← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

فيما يُقَابِلُ الثَّمَنَ المُسَمَّى، ولِلْمُشْتَرِى الخِيَارُ بين الأَخْذِ والفَسْخِ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ تَفَرَّقَتْ عليه، ولِلشَّفِيعِ أَخْذُ ما صَحَّ البَيْعُ فيه. وإنَّما قُلْنا بالصِّحَّةِ؛ لأنَّ البُطْلَانَ إنَّما جَاءَ من المُحابَاةِ، فَاخْتَصَّ بما قابَلَها (٦٠) الثالث، أَنَّه يَصِحُّ في الجَمِيعِ، ويَقِفُ على إِجازَةِ الوَرَثَةِ، لأنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ صَحِيحَةٌ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وتَقِفُ على إِجازَةِ الوَرَثَةِ، فكذلك المُحابَاةُ له (٦١)، فإن أجَازُوا المُحاباةَ (٦٢)، صَحَّ البَيْعُ في الجَمِيعِ، ولا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِى، ويَمْلِكُ الشَّفِيعُ الأَخْذَ به؛ لأنَّه يَأْخُذُ بالثَّمَنِ، وإن رَدُّوا، بَطَلَ البَيْعُ في قَدْرِ المُحاباةِ، وصَحَّ فيما بَقِىَ. ولا يَمْلِكُ الشَّفِيعُ الأَخْذَ قبلَ إجَازَة الوَرَثَةِ أو رَدِّهِم (٦٣)؛ لأنَّ حَقَّهُمْ مُتَعَلِّقٌ (٦٤) بالمَبِيعِ، فلم يَمْلِكْ إِبْطَالَهُ، وله أَخْذُ ما صَحَّ البَيْعُ فيه. وإن اخْتَارَ المُشْتَرِى الرَّدَّ في هذه الصُّورَةِ، وفى التي قَبْلَها، واخْتَارَ الشَّفِيعُ الأَخْذَ بالشُّفْعَةِ، قُدِّمَ الشَّفِيعُ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ على المُشْتَرِى، ويجْرِى (٦٥) مَجْرَى المَعِيبِ إذَا رَضِيَهُ الشَّفِيعُ بِعَيْبِه. القسم الثاني، إذا كان المُشْتَرِى أَجْنَبِيًّا، والشَّفِيعُ أجْنَبِىٌّ فإن لم تَزِدِ المُحَاباةُ على الثُّلُثِ، صَحَّ البَيْعُ، ولِلشَّفِيعِ الأَخْذُ بها (٦٦) بذلك الثمَنِ؛ لأنَّ البَيْعَ حَصَلَ به، فلا يَمْنَعُ منها كونُ المَبِيعِ مُسْتَرْخَصًا، وإن زَادَتْ على الثُّلُثِ، فالحُكْمُ فيه حُكْمُ أَصْلِ المُحاباةِ في حَقِّ الوارِثِ. وإن كان الشَّفِيعُ وَارِثًا، ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، له الأَخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ المُحاباةَ وَقَعَتْ لغيرِه، فلم يَمْنَعْ منها تَمَكُّنُ الوَارِثِ من أَخْذِها، كما لو وَهَبَ غَرِيمَ وَارِثه مالًا، فأَخَذَهُ الوارِثُ. والثاني، يَصِحُّ البَيْعُ، ولا تَجِبُ الشُّفْعَةُ. وهو قولُ أَصْحابِ أبي حنيفةَ، لأنَّنا لو أَثْبَتْنَاهَا جَعَلْنا لِلمَوْرُوثِ سَبِيلًا

стр. 3677

إلى إِثْباتِ حَقٍّ لِوَارِثه في المُحاباةِ، ويُفارِقُ الهِبَةَ لِغَرِيمِ الوارِثِ؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَ الوَارِثِ الأَخْذَ بِدَيْنِه لا من جِهَةِ الهِبَةِ، وهذا اسْتِحْقَاقُه بالبَيْعِ الحاصِلِ من مَوْرُوثِه، فَافْتَرَقَا. ولأصْحَابِ الشّافِعِىِّ في هذا خَمْسَةُ أَوْجهٍ، وَجْهَانِ كهذَيْنِ. والثالث، أنَّ البَيْعَ باطِلٌ من أَصْلِه؛ لإِفْضائِه إلى إِيصَالِ المُحاباةِ إلى الوارِثِ. وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ فَرْعٌ لِلبَيْعِ. ولا يَبْطُلُ الأصْلُ بِبُطْلانِ فَرْعٍ له. وعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ، ما حَصَلَتْ لِلْوَارِثِ بالمُحابَاةِ (٦٧)، إنَّما حَصَلَتْ لغيرِه، وَوَصَلَتْ إليه بِجِهَةِ الأَخْذِ من المُشْتَرِى، فأَشْبَهَ هِبَةَ غَرِيمِ الوارِثِ. الوَجْهُ الرابع، أنَّ لِلشَّفِيعِ أن يَأْخُذَ بِقَدْرِ ما عدا المُحابَاةَ بجَمِيع (٦٨) الثَّمنِ، بمَنْزِلَةِ هِبَةِ [المُقَابِلِ لِلْمُحاباةِ؛ لأنَّ المُحاباةَ بالنِّصْفِ مَثَلًا هِبَةٌ لِلنِّصْفِ. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كان بمَنْزِلَةِ هِبَةِ] (٦٩) النِّصْفِ، ما كان لِلشَّفِيعِ الأَجْنَبِىِّ أَخْذُ الكُلِّ، لأنَّ المَوْهُوبَ لا شُفْعَةَ فيه. الخامس، أنَّ البَيْعَ يَبْطلُ في قَدْرِ المُحاباةِ، وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّها مُحابَاةٌ لأَجْنَبِيٍّ بما دون الثُّلُثِ، فلا تَبْطُلُ، كما لو لم يَكُنِ الشِّقْصُ مَشْفُوعًا. فصل: ويَمْلِكُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِأَخْذِه بكلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ على أَخْذِه، بأن يقولَ: قد أخَذْتُه بالثمَنِ. أو تَمَلَّكْتُه بالثَّمَنِ. أو نحو ذلك، إذا كان الثَّمَنُ والشِّقْصُ مَعْلُومَيْنِ، ولا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ (٧٠) حاكِمٍ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: يَمْلِكُه بالمُطَالَبةِ؛ لأنَّ البَيْعَ السّابِقَ سَبَبٌ، فإذا انْضَمَّتْ إليه المُطَالَبَةُ، كان كالإِيجَابِ في البَيْعِ انْضَمَّ إليه القَبُولُ. وقال أبو حنيفةَ: يَحْصُلُ بحُكْمِ الحاكِمِ؛ لأنَّه نَقْلٌ لِلْمِلْكِ عن مَالِكِه إلى غيرِه قَهْرًا فافْتَقَرَ إلى حُكْمِ الحاكِمِ، كَأَخْذِ دَيْنِه. ولَنَا، أنَّه حَقٌّ ثَبَتَ بالنَّصِّ والإِجْماعِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى حاكِمٍ، كالرَّدِّ بالعَيْبِ. وما ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ

стр. 3678

بهذا الأَصْلِ، وبَأَخْذِ الزَّوْجِ نِصْفَ الصَّدَاقِ بالطَّلَاقِ قبلَ الدُّخُولِ، ولأنَّه مالٌ يَتَمَلَّكُه قَهْرًا، فمَلَكَهُ (٧١) بالأَخْذِ، كالغَنَائِمِ والمُباحَاتِ، [ومَلَكَه باللَّفْظِ] (٧٢) الدَّالِّ على الأَخْذِ؛ لأنَّه بَيْعٌ في الحَقِيقَةِ، لكنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَقِلُّ به، فانْتَقَلَ (٧٣) باللَّفْظِ الدّالِّ عليه. وقولُهم: يَمْلِكُ بالمُطَالَبةِ بمُجَرَّدِهَا. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو مَلَكَ بها لمَا سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ بالعَفْوِ بعدَ المُطَالَبةِ، ولَوَجَبَ أنَّه إذا كان له شَفِيعَانِ. فطَلَبَا الشُّفْعَةَ، ثم تَرَكَ أَحَدُهُما، أن يكونَ لِلآخَرِ أَخْذُ (٧٤) قَدْرِ نَصيبِه، ولا يَمْلِكُ أَخْذَ نَصِيبِ صَاحِبِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا قال: قد أخَذْتُ الشِّقْصَ بالثمَنِ الذي تَمَّ عليه العَقْدُ. وهو عَالِمٌ بِقَدْرِه، وبالمَبِيعِ، صَحَّ الأَخْذُ، ومَلَكَ الشِّقْصَ، ولا خِيَارَ له، [ولا لِلْمُشْتَرِى؛ لأنَّ الشِّقْصَ يُؤْخَذُ قَهْرًا، والمَقْهُورُ لا خِيَارَ له] (٧٥)، والآخِذُ قَهْرًا لا خِيَارَ له أيضًا، كمُسْتَرْجِعِ المَبِيعِ لِعَيْبٍ في ثَمَنِه، أو الثَّمَنِ لِعَيْبٍ في المَبِيعِ. وإن كان الثَّمَنُ مَجْهُولًا أو الشِّقْصُ (٧٦)، لم يَمْلِكْهُ بذلك؛ لأنَّه بَيْعٌ في الحَقِيقَةِ، فيُعْتَبَرُ العِلْمُ بالعِوَضَيْنِ (٧٧)، كسائِرِ البُيُوعِ. وله المُطَالَبةُ بالشُّفْعَةِ، ثم يَتَعَرَّفُ مِقْدَارَ الثَّمَنِ من المُشْتَرِى، أو من غيرِه، والمَبِيعَ، فيَأْخُذُه بثَمَنِه. ويَحْتَمِلُ أنَّ له الأَخْذَ مع جَهَالَةِ (٧٤) الشِّقْصِ، بِنَاءً على بَيْعِ الغائِبِ. فصل: وإذا أَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَ الشَّقْصِ، وكان في يَدِ المُشْتَرِى، أَخَذَهُ منه، وإن كان في يَدِ البائِعِ، أخَذَهُ منه وكان كأَخْذِهِ من المُشْتَرِى. هذا قِيَاسُ المَذْهَبِ. وهو

стр. 3679

قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ العَقْدَ يَلْزَمُ في بَيْعِ العَقَارِ قبل قَبْضِه، ويَدْخُلُ المَبِيعُ في مِلْكِ المُشْتَرِى وضَمَانِه، ويجوزُ له التَّصَرُّفُ فيه بِنَفْس العَقدِ، فصَارَ كما لو قَبَضَهُ المُشْتَرِى. وقال القاضي: ليس له أَخذُه من البائِعِ، ويُجْبِرُ الحاكِمُ المُشْتَرِىَ على قَبْضِه، ثم يَأْخُذُه الشَّفِيعُ منه. وهذا أَحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصَحْابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَشْتَرِى الشِّقْصَ من المُشْتَرِى، فلا يَأْخُذُه من غيرِه. وبَنَوْا ذلك على أن المَبِيعَ لا يِتِمُّ إلَّا بالقَبْضِ، فإذا فاتَ القَبْضُ بَطَلَ العَقْدُ، وسَقَطَتِ الشُّفْعَةُ. فصل: وإذا أَقَرَّ البائِعُ بالبَيْعِ، وأَنْكَرَ المُشْتَرِى، ففيه. وَجْهانِ؛ أحدُهما، لِلشَّفِيعِ الأَخْذُ بالشُّفعَةِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والمُزَنِىِّ. والثانى، ليس له الأَخْذُ بها. ونَصَرَهُ الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ في "مَسَائِلِه". وهو قولُ مالِكٍ، وابنِ شُرَيْحٍ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ فَرْعٌ لِلْبَيْعِ (٧٨)، ولم يَثبُتْ فلا يَثْبُتُ فَرْعُه، ولأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَأْخُذُ الشِّقْصَ من المُشْتَرِى، وإذا أَنْكَرَ البَيْعَ لم يُمْكِنِ الأَخْذُ منه. وَوَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّ البائِعَ أقَرَّ بِحَقَّيْنِ؛ حَقٍّ لِلشَّفِيعِ، وحَقٍّ لِلمُشْتَرِى، فإذا سَقَطَ حَقُّ المُشتَرِى بإِنْكارِه، ثَبَتَ حَقُّ الشَّفِيعِ، كما لو أقَرَّ بِدَارٍ لِرَجُلَيْنِ، فأَنْكَرَ أحَدُهُما، ولأنَّه أَقَرَّ لِلشَّفِيعِ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لأَخْذِ هذه الدَّارِ، والشَّفِيعُ يَدَّعِى ذلك، فوَجَبَ (٧٩) قَبُولَه، كما لو أقَرَّ أنَّها مِلْكُه. فعلى هذا يَقْبِضُ الشَّفِيعُ من البائِعِ، ويُسَلِّمُ إليه الثمَنَ، ويكونُ دَرْكُ الشَّفِيعِ على البائِعِ، لأنَّ القَبْضَ منه، ولم يَثْبُتِ الشِّرَاءُ في حَقِّ المُشْتَرِى. وليس لِلشَّفِيعِ ولا لِلْبائِعِ مُحَاكَمَةُ المُشْتَرِى؛ ليَثْبُتَ البَيْعُ في حَقِّه، وتكون العُهْدَةُ عليه؛ لأنَّ مَقْصُودَ البائِعِ الثَّمَنُ، وقد حَصَلَ من الشَّفِيعِ، ومَقصُودَ الشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ وضَمَانُ العُهْدَةِ، وقد حَصَلَ من البائِعِ، فلا فائِدَةَ في المُحَاكَمةِ. فإنَّ قيل: أليسَ لو ادَّعَى على رَجُلٍ دَيْنًا، فقال آخَرُ: أنا أَدْفَعُ إليك الدَّيْنَ الذي تَدَّعِيه، ولا تُخَاصِمْه. لا يَلْزَمُه قَبُولُه، فهل لا قُلْتُم ههُنا كذلك؟ قُلْنا: في

стр. 3680

الدَّيْنِ عليه مِنَّةٌ في قَبُولِه مِن غيرِ غَرِيمِه، وههُنا بِخِلَافِه، ولأنَّ البائِعَ يَدَّعِي أنَّ الثَّمَنَ الذي يَدْفَعُه الشَّفِيعُ حَقٌّ لِلمُشْتَرِي عِوَضًا عن هذا المَبِيعِ، فصَارَ كالنَّائِبِ عن المُشْتَرِي في دَفْعِ الثَّمَنِ، والبائِعُ كَالنَّائِبِ عنه في دَفْعِ الشِّقْصِ، بخِلَافِ الدَّيْنِ، فإن كان البائِعُ مُقِرًّا بِقَبْضِ الثَّمَنِ من المُشْتَرِي، بَقِىَ الثَّمَنُ الذي على الشَّفِيعِ لا يَدَّعِيه أَحَدٌ؛ لأنَّ البائِعَ (٨٠) يقول: هو لِلمُشْتَرِي. [والمُشْتَرِي يقول: لا أَسْتَحِقُّه. ففيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ؛ أحَدها، أن يقال لِلْمُشْتَرِي] (٨١): إمَّا أن تَقْبِضَه (٨٢)، وإمَّا أن تُبْرِئَ منه. والثاني، يَأْخُذُه الحاكِمُ عندَه. والثالث، يَبْقَى في ذِمَّة الشَّفِيعِ. وفي جَمِيعِ ذلك متى ادَّعاهُ البائِعُ أو المُشْتَرِي، دُفِعَ إليه؛ لأنَّه لأحَدِهما. وإن تَدَاعَيَاهُ جَمِيعًا، فأَقَرَّ المُشْتَرِي بالبَيْعِ، وأَنْكَرَ البائِعُ [قَبْضَ الثَّمَنِ] (٨٣)، فهو لِلْمُشْتَرِي؛ لأنَّ البَائِعَ قد أَقَرَّ له به (٨٤)، ولأنَّ البائِعَ إذا أنْكَرَ القَبْضَ، لم يَكُنْ مُدَّعِيًا لهذا (٨٥) الثَّمنِ؛ لأنَّ البائِعَ لا يَسْتَحِقُّ على الشَّفِيعِ ثَمَنًا، إنَّما يَسْتَحِقُّه على المُشْتَرِي، وقد أَقَرَّ بالقَبْضِ منه، وأمَّا المُشْتَرِي فإنَّه يَدَّعِيه، وقد أَقَرَّ له باسْتِحْقَاقِه، فوَجَبَ دَفْعُه إليه. ٨٧٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ لَمْ يُطَالِبْ بِالشُّفْعَةِ في وَقْتِ عِلْمِهِ بالْبَيْعِ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) الصَّحِيحُ في المَذْهَبِ أنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ على الفَوْرِ، إن طَالَبَ بها سَاعَةَ يَعْلَمُ بالبَيْعِ، وإلَّا بَطلَتْ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايَةِ أبي طالِبٍ، فقال: الشُّفْعَةُ بالمُواثَبَةِ ساعَةَ يَعْلَمُ. وهذا قول ابن شُبْرُمَةَ، والبَتِّىِّ، والأَوْزَاعِىِّ، وأبي حنيفةَ، والعَنْبَرِيِّ، والشَّافِعِىِّ

стр. 3681

في [جَدِيدِ قولِه] (١). وحُكِىَ عن أحمدَ، رِوَايةٌ ثانِيَة، أنَّ الشُّفعَةَ على التَّرَاخِى لا تَسْقُطُ، ما لم يُوجَدْ منه ما يَدُلُّ على الرِّضَى، من عَفْوٍ، أو مُطَالَبةٍ بِقِسْمَةٍ، ونحو ذلك. وهذا قول مالِكٍ، وقولُ الشّافِعِىِّ، إلَّا أن مَالِكًا قال: تَنْقَطِعُ بمُضَىِّ سَنَةٍ. وعنه: بمُضِىِّ مُدَّةٍ يُعْلَمُ أنَّه تَارِكٌ لها؛ لأنَّ هذا الخِيَارَ لا ضَرَرَ في تَرَاخِيه، فلم يَسْقُطْ بالتَّأْخِيرِ، كحَقِّ القِصَاصِ. وبَيَانُ (٢) عَدَمِ الضَّرَرِ أنَّ النَّفْعَ لِلْمشْتَرِى بِاسْتِغْلَالِ المَبِيعِ. وإن أَحْدَثَ فيه عِمَارَةً، من غِرَاسٍ أو بنَاءٍ، فله قِيمَتُه. وحُكِىَ عن ابنِ أبي لَيْلَى، والثَّوْرِىِّ، أنَّ الخِيَارَ مُقَدَّرٌ بثلاثةِ أيامٍ. وهو قولٌ للشَّافِعِىِّ (٣)؛ لأنَّ الثَّلَاثَ حُدَّ بها خِيَارُ الشَّرْطِ، فصَلَحَتْ (٤) حَدًّا لهذا الخِيَارِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ البَيْلَمانىِّ، عن أَبِيه، عن عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الشُّفْعَةُ كَحَلِّ العِقَالِ". وفى لَفْظٍ أنَّه قال: "الشُّفْعَةُ كَنَشْطَةِ العِقَالِ، إنْ قُيِّدَت ثَبَتَتْ، وإنْ تُرِكَتْ فاللَّوْمُ عَلَى مَنْ تَرَكَها" (٥). وَرُوِىَ عن النبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَها". رَوَاهُ الفُقَهاءُ في كُتُبِهِم (٦)، ولأنَّه خِيَارٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عن المالِ (٧)، فكان على الفَوْرِ، كخِيَارِ الرَّدِّ بالعَيْبِ، ولأنَّ إِثْبَاتَهُ على التَّراخِى يَضُرُّ المُشْتَرِىَ. لكَوْنِه لا يَسْتَقِرُّ مِلْكُه على المَبِيعِ، ويَمْنَعُه من التَّصَرُّفِ لِعَمارِه (٨) خَشْيَةَ أَخْذِه منه، ولا يَنْدَفِعُ عنه الضَّرَرُ بِدَفْعِ قِيمَتِه؛ لأنَّ خَسَارَتَها في الغالِبِ اكْثَرُ من قِيمَتِها، مع تَعَبِ قَلْبِه وبَدَنِه فيها. والتَّحْدِيدُ بثَلَاثَةِ أيامٍ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه،

стр. 3682

والأَصْلُ المَقِيسُ عليه مَمْنُوعٌ، ثم هو باطِلٌ بِخِيَارِ الرَّدِّ بالعَيْبِ. وإذا تَقَرَّرَ هذا، فقال ابنُ حامِدٍ: يتَقَدَّرُ الخِيَارُ بالمَجْلِسِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. فمتى طَالَبَ في مَجْلِسِ العِلْمِ، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ وإن طَالَ؛ لأنَّ المَجْلِسَ كلَّه في حُكْمِ حالَةِ العَقْدِ، بِدَلِيلِ أنَّ القَبْضَ فيه لِمَا يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ، كالقَبْض (٩) حالَةَ العَقْدِ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه لا يَتَقَدَّرُ بالمَجْلِس، بل متى بادَرَ فطَالَبَ عَقِيبَ عِلْمِه، وإلَّا بَطَلَتْ شُفْعَتُه. وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، وقولُ الشّافِعِىِّ؛ لما ذَكَرْنا من الخَبَرِ والمَعْنَى. وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بخِيَارِ الرَّدِّ بالعَيْبِ. فعلَى هذا متى أَخَّرَ المُطَالَبَةَ عن وَقْتِ العِلْمِ لغيرِ عُذْرٍ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه، وإن أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ، مثل أن يَعْلَمَ لَيْلًا فيُؤَخِّرَهُ إلى الصُّبْحِ، أو لِشِدَّةِ جُوعٍ أو عَطَشٍ حتى يَأْكُلَ ويَشْرَبَ، أو لِطَهَارَةٍ أو إِغْلَاقِ بابٍ، أو لِيَخْرُجَ من الحَمَّامِ، أو لِيُؤَذِّنَ ويُقِيمَ ويَأْتِىَ بالصَّلَاةِ وسُنَنِها، أو لِيَشْهَدَها في جَماعَةٍ يَخافُ فَوْتها، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ العادَةَ تَقْدِيمُ هذه الحَوَائِج على غيرِها، فلا يكونُ الاشْتِغالُ بها رِضًى بِتَرْكِ الشُّفْعَةِ، إلَّا أن يكونَ المُشْتَرِى حاضِرًا عندَه في هذه الأَحْوَالِ، فيُمْكِنُه أن يُطَالِبَه من غيرِ اشْتِغَالِه عن أَشْغَالِه، فإنَّ شُفْعَتَه تَبْطُلُ بِتَرْكِه المُطَالَبةَ؛ لأنَّ هذا لا يَشْغَلُه عنها، ولا تَشْغَلُه المُطَالَبَةُ عنه. فأمَّا مع غَيْبَتِه فلا؛ لأنَّ العادَةَ تَقْدِيمُ هذه الحَوَائِج، فلم يَلْزَمْهُ تَأْخِيرُها، كما لو أمْكَنَه أن يُسْرِعَ في مَشْيِه، أو يُحَرِّكَ دَابَّتَه، فلم يَفْعَلْ، ومَضَى على حَسَبِ عادَتِه، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه؛ لأنَّه طَلَبَ بِحُكْمِ العادَةِ. وإذا فَرَغَ من حَوَائِجِه، مَضَى على حَسَبِ عادَتِه إلى المُشْتَرِى، فإذا لَقِيَهُ [بَدَأهُ بالسَّلَامِ] (١٠)؛ لأنَّ ذلك السُّنَّةُ، وقد جاءَ في الحديثِ (١١): "مَنْ بَدَأَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ، فَلَا تُجِيبُوهُ" (١٢). ثم يُطَالِبُ. وإن قال

стр. 3683

بعدَ السَّلَامِ: بارَكَ اللهُ لك في صَفْقَةِ يَمِينِكَ. أو دَعَا له بالمَغْفِرَةِ ونحوِ ذلك، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ ذلك يَتَّصِلُ بالسَّلَامِ، فيكونُ من جُمْلَتِه، والدُّعَاءُ له بالبَرَكَةِ في الصَّفْقَةِ دُعَاءٌ لِنَفْسِه؛ لأنَّ الشِّقْصَ يَرْجِعُ إليه، فلا يكونُ ذلك رِضًى. وإن اشْتَغلَ بكَلَامٍ آخَرَ، أو سَكتَ لغيرِ حاجَةٍ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه؛ لما قَدَّمْنَا. فصل: فإنْ أَخْبَرَهُ بالبَيْعِ مُخْبِرٌ، فَصَدَّقَهُ، ولم يُطَالِبْ بالشُّفْعَةِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه، سواءٌ كان المُخْبِرُ مِمَّن يُقْبَلُ خَبَرُه أو لا يُقبَلُ؛ لأنَّ العِلْمَ قد يَحْصُلُ بِخَبَرِ مَن لا يُقْبَلُ خَبَرُه، لِقَرَائِنَ دَالَّة على صِدْقِه. وإن قال: لم أُصَدِّقْهُ. وكان المُخْبِرُ ممَّن يُحْكَمُ بِشَهَادَتِه، كرَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ قَوْلَهُما حُجَّةٌ تَثْبُتُ بها الحُقُوقُ. وإن كان مِمَّن لا يُعْمَلُ بِقَوْلِه، كالفاسِقِ والصَّبِيِّ، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه. وحُكِىَ عن أبي يوسفَ أنَّها تَسْقُطُ؛ لأنَّه خَبَرٌ يُعْمَلُ به في الشَّرْعِ، في الإِذْنِ في دُخُولِ الدَّارِ وشِبْهِه، فسَقَطَتْ به الشُّفْعَةُ، كخَبَرِ العَدْلِ. ولَنا، أنَّه خَبَرٌ لا يُقْبَلُ في الشَّرْعِ، فأَشْبَهَ قولَ الطِّفْلِ والمَجْنُونِ. وإن أخْبَرَهُ رَجُلٌ عَدْلٌ، أو مَسْتُورُ الحالِ، سَقَطَتْ شُفْعَتُه. ويَحْتَمِل أن لا تَسْقُطَ. ويُرْوَى هذا عن أبي حنيفةَ، وزُفَرَ؛ لأنَّ الواحِدَ لا تَقُومُ به البَيِّنَةُ. ولَنا، أنَّه خَبَرٌ لا تُعْتَبَرُ فيه الشَّهَادَةُ، فقُبِلَ من العَدْلِ، كالرِّوَايةِ والفُتْيَا وسائِر الأخْبارِ الدِّينِيّة. وفارَقَ الشَّهادَةَ، فإنَّه يُحْتَاطُ لها باللَّفْظِ، والمَجْلِس، وحُضُورِ المُدَّعَى عليه، وإِنْكَارِه، ولأنَّ الشَّهَادَةَ يُعَارِضُها إنْكَارُ المُنْكِرِ، وتُوجِبُ الحَقَّ عليه، بِخِلَافِ هذا الخَبَر. والمَرْأةُ في ذلك كالرَّجُلِ، والعَبْدُ كالحُرِّ. وقال القاضي: هما كالفاسِقِ والصَّبِىِّ. وهذا مذهبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ قَوْلَهما لا يَثْبُتُ به حَقٌّ. ولَنا، أنَّ هذا خَبَرٌ وليس بشَهَادَةٍ، فاسْتَوَى فيه الرَّجُلُ والمَرْأَةُ، والعَبْدُ والحُرُّ، كالرِّوَايةِ والأخْبَارِ الدِّينِيّةِ. والعَبْدُ من أهْلِ الشَّهَادَةِ فيما عدا الحُدُودَ والقِصَاصَ، وهذا ممَّا عَداها، فأَشْبَه الحُرَّ. فصل: إذا أظْهَرَ المُشْتَرِى أنَّ الثَّمنَ أَكْثَرُ ممَّا وَقَعَ العَقْدُ به، فتَرَكَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ، لم تَسْقُطِ الشُّفْعَةُ بذلك. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، ومالِكٌ،

стр. 3684

إلَّا أنَّه قال بعدَ أن (١٣) يَحْلِفَ: ما سَلَّمْتُ الشُّفْعَةَ إلَّا لمكانِ الثَّمَنِ الكَثِيرِ. وقال ابنُ أبي لَيْلَى: لا شُفْعَةَ له؛ لأنَّه سَلَّمَ وَرَضِىَ. ولَنا، أنَّه تَرَكَها لِلعُذْرِ، فإنَّه لا يَرْضاهُ بالثَّمنِ الكَثِيرِ، ويَرْضاهُ بالقَلِيلِ، وقد لا يكونُ معه الكَثِيرُ، فلم تَسْقُطْ بذلك، كما لو تَرَكَها لِعَدَمِ العِلْمِ. وكذلك إن أظْهَرَ أنَّ المَبِيعَ سِهَامٌ قَلِيلَةٌ، فبانَتْ كثِيرَةً (١٤)، أو أظْهَرَ أنَّهما تَبَايَعَا بِدَنَانِيرَ، فبانَ أنَّهما دَرَاهِمُ، أو بِدَرَاهِمَ فبانَتْ (١٥) دَنَانِيرَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وزُفَر. وقال أبو حنيفةَ، وصاحِبَاه: إن كانت قِيمَتُهُما سواءً، سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ؛ لأنَّهما كالجِنْسِ الواحدِ. ولَنا، أنَّهما جِنْسانِ، فأَشْبَها الثِّيابَ والحَيَوانَ، ولأنَّه قد يَمْلِكُ بالنَّقْدِ الذي وَقَعَ به البَيْعُ دُونَ ما أظْهَرَه (١٦)، فَيَتْرُكُه لِعَدَمِ مِلْكِه له. وكذلك إن أظْهَرَ أنَّه اشْتَرَاه بِنَقْدٍ، فبانَ أنَّه اشْتَراهُ بِعَرْضٍ (١٧)، أو بِعَرْضٍ فبان أنَّه بِنَقْدٍ، أو بِنَوْعٍ من العَرْضِ فبانَ أنَّه بغيرِه، أو اشْتَراه مُشْتَرٍ فبانَ أنَّه اشْتَراه لغيرِه، أو أظْهَر أنَّه اشْتَراه لغيرِه فبانَ أنَّه اشْتَراه له، أو أنَّه اشْتَراهُ لإِنْسَانٍ فبانَ أنَّه اشْتَراهُ لغيرِه؛ لأنَّه قد يَرْضَى (١٨) شَرِكَةَ (١٩) إنْسانٍ دُونَ غيرِه، وقد يُحَابِى إنْسانًا أو يَخَافُه، فيَتْرُكُ لذلك. وكذلك إن أظْهَرَ أنَّه اشْتَرَى الكلَّ بثَمَنٍ فبانَ أنَّه اشْتَرَى نِصْفَه بِنِصْفِه، أو أنَّه اشْتَرَى نِصْفَه بثَمَنٍ فبانَ أنَّه اشْتَرَى جَمِيعَه بِضِعْفِه، أو أنَّه اشْتَرَى الشِّقْصَ وحدَه فبانَ أنَّه اشْتَراهُ هو أو غيرُه، أو أنَّه اشْتَراهُ هو وغيرُه فبانَ أنَّه اشْتَرَاهُ وحدَه، لم تَسْقُط الشُّفْعَةُ. في جَمِيعِ ذلك؛ لأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ فيما أَبْطَنَه دُونَ ما أظْهَرَه، فيَتْرُكُ لذلك، فلم تَسْقُطْ شُفْعَتُه، كما لو أظْهَرَ أنَّه اشْتَراهُ بثَمَنٍ فبانَ أَقَلَّ منه. فأمَّا إنْ أظْهَرَ أنَّه اشْتَراهُ بثَمَنٍ فبانَ أنَّه اشْتَراهُ بأكْثَرَ، أو أنَّه اشْتَرَى الكلَّ بثَمَنٍ فبانَ أنَّه اشْتَرَى به (٢٠) بعضَه، سَقَطَتْ

стр. 3685

شُفعَتُه؛ لأنَّ الضَّرَرَ. فيما أبْطَنَه أكْثَرُ، فإذا لم يَرْضَ به بالثمَنِ القَلِيلِ مع قِلَّةِ ضَرَرِه، فبِالكثيرِ (٢١) أَوْلَى. فصل: وإن لَقِيَهُ الشَّفِيعُ في غيرِ بَلَدِه فلم يُطَالِبْهُ، وقال: إنَّما تَرَكْتُ المُطَالَبةَ لأُطَالِبَهُ في البَلَدِ الذي فيه البَيْعُ، أو المَبِيعُ، أو لآخُذَ الشِّقْصَ في مَوْضِعِ الشُّفْعَةِ. سَقَطَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ ذلك ليس بِعُذْرٍ في تَرْكِ المُطَالَبةِ، فإنَّها لا تَقِف على تَسْلِيمِ الشَّقْصِ، ولا على حُضُورِ البَلَدِ الذي هو فيه. وإن قال: نَسِيتُ، فلم أَذْكُر المُطَالَبةَ. أو نَسِيتُ البَيْعَ. سَقَطَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّه (٢٢) خِيَارٌ على الفَوْرِ، فإذا أَخَّرَهُ نِسْيانًا بَطَلَ، كالرَّدِّ بالعَيْبِ، وكما لو أمْكَنَتِ المُعْتَقَةُ زَوْجَها من وَطْئِها نِسْيانًا. ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ المُطَالَبةُ؛ لأنَّه تَرَكَها لِعُذْرٍ، فأَشْبَه مَا لو تَرَكَها لِعَدَمِ عِلْمِه بها. وإن تَرَكَها جَهْلًا بِاسْتِحْقاقِه لها، بَطَلَتْ، كالرَّدِّ بالعَيْبِ. فصل: وإذا قال الشَّفِيعُ لِلمُشْتَرِى: بِعْنِى ما اشْتَرَيْتَ. أو قَاسِمْنِى. بَطَلَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّه يَدُلُّ على رِضَاهُ بِشِرَائِه وتَرْكِه لِلشُّفْعَةِ. وإن قال: صَالِحْنِى على مالٍ. سَقَطَتْ أيضًا. وقال القاضي: لا تَسْقُطُ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بإسْقَاطِها، وإنَّما رَضِىَ بالمُعَاوَضَةِ عنها، ولم تَثْبُتِ المُعَاوَضَةُ، فبَقِيَتِ الشُّفْعَةُ. ولَنا، أنَّه رَضِىَ بِتَرْكِها، وطَلَبَ عِوَضَها، فثَبَتَ (٢٣) التَّرْكُ المَرْضِىُّ به، ولم يَثْبُت العِوَضُ. كما لو قال: بِعْنِى. فلم يَبِعْهُ. ولأنَّ تَرْكَ المُطَالَبةِ بها كافٍ في سُقُوطِها، فمع طَلَبِ عِوَضِها أَوْلَى. ولأصْحابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهانِ كهذَيْن. فإن صَالَحَه عنها بِعِوَضٍ، لم يَصِحَّ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: يَصِحُّ؛ لأنَّه عِوَضٌ عن إزَالَةِ مِلْكٍ، فجازَ كأخْذِ (٢٤) العِوَضِ [عن تَمْلِيكِ] (٢٥) امْرأَةٍ أَمْرَهَا. ولَنا، أنَّه خِيَارٌ لا يَسْقُطُ إلى مالٍ، فلم يَجُزْ أَخْذُ

стр. 3686

العِوَضِ عنه، كخِيَارِ الشَّرْطِ. ويَبْطُلُ ما قالَه بخِيَارِ الشَّرْطِ. وأمَّا الخُلْعُ فهو مُعَاوَضَةٌ عما (٢٦) مَلَكَه بِعِوَضٍ، وههُنا بِخِلَافِه. فصل: وإن قال: آخُذُ نِصْفَ الشِّقْصِ. سَقَطَتْ شُفْعَتُه. وبهذا قال محمدُ بن الحَسَنِ، وبعضُ أَصْحابِ الشَّافِعِىِّ. وقال أبو يوسُفَ: لا تَسْقُطُ؛ لأنَّ طَلَبَه بِبَعْضِها طَلَبٌ بجَمِيعِها، لكَوْنِها لا تَتَبَعَّضُ، ولا يجوزُ أخْذُ بعضِها. ولَنا، أنَّه تارِكٌ لِطَلَبِ بعضِها، فيَسْقُطُ، ويَسْقُطُ باقِيها؛ لأنَّها لا تَتَبَعَّضُ. ولا يَصِحُّ ما ذَكَرَه؛ فإنَّ طَلَبَ بعضِها ليس بِطَلَبٍ لِجَمِيعِها، وما لا يَتَبَعَّضُ لا يَثْبُتُ حتى يَثْبُتَ السَّبَبُ في جَمِيعِه، كالنِّكَاحِ. ويُخَالِفُ السُّقُوطَ؛ فإنَّ الجَمِيعَ يَسْقُطُ (٢٧) بوُجُودِ السَّبَبِ في بعضِه، كالطَّلَاقِ والعَتَاقِ. فصل: وإن أخَذَ الشِّقْصَ بثَمَنٍ مَغْصُوبٍ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا تَسْقُطُ شُفْعَتُه؛ لأنَّه بالعَقْدِ اسْتَحَقَّ الشِّقْصَ بمثلِ ثَمَنِه في الذِّمَّةِ، فإذا عَيَّنَه فيما لا يَمْلِكُه (٢٨)، سَقَطَ التَّعْيِينُ، وبَقِىَ الاسْتِحْقاقُ في الذِّمَّةِ، فأشْبَهَ ما لو أَخَّرَ الثمنَ، أو كما لو اشْتَرَى شَيْئًا آخَرَ، ونَقَدَ فيه ثَمَنًا مَغْصُوبًا. والثانى، تَسْقُطُ شُفْعَتُه؛ لأنَّ أَخْذَه لِلشِّقْصِ بما لا يَصِحُّ (٢٩) [أَخْذُه به] (٣٠) تَرْكٌ له، وإعْراضٌ عنه، فتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ، كما لو تَرَكَ الطَّلَبَ بها. فصل: ومَن وَجَبَتْ له الشُّفْعَةُ، فباعَ نَصِيبَه عالِمًا بذلك، سَقَطَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّه لم يَبْقَ له مِلْكٌ يَسْتَحِقُّ به، ولأنَّ الشُّفْعةَ ثَبَتَتْ له (٣١) لإِزَالةِ الضَّرَرِ الحاصِلِ بالشَّرِكَةِ عنه،

стр. 3687

وقد زَالَ ذلك بِبَيْعِه، وإن باعَ بعضَه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، تَسْقُطُ أيضًا؛ لأنَّها اسْتُحِقَّتْ بجَمِيعِه، فإذا باعَ بعضَه سَقَطَ ما تَعَلَّقَ بذلك من اسْتِحْقاقِ الشُّفْعةِ، فيَسْقُطُ باقِيها، لأنَّها لا تَتَبَعَّضُ، فيَسْقُطُ (٣٢) جَمِيعُها بسُقُوطِ بعضِها، كالنِّكاحِ والرِّقِّ، وكما لو عَفَا عن بعضِها. والثانى، لا تَسْقُطُ؛ لأنَّه قد بَقِىَ من (٣٣) نَصِيبِه ما يَسْتَحِقُّ به الشُّفْعَةَ في جَمِيعِ المَبِيعِ لو انْفَرَدَ، فكذلك إذا بَقِىَ. ولِلمُشْتَرِى الأَوَّل الشُّفْعَةُ على المُشْتَرِى الثاني في المسألةِ الأُولَى، وفى الثانية إذا قُلْنا بسُقُوطِ (٣٤) شُفْعَةِ البائِعِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه شَرِيكٌ في المَبِيعِ، وإن قُلْنا: لا تَسْقُطُ شُفْعةُ البائعِ. فله أخْذُ الشِّقْصِ من المُشْتَرِى الأَوَّل. وهل للمُشْتَرِى الأَوَّل شُفْعَةٌ على المُشْتَرِى الثاني؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، له الشُّفْعةُ؛ لأنَّه شَرِيكٌ، فإنَّ المِلْكَ ثابِتٌ له يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه بجَمِيعِ التَّصَرُّفاتِ، ويَسْتَحِقُّ نَماءَه وفَوائِدَه، واسْتِحْقَاقُ الشُّفْعةِ به من فَوائِدِه. والثانى، لا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ مِلْكَه يُوجَدُ بها، فلا تُؤْخَذُ الشُّفْعةُ به، ولأنَّ مِلْكَه مُتَزَلْزِلٌ ضَعِيفٌ، فلا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعةَ به لِضَعْفِه. والأَولُ أقْيَسُ؛ فإنَّ اسْتِحْقاقَ أخْذِه منه لا يَمْنَعُ أن يَسْتَحِقَّ به الشُّفْعةَ، كالصَّدَاقِ قبلَ الدُّخُولِ، والشِّقْصِ المَوْهُوبِ لِلْوَلَدِ. فعلى هذا لِلمُشْتَرِى الأوَّلِ الشُّفْعَةُ على المُشْتَرِى الثاني، سواءٌ أخَذَ منه (٣٥) المَبِيعَ بالشُّفْعةِ أو [يَأْخُذْ، وللبائعِ] (٣٦) الثاني إذا باعَ بعضَ الشِّقْصِ الأَخْذُ من المُشْتَرِى الأولِ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ. فأمَّا إن باعَ الشَّفِيعُ مِلْكَه قبلَ عِلْمِه بالبَيْعِ الأولِ، فقال القاضي: تَسْقُطُ شُفْعَتُه أيضًا؛ لما ذَكَرْناه، ولأنَّه زالَ السَّبَبُ الذي يَسْتَحِقُّ به الشُّفْعَةَ، وهو المِلْكُ الذي يَخَافُ الضَّرَرَ بِسَبَبِه، فصارَ كمَن اشْتَرَى مَعِيبًا، فلم يَعْلَمْ عَيْبَه حتى زالَ أو حتى باعَهُ. فعلى هذا، حُكْمُه حُكْمُ ما لو باعَ مع عِلْمِه، سواءٌ فيما إذا باعَ جَمِيعَه أو بعضَه. وقال أبو

стр. 3688

الخَطَّابِ: لا تَسْقُطُ شُفْعَتُه [لأنَّها ثَبَتَتْ] (٣٧) له ولم يُوجَدْ منه رِضًى بِتَرْكِها، ولا ما يَدُلُّ على إسْقاطِها، والأَصْلُ بَقاؤُها فتَبْقَى. وفارَقَ ما إذا عَلِمَ، فإنَّ بَيْعَه دَلِيلٌ على رِضَاهُ بِتَرْكِها، فعلى هذا، للبائِع الثانِى أخْذُ الشِّقْصِ من المُشْتَرِى الأَوَّلِ، فإن عَفَا عنه (٣٨)، فلِلمُشْتَرِى الأولِ أخْذُ الشِّقْصِ من المُشْتَرِى الثاني، وإن أخَذَ منه، فهل لِلْمُشْتَرِى الأولِ الأَخْذُ من الثانِى؟ على وَجْهَيْنِ. ٨٧٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ كَانَ غائِبًا، وعَلِمَ بِالْبَيْعِ في وَقْتِ قُدُومِهِ، فَلَهُ الشُّفْعةُ، [وَإنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ) وجملةُ ذلك أنَّ الغائِبَ له شُفْعَةٌ] (١). في قولِ أَكْثَر أهْلِ العِلْمِ. رُوِى ذلك عن شُرَيْحٍ، والحَسَنِ، وعَطَاءٍ. وبه قال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. ورُوِىَ عن النَّخَعِيِّ: ليس للغائِبِ شُفْعَةٌ. وبه قال الحارِثُ العُكلِىُّ، والبَتِّىُّ، إلَّا للغائِبِ القَرِيبِ؛ لأنَّ إثْباتَ الشُّفْعةِ له (٢) يَضُرُّ بالمُشْتَرِى، ويَمْنَعُ من اسْتِقْرارِ مِلْكِه وتَصَرُّفِه على حَسَبِ اخْتِيارِه، خَوْفًا من أَخْذِه، فلم يَثْبُتْ ذلك كَثُبُوتِه للحاضِرِ على التَّرَاخِى. ولَنا، عُمُومُ قولِه ﵇: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ" (٣). وسائرُ الأَحادِيثِ، ولأنَّ الشُّفْعةَ حَقٌّ مالِىٌّ وُجِدَ سَبَبُه بالنِّسْبةِ إلى الغائِبِ، فيَثْبُتُ له، كالإِرْثِ، ولأنَّه شَرِيكٌ لم يَعْلَم بالبَيْعِ، فتَثْبُتُ له الشُّفْعةُ عند عِلْمِه، كالحاضِرِ إذا كُتِمَ عنه البَيْعُ، والغائِبِ غَيْبةً قَرِيبةً، وضَرَرُ المُشْتَرِى يَنْدَفِعُ بإِيجابِ القِيمَةِ له، كما في الصُّوَرِ (٤) المذْكُورةِ. إذا

стр. 3689

ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا لم يَعْلَمْ بالبَيْعِ إلَّا وَقْتَ قُدُومِه، فله المُطَالَبةُ وإن طالَتْ غيْبَتُه؛ لأنَّ هذا الخِيَارَ يَثْبُتُ لإِزَالةِ الضَّرَرِ عن المالِ، فتَرَاخِى الزَّمانِ قبلَ العِلْمِ به لا يُسْقِطُه (٥)، كالرَّدِّ بالعَيْبِ، ومتى عَلِمَ فحُكْمُه في المُطَالَبةِ حُكْمُ الحاضِرِ، في أنَّه إن طَالَبَ على الفَوْرِ اسْتَحَقَّ، وإلَّا بَطَلَتْ شُفْعَتُه، وحُكْمُ المَرِيضِ والمَحْبُوسِ وسائِرِ من لم يَعْلَم البَيْعَ لِعُذْرٍ، حُكْمُ الغائِبِ؛ لما ذَكَرْنا. ٨٧٤ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ عَلِمَ وَهُوَ في السَّفَرِ، فَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى مُطَالَبتِهِ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) ظاهِرُ هذا أنَّه متى عَلِمَ الغائِبُ بالبَيْعِ، وقَدَرَ على الإِشْهادِ على (١) المُطَالَبةِ فلم يَفْعَلْ، أنَّ شُفْعَتَه تَسْقُطُ، سواءٌ قَدَرَ على التَّوْكِيلِ أو عَجَزَ عنه، أو سارَ عَقِيبَ العِلْمِ أو أقامَ. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في رِوَايَةِ أبي طَالِبٍ، في الغائِبِ: له الشُّفْعَةُ إذا بَلَغَهُ أشْهَدَ، وإلَّا فليس له شيءٌ. وهو وَجْهٌ للشَّافِعِىِّ، والوَجْهُ الآخَرُ، لا يَحْتاجُ إلى الإِشْهادِ؛ لأنَّه (٢) ثَبَتَ عُذْرُه، فالظاهِرُ أنَّه تَرَكَ الشُّفْعةَ لذلك. فقُبِلَ قولُه فيه. ولَنا، أنَّه قد يَتْرُكُ الطَّلَبَ لِلعُذْرِ، وقد يَتْرُكُه (٣) لغيرِه، وقد يَسِيرُ لِطَلَبِ الشُّفْعةِ، وقد يَسِيرُ لغيره، وقد قَدَرَ أن يُبَيِّنَ ذلك بالإِشْهادِ، فإذا لم يَفْعَلْ سَقَطَتْ شُفْعَتُه، كتارِكِ الطَّلَبِ مع حُضُورِه. وقال القاضي: إن سارَ عَقِيبَ عِلْمِه إلى البَلَدِ الذي فيه المُشْتَرِى من غيرِ إِشْهادٍ، احْتَمَلَ أن لا تَبْطُلَ شُفْعَتُه؛ لأنَّ ظاهِرَ سَيْرِه أنَّه للطَّلَبِ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ، والعَنْبَرِيِّ، وقولٌ لِلشَّافِعِىِّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: له من الأَجَلِ بعدَ العِلْمِ قَدْرُ السَّيْرِ، فإن مَضَى الأَجَلُ قبلَ أن يَبْعَثَ أو يَطْلُبَ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه. وقال العَنْبَرِىُّ: له

стр. 3690

مَسافةُ الطَّرِيقِ ذاهِبًا وجائِيًا؛ لأنَّ عُذْرَه في تَرْكِ الطَّلَبِ [ظاهِرٌ، فلم يَحْتَجْ معه إلى الشَّهَادةِ. وقد ذَكَرْنا وَجْهَ قولِ الخِرَقِىِّ. ولا خِلَافَ في أنَّه إذا عَجَزَ عن الإِشْهادِ في سَفَرِه، أنَّ شُفْعَتَه لا تَسْقُطُ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ في تَرْكِه، فأشْبَهَ ما لو تَرَكَ] (٤) الطَّلَبَ لِعُذْرٍ (٥) أو لِعَدَمِ العِلْمِ، ومتى قَدَرَ على الإِشْهادِ فأَخَّرَه، كان كتَأْخِيرِ الطَّلَبِ للشُّفْعةِ، إن كان لِعُذْرٍ لم تَسْقُط الشُّفْعةُ، وإن كان لغير عُذْرٍ سَقَطَتْ؛ لأنَّ الإِشْهادَ قائِمٌ مَقَامَ الطَّلَبِ، ونائِبٌ عنه، فيُعْتَبَرُ له ما يُعْتَبَرُ للطَّلَبِ. ومن لم يَقْدِرْ إلَّا على إشْهَادِ مَن لا تُقْبَلُ شَهَادَتُه، كالصَّبِىِّ والمَرْأةِ والفاسِقِ، فتَرَكَ الإِشْهادَ، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه بِتَرْكِه؛ لأنَّ قولَهم غيرُ مُعْتَبَرٍ، فلم يَلْزَمْ إشْهادُهم كالأطْفالِ والمَجَانِينِ. وإن لم يجِدْ من يُشْهِدُه إلَّا مَن لا يَقْدَمُ معه إلى مَوْضِعِ المُطَالَبةِ، فلم يُشْهِدْ، فالأَوْلَى أنَّ شُفْعَتَه لا تَبْطُلُ؛ لأنَّ إشْهَادَه لا يُفِيدُ، فأشْبَهَ إشْهادَ مَن لا تُقْبَلُ شَهَادَتُه. فإن لم يَجِدْ إلَّا مَسْتُورَىِ الحالِ، فلم يُشْهِدْهُما، احْتَمَلَ أنْ تَبْطُلَ شُفْعَتُه؛ لأنَّ شَهَادَتَهُما يُمْكِنُ إثْباتُها بالتَّزْكِيةِ، فأَشْبَها العَدْلَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أن لا تَبْطُلَ؛ لأنَّه يَحْتاجُ في إِثْباتِ شَهَادتِهِما إلى كُلْفَةٍ كَثِيرَةٍ، وقد لا يَقْدِرُ على ذلك، فلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُما، وإن أَشْهَدَهُما لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه، سواءٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهما أو لم تُقْبَلْ؛ لأنَّه لم يُمْكِنْهُ أَكْثَرُ من ذلك، فأَشْبَهَ العاجِزَ عن الإِشْهادِ. وكذلك إن لم يَقْدِرْ إلَّا على إشْهادِ واحدٍ، فأَشْهَدَه، أو تَرَكَ إشْهادَهُ. فصل: إذا أشْهَدَ على المُطَالَبةِ، ثم أَخَّرَ القُدُومَ مع إمْكانِه، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ الشُّفْعةَ بِحَالِها. وقال القاضي: تَبْطُلُ شُفْعَتُه. وإن لم يَقْدِرْ على المَسِيرِ (٦)، وقَدَرَ على التَّوْكِيلِ في طَلَبِها، فلم يَفْعَلْ، بَطَلَتْ أيضًا؛ لأنَّه تارِكٌ لِلطَّلَبِ بها مع قُدْرَتِه عليه، فسَقَطَتْ، كالحاضِرِ، أو كما لو لم يُشْهِدْ. وهذا مذهبُ الشّافِعِىِّ، إلَّا أنَّ لهم فيما إذا قَدَرَ على التَّوْكِيلِ فلم يَفْعَلْ وَجْهَيْنِ؛ أحَدهما، لا تَسْقُطُ شُفْعَتُه؛ لأنَّ له غَرَضًا بأن

стр. 3691

يُطَالِبَ لِنَفْسِه، لِكَوْنِه أَقْوَمَ بذلك أو يخافُ (٧) الضَّرَرَ من جِهَةِ وَكِيلِه، بأن يُقِرَّ عليه بِرِشْوَةٍ أو غيرِ ذلك، فيَلْزَمُه إِقْرَارُه، فكان مَعْذُورًا. ولَنَا، أنَّ عليه في السَّفَرِ ضَرَرًا، لِالْتِزَامِه كُلْفَتَه، وقد يكون له حَوَائِجُ وتِجَارَةٌ يَنْقَطِعُ عيها، وتَضِيعُ بِغَيْبَتِه، والتَّوْكِيل إن كان بِجُعْل لَزِمَهُ غُرْمٌ، وإن كان بغيرِ جُعْلٍ لَزِمَتْه مِنَّةٌ. ويَخَافُ الضَّرَرَ من جِهَتِه، فاكْتَفَى بالإِشْهَادِ. فأمَّا إن تَرَكَ السَّفَرَ، لِعَجْزِه عنه، أو لِضَرَرٍ يَلْحَقُه فيه، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه مَعْذُورٌ، فأَشْبَهَ مَن لم يَعْلَمْ. وان لم يَقْدِرْ على الإِشْهادِ، وأَمْكَنَه السَّفَرُ أو التَّوْكِيلُ، فلم يَفْعَلْ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّه تارِكٌ لِلطَّلَبِ بها مع إمْكانِه، من غيرِ وُجُودِ ما يَقُومُ مَقَامَ الطَّلَبِ، فسَقَطَتْ، كما لو كان حاضِرًا. فصل: ومَن كان مَرِيضًا مَرَضًا لا يَمْنَعُ المُطَالَبةَ، كالصُّدَاعِ اليَسِيرِ، والأَلَمِ القَلِيلِ، فهو كالصَّحِيحِ. وان كان مَرَضًا يَمْنَعُ المُطَالَبةَ، كالحُمَّى وأَشْباهِها، فهو كالغائِبِ في الإِشْهَادِ والتَّوْكِيلِ. وأَمَّا المَحْبُوسُ، فإن كان مَحْبُوسًا ظُلْمًا، أو بِدَيْنٍ لا يمكنُه أدَاؤُه، فهو كالمَرِيضِ، وإن كان مَحْبُوسًا بِحَقٍّ يَلْزَمُه أداؤُه، وهو قادِرٌ عليه، فهو كالمُطْلَقِ، إن (٨) لم يُبَادِرْ إلى المُطَالَبةِ، ولم يُوَكِّلْ فيها، بَطَلَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّه تَرَكَها مع القُدْرَةِ عليها. ٨٧٥ - مسألة؛ قال: (فَإنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَبَايَعَ ذلِك ثَلَاثَةٌ أوْ أكْثَرُ، كَانَ لَهُ أنْ يُطَالِبَ بِالشُّفْعَةِ مَنْ شاءَ مِنْهُمْ، فَإنْ طَالَبَ الأَوَّلَ، رَجَعَ الثاني بالثَّمَنِ الَّذِى أُخِذَ مِنْهُ، والثَّالِثُ عَلَى الثَّانِى) وجملةُ ذلك، أنَّ المُشْتَرِىَ إذا تَصَرَّفَ في المَبِيعِ قبلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ، أو قبلَ عِلْمِه، فتَصَرُّفُه صَحِيحٌ؛ لأنَّه مَلَكَهُ، وصَحَّ قَبْضُه له، ولم يَبْقَ إلَّا أنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَ أن يَتَمَلَّكَه عليه، وذلك لا يَمْنَعُ من تَصَرُّفِه، كما لو كان أحدُ العِوَضَيْنِ في البَيْعِ مَعِيبًا، لم يَمْنَع

стр. 3692

التَّصَرُّفَ [في الآخَرِ، والمَوْهُوبُ له يجوزُ له التَّصَرُّفُ] (١) في الهِبَةِ، وإن كان الواهِبُ ممَّن له الرُّجُوعُ فيه، فمتى تَصَرَّفَ فيه تَصَرُّفًا صَحِيحًا (٢) تَجِبُ به الشُّفْعةُ، مثل أن باعَهُ، فالشَّفِيعُ بالخِيَارِ، إن شاءَ فَسَخَ البَيْعَ الثاني وأخَذَهُ بالبَيْعِ الأَوَّلِ بِثَمَنِه؛ لأنَّ الشُّفْعةَ وَجَبَتْ له قبلَ تَصَرُّفِ المُشْتَرِى، وإن شاءَ أمْضَى تَصَرُّفَه وأخَذَ بالشُّفْعةِ من المُشْتَرِى الثاني؛ لأنَّه شَفِيعٌ في العَقْدَيْنِ، فكان له الأَخْذُ بما شاءَ منهما. وإن تَبَايَعَ ذلك ثلاثةٌ، فله أن يَأْخُذَ المَبِيعَ بالبَيْعِ الأَوَّلِ، ويَنْفَسِخُ العَقْدانِ الأخِيرانِ، وله أن يَأْخُذَه بالثانى، ويَنْفَسِخُ الثالِثُ وحدَه، وله أن يَأْخُذَه بالثالثِ، ولا يَنْفَسِخُ شيءٌ من العُقُودِ، فإذا أخَذَهُ من الثالثِ، دَفَعَ إليه الثمنَ الذي اشْتَرَى به، ولم يَرْجِعْ على أحدٍ؛ لأنَّه وَصَلَ إليه الثمنُ الذي اشْتَرَى به، [وإن أخَذَ من الثاني الثمَنَ دَفَعَ إليه الذي اشْتَرَى به] (٣)، ورَجَعَ الثالثُ عليه بما أَعْطاهُ؛ لأنَّه قد انْفَسَخَ عَقْدُه، وأُخِذَ الشِّقْصُ منه، فيَرْجِعُ (٤) بِثَمَنِه على الثاني؛ لأنَّه أخَذَهُ منه، وإن أخَذ بالبَيْعِ الأَوَّلِ، دَفَعَ إلى المُشْتَرِى الأَوَّل الثمنَ الذي اشْتَرَى به، وانْفَسَخَ عَقْدُ الآخَرَيْنِ، ورَجَعَ (٥) الثالثُ على الثاني بما أعْطاهُ، ورَجَعَ الثاني على الأَوَّلِ بما أعْطاهُ، فإذا كان الأَوَّلُ اشْتَراهُ بعَشَرَةٍ، ثم اشْتَراهُ الثاني بعِشْرِينَ، ثم اشْتَراهُ الثالثُ بثَلَاثِينَ، فأخَذَهُ بالبَيْعِ الأَوَّلِ، دَفَعَ إلى الأَوَّلِ عَشَرةً، وأخَذَ الثاني من الأَوَّلِ عِشْرِينَ، وأخَذَ الثالثُ من الثاني ثَلَاثِينَ؛ لأنَّ الشِّقْصَ إنَّما يُؤْخَذُ من الثالثِ، لكَوْنِه في يَدِه وقد انْفَسَخَ عَقْدُه، فيَرْجِعُ بِثَمَنِه الذي وَرِثَهُ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. وبه يقول مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، والعَنْبَرِيُّ، وأَصْحابُ الرَّأْى. وما كان في معنى البَيْعِ ممَّا تَجِبُ به الشُّفْعةُ، فهو كالبَيْعِ، فيما ذَكَرْنا، وما (٦) كان ممَّا لا تَجِبُ به الشُّفْعةُ،

стр. 3693

فهو كالهِبَةِ والوَقْفِ، على ما سَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ تعالى. فصل: وإن تَصَرَّفَ المُشْتَرِى في الشَّقْصِ بما لا تَجِبُ به الشُّفْعَةُ، كالوَقْفِ والهِبَةِ والرَّهْنِ، وجَعْلِه مَسْجِدًا، فقال أبو بكرٍ: للشَّفِيعِ فَسْخُ ذلك التَّصَرُّفِ، ويَأْخُذُه بالثمَنِ الذي وَقَعَ البَيْعُ به. وهو قولُ مالِكٍ، والشّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ (٧) الشَّفِيعَ مَلَكَ فَسْخَ البَيْعِ (٨) الثاني والثالثِ، مع إمكانِ الأَخْذِ بهما، فلَأنْ (٩) يَمْلِكَ فَسْخَ عَقْدٍ لا يُمْكِنُه الأَخْذُ به أَوْلَى، ولأنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ أَسْبَقُ، وجَنَبَتُه أقْوَى، فلم يَمْلِك المُشْتَرِى أن يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفًا يُبْطِلُ حَقَّه. ولا يَمْتَنِعُ أن يَبْطلَ الوَقْفُ لأَجلِ حَقِّ الغيرِ، كما لو وَقَفَ المَرِيضُ أَمْلاكَه وعليه دَيْنٌ، فإنَّه إذا ماتَ، رُدَّ الوَقْفُ إلى الغُرَماءِ والوَرَثَةِ فيما زادَ على ثُلُثِه، بل لهم إِبْطالُ العِتْقِ، فالوَقْفُ أوْلَى. وقال القاضي: المَنْصُوصُ عن أحمدَ، في رِوَايةِ عَلِىِّ بن سَعِيدٍ، وبَكْرِ بن محمدٍ، إسْقاطُ الشُّفْعةِ فيما إذا تَصَرَّفَ بالوَقْفِ والهِبَةِ. وحُكِىَ ذلك عن الْمَاسَرْجِسِىِّ (١٠) في الوَقْفِ؛ لأنَّ الشُّفْعةَ إنَّما تَثْبُتُ في المَمْلُوكِ، وقد خَرَجَ هذا عن كونِه مَمْلُوكًا. وقال ابنُ أبي موسَى: مَن اشْتَرَى دارًا، فجَعَلَها مَسْجِدًا، فقد اسْتَهْلَكَها، ولا شُفْعةَ فيها. ولأنَّ في الشُّفْعةِ ههُنا إضْرارًا بالمَوْهُوبِ له، والمَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّ مِلْكَه يَزُولُ عنه بغيرِ عِوَضٍ، ولا يُزَالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، بخِلَافِ البَيْعِ، فإنَّه إذا فَسَخَ البَيْعَ الثانىَ، رَجَعَ المُشْتَرِي الثاني بالثمنِ الذي أُخِذَ منه، فلا يَلْحَقُه ضَرَرٌ، ولأنَّ ثُبُوتَ الشُّفْعةِ ههُنا يُوجِبُ رَدَّ العِوَضِ إلى غيرِ المالِكِ، وسَلْبَه عن المالِكِ، فإذا قُلْنا بِسُقُوطِ الشُّفْعةِ، فلا كلامَ، وإن قُلْنا بِثُبُوتِها، فإنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ ممَّن هو في يَدِه، ويَفْسَخُ عَقْدَه، ويَدْفَعُ الثمنَ إلى المُشْتَرِى. وحُكِى عن مالِكٍ أنَّه يكونُ لِلْمَوْهُوبِ له؛ لأنَّه يَأْخُذُ مِلْكَه. ولَنا، أنَّ

стр. 3694

الشَّفِيعَ يُبْطِلُ الهِبَةَ، ويَأْخُذُ الشِّقْصَ بحُكْمِ العَقْدِ الأوَّلِ، ولو لم يكن وَهَبَ، كان الثمنُ له، كذلك بعدَ الهِبَةِ المَفْسُوخةِ. فصل: فإن جَعَلَه صَدَاقًا، أو عِوَضًا في خُلْعٍ أو صُلْحٍ عن دَمٍ (١١) عَمْدٍ، انْبَنَى ذلك على الوَجْهَيْنِ في الأَخْذِ بالشُّفْعةِ. فصل (١٢): فإن قايَلَ البائِعُ المُشْتَرِىَ، أو رَدَّه (١٣) عليه بِعَيْبٍ، فلِلشَّفِيعِ فَسْخُ الإِقَالةِ والرَّدِّ، والأخْذُ بالشُّفْعةِ؛ لأنَّ حَقَّهُ سابِقٌ عليهما، ولا يُمْكِنُه الأَخْذُ معهما. وإن تَحالَفَا على الثّمَنِ، وفَسَخَا البَيْعَ، فلِلشَّفِيعِ أن يَأْخُذَ الشِّقْصَ بما حَلَفَ عليه البائِعُ؛ لأنَّ البائِعَ مُقِرٌّ بالبَيْعِ بالثمنِ الذي حَلَفَ عليه، ومُقِرٌّ لِلشَّفِيعِ باسْتِحْقاقِ الشُّفْعةِ بذلك، فإذا بَطَلَ حَقُّ المُشْتَرِى بإنْكارِه، لم يَبْطُلْ حَقُّ الشَّفِيعِ بذلك، وله أن يُبْطِلَ فَسْخَهُما ويَأْخُذَ؛ لأنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ. فصل: وإن اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ، ثم وَجَدَ بائِعُ الشِّقْصِ بالعَبْدِ عَيْبًا، فله رَدُّ العَبْدِ واسْتِرْجاعُ الشِّقْصِ، ويُقَدَّمُ على حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لأنَّ في تَقْدِيِم حَقِّ الشَّفِيعِ إضْرَارًا بالبائِعِ، بإسْقاطِ حَقِّه في (١٤) الفَسْخِ الذي اسْتَحَقَّه، والشُّفْعَةُ (١٥) تَثْبُتُ لإِزَالةِ الضَّرَرِ، فلا تَثْبُتُ على وَجْهٍ يَحْصُلُ بها الضَّرَرُ، فإن الضَّرَرَ لا يُزَالُ بالضَّرَرِ. وقال أصْحابُ الشّافِعِىِّ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ: يُقَدَّمُ حَقُّ الشَّفِيعِ؛ لأنَّ حَقَّه أسْبَقُ، فوَجَبَ تَقْدِيمُه، كما لو وَجَدَ المُشْتَرِى بالشِّقْصِ عَيْبًا فرَدَّهُ. ولَنا، أنَّ في الشُّفْعةِ إبْطالَ حَقِّ البائِعِ، وحَقُّه أسْبَقُ؛ لأنَّه اسْتَنَدَ إلى وُجُودِ العَيْبِ، وهو مَوْجُودٌ حالَ البَيْعِ، والشُّفْعةُ ثَبَتَتْ بالبَيْعِ، فكان حَقُّ البائِعِ سابِقًا، وفى الشُّفعةِ إِبْطالُه، فلم تَثْبُتْ، ويُفارِقُ (١٦) ما

стр. 3695

إذا كان الشِّقْصُ مَعِيبًا، فإنَّ حَقَّ المُشْتَرِى إنَّما هو في اسْتِرْجاعِ الثمَنِ، وقد حَصَلَ له من الشَّفِيعِ، فلا فائِدَةَ في الرَّدِّ، وفي مَسْأَلَتِنا حَقُّ البائِعِ في اسْتِرْجاعِ الشِّقْصِ، ولا يَحْصُلُ ذلك مع الأَخْذِ بالشُّفْعةِ، فَافْتَرقَا. فإن لم يَرُدَّ البائِعُ [العَبْدَ المَعِيبَ] (١٧) حتى أخَذَ الشَّفِيعُ، كان له رَدُّ العَبْدِ، ولم يَمْلِكْ اسْتِرْجاعَ المَبِيعِ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَهُ بالأخْذِ، فلم يَمْلِك البائِعُ إبْطالَ مِلْكِه، كما لو باعَهُ المُشْتَرِى لأجْنَبِىٍّ، فإنَّ الشُّفْعةَ بَيْعٌ في الحَقِيقَةِ، ولكن يَرْجِعُ بقِيمَةِ الشِّقْصِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ التَّالِفِ، والمُشْتَرِى قد أخَذَ من الشَّفِيعِ قِيمَةَ العَبْدِ، فهل يَتَراجَعانِ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَتَراجَعانِ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ أخَذَ بالثَّمنِ الذي وَقَعَ عليه العَقْدُ، وهو قِيمَةُ العَبْدِ صَحِيحًا لا عَيْبَ فيه، بِدَلِيلِ أنَّ البائِعَ إذا عَلِمَ بالعَيْبِ مَلَكَ رَدَّه. ويَحْتَمِلُ أن يَأْخُذَه بقِيمَتِه مَعِيبًا؛ لأنَّه إنَّما أعْطَى عَبْدًا مَعِيبًا، فلا يَأْخُذُ قِيمَةَ غيرِ ما أَعْطَى. والثانى، يَتَراجَعانِ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَأْخُذُ بالثَّمنِ الذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ، والذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ قِيمَةُ الشِّقْصِ، فإذا قُلْنا: يَتَراجَعانِ. فأيُّهما كان ما دَفَعَهُ أَكْثَرَ، رَجَعَ بالفَضْلِ على صَاحِبِه، وإن لم يَرُدَّ البائِعُ العَبْدَ، ولكن أخَذَ أرْشَه، لم يَرْجِع المُشْتَرِى على الشَّفِيعِ بشيءٍ؛ لأنَّه إنَّما دَفَعَ إليه قِيمَةَ العَبْدِ غيرَ مَعِيبٍ. وإن أدَّى قِيمَتَه مَعِيبًا رَجَعَ المُشْتَرِى عليه، بما أدَّى من أَرْشِه. وإن عَفَا عنه، ولم يَأْخُذْ أرْشًا، لم يَرْجِع الشَّفِيعُ عليه بشيءٍ؛ لأنَّ البَيْعَ لازِمٌ من جِهَةِ المُشْتَرِى، لا يَمْلِكُ فَسْخَه، فأشْبَه ما لو حَطَّ عنه بعضَ الثمَنِ بعدَ لُزُومِ العَقْدِ. وإن عادَ الشِّقْصُ إلى المُشْتَرِى، بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ أو إِرْثٍ أو غيرِه، فليس للشَّفِيعِ (١٨) أخْذُه بالبَيْعِ الأَوَّلِ؛ لأنَّ مِلْكَ المُشْتَرِى زالَ عنه، وانْقَطَعَ حَقُّه منه، وانْتَقَلَ حَقُّه إلى القِيمَةِ، فإذا أخَذَها لم يَبْقَ له حَقٌّ، بخِلَافِ ما لو غَصَبَ شَيْئًا لم يَقْدِرْ على رَدِّه، فأدَّى قِيمَتَهُ (١٩)، ثم

стр. 3696

قَدَرَ عليه، فإنَّه يَرُدُّه؛ لأنَّ مِلْكَ المَغْصُوبِ لم يَزُلْ عنه. فصل: ولو كان ثَمَنُ الشِّقْصِ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، فتَلِفَ قبلَ قَبْضِه، بَطَلَ البَيْعُ، وبَطَلَتِ الشُّفْعةُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ، فتَعَذَّرَ إِمْضاءُ العَقْدِ، فلم تَثْبُت الشُّفْعةُ، كما لو فَسَخَ البَيْعَ في مُدَّةِ الخِيَارِ، بخِلَافِ الإِقَالَةِ والرَّدِّ بالعَيْبِ. وإن كان الشَّفِيعُ قد أخَذَ الشَّقْصَ، فهو كما لو أخَذَه في المَسْأَلةِ التي قبلَها؛ لأنَّ لِمُشْتَرِى الشِّقْصِ التَّصَرُّفَ فيه قبلَ تَقْبِيضِ ثَمَنِه، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَراهُ منه أجْنَبِىٌّ. فصل: وإن اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ أو ثَمَنٍ مُعَيَّنٍ، فخَرَجَ مُسْتَحَقًّا، فالبَيْعُ باطِلٌ، ولا شُفْعةَ فيه؛ لأنَّها إِنَّما تَثْبُتُ في عَقْدٍ يَنْقلُ المِلْكَ إلى المُشْتَرِى، وهو العَقْدُ الصَّحِيحُ، فأمَّا الباطِلُ فوُجُودُه كعَدَمِه. فإن كان الشَّفِيعُ قد أخَذَ بالشُّفْعةِ، لَزِمَهُ رَدُّ ما أَخَذَ على البائِعِ، ولا يَثْبُتُ ذلك إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ من الشَّفِيعِ والمُتَبَايِعَيْنِ. فإن أَقَرَّ المُتَبايِعانِ، وأنْكَرَ الشَّفِيعُ، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما عليه، وله الأَخْذُ بالشُّفْعةِ، ويُرَدُّ العَبْدُ على صَاحِبِه، ويَرْجِعُ البائِعُ على المُشْتَرِى بقِيمَةِ الشِّقْصِ. وإنْ أَقَرَّ الشَّفِيعُ والمُشْتَرِى دون البائِعِ، لم تَثْبُت الشُّفْعةُ، ووَجَبَ على المُشْتَرِى رَدُّ قِيمَةِ العَبْدِ على صاحِبِه، ويَبْقَى الشِّقْصُ معه يَزْعُمُ أنَّه للبائِعِ، والبائِعُ يُنْكِرُه، ويَدَّعِى عليه وُجُوبَ رَدِّ العَبْدِ، والبائِعُ يُنْكِرُه، فيَشْتَرِى الشِّقْصَ منه، ويَتَبارَءَانِ. وإن أَقَرَّ الشَّفِيعُ والبائِعُ وأَنْكَرَ المُشْتَرِى، وَجَبَ على البائِعِ رَدُّ العَبْدِ على صاحِبِه، ولم تَثْبُتِ الشُّفْعةُ، ولم يَمْلِكِ البائِعُ مُطَالَبةَ المُشْتَرِى بشيءٍ؛ لأنَّ البَيْعَ صَحِيحٌ في الظاهِرِ، وقد أَدَّى ثَمَنَه الذي هو مِلْكُه في الظَّاهِرِ. وإِنْ أَقَرَّ الشَّفِيعُ وحدَه، لم تَثْبُت الشُّفْعةُ، ولا يَثْبُتُ شيءٌ من أحْكامِ البُطْلَانِ في حَقِّ المُتَبايِعَيْنِ. فأمَّا إن اشْتَرَى الشِّقْصَ بِثَمَنٍ في الذِّمَّةِ، ثم نَقَدَ الثمنَ، فبانَ مُسْتَحَقًّا، كانت الشُّفْعَةُ واجِبَةً؛ لأنَّ البَيْعَ صَحِيحٌ، فإنْ تَعَذَّرَ قَبْضُ الثمَنِ من المُشْتَرِى لإِعْسَارِه أو غيرِه، فلِلْبائِعِ فَسْخُ البَيْعِ، ويُقَدَّمُ حَقُّ الشَّفيعِ؛ لأنَّ بالأخْذِ (٢٠) بها يَحْصُلُ للمُشْتَرِى ما يُؤَدِّيه (٢١) ثمَنًا، فتَزُولُ

стр. 3697

عُسْرَتُه، ويَحْصُلُ الجَمْعُ بين الحَقَّيْنِ، فكان أَوْلَى. فصل: وإذا وَجَبَتِ الشُّفْعةُ، قضَى القاضِى بها، والشِّقْصُ في يَدِ البائِعِ، ودَفَعَ الثمَنَ إلى المُشْتَرِى، فقال البائِعُ للشَّفِيعِ: أقِلْنِى. فأقَالَه، لم تَصِحَّ الإِقَالَةُ؛ لأنَّها تَصِحُّ بين المُتَبايِعَيْنِ، وليس بين الشَّفِيعِ والبائِعِ بَيْعٌ، وإنَّما هو مُشْتَرٍ من المُشْتَرِى. فإن باعَهُ إيّاهُ، صَحَّ البَيْعُ (٢٢)؛ لأنَّ العَقَارَ يجوزُ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه. ٨٧٦ - مسألة؛ قال: (ولِلصَّغِيرِ إذَا كَبِرَ الْمُطَالَبةُ بالشُّفْعَةِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا بِيعَ في شَرِكَةِ الصَّغِيرِ شِقْصٌ، ثَبَتَتْ (١) له الشُّفْعَةُ، في قولِ عامّةِ الفُقَهاءِ، منهم الحَسَنُ، وعَطَاءٌ، ومالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ، والشّافِعِىُّ (٢)، وسَوَّارٌ، والعَنْبَرِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْى. وقال ابنُ أبي لَيْلَى: لا شُفْعَةَ له. ورُوِى ذلك عن النَّخَعِىِّ، والحارِثِ العُكْلِىِّ؛ لأنَّ الصَّبِىَّ لا يُمْكِنُه الأَخْذُ، ولا يُمْكِنُ انْتِظَارُه حتى يَبْلُغَ. لما فيه من الإِضْرَارِ بالمُشْتَرِى، وليس للوَلِىِّ الأَخْذُ؛ لأنَّ مَنْ لا يَمْلِكُ العَفْوَ لا يَمْلِكُ الأخْذَ. ولَنا، عُمُومُ الأحادِيثِ، ولأنَّه خِيَارٌ جُعِلَ لإِزَالةِ الضَّرَرِ عن المالِ، فيَثْبُتُ في حَقِّ الصَّبِىِّ كخِيَارِ الرَّدِّ بالعَيْبِ. وقولُهم: لا يُمْكِنُ الأَخْذُ. غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الوَلِىَّ يَأخُذُ بها، كما يَرُدُّ المَعِيبَ. قولُهم: لا يُمْكِنُه العَفْوُ. يَبْطُلُ بالوَكِيلِ فيه، وبالرَّدِّ بالعَيْبِ، فإنَّ وَلِىَّ الصَّبِىِّ (٣) لا يُمْكِنُه العَفْوُ، ويُمْكِنُه الرَّدُّ. ولأنَّ في الأَخْذِ تَحْصِيلًا لِلْمِلْكِ للصَّبِىِّ، ونَظَرًا له، وفى العَفْوِ تَضْيِيعٌ وتَفْرِيطٌ في حَقِّه، ولا يَلْزَمُ من مِلْكِ ما فيه الحَظُّ مِلْكُ ما فيه تَضْيِيعٌ، ولأنَّ العَفْوَ إسْقَاطٌ لِحَقِّه، والأَخْذَ اسْتِيفَاءٌ له، ولا يَلْزَمُ من مِلْكِ الوَلِىِّ اسْتِيفَاءَ حَقِّ المُوَلَّى عليه، مِلْكُ إسْقَاْطه، بِدَلِيلِ سائِر حُقُوقِه ودُيُونِه.

стр. 3698

وإن لم يَأْخُذ الوَلِىُّ، انْتُظِرَ بُلُوغُ الصَّبِىِّ، كما يُنْتَظَرُ قُدُومُ الغائِبِ. وما ذَكَرُوه من الضَّرَرِ في الانْتِظارِ، يَبْطُلُ بالغائِبِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ ظاهِرَ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّ لِلصَّغِيرِ إذا كَبِرَ الأَخْذَ بها، سواءٌ عَفَا عنها الوَلِىُّ أو لم يَعْفُ، وسواءٌ كان الحَظُّ (٤) في الأَخْذِ بها، أو في تَرْكِهَا. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في رِوَايةِ ابن مَنْصُورٍ: له الشُّفْعةُ إذا بَلَغ فاخْتَارَ. ولم يُفَرِّقْ. وهذا قولُ الأَوْزَاعِىِّ، وزُفَرَ، ومحمد بن الحَسَنِ، وحَكَاه بعضُ أصْحابِ الشّافِعِىِّ عنه؛ لأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلشُّفْعةِ يَمْلِكُ الأَخْذَ بها، سواءٌ كان له الحَظُّ فيها (٤) أو لم يكنْ، فلم يَسْقُطْ بِتَرْكِ غيرِه، كالغائِبِ إذا تَرَكَ وَكِيلُه الأَخْذَ بها. وقال أبو عبد اللهِ ابن حامِدٍ: إن تَرَكَها الوَلِىُّ لِحَظِّ الصَّبِىِّ، أو لأنَّه ليس لِلصَّبِىِّ ما يَأْخُذُها به، سَقَطَتْ. وهذا ظاهِرُ (٥) مذهبِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الوَلِىَّ فَعَلَ مالَه فعْلُه، فلم يَجُزْ لِلصَّبِىِّ نَقْضُه، كالرَّدِّ بالعَيْبِ، ولأنَّه فَعَلَ ما فيه الحَظُّ لِلصَّبِىِّ، فصَحَّ، كالأَخذِ مع الحَظِّ. وإن تَرَكَها لغيرِ ذلك، لم تَسْقُطْ. وقال أبو حنيفةَ: تَسْقُطُ بِعَفْوِ الوَلِىِّ عنها في الحالَيْنِ؛ لأنَّ مَن مَلَكَ الأخْذَ بها مَلَكَ العَفْوَ عنها، كالمالِكِ. وخَالَفَه صاحِبَاهُ في هذا؛ لأنَّه أسْقَطَ حَقًّا لِلمُوَلَّى عليه، ولا (٦) حَظَّ له في إسْقَاطِه، فلم يَصِحَّ، كالإِبْراءِ، وإسْقَاطِ خِيَارِ الرَّدِّ بالعَيْبِ. ولا يَصِحُّ قِيَاسُ الوَلِىِّ على المالِكِ؛ لأنَّ لِلْمالِكِ التَّبَرُّعَ والإِبْراءَ وما لا حَظَّ له فيه، بِخِلَافِ الوَلِىِّ. فصل: فأمَّا الوَلِىُّ، فإنَّ كان لِلصَّبِىِّ حَظٌّ في الأخْذِ بها، مثل أن يكونَ الشِّرَاءُ رَخِيصًا، أو بِثَمَنِ المِثْلِ ولِلصَّبِىِّ مالٌ لِشِرَاءِ العَقَارِ، لَزِمَ وَلِيَّه الأَخْذُ بالشُّفْعةِ؛ لأنَّ عليه الاحْتِيَاطَ له، والأَخْذَ بما فيه الحَظُّ، فإذا أخَذَ بها، ثَبَتَ المِلْكُ لِلصَّبِىِّ، ولم يَمْلِكْ نَقْضَه بعدَ البُلُوغِ، في قولِ أكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، منهم مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. وقال الأوْزاعِىُّ: ليس لِلْوَلِىِّ الأخْذُ بها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ العَفْوَ عنها، فلا يَمْلِكُ

стр. 3699

الأخْذَ بها، كالأجْنَبِىِّ، وإنَّما يَأْخُذُ بها الصَّبِىُّ إذا كَبِرَ. ولا يَصِحُّ هذا (٧)؛ لأنَّه خِيَارٌ جُعِلَ لإِزَالةِ الضَّرَرِ عن المالِ، فمَلَكَهُ الوَلِىُّ في حَقِّ الصَّبِىِّ، كالرَّدِّ بالعَيبِ، وقد ذَكَرْنا فَسَادَ قِيَاسِه فيما مَضَى. فإن تَرَكَها الوَلِىُّ مع الحَظِّ فَلِلصَّبِىِّ الأَخْذُ بها إذا كَبِرَ، ولا يَلْزَمُ الوَلِيَّ لذلك غُرْمٌ؛ لأنَّه لم يُفَوِّتْ شَيْئًا من مَالِه، وإنَّما تَرَكَ تَحْصِيلَ مالَهُ الحَظُّ فيه، فأَشْبَهَ ما لو تَرَكَ شِرَاءَ العَقَارِ له (٨) مع الحَظِّ في شِرَائِه، وإن كان الحَظُّ في تَرْكِها، مثل أن يكونَ المُشْتَرِى قد غُبِنَ، أو كان في الأخْذِ بها يَحْتاجُ إلى أن يَسْتَقْرِضَ وَيَرْهَنَ مالَ الصَّبِىِّ، فليس له الأخْذُ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ فِعْلَ ما لا حَظَّ لِلصَّبِىِّ فيه. فإن أَخَذَ، فهل يَصِحُّ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهما، لا يَصِحُّ، ويكون باقِيًا على مِلْكِ المُشْتَرِى؛ لأنَّه اشْتَرَى له ما لا يَمْلِكُ شِرَاءَه، فلم يَصِحَّ، كما لو اشْتَرَى بزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ، أو اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَه، ولا يَمْلِكُ الوَلِيُّ المَبِيعَ؛ لأنَّ الشُّفْعةَ تُؤْخَذُ بِحَقِّ الشَّرِكَةِ، ولا شَرِكَةَ لِلْوَلِيِّ، ولذلك لو أرَادَ الأَخْذَ لِنَفسِه، لم يَصِحَّ، فأَشْبَهَ ما لو تَزَوَّجَ لغيرِه بغيرِ إِذْنِه، فإنَّه يَقَعُ باطِلًا، ولا يَصِحُّ لواحدٍ منهما، كذا ههُنا. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. والرواية الثانية، يَصِحُّ الأَخْذُ لِلصَّبِىِّ؛ لأنَّه اشْتَرَى (٩) له ما يَنْدَفِعُ عنه الضَّرَرُ به، فصَحَّ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا لا يَعْلَمُ عَيْبَه، والحَظُّ يَخْتَلِفُ ويَخْفَى، فقد يكونُ له حَظٌّ في الأخْذِ بأكْثَرَ من ثَمَنِ المِثْلِ (٧)، لِزِيادَةِ قِيمَةِ مِلْكِه والشِّقْصِ الذي يَشْتَرِيه بِزَوالِ الشَّرِكَة، أو لأنَّ الضَّرَرَ الذي (١٠) يَنْدَفِعُ بأخْذِه كَثِيرٌ، فلا يُمْكِنُ اعْتِبارُ الحَظِّ بِنَفسِه لِخفَائِه، ولا بِكَثْرةِ الثمَنِ لما ذَكَرْناه، فسَقَطَ اعْتِبارُه، وصَحَّ البَيْعُ. فصل: وإذا باعَ وَصِىُّ الأَيْتامِ، فباعَ لأَحَدِهِم نَصِيبًا في شَرِكَةِ الآخَرِ (١١)، كان له

стр. 3700

الأَخْذُ للآخَرِ بالشَّفْعةِ؛ لأنَّه كالشِّراءِ له. وان كان الوَصِىُّ شَرِيكًا لمن باعَ عليه، لم يَكُنْ له الأخْذُ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ في بَيْعِه، ولأنَّه بمَنْزِلَةِ مَن يَشْتَرِى لِنَفْسِه من مالِ يَتِيمِه. ولو باعَ الوَصِىُّ نَصِيبَه، كان له الأَخْذُ لليَتِيمِ بالشُّفْعةِ، إذا كان له الحَظُّ فيها؛ لأنَّ التُّهْمةَ مُنْتَفِيةٌ، فإنَّه لا يَقْدِرُ على الزِّيَادَةِ في ثَمَنِه، لكَوْنِ المُشْتَرِى لا يُوَافِقُه، ولأنَّ الثَّمَنَ حاصِلٌ له من المُشْتَرِى، كحُصُولِه من اليَتِيمِ، بخِلَافِ بَيْعِه مالَ اليَتِيمِ، فإنَّه يُمْكِنُه تَقْلِيلُ الثمَنِ ليَأْخُذَ الشِّقْصَ به، فإذا رُفِعَ الأمْرُ إلى الحاكِمِ، فباعَ عليه، فلِلْوَصِيِّ الأَخْذُ حينئذ؛ لِعَدَمِ التُّهْمةِ، وإن كان مكانَ الوَصِيِّ أبٌ، فباعَ شِقْصَ الصَّبِىِّ، فله أن يَأْخُذَه بالشُّفْعةِ؛ لأنَّ له أن يَشْتَرِىَ من نَفْسِه مالَ وَلَدِه، لِعَدَمِ التُّهْمةِ. وإن بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ حَمْلٍ، لم يكُنْ لِوَلِيِّه أن يَأْخُذَ له بالشُّفْعةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تملِيكُه بغيرِ الوَصِيَّةِ. وإذا وُلِدَ الحَمْلُ ثم كَبِرَ، فله الأَخْذُ بالشُّفْعةِ، كالصَّبِىِّ إذا كَبِرَ. فصل: وإذا عَفَا وَلِىُّ الصَّبِىِّ عن شُفْعَتِه التي له فيها حَظٌّ، ثم أرادَ الأخْذَ بها، فله ذلك، في قِياس المَذْهَبِ؛ لأنَّها لم تَسْقُطْ بإِسْقَاطِه، ولذلك مَلَكَ الصَّبِىُّ الأخذَ بها إذا كَبِرَ، [ولو سَقَطَتْ] (١٢) لم يَمْلِكِ الأخْذَ بها. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الأخْذَ بها؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّى إلى ثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعةِ على التَّراخِى، وذلك على خِلَافِ الخَبَرِ والمَعْنَى. ويُخَالِفُ أخْذَ الصَّبِىِّ بها إذا كَبِرَ؛ لأنَّ الحَقَّ يَتَجَدَّدُ له عند كِبَرِه، فلا يَمْلِكُ تَأْخِيرَه حينئذ، وكذلك أخْذُ الغائِبِ بها إذا قَدِمَ. فأمَّا إن تَرَكَها لِعَدَمِ الحَظِّ فيها، ثم أرادَ الأخْذَ بها، والأمْرُ على ما كان، لم يَمْلِكْ ذلك، كما لم يَمْلِكْهُ ابْتِداءً. وإن صارَ فيها حَظٌّ، أو كان مُعْسِرًا عند البَيْعِ فأيْسَرَ بعدَ ذلك، انْبَنَى ذلك على سُقُوطِها بذلك؛ فإن قُلْنا: لا تَسْقُطُ، وللصَّبِىِّ الأَخْذُ بها إذا كَبِرَ. فحُكْمُها حُكْمُ ما فيه الحَظُّ، وإن قُلْنا: تَسْقُطُ. فليس له الأخْذُ بها بحالٍ؛ لأنَّها قد سَقَطَتْ على الإِطْلاقِ، فأَشْبَهَ ما لو عَفَا الكَبِيرُ عن شُفْعَتِه.

стр. 3701

فصل: والحُكْمُ في المَجْنُونِ المُطْبِق كالحُكْمِ في الصَّبِىِّ سواءً؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه لِحَظِّه، وكذلك السَّفِيهُ لذلك، وأما المُغْمَى عليه فلا وِلَايةَ عليه، وحُكْمُه حُكْمُ الغائِبِ والمَجْنُونِ (١٣) يُنْتَظَرُ إفَاقَتُه. وأمَّا المُفْلِسُ، فله الأَخْذُ بالشُّفْعةِ، والعَفْوُ عنها، وليس لِغُرَمائِه الأخْذُ بها؛ لأنَّ المِلْكَ لم يَثْبُتْ لهم في أَمْلَاكِه (١٤) قبلَ قِسْمَتِها، ولا إجْبارُه على الأخْذِ بها؛ لأنَّها مُعَاوَضَةٌ، فلا يُجْبَرُ عليها، كسائِرِ المُعاوَضاتِ. وليس لهم إجْبارُه على العَفْوِ؛ لأنَّه إسْقاطُ حَقٍّ، فلا يُجْبَرُ عليه. وسواءٌ كان له حَظٌّ في الأخْذِ بها، أو لم يَكُنْ؛ لأنَّه يَأْخُذُ في ذِمَّتِه، وليس بمَحْجُورٍ عليه في ذِمَّتِه، لكنْ لهم مَنْعُه من دَفْعِ مالِه في ثَمَنِها؛ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِهِم بمالِه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى في ذِمَّتِه شِقْصًا غيرَ هذا. ومتى مَلَكَ الشِّقْصَ المَأْخُوذَ بالشُّفْعةِ، تَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الغُرَماءِ به، سواءٌ أخَذَه برِضَاهُم أو بغيرِه؛ لأنَّه مالٌ له، فأشْبَهَ ما لو اكْتَسَبَه. وأمَّا المُكَاتَبُ، فله الأَخْذُ والتَّرْكُ، وليس لِسَيِّدِه الاعْتِراضُ عليه؛ لأنَّ التَّصَرُّفَ يَقَعُ له دُونَ سَيِّدِه. فأمَّا المأْذُونُ له في التِّجارةِ من العَبيدِ، فله الأَخْذُ بالشُّفْعةِ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ له في الشِّراءِ، وإن عَفَا عنها (١٥) لم يَنْفُذْ عَفْوُه؛ لأنَّ المِلْكَ لِسَيِّدِه (١٦)، ولم يَأْذَنْ له في إبْطالِ حُقُوقِه. وإن أسْقَطَها السَّيِّدُ، سَقَطَتْ، ولم يكُنْ لِلعَبْدِ أن يَأْخُذَ؛ لأنَّ للسَّيِّدِ الحَجْرَ عليه، ولأنَّ الحَقَّ قد أسْقَطَه مُسْتَحِقُّه، فيَسْقُطُ بإِسْقاطِه. فصل: وإذا بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ مالِ المُضَارَبةِ، فلِلْعامِلِ الأخْذُ بها إذا كان الحَظُّ فيها، فإن تَرَكَها فلِرَبِّ المالِ الأخْذُ؛ لأنَّ مالَ المُضارَبةِ مِلْكُه. ولا يَنْفُذُ عَفْوُ العامِلِ؛ لأنَّ المِلْكَ لغيرِه، فلم يَنْفُذْ عَفْوُه، كالمَأْذُونِ له. وإن اشْتَرَى المُضارِبُ بمالِ المُضارَبةِ شِقْصًا في شَرِكَةِ رَبِّ المالِ، فهل لِرَبِّ المالِ فيه شُفْعةٌ؟ على وَجْهَيْنِ، مَبْنِيَّيْنِ على شِرَاءِ

стр. 3702

رَبِّ المالِ من مالِ المُضارَبةِ، وقد ذَكَرْناهُما. وإن كان المُضَارِبُ شَفِيعَه، ولا رِبْحَ في المالِ، فله الأَخْذُ بها؛ لأنَّ المِلْكَ لغيرِه. وإن كان فيه رِبْحٌ، وقُلْنا: لا يَمْلِكُ بالظُّهُورِ. فكذلك، وإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالظُّهُورِ. ففيه وَجْهانِ كرَبِّ المالِ. ومذهبُ الشَّافِعِىِّ في هذا كلِّه على ما (١٧) ذَكَرْنا. فإن باعَ المُضَارِبُ شِقْصًا في شَرِكَتِه، لم يكُنْ له أخْذُه بالشُّفْعةِ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ، فأشْبَهَ شِرَاءَه من نَفْسِه. فصل: ولا شُفْعةَ بِشَرِكَةِ الوَقْفِ. ذَكَرَه القاضِيانِ؛ ابنُ أبي موسى، وأبو يَعْلَى، وهو ظاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه لا يُؤْخَذُ بالشُّفْعةِ، فلا تَجِبُ فيه (١٨)، كالمُجاوِرِ وغيرِ المُنْقَسِمِ، ولأنَّنا إن قُلْنا: هو غيرُ مَمْلُوكٍ. فالمَوْقُوفُ عليه غيرُ مالِكٍ، وإن قُلْنا: هو مَمْلُوكٌ. فمِلْكُه غيرُ تَامٍّ؛ لأنَّه لا يُفِيدُ إباحَةَ التَّصَرُّفِ في الرَّقَبةِ، فلا يَمْلِكُ به مِلْكًا تامًا. وقال أبو الخَطَّابِ: إن قُلْنا: هو مَمْلُوكٌ. وَجَبَتْ به الشُّفْعةُ؛ [لأنَّه مَمْلُوكٌ بِيعَ في شَرِكَتِه شِقْصٌ] (١٩)، فوَجَبَتْ به الشُّفْعةُ كالطِّلْق (٢٠)، ولأنَّ الضَّررَ يَنْدَفِعُ عنه بالشُّفْعةِ كالطِّلْقِ، فوَجَبَتْ فيه، كَوُجُوبِها في الطِّلْقِ، وإنَّما يَسْتَحِقَّ بالشُّفْعةِ؛ لأنَّ الأخْذَ بها بَيْعٌ، وهو ممَّا لا يجوزُ بَيْعُه. ٨٧٧ - مسألة؛ قال: (وَإذَا بَنَى الْمُشْتَرِى أعْطاهُ الشَّفِيعُ قِيمَةَ بِنَائِهِ، إلَّا أنْ يَشَاءَ المُشْتَرِى أن يَأْخُذَ بِنَاءَهُ، فَلَهُ ذلِكَ، إذَا لَمْ يَكُنْ في أخْذِهِ ضَرَرٌ) وجملتُه أنَّه يُتَصَوَّرُ بِنَاءُ المُشْتَرِى وغَرْسُه في الشِّقْصِ المَشْفُوعِ على وَجْهٍ مُبَاحٍ في مَسَائِل؛ منها، أن يُظْهِرَ المُشْتَرِى أنَّه وُهِبَ له، أو أنَّه اشْتَراه بأَكْثَرَ من ثَمَنِه، أو غير ذلك ممَّا يَمْنَعُ الشَّفِيعَ من الأخْذِ بها، فيَتْرُكُها ويُقَاسِمُه، ثم يَبْنِى المُشْتَرِى ويَغْرِسُ

стр. 3703

فيه. ومنها، أن يكونَ غائِبًا فيُقَاسِمَه وَكِيلُه، أو صَغِيرًا فيُقَاسِمَه وَلِيُّه، ونحو ذلك، ثم يَقْدَمُ الغائِبُ، أو يَبْلُغُ الصَّغِيرُ، فيَأْخُذُ بالشُّفْعةِ. وكذلك إن كان غائِبًا أو صَغِيرًا، فطَالَبَ المُشْتَرِى الحاكِمَ بالقِسْمَةِ، فقاسَمَ، ثم قَدِمَ الغائِبُ، وبَلَغَ الصَّغِيرُ، فأخَذَه بالشُّفْعةِ بعدَ غَرْسِ المُشْتَرِى وبِنَائِه، فإنَّ لِلمُشْتَرِى قَلْعَ غَرْسِه وبِنَائِه، إن اخْتَارَ ذلك؛ لأنَّه مِلْكُه، فإذا قَلَعَهُ فليس عليه تَسْوِيَةُ الحَفْرِ، ولا نَقْصُ الأرْضِ. ذَكَرَه القاضي. وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه غَرَسَ وبَنَى في مِلْكِه، وما حَدَثَ من النَّقْصِ إنَّما حَدَثَ في مِلْكِه، وذلك مما لا يُقَابِلُه ثمَنٌ. وظاهِرُ كلامِ (١) الخِرَقِىِّ أنَّ عليه ضَمَانَ النَّقْصِ الحاصِلِ بالقَلْعِ؛ لأنَّه اشْتَرَطَ في قَلْعِ الغَرْسِ والبِنَاءِ عَدَمَ الضَّرَرِ، وذلك لأنَّه نَقْصٌ دَخَلَ على مِلْكِ غيرِه لأجْلِ تَخْلِيصِ مِلْكِه، فلَزِمَهُ (٢) ضَمَانُه، كما لو كَسَرَ مِحْبَرةَ غيرِه لإِخْراجِ دِينَارِه منها. وقولُهم: إنَّ النَّقْصَ حَصَلَ في مِلْكِه. ليس كذلك؛ فإنَّ النَّقْصَ الحاصِلَ بالقَلْعِ إنَّما هو في مِلْكِ الشَّفيعِ. فأمَّا نَقْصُ الأَرْضِ الحَاصِلُ بالغَرْسِ والبِنَاءِ فلا يَضْمَنُه؛ لما ذَكَرُوه. فإن لم يَخْتَرِ المُشْتَرِى القَلْعَ، فالشَّفِيعُ بالخِيَارِ (٣) بين ثلاثةِ أشْيَاء؛ تَرْكِ الشُّفْعةِ، وبين دَفْعِ قِيمَةِ الغِرَاسِ والبِنَاءِ فيَمْلِكُه مع الأرْضِ، وبين قَلْعِ الغَرْسِ والبِنَاءِ، ويَضْمَنُ له ما نَقَصَ بالقَلْعِ. وبهذا قال الشَّعْبِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وابنُ أبي لَيْلَى، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ، والْبَتِّىُّ، وسَوَّارٌ، وإسحاقُ. وقال حَمَّادُ بن أبي سليمانَ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْى: يُكَلَّفُ المُشْتَرِى القَلْعَ، ولا شىءَ له؛ لأنَّه بَنَى فيما اسْتَحَقَّ غيرُه أخْذَه، فأشْبَهَ الغاصِبَ، ولأنَّه بَنَى في حَقِّ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فأشْبَهَ ما لو بانَتْ مُسْتَحَقَّةً. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "لَا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ" (٤). ولا يَزُولُ الضَّرَرُ عنهما إلَّا بذلك، ولأنَّه بَنَى في مِلْكِه الذي تَمَلَّكَ بَيْعَه، فلم يُكَلَّفْ قَلْعَه مع الإِضْرارِ، كما لو لم يكُنْ مَشْفُوعًا. وفارَقَ ما قاسُوا عليه، فإنَّه بَنَى في مِلْكِ غيرِه، ولأنَّه

стр. 3704

عِرْقٌ ظَالِمٌ، وليس لِعِرْقٍ ظالِمٍ حَقٌّ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا، فإنَّه غيرُ ظَالِمٍ، فيكونُ له حَقٌّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يُمْكِنُ إيجابُ قِيمَتِه مُسْتَحِقًّا للبَقَاءِ في الأرْضِ؛ لأنَّه لا يَسْتَحِقُّ ذلك، ولا قِيمَتِه مَقْلُوعًا؛ لأنَّه لو وَجَبَتْ قِيمَتُه مَقلُوعًا لمَلَكَ قَلْعَه، ولم يَضْمَنْ شيئًا، ولأنَّه قد يكونُ ممَّا لا قِيمَةَ له إذا قَلَعَه (٥) ولم يَذْكُرْ أصْحابُنا كَيْفِيَّةَ وُجُوبِ القِيمَةِ، فالظاهِرُ أنَّ الأرْضَ تُقَوَّمُ وفيها الغِرَاسُ (٦) والبِنَاءُ، ثم تُقَوَّمُ خالِيةً منهما، فيكونُ ما بينهما قِيمَةَ الغَرْسِ والبِنَاءِ، فيَدْفَعُه الشَّفِيعُ إلى المُشْتَرِى إن أحَبَّ، أو ما نَقَصَ منه إن اخْتارَ القَلْعَ؛ لأنَّ ذلك هو الذي زادَ بالغَرْسِ والبِنَاءِ. ويَحْتَمِلُ أن يُقَوَّمَ الغَرْسُ والبِنَاءُ مُسْتَحِقًّا للتَّرْكِ بالأُجْرَةِ، أو لأخْذِه بالقِيمَةِ إذا امْتَنَعا من قَلْعِه، فإن كان لِلْغَرْسِ وَقْتٌ يُقْلَعُ فيه فيكونُ له قِيمَةٌ، وإن قُلِعَ قبلَه لم يكُنْ له قِيمَةٌ، أو تكونُ قِيمَتُه قَلِيلةً، فاخْتارَ الشَّفِيعُ قَلْعَه قبلَ وَقْتِه، فله ذلك؛ لأنَّه يَضْمَنُ النَّقْصَ فيَجْبُرُ به ضَرَرَ المُشْتَرِى، سواءٌ كَثُرَ النَّقْصُ أو قَلَّ، ويَعُودُ ضَرَرُ كَثْرَةِ النَّقْصِ على الشَّفِيعِ، وقد رَضِىَ باحْتِمالِه. وإن غَرَسَ أو بَنَى مع الشَّفِيعِ أو وَكِيلِه في المُشَاعِ، ثم أخَذَه الشَّفِيعُ، فالحُكْمُ في أخْذِ نَصِيبِه من ذلك كالحُكْمِ في أخْذِ جَمِيعِه بعدَ المُقَاسَمةِ. فصل: وإن زَرَعَ في الأرْضِ، فلِلشَّفِيعِ الأخْذُ بالشُّفْعةِ، ويَبْقَى زَرْعُ المُشْتَرِى إلى أوَانِ الحَصَادِ؛ لأنَّ ضَرَرَه لا يَتَباقَى، ولا أُجْرَةَ عليه؛ لأنَّه زَرَعَه في مِلْكِه، ولأنَّ الشَّفِيعَ اشْتَرَى الأَرْضَ وفيها زَرْعٌ للبائِعِ، فكان له مُبَقَّى إلى الحَصَادِ بلا أُجْرَةٍ، كغيرِ المَشْفُوعِ. وإن كان في الشَّجَرِ ثمَرٌ ظاهِرٌ، أثْمَرَ في مِلْكِ المُشْتَرِى، فهو له مُبَقَّى إلى الجِذَاذِ، كالزَّرْعِ. فصل: وإذا نَمَا المَبِيعُ في يَدِ المُشْتَرِى، لم يَخْلُ من حالَيْنِ؛ أحدهما، أن يكونَ نَماءً مُتَّصِلًا، كالشَّجَرِ إذا كَثُرَ، أو ثَمَرَةٍ غيرِ ظاهِرَة، فإنَّ الشَّفِيعَ يأْخُذُ بزِيَادَتِه؛ لأنَّ

стр. 3705

هذه زِيَادَةٌ غيرُ مُتَمَيِّزَةٍ. فتَبِعَتِ الأصْلَ (٧)، كما لو رُدَّ بِعَيْبٍ أو خِيَارٍ أو إقَالَةٍ. فإن قيل: فلِمَ لا يَرْجِعُ الزَّوْجُ في نِصْفِه زائِدًا [إذا طَلَّقَ] (٨) قبلَ الدُّخُولِ؟ قُلنا: لأنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ على الرُّجُوعِ بالقِيمَةِ، إذا فاتَه الرُّجُوعُ بالعَيْنِ (٩)، وفي مَسْأَلَتِنا إذا لم يَرْجِعْ في الشِّقْصِ، سَقَطَ حَقُّه من الشُّفْعةِ، فلم يَسْقُطْ حَقُّه من الأصْلِ لأجْلِ ما حَدَثَ من البائِعِ، وإذا أخَذَ الأصْلَ تَبِعَهُ نماؤُه المُتَّصِلُ، كما ذَكَرْنا في الفُسُوخِ كلِّها. الحال الثاني، أن تكونَ الزِّيادَةُ مُنْ فَصِل ةً، كالغَلَّةِ، والأُجْرةِ، والطَّلْعِ المُؤَبَّرِ، والثَّمَرةِ الظاهِرَةِ، فهى لِلمُشْتَرِى، لا حَقَّ لِلشَّفِيعِ فيِها؛ لأنَّها حَدَثَتْ في مِلْكِه، وتكونُ لِلمُشْتَرِى مُبَقَّاةً في رُءُوسِ النَّخْلِ إلى الجِذَاذِ؛ لأنَّ أخْذَ الشَّفِيعِ من المُشْتَرِى شِرَاءٌ ثانٍ، فيكونُ حُكْمُه حُكْمَ ما لو اشْتَرَى برِضَاهُ، فإن اشْتَرَاه وفيه طَلْعٌ غيرُ مُؤَبَّرٍ، فأَبَّرَهُ، ثم أخَذَه الشَّفِيعُ، أخَذَ الأصْلَ دون الثَّمَرَةِ، ويَأْخُذُ الأرْضَ والنَّخِيلَ بحِصَّتِهِما من الثَّمَنِ، كما لو كان المَبِيعُ شِقْصًا وسَيْفًا. فصل: وإن تَلِفَ الشِّقْصُ أو بعضُه في يَدِ المُشْتَرِى، فهو من ضَمَانِه؛ لأنَّه مِلْكُه تَلِفَ في يَدِه، ثم إن أرادَ الشَّفِيعُ الأخْذَ بعدَ تَلَفِ بعضِه، أخَذَ المَوْجُودَ بحِصَّتِه من الثَّمنِ، سواءٌ كان التَّلَفُ بفِعْلِ اللَّه تعالى أو بفِعْلِ آدَمِىٍّ، وسواءٌ تَلِفَ باخْتِيارِ المُشْتَرِى، كنَقْضِه لِلبِنَاءِ، أو بغير اخْتِيارِه، مثل أن انْهَدَمَ. ثم إن كانت الأنْقاضُ (١٠) مَوْجُودةً أخَذَها مع العَرْصَةِ بالحِصَّةِ. وإن كانت مَعْدُومةً أخَذَ العَرْصةَ وما بَقِىَ من البنَاءِ. وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ. وهذا قول الثَّوْرِىِّ، والعَنْبَرِىِّ، وأَبى يوسفَ، وقولٌ لِلشَّافِعِىِّ (١١). وقال أبو عبدِ اللَّه ابن حامِدٍ: إن كان التَّلَفُ بفِعْلِ آدَمِىٍّ، كما ذَكَرْنا، وإن كان بفِعْلِ اللهِ تعالى، كانْهِدامِ البِنَاءِ بِنَفْسِه، أو حَرِيقٍ، أو غَرَقٍ، فليس للشَّفِيعِ أخْذُ الباقى إلَّا بكلِّ الثمَنِ، أو يَتْرُكُ. وهذا قول أبي حنيفةَ، وقولٌ للشَّافِعِىِّ (١١)؛ لأنَّه متى كان النَّقْصُ بفِعْلِ آدَمِىٍّ، رَجَعَ بَدَلُه إلى المُشْتَرِى، فلا

стр. 3706

يَتَضَرَّرُ، ومتى كان بغيرِ ذلك، لم يَرْجِعْ إليه شيءٌ، فيكونُ الأخْذُ منه إضْرَارًا به، والضَّرَرُ لا يُزالُ بالضَّرَرِ. ولَنا، أنَّه تَعَذَّرَ على الشَّفِيعِ أخْذُ الجَمِيعِ، وقَدَرَ على أخْذِ البعضِ، فكان له بالحِصَّةِ من الثَّمَنِ، كما لو تَلِفَ بفِعْلِ آدَمِىٍّ سِوَاهُ، أو كما لو كان له شَفِيعٌ آخَرُ، أو نقولُ: أخَذَ بعضَ ما دَخَلَ معه في العَقْدِ، فأخَذَه بالحِصَّةِ، كما لو كان معه سَيْفٌ. وأمَّا الضَّرَرُ فإنَّما حَصَلَ بالتَّلَفِ، ولا صُنْعَ للشَّفِيعِ فيه، والذي يأْخُذُه الشَّفِيعُ يُؤَدِّى ثمَنَه، فلا يَتَضَرَّرُ المُشْتَرِى بأخْذِه. وإنَّما قلنا: يَأْخُذُ الأنْقاضَ (١٢) وإن كانتْ مُنْفَصِلَةً؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَهُ للشُّفْعةِ كان حالَ عَقْدِ البَيْعِ، وفى تلك الحالِ كان مُتَّصِلًا اتِّصالًا ليس مآلُه إلى الانْفِصالِ، وانْفِصَالُه بعدَ ذلك لا يُسْقِطُ حَقَّ الشُّفْعةِ. ويُفارِقُ الثَّمرَةَ غيرَ المُؤَبَّرةِ إذا تَأَبَّرتْ، فإنَّ مآلَها إلى الانْفِصالِ والظُّهُورِ، فإذا ظَهَرَتْ فقد انْفَصَلَتْ، فلم تَدْخُلْ في الشُّفْعةِ. وإن نَقَصَتِ القِيمَةُ مع بَقَاءِ صُورَةِ المَبِيعِ، مثل أن انْشَقَّ الحائِطُ، واسْتَهْدَمَ البِنَاءُ، وشَعِثَ الشَّجَرُ، وبارَتِ الأرْضُ، فليس له إلَّا الأخْذُ بجَمِيعِ الثمَنِ أو التَّرْكُ؛ لأنَّ هذه المُعَافَى لا يُقَابِلُها الثَّمَنُ، بخِلَافِ الأعْيانِ، ولهذا قُلْنا: لو بَنَى المُشْتَرِى، أعْطاهُ الشَّفِيعُ قِيمَةَ بِنَائِه، ولو زادَ المَبِيعُ زِيادةً مُتَّصِلةً، دَخَلَتْ في الشُّفْعةِ. ٨٧٨ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ الشِّراءُ وَقَعَ بِعَيْنٍ، أو وَرِقٍ، أعْطاهُ الشَّفِيعُ مِثْلَ ذلِكَ، وَإنْ كَانَ عَرْضًا، أعْطَاهُ [قِيمَتَهُ) وجملتُه أنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ من المُشْتَرِى] (١) بالثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ؛ لما رُوِىَ في حَدِيثِ جابِرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "هو أحَقُّ بالثَّمَنِ" (٢). رَوَاه أبو إسحاقَ

стр. 3707

الجُوزَجَانِيُّ في "كِتابِه". ولأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما اسْتَحَقَّ الشِّقْصَ بالبَيْعِ، فكان مُسْتَحِقًّا له بالثَّمَنِ، كالمُشْتَرِى. فإن قيل: إن الشَّفِيعَ اسْتَحَقَّ أخْذَه بغيرِ رِضَى مالِكِه، فيَنْبَغِى أن يَأْخُذَه بقِيمَتِه، كالمُضْطَرِّ يَأْخُذُ طَعامَ غيرِه. قُلْنا: المُضْطَرُّ اسْتَحَقَّ أخْذَه بِسَبَبِ حاجَةٍ خاصَّةٍ، فكان المَرْجِعُ في بَدَلِه إلى قِيمَتِه، والشَّفِيعُ اسْتَحَقَّه لأَجْلِ البَيْعِ، ولهذا لو انْتَقَلَ بهِبَةٍ أو مِيراثٍ لم يَسْتَحِقَّ الشُّفْعةَ، وإذا اسْتَحَقَّ ذلك بالبَيْعِ، وَجَبَ أن يكونَ بالعِوَضِ الثابِتِ بالبَيْعِ. إذا ثبت هذا، فإنَّا نَنْظُرُ في الثَّمنِ، فإن كان دَنَانِيرَ أو دَرَاهِمَ، أعْطاهُ الشَّفِيعُ مثلَه، وإن كان ممَّا لا مِثْلَ له كالثِّيابِ (٣) والحَيَوانِ، فإنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ الشِّقْصَ بقِيمَةِ الثَّمَنِ. وهذا قول أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. وبه يقول أصْحابُ الرَّأْى، والشّافِعِىُّ. وحُكِى عن الحَسَنِ، وسَوَّارٍ، أنَّ الشُّفْعةَ لا تَجِبُ ههُنا؛ لأنَّها تَجبُ بمِثْلِ الثمَنِ، وهذا لا مِثْلَ له، فتَعَذَّرَ الأَخْذُ، فلم يَجِبْ، كما لو جُهِلَ الثَّمَنُ. ولَنا، أنَّه أحدُ نَوْعَىِ الثَّمنِ، فجازَ أن تَثْبُتَ به الشُّفْعةُ في المَبِيعِ، كالمِثْلِىِّ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المِثْلَ يكونُ من طَرِيقِ الصُّورةِ، ومن طَرِيقِ القِيمَةِ. كبَدَلِ المُتْلَفِ، فأمَّا إن كان الثمنُ من المِثْلِيَّاتِ غيرِ الأثْمانِ، كالحُبُوبِ والأدْهانِ، فقال أصْحابُنا: يَأْخُذُه الشَّفِيعُ بمِثْلِه؛ لأنَّه من ذَواتِ الأمْثَالِ، فهو كالأثْمانِ. وبه يقول أصْحابُ الرَّأْى، وأصْحابُ الشّافِعِىِّ؛ ولأنَّ هذا مِثْلٌ من طَرِيقِ الصُّورَةِ والقِيمَةِ، فكان أوْلَى من المُمَاثلِ في إحْداهما، ولأنَّ الواجِبَ بَدَلُ الثَّمنِ، فكان مِثْلَه، كبَدَلِ القَرْضِ (٤) والمُتْلَفِ. فصل: ويَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بالثَّمنِ الذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ، فلو تَبايَعا بِقَدْرٍ، ثم غَيَّراهُ في زَمَنِ الخِيَارِ بزِيَادةٍ أو نَقْصٍ، ثَبَتَ ذلك التَّغْيِيرُ في حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لأنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ إنَّما يَثْبُتُ إذا تَمَّ العَقْدُ، وإنَّما يُسْتَحَقُّ بالثَّمنِ الذي هو ثابِتٌ حالَ اسْتِحْقاقِه،

стр. 3708

ولأنَّ زَمَنَ (٥) الخِيَارِ بمَنْزِلةِ حالةِ العَقْدِ، والتَّغْيِيرُ يَلْحَقُ بالعَقْدِ فيه؛ لأنَّهما على اخْتِيارِهِما فيه، كما لو كان في حالِ العَقْدِ. فأمَّا إذا انْقَضَى الخِيَارُ، وانْبَرمَ العَقْدُ، فَزَادَا أو نَقَصَا، لم يَلْحَقْ بالعَقْدِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ بعده (٦) هِبَةٌ يُعْتَبَرُ لها (٧) شُرُوطُ الهِبَةِ، والنَّقْصُ إِبْراءٌ مُبْتَدأٌ، ولا يَثْبُتُ ذلك في حَقِّ الشَّفِيعِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَثْبُتُ النَّقْصُ في حَقِّ الشَّفِيعِ دون الزِّيادةِ، وإن كانا عنده مُلْحَقانِ (٨) بالعَقْدِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ تَضُرُّ الشَّفِيعَ، فلم يَمْلِكْها (٩)، بخِلَافِ النَّقْصِ، وقال مالكٌ: إن بَقِىَ ما يكونُ ثَمَنًا أخَذَ به، وإن حَطَّ الأكْثَر أخَذَه بجَمِيعِ الثمَنِ الأوَّل. ولَنَا، أنَّ ذلك يُعْتَبَرُ بعد اسْتِقْرارِ العَقْدِ، فلم يَثْبُتْ في حَقِّ الشَّفِيعِ، كالزِّيادةِ، ولأنَّ الشَّفِيعَ اسْتَحَقَّ الأخْذَ بالثَّمنِ الأوَّلِ قبلَ التَّغْيِيرِ، فلم يُؤَثِّرِ التَّغيِيرُ بعدَ ذلك فيه، كالزِّيادةِ. وما ذَكَرُوه من العُذْرِ (١٠) غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ ذلك لو لَحِقَ العَقْدَ لَزِمَ الشَّفِيعَ، وإن أضَرَّ به، كالزِّيَادةِ في مُدَّةِ الخِيَارِ، ولأنَّه حَطٌّ بعدَ لُزُومِ العَقْدِ، فأشْبَهَ حَطَّ الجَمِيعِ أو الأَكْثَرِ عندَ مالِكٍ. فصل: وإن كان الثَّمنُ ممَّا تَجِبُ قِيمَتُه، فإنَّها تُعْتَبَرُ وقتَ البَيْعِ؛ لأنَّه وَقْتُ الاسْتِحْقاقِ، ولا اعْتِبارَ بعدَ ذلك بالزِّيادةِ والنَّقْصِ. وإن كان فيه خِيَارٌ، اعْتُبِرَتِ القِيمَةُ (١١) حين انْقِضاءِ الخِيَارِ واسْتِقْرَارِ العَقْدِ؛ لأنَّه حين اسْتِحْقاقِ الشُّفْعةِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وحُكِى عن مالكٍ أنَّه يَأْخُذُه بقِيمَتِه يومَ المُحَاكَمةِ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ وقتَ الاسْتِحْقاقِ وقتُ العَقْدِ، وما زادَ بعدَ ذلك حَصَلَ في مِلْكِ البائعِ، فلا يقوم لِلمُشْتَرِى، وما نَقَصَ فمِن مالِ البائعِ، فلا ينْقُصُ به حَقُّ المُشْتَرِى.

стр. 3709

فصل: وإذا كان الثَّمنُ مُؤَجَّلًا، أخَذَه الشَّفِيعُ بذلك الأَجَلِ، إن كان مَلِيئًا، وإلَّا أقامَ ضَمِينًا مَلِيئًا وأخَذَ. وبه قال مالكٌ، وعبدُ الملكِ، وإسحاقُ. وقال الثَّوْرِيُّ: لا يَأْخُذُها إلَّا [بالنَّقْدِ حالًّا] (١٢). وقال أبو حنيفةَ: لا يَأْخُذُها إلَّا بِثَمَنٍ حالٍّ، أو يَنْتَظِرُ مُضِىَّ الأَجَلِ ثم يَأْخُذُ. وعن الشَّافِعِىِّ كمَذْهَبِنا (١٣) لأنَّه (١٤) يُمْكِنُه الأَخْذُ (١٥) بالمُؤَجَّلِ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى أن يُلْزَمَ المُشْتَرِى قَبُولَ ذِمَّةِ الشَّفِيعِ، والذِّمَمُ لا تَتَماثَلُ، وإنَّما يَأْخُذُ بمِثْلِه، ولايَلْزَمُه أن يَأْخُذَ بمِثْلِه حالًّا، لِئلَّا يَلْزَمُه أَكْثَرُ ممَّا يَلْزَمُ المُشْتَرِى، [ولا بمِثْلِ الثمنِ] (١٦) إلى (١٧) الأَجَلِ؛ لأنَّه إنَّما يَأْخُذُه بمِثْلِ الثَّمنِ أو القِيمَة، والسِّلْعَةُ ليستْ واحدَةً منهما، فلم يَبْقَ إلَّا التَّخْيِيرُ. ولَنا، أنَّ الشَّفِيعَ تابِعٌ لِلمُشْتَرِى في قَدْرِ الثَّمنِ وصِفَتِه، والتَّأْجِيلُ من صِفَاتِه، ولأنَّ في الحُلُولِ زِيادَةً على التَّأْجِيلِ، فلم يَلْزَمِ الشَّفِيعَ، كَزِيادةِ القَدْرِ. وما ذَكَرُوه من اخْتِلَافِ الذِّمَمِ، فإننا (١٧) لا نُوجِبُها حتى تُوجَدَ المَلاءةُ في الشَّفِيعِ، أو في ضَمِينِه، بحيثُ يَنْحَفِظُ المالُ، فلا يَضُرُّ اخْتِلَافُهما فيما وراءَ ذلك، كما لو اشْتَرَى الشِّقْصَ بسِلْعةٍ وَجَبَتْ قِيمَتُها، ولا يَضُرُّ اخْتِلَافُهما. ومتى أخَذَه الشَّفِيعُ بالأَجَلِ، فمات الشَّفِيعُ أو المُشْتَرِى، وقُلْنا: يَحِلُّ الدَّيْنُ بالمَوْتِ. حَلَّ الدَّينُ على المَيِّتِ منهما دُونَ صاحِبِه؛ لأنَّ سَبَبَ حُلُولِه الموتُ، فاخْتَصَّ بمَن وُجِدَ في حَقِّه. فصل: وإذا باعَ شِقْصًا مَشْفُوعًا، ومعه ما لا شُفْعَةَ فيه، كالسَّيْفِ والثَّوْبِ في عَقْدٍ واحدٍ، ثَبَتَتِ الشُّفْعةُ في الشِّقْصِ بحِصَّتِه من الثَّمنِ دونَ ما معه، فيُقَوَّمُ كل واحدٍ منهما، ويُقَسَّمُ الثَّمَنُ على قَدْرِ قِيمَتِهِما، فما يَخُصُّ الشِّقْصَ يَأْخُذُه الشَّفِيعُ. وبهذا قال

стр. 3710

أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ الشُّفْعةُ، لئَلَّا تَتَبَعَّضَ صَفْقَةُ المُشْتَرِى، وفى ذلك إضْرارٌ به، فأَشْبَهَ ما لو أرادَ الشَّفِيعُ أخْذَ بعضِ الشِّقْصِ. وقال مالكٌ: تَثْبُتُ الشُّفْعةُ فيهما؛ لذلك. وَلنا، أنَّ السَّيْفَ لا شُفْعةَ فيه، ولا هو تابِعٌ لما فيه الشُّفْعةُ، فلم يُؤْخَذْ بالشُّفْعةِ، كما لو أفْرَدَه، وما يَلْحَقُ المُشْتَرِى من الضَّرَرِ فهو ألْحَقَهُ بِنَفْسِه، بجَمْعِه في العَقْدِ بين ما تَثْبُتُ فيه الشُّفْعةُ وما لا تَثْبُتُ، ولأنَّ في أخْذِ الكلِّ ضَرَرًا بالمُشْتَرِى أيضًا؛ لأنَّه ربَّما كان غَرَضُه في إبْقاءِ السَّيْفِ له، ففى أخْذِه منه إضْرارٌ به من غيرِ سَبَبٍ يَقْتَضِيه. فصل: وإذا باع شِقْصَيْنِ من أَرْضَيْنِ، صَفْقةً واحِدةً، لِرَجُلٍ واحدٍ، والشَّرِيكُ في أحَدِهما غيرُ الشَّرِيكِ في الآخَرِ، فلهما أن يَأْخُذَا ويَقْتَسِما الثمنَ على قَدْرِ القِيمتَيْنِ. وإن أخَذَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، جازَ، ويَأْخُذُ الشِّقْصَ (١٨) الذي في شَرِكَتِه بحِصَّتِه من الثَّمنِ. ويَتَخَرَّجُ أنَّه لا شُفْعةَ له، كالمَسْألةِ التي (١٨) قَبْلَها. وليس له أخْذُهُما معًا؛ لأنَّ أحَدَهُما لا شَركَةَ له (١٨) فيه، ولا هو تابِعٌ لما فيه الشُّفْعةُ، فجرَى مَجْرَى الشِّقْصِ والسَّيْفِ. وإن كان الشَّرِيكُ فيهما واحدًا، فله أخْذُهُما وتَرْكُهُما؛ لأنَّه شَرِيكٌ فيهما. وإن أحَبَّ أخْذَ أحَدِهِما دون الآخَرِ، فله ذلك. وهذا مَنْصُوصُ الشَّافِعِىِّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه لا يَمْلِكُ ذلك، ومتى اخْتارَهُ سَقَطَتِ الشُّفْعةُ فيهما؛ لأنَّه أَمْكَنَه أخْذُ [المَبِيعِ كلِّه، فلم يَمْلِكْ أخْذَ] (١٩) بعضِه، كما لو كان شِقْصًا واحدًا. ذَكَرَه أبو الخَطّابِ، وبعضُ أصْحابِ الشّافِعِىِّ. ولَنا، أنَّه يَسْتَحِقُّ كلَّ واحدٍ منهما بِسَبَبٍ غيرِ الآخَرِ، فجَرَى مَجْرَى الشَّرِيكَيْنِ، ولأنَّه لو جَرَى مَجْرَى الشِّقْصِ الواحدِ لوَجَبَ - إذا كانا شَرِيكَيْنِ فتَرَكَ أحَدُهُما شُفْعَتَه - أن يكونَ للآخَرِ أخْذُ الكُلِّ، والأمْرُ بخِلَافِه. فصل: ولا يَأْخُذُ بالشُّفْعةِ مَن لا يَقْدِرُ على الثَّمنِ؛ لأنَّ في أخْذِه بدون دَفْعِ الثمنِ

стр. 3711

إضْرَارًا بالمُشْتَرِى، ولا يُزَالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ. فإن أحْضَرَ رَهْنًا أو ضَمِينًا، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِىَ قَبُولُه؛ لأنَّ في تَأْخِيرِ الثمنِ ضَرَرًا، فلم يَلْزَمِ المُشْتَرِىَ ذلك، كما لو أرادَ تَأْخِيرَ ثمَنٍ حالٍّ. فإن بَذَلَ عِوَضًا عن الثمنِ لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لأنَّها مُعَاوَضةٌ؛ ولم يُجْبَرْ عليها (٢٠). وإذا أخَذَ بالشُّفْعةِ، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِىَ تَسْلِيمُ الشِّقْصِ حتى يَقْبِضَ الثمنَ، فإن كان مَوْجُودًا سَلَّمَهُ، وإن تَعَذَّرَ في الحال، فقال (٢١) أحمدُ، في رِوَايَةِ حَرْبٍ: يُنْظَرُ الشَّفِيعُ يومًا أو يَوْمَيْنِ، بِقَدْرِ ما يَرَى الحاكِمُ، وإذا كان أَكْثَرَ فلا. وهذا قولُ مالكٍ. وقال ابن شُبْرُمةَ، وأصحابُ الشَّافِعِىِّ: يُنْظَرُ ثلاثًا؛ لأنَّها آخِرُ حَدِّ القِلَّةِ، فإن أحْضَرَ الثَّمنَ، وإلَّا فَسَخَ عليه. وقال أبو حنيفةَ، وأصْحابُه: لا يَأْخُذُ بالشُّفْعةِ، ولا يَقْضِى القاضي بها حتى يُحْضِرَ الثمنَ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بغيرِ اخْتِيارِ المُشْتَرِى، فلا يَسْتَحِقُّ ذلك إلَّا بإحْضارِ (٢٢) عِوَضِه، كَتْسْلِيمِ المَبِيعِ. ولَنَا، أنَّه تَمَلُّكٌ لِلْمَبِيعِ (٢٣) بِعِوَضٍ، فلا يَقِفُ على إحْضارِ العِوَضِ، كالبَيْعِ، وأمَّا التَّسْلِيمُ في البَيْعِ، فالتَّسْلِيمُ في الشُّفْعةِ مثلُه، وكونُ (٢٤) الأخْذِ بغير اخْتِيارِ المُشْتَرِى يَدُلُّ على قُوَّتِه، فلا يَمْنَعُ من اعْتِبارِه في الصِّحَّةِ، فإذا أجَّلْناهُ مُدَّةً، فأحْضَرَ الثمنَ فيها، وإلَّا فَسَخ الحاكِمُ الأخْذَ ورَدَّه إلى المُشْتَرِى. وهكذا لو هَرَبَ الشَّفِيعُ بعدَ الأخْذِ. والأَوْلَى أنَّ لِلْمُشْتَرِى الفَسْخَ من غيرِ حاكِمٍ؛ لأنَّه فاتَ شَرْطُ الأخْذِ، ولأنَّه تَعَذَّرَ على البائِعِ الوُصُولُ إلى الثّمنِ، فمَلَكَ الفَسْخَ، كغيرِ مَن أُخِذَتِ الشُّفْعة منه، وكما لو أفْلَسَ الشَّفِيعُ، ولأنَّ الأخْذَ بالشُّفْعةِ لا يَقِفُ على حُكْمِ الحاكِمِ، فلا يَقِفُ فَسْخُ الأخْذِ بها على الحاكِمِ، كفَسْخِ غيرِها من البُيُوعِ، وكالرَّدِّ بالعَيْبِ، ولأنَّ وَقْفَ ذلك على الحاكِمِ يُفْضِى إلى الضَّرَرِ بالمُشْتَرِى؛ لأنَّه قد يَتَعَذَّرُ عليه إِثْباتُ ما يَدَّعِيه، وقد يَصْعُبُ عليه حُضُورُ مَجْلِسِ الحاكِمِ لِبُعْدِه، أو

стр. 3712

غيرِ ذلك، فلا يُشْرَعُ فيها (٢٥) ما يُفْضِى إلى الضَّرَرِ، ولأنَّه لو وَقَفَ الأمْرُ على الحاكِمِ، لم يَمْلِكِ الأخْذَ إلَّا بعدَ إحْضارِ الثمنِ، لئلَّا يُفْضِىَ إلى هذا الضَّرَرِ. وإن أفْلَسَ الشَّفِيعُ، خُيِّرَ المُشْتَرِى بين الفَسْخِ وبين أن يَضْرِبَ مع الغُرَماءِ بالثّمنِ، كالبائعِ إذا أفْلَسَ المُشْتَرِى. فصل: [ لا يَحِلُّ] (٢٦) الاحْتِيالُ لإِسْقاطِ الشُّفْعةِ، وإن فَعَلَ لم تَسْقُطْ. قال أحمدُ، في رِوَايةِ إسماعيلَ بن سَعِيدٍ، وقد سَأَلَه (٢٧) عن الحِيلَةِ في إبْطالِ الشُّفْعةِ، فقال: لا يجوزُ شيءٌ من الحِيَلِ في ذلك، ولا في إبْطالِ حَقِّ مُسْلِمٍ. وبهذا قال أبو أيُّوبَ، وأبو خَيْثَمةَ، وابنُ أبي شَيْبةَ، وأبو إسحاقَ الجُوزَجَانِيُّ. وقال عبدُ اللَّه بن عمَرَ: من يَخْدَعِ اللهَ يَخْدَعْهُ. وقال أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: إنَّهم ليُخَادِعُونَ اللهَ كما يُخَادِعُونَ صَبِيًّا، لو كانوا يَأْتُونَ الأمْرَ على وَجْهِه، كان أسْهَلَ عَلَىَّ. ومعنى الحِيلَةِ أن يُظْهِرُوا في البَيْعِ شيئًا لا يُؤْخَذُ بالشُّفْعةِ معه، وَيتَواطَئُونَ في الباطِنِ على خِلَافِه، مثل أن يَشْتَرِىَ شِقْصًا يُسَاوِى عَشَرَةَ دَنَانِيرَ بأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثم يَقْضِيه عنها عَشرَةَ دَنَانِيرَ، أو يَشْتَرِيه بمائةِ دِينارٍ، ويَقْضِيه عنها مائةَ دِرْهَمٍ، أو يَشْتَرِى البائِعُ من المُشْتَرِى عَبْدًا قِيمَتُه مائةٌ بأَلْفٍ في ذِمَّتِه، ثم يَبِيعُه الشِّقْصَ بالأَلْفِ، أو يَشْتَرِى شِقْصًا بأَلْفٍ، ثم يُبْرِئُه البائِعُ من تِسْعمائة، أو يَشْتَرِى جُزْءًا من الشِّقْصِ بمائةٍ، ثم يَهَبُ له البائعُ باقِيه، أو يَهَبُ الشِّقْصَ لِلمُشْتَرِى، ويَهَبُ المُشْتَرِى له الثمنَ، أو يُعْقَدُ البَيْعُ بثَمَنٍ مَجْهُولِ المِقْدارِ، كحَفْنةِ قُرَاضَةٍ، أو جَوْهَرَةٍ مُعَيَّنةٍ، أو سِلْعَةٍ مُعَيَّنةٍ (٢٨) غيرِ مَوْصُوفةٍ، أو بمَائةِ دِرْهَمٍ ولُؤْلُؤةٍ (٢٩)، وأشْباهِ هذا. فهذا

стр. 3713

كلَّه إذا وَقَعَ من غيرِ تَحَيُّلٍ (٣٠) سَقَطَتِ الشُّفْعةُ. وإن تَحَيَّلَا به (٣١) على إسْقاطِ الشُّفْعةِ، لم تَسْقُطْ، ويَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ في الصُّورةِ (٣٢) الأُولَى بعَشرَةِ دَنَانِيرَ أو قِيمَتِها من الدَّرَاهِم. وفى الثانيةِ بمائةِ دِرْهَمٍ أو قِيمَتِها ذَهَبًا (٣٣). وفى الثالثة بقِيمَةِ العَبْدِ المَبِيعِ. وفى الرابعة بالباقِى بعد الإِبْراءِ، وهو المائة المَقْبُوضَة. وفى الخامسةِ يَأْخُذُ الجُزْءَ المَبيعَ من الشِّقْصِ بقِسْطِه من الثَّمنِ، ويَحْتَمِلُ أن يَأْخُذَ الشِّقْصَ كلَّه بِجَمِيعِ الثمنِ؛ لأنَّه إنَّما وَهَبَهُ بَقِيَّةَ (٣١) الشِّقْصِ عِوَضًا عن الثّمنِ الذي اشْتَرَى به جُزْءًا من الشِّقْصِ. وفى السادِسَةِ يأْخُذُ بالثَّمنِ (٣٤) المَوْهُوب. وفى سائرِ الصُّوَرِ المَجْهُولِ (٣٥) ثَمَنُها يَأْخُذُه بمثل الثمَنِ، أو بقِيمَتِه إن لم يكُنْ مثْلِيًّا (٣٦)، إذا كان الثَّمَنُ مَوْجُودًا، وإن لم يُوجَدْ عَيْنُه، دَفَعَ إليه قِيمَةَ الشِّقْصِ؛ لأنَّ الأَغلَبَ وُقُوعُ العَقْدِ على الأشْياءِ بقِيمَتِها. وقال أصْحابُ الرَّأْى، والشَّافِعِىُّ، يجوزُ ذلك كلُّه، وتَسْقُطُ به الشُّفْعةُ؛ لأنَّه لم يَأْخُذْ بما وَقَعَ البَيْعُ به، فلم يَجُزْ، كما لو لم يكُنْ حِيلَةً. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، ولَا (٣٧) يَأْمَنْ أنْ يَسْبِقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وإنْ (٣٨) أمِنَ أنْ يَسْبِقَ، فَهُوَ قِمَارٌ". رَوَاه أبو دَاوُدَ وغيرُه (٣٩)، فجَعَلَ إدْخَالَ الفَرَسِ المُحَلَّلِ قِمَارًا، في المَوْضِعِ الذي

стр. 3714

يَقْصِدُ به إباحَةَ إخْرَاجِ كلِّ واحدٍ من المُتَسَابِقينِ جَعْلًا، مع عَدَمِ مَعْنَى المُحَلَّلِ فيه، وهو كونُه بحالٍ يَحْتَمِلُ أن يَأْخُذَ سَبْقَيْهِمَا، وهذا يَدُلُّ على إبْطالِ كل حِيلَةٍ لم يُقْصَدْ بها إلَّا إباحَةُ المُحَرَّمِ. مع عَدَمِ المَعْنَى فيها. واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، رَضِىَ اللَّه عنه، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا تَرْكَبُوا ما ارْتَكَبَتِ اليَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ" (٤٠). وقال النبيُّ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ، إنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِم شُحُومَها (٤١) جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٤٢). ولأنَّ اللهَ تعالى ذَمَّ المُخادِعِينَ له بقولِه تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٤٣). والحِيَلُ مُخَادَعَةٌ، وقد مَسَخَ اللهُ تعالى الذينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ قِرَدَةً بِحِيلَتِهِم، فإنَّه رُوِى أَنَّهم كانوا يَنْصِبُونَ شِبَاكَهُم يوم الجُمُعةِ، ومنهم من يَحْفِرُ جِبَابًا، ويُرْسِلُ الماءَ إليها يومَ الجُمُعةِ، فإذا جاءتِ (٤٤) الحِيتانُ يوم السَّبْتِ، وَقَعَتْ في الشِّبَاكِ والجِبَابِ، فيَدَعُونَها إلى لَيْلةِ الأَحَدِ، فيَأْخُذُونَها، ويقولون: ما اصْطَدْنَا يوم السَّبْتِ شَيْئًا، فمَسَخَهُم اللَّه تعالى بحِيَلِهم (٤٥). وقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا

стр. 3715

بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٦). قيل: يَعْنِى به أُمَّةَ محمدٍ ﷺ . أي لِتَتَّعِظَ بذلك أُمَّةُ محمدٍ ﷺ ، فيَجْتَنِبُوا مثلَ ما فَعَلَ المُعْتَدُونَ. ولأنَّ الحِيلَةَ خَدِيعَةٌ، وقد قال النبيُّ ﷺ : "لا تَحِلُّ الخَدِيعَةُ لِمُسْلِمٍ" (٤٧). ولأنَّ الشُّفْعةَ وُضِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فلو سَقَطَتْ بالتَّحَيُّلِ، لَلَحِقَ الضَّرَرُ، فلم تَسْقُطْ، كما لو أسْقَطَها المُشْتَرِى (٤٨) بالبَيْعِ والوَقْفِ. وفارَقَ ما لم يُقْصَدْ به التَّحَيُّلُ، لأنَّه لا خِدَاعَ فيه، ولا قُصِدَ به إبْطَالُ حَقٍّ، والأَعْمالُ بالنِّيَّاتِ. فإنْ اخْتَلَفَا هل وَقَعَ شيءٌ من هذا حِيلَةً، أو لا؟ فالقولُ قولُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه؛ لأنَّه أعْلَمُ بِنِيَّتِه وحالهِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الغَرَرَ في الصُّورَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ على المُشْتَرِى؛ لِشِرَائِه ما يُسَاوِى عَشرَةً بمائةٍ، وما يُسَاوِى مائةَ دِرْهَمٍ بمائةِ دِينَارٍ، وأشْهَدَ على نَفْسِه أنَّ عليه ألْفًا، فربَّما طَالَبَه بذلك، فلَزِمَه (٤٩)، في ظاهِرِ الحُكْمِ. وفى الثالثةِ الغَرَرُ (٥٠) على البائعِ؛ لأنَّه اشْتَرَى عَبْدًا يُسَاوِى مائةً بأَلْفٍ. وفى الرابعةِ على المُشْتَرِى؛ لأنَّه اشْتَرَى شِقْصًا قِيمَتُه مائةٌ بأَلْفٍ. وكذلك في الخامسةِ؛ لأنَّه اشْتَرَى بعضَ الشِّقْصِ بثَمَنِ جَمِيعِه. وفى السادسةِ على البادِئ منهما بالهِبَةِ؛ لأنَّه قد لا يَهَبُ له الآخَرُ شَيْئًا، فإن خَالَفَ أحَدُهُما ما (٥١) تَوَاطَآ عليه، فطَالَبَ صَاحِبَه بما أظْهَرَاه (٥٢)، لَزِمَه، في ظاهِرِ الحُكْمِ؛ لأنَّه عَقَدَ البَيْعَ مع صاحِبِه بذلك مُخْتارًا، فأمَّا فيما بينه وبين اللهِ تعالى، فلا يَحِلُّ لمن غَرَّ صَاحِبَه الأخْذُ بخِلَافِ ما تَوَاطَآ عليه؛ لأنَّ صَاحِبَه إنَّما رَضِىَ بالعَقْدِ لِلتَّوَاطُؤِ، فمع فَوَاتِه لا يَتَحَقَّقُ الرِّضَى به.
следующие страницы →