قبلَ أبى عبدِ اللَّه بِعِشْرِينَ سَنَةً. واحْتَجَّ مَن لم يُوجِبِ الأَجْرَ، بقولِ النبيِّ ﷺ :
стр. 3645
"الخَرَاجُ بالضَّمَانِ" (٤١). وضَمَانُها على الغاصِبِ، ولأنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً بغير عَقْدٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، فلم يَضْمَنْها، كما لو زَنَى بِامْرَأَةٍ مُطَاوِعَةٍ. ولَنا، أنَّ كلَّ ما ضَمِنَهُ بالإِتْلَافِ (٤٢) في العَقْدِ الفاسِدِ، جَازَ أن يَضْمَنَهُ بمُجَرَّدِ الإِتْلَافِ، كالأَعْيانِ، ولأنَّه أتْلَفَ مُتَقَوَّمًا، فوَجَبَ ضَمَانُه، كالأَعْيَانِ. أو نَقُولُ: مَالٌ مُتَقَوَّمٌ مَغْصُوبٌ، فوَجَبَ ضَمَانُه، كالعَيْنِ. فأمَّا الخَبَرُ، فوَارِدٌ في البَيْعِ (٤٣) ولا يَدْخُلُ فيه الغاصِبُ؛ لأنَّه لا يجوزُ له الانْتِفَاعُ بالمَغْصُوبِ بالإِجْمَاعِ، ولا يُشْبِه الزِّنَى؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإِتْلَافِ مَنَافِعِها بغيرِ عِوَضٍ، ولا عَقْدٍ يَقْتَضِى العِوَضَ، فكان بمَنْزِلَةِ من أعَارَهُ دَارَهُ. ولو أكْرَهَها عليه، لَزِمَهُ مَهْرُها. والخِلَافُ في مالَه مَنَافِعُ تُسْتَبَاحُ بعَقْدِ الإِجَارَةِ، كالعَقَارِ والثَّيَابِ والدَّوَابِّ ونحوِها، فأمَّا الغَنَمُ والشَّجَرُ والطَّيْرُ ونحوُها، فلا شىءَ فيها؛ لأنَّه لا مَنَافِعَ لها يُسْتَحَقُّ بها عِوَضٌ. ولو غَصَبَ جارِيَةً ولم يَطَأْهَا، ومَضَتْ عليها مُدَّةٌ يُمْكِنُ الوَطْءُ فيها، لم يَضْمَنْ مَهْرَهَا؛ لأنَّ مَنَافِعَ البُضْعِ لا تَتْلَفُ إلَّا بالاسْتِيفَاءِ، بِخِلَافِ غيرِها، ولأنَّها لا تُقَدَّرُ بِزَمَنٍ، فيكونُ مُضِىُّ الزَّمَانِ بِتَلَفِها، بِخِلَافِ المَنْفَعَةِ.
فصل: إذا غَصَبَ طَعَامًا، فأَطْعَمَهُ غيرَه، فلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أيِّهما شاءَ؛ لأنَّ الغاصِبَ حالَ بينه وبين مَالِه، والآكِلُ أَتْلَفَ مالَ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، وقَبَضَهُ عن يَدِ صاحِبه (٤٤) بغيرِ إِذْنِ مَالِكِه، فإن كان الآكِلُ عَالِمًا بالغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه؛ لِكَوْنِه أتْلَفَ مالَ غيرِه بغيرِ إِذْنٍ عَالِمًا من غير تَغْرِيرٍ، فإذا ضَمَّنَ الغاصِبَ، رَجَعَ عليه، وإن ضَمَّنَ الآكِلَ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ. وإن لم يَعْلَم الآكِلُ بالغَصْبِ نَظَرْنَا؛ فإن كان الغاصِبُ قال له: كُلْهُ، فإنَّه طَعَامِى. اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه؛ لِاعْتِرَافِه بأنَّ الضَّمَانَ باقٍ عليه، وأنَّه لا يَلْزَمُ الآكِلَ شيءٌ. وإن لم يَقُلْ ذلك، ففيه رِوَايَتَانِ؛ إحْداهما، يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ على الآكِلِ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ في
стр. 3646
الجَدِيد؛ لأنَّه ضَمِنَ ما أَتْلَفَ، فلم يَرْجِعْ به على أحَدٍ. والثانية، يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ على الغاصِبِ؛ لأنَّه غَرَّ الآكِلَ، وأَطْعَمَهُ على أنَّه لا يضْمَنُه. وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لقَوْلِه في المُشْتَرِى للأَمَةِ: يَرْجِعُ بالمَهْرِ وكلِّ ما غَرِمَ على الغاصِبِ. وأيُّهما اسْتَقَرَّ عليه الضَّمَانُ فغَرِمَهُ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ، فإن غَرِمَهُ صاحِبُه، رَجَعَ عليه. وإن أَطْعَمَ المَغْصُوبَ لِمَالِكِه، فأكَلَه عَالِمًا أنَّه طَعَامُه، بَرِئَ الغاصِبُ. وإن لم يَعْلَمْ، وقال له الغاصِبُ: كُلْهُ، فإنَّه طَعَامِى. اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ على الغاصِبِ؛ لما ذَكَرْنا، وإن كانت له بَيِّنَةٌ بأنَّه طَعَامُ المَغْصُوبِ منه. وإن لم يَقُلْ ذلك، بل قَدَّمَهُ إليه، وقال: كُلْهُ، أو قال: قد وَهَبْتُكَ إِيَّاهُ. أو سَكَتَ، فظَاهِرُ كَلَامِ أحمدَ أنَّه لا يَبْرَأُ؛ لأنَّه قال في رِوَايَةِ الأَثْرَمِ، في رَجُلٍ، له قِبَلَ رَجُلٍ تَبِعَةٌ، فأَوْصَلَها إليه على سَبِيلِ صَدَقَةٍ أو هَدِيَّةٍ، فلم يَعْلَمْ، فقال: كَيْفَ هذا؟ هذا يرَى أنَّه (٤٥) هَدِيَّةٌ. يقولُ له: هذا لك عِنْدِى. وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا يَبْرَأُ ههُنا بأَكْلِ المالِكِ طَعَامَهُ بِطَرِيقِ الأَوْلَى؛ لأنَّه ثَمَّ رَدَّ إليه يَدَهُ وسُلْطَانَهُ، وههُنَا بالتَّقْدِيمِ إليه لم تَعُدْ إليه اليَدُ والسُّلْطَانُ، فإنَّه لا يَتَمَكَّنُ من التَّصَرُّفِ فيه بكلِّ ما يُرِيدُ، من أَخْذِه وبَيْعِه والصَّدَقَةِ به، فلم يَبْرَأ الغاصِبُ، كما لو عَلَفَه لِدَوَابِّه (٤٦)، ويَتَخَرَّجُ أن يَبْرَأَ بِنَاءً على ما مَضَى (٤٧) إذا أَطْعَمَهُ لغير مَالِكِه، فإنَّه يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ على الآكِلِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فيَبْرَأُ ههُنا بِطَرِيقِ الأَوْلَى. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. وإن وَهَبَ المَغْصُوبَ لِمَالِكِه، أو أَهْدَاهُ إليه، فالصَّحِيحُ أنَّه يَبْرَأُ؛ لأنَّه قد سَلَّمَهُ إليه تَسْلِيمًا صَحِيحًا تَامًّا، وزَالَتْ يَدُ الغاصِبِ، وكَلَامُ أحمدَ، في رِوَايَةِ الأَثْرَمِ، وارِدٌ فيما إذا أعْطاهُ عِوَضَ حَقِّه على سَبِيلِ الهَدِيَّةِ، فأخَذَهُ المالِكُ على هذا الوَجْهِ، لا على سَبِيلِ العِوَضِ، فلم تَثْبُت المُعَارَضَةُ، ومَسْأَلَتُنا فيما إذا رَدَّ إليه عَيْنَ مالِه، وأعَادَ يَدَهُ التي أزَالَها. وإن باعَهُ إِيّاهُ، وسَلَّمَهُ إليه، بَرِئَ من الضَّمَانِ؛ لأنَّه قَبَضَهُ بالابْتِيَاعِ، والابْتِيَاعُ يُوجِبُ الضَّمَانَ.
стр. 3647
وإن أقْرَضَهُ إِيّاهُ، بَرِئَ أيضًا؛ لذلك. وإن أعَارَهُ إِيَّاهُ، بَرِئَ أيضًا؛ لأنَّ العَارِيَّةَ تُوجِبُ الضَّمَانَ. وإن أَوْدَعَهُ إيَّاهُ، أو آجَرَهُ إِيَّاهُ، أو رَهَنَهُ، أو أَسْلَمَهُ عنده لِيَقْصِرَه أو يُعْلِمَهُ، لم يَبْرَأْ بن الضَّمانِ، إلَّا أن يكونَ عَالِمًا بالحالِ؛ لأنَّه لم يَعُدْ إليه سُلْطَانُه، إنَّما قَبَضَهُ على أنَّه أمانَةٌ. وقال بعضُ أصْحَابِنَا: يَبْرَأُ؛ لأنَّه عَادَ إلى يَدِه وسُلْطَانِه. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحَابِ الشّافِعِيِّ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ فإنَّه لو أُباحَهُ إِيّاهُ فأكَلَه، لم يَبْرَأْ، فههُنا أَوْلَى.
فصل: إذا اخْتَلَفَ المالكُ والغاصِبُ في قِيمَةِ المَغْصُوبِ، ولا بَيِّنَةَ لأحَدِهما، فالقولُ قولُ الغاصبِ؛ لأنَّ الأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِه (٤٨)، فلا يُلْزِمُهُ، ما لم يُقِمْ عليه به حُجَّةً، كما لو ادَّعَى عليه دَيْنًا، فأقَرَّ بِبَعْضِه. وكذلك إن قال المالِكُ: كان كاتِبًا أو له صِنَاعَةٌ. فأنْكَرَ الغاصِبُ، فالقولُ قولُه كذلك، فإن شَهِدَتْ له البَيِّنَةُ بالصِّفَةِ، ثَبَتَتْ. وإن قال الغاصِبُ: كانت فيه سَلْعَةٌ (٤٩)، أو إِصْبَغٌ زائِدَةٌ، أو عَيْبٌ. فأنْكَرَ المالِكُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذلك، والقولُ قولُ الغاصِبِ في قِيمَتِه على كلِّ حالٍ. وإن اخْتَلَفَا بعد زِيَادَةِ قِيمَةِ (٥٠) المَغْصُوبِ في وَقْتِ زِيَادَتِه، فقال المالِكُ: زَادَتْ قبلَ تَلَفِه. وقال الغاصِبُ: إنَّما زَادَتْ قِيمَةُ المتَاعِ بعدَ تَلَفِه. فالقولُ قولُ الغاصبِ؛ لأنَّ الأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِه. وإن شَاهَدْنَا العَبْدَ مَعِيبًا، فقال الغاصِبُ: كان مَعِيبًا قبلَ غَصْبِه. وقال المالِكُ: تَعَيَّبَ عندَك. فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّه غَارِمٌ، ولأنَّ الظّاهِرَ أن صِفَةَ العَبْدِ لم تَتَغَيَّرْ. وإن غَصَبَهُ خَمْرًا، ثم قال صاحِبُه: تَخَلَّلَ عِنْدَكَ. وأنْكَرَ الغاصِبُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأَصْلَ بَقَاؤُه على ما كان، وَبرَاءَةُ الذِّمَّةِ. وإن اخْتَلَفَا في رَدِّ المَغْصُوبِ، أو رَدِّ مِثْلِه أو قِيمَتِه، فالقولُ قولُ المالِكِ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذلك، واشْتِغَالُ الذِّمَّةِ به. وإن اخْتَلَفَا في تَلَفِه، فادَّعَاهُ الغاصِبُ، وأنْكَرَهُ المالِكُ، فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّه أعْلَمُ بذلك، وتَتَعَذَّرُ إقَامَةُ البَيِّنَةِ عليه، فإذا حَلَفَ فلِلْمَالِكِ المُطَالَبَةُ بِبَدَلِه؛ لأنَّه تَعَذَّرَ رَدُّ العَيْنِ، فلَزِمَ
стр. 3648
بَدَلُها، كما لو غَصَبَ عَبْدًا فأَبَقَ. وقيل: لَيْسَ له المُطَالَبَةُ بالبَدَلِ؛ لأنَّه لا يدَّعِيهِ. وإن قال: غَصَبْتَ مِنِّى حَدِيثًا. فقال: بل عَتِيقًا. فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الحَدِيثِ، ولِلْمَالِكِ المُطَالَبَةُ بالعَتِيقِ؛ لأنَّه دُونَ حَقِّه.
فصل: وإذا بَاعَ عَبْدًا، فَادَّعَى إِنْسانٌ على البائِعِ أنَّه غَصَبَهُ العَبْدَ، وأقَامَ بذلك بَيِّنَةً، انْتَقَضَ البَيْعُ، ورَجَعَ المُشْتَرِى على البائِعِ بِثَمَنِه، وإن لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فأقَرَّ البائِعُ والمُشْتَرِى بذلك، فهو كما لو قامَتْ به بَيِّنةٌ. وإن أقَرَّ البائِعُ وَحْدَهُ، لم يُقْبَلْ في حَقِّ المُشْتَرِى؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ إِقْرَارُه في حَقِّ غيرِه، ولَزِمَتِ البائِعَ قِيمَتُه؛ لأنَّه حالَ بينَه وبينَ مِلْكِه، ويُقَرُّ العَبْدُ في يَدِ المُشْتَرِى؛ لأنَّه مِلْكُه في الظَّاهِرِ، وللبائِعِ إِحْلَافُه، ثم إن كان البائِعُ لم يَقْبِضِ الثَّمَنَ، فليس له مُطَالَبَة المُشْتَرِى به؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ مُطَالَبَتَهُ بأَقَلِّ الأَمْرَيْنِ من الثَّمَنِ أو قِيمَة العَبْدِ؛ لأنَّه يَدَّعِى القِيمَةَ على المُشْتَرِى، والمُشْتَرِى يُقِرُّ له بالثَّمَنِ، فقد اتَّفَقَا على اسْتِحْقَاقِ أقَلِّ الأَمْرَيْنِ (٥١)، فوَجَبَ، ولا يَضُرُّ اخْتِلَافُهُما في السَّبَبَ بعدَ اتِّفَاقِهِمَا على حُكْمِه، كما لو قال: عَلَيْكَ أَلْفٌ من ثَمَنِ البَيْعِ. فقال: بل أَلْفٌ من قَرْضٍ. وإن كان قد قَبَضَ الثَّمَنَ، فليس لِلْمُشْتَرِى اسْتِرْجَاعُه؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه. ومتى عَادَ العَبْدُ إلى البائِعِ بِفَسْخٍ أو غيرِه، وَجَبَ عليه رَدُّهُ على (٥٢) مُدَّعِيه، وله اسْتِرْجَاعُ ما أَخَذَ منه. وإن كان إِقْرَارُ البائِعِ في مُدَّةِ الخِيَارِ له، انْفَسَخَ البَيْعُ؛ لأنَّه يَمْلِكُ فَسْخَه، فقُبِلَ إِقْرَارُه بما يَفْسَخُه. وإن أقَرَّ المُشْتَرِى وَحْدَه، لَزِمَهُ رَدُّ العَبْدِ ولم يُقْبَلْ إِقْرَارُه على البائِعِ، ولا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عليه بالثَّمَنِ، إن كان قَبَضَهُ، ويَلْزَمُه (٥٣) دَفْعُه إليه (٥٤) إن كان لم يَقْبِضْهُ. وإن أقَامَ المُشْتَرِى بَيِّنَةً بما أَقَرَّ به، قُبِلَتْ، وله
стр. 3649
الرُّجُوعُ بالثَّمَنِ. وإن أقَامَ البائِعُ بَيِّنَةً، إذا كان هو المُقِرَّ نَظَرْنَا؛ فإن كان في حالِ البَيْعِ قال: بِعْتُكَ عَبْدِى هذا أو مِلْكِى هذا (٥٥). لم تُقْبَلْ بَيِّنَتُه؛ لأنَّه يُكَذِّبُها وتُكَذِّبُه، وإن لم يكن قال ذلك، قُبِلَتْ؛ لأنَّه يَبِيعُ مِلْكَه وغيرَ مِلْكِه. وإن أقَامَ المُدَّعِى البَيِّنَةَ، سُمِعَتْ، ولا تُقْبَلُ شَهَادَةُ البائِعِ له؛ لأنَّه يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا. وإن أنْكَرَاهُ جَمِيعًا، فله إِحْلَافُهُما إن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ. قال أحمدُ، في رَجُلٍ يَجِدُ سَرِقَتَهُ بِعَيْنِها عندَ إِنْسَانٍ، قال: هو مِلْكُه، يَأْخُذُهُ، أَذْهَبُ إلى حَدِيثِ سَمُرَةَ، عن رسولِ اللَّه ﷺ : "مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ، ويَتْبَعُ المُبْتَاعُ مَنْ بَاعَهُ" (٥٦). رَوَاهُ هشيم (٥٧)، عن موسى بن السَّائِبِ، عن قَتادَةَ، عن الحَسَنِ، عن سَمُرَةَ، وموسى بن السّائِبِ ثِقَةٌ.
فصل: وإن كان المُشْتَرِى أَعْتَقَ العَبْدَ، فأَقَرَّا جَمِيعًا، لم يُقْبَلْ ذلك، وكان العَبْدُ حُرًّا؛ لأنَّه قد تَعَلَّقَ به حَقٌّ لِغَيْرِهِما، فإن وافَقَهُما العَبْدُ، فقال القاضي: لا يُقْبَلُ أيضًا؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ يَتَعَلَّقُ بها حَقُّ اللهِ تعالى، ولهذا لو شَهِدَ شاهِدَانِ بالعِتْقِ، مع اتِّفَاقِ السَّيِّدَ والعَبْدِ على الرِّقِّ، سُمِعَتْ شَهَادَتُهُما، ولو قال رَجُلٌ: أنا حُرٌّ. ثم أقَرَّ بالرِّقِّ، لم يُقْبَلْ إِقْرَارُه. وهذا مذهبُ الشّافِعِيِّ. ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ العِتْقُ إذا اتَّفَقُوا كُلُّهم، ويَعُودُ العَبْدُ إلى المُدَّعِى؛ لأنَّه مَجْهُولُ النَّسَبِ، أقَرَّ بالرِّقِّ لمن يَدَّعِيه، فصَحَّ، كما لو لم يَعْتِقْهُ المُشْتَرِى. ومتى حَكَمْنا بالحُرِّيّةِ، فلِلْمالِكِ تَضْمِينُ أيِّهما شَاءَ قِيمَتَهُ يومَ عِتْقِه، ثم إن ضَمَّنَ البائِعَ، رَجَعَ على المُشْتَرِى؛ لأنَّه أَتْلَفَه، وإن رَجَعَ على المُشْتَرِى، لم يَرْجِعْ على البائِعِ إلَّا بالثَّمَنِ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَلَ منه، فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه. وإن ماتَ العَبْدُ وخَلَفَ مالًا، فهو لِلمُدَّعِى؛ لِاتِّفَاقِهِمْ على أنَّه له. وإنَّما مَنَعْنَا رَدَّ العَبْدِ إليه، لِتَعَلُّقِ حَقِّ (٥٨) الحُرِّيّةِ به، إلَّا أن يَخْلُفَ وَارِثًا فيَأْخُذَه، ولا يَثْبُتُ الوَلَاءُ عليه لأحَدٍ؛ لأنَّه لا
стр. 3650
يَدَّعِيهِ أحَدٌ. وإن صَدَّقَ المُشْتَرِى البائِعَ وَحْدَهُ، رَجَعَ عليه بِقِيمَتِه، ولم يَرْجِع المُشْتَرِى بالثَّمَنِ. وبَقِيَّةُ الأَقْسَامِ على ما مَضَى.
فصل: وإذا بَاعَ عَبْدًا أو وَهَبَهُ، ثم ادَّعَى أَنِّى فَعَلْتُ ذلك قبلَ أن أَمْلِكَه، وقد مَلَكْتُه الآن بِميرَاثٍ أو هِبَةٍ من مَالِكِه، فيَلْزَمُكَ رَدُّهُ عَلَيَّ؛ لأنَّ البَيْعَ الأَوَّلَ والهِبَةَ باطِلَانِ. وإن (٥٩) أقَامَ بذلك بَيِّنَةً نَظَرْتَ؛ فإن كان قال حين البَيْعِ والهِبَةِ: هذا مِلْكِى. أو بِعْتُكَ مِلْكِى هذا. أو كان (٦٠) في ضِمْنِه إقْرَارٌ بأنه مِلْكُه، نحو أن يقولَ: قَبَضْتُ ثمَنَ مِلْكِى أو قبضْتهُ. ونحو ذلك، لم تُقْبَلْ البَيِّنَةُ؛ لأنَّه مُكَذِّبٌ لها، وهى تُكَذِّبُه، وإن لم يكن كذلك، قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ؛ لأنَّ الإِنْسَانَ يَبِيعُ ويَهَبُ مِلْكَه وغيرَ مِلْكِه.
فصل: إذا جَنَى العَبْدُ المَغْصُوبُ جِنَايَةً أوْجَبَتِ القِصَاصَ، فَاقْتُصَّ منه، فضَمَانُه على الغاصِبِ؛ لأنَّه قد (٥٩) تَلِفَ في يَدَيْهِ، فإن عُفِىَ عنه على مالٍ، تَعَلَّقَ ذلك بِرَقَبَتِه، وضَمَانُ ذلك على الغاصِبِ؛ لأنَّه نَقْصٌ حَدَثَ في يَدِهِ، فلَزِمَهُ ضَمَانُه؛ لأنَّ ضَمَانَ العَبْدِ ونَقْصَهُ على سَيِّدِه، ويَضْمَنُهُ بأَقَلّ الأَمْرَيْنِ من قِيمَتِهِ أو أَرْشِ جِنَايَتِه، كما يَفْدِيهِ سَيِّدُه. وإن جَنَى على (٦١) ما دُونَ النَّفْسِ، مثل أن قَطَعَ يَدًا فَقُطِعَتْ يَدُه قِصَاصًا، فعلى الغاصِبِ ما نَقَصَ العَبْدُ بذلك دُونَ أَرْشِ اليَدِ؛ لأنَّ اليَدَ ذَهَبَتْ بِسَبَبٍ غيرِ مَضْمُونٍ، فأشْبَه ما لو سَقَطَتْ. وإن عُفِىَ عنه على مالٍ، تَعَلَّقَ أَرْشُ اليَدِ بِرَقَبَتِه، وعلى الغاصِبِ أقَلُّ الأَمْرَيْنِ من قِيمَتِه أو أَرْشِ اليَدِ، فإن زَادَتْ جنَايَةُ العَبْدِ على قِيمَتِه، ثم إنَّه ماتَ، فعلى الغاصِبِ قِيمَتُه، يَدْفَعُها إلى سَيِّدِه، فإذا أَخَذَها تَعَلَّقَ أرْشُ الجِنَايَةِ بها؛ لأنَّها كانت مُتَعَلِّقَةً بالعَبْدِ، فتَعَلَّقَتْ بِبَدَلِه، كما أنَّ الرَّهْنَ إذا أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ، وَجَبَتْ قِيمَتُه، وتَعَلَّقَ الدَّيْنُ بها، فإذا أخَذَ وَلِيُّ الجِنَايَةِ القِيمةَ من المالِكِ، رَجَعَ المالِكُ على الغاصِبِ
стр. 3651
بِقِيمَةٍ أُخْرَى، لأنَّ القِيمَةَ التي أخَذَها اسْتُحِقّتْ بِسَبَبٍ كان في يَدِ الغاصِبِ، فكانتْ من ضَمَانِه. ولو كان العَبْدُ وَدِيعَةً، فجَنَى جِنَايةً اسْتَغْرَقَتْ قِيمَتَهُ، ثم إن المُودِعَ قَتَلَه بعدَ ذلك، وَجَبَتْ عليه قِيمَتُه، وتَعَلَّقَ بها أَرْشُ الجِنَايَةِ، فإذا أخَذَها وَلِيُّ الجِنَايةِ، لم يَرْجِعْ على المُودعِ؛ لأنَّه جَنَى، وهو غيرُ مَضْمُونٍ عليه. ولو أنَّ العَبْدَ جَنَى في يَدِ سَيِّدِه جِنَايةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ، ثم غَصَبَهُ غاصِبٌ، فجَنَى في يَدِه جِنَايةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه، بِيعَ في الجِنَايَتَيْنِ، وقُسِمَ ثَمَنُه بينهما، ورَجَعَ صاحِبُ العَبْدِ على الغاصِبِ بما أَخَذَه الثانِى منهما؛ لأنَّ الجِنَايَةَ كانتْ في يَدِه، وكان لِلْمَجْنِيِّ عليه أوَّلا أن يَأْخُذَه دُونَ الثاني؛ لأنَّ الذي يَأْخُذُه المالِكُ من الغاصِبِ هو عِوَضُ ما أخَذَه المَجْنِيُّ عليه ثانِيًا، فلا يَتَعَلَّقُ به حَقُّهُ، ويَتَعَلَّقُ به حَقُّ الأَوَّلِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عن قِيمَةِ الجانِى لا يُزاحمُ فيه، فإن ماتَ هذا العَبْدُ في يَدِ الغاصِبِ، فعليه قِيمَتُه تُقْسَمُ بينهما، ويَرْجِعُ المالِكُ على الغاصِبِ بِنِصْفِ القِيمَةِ؛ لأنَّه ضامِنٌ للجِنَايَةِ الثانِيَةِ، ويكونُ لِلْمَجْنِىِّ عليه أَوَّلًا أن يَأْخُذَه؛ لما ذَكَرْنَاهُ.
٨٧٠ - مسألة؛ قال: (مَنْ أَتْلَفَ لِذِمِّيٍّ خمْرًا أو خِنْزِيرًا، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، ويُنْهَى عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيمَا لَا يُظْهِرُونَهُ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه لا يَجِبُ ضَمَانُ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، سواءٌ كان مُتْلِفُه مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا لِمُسْلِمٍ أو ذِمِّيٍّ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ أبي الحارِثِ، في الرَّجُلِ يُهَرِيقُ مُسْكِرًا لِمُسْلِمٍ، أو لِذِمِّيٍّ خَمْرًا، فلا ضَمَانَ عليه. وبهذا قال الشّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ: يَجِبُ ضَمَانُهُما إذا أَتْلَفَهُما على ذِمِّيٍّ. قال أبو حَنِيفَةَ: إن كان مُسْلِمًا بالقِيمَةِ، وإن كان ذِمِّيًّا بالمِثْلِ؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ إذا عَصَمَ عَيْنًا قَوَّمَها، كنَفْسِ الآدَمِيِّ، وقد عَصَمَ خَمْرَ الذِّمِّيِّ، بِدَلِيلِ أن المُسْلِمَ يُمْنَعُ من إِتْلَافِها، فيَجِبُ أن يُقَوِّمَها، ولأنَّها مالٌ لهم يَتَمَوَّلُونَها، بِدَلِيلِ ما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ عَامِلَهُ كَتَبَ إليه: إنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ يَمُرُّونَ بالعَاشِرِ (١)، ومعهم الخُمُورُ. فكَتَبَ إليه عمرُ: وَلُّوهُمْ بَيْعَها،
стр. 3652
وخُذُوا منهم عُشْرَ ثَمَنِها. وإذا كانت مالًا لهم (٢) وَجَبَ ضَمَانُها، كسَائِر أَمْوَالِهم. ولَنا، أنَّ جَابرًا، رَوَى أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أَلَا إنَّ اللهَ ورسُولَهُ حَرَّمَا بَيْعَ الخَمْرِ والْمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ والأَصْنَامِ". مُتَّفَقٌ على صِحَّتِهِ (٣). وما حَرُمَ بَيْعُه لا لِحُرْمَتِه، لم تَجِبْ قِيمَتُه، كالمَيْتَةِ، ولأنَّ ما لم يكُنْ مَضْمُونًا في حَقِّ [المُسْلِمِ، لم يكُنْ مَضْمُونًا في حَقِّ] (٤) الذِّمِّيِّ، كالمُرْتَدِّ، ولأنَّها غيرُ مُتَقَوَّمَةٍ، فلا تُضْمَنُ، كالمَيْتَةِ، ودَلِيلُ أنَّها غيرُ مُتَقَوِّمَةٍ في حَقِّ المُسْلِمِ، فكذلك في حَقِّ الذِّمِّيِّ، فإنَّ تَحْرِيمَها ثَبَتَ في حَقِّهِما، وخِطَابُ النَّوَاهِى يَتَوَجَّهُ إليهما، فما ثَبَتَ في حَقِّ أحَدِهِمَا، ثَبَتَ في حَقِّ الآخَرِ. ولا نُسَلِّمُ أنَّها مَعْصُومَةٌ، بل متى أُظْهِرَتْ حَلَّتْ إِرَاقَتُها، ثم لو عَصَمَها ما لَزِمَ تَقْوِيمُها؛ فإنَّ نِسَاءَ أَهْلِ الحَرْبِ وصِبْيَانَهُم مَعْصُومُونَ غيرُ مُتَقَوَّمِينَ. وقولُهم: إنَّها مالٌ عندهم. يَنْتَقِضُ بالعَبْدِ المُرْتَدِّ، فإنَّه مالٌ عندَهم. وأما حَدِيثُ عمرَ، فمَحْمُولٌ على أنَّه أرَادَ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لهم، وإنَّما أَمَرَ بأَخْذِ عُشْرِ أَثْمانِها، لأنَّهم إذا (٥) تَبَايَعُوا وتَقَابَضُوا [حَكَمْنَا لهم] (٦) بالمِلْكِ ولم نَنْقُضْهُ، وتَسْمِيَتُها أَثْمَانًا مَجَازٌ، كما سَمَّى اللهُ تعالى ثَمَنَ يوسفَ ثَمَنًا، فقال: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (٧). وأمَّا قولُ الخِرَقِيِّ: ويُنْهَى عن التَّعَرُّضِ لهم فيما
стр. 3653
لا يُظْهِرُونَهُ، فلأَنَّ كلَّ ما اعْتَقَدُوا حِلَّهُ في دِينِهِمْ، ممَّا لا أَذَى لِلْمُسْلِمِينَ فيه، من الكُفْرِ، وشُرْبِ الخَمْرِ واتِّخاذِه (٨)، ونِكَاحِ ذَوَاتِ المَحَارِمِ، لا يجوزُ لنا التَّعَرُّضُ لهم (٩) فيه، إذا لم يُظْهِرُوهُ، لأنَّنا الْتَزَمْنَا إِقْرَارَهم عليه في دَارِنَا، فلا نَعْرِضُ لهم فيما الْتَزَمْنَا تَرْكَه، وما أَظْهَرُوهُ من ذلك، تَعَيَّنَ إِنْكارُه عليهم، فإن كان خَمْرًا جَازَتْ إِرَاقَتُه، وإن أَظْهَرُوا صَلِيبًا أو طُنْبُورًا جَازَ كَسْرُه، وإن أَظْهَرُوا كُفْرَهُم أُدِّبُوا على ذلك، ويُمْنَعُونَ من إِظْهَارِ ما يُحَرَّمُ على المسلمين.
فصل: وإن غَصَبَ من ذِمِّيٍّ خَمْرًا، لَزِمَهُ رَدُّها؛ لأنَّه يُقَرُّ على شُرْبِهَا. وإن غَصَبَها من مُسْلِمٍ، لم يَلْزَمْ رَدُّها، ووَجَبَتْ إرَاقَتُها؛ لأنَّ أبا طَلْحَةَ سَأَلَ رَسولَ اللهِ ﷺ عن أَيْتَامٍ ورِثُوا خَمْرًا، فأمَرَهُ بإِرَاقَتِها (١٠). وإن أَتْلَفَها أو تَلِفَتْ عندَه، لم يَلْزَمْهُ ضَمَانُها؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَوَى عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إنَّ اللهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ" (١١). ولأنَّ ما حُرِّمَ الانْتِفَاعُ به، لم يَجِبْ ضَمَانُه، كالمَيْتَةِ والدَّمِ. فإن أمْسَكَها في يَدِه حتى صَارَتْ خَلًّا، لَزِمَ رَدُّها على صَاحِبِها؛ لأنَّها صارَتْ خَلًّا، على حُكْمِ مِلْكِه، فلَزِمَ رَدُّها إليه، فإن تَلِفَتْ، ضَمِنَها له؛ لأنَّها مالٌ لِلْمَغْصُوبِ منه تَلِفَ في يَدِ الغاصِبِ، وإن أرَاقَها فجَمَعَها إِنْسانٌ، فتَخَلَّلَتْ عندَه، لم يَلْزَمْهُ رَدُّ الخَلِّ؛ لأنَّه أخَذَها بعدَ إِتْلَافِها، وزَوَالِ اليَدِ عنها.
стр. 3654
فصل: وإن غَصَبَ كَلْبًا يجوزُ اقْتِنَاؤُه، وَجَبَ رَدُّه؛ لأنَّه يجوزُ الانْتِفَاعُ به واقْتِنَاؤُه، فأَشْبَه المالَ. وإن أَتْلَفَه، لم يَغْرَمْهُ. وإن حَبَسَهُ مُدَّةً، لم يَلْزَمْهُ أَجْرٌ؛ لأنَّه لا تَجوزُ إِجَارَتُه. وإن غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ، فهل يَلْزَمُه (١٢) رَدُّهُ؟ على وَجْهَيْنِ، بنَاءً على الرِّوَايَتَيْنِ في طَهَارَتِه بالدَّبْغِ، فمن قال بِطَهَارَتِه، أَوْجَبَ رَدَّهُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ (١٣) إصْلَاحُهُ، فهو كالثَّوْبِ النَّجِسِ. ومن قال: لا يَطْهُرُ. لم يُوجِبْ رَدَّهُ؛ لأنَّه لا سَبِيلَ إلى إِصْلَاحِه. فإن أَتْلَفَهُ، أو أَتْلَفَ مَيْتَةً بِجِلْدِها، لم يَضْمَنْهُ؛ لأنَّه لا قِيمَةَ له، بِدَلِيلِ أنَّه لا يَحِلُّ بَيْعُه. وإن دَبَغَهُ (١٤) الغاصِبُ، لَزِمَ رَدُّه إن (١٥) قُلْنا بِطَهَارَتِه؛ لأنَّه كالخَمْرِ إذا تَخَلَّلَتْ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ رَدُّه؛ [لأنَّه صارَ مالًا بِفِعْلِه، بِخِلَافِ الخَمْرِ، وإن قُلْنا: لا يَطْهُرُ. لم يَجِبْ رَدُّه؛ لأنَّه لا يُبَاحُ الانْتِفَاعُ به. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ رَدُّه] (١٦)، إذا قُلْنا: يُبَاحُ الانْتِفَاعُ به في اليَابِسَاتِ. لأنَّه نَجِسٌ يُبَاحُ الانْتِفَاعُ به، أَشْبَهَ الكَلْبَ، وكذلك قبلَ الدَّبْغِ.
فصل: وإن كَسَرَ صَلِيبًا، أو مِزْمَارًا، أو طُنْبُورًا، أو صَنَمًا، لم يَضْمَنْهُ. وقال الشّافِعِيُّ: إن كان ذلك إذا فُصِلَ يَصْلُحُ (١٧) لِنَفْعٍ مُبَاحٍ وإذا كُسِرَ لم يَصْلُحْ له (١٨)، لَزِمَهُ ما بين قِيمَتِه مُفْصَلًا (١٩) ومَكْسُورًا؛ لأنَّه أتْلَفَ بالكَسْرِ مَالَهُ قِيمَةٌ، وإن كان لا يَصْلُحُ لِمَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ، لم يَلْزَمْهُ ضَمَانُه (٢٠). وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُ. ولَنا، أنَّه لا يَحِلُّ بَيْعُه، فلم (٢١) يَضْمَنْهُ، كالمَيْتَةِ، والدَّلِيلُ على أنَّه لا يَحِلُّ بَيْعُه قولُ النبيِّ ﷺ : "إنَّ
стр. 3655
اللهَ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ والْمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ والأَصْنَامِ" مُتَّفَقٌ عليه. وقال النبيُّ ﷺ : "بُعِثْتُ بِمَحْقِ القَيْنَاتِ والْمَعازِفِ" (٢٢).
فصل: وإن كَسَرَ آنِيَةَ (٢٣) ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّ اتِّخَاذَها مُحَرَّمٌ. وحَكَى أبو الخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى عن أحمدَ، أنَّه يَضْمَنُ، فإن مُهَنَّا نَقَلَ عنه في مَن هَشَمَ على غيرِه إِبْرِيقًا فِضَّةً: عليه قِيمَتُه، يَصُوغُه كما كان. قِيلَ له: أليسَ قد نَهَى النبيُّ ﷺ عن اتِّخَاذِهَا (٢٤)؟ فسَكَتَ (٢٥). والصَّحِيحُ أنَّه لا ضَمَانَ عليه. نَصَّ عليه (٢٦) في رِوَايَةِ المَرُّوذِيِّ (٢٧) في مَن كَسَرَ إبْرِيقَ فِضَّةٍ: لا ضَمَانَ عليه؛ لأنَّه (٢٨) أَتْلَفَ ما ليس بمُبَاحٍ، فلم يَضْمَنْهُ، كالمَيْتَةِ. ورِوَايةُ مُهَنَّا تَدُلُّ على أنَّه رَجَعَ عن قَوْلِه ذلك؛ لِكَوْنِه سَكَتَ حين ذَكَرَ السائِلُ تَحْرِيمَه، ولأنَّ في هذه الرِّوَايةِ أنَّه قال: يَصُوغُه، ولا يَحِلُّ له صِيَاغَتُه (٢٩). فكيف يَجِبُ ذلك!
فصل: وإن كَسَرَ آنِيةَ الخَمْرِ، ففيها رِوَايتانِ؛ إحْدَاهُما، يَضْمَنُها؛ لأنَّها (٣٠) مالٌ يُمْكِنُ الانْتِفاعُ به، ويَحِلُّ بَيْعُه، فيَضْمَنُها، كما لو لم يَكُنْ فيها خَمْرٌ، ولأنَّ جَعْلَ
стр. 3656
الخَمْرِ فيها لا يَقْتَضِى سُقُوطَ ضَمَانِها، كالبَيْتِ الذي جُعِلَ مَخْزَنًا لِلْخَمْرِ. والثانية، لا تُضْمَنُ؛ لما رَوَى الإِمامُ أحمدُ، في "مُسْنَدِه" (٣١): حَدَّثَنا (٣٢) أبو بكرِ ابن أبي مَرْيَمَ، عن ضَمْرَةَ بن حَبِيبٍ، قال: قال عبدُ اللَّه بن عمرَ: أمَرَنِى رسولُ اللَّه ﷺ أن آتِيَهُ بِمُدْيَةٍ، وهى الشَّفْرَةُ، فأتَيْتُه بها، فأَرْسَلَ بها فَأُرْهِفَتْ، ثم أَعطَانِيها، وقال: "اغْدُ عَلَيَّ بها". فَفَعَلْتُ، فخَرَجَ بأَصْحَابِه إلى أَسْوَاقِ (٣٣) المَدِينَةِ، وفيها زِقَاقُ الخَمْرِ قد جُلِبَتْ من الشَّامِ، فأخَذَ المُدْيَةَ مِنِّى، فَشَقَّ ما كان من تلك الزِّقَاقِ بحَضْرَتِه كلِّها، وأمَرَ أصْحَابَه الذين كانوا معه أن يَمْضُوا مَعِى، ويُعَاوِنُونِى، وأمَرَنِى أن آتِىَ الأَسْوَاقَ كلَّها، فلا أَجِدُ فيها زِقَّ خَمْرٍ إلَّا شَقَقْتُه، فَفَعَلْتُ، فلم أَتْرُكْ في أَسْوَاقِها زِقًّا إلَّا شَقَقْتُه. ورُوِىَ عن (٣٤) أنَسٍ، قال. كنتُ أَسْقِى أبا طَلْحَةَ، وأُبَيَّ بن كَعْبِ، وأبا عُبَيْدَةَ، شَرَابًا من فَضِيخٍ (٣٥)، فأتَانَا آتٍ، فقال: إن الخَمْرَ قد حُرِّمَتْ. فقال أبو طَلْحَةَ: قُمْ يا أنَسُ إلى هذه الدِّنَانِ فاكْسِرْهَا (٣٦). وهذا يَدُلُّ على سُقُوطِ حُرْمَتِها، وإِبَاحَةِ إِتْلَافِها، فلا يَضْمَنُها، كسائِرِ المُبَاحَاتِ.
فصل: ولا يَثْبُتُ الغَصْبُ فيما ليس بمالٍ، كالحُرِّ؛ فإنَّه لا يُضْمَنُ بالغَصْبِ، إنَّما يُضْمَنُ بالإِتْلَافِ. وإن أخَذَ حُرًّا، فحَبَسَهُ فماتَ عنده، لم يَضْمَنْهُ؛ لأنَّه ليس بمالٍ. وإن اسْتَعْمَلَه مُكْرَهًا، لَزِمَهُ أَجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّه اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ، وهى مُتَقَوَّمَةٌ، فلَزِمَهُ ضَمَانُها، كمَنَافِعِ العَبْدِ. وإن حَبَسَهُ مُدَّةً لمِثْلِها أَجْرٌ، ففيه وَجْهَانِ؛ أحدُهما،
стр. 3657
يَلْزَمُه أجْرُ تلك المُدَّةِ؛ لأنَّه فَوَّتَ مَنْفَعَتَه، وهى مالٌ يجوزُ أَخْذُ العِوَضِ عنها، فضُمِنَتْ بالغَصْبِ، كمَنَافِع العَبْدِ. والثاني، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّها تابِعَةٌ لما لا يَصِحُّ غَصْبُه، فأَشْبَهَتْ ثِيَابَهُ إذا بَلِيَتْ عليه وأَطْرَافَهُ، ولأنَّها تَلِفَتْ تحت يَدَيْهِ، فلم يَجِبْ ضَمَانُها، كما ذَكَرْنَا. ولو مَنَعَهُ العَمَلَ من غير حَبْسٍ، لم يَضْمَنْ مَنَافِعَه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه لو فَعَلَ ذلك بالعَبْدِ لم يَضْمَنْ مَنَافِعَه، فالحُرُّ أَوْلَى. ولو حَبَسَ الحُرَّ وعليه ثِيَابٌ، لم يَلْزَمْهُ ضَمَانُها؛ لأنَّها تَابِعَةٌ لما لم تَثْبُتِ اليَدُ عليه في الغَصْبِ، وسواءٌ كان كَبِيرًا أو صَغِيرًا. وهذا كلُّه مذهبُ أبى حنيفةَ والشَّافِعِيِّ (٣٧).
فصل: وأُمُّ الوَلَدِ مَضْمُونةٌ بالغَصْبِ. وبهذا قال الشّافِعِيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: لا تُضْمَنُ؛ لأنَّ أُمَّ الوَلَدِ لا تَجْرِى مَجْرَى المالِ، بِدَلِيلِ أنَّه لا يَتَعَلَّقُ بها حَقُّ الغُرَمَاءِ، فأَشْبَهَتِ الحُرَّ. ولَنا، أنَّ ما يُضْمَنُ بالقِيمَةِ، يُضْمَنُ بالغَصْبِ، كالقِنِّ، ولأنَّها مَمْلُوكَةٌ، فأَشْبَهَتِ المُدَبَّرَةَ، وفارَقَتِ (٣٨) الحُرَّةَ؛ فإنَّها ليستْ مَمْلُوكَةً، ولا تُضْمَنُ بالقِيمَةِ.
فصل: وإذا فَتَحَ قَفَصًا عن (٣٩) طائِرٍ فَطَارَ، أو حَلَّ دابَّةً (٤٠) فذَهَبَتْ، ضَمِنَها. وبه قال مالِكٌ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ: لا ضَمَانَ عليه، إلَّا أن يكونَ أهَاجَهُما حتى ذَهَبَا (٤١). وقال أَصْحابُ الشَّافِعِيِّ: إن وَقَفَا بعدَ الفَتْحِ والحَلِّ، ثم ذَهَبَا، لم يَضْمَنْهُما، وإن ذَهَبَا عَقِيبَ ذلك، ففيه قَوْلانِ. واحْتَجَّا (٤٢) بأن لهما اخْتِيَارًا، وقد وُجِدَتْ منهما المُبَاشرَةُ، ومن الفاتِحِ سَبَبٌ غيرُ مُلْجِئٍ. فإذا اجْتَمَعَا، لم يَتَعَلَّق
стр. 3658
الضَّمَانُ بالسَّبَبِ، كما لو حَفَرَ بِئْرًا فجاءَ عَبْدٌ لإِنْسانٍ، فرَمَى نَفْسَهُ فيها. ولَنا، أنَّه ذَهَبَ بِسَبَبِ فِعْلِه، فلَزِمَهُ الضَّمَانُ، كما لو نَفَّرَهُ، أو ذَهَبَ عَقِيبَ فَتْحِه وحَلِّه، والمُبَاشَرَةُ إنَّما حَصَلَتْ ممَّن لا يُمْكِنُ إحَالَةُ الحُكْمِ عليه، فيَسْقُطُ، كما لو نَفَّرَ الطائِرَ، وأهَاجَ الدَّابّةَ، أو أَشْلَى (٤٣) كَلْبًا على صَبِيٍّ فقَتَلَهُ، أو أَطْلَقَ نَارًا في مَتَاعِ إِنْسانٍ، فإنَّ لِلَّنارِ فِعْلًا، لكنْ لمَّا لم يُمْكِنْ إحَالَةُ الحُكْمِ عليها، كان وُجُودُه كعَدَمِه، ولأنَّ الطائِرَ وسائِرَ الصَّيْدِ مِن طَبْعِه النُّفُورُ، وإنَّما يَبْقَى بالمانِعِ، فإذا أُزِيلَ المانِعُ ذَهَبَ بِطبْعِه، فكان ضَمَانُه على مَن أزَالَ المانِعَ، كمن قَطعَ عِلَاقَةَ قِنْدِيلٍ، فوَقَعَ فَانْكَسَرَ. وهكذا لو حَلَّ قَيْدَ عَبْدٍ فذَهَبَ، أو أَسِيرٍ فأَفْلَتَ. وإن فَتَحَ القَفَصَ، وحَلَّ الفَرَسَ، فَبَقِيَا واقِفَيْنِ، فجاءَ إنْسانٌ فنَفَّرَهُما فذَهَبَا، فالضَّمَانُ على مُنَفِّرِهِما؛ لأنَّ سَبَبَهُ أخَصُّ، فاخْتَصَّ الضَّمَانُ به، كالدَّافِعِ مع الحافِرِ. وإن وَقَعَ طائِرُ إِنْسانٍ على جِدَارٍ، فنَفَّرَهُ إِنْسانٌ، فطَارَ، لم يَضْمَنْهُ؛ لأنَّ تَنْفِيرَه لم يَكُنْ سَبَبَ فَوَاتِه، فإنَّه كان مُمْتَنِعًا قبلَ ذلك. وإن رَمَاهُ فقَتَلَهُ، ضَمِنَه. وإن كان في دَارِه؛ لأنَّه كان يُمْكِنُه تَنْفِيرُه بغيرِ قَتْلِه. وكذلك لو مَرَّ الطائِرُ في هَوَاءِ دَارِه، فرَمَاهُ فقَتَلَهُ، ضَمِنَهُ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ مَنْعَ الطّائِرِ من هَوَاءِ دارِه (٤٤)، فهو كما لو رَمَاهُ في هَوَاءِ دارِ غيرِه.
فصل: ولو حَلَّ زِقًّا فيه مائِعٌ، فانْدَفَقَ، ضَمِنَهُ، سواءٌ خَرَجَ في الحالِ، أو خَرَجَ قَلِيلًا قَلِيلًا، أو خَرَجَ منه شيءٌ بَلَّ أَسْفَلَهُ فسَقَطَ، أو ثَقَّلَ أَحَدَ جَانِبَيْه فلم يَزَلْ يَمِيلُ قَلِيلًا قَلِيلًا حتى سَقَطَ، أو سَقَطَ بِرِيحٍ، أو بِزَلْزَلَةِ الأَرْضِ، أو كان جَامِدًا فذَابَ. بِشَمْسٍ؛ لأنَّه تَلِفَ بِسَبَبِ فِعْلِه. وقال القاضي: لا يَضْمَنُ إذا سَقَطَ بِرِيحٍ أو زَلْزَلَةٍ، ويَضْمَنُ فيما سِوَى ذلك. وهو قولُ أصْحَابِ الشّافِعِيِّ. ولهم فيما إذا ذابَ بالشَّمْسِ وَجْهَانِ، واحْتَجُّوا بأنَّ فِعْلَه غيرُ مُلْجِئٍ، والمَعْنَى الحادِثُ مُبَاشَرَةٌ، فلم يَتَعَلَّق الضَّمَانُ (٤٥)
стр. 3659
بِفِعْلِه. كما لو دَفَعَهُ إِنْسَانٌ. ولَنا، أنَّ فِعْلَهُ سَبَبُ تَلَفِه، ولم يَتَخَلَّلْ بينهما ما يُمْكِنُ إحَالَةُ الحُكْمِ عليه، فوَجَبَ عليه الضَّمَانُ، كما لو خَرَجَ عَقِيبَ فِعْلِه، أو مالَ قَلِيلًا قَلِيلًا، وكما لو جَرَحَ إِنْسَانًا، فأصَابَهُ الحَرُّ أو البَرْدُ، فَسَرَتِ الجِنَايَةُ فإنَّه يَضْمَنُ. وأمَّا إن دَفَعَهُ إِنْسانٌ، فإنَّ المُتَخَلِّلَ بينهما مُبَاشَرَةٌ يُمْكِنُ الإِحَالَةُ عليها، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. ولو كان جامِدًا، فأَدْنَى منه آخَرُ نَارًا، فأَذابَهُ فسَالَ، فالضَّمَانُ على مَن أذَابَهُ؛ لأنَّ سَبَبَهُ أخَصُّ، لِكَوْنِ التَّلَفِ يَعْقُبُهُ، فأَشْبَهَ المُنَفِّرَ مع فاتِحِ القَفَصِ. وقال بعضُ الشّافِعِيَّةِ: لا ضَمَانَ على واحدٍ منهما، كسَارِقَيْنِ نَقَّبَ أحَدُهُما، وأَخْرَجَ الآخَرُ (٤٦) المَتاعَ. وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ مُدْنِىَ النَّار ألْجَأَهُ إلى الخُرُوجِ، فضَمِنَه، كما لو كان واقِفًا فدَفَعَهُ. والمَسْأَلَةُ حُجَّةٌ عليه؛ فإنَّ الضَّمَانَ على مُخْرِجِ المتَاعِ من الحِرْزِ، والقَطْعُ حَدٌّ (٤٧) لا يَجِبُ إلَّا بِهَتْكِ الحِرْزِ [وأخْذِ المالِ] (٤٨) جَمِيعًا، ثم إن الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، بِخِلَافِ الضَّمَانِ. ولو أذَابَه أحَدُهُما أَوَّلًا، ثم فَتَحَ الثانِى رَأْسَه، فانْدَفَقَ، فالضَّمَانُ على الثانِى؛ لأنَّ التَّلَفَ تَعَقَّبَهُ. وإن فَتَحَ زِقًّا مُسْتَعْلِىَ الرَّأْسِ، فخَرَجَ بعضُ ما فيه، واسْتَمَرَّ خُرُوجُه قَلِيلًا قَلِيلًا، فجاءَ آخَرُ فنَكَّسَهُ، فانْدَفَقَ، فضَمَانُ ما خَرَجَ بعد التَّنْكِيسِ على المُنَكِّسِ، وما قَبْلَهُ على الفاتِحِ؛ لأنَّ فِعْلَ الثانِى أخَصُّ، كالجارِحِ والذَّابِحِ.
فصل: وإن حَلَّ رِبَاطَ سَفِينَةٍ فذَهبَتْ أو غَرِقَتْ، فعليه قِيمَتُها، سواءٌ تَعَقَّبَ فِعْلَه أو تَرَاخَى. والخِلَافُ فيها كالخِلَافِ في الطّائِرِ في القَفَصِ.
فصل: وإذا أَوْقَدَ في مِلْكِه نارًا، أو في مَوَاتٍ، فطَارَتْ شَرَارَةٌ إلى دارِ جَارِه فأَحْرَقَتْها، أو سَقَى أَرْضَه فنَزَلَ الماءُ إلى أَرْضِ جَارِه فغَرَّقَها، لم يَضْمَنْ إذا كان فَعَلَ ما جَرَتْ به العادَةُ من غيرِ تَفْرِيطٍ؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ، ولأنَّها سِرَايَةُ فِعْلٍ مُبَاحٍ، فلم يَضْمَنْ،
стр. 3660
كسِرَايَةِ القَوَدِ، وفارَقَ مَن حَلَّ زِقًّا فانْدَفَقَ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بِحَلِّه، ولأنَّ الغالِبَ خُرُوجُ المائِعِ من الزِّقِّ المَفْتُوحِ، وليس الغالِبُ سِرَايةَ هذا الفِعْلِ المُعْتَادِ إلى تَلَفِ مالِ غيرِه. وإن كان ذلك (٤٩) بِتَفْرِيطٍ منه، بأن أَجَّجَ نَارًا تَسْرِى في العادَةِ لِكَثْرَتِها، أو في رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَحْمِلُها، أو فَتَحَ مَاءً كَثِيرًا يَتَعَدَّى، أو فَتَحَ الماءَ في أرْضِ غيرِه، أو أَوْقَدَ في دارِ غيرِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ به. وإن سَرَى إلى غير الدَّارِ التي أوْقَدَ فيها، والأَرْضِ التي فَتَحَ (٥٠) الماءَ فيها؛ لأنَّها سِرَايةُ عُدْوَانٍ، أَشْبَهَتْ سِرَايَةَ الجُرْحِ الذي تَعَدَّى به. وإن أَوْقَدَ نارًا فأَيْبَسَتْ أغْصَانَ شَجَرَةِ غيرِه، ضَمِنَها؛ لأنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا من نارٍ كَثِيرَةٍ، إلَّا أن تكونَ الأَغْصَانُ في هَوَائِه، فلا يَضْمَنُها؛ لأنَّ دُخُولَها عليه غيرُ مُسْتَحقٍّ، فلا يُمْنَعُ من التَّصَرُّفِ في دَارِه؛ لِحُرْمَتِها. وهذا ال فصلُ مذهبُ الشّافِعِيِّ فيه (٥٠) كما ذَكَرْنا سواءٌ.
فصل: وإن أَلْقَتِ الرِّيحُ إلى دَارِه ثَوْبَ غيرِه، لَزِمَهُ حِفْظُه؛ لأنَّه أمَانَةٌ حَصَلَتْ تحتَ يَدِه، فلَزِمَهُ حِفْظُه، كاللُّقَطَةِ. وإن لم يَعْرِفْ صَاحِبَهُ، فهو لُقَطَةٌ تَثْبُتُ فيه أحْكَامُها. وإن عَرَفَ صَاحِبَهُ، لَزِمَهُ إِعْلَامُه، فإن لم يَفْعَلْ ضَمِنَهُ؛ لأنَّه أَمْسَكَ مالَ غيرِه بغيرِ إِذْنِه من غيرِ تَعْرِيفٍ، فصارَ كالغاصِبِ. وإن سَقَطَ طَائِرٌ في دَارِه، لم يَلْزَمْهُ حِفْظُه، ولا إِعْلَامُ صاحِبِه؛ لأنَّه مَحْفُوظٌ بِنَفْسِه. وإن دَخَلَ بُرْجَهُ، فأَغْلَقَ عليه البابَ ناوِيًا إِمْسَاكَه لِنَفْسِه، ضَمِنَهُ؛ لأنَّه أمْسَكَ مالَ غيرِه لِنَفْسِه، فهو كالغاصِبِ، وإلَّا فلا ضَمَانَ عليه؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ في بُرْجِه كيف شاءَ، فلا يَضْمَنُ مالَ غيرِه بِتَلَفِه ضِمْنًا، لِتَصَرُّفِه الذي لم يَتَعَدَّ فيه.
فصل: إذا أكَلَتْ بَهِيمَةٌ حَشِيشَ قَوْمٍ، ويَدُ صَاحِبِها عليها، لِكَوْنِه معها، ضَمِنَ، وإن لم يَكُنْ معها، لم يَضْمَنْ ما أكَلَتْهُ. وإذا اسْتَعارَ من رَجُلٍ بَهِيمَتَه، فأتْلَفَتْ
стр. 3661
شيئا وهى في يَدِ المُسْتَعِيرِ، فضَمَانُه على المُسْتَعِيرِ، سواءٌ أتْلَفَتْ شيئا لِمَالِكِها أو لغيرِه؛ لأنَّ ضَمَانَهُ يَجِبُ باليَدِ، واليَدُ لِلْمُسْتَعِيرِ. وإن كانت البَهِيمَةُ في يَدِ الرّاعِى، فأَتْلَفَتْ زَرْعًا، فالضَّمَانُ على الرَّاعِى دُونَ صَاحِبِها؛ لأنَّ إتْلَافَها لِلزَّرْعِ في النَّهارِ لا يُضْمَنُ إلَّا بِثُبُوتِ اليَدِ عليها، واليَدُ لِلرَّاعِي دون المالِكِ، فكان الضَّمَانُ عليه، كالمُسْتَعِيرِ. وإن كان الزَّرْعُ لِلْمَالِكِ، فإن كان لَيْلًا ضَمِنَ أيضًا؛ لأنَّ ضَمَانَ اليَدِ أقْوَى، بِدَلِيلِ أنَّه يَضْمَنُ به في اللَّيْلِ والنَّهَارِ جميعا.
فصل: إذا شَهِدَ بالغَصْبِ شَاهِدَانِ، فشَهِدَ أحَدُهُما أنَّه غَصَبَهُ يومَ الخَمِيسِ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه غَصَبَهُ يومَ الجُمُعَةِ، لم تَتِمَّ البَيِّنَةُ، وله أن يَحْلِفَ مع أحَدِهِما. وإن شَهِدَ أحَدُهُما أنَّه أقَرَّ بالغَصْبِ يومَ الخَمِيسِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ بِغَصْبِهِ (٥١) يومَ الجُمُعةِ، [ثَبَتَتِ البَيِّنَةُ؛ لأنَّ الإِقْرَارَ وإن اخْتَلَفَ رَجَعَ إلى أَمْرٍ واحدٍ. وإن شَهِدَ أنَّه أقَرَّ أنَّه غَصَبَهُ يوم الخَمِيسِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه [أقَرَّ أنَّه] (٥٢) غَصَبَهُ يوم الجُمُعةِ] (٥٣)، لم تَثْبُتِ البَيِّنَةُ أيضًا. وإن شَهِدَ له واحِدٌ، وحَلَفَ معه، ثَبَتَ الغَصْبُ، فلو كان الغاصِبُ حَلَفَ [أنَّه لم يَغْصِبْهُ بالطَّلاقِ] (٥٤) لم نُوقِعْ طَلَاقَهُ؛ لأنَّ الشَّاهِدَ واليَمِينَ بَيِّنَةٌ في المالِ، لا في الطَّلَاقِ. واللهُ أعلمُ.
стр. 3662
كتابُ الشُّفْعَةِ
وهى اسْتِحْقَاقُ الشَّرِيكِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيكِه المُنْتَقِلَةِ عنه مِن يَدِ مَن انْتَقَلَتْ إليه. وهى ثابِتَةٌ بالسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ؛ أمَّا السُّنَّةُ، فما رَوَى (١) جابِرٌ رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قَضَى رسولُ اللَّه ﷺ بالشُّفْعَةِ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فلا شُفْعَةَ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولِمُسْلَمٍ قال: قَضَى رسولُ اللَّه ﷺ بالشُّفْعَةِ في كلِّ شِرْكٍ لم يُقْسَمْ؛ رَبْعَةٍ (٣)، أو حائِطٍ، لا يَحِلُّ له أن يَبِيعَ حتى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ. فإن شَاءَ أخَذَ، وإن شَاءَ تَرَكَ، فإن باعَ ولم يَسْتَأْذِنْهُ فهو أحَقُّ به. ولِلْبُخَارِيِّ: إنَّما جَعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ الشُّفْعَةَ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فلا شُفْعَةَ. وأمَّا الإِجْمَاعُ، فقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على إِثْباتِ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ الذي لم يُقَاسِمْ، فيما بِيعَ من أَرْضٍ أو دَارٍ أو حائِطٍ. والمَعْنَى في ذلك أنَّ أحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذا أرَادَ أن يَبِيعَ نَصِيبَه، وتَمَكَّنَ من بَيْعِه لِشَرِيكِه، وتَخْلِيصِه ممَّا كان بصَدَدِه (٤) من تَوَقُّعِ
стр. 3663
الخَلَاصِ والاسْتِخْلَاصِ، فالذى يَقْتَضِيهِ حُسْنُ العِشْرَةِ، أن يَبِيعَه منه، لِيَصِل إلى غَرَضِه من بَيْعِ نَصِيبِه، وتَخْلِيصِ شَرِيكِه من الضَّرَرِ، فإذا لم يَفْعَلْ ذلك، وبَاعَهُ لأَجْنَبِيٍّ، سَلَّطَ الشَّرْعُ الشَّرِيكَ على صَرْفِ ذلك إلى نَفْسِه. ولا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَ هذا إلَّا الأَصَمَّ، فإنَّه قال: لا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ؛ لأنَّ في ذلك إِضْرَارًا بأَرْبَابِ الأَمْلَاكِ، فإنَّ المُشْتَرِىَ إذا عَلِمَ أنَّه يُؤْخَذُ منه إذا ابْتَاعَهُ، لم يَبْتَعْهُ، ويَتَقَاعَدُ الشَّرِيكُ عن الشِّرَاءِ، فيَسْتَضِرُّ المالِكُ. وهذا ليس بشيءٍ؛ لِمُخَالَفَتِه الآثَارَ الثابِتَةَ والإِجْمَاعَ المُنْعَقِدَ قبلَه. والجَوَابُ عمَّا ذَكَرَه من وَجْهَيْنِ؛ أحَدهما، أنَّا نُشَاهِدُ الشُّرَكَاءَ يَبِيعُون، ولا يُعْدَمُ مَنْ يَشْتَرِى منهم غيرَ شُرَكَائِهِم، ولم يَمْنَعْهُم اسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ من الشِّرَاءِ. الثاني، أنَّه يُمْكِنُه إذا لَحِقَتْه بذلك مَشَقَّةٌ أن يُقَاسِمَ، فَيَسْقُطَ اسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ، واشْتِقَاقُ الشُّفْعَةِ من الشَّفْعِ (٥)، وهو الزَّوْجُ، فإنَّ الشَّفِيعَ كان نَصِيبُه مُنْفَرِدًا في مِلْكِه، فبالشُّفْعَةِ يَضُمُّ المَبِيعَ إلى مِلْكِه فيَشْفَعُهُ به. وقِيلَ: اشْتِقَاقُها من الزِّيَادَةِ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَزِيدُ المَبِيعَ في مِلْكِهِ.
٨٧١ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وَلَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ إلَّا لِلشَّرِيكِ الْمُقَاسِمِ، فَإذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ على (١) خِلَافِ الأَصْلِ، إذ هي انْتِزَاعُ مِلْكِ المُشْتَرِى بغيرِ رِضَاءٍ منه، وإِجْبَارٌ له على المُعَاوَضَةِ، مع ما ذَكَرَهُ الأَصَمُّ، لكنْ أَثْبَتَها الشَّرْعُ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ، فلا تَثْبُتُ إلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ: أحدها، أن يكونَ المِلْكُ مُشَاعًا غيرَ مَقْسُومٍ، فأمَّا الجارُ فلا شُفْعَةَ له. وبه قال عمرُ، وعثمانُ، وعمرُ بن عبد العزيزِ، وسَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وسُلَيْمانُ بن يَسَارٍ، والزُّهْرِيُّ، ويحيى الأَنْصَارِيُّ، وأبو الزِّنَادِ، ورَبِيعَةُ، والمُغِيرَةُ بن عبد الرحمنِ، ومالِكٌ، والأَوْزَاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو
стр. 3664
ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وقال ابنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ أبي لَيْلَى، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: الشُّفْعَةُ بالشَّرِكَةِ، ثم بالشَّرِكَةِ في الطَّرِيقِ، ثم بالجِوَارِ. وقال أبو حنيفةَ: يُقَدَّمُ الشَّرِيكُ، فإن لم يَكُنْ، وكان الطَّرِيقُ مُشْتَرَكًا، كدَرْبٍ لا يَنْفُذُ، تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لجَمِيعِ أهْلِ الدَّرْبِ، الأَقْرَبِ فالأَقْرَبِ، فإن لم يَأْخُذُوا، ثَبَتَتْ لِلمُلَاصِقِ من دَرْبٍ آخَرَ خاصَّةً. وقال العَنْبَرِيُّ، وسَوَّارٌ: تَثْبُتُ بالشَّرِكَةِ في المِلْكِ (٢)، وبالشَّرِكَةِ في الطَّرِيقِ. واحْتَجُّوا بما رَوَى أبو رَافِعٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الْجَارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ (٣) ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ وأبو دَاوُدَ (٤). ورَوَى الحَسَنُ، عن سَمُرَةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "جَارُ الدَّارِ أحَقُّ بالدَّارِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٥). قال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَوَى (٦) التِّرْمِذِيُّ في حَدِيثِ جَابِرٍ (٧): "الْجَارُ أحَقُّ بِدَارِه بِشُفْعَتِهِ (٨) يَنْتَظِرُ بِهِ إذَا كَانَ غَائِبًا، إذَا
стр. 3665
كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا". وقال حَدِيثٌ حَسَنٌ. ولأنَّه اتِّصَالُ مِلْكٍ يَدُومُ ويَتَأَبَّدُ، فتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ به (٩)، كالشَّرِكَةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ" (١٠). ورَوَى ابن جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيد بن المُسَيَّبِ، أو عن أبي سَلَمَةَ، أو عنهما، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذَا قُسِمَتِ الْأَرْضُ، وحُدَّتْ، فلا شُفْعَةَ فيها". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١١). ولأنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ في مَوْضِعِ الوِفَاقِ على خِلَافِ الأَصْلِ، لِمَعْنًى مَعْدُومٍ في مَحلِّ النِّزَاعِ، فلا تَثْبُتُ فيه، وبَيَانُ انْتِفَاءِ المَعْنَى، هو أنَّ الشَّرِيكَ ربَّما دَخَلَ عليه شَرِيكٌ، فيَتَأَذَّى به، فتَدْعُوهُ الحاجَةُ إلى مُقَاسَمَتِه أو يَطْلُبُ (١٢) الدَّاخِلُ المُقَاسَمَةَ، فيَدْخُلُ الضَّرَرُ على الشَّرِيكِ بِنَقْصِ قِيمَةِ مِلْكِه، وما يَحْتَاجُ إلى إحْدَاثِه من المَرَافِقِ، وهذا لا يُوجَدُ في المَقْسُومِ. فأمَّا حَدِيثُ أبي رَافِعٍ، فليس بِصَرِيحٍ في الشُّفْعَةِ، فإنَّ الصَّقَبَ القُرْبُ. يقال بالسِّينِ والصّادِ. قال الشاعِرُ (١٣):
كُوفِيَّةٌ نازِحٌ مَحِلَّتُها ... لا أَمَمٌ دارُها ولا صَقَبُ
فيَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ بإِحْسَانِ جارِه وصِلَتِه وعِيَادَتِه ونحوِ ذلك. وخَبَرُنا صَرِيحٌ صَحِيحٌ، فَيُقَدَّمُ، وبَقِيَّةُ الأحَادِيثِ في أسَانِيدِها مَقَالٌ، فحَدِيثُ سَمُرَةَ يَرْوِيهِ عنه الحَسَنُ، ولم يَسْمَعْ منه إلَّا حَدِيثَ العَقِيقَةِ. قالَه أصْحَابُ الحَدِيثِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: الثابِتُ عن رسولِ اللَّه ﷺ حَدِيثُ جَابِرٍ، الذي رَوَيْناهُ، وما عَداهُ من الأحَادِيثِ فيها مَقَالٌ. على أنَّه يحتمِلُ أنَّه أرَادَ بالجارِ الشَّرِيكَ؛ فإنَّه جَارٌ أيضًا، (١٤) ويُسَمَّى كلُّ واحدٍ من الزَّوْجَيْنِ جارًا، قال الشاعِرُ:
أجَارَتَنَا بِينِى فإنَّكِ طَالِقَهْ ... كذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ غادٍ وطَارِقَهْ
стр. 3666
قالَه (١٥) الأَعْشَى. وتُسَمَّى الضَّرَّتَانِ جَارَتَيْنِ؛ لِاشْتِرَاكِهِما في الزَّوْجِ. قال حَمَلُ بن مالِكٍ: كنتُ بين جَارَتَيْنِ لي، فضَرَبَتْ إحْدَاهُما الأُخْرَى بِمِسْطَحٍ (١٦)، فقَتَلَتْها وجَنِينَها. وهذا يُمْكِنُ في تَأْوِيلِ حَدِيثِ أبي رَافِعٍ أيضًا. إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بين كَوْنِ الطَّرِيقِ مُفْرَدَةً أو مُشْتَرَكَةً. قال أحمدُ، في رِوَايةِ ابن القاسِمِ، في رَجُلٍ له أَرْضٌ تَشْرَبُ هي وأَرْضُ غيرِه من نَهْرٍ واحدٍ: ولا شُفْعَةَ له من أجْلِ الشُّرْبِ، إذا وَقَعَتِ الحُدُودُ فلا شُفْعَةَ. وقال، في رِوَايةِ أبي طَالِبٍ، وعبدِ اللَّه، ومُثَنَّى، في مَن لا يَرَى الشُّفْعَةَ بالجِوَارِ، وقُدِّمَ إلى الحاكِمِ فأنْكَرَ: لم يَحْلِفْ، إنَّما هو اخْتِيَارٌ، وقد اخْتَلَفَ الناسُ فيه. قال القاضي: إنَّما هذا لأنَّ يَمِينَ المُنْكِرِ ههُنَا على القَطْعِ والبَتِّ، ومَسَائِلُ الاجْتِهادِ مَظْنُونَةٌ، فلا يُقْطَعُ بِبُطْلَانِ مَذْهَبِ المُخَالِفِ. ويُمْكِنُ أن يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ ههُنا على الوَرَعِ، لا على التَّحْرِيمِ؛ لأنَّه يَحْكُمُ بِبُطْلَانِ مذهبِ المُخَالِفِ. ويجوزُ لِلْمُشْتَرِى الامْتِنَاعُ به من تَسْلِيمِ المَبِيعِ، فيما بَيْنَهُ وبين اللهِ تعالى.
فصل: الشَّرْطُ الثاني، أن يكونَ المَبِيعُ أرْضًا؛ لأنَّها التي تَبْقَى على الدَّوَامِ، ويَدُومُ ضَرَرُها، وأمَّا غيرُها فيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ أحدَهما، تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ تَبَعًا للأَرْضِ، وهو البِنَاءُ والغِرَاسُ يُبَاعُ مع الأَرْضِ، فإنَّه يُؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ تَبَعًا للأَرْضِ، بغيرِ خِلَافٍ في المَذْهَب، ولا نَعْرِفُ فيه بينَ مَن أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ خِلَافًا. وقد دَلَّ عليه (١٧) قولُ النبيِّ ﷺ ، وقَضَاؤُه بالشُّفْعَةِ في كُلِّ شِرْكٍ لم يُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أو حائِطٍ (١٨). وهذا يَدْخُلُ فيه البِنَاءُ والأَشْجَارُ (١٩). القسم الثاني، ما لا تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ تَبَعًا ولا مُفْرَدًا، وهو الزَّرْعُ
стр. 3667
والثَّمَرةُ الظاهِرَةُ تُبَاعُ مع الأَرْضِ؛ فإنَّه لا يُؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ مع الأَصْلِ. وبهذا قال الشّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ: يُؤْخَذُ ذلك بالشُّفْعَةِ مع أُصُولِه؛ لأنَّه مُتَّصِلٌ بما فيه الشُّفْعَةُ، فيَثْبُتُ فيه الشُّفْعةُ تَبَعًا (٢٠)، كالبِنَاءِ والغِرَاسِ. ولَنا، أنَّه لا يَدْخُلُ في البَيْعِ تَبَعًا، فلا يُؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ، كقُمَاشِ الدَّارِ، وعَكْسُه البِنَاءُ والغِرَاسُ، وتَحْقِيقُه أنَّ الشُّفْعَةَ بَيْعٌ في الحَقِيقَةِ، لكنَّ الشّارِعَ جَعَلَ له سُلْطَانَ الأَخْذِ بغيرِ رِضَى المُشْتَرِى، فإن بِيعَ الشَّجَرُ وفيه ثَمَرَةٌ غيرُ ظَاهِرَةٍ، كالطَّلْعِ غيرِ المُؤَبَّرِ، دَخَلَ في الشُّفْعَةِ؛ لأنَّها تَتْبَعُ في البَيْعِ، فأَشْبَهَتِ الغِرَاسَ في الأَرْضِ. وأمَّا ما بِيعَ مُفْرَدًا من الأَرْضِ، فلا شُفْعَةَ فيه، سواءٌ كان ممَّا يُنْقَلُ، كالحَيَوانِ والثِّيَابِ والسُّفُنِ والحِجَارَةِ والزَّرْعِ والثِّمارِ، أو لا يُنْقَلُ، كالبِنَاءِ والغِرَاسِ إذا بِيعَ مُفْرَدًا. وبهذا قال الشّافِعِيُّ، وأصْحَابُ الرَّأْى. ورُوِىَ عن الحَسَنِ، والثَّوْرِيِّ، والأَوْزَاعِيِّ، والعَنْبَرِيِّ، وقَتَادَةَ، ورَبِيعَةَ، وإسحاقَ: لا شُفْعَةَ في المَنْقُولَاتِ. واخْتَلَفَ (٢١) عن مالِكٍ وعَطَاءٍ، فقالا مَرَّةً كذلك، ومَرَّةً قالا: الشُّفْعَةُ في كلِّ شيءٍ، حتى في الثَّوْبِ. قال ابنُ أبي موسى: وقد رُوِىَ عن أبي عبدِ اللَّه رِوَايةٌ أُخْرَى، أنَّ الشُّفْعَةَ واجِبَةٌ فيما لا يَنْقَسِمُ كالحِجَارَةِ والسَّيْفِ والحَيَوانِ، وما في مَعْنَى ذلك. قال أبو الخَطَّابِ: وعن أحمدَ رِوَايةٌ أُخْرَى، أنَّ الشُّفْعةَ تَجِبُ في البِنَاءِ والغِرَاسِ، وإن بِيعَ مُفْرَدًا (٢٢). وهو قولُ مالِكٍ؛ لِعُمُومِ قولِه ﵇: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ". ولأنَّ الشُّفْعَةَ وُضِعَتْ لِدَفْعِ (٢٣) الضَّرَرِ، وحُصُولُ الضَّرَرِ بالشَّركِةِ فيما لا يَنْقَسِمُ أَبْلَغُ منه فيما يَنْقَسِمُ، ولأنَّ ابنَ أبي مُلَيْكَةَ رَوَى أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الشُّفْعَةُ في كُلِّ شَيْءٍ" (٢٤). ولَنا، أنَّ قولَ النبيِّ ﷺ : "الشُّفْعَةُ فِيمَا لم يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ". لا يتَنَاوَلُ إلَّا ما ذَكَرْناهُ، وإنَّما أرَادَ مالَا
стр. 3668
يَنْقَسِمُ من الأَرْضِ، بِدَلِيلِ قوله: "فَإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ". ولأنَّ هذا ممَّا لا يَتَبَاقَى على الدَّوَامِ، فلا تَجِبُ فيه الشُّفْعَةُ، كصُبْرَةِ الطَّعَامِ، وحَدِيثُ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ مُرْسَلٌ، لم يَرِدْ (٢٥) في الكُتُب المَوْثُوقِ بها، والحُكْمُ في الغِرَافِ (٢٦) والدُّولابِ والنَّاعُورَةِ، كالحُكْمِ في البِنَاءِ. فأَمَّا إن بِيعَتِ الشَّجَرَةُ مع قَرَارِهَا من الأَرْضِ، مُفْرَدَةً عمَّا يَتَخَلَّلُها من الأَرْضِ، فحُكْمُها حُكْمُ ما لا يَنْقَسِمُ من العَقَارِ، ولأنَّ هذا ممَّا لا يَنْقَسِمُ، على ما سَنَذْكُرُه. ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ الشُّفْعَةُ فيها بحالٍ؛ لأنَّ القَرَارَ تابِعٌ لها، فإذا لم تَجِب الشُّفْعَةُ فيها مُفْرَدَةً، لم تَجِبْ في (٢٧) تَبَعِها. وإن بِيعَتْ حِصَّةٌ من عُلْوِ دَارٍ مُشْتَرَكٍ نَظَرْتَ؛ فإن كان السَّقْفُ الذي تَحْتَه لِصَاحِبِ السُّفْلِ، فلا شُفْعَةَ في العُلْوِ؛ لأنَّه بِنَاءٌ مُفْرَدٌ، وإن كان لِصَاحِبِ العُلْوِ، فكذلك؛ لأنَّه بِنَاءٌ مُنْفَرِدٌ لِكَوْنِه لا أَرْضَ له، فهو كما لو لم يَكُنِ السَّقْفُ له. ويَحْتَمِلُ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ؛ لأنَّ له قَرَارًا، فهو كالسُّفْلِ.
فصل: الشَّرط الثالث، أن يكونَ المَبِيعُ ممَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُه، فأمَّا ما لا يُمْكِنُ قِسْمَتُه من العَقَارِ، كالحَمَّامِ الصَّغِيرِ، والرَّحَى الصَّغِيرَة، والعِضَادَةِ (٢٨)، والطَّرِيقِ الضَّيِّقَةِ، والعِرَاصِ (٢٩) الضَّيِّقَةِ، فعن أحمدَ فيها رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، لا شُفْعَةَ فيه. وبه قال يحيى بن سَعِيدٍ، ورَبِيعَةُ، والشّافِعِيُّ. والثانية، فيها الشُّفْعَةُ. وهو قول أبي حينفةَ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ سُرَيْجٍ وعن مالِكٍ كالرِّوَايَتَيْنِ. وَوَجْهُ هذا عُمُومُ قولِه ﵇: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لم يُقْسَمْ". وسائِرُ الأَلْفَاظِ العَامّةِ، ولأنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ لإِزَالَةِ ضَرَرِ المُشَارَكَةِ، والضَّرَرُ في هذا النَّوْعِ أكْثَرُ؛ لأنَّه يَتَأَبَّدُ ضَرَرُه. والأَوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ،
стр. 3669
لما رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا شُفْعَةَ في فِنَاءٍ، ولَا طَرِيقٍ، ولَا مَنْقَبَةٍ" (٣٠). والمَنْقَبَةُ: الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ. رَوَاهُ أبو الخَطَّابِ في "رُءُوسِ المسَائِلِ". وروى عن عُثْمانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: لا شُفْعَةَ في بِئْرٍ ولا فَحْلٍ (٣١). ولأنَّ إِثْبَاتَ الشُّفْعَةِ في هذا يَضُرُّ بالبائِعِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُه أن يَتَخَلَّصَ من إِثْباتِ الشُّفْعَةِ في نَصِيبِه بالقِسْمَةِ، وقد يَمْتَنِعُ المُشْتَرِى لأَجْلِ الشَّفِيعِ، فيَتَضَرَّرُ البائِعُ، وقد يَمْتَنِعُ البَيْعُ، فتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ، فيُؤَدِّى إِثْبَاتُها إلى نَفْيِها. ويُمْكِنُ أن يُقَالَ: إنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما تَثْبتُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الذي يَلْحَقُه بالمُقَاسَمَةِ، لما يَحْتَاجُ إليه من إِحْدَاثِ المرَافِقِ الخاصَّةِ، ولا يُوجَدُ هذا فيما لا يَنْقَسِمُ. وقولُهم: إن الضَّرَرَ ههُنا أكْثَرُ لتَأَبُّدِه. قُلْنا: إلَّا أنَّ الضَّرَرَ في مَحلِّ الوِفَاقِ من غيرِ جِنْسِ هذا الضَّرَرِ، وهو ضَرَرُ الحاجَةِ إلى إِحْدَاثِ المَرافِقِ الخاصَّة، فلا يُمْكِنُ التَّعْدِيَةُ، وفى الشُّفْعَةِ ههُنا ضَرَرٌ غيرُ مَوْجُودٍ في مَحلِّ الوِفَاقِ (٣٢)، وهو ما ذَكَرْنَاهُ، فتَعَذَّرَ الإِلْحاقُ، فأمَّا ما أمْكَنَ قِسْمَتُه ممَّا ذَكَرْنا، كالحَمّامِ الكَبِيرِ الواسِعِ البُيُوتِ، بحيثُ إذا قُسِّمَ لم يُسْتَضَرَّ بالقِسْمَةِ، وأمْكنَ الانْتِفَاعُ به حَمَّامًا، فإنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ فيه، وكذلك البِئْرُ والدُّورُ والعَضَائِدُ، متى أمْكنَ أن يَحْصُلَ من ذلك شَيْئانِ، كالبِئْرِ يَنْقَسِمُ بِئْرَيْنِ يَرْتَقِى الماءُ منهما، وَجَبَتِ (٣٣) الشُّفْعَةُ. وكذلك إن كان مع البئْرِ بَيَاضُ أرْضٍ، بحيثُ يَحْصُلُ البِئْرُ في أحَدِ النَّصِيبَيْنِ، وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ أيضًا؛ لأنَّه تُمْكِنُ القِسْمَةُ. وهكذا الرَّحَى إن كان لها حِصْنٌ يُمْكِنُ قِسْمَتُه، بحيثُ يَحْصُلُ، الحَجَرانِ (٣٤) في أحَدِ القِسْمَيْنِ، أو كان فيها أَرْبَعَةُ أَحْجَارٍ دَائِرَةٌ، يُمْكِنُ أن يَنْفَرِدَ كلُّ واحدٍ منهما بِحَجَرَيْنِ، وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ. وإن لم يُمْكِنْ إلَّا أن يَحْصُلَ لكلِّ واحدٍ منهما ما لا (٣٥)
стр. 3670
يَتَمَكَّنُ به (٣٦) من إِبْقَائِها رَحًى، لم تَجِبِ الشُّفْعَةُ. فأمَّا الطَّرِيقُ، فإنَّ الدَّارَ إذا بِيعَتْ ولها طَرِيقٌ في شارِعٍ أو دَرْبٍ نافِذٍ، فلا شُفْعَةَ في تلك (٣٧) الدَّارِ ولا في الطَّرِيقِ؛ لأنَّه لا شَرِكَةَ لأَحَدٍ في ذلك. وإن كان الطَّريقُ في دَرْبٍ غير نافِذٍ، ولا طَرِيقَ للدَّارِ سِوَى تلك الطَّرِيقِ، فلا شُفْعَةَ أيضًا؛ لأنَّ إِثْبَاتَ ذلك يَضُرُّ بالمُشْتَرِى، لأنَّ الدَّارَ تَبْقَى لا طَرِيقَ لها. وإن كان لِلدَّارِ بابٌ آخَرُ، يُسْتَطْرَقُ منه، أو كان لها مَوْضِعٌ يُفْتَحُ منه بابٌ لها إلى طَرِيقٍ نافِذٍ (٣٨)، نَظَرْنَا في طَرِيقِ (٣٩) المَبِيعِ من الدّارِ، فإن كان مِمَّا (٤٠) لا تُمْكِنُ قِسْمَتُه، فلا شُفْعَةَ فيه، وإن كان تُمْكِنُ قِسْمَتُه، وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ فيه؛ لأنَّه أَرْضٌ مُشْتَرَكَةٌ تَحْتَمِلُ القِسْمَةَ، فوَجَبَتْ فيه الشُّفْعَةُ، كغيرِ الطَّرِيقِ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ الشُّفْعَةُ فيها بحالٍ؛ لأنَّ الضَّررَ يَلْحَقُ المُشْتَرِىَ بِتَحْوِيلِ الطَّرِيقِ إلى مكانٍ آخَرَ، معِ ما في الأَخْذِ بالشُّفْعَةِ من تَفْرِيقِ (٤١) صَفْقَةِ المُشْتَرِى، وأخْذِ بعض المَبيعِ من العَقَارِ دُون بعضٍ، فلم يَجُزْ. كما لو كان الشَّرِيكُ في الطَّرِيقِ شَرِيكًا في الدّارِ، فأرَادَ أَخْذَ الطَّرِيقِ وَحْدَها. والقولُ في دِهْلِيزِ الجارِ وصَحْنِه، كالقولِ في الطَّرِيقِ المَمْلُوكِ. وإن كان نَصِيبُ المُشْتَرِى من الطَّرِيقِ أكْثَرَ من حَاجَتِه، فذَكَرَ القاضي أنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ في الزَّائِدِ بكلِّ حالٍ؛ لِوُجُودِ المُقْتَضِى، وعَدَمِ المانِعِ. والصَّحِيحُ أنَّه لا شُفْعَةَ فيه؛ لأنَّ في ثُبُوتِها تَبْعِيضَ صَفْقَةِ المُشْتَرِى، ولا يَخْلُو من الضَّرَرِ (٤٢).
فصل: الشَّرط الرابع، أن يكونَ الشِّقْصُ (٤٣) مُنْتَقِلًا بِعِوَضٍ، وأما المُنْتَقِلُ بغير
стр. 3671
عِوَضٍ، كالهِبَةِ بغير ثَوَابٍ، والصَّدَقَةِ، والوَصِيَّةِ، والإِرْثِ، فلا شُفْعَةَ فيه، في قول عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم مالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مالِكٍ رِوَايةٌ أُخْرَى في المُنْتَقِلِ بِهِبَةٍ أو صَدَقَةٍ، أنَّ فيه الشُّفْعَةَ، ويَأْخُذُه الشَّفِيعُ بقِيمَتِه. وحُكِىَ ذلك عن ابنِ أبي لَيْلَى؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ لإِزَالَةِ ضَرَرِ الشَّرِكَة، وهذا مَوْجُودٌ في الشَّرِكَةِ كيفما كان، والضَّرَرُ اللاحِقُ بالمُتَّهِبِ دُونَ ضَرَرِ المُشْتَرِى؛ لأنَّ إِقْدَامَ المُشْتَرِى على شِرَاءِ الشِّقْصِ، وبَذْلَه مالَه فيه، دَلِيلُ حاجَتِه إليه، فانْتِزَاعُه منه أعْظَمُ ضَرَرًا مِن أَخْذِه ممَّن لم يُوجَدْ منه دَلِيلُ الحاجَةِ إليه. ولَنا، أنَّه انْتَقَلَ بغير عِوَضٍ، أشْبَه المِيرَاثَ، ولأنَّ مَحلَّ الوِفَاقِ هو البَيْعُ، والخَبَرُ ورَدَ فيه، وليس غيرُه في مَعْنَاه؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُه من المُشْتَرِى بمِثْلِ السبَّبَ الذي انْتَقَلَ به إليه، ولا يُمْكِنُ هذا في غيرِه، ولأنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بثَمَنِه، لا بِقِيمَتِه، وفى غيرِه يَأْخُذُه بقِيمَتِه، فافْتَرَقَا. فأمَّا المُنْتَقِلُ بِعِوَضٍ فيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ أحَدهما، ما عِوَضُه المالُ، كالبَيْعِ، فهذا فيه الشُّفْعَةُ بغير خِلَافٍ، وهو في حَدِيثِ جابِرٍ، فإن باعَ ولم يُؤْذِنْهُ فهو أحَقُّ به. وكذلك كلُّ عَقْدٍ جَرَى مَجْرَى البَيْعِ، كالصُّلْحِ بمعنى البَيْعِ، والصُّلْحِ عن الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ لِلْمالِ، والهِبَةِ المَشْرُوطِ فيها [ثَوابٌ معلومٌ] (٤٤)؛ لأنَّ ذلك بَيْعٌ ثَبَتَتْ فيه أحْكَامُ البَيْعِ، وهذا منها، وبه يقول مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ، إلَّا أنَّ أبَا حنيفةَ وأصْحَابَه قالوا: لا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ في الهِبَةِ المَشْرُوطِ فيها ثَوَابٌ حتى يَتَقَابَضَا؛ لأنَّ الهِبَةَ لا تَثْبُتُ إلَّا بالقَبْضِ، فأَشْبَهَتِ البَيْعَ بِشَرْطِ الخِيَارِ. ولَنا، أنَّه يَمْلِكُها بِعِوَضٍ هو مالٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى القَبْضِ في اسْتِحْقاقِ الشُّفْعَةِ، كالبَيْعِ، ولا يَصِحُّ ما قالُوه من اعْتِبَارِ لَفْظِ الهِبَةِ؛ لأنَّ العِوَضَ صَرَفَ اللَّفْظَ عن مُقْتَضَاهُ، وجَعَلَهُ عِبَارَةً عن البَيْعِ، خاصَّةً عندَهم، فإنَّه يَنْعَقِدُ بها النِّكَاحُ الذي لا تَصِحُّ الهِبَةُ فيه بالاتِّفَاقِ. القسم الثاني، ما انْتَقَلَ بِعِوَضٍ غيرِ المالِ، نحو أن يَجْعَلَ الشِّقْصَ مَهْرًا، أو عِوَضًا في الخُلْعِ، أو في الصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، فظَاهِرُ كلامِ
стр. 3672
الخِرَقِيِّ أنَّه لا شُفْعَةَ فيه (٤٥)؛ لأنَّه لم يَتَعَرَّضْ في جَمِيعِ مَسَائِلِه لغير البَيْعِ. وهذا قولُ أبي بكرٍ. وبه قال الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ، حَكَاهُ عنهم ابنُ المُنْذِرِ، واخْتَارَهُ. وقال ابنُ حامِدٍ: تَجِبُ فيه الشُّفْعَةُ. وبه قال ابنُ شُبْرُمَةَ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، ومالِكٌ، وابنُ أبي لَيْلَى، والشّافِعِيُّ. ثم اخْتَلَفُوا (٤٦) بِمَ يَأْخُذُه؟ فقال ابن شُبْرُمَةَ، ومالِك (٤٧)، وابنُ أبي لَيْلَى: يَأْخُذُ الشِّقْصَ بقِيمَتِه، قال القاضِى: هو قِيَاسُ قولِ ابن حامِدٍ؛ لأنَّنا لو أَوْجَبْنَا مَهْرَ المِثْلِ، لَقَوَّمْنَا البُضْعَ على الأَجَانِبِ، وأَضْرَرْنَا بالشَّفِيعِ؛ لأنَّ مَهْرَ المِثْلِ يَتَفَاوَتُ مع المُسَمَّى، لِتَسَامُحِ النَّاسِ فيه في العَادَةِ، بِخِلَافِ البَيْعِ. وقال الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ، قال ابنُ حَامِدٍ: إن كان الشِّقْصُ صَدَاقًا، أو عِوَضًا في خُلْعٍ، أو مُتْعَةً في طَلَاقٍ، أخَذَهُ الشَّفِيعُ بمَهْرِ المَرْأَةِ. وهو قول العُكْلِيِّ، والشّافِعِيِّ؛ لأنَّه مَلَكَ الشِّقْصَ [بِبَدَلٍ ليس له مِثْلٌ، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إلى قِيمَةِ البَدَلِ في الأَخْذِ بالشُّفْعَةِ] (٤٨)، كما لو بَاعَهُ بِعِوَضٍ، واحْتَجُّوا على أخْذِه بالشُّفْعَةِ بأنَّه عَقَارٌ مَمْلُوكٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فأَشْبَه البَيْعَ. ولَنا، أنَّه مَمْلُوكٌ بغيرِ مالٍ، أشْبَهَ المَوْهُوبَ والمَوْرُوثَ، ولأنَّه يَمْتَنِعُ (٤٩) أَخْذُه بمَهْرِ المِثْلِ؛ لما ذَكَرَهُ مالِكٌ، وبالقِيمَةِ لأنَّها ليستْ عِوَضَ الشِّقْصِ، فلا يَجُوزُ الأَخْذُ بها، كالمَوْرُوثِ، فيَتَعَذَّرُ أخْذُه، ولأنَّه ليس له عِوَضٌ يُمْكِنُ الأَخْذُ به، فأَشْبَهَ المَوْهُوبَ والمَوْرُوثَ، وفارَقَ البَيْعَ، فإنَّه أمْكَنَ الأَخْذُ بِعِوَضِه. فإن قُلْنا: إنه يُؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ. فطلَّق الزَّوْجُ قبلَ الدُّخُولِ، بعدَ عَفْوِ الشَّفِيعِ، رَجَعَ بِنِصْفِ ما أَصْدَقَها؛ لأنَّه مَوْجُودٌ في يَدِها بِصِفَتِه، وإن طَلَّقَها بعد أخْذِ الشَّفِيعِ، رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِه؛ لأنَّ مِلْكَها زَالَ عنه، فهو كما لو بَاعَتْهُ (٤٥)، وإن طَلَّقَ قبلَ عِلْمِ الشَّفِيعِ، ثم
стр. 3673
عَلِمَ، ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، حَقُّ الشَّفِيعِ مُقَدَّمٌ؛ لأنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، لأنَّه يَثْبُتُ بالنِّكاحِ (٥٠)، وحَقُّ الزَّوْجِ بالطَّلَاقِ. والثاني، حَقُّ الزَّوْجِ أَوْلَى؛ لأنَّه ثَبَتَ بالنَّصِّ والإِجْمَاعِ، والشُّفْعَةُ ههُنا لا نَصَّ فيها ولا إِجْمَاعَ. فأمَّا إن عَفَا الشَّفِيعُ، ثم طَلَّقَ الزَّوْجُ، فرَجَعَ في نِصْفِ الشِّقْصِ، لم يَسْتَحِقَّ الشَّفِيعُ الأَخْذَ منه. وكذلك إن جاءَ الفَسْخُ من قِبَلِ المَرْأَةِ، فرَجَعَ الشِّقْصُ كلُّه إلى الزَّوْجِ، لم يَسْتَحِقَّ الشَّفِيعُ أخْذَه؛ لأنَّه عَادَ إلى المالِكِ لِزَوَالِ العَقْدِ، فلم يَسْتَحِقَّ به الشَّفِيعُ، كالرَّدِّ بالعَيْبِ. وكذلك كلُّ فَسْخٍ يَرْجِعُ به الشِّقْصُ إلى العاقِدِ، كرَدِّه بِعَيْبٍ، أو مُقَايَلَةٍ، أو اخْتِلَافِ المُتَبَايِعَيْنِ، أو رَدِّه لِغَبْنٍ. وقد ذَكَرْنا في الإِقَالَةِ رِوَايةً أُخْرَى، أنَّها بَيْعٌ، فتَثْبُتُ فيها الشُّفْعةُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. فعلى هذا لو لم يَعْلَم الشَّفِيعُ حتى تَقَايَلَا، فله أن يَأْخُذَ مِن أيِّهما شاءَ. وإن عَفَا عن الشُّفْعَةِ في البَيْعِ، ثم تَقَايَلَا، فله الأَخْذُ بها.
فصل: وإذا جَنَى جِنَايَتَيْنِ، عَمْدًا وخَطَأً، فصَالَحَهُ منهما على شِقْصٍ، فالشُّفْعَةُ في نِصْفِ (٥١) الشِّقْصِ دُونَ باقِيه. وبه قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ. وهذا على الرِّوَايةِ التي نقولُ فيها: إنَّ مُوجِبَ العَمْدِ القِصَاصُ عَيْنًا. وإن قُلْنا: مُوجِبُه أحَدُ شَيْئَيْنِ. وَجَبَتِ (٥٢) الشُّفْعَةُ فَى الجَمِيعِ. وقال أبو حنيفةَ: لا شُفْعةَ في الجَمِيعِ؛ لأنَّ في الأَخْذِ بها تَبْعِيضَ الصَّفْقَةِ على المُشْتَرِى. ولَنا، أنَّ ما قابَلَ الخَطَأَ عِوَضٌ عن مالٍ، فوَجَبَتْ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو انْفَرَدَ، ولأنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ ما تَجِبُ فيه الشُّفْعَةُ وما لا تَجِبُ فيه، فوَجَبَتْ فيما تَجِبُ فيه دُونَ الآخَر، كما لو اشْتَرَى شِقْصًا وسَيْفًا (٥٣). وبهذا الأَصْلِ يَبْطُلُ ما ذَكَرَهُ. وقولُ أبى حنيفةَ أقْيَسُ؛ لأنَّ في الشُّفْعَةِ تَبْعِيضَ الشِّقْصِ على
стр. 3674
المُشْتَرِى، وربَّما لا يَبْقَى منه إلَّا ما لا نَفْعَ فيه، فأَشْبَهَ ما لو أرادَ أحَدُ الشَّفِيعَيْنِ أَخْذَ بعضِه مع عَفْوِ صَاحِبِه، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الشِّقْصِ والسَّيْفِ. وأمَّا إذا قُلْنا: إن (٥٤) الواجِبَ أحَدُ شَيْئَيْنِ. فبِاخْتِيَارِه الصُّلْحَ سَقَطَ القِصَاصُ، وتَعَينَّتَ الدِّيَةُ، فكان الجَمِيعُ عِوَضًا عن المالِ.
فصل: ولا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ في بَيْعِ الخِيَارِ قبلَ انْقِضَائِه، سواءٌ كان الخِيَارُ لهما أو لأحَدِهِما وحدَه، أيِّهما كان. وقال أبو الخَطَّابِ: يَتَخَرَّجُ أن تَثْبُتَ الشُّفْعَةُ؛ لأنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ، فتَثْبُتُ [الشُّفْعَةُ في مُدَّةِ] (٥٥) الخِيَارِ، كما بعدَ انْقِضَائِه. وقال أبو حنيفةَ: إن كان الخِيَارُ للبائِعِ، أو لهما، لم تَثْبُت الشُّفْعَةُ حتى يَنْقَضِىَ؛ لأنَّ في الأَخْذِ بها إِسْقَاطَ حَقِّ البائِعِ من الفَسْخِ، وإِلْزَامَ البَيْعِ في حَقِّه بغيرِ رِضاهُ، ولأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَأْخُذُ من المُشْتَرِى، ولم يَنْتَقِلِ المِلْكُ إليه. وإنْ كان الخِيَارُ لِلْمُشْتَرِى، فقد انْتَقَلَ المِلْكُ إليه، ولا حَقَّ لغيرِه فيه، والشَّفِيعُ يَمْلِكُ أَخْذَهُ بعدَ لُزُومِ البَيْعِ واسْتِقْرَارِ المِلْكِ، فلأَنْ يَمْلِكَ ذلك قبلَ لُزُومِه أَوْلَى، وعامَّةُ ما يُقَدَّرُ ثُبُوتُ الخِيَارِ له، وذلك لا يَمْنَعُ الأَخْذَ بالشُّفْعَةِ، كما لو وَجَدَ به عَيْبًا. وللشّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّه مَبِيعٌ فيه الخِيَارُ، فلم تَثْبُتْ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو كان للبائِعِ؛ وذلك لأنَّ الأَخْذَ بالشُّفْعَةِ يُلْزِمُ المُشْتَرِى بالعَقْدِ بغير رِضَاهُ، ويُوجِبُ العُهْدَةَ (٥٦) عليه، ويُفَوِّتُ حَقَّهُ من الرُّجُوعِ في عَيْنِ الثَّمَنِ، فلم يَجُزْ، كما لو كان الخِيَارُ للبائِعِ، فإنَّنا إنَّما مَنَعْنَا من الشُّفْعَةِ لمَا فيه من إِبْطَالِ خِيَارِ البائِعِ، وتَفْوِيتِ حَقِّ الرُّجُوعِ عليه (٥٧) في عَيْنِ مالِه (٥٨)، وهما في نَظَرِ الشَّرْعِ على السَّوَاءِ. وفارَقَ الرَّدَّ بالعَيْبِ؛ فإنَّه إنَّما ثَبَتَ لِاسْتِدْرَاكِ الظُّلَامَةِ، وذلك يَزُولُ بأَخْذِ
стр. 3675
الشَّفِيعِ، فإن باعَ الشَّفِيعُ حِصَّتَهُ في مُدَّةِ الخِيَارِ، عَالِمًا بِبَيْعِ الأَوَّلِ، سَقَطَتْ شُفْعَتُه، وثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فيما باعَهُ للمُشْتَرِى الأَوَّلِ، في الصَّحِيحِ من المَذْهَبِ. وفى وَجْهٍ آخَرَ، أنَّه يَثْبُتُ للبائِعِ، بنَاءً على المِلْكِ في مُدَّةِ الخِيَارِ لمَن هو منهما. وإن بَاعَهُ قبل عِلْمِه بالبَيْعِ، فكذلك. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ مِلْكَهُ زَالَ قبلَ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ. ويَتَوَجَّهُ على تَخْرِيجِ أبي الخَطَّابِ أنْ لا تَسْقُطَ شُفْعَتُه، فيكونُ له على هذا أَخْذُ الشِّقْصِ من المُشْتَرِى الأَوَّلِ، وللمُشْتَرِى الأَوَّلِ أن يَأْخُذَ الشِّقْصَ الذي باعَهُ الشَّفِيعُ من مُشْتَرِيه؛ لأنَّه كان شَرِيكًا لِلشَّفِيعِ حينَ بَيْعِه.
فصل: وبَيْعُ المَرِيضِ كبَيْعِ الصَّحِيحِ، في الصِّحَّةِ، وثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، وسائِرِ الأَحْكامِ، إذا باعَ بِثَمَنِ المِثْلِ، سواءٌ كان لِوَارِثٍ أو غيرِ وارِثٍ. وبهذا قال الشّافِعِيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ بَيْعُ المَرِيضِ مَرَضَ المَوْتِ لِوَارِثِه؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه في حَقِّه، فلم يَصِحَّ بَيْعُه، كالصَّبِيِّ. ولَنا، أنَّه إنَّما حُجِرَ عليه في التَّبَرُّعِ في حَقِّه، فلم يَمْنَعِ الصِّحَّةَ فيما سِواه، كالأَجْنَبِيِّ إذا لم يَزِدْ على التَّبَرُّعِ بالثُّلُثِ؛ وذلك لأنَّ الحَجْرَ في شيءٍ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ غيرِه، كما أنَّ الحَجْرَ على المُرْتَهِنِ في الرَّهْنِ لا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ في غيرِه، والحَجْرَ على المُفْلِسِ في مالِه لا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ في ذِمَّتِه. فأمَّا بَيْعُه بالمُحَاباةِ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أن يكونَ لِوَارِثٍ أو لغيرِه، فإن كان لِوَارِثٍ، بَطَلَتِ المُحَاباةُ؛ لأنَّها في المَرض بِمَنْزِلَةِ الوَصِيَّةِ، والوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ لا تجوزُ، ويَبْطلُ البَيْعُ في قَدْرِ المُحابَاةِ من المَبِيعِ. وهل يَصِحُّ فيما عَداهُ؟ على ثلاثةِ أَوْجُهٍ؛ أحَدِها، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ بَذَلَ الثَّمنَ في كلِّ المَبِيعِ، فلم يَصِحَّ في بعضِه (٥٩)، كما لو قال: بِعْتُكَ هذا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ. فقال: قَبِلْتُ البَيْعَ في نِصْفِه. أو قال: قَبِلْتُه بِخَمْسَةٍ. أو قال: قَبِلْتُ نِصْفَهُ بِخَمْسَةٍ. ولأنَّه لم يُمْكِنْ تَصْحِيحُ البَيْعِ على الوَجْهِ الذي تَوَاجَبَا عليه، فلم يَصِحَّ، كتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. الثاني، أنَّه يَبْطُلُ البَيْعُ في قَدْرِ المُحابَاةِ، ويَصِحُّ
стр. 3676
فيما يُقَابِلُ الثَّمَنَ المُسَمَّى، ولِلْمُشْتَرِى الخِيَارُ بين الأَخْذِ والفَسْخِ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ تَفَرَّقَتْ عليه، ولِلشَّفِيعِ أَخْذُ ما صَحَّ البَيْعُ فيه. وإنَّما قُلْنا بالصِّحَّةِ؛ لأنَّ البُطْلَانَ إنَّما جَاءَ من المُحابَاةِ، فَاخْتَصَّ بما قابَلَها (٦٠) الثالث، أَنَّه يَصِحُّ في الجَمِيعِ، ويَقِفُ على إِجازَةِ الوَرَثَةِ، لأنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ صَحِيحَةٌ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وتَقِفُ على إِجازَةِ الوَرَثَةِ، فكذلك المُحابَاةُ له (٦١)، فإن أجَازُوا المُحاباةَ (٦٢)، صَحَّ البَيْعُ في الجَمِيعِ، ولا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِى، ويَمْلِكُ الشَّفِيعُ الأَخْذَ به؛ لأنَّه يَأْخُذُ بالثَّمَنِ، وإن رَدُّوا، بَطَلَ البَيْعُ في قَدْرِ المُحاباةِ، وصَحَّ فيما بَقِىَ. ولا يَمْلِكُ الشَّفِيعُ الأَخْذَ قبلَ إجَازَة الوَرَثَةِ أو رَدِّهِم (٦٣)؛ لأنَّ حَقَّهُمْ مُتَعَلِّقٌ (٦٤) بالمَبِيعِ، فلم يَمْلِكْ إِبْطَالَهُ، وله أَخْذُ ما صَحَّ البَيْعُ فيه. وإن اخْتَارَ المُشْتَرِى الرَّدَّ في هذه الصُّورَةِ، وفى التي قَبْلَها، واخْتَارَ الشَّفِيعُ الأَخْذَ بالشُّفْعَةِ، قُدِّمَ الشَّفِيعُ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ على المُشْتَرِى، ويجْرِى (٦٥) مَجْرَى المَعِيبِ إذَا رَضِيَهُ الشَّفِيعُ بِعَيْبِه. القسم الثاني، إذا كان المُشْتَرِى أَجْنَبِيًّا، والشَّفِيعُ أجْنَبِىٌّ فإن لم تَزِدِ المُحَاباةُ على الثُّلُثِ، صَحَّ البَيْعُ، ولِلشَّفِيعِ الأَخْذُ بها (٦٦) بذلك الثمَنِ؛ لأنَّ البَيْعَ حَصَلَ به، فلا يَمْنَعُ منها كونُ المَبِيعِ مُسْتَرْخَصًا، وإن زَادَتْ على الثُّلُثِ، فالحُكْمُ فيه حُكْمُ أَصْلِ المُحاباةِ في حَقِّ الوارِثِ. وإن كان الشَّفِيعُ وَارِثًا، ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، له الأَخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ المُحاباةَ وَقَعَتْ لغيرِه، فلم يَمْنَعْ منها تَمَكُّنُ الوَارِثِ من أَخْذِها، كما لو وَهَبَ غَرِيمَ وَارِثه مالًا، فأَخَذَهُ الوارِثُ. والثاني، يَصِحُّ البَيْعُ، ولا تَجِبُ الشُّفْعَةُ. وهو قولُ أَصْحابِ أبي حنيفةَ، لأنَّنا لو أَثْبَتْنَاهَا جَعَلْنا لِلمَوْرُوثِ سَبِيلًا
стр. 3677
إلى إِثْباتِ حَقٍّ لِوَارِثه في المُحاباةِ، ويُفارِقُ الهِبَةَ لِغَرِيمِ الوارِثِ؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَ الوَارِثِ الأَخْذَ بِدَيْنِه لا من جِهَةِ الهِبَةِ، وهذا اسْتِحْقَاقُه بالبَيْعِ الحاصِلِ من مَوْرُوثِه، فَافْتَرَقَا. ولأصْحَابِ الشّافِعِىِّ في هذا خَمْسَةُ أَوْجهٍ، وَجْهَانِ كهذَيْنِ. والثالث، أنَّ البَيْعَ باطِلٌ من أَصْلِه؛ لإِفْضائِه إلى إِيصَالِ المُحاباةِ إلى الوارِثِ. وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ فَرْعٌ لِلبَيْعِ. ولا يَبْطُلُ الأصْلُ بِبُطْلانِ فَرْعٍ له. وعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ، ما حَصَلَتْ لِلْوَارِثِ بالمُحابَاةِ (٦٧)، إنَّما حَصَلَتْ لغيرِه، وَوَصَلَتْ إليه بِجِهَةِ الأَخْذِ من المُشْتَرِى، فأَشْبَهَ هِبَةَ غَرِيمِ الوارِثِ. الوَجْهُ الرابع، أنَّ لِلشَّفِيعِ أن يَأْخُذَ بِقَدْرِ ما عدا المُحابَاةَ بجَمِيع (٦٨) الثَّمنِ، بمَنْزِلَةِ هِبَةِ [المُقَابِلِ لِلْمُحاباةِ؛ لأنَّ المُحاباةَ بالنِّصْفِ مَثَلًا هِبَةٌ لِلنِّصْفِ. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كان بمَنْزِلَةِ هِبَةِ] (٦٩) النِّصْفِ، ما كان لِلشَّفِيعِ الأَجْنَبِىِّ أَخْذُ الكُلِّ، لأنَّ المَوْهُوبَ لا شُفْعَةَ فيه. الخامس، أنَّ البَيْعَ يَبْطلُ في قَدْرِ المُحاباةِ، وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّها مُحابَاةٌ لأَجْنَبِيٍّ بما دون الثُّلُثِ، فلا تَبْطُلُ، كما لو لم يَكُنِ الشِّقْصُ مَشْفُوعًا.
فصل: ويَمْلِكُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِأَخْذِه بكلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ على أَخْذِه، بأن يقولَ: قد أخَذْتُه بالثمَنِ. أو تَمَلَّكْتُه بالثَّمَنِ. أو نحو ذلك، إذا كان الثَّمَنُ والشِّقْصُ مَعْلُومَيْنِ، ولا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ (٧٠) حاكِمٍ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: يَمْلِكُه بالمُطَالَبةِ؛ لأنَّ البَيْعَ السّابِقَ سَبَبٌ، فإذا انْضَمَّتْ إليه المُطَالَبَةُ، كان كالإِيجَابِ في البَيْعِ انْضَمَّ إليه القَبُولُ. وقال أبو حنيفةَ: يَحْصُلُ بحُكْمِ الحاكِمِ؛ لأنَّه نَقْلٌ لِلْمِلْكِ عن مَالِكِه إلى غيرِه قَهْرًا فافْتَقَرَ إلى حُكْمِ الحاكِمِ، كَأَخْذِ دَيْنِه. ولَنَا، أنَّه حَقٌّ ثَبَتَ بالنَّصِّ والإِجْماعِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى حاكِمٍ، كالرَّدِّ بالعَيْبِ. وما ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ
стр. 3678
بهذا الأَصْلِ، وبَأَخْذِ الزَّوْجِ نِصْفَ الصَّدَاقِ بالطَّلَاقِ قبلَ الدُّخُولِ، ولأنَّه مالٌ يَتَمَلَّكُه قَهْرًا، فمَلَكَهُ (٧١) بالأَخْذِ، كالغَنَائِمِ والمُباحَاتِ، [ومَلَكَه باللَّفْظِ] (٧٢) الدَّالِّ على الأَخْذِ؛ لأنَّه بَيْعٌ في الحَقِيقَةِ، لكنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَقِلُّ به، فانْتَقَلَ (٧٣) باللَّفْظِ الدّالِّ عليه. وقولُهم: يَمْلِكُ بالمُطَالَبةِ بمُجَرَّدِهَا. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو مَلَكَ بها لمَا سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ بالعَفْوِ بعدَ المُطَالَبةِ، ولَوَجَبَ أنَّه إذا كان له شَفِيعَانِ. فطَلَبَا الشُّفْعَةَ، ثم تَرَكَ أَحَدُهُما، أن يكونَ لِلآخَرِ أَخْذُ (٧٤) قَدْرِ نَصيبِه، ولا يَمْلِكُ أَخْذَ نَصِيبِ صَاحِبِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا قال: قد أخَذْتُ الشِّقْصَ بالثمَنِ الذي تَمَّ عليه العَقْدُ. وهو عَالِمٌ بِقَدْرِه، وبالمَبِيعِ، صَحَّ الأَخْذُ، ومَلَكَ الشِّقْصَ، ولا خِيَارَ له، [ولا لِلْمُشْتَرِى؛ لأنَّ الشِّقْصَ يُؤْخَذُ قَهْرًا، والمَقْهُورُ لا خِيَارَ له] (٧٥)، والآخِذُ قَهْرًا لا خِيَارَ له أيضًا، كمُسْتَرْجِعِ المَبِيعِ لِعَيْبٍ في ثَمَنِه، أو الثَّمَنِ لِعَيْبٍ في المَبِيعِ. وإن كان الثَّمَنُ مَجْهُولًا أو الشِّقْصُ (٧٦)، لم يَمْلِكْهُ بذلك؛ لأنَّه بَيْعٌ في الحَقِيقَةِ، فيُعْتَبَرُ العِلْمُ بالعِوَضَيْنِ (٧٧)، كسائِرِ البُيُوعِ. وله المُطَالَبةُ بالشُّفْعَةِ، ثم يَتَعَرَّفُ مِقْدَارَ الثَّمَنِ من المُشْتَرِى، أو من غيرِه، والمَبِيعَ، فيَأْخُذُه بثَمَنِه. ويَحْتَمِلُ أنَّ له الأَخْذَ مع جَهَالَةِ (٧٤) الشِّقْصِ، بِنَاءً على بَيْعِ الغائِبِ.
فصل: وإذا أَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَ الشَّقْصِ، وكان في يَدِ المُشْتَرِى، أَخَذَهُ منه، وإن كان في يَدِ البائِعِ، أخَذَهُ منه وكان كأَخْذِهِ من المُشْتَرِى. هذا قِيَاسُ المَذْهَبِ. وهو
стр. 3679
قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ العَقْدَ يَلْزَمُ في بَيْعِ العَقَارِ قبل قَبْضِه، ويَدْخُلُ المَبِيعُ في مِلْكِ المُشْتَرِى وضَمَانِه، ويجوزُ له التَّصَرُّفُ فيه بِنَفْس العَقدِ، فصَارَ كما لو قَبَضَهُ المُشْتَرِى. وقال القاضي: ليس له أَخذُه من البائِعِ، ويُجْبِرُ الحاكِمُ المُشْتَرِىَ على قَبْضِه، ثم يَأْخُذُه الشَّفِيعُ منه. وهذا أَحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصَحْابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَشْتَرِى الشِّقْصَ من المُشْتَرِى، فلا يَأْخُذُه من غيرِه. وبَنَوْا ذلك على أن المَبِيعَ لا يِتِمُّ إلَّا بالقَبْضِ، فإذا فاتَ القَبْضُ بَطَلَ العَقْدُ، وسَقَطَتِ الشُّفْعَةُ.
فصل: وإذا أَقَرَّ البائِعُ بالبَيْعِ، وأَنْكَرَ المُشْتَرِى، ففيه. وَجْهانِ؛ أحدُهما، لِلشَّفِيعِ الأَخْذُ بالشُّفعَةِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والمُزَنِىِّ. والثانى، ليس له الأَخْذُ بها. ونَصَرَهُ الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ في "مَسَائِلِه". وهو قولُ مالِكٍ، وابنِ شُرَيْحٍ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ فَرْعٌ لِلْبَيْعِ (٧٨)، ولم يَثبُتْ فلا يَثْبُتُ فَرْعُه، ولأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَأْخُذُ الشِّقْصَ من المُشْتَرِى، وإذا أَنْكَرَ البَيْعَ لم يُمْكِنِ الأَخْذُ منه. وَوَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّ البائِعَ أقَرَّ بِحَقَّيْنِ؛ حَقٍّ لِلشَّفِيعِ، وحَقٍّ لِلمُشْتَرِى، فإذا سَقَطَ حَقُّ المُشتَرِى بإِنْكارِه، ثَبَتَ حَقُّ الشَّفِيعِ، كما لو أقَرَّ بِدَارٍ لِرَجُلَيْنِ، فأَنْكَرَ أحَدُهُما، ولأنَّه أَقَرَّ لِلشَّفِيعِ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لأَخْذِ هذه الدَّارِ، والشَّفِيعُ يَدَّعِى ذلك، فوَجَبَ (٧٩) قَبُولَه، كما لو أقَرَّ أنَّها مِلْكُه. فعلى هذا يَقْبِضُ الشَّفِيعُ من البائِعِ، ويُسَلِّمُ إليه الثمَنَ، ويكونُ دَرْكُ الشَّفِيعِ على البائِعِ، لأنَّ القَبْضَ منه، ولم يَثْبُتِ الشِّرَاءُ في حَقِّ المُشْتَرِى. وليس لِلشَّفِيعِ ولا لِلْبائِعِ مُحَاكَمَةُ المُشْتَرِى؛ ليَثْبُتَ البَيْعُ في حَقِّه، وتكون العُهْدَةُ عليه؛ لأنَّ مَقْصُودَ البائِعِ الثَّمَنُ، وقد حَصَلَ من الشَّفِيعِ، ومَقصُودَ الشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ وضَمَانُ العُهْدَةِ، وقد حَصَلَ من البائِعِ، فلا فائِدَةَ في المُحَاكَمةِ. فإنَّ قيل: أليسَ لو ادَّعَى على رَجُلٍ دَيْنًا، فقال آخَرُ: أنا أَدْفَعُ إليك الدَّيْنَ الذي تَدَّعِيه، ولا تُخَاصِمْه. لا يَلْزَمُه قَبُولُه، فهل لا قُلْتُم ههُنا كذلك؟ قُلْنا: في
стр. 3680
الدَّيْنِ عليه مِنَّةٌ في قَبُولِه مِن غيرِ غَرِيمِه، وههُنا بِخِلَافِه، ولأنَّ البائِعَ يَدَّعِي أنَّ الثَّمَنَ الذي يَدْفَعُه الشَّفِيعُ حَقٌّ لِلمُشْتَرِي عِوَضًا عن هذا المَبِيعِ، فصَارَ كالنَّائِبِ عن المُشْتَرِي في دَفْعِ الثَّمَنِ، والبائِعُ كَالنَّائِبِ عنه في دَفْعِ الشِّقْصِ، بخِلَافِ الدَّيْنِ، فإن كان البائِعُ مُقِرًّا بِقَبْضِ الثَّمَنِ من المُشْتَرِي، بَقِىَ الثَّمَنُ الذي على الشَّفِيعِ لا يَدَّعِيه أَحَدٌ؛ لأنَّ البائِعَ (٨٠) يقول: هو لِلمُشْتَرِي. [والمُشْتَرِي يقول: لا أَسْتَحِقُّه. ففيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ؛ أحَدها، أن يقال لِلْمُشْتَرِي] (٨١): إمَّا أن تَقْبِضَه (٨٢)، وإمَّا أن تُبْرِئَ منه. والثاني، يَأْخُذُه الحاكِمُ عندَه. والثالث، يَبْقَى في ذِمَّة الشَّفِيعِ. وفي جَمِيعِ ذلك متى ادَّعاهُ البائِعُ أو المُشْتَرِي، دُفِعَ إليه؛ لأنَّه لأحَدِهما. وإن تَدَاعَيَاهُ جَمِيعًا، فأَقَرَّ المُشْتَرِي بالبَيْعِ، وأَنْكَرَ البائِعُ [قَبْضَ الثَّمَنِ] (٨٣)، فهو لِلْمُشْتَرِي؛ لأنَّ البَائِعَ قد أَقَرَّ له به (٨٤)، ولأنَّ البائِعَ إذا أنْكَرَ القَبْضَ، لم يَكُنْ مُدَّعِيًا لهذا (٨٥) الثَّمنِ؛ لأنَّ البائِعَ لا يَسْتَحِقُّ على الشَّفِيعِ ثَمَنًا، إنَّما يَسْتَحِقُّه على المُشْتَرِي، وقد أَقَرَّ بالقَبْضِ منه، وأمَّا المُشْتَرِي فإنَّه يَدَّعِيه، وقد أَقَرَّ له باسْتِحْقَاقِه، فوَجَبَ دَفْعُه إليه.
٨٧٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ لَمْ يُطَالِبْ بِالشُّفْعَةِ في وَقْتِ عِلْمِهِ بالْبَيْعِ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ)
الصَّحِيحُ في المَذْهَبِ أنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ على الفَوْرِ، إن طَالَبَ بها سَاعَةَ يَعْلَمُ بالبَيْعِ، وإلَّا بَطلَتْ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايَةِ أبي طالِبٍ، فقال: الشُّفْعَةُ بالمُواثَبَةِ ساعَةَ يَعْلَمُ. وهذا قول ابن شُبْرُمَةَ، والبَتِّىِّ، والأَوْزَاعِىِّ، وأبي حنيفةَ، والعَنْبَرِيِّ، والشَّافِعِىِّ