ومحمدُ بن مَسْلَمةَ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ. واحْتَجَّ أبو عُبَيْدٍ بِكُتُبِ رسولِ اللهِ ﷺ إلى عُمَّالِه وأُمَرَائِه، في أمْرِ وِلَايَتِه وأحْكامِه وسُنَنِه (١٠)، ثم ما عَمِلَتْ به الخُلَفاءُ الراشِدُونَ المَهْدِيُّونَ بعدَه من كُتُبِهِم إلى وُلَاتِهِم، بالأحْكامِ التي فيها الدِّمَاءُ والفُرُوجُ والأمْوال، يَبْعَثُونَ بها مَختُومةً، لا يَعْلَمُ حامِلُها ما فيها، وأمْضَوْهَا على وُجُوهِها، وذَكَرَ اسْتِخْلَافَ سليمانَ بن عبد المَلِكِ عمرَ بن عبد العَزِيزِ، بكِتَابٍ كَتَبَه، وخَتَمَ عليه، ولا نَعْلَمُ أحَدًا أنْكَرَ ذلك مع شُهْرَتِه وانْتِشَارِه في عُلَمَاءِ العَصْرِ، فكان إجْماعًا. ووَجْهُ الأوّلِ أنَّه كِتَابٌ لا يَعْلَمُ الشَّاهِدُ ما فيه، فلم يَجُزْ أن يَشْهَدَ عليه، ككِتابِ القاضي إلى القاضي، فأمَّا ما ثَبَتَ من الوَصِيَّةِ، بِشَهَادَةٍ أو إقْرارِ الوَرَثةِ به، فإنَّه يَثْبُتُ حُكْمُه ويُعْمَلُ به، ما لم يُعْلَمْ رُجُوعُه عنه، وإن طالَتْ مُدَّتُه، وتَغَيَّرتْ أحْوالُ المُوصى به، مثل أن يُوصِىَ في مَرَضٍ فيَبْرَأَ منه، ثم يَمُوتَ بعدُ أو يُقْتَلَ؛ لأنَّ الأصْلَ بقَاؤُه، فلا يَزُولُ حُكْمُه بمُجَرَّدِ الاحْتِمالِ والشّكِّ، كسائِرِ الأحْكامِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَكْتُبَ المُوصِى وَصِيَّتَه، ويُشْهِدَ عليها؛ لأنَّه أحْفَظُ لها. وأحْوَطُ لما فيها. وقد صَحَّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَىْءٌ يُوصِى فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إلَّا ووَصِيَّتُه مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" (١١). ورُوِى عن أنَسٍ، أنَّه قال:
стр. 4272
كانوا يَكْتُبُونَ في صُدُورِ وَصَايَاهُم: بسم اللهِ الرحمن الرحيم. هذا ما أَوْصَى به فلانٌ، أنَّه يَشْهَدُ أن لا إله إلَّا اللهُ، وَحْدَه لا شَرِيكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورَسُولُه، وأنَّ الساعةَ آتِيةٌ لا رَيْبَ فيها، وأنَّ اللَّه يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ، وأَوْصَى من تَرَكَ من أهْلِه أن يَتَّقُوا اللهَ، ويُصْلِحُوا ذاتَ بَيْنهِم، ويُطيعُوا اللهَ وَرَسُولَه إن كانوا مُؤْمِنِينَ، وأوْصَاهُم بما أوْصَى به إبْرَاهِيمُ بَنِيه ويَعْقُوبَ: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٢). أخْرَجَهُ سَعِيدٌ (١٣)، عن فُضَيْلِ بن عِيَاضٍ، عن هِشَامِ بن حَسَّانٍ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أنَسٍ. ورُوِىَ عن ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّه كَتَبَ [في وَصِيَّتِهِ] (١٤): بسم اللَّه الرحمن الرحيم. هذا ذِكْرُ ما أوْصَى به عبدُ اللَّه بن مَسْعُودٍ، إن حَدَثَ لي حادِثُ المَوْتِ من مَرَضِى هذا، أنَّ مَرْجِعَ وَصِيَّتِى إلى اللهِ تعالَى (١٥)، ثم إلى الزُّبَيْرِ بن العَوَّامِ، وابنِه عبد اللَّه، وأنَّهما في حِلٍّ وبَلٍّ فيما وَلِيَا وقَضَيَا، وأنه لا تُزَوّجُ امْرَأةٌ من بَنَاتِ عبدِ اللَّه إلَّا بإذْنِهِما (١٦). ورَوَى ابنُ عبد البَرِّ قال: كان في وَصِيّةِ أبى الدَّرْدَاءِ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. هذا ما أوْصَى به أبو الدَّرْدَاءِ، أنَّه يَشْهَدُ أن لا إله إلا اللَّه وَحْدَه لا شَرِيكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورَسُولُه، وأنَّ الجَنّةَ حَقٌّ، وأنَّ النارَ حَقٌّ، وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ، وأنَّه يُؤْمِنُ باللهِ ويَكْفُرُ بالطّاغُوتِ، على ذلك يَحْيَا ويَمُوتُ، إن شاءَ اللهُ، وأوْصَى فيما رَزَقَه اللهُ تعالى، بكذا وكذا، وأن هذه وَصِيّتُه إن لم يُغَيِّرْها.
٩٧٠ - مسألة؛ قال: (وَمَا أعْطَى فِي مَرَضِهِ الَّذى مَاتَ فِيهِ، فَهُوَ مِنَ الثُّلُثِ)
وجملةُ ذلك أنَّ التَّبَرُّعاتِ المُنْجزَةَ، كالعِتْقِ، والمُحَاباةِ، والهِبَةِ المَقْبُوضَةِ،
стр. 4273
والصَّدَقةِ، والوَقْفِ، والإِبْراءِ من الدَّيْنِ، والعَفْوِ عن الجِنَايةِ المُوجِبَةِ للمالِ، إذا كانت في الصِّحَّةِ فهى من رَأْسِ المالِ. لا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. وإن كانت في مَرَضٍ مَخُوفٍ اتَّصَلَ به المَوْتُ، فهى من ثُلُثِ المالِ، في قولِ جُمْهُورِ العُلَماءِ. وحُكِى عن أهْلِ الظّاهِرِ في الهِبَةِ المَقْبُوضةِ أنَّها من رَأْسِ المالِ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ اللهَ تَصَدّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفاتِكُمْ بثُلُثِ أمْوالِكُم، زِيَادةً لَكُمْ فِي أعْمالِكُمْ". رَوَاه ابنُ ماجَه (١). وهذا يَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّه ليس له أكْثَرُ من الثُّلُثِ. ورَوَى عِمْرانُ بن حُصَيْنٍ، أنَّ رَجُلًا من الأنْصارِ أعْتَقَ سِتَّةَ أعْبُدٍ له في مَرَضِه، لا مالَ له غيرُهم، فاسْتَدْعاهُم رسولُ اللَّه ﷺ ، فجَزَأهُم ثَلَاثةَ أجْزَاء، وأَقْرَعَ بينهم، فأعْتَقَ اثْنَيْنِ، وأرَقَّ أرْبَعةً. [رَواهُ مُسْلِمٌ] (٢). وإذا لم يَنْفُذِ العِتْقُ مع سِرَايَتِه، فغيرُه أَوْلَى. ولأنَّ هذه الحالَ الظاهِرُ منها المَوْتُ، فكانت عَطِيَّتُهُ (٣) فيها في حَقِّ وَرَثَتِه لا تَتَجاوَزُ الثُّلُثَ، كالوَصِيّةِ.
فصل: وحُكْمُ العَطايَا في مَرَضِ المَوْتِ المَخُوفِ، حُكْمُ الوَصِيَّةِ في خَمْسَةِ أشْياء؛ أحدها، أنَّه (٤) يَقِفُ نُفُوذُها على خُرُوجِها من الثُّلُثِ أو إجَازةِ (٥) الوَرَثةِ، الثاني، أنَّها لا تَصِحُّ لِوَارِثٍ إلَّا بإجَازَةِ بَقِيَّة الوَرَثةِ. الثالث، أن فَضِيلَتَها ناقِصَةٌ عن فَضِيلَةِ الصَّدَقةِ في الصِّحَّةِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن أَفْضَلِ الصَّدَقةِ قال: "أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الغِنَى وتَخْشَى الفَقْرَ ولا تُمْهِلْ حَتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلانٍ كذا، ولِفُلانٍ كذا، وقَدْ كَانَ لِفُلانٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). ولَفْظُه: قال رَجُلٌ:
стр. 4274
يا رسولَ اللَّه: أيُّ الصَّدَقةِ أَفْضَلُ؟ [قال: "أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ"] (٧). الرابع، أنَّه يُزَاحِمُ بها الوَصَايَا في الثُّلُثِ. الخامس، أنَّ خُرُوجَها من الثُّلُثِ مُعْتَبَرٌ حالَ المَوْتِ، لا قَبْلَه ولا بَعْدَه. ويُفَارِقُ الوَصِيَّةَ في سِتَّةِ أشْياء؛ أحدها، أنَّها لازِمَةٌ في حَقِّ المُعْطِى ليس له الرُّجُوعُ فيها. وإن كَثُرَتْ، لأنَّ المَنْعَ [من الزِّيَادةِ على الثُلُثِ] (٨) إنَّما كان لِحَقِّ الوَرَثةِ، لا لِحَقِّه، فلم يَمْلِكْ إجَازَتَها ولا رَدَّها، وإنما كان له الرُّجُوعُ في الوَصِيَّةِ؛ لأنَّ التَّبَرُّعَ بها مَشْرُوطٌ بالمَوْتِ (٩)، ففيما قبلَ المَوْتِ لم يُوجَد التَّبَرُّعُ ولا العَطِيّةُ، بخِلَافِ العَطِيّةِ في المَرَضِ، فإنَّه قد وُجِدَتِ العَطِيّةُ منه، والقَبُولُ من المُعْطِى، والقَبْضُ، فلَزِمَتْ كالوَصِيّةِ إذا قُبِلَتْ بعدَ المَوتِ وقُبِضَتْ. الثاني، أنَّ قَبُولَها على الفَوْرِ في حال (١٠) حَيَاةِ المُعْطِى وكذلك رَدُّها، والوَصَايَا لا حُكْمَ لِقَبُولِها ولا رَدِّها إلَّا بعد المَوْتِ؛ لما ذَكَرْنا من أنَّ العَطِيّةَ تَصَرُّفٌ في الحالِ، فتُعْتَبَرُ شُرُوطُه وَقْتَ وُجُودِه، والوَصِيّةُ تَبَرُّعٌ بعدَ المَوْتِ، فتُعْتَبَرُ شُرُوطُه بعدَ المَوْتِ. الثالث، أنَّ العَطِيَّةَ تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِها المَشْرُوطَةِ لها في الصِّحَّةِ؛ من العِلْمِ، وكَوْنِها لا يَصِحُّ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ وغَرَرٍ في غير العِتْقِ، والوَصِيّةُ بخِلَافِه. الرابع، أنَّها تُقَدَّمُ على الوَصِيَّةِ، وهذا قول الشافِعِيِّ، وجُمْهُورِ العُلَماءِ. وبه قال أبو حنيفةَ،
стр. 4275
وأبو يوسفَ، وزُفَرُ، إلَّا في العِتْقِ، فإنَّه حُكِىَ عنهم تَقْدِيمُه، لأنَّ العِتْقَ يَتَعَلَّقُ به حَقُّ اللهِ تعالى، ويَسْرِى وَقْفُه (١١)، ويَنْفُذُ في مِلْكِ الغَيْرِ، فيَجِبُ تَقْدِيمُهُ. ولَنا، أنَّ العَطِيَّةَ لازِمةٌ في حَقِّ المَرِيضِ، فقُدِّمَتْ على الوَصِيَّةِ، كعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ، [ولأنَّها عَطِيَّةٌ بثمَرَةٍ، فقُدِّمَتْ على العِتْقِ، كعَطِيَّةِ الصَّدَقَةِ] (١٢)، وكما لو تَسَاوَى الحَقَّانِ. الخامس، أنَّ العَطايَا إذا عَجَزَ الثُّلُثُ (١٣) عن جَمِيعِها، بُدِىءَ بالأوَّلِ فالأَوَّل، سواءٌ كان الأوَّلُ عِتْقًا (١٤) أو غيرَه. وبهذا قال الشافِعِيُّ، وقال أبو حنيفةَ: الجَمِيعُ سواءٌ إذا كانت من جنْسٍ واحدٍ، وإن كانت من أجْناسٍ، وكانت المُحَاباةُ مُتَقَدِّمةً قُدِّمَتْ، وإن تَأَخَّرَتْ سُوِّىَ بينها وبين العِتْقِ، وإنَّما كان كذلك، لأنَّ المُحاباةَ حَقُّ آدَمِيّ على وَجْهِ المُعَاوَضةِ، فقُدِّمَتْ إذا تَقَدَّمَتْ، كقَضَاءِ الدَّيْنِ، وإذا تساوَى جِنْسُها سُوِّىَ بينها؛ لأنَّها عَطَايَا من جِنْسٍ واحدٍ، تُعْتَبَرُ من الثُّلُثِ، فَسُوِّىَ بينها، كالوَصِيَّةِ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يُقَدَّمُ العِتْقُ، تَقَدَّمَ أو تَأَخَّرَ. ولَنا، أنَّهما عَطِيَّتان مُنْجَزَتانِ، فكانت أُولَاهُما أَوْلَى، كما لو كانت الأُولَى مُحَاباةً عندَ أبى حَنِيفةَ، أو عِتْقًا عند صاحِبَيْه. ولأنَّ العَطِيَّةَ المُنْجَزَةَ لازِمَةٌ في حَقِّ المُعْطِى، فإذا كانت خارِجَةً من الثُّلُثِ، لَزِمَتْ في حَقِّ الوَرَثةِ، فلو شَارَكَتْها الثانِيةُ، لمَنَعَ ذلك لُزُومَها في حَقِّ المُعطِى؛ لأنَّه يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عن بَعْضِها بِعَطيّةٍ أُخْرَى، بخِلَافِ الوَصَايَا، فإنَّها غيرُ لازِمَةٍ في حَقِّه، وإنما تَلزَمُ بالمَوْتِ في حالٍ واحدةٍ، فاسْتَوَيا لِاستِوَائِهِما في حال لُزُومِهِما، بخِلِافِ المُنْجَزَتَيْنِ. وما قالَه في المُحَاباةِ غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّها بمَنْزِلَةِ الهِبَةِ، ولو كانت بمَنْزِلَةِ المُعَاوَضةِ أو الدَّيْنِ لَما كانت من الثُّلُثِ. فأمَّا إن وَقَعَتْ دُفْعَةً واحِدَةً، كأنْ (١٥) وكَّل جَماعَةً في هذه التَّبَرُّعاتِ، فأَوْقَعُوها دُفْعَةً واحِدَةً، فإن كانت كلها عِتْقًا أقْرَعْنَا
стр. 4276
بينهم (١٦)، فَكَمَّلْنا العِتقَ كلَّه في بَعْضِهِم، وإن كانت كلُّها من غيرِ العِتْقِ، قَسَمْنا الثُّلُثَ بينهم على قَدْرِ عَطَاياهُم، لأنَّهم (١٧) تَسَاوَوْا في الاسْتِحْقاقِ، فقُسِمَ بينهم على قَدْرِ حُقُوقِهِم، كغُرَماءِ المُفْلِسِ. وإنما خُولِفَ هذا الأَصْل في العِتْقِ، لِحَدِيثِ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ (١٨)، ولأنَّ القَصْدَ بالعِتْقِ تكْمِيلُ (١٩) الأحْكَامِ، ولا تَكْمُلُ الأحْكَامُ إلا بِتَكْمِيلِ العِتْقِ، بخِلَافِ غيرِه، ولأنَّ في قِسْمةِ العِتْقِ عليهم إضْرَارًا بالوَرَثةِ والمَيِّتِ والعَبِيدِ، على ما يُذْكَرُ في مَوْضِعِه. وإن وَقَعَتْ دُفْعةً واحِدَةً، وفيها عِتْقٌ وغيرُه، ففيه رِوَايَتانِ؛ إحداهما، أن يُقَدَّمَ العِتْقُ لِتَأَكُّدِه (٢٠). والثانية، يُسَوَّى بين الكُلِّ؛ لأنَّها حُقُوقٌ تَسَاوتْ في اسْتِحْقاقِها، فتَسَاوتْ في تَنْفِيذِها، كما لو كانتْ من جِنْسٍ واحدٍ، وذلك لأنَّ اسْتِحْقاقَها حَصَلَ في حالةٍ (٢١) واحدةٍ. السادس، أنَّ الواهبَ إذا ماتَ قبل تَقْبِيضِه (٢٢) الهِبَةَ المُنْجَزَةَ، كانت الخِيَرَةُ لِلْوَرَثةِ، إن شاءُوا قَبَّضُوا، وإن شاءُوا مَنَعُوا، والوَصِيَّةُ تَلْزَمُ بالقَبُولِ بعدَ المَوْتِ بغيرِ رِضَاهُم.
فصل: إذا قال المَريضُ: إذا أعْتَقْتُ سَعْدًا، فسَعِيدٌ حُرٌّ. ثم أعْتَقَ سَعْدًا، عَتَقَ سَعِيدٌ أيضًا إن خَرَجَا من الثُّلُثِ، وإن لم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهما عَتَقَ سَعْدٌ وَحْدَه، ولم يُقْرَعْ بينهما لِوَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّ سَعْدًا سَبَقَ بالعَتْقِ. والثانى، أنَّ عتْقَه شَرْطٌ لِعِتْقِ سَعِيدٍ، فلو رَقَّ بعضُه لَفَاتَ إعْتاقُ سعيدٍ أيضًا لِفَواتِ شَرْطِه، وإن بَقِىَ من الثُّلُثِ ما يَعْتِقُ به بعضُ سَعِيدٍ، عَتَقَ تَمامُ الثُّلُثِ منه. وإن قال: إن أعْتَقْتُ سَعْدًا فسَعِيدٌ وعَمْرٌو حُرَّانِ. ثم أعتَقَ سَعْدًا، ولم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهم، عَتَقَ سَعْدٌ وحدَه؛ لما ذَكَرْنا،
стр. 4277
وإن خَرَجَ من الثُّلُثِ اثْنانِ، أو واحدٌ وبعضُ آخَر، عَتَقَ سَعْدٌ، وأُقْرِعَ بين سَعِيدٍ وعَمْرٍو فيما بَقِىَ من الثُّلُثِ؛ لأنَّ عِتْقَهُما في حالٍ واحِدَةٍ، وليس عِتْقُ أحَدِهِما شَرْطًا في عِتْقِ الآخَرِ. ولو خَرَجَ من الثُّلُثِ اثْنانِ وبعضُ الثالِثِ، أقْرَعْنا بينهما، لِتَكْمِيلِ الحُرِّيّةِ فِي أحَدِهِما، وحُصُولِ التَّشْقِيصِ في الآخَر. وإن قال: إن أعْتَقْتُ سَعْدًا فسَعِيدٌ حُرٌّ، أو فسَعِيدٌ وعَمْرٌو حُرَّانِ في حال إعْتاقِى سَعْدًا. فالحُكْمُ سواءٌ لا يَخْتَلِفُ؛ لأنَّ عِتْقَ سَعْدٍ شَرْطٌ لِعِتْقِهِما، فلو رَقَّ بعضُه لَفَاتَ شَرْطُ عِتْقِهِما، فوَجَبَ تَقْدِيمُه. وإن كان الشَّرْطُ في الصِّحّةِ والإِعْتاقُ في المَرَضِ، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا.
فصل: وإن قال: إن تَزَوَّجْتُ فَعَبْدِى حُرٌّ. فتَزَوَّجَ في مَرَضِه بأَكْثَرَ من مَهْرِ المِثْلِ، فالزِّيادةُ مُحاباةٌ مُعْتَبَرةٌ من الثُّلُثِ. وإن لم تَخْرُجْ من الثُّلُثِ إلَّا المُحاباةُ أو العَبْدُ، فالمُحاباةُ أَوْلَى؛ لأنَّها وَجَبَتْ قبل العِتْقِ، لِكَوْنِ التَّزْوِيجِ شَرْطًا في عِتْقِه، فقد سَبَقَتْ عِتْقَه. ويَحْتَمِلُ أن يَتَسَاوَيَا؛ لأن التَّزْوِيجَ سَبَبٌ لِثُبُوتِ المُحاباةِ، وشَرْطٌ لِلْعِتْقِ، فلا يَسْبِقُ وُجُودُ أحَدِهِما صاحِبَه، فيَكُونانِ سَواءً. ثم هل يُقَدَّمُ العِتْقُ على المُحاباةِ؟ على رِوَايَتَيْنِ. وهذا فيما إذا ثَبَتَتِ المُحاباةُ بأن لا تَرِثَ المَرْأةُ الزَّوْجَ؛ إمَّا لِوُجُودِ مانِعٍ من الإِرْثِ، أو لِمُفَارَقَتِه إيَّاها في حَيَاتِه، إمَّا بمَوْتِها أو طَلَاقِها أو نحوه. فأما إن وَرِثَتْه، تَبَيَّنَّا أنَّها غيرُ ثابِتَةٍ لها إلَّا بإِجَازَةِ الوَرَثةِ، فيَنْبَغِى أن يُقَدَّمَ العِتْقُ عليها؛ لأنَّه لازِمٌ غيرُ مَوْقُوفٍ على الإِجَازةِ، فيكون مُتَقَدِّمًا. وإن قال: أنْتَ حُرٌّ في حال تَزْوِيجِى. فتَزَوَّجَ وأصْدَقَ أكْثَرَ من مَهْرِ المِثْلِ، فعلى القولِ الأَوَّل يَتَساوَيانِ؛ لأنَّ التَّزْوِيجَ جُعِلَ حالةً (٢٣) لإِيقَاعِ العِتْقِ، كما في عِتْقِ سَعْدٍ وسَعِيدٍ، وبُطْلانُ المُحاباةِ لا يُبْطِلُ التَّزْوِيجَ ولا يُؤَثِّرُ فيه. وعلى الاحْتِمالِ الذي ذَكَرْتُه، يكون العِتْقُ سابِقًا، لأنَّ المُحاباةَ إنَّما ثَبَتَتْ بِتَمامِ التَّزْوِيجِ، العِتْقُ قبلَ تَمَامِه، فيكونُ سابِقًا على المُحاباةِ، فيَتَقَدَّمُ لهذا المَعْنَى، سِيَّما إذا تَأَكَّدَ بِقُوَّتِه وكَوْنِه لغيرِ وارِثٍ.
стр. 4278
فصل: إذا أعْتَقَ المَرِيضُ شِقْصًا من عَبْدٍ، ثم أعْتَقَ شِقْصًا من آخَرَ، ولم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ إلَّا العَبْدُ الأوَّل، عَتَقَ وحدَه؛ لأنَّه يَعْتِقُ حين يَلْفِظُ (٢٤) بإعْتاقِ شِقْصِه. وإن خَرَجَ الأوَّلُ وبعضُ الثاني، عَتَقَ ذلك. وإن أعْتَقَ الشِّقْصَيْنِ دُفْعةً واحدةً، فلم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ إلَّا الشِّقْصانِ، عَتَقَا ورَقَّ باقِى العَبْدَيْنِ. وإن لم يَخْرُجْ إلَّا أحَدُهُما أُقْرِعَ بينهما. وإن (٢٥) عَتَقَ الشِّقْصانِ وباقِى أحدِ العَبْدَيْنِ ففيه وَجْهانِ: أحدهما، يُكْمَلُ العِتْقُ من أحَدِهِما بالقُرْعَةِ بينهما، كما لو أعْتَقَ العَبْدَيْنِ فلم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهُما. والثاني، يُقَسِّمُ ما بَقِىَ من الثُّلُثِ بينهما بغيرِ قُرْعَةٍ، لأنَّه أَوْقَعَ عِتْقًا مُشَقَّصًا فلم يُكْمِلْه، بخِلَافِ ما إذا أعْتَقَ العَبْدَيْنِ، ولهذا إذا لم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ إلَّا الشِّقْصانِ أعْتَقْنَاهُما، ولم يُقْرَعْ بينهما، ولم يُكْمِلْهُ من أحَدِهِما. ولو أوْصَى بإعْتاقِ النَّصِيبَيْنِ، وأن يُكْمِلَ (٢٦) عِتقَهُما من ثُلُثِه، ولم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ إلَّا النَّصِيبَانِ وقِيمَةُ باقِى أحَدِهِما، أَقْرَعْنا بينهما، فمَن خَرَجَتْ قُرْعَتُه كَمُلَ العِتْقُ فيه، لأنَّ المُوصِى أوْصَى بتَكْمِيلِ العِتْقِ، فجَرَى مَجْرَى إعْتاقِهِما، بخِلَافِ التي قَبْلَها.
فصل: وإذا مَلَكَ المَرِيضُ مَن يَعْتِقُ عليه بغير عِوَضٍ، كالهِبَةِ والمِيرَاثِ، عَتَقَ، ووَرِثَ المَرِيضَ إذا ماتَ. وبهذا قال مالِكٌ، وأكْثَرُ أصْحابِ الشافِعِيِّ. وقال بعضُهم: يَعْتِقُ، ولا يَرِثُ؛ لأنَّ عِتْقَه وَصِيَّةٌ، فلا يَجْتَمِعُ (٢٧) مع المِيرَاثِ. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كان وَصيّةً لَاعْتُبِرَ من الثُّلُثِ، كما لو اشْتَراهُ. وجَعَلَ أهْلُ العِرَاقِ عِتْقَ المَوْهُوبِ (٢٨) وَصِيَّةً، يُعْتَبَرُ خُرُوجُه من الثُّلُثِ، فإن خَرَجَ من الثُّلُثِ عَتقَ وَوَرِثَ، وإن لم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ سَعَى (٢٩) في قِيمَةِ باقِيه، ولم يَرِثْ في قولِ أبى حنيفةَ، وقال
стр. 4279
أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يُحْتَسَبُ بقِيمَتِه من مِيرَاثِه، فإن فَضَلَ من قِيمَتِه شيءٌ سَعَى فيه. ولَنا، أنَّ الوَصِيَّةَ هي التَّبَرُّعُ بمَالِه بِعَطِيَّةٍ أو إتْلَافٍ، أو التَّسَبُّبُ إلى ذلك، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما؛ لأنَّ العِتْقَ ليس من فِعْلِه، ولا يَقِفُ على اخْتِيارِه، وقَبُولُ الهِبَةِ ليس بِعَطِيَّةٍ، ولا إتْلَافٍ لِمَالِه، وإنَّما هو تَحْصِيلُ شيءٍ يَتْلَفُ بتَحْصِيلِه، فأشْبَهَ قَبُولَه لشىءٍ لا يُمْكِنُه حِفْظُه، أو لما يَتْلَفُ بِبَقَائِه، في وَقْتٍ لا يُمْكِنُه التَّصَرُّفُ فيه، وفارَقَ الشِّرَاءَ؛ فإنَّه تَضْيِيعٌ لِمَالِه في ثَمَنِه. وقال القاضي: هذا الذي ذَكَرْناه قياسُ قولِ أحمدَ؛ لأنَّه قال في مَوَاضِعَ: إذا وَقَفَ في مَرَضِه على وَرَثَتِه صَحَّ، لم يكُنْ وَصِيّةً؛ لأنَّ الوَقْفَ ليس بمالٍ؛ لأنَّه لا يُبَاعُ ولا يُورَثُ. قال الْخَبْرِيُّ: هذا قولُ أحمدَ وابنِ الماجِشُون وأهْلِ البَصْرَةِ، ولم يَذْكُرْ فيه عن أحمدَ خِلَافًا. فأمَّا إن اشْتَرَى مَن يَعْتِقُ عليه، فقال القاضي: إن حَملَه الثُّلُثُ عَتَقَ وَوَرِثَه. وهذا قولُ مالِكٍ وأبي حنيفةَ. وإن لم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ عَتَقَ منه بِقَدْرِ الثُّلُثِ، ويَرِثُ بقَدْرِ ما فيه من الحُرِّيَّةِ، وباقِيه على الرِّقِّ، فإن كان الوارِثُ مِمَّنْ يَعْتقُ عليه إذا مَلَكَه، عَتَقَ عليه إذا وَرِثَه. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، ويُحْتَسَبُ بِقِيمَتِه من مِيرَاثِه، فإن فَضَلَ من قِيمَتِه شيءٌ سَعَى فيه. وقال بعضُ أصْحابِ مالِكٍ: يَعْتِقُ من رَأْسِ المالِ، ويَرِثُ كالمَوْهُوبِ والمَوْرُوثِ. وهو قِيَاسُ قَوْلِه، لِكَوْنه لم يَجْعَل الوَقْفَ وَصِيّةً وإجَازَةً لِلْوَارِثِ، فهذا أَوْلَى؛ لأنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ، فيُجْعَلُ ذلك وَصِيَّةً له (٣٠)، ولا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الثَّمَنُ وَصِيّةً له؛ لأنَّه لم يَصِلْ إليه، ولا وَصِيّةً للبائِعِ؛ لأنَّه قد عاوَضَ عنه، وإنَّما هو كبِنَاءِ مَسْجِدٍ وقَنطَرةٍ، في أنَّه ليس بِوَصِيَّةٍ لمن يَنْتَفِعُ به، فلا يَمْنَعُهُ ذلك المِيرَاثَ. واخْتَلفَ أصْحابُ الشافِعِيِّ في قِيَاسِ قولِه، فقال بعضُهم: إذا حَمَلَه الثُّلُثُ عَتَقَ وَورِثَ؛ لأنَّ عِتْقَه ليس بِوَصِيَّةٍ له، على ما ذَكَرْنا. وقيل: يَعْتِقُ ولا يَرِثُ؛ لأنَّه لو وَرِثَ لَصَارتْ وَصِيّةً لِوَارِثٍ، فتَبْطُلُ وَصِيَّتُه، ويَبْطُلُ عِتْقُه وإرْثُه، فَيُفْضِى تَوْرِيثُه إلى إبْطالِ تَوْرِيثِه، فكان إبْطالُ تَوْرِيثِه أَوْلَى. وقيل على مَذْهَبِه: شِرَاؤُه باطِلٌ؛ لأنَّ ثِمَنَه وَصِيّةٌ، والوَصِيّةُ تَقِفُ على
стр. 4280
خُرُوجِها من الثُّلُثِ، أو إجَازَةِ الوَرَثةِ، والبَيْعُ عنده لا يَجُوزُ أن يكونَ مَوْقُوفًا. ومن مَسَائِلِ ذلك: مَريضٌ وُهِبَ له ابْنُه، فَقَبِلَه، وقِيمَتُه مائة، وخَلَّفَ مائَتيْ دِرْهَمٍ وابْنًا آخَرَ، فإنَّه يَعْتِقُ، وله مائةٌ ولأَخِيه مائَةٌ. وهذا قولُ مالِكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافِعِيِّ. وقيل، على قولِ الشافِعِيِّ: لا يَرِثُ، والمائتانِ كلُّها للابْنِ الحُرِّ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَرِثُ نِصْفَ نَفْسِه، ونِصْفَ المائَتَيْنِ، ويَحْتَسِبُ بقِيمَةِ نِصْفِه (٣١) الباقى (٣٢) من مِيرَاثِه. وإن كان قِيمَتُه مائتَيْنِ، وبَقِيَّةُ التَّرِكَةِ مائةً، عَتَقَ من رَأْسِ المالِ، والمائةُ بينه وبين أخِيه. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفة: يَعْتِقُ منه نِصْفُه، لأنَّه قَدْرُ ثُلُثِ التَّرِكَةِ، ويَسْعَى في قِيمَةِ باقِيه، ولا يَرِثُ؛ لأنَّ المُسْتَسْعَى عنده كالعَبْدِ لا يَرِثُ إلَّا في أرْبَعةِ مَوَاضِع: الرَّجُلُ يَعْتِقُ أمَتَه على أن تَتَزَوَّجَهُ. والمَرْأةُ تَعْتِقُ عَبْدَها على أن يَتَزَوَّجَها، فيَأْبَيانِ ذلك. والعَبْدُ المَوْهوبُ (٣٣) يَعْتِقُه سَيِّدُه. والمُشْتَرِى لِلْعَبْدِ يَعْتِقُه قبلَ قَبْضِه وهما مُعْسِرَانِ. ففى هذه المَواضِع يَسْعَى كلُّ واحدٍ في قِيمَتِه، وهو حُرٌّ يَرِثُ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَرِثُ نِصْفَ التَّرِكةِ، وذلك ثَلَاثةُ أرْباعِ رَقَبَتِه، ويَسْعَى في رُبْعِ قِيمَتِه لأَخِيه. وإن وُهِبَ له ثَلَاثُ أخَواتٍ مُتَفَرِّقَاتٌ، لا مالَ له سِوَاهُنَّ، ولا وارِثَ، عَتَقْنَ (٣٤) من رَأْسِ المالِ. وهذا قولُ مالِكٍ. وإن كان اشْتَراهُنَّ فكذلك، فيما ذَكَرَه الْخَبْرِىُّ عن أحمدَ. وهو قولُ ابن الماجِشُون، وأهْلِ البَصْرَةِ، وبعضِ أَصْحابِ مالِكٍ. وعلى قولِ القاضي، يَعْتِقُ ثُلُثَهُنَّ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ. وهو قولُ مالِكٍ، وفى الآخَر يَعْتِقْنَ كُلُّهُنَّ؛ لكَوْنِ وَصِيَّةِ مَنْ لا وَارِثَ له جائِزَةً في جَمِيعِ مالِه، في أصَحِّ الروَايَتَيْنِ. وإن تَرَكَ مَالًا يَخْرُجْنَ من ثُلُثِه عَتَقْنَ
стр. 4281
ووَرِثْنَ. وقال أبو حنيفةَ: إذا اشْتَرَاهُنَّ أو وُهِبْنَ له، ولا مالَ له سِوَاهُنَّ، ولا وارِثَ، عَتَقْنَ، وتَسْعَى كلُّ واحِدَةٍ من الأُخْتِ للأَبِ والأُخْتِ للأُمِّ (٣٥) في نِصْفِ قِيمَتِها للأُخْتِ من الأَبِ والأُمِّ، وإنَّما لم يَرِثَا؛ لأَنَّهما لو وَرِثَا لَكان لهما خُمْسَا الرِّقَابِ، وذلك رَقَبةٌ وخُمْسٌ، بينهما نِصْفَيْنِ، فكان يَبْقَى عليهما سِعَايةٌ، وإذا بَقِيَتْ عليهما سِعَايةٌ لم يَرِثَا، وكانت لهما الوَصِيّةُ، وهى رَقَبَةٌ بينهما نِصْفَيْنِ. وأمَّا الأخْتُ للأَبَوَيْنِ، فإذا وَرِثَتْ، عَتَقَتْ؛ لأنَّ لها ثَلَاثةَ أخْماسِ الرِّقَابِ، وذلك أكْثَرُ من قِيمَتِها، فوَرِثَتْ وبَطَلَتْ وَصِيَّتُها. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَعْتِقْنَ (٣٦)، وتَسْعَى كلُّ واحدةٍ من الأُخْتِ [من الأبِ] (٣٧)، والأُخْتِ من الأُمِّ، للأُخْتِ من الأَبَوَيْنِ، في خُمْسَىْ قِيمَتِها؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ تَرِثُ ثَلَاثةَ أخْماسِ رَقَبَةٍ. وعلى قولِ الشافِعِيِّ يَعْتِقْنَ.
فصل: وإن اشْتَرَى المَرِيضُ أبَاهُ بأَلْفٍ، لا مالَ له سِوَاهُ، ثم ماتَ، وخَلّفَ ابْنًا، فعلى القولِ الذي حَكَاهُ الْخَبْرِيُّ يَعْتِقُ كلُّه على المَرِيضِ، وله وَلَاؤُه. وعلى قولِ القاضي يَعْتِقُ ثُلُثُه بالوَصِيَّةِ، ويَعْتِقُ باقِيه على الابْنِ؛ لأنَّه جَدُّه، ويكونُ ثُلُثُ وَلَائِه لِلْمُشْتَرِى، وثُلُثَاه لِابْنِه. وهذا قولُ مالِكٍ. وقيل: هو مذهبٌ لِلشّافِعِيِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ ثُلُثُه بالوَصِيَّةِ، ويَسْعَى للابْنِ في قِيمَةِ ثُلُثَيْهِ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَعْتِقُ سُدُسُه؛ لأنَّه وَرِثَه، ويَسْعَى في خَمْسَةِ أسْداسِ قِيمَتِه لِلابْنِ، ولا وَصِيّةَ له. وقيل على قولِ الشافِعِيِّ: يُفْسَخُ البَيْعُ، إلَّا أن يُجِيزَ الابْنُ عِتْقَه. وقيل: يُفْسَخُ في ثُلُثَيْه، ويَعْتِقُ في (٣٨) ثُلُثِه، وللبائِعِ الخِيَارِ؛ لِتَفَرُّقِ (٣٩) الصَّفْقةِ عليه. وقيل:
стр. 4282
لا خِيَارَ له؛ لأنَّه مُتْلِفٌ، فإن تَرَكَ ألْفَيْنِ سِوَاهُ، عَتَقَ كلُّه، ووَرِثَ سُدُسَ الأَلْفَيْنِ، والباقِى للابْنِ. وبهذا قال مالِكٌ، وأبو حنِيفةَ. وقيل نحوُه على قولِ الشافِعِيِّ. وقيل على قولِه: يَعْتِقُ ولا يَرِثُ. وقيل: شِرَاؤُه مَفْسُوخٌ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَرِثُ الأبُ سُدُسَ التَّرِكةِ، وهو خَمْسُمائة، يَحْتَسِبُ بها من رَقَبَتِه، ويَسْعَى في نِصْفِ قِيمَتِه، ولا وَصِيَّةَ له. وإن اشْتَرَى ابْنَه بأَلْفٍ، لا يَمْلِكُ غيرَه، وماتَ، وخَلَّفَ أباهُ، عَتَقَ كلُّه بالشِّرَاءِ، في الوَجْهِ الأَوَّلِ. وفى الثاني، يَعْتِقُ ثُلُثُه بالوَصِيَّةِ، وثُلُثَاه على جَدِّه عندَ المَوْتِ، ووَلَاؤُه بينهما أثْلَاثًا. وبهذا قال مالِكٌ. وقول الشافِعِيِّ فيه على ما ذكَرْناه في مَسْأَلةِ الأبِ. وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ ثُلُثُه بالوَصِيّةِ، ويَسْعَى في قِيمَةِ ثُلُثَيْه للأَبِ، ولا يَرِث. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَرِثُ خَمْسَةَ أسْدَاسِه، ويَسْعَى في قِيمَةِ سُدُسِه. وإن تَرَكَ أَلْفَيْنِ سِوَاه، عَتَقَ كلُّه، ووَرِثَ خَمْسَةَ أسْداسِ الأَلْفَيْنِ، وللأبِ السُّدُسُ. وبهذا قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: للأب سُدُسُ التَّرِكَةِ خَمْسُمائة، وباقِيها للابْنِ يَعْتِقُ منها، ويَأْخُذُ ألْفًا وخَمْسَمائة. وإن خَلَّفَ مالًا يَخْرُجُ المَبِيعُ من ثُلُثِه، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَعْتِقُ كلُّه، ويَرِثُ منه. كأنَّه حُرُّ الأَصْلِ. وعلى الوَجْهِ الثاني. يَعْتِقُ منه بِقَدْرِ ثُلُثِ التَّرِكةِ، ويَرِثُ بِقَدْرِ ما فيه من الحُرِّيَّةِ، فإن لم يَخْلُف المُشْتَرِى أبًا حُرًّا، ولكن خَلَفَ أخًا حُرًّا، ولم يَتْرُكْ مالًا، عَتَقَ من رَأْسِ المالِ، على الوَجْهِ الأوَّلِ، ويَعْتِقُ ثُلُثُه على الثاني، ويَرِثُ الأَخُ ثُلُثَيْه، ثم يَعْتِقُ عليه. وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ ثُلُثُه، ويَسْعَى لِعَمِّه في قِيمَةِ ثُلُثَيْه. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَعْتِقُ كلُّه، ولا سِعَايةَ. وإن خَلَفَ أَلْفَيْنِ سِوَاهُ عَتَقَ، ووَرِثَ الأَلْفَيْنِ، ولا شىءَ للأخِ، في الأَقْوالِ كلِّها. إلَّا ما قِيلَ على قولِ الشافِعِيِّ، إنَّه يَعْتِقُ ولا يَرثُ. وقيل: شِرَاؤُه باطِلٌ، فإن اشْتَرَى ابْنَه (٤٠) بأَلْفٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، وقِيمَتُه ثُلُثَا أَلْفٍ، وخَلَفَ ابْنًا آخَرَ، فعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ، يَعْتِقُ من رَأْسِ المالِ، ويَسْتَقِرُّ مِلْكُ البائِعِ على قَدْرِ قِيمَتِه من الثّمَن، وله ثُلُثُ الباقِى؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ حَابَاهُ به ولم يَبْقَ من التَّرِكةِ سِوَاه، فيكونُ له ثُلُثُه، وهو تُسْعُ أَلْفٍ، ويَرُدُّ التُّسْعَيْنِ، فتكونَ بين الابْنَيْنِ. وعلى الوَجْهِ
стр. 4283
الثاني، يَعْتِقُ ثُلُثُه، ويَرِثُ أخُوه ثُلُثَيْه (٤١)، فيَعْتِقُ عليه، وللبائِعِ ثُلُثُ المُحاباةِ، ويَرُدُّ ثُلُثَيْها، فيكونُ مِيرَاثًا. وقال أبو حنيفةَ: الثُّلُثُ للبائِعِ، ويَسْعَى المُشْتَرِى في قِيمَتِه لأخِيه. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَسْعَى في نِصْفِ رَقَبَتِه، ويَرِثُ نِصْفَها. وقال الشافِعيُّ: المُحَاباةُ مُقَدَّمَةٌ لتَقَدُّمِها (٤٢)، ويَرِثُ الابْنُ الحُرُّ أخَاه فيَمْلِكُه. وقيل: يُفْسَخُ البَيْعُ في ثُلُثَيْه، ويَعْتِقُ ثُلُثُه، ولا تُقَدَّمُ المُحَاباةُ؛ لأنَّ في تَقْدِيمِها تَقْرِيرَ مِلْكِ الأبِ على وَلَدِه. وقيل: يُفْسَخُ البَيْعُ في جَمِيعِه، فإن كانت قِيمَتُه ثُلُثَ الأَلْفِ، فعلى الوَجْهِ الأَوّلِ يَعْتِقُ من رَأْسِ المالِ، وتَنْفُذُ المُحَاباةُ في ثُلُثِ الباقِى، وهو تُسْعا أَلْفٍ، ويَرُدُّ البائِعُ أرْبَعةَ أتْساعِ أَلْفٍ، فتكونُ بين الابْنَيْنِ، وعلى الوَجْهِ الآخَرِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، تَقْدِيمُ العِتْقِ على المُحاباةِ، فيَعْتِقُ جَمِيعُه، ويَرُدُّ البائِعُ ثُلُثَىِ الأَلْفِ، فيكونُ بينهما. والثاني، أن يَعْتِقَ ثُلُثُه، ويكونُ للبائِع تُسْعَا أَلْفٍ، ويَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَتْساعِها، كما قلنا في الوَجْهِ الأوّلِ. وقال أبو حنيفةَ: لِلبائِعِ بالمُحَاباةِ الثُّلُثُ، ويَرُدُّ الثُّلُثَ، ويَسْعَى الابْنُ في قِيمَتِه لأَخِيه. وفى قولِ أبي يوسفَ، ومحمدٍ: يَرُدُّ البائِعُ ثُلُثَ الأَلْفِ، فيكونَ لِلابْنِ الحُرِّ، ويَعْتِقُ الآخَر بِنَصِيبِه من المِيرَاثِ. وقيل عَلى قولِ الشافِعِيِّ: يَرُدُّ البائِعُ ثُلُثَ الأَلْفِ، فيكونُ ذلك مع الابْنِ المُشْتَرِى لِلْحُرِّ. وقيل غيرُ ذلك. وإن اشْتَراه بأَلْفٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، وقِيمَتُه ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فمَن أعْتَقَهُ من رَأْسِ المالِ جَعَلَهُ حُرًّا، ومن جَعَلَ ذلك وَصِيّةً له، أعْتَقَ ثُلُثَه بالشِّرَاءِ، ويَعْتِقُ باقِيه على أخِيه، إلَّا في قولِ (٤٣) الشافِعِيِّ ومَنْ وَافَقَه، فإن الحُرَّ يَمْلِكُ بَقِيَّةَ أخِيهِ (٤٤)، فيَمْلِكُ من رَقَبَتِه قَدْرَ ثُلُثَىِ الثَّمَنِ، وذلك تُسْعَا رَقَبَةٍ؛ لأنَّه يَجْعَلُ ثَمَنَه من الثُّلُثِ دُونَ قِيمَتِه. وقيل: يُفْسَخُ البَيْعُ في ثُلُثَيْه. وقيل: في جَمِيعِه. وقال أبو حنيفةَ: يَسْعَى لأَخِيه في قِيمَةِ ثُلُثَيْه.
стр. 4284
وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَسْعَى له في نَصْفِ قِيمَتِه. فإن تَرَكَ أَلْفَيْنِ سِوَاهُ عَتَقَ كلُّه؛ لأنَّ التَّرِكَةَ هي الثَّمَنُ مع الأَلْفَيْنِ، والثَّمَنُ يَخْرُجُ من الثُّلُثِ، فيَعْتِقُ ويَرِثُ نِصْفَ الأَلْفَيْنِ. وهو قولُ الشافِعِيِّ. وقيل: يَعْتِقُ، ولا يَرِثُ. وعند أبى حنيفةَ وأَصْحَابِه: التَّرِكَةُ قِيمَتُه مع الأَلْفَيْنِ، وذلك خَمْسَةُ آلَافٍ. فعلى قولِ أبى حنيفةَ يَعْتِقُ منه قَدْرُ ثُلُثِ ذلك، وهو أَلْفٌ وثُلُثَا أَلْفٍ، ويَسْعَى لأَخِيه في أَلْفٍ (٤٥) وثُلُثِ أَلْفٍ. وفى قول صاحِبَيْه: يَعْتِقُ منه نِصْفُ ذلك، وهو خَمْسَةُ أسْدَاسِه، ويَسْعَى لأَخِيه في خَمْسِمائةٍ، والأَلْفانِ لأَخِيه في قَوْلِهم جَمِيعًا. ولو اشْتَرَى المَرِيضُ ابْنَىْ عَمٍّ له بأَلْفٍ، لا يَمْلِكُ غيرَه وقِيمَةُ كلِّ واحدٍ منهما أَلْفٌ، فأَعْتَقَ أحَدَهُما، ثم وَهَبَه أخَاهُ، ثم ماتَ وخَلَّفَهُما وخَلَّفَ مَوْلَاه، فإنَّ قِيَاسَ قولِ القاضي، إن شاءَ اللَّه، أن يَعْتِقَ ثُلُثَا المُعْتَقِ، إلَّا أن يُجِيزَ المَوْلَى عِتْقَ جَمِيعِه، ثم يَرِثُ بِثُلُثَيْه ثُلَثَىْ بَقِيَّة التَّرِكَة، فيَعْتِقُ منه (٤٦) ثَمَانِيةُ أتْسَاعِه، ويَبْقَى تُسْعُه وثُلُثُ أخِيه لِلْمَوْلَى. ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ كلُّه، ويَرِثَ أخَاه، فيَعْتِقانِ جَمِيعًا، لأنَّه يَصِيرُ بالإِعْتاقِ وَارِثًا لِثُلُثَىِ التَّرِكَةِ، فتَنْفُذُ إجازَتُه في إعْتاقِ باقِيه، فتَكْمُلُ له الحُرِّيَّةُ، ثم يَكْمُلُ المِيرَاثُ له. وفى قِيَاسِ قولِ أبى الخَطَّابِ: يَعْتِقُ ثُلُثَاه، ولا يَرِثُ؛ لأنَّه لو وَرِثَ لَكان إعْتَاقَ وَصِيَّةٍ له، فيَبْطُلُ إعْتَاقُه، ثم يَبْطُلُ إرْثُه، فيُؤَدِّى تَوْرِيثُه إلى إِبْطالِ تَوْرِيثِه. وهذا قولُ الشّافِعِىِّ (٤٧)، ويَبْقَى ثُلُثُه وابْنُ العَمِّ الآخَر لِلْمَوْلَى. وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ ثُلُثَا المُعْتَقِ، ويَسْعَى في قِيمَةِ ثُلُثِه، ولا يَرِثُ. وقال أبو يوسف، ومحمدٌ: يَعْتِقُ كلُّه، ويَعْتِقُ عليه أخُوه بالهِبَةِ، ويَكُونَانِ أحَقَّ بالمِيرَاثِ من المَوْلَى، فإن كان لِلْمَيِّتِ مالٌ سِواهُما، أخذَ ذلك المال بالمِيرَاثِ، ويَغْرَمُ المُعْتِقُ (٤٨) لأَخِيه المَوْهُوبِ نِصْفَ [قِيمةِ نَفْسِه] (٤٩) ونِصْف قِيمَةِ أخِيه؛ لأنَّ عِتْقَ
стр. 4285
الأَوَّلِ وَصِيَّةٌ له (٥٠)، ولا وَصِيّةَ لِوَارِثٍ، وقد صارَ وارِثًا مع أخِيه، فوَرِثَ نِصْفَ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ (٥١)، ونِصْفَ قِيمَةِ أخِيه، ووَرِثَ أخُوه الباقِىَ، وكان أخُوه المَوْهُوبُ له هِبَةً من المَرِيضِ له (٥٢)، فيَعْتِقُ (٥٣) بِقَرَابَتِه منه، ولم يَعْتِقْ من المَرِيضِ، فلم يكُنْ عِتْقُه وَصِيّةً، بل اسْتَهْلَكَها بالعِتْقِ الذي جَرَى فيها، فيَغْرَمُ الأَوَّل نِصْفَ قِيمَتِه ونِصْفَ قِيمَةِ أخِيه لأَخِيه. وأمَّا قولُ أبى حَنِيفةَ، فإنْ كان المَيِّتُ لم يَدَعْ وارِثًا غيرَهما عَتَقَا، وغَرِمَ الأَوَّلُ لأَخِيه نِصْفَ قِيمةِ (٥٤) أخِيهِ، ولم يَغْرَمْ له نِصْف قِيمةِ (٥٤) نَفْسه؛ لأنَّه إذا لم يَدَعْ وارِثًا، جازَتْ وَصِيَّتُه؛ لأنَّهما لا يَرِثانِ، ولا يَعْتِقَان حتى تَجُوزَ وَصِيّةُ الأَوَّل، لأنَّه متى بَقِيَتْ عليه سِعَايةٌ، لم يَرِثْ واحدٌ منهما، ولم يَعْتِقْ، فلا بُدَّ من أن يُنْفِذَ لِلْمُعْتقِ وَصِيَّةً لِيَصِيرَ حُرًّا فيَعْتِقَ أخُوه بِعتْقِه، وقد جازَتْ له الوَصِيَّةُ في جَمِيعِ رَقَبَتِه؛ لأنَّ المَيِّتَ إذا لم يَدَعْ وارِثًا، جازَتْ وَصِيَّتُه بِجَمِيعِ مالِه، ويَرِثانِ جَمِيعًا، ويَرْجِعُ الثاني على الأَوّلِ بِنِصْفِ قِيمَتِه؛ لأنَّه يقول: قد صِرْتُ أنا وأنتَ وَارِثَيْنِ، فلا تَأْخُذْ من المِيرَاثِ شيئًا دُونِى، وقد كانت رَقَبَتِى لك وَصِيَّةً وَعَتَقَتْ من قِبَلِك، فَاضْمَنْ لي نِصْفَ رَقَبَتِى. فإن كان مُعْسِرًا وهناك مالٌ غيرُهما، أخَذَ الثاني نِصْفَه، ثم أخَذَ من النِّصْفِ الثاني نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِه، وكان ما بَقِىَ مِيرَاثًا لأَخِيه الأَوَّلِ.
فصل: وإذا كان لِلْمَرِيضِ ثَلَاثَةُ آلافٍ، فتَبَرَّعَ بأَلْفٍ، ثم اشْتَرَى أبَاهُ ممَّا بَقِىَ، وله ابْنٌ، فعلى قولِ مَنْ قال ليس الشِّرَاءُ وَصِيّةً: يَعْتِقُ الأبُ ويَنْفُذُ من التَّبَرُّعِ قَدْرُ ثُلُثِ المالِ حالَ المَوْتِ، وما بَقِىَ فلِلأَبِ سُدُسُه، وباقِيه للابْنِ. وعلى قول القاضي ومن جَعَلَه وَصِيّةً: لا يَعْتِقُ الأَبُ (٥٥)؛ لأنَّ تَبَرُّعَ المَرِيضِ إنَّما يَنْفُذُ في الثُّلُثِ، ويُقَدَّمُ الأَوّلُ فالأَوَّلُ، وإذا قُدِّمَ التَّبَرُّعُ لم يَبْقَ من الثُّلُثِ شيءٌ، ويَرِثُه الابْنُ، فيَعْتِقُ عليه،
стр. 4286
ولا يَرِثُ؛ لأنَّه إنَّما عَتَقَ بعدَ المَوْتِ. وإن وُهِبَ له أبُوه، عَتَقَ، ووَرِثَ؛ لأنَّ الهِبَةَ ليست بِوَصِيَّةٍ، وكذلك إن وَرِثَه. وإن اشْتَرَى أبَاهُ، ثم أعْتَقَه، لم يَعْتِقْ على قول القاضي؛ لأنَّه إذا لم يَعْتِقْ بالمِلْكِ، وهو أقْوَى من الإِعْتاقِ بالقَوْلِ، بِدَلِيلِ نُفُوذِه في (٥٦) حَقِّ الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، فأَوْلَى أن لا يَنْفُذَ بالقَوْلِ.
فصل: وإن مَلَكَ المَرِيضُ مَنْ يَرِثُه ممَّن لا يَعْتِقُ عليه، كابْنِ عَمِّه، فأعْتَقَه في مَرَضِه، كان إعْتاقُه وَصِيَّةً مُعْتَبَرةً من الثُّلُثِ، بِدَلِيلِ أنَّ النبيَّ ﷺ أقْرَعَ بين العَبِيدِ الذين أعْتَقَهُم مالِكُهُم عندَ مَوْتِه، ولم يكن له مالٌ سِوَاهم (٥٧)، فاعْتُبِرَ عِتْقُهُم من الثُّلُثِ. فعلى هذا يُعْتَبَرُ خُرُوجُ المُعْتَقِ من الثُّلُثِ، فإن خَرَجَ من الثُّلثِ عَتَقَ ولم يَرِثْ. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ، في مَرِيضٍ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ في مَرَضِه، فأقَرَّ بأنَّه كان أعْتَقَه في صِحَّتِه، عَتَقَ ولم يَرِثْ؛ لأنَّه لو وَرِثَ لَكان إقْرَارُه لِوَارِثٍ، فلا يُقْبَلُ، فيُؤَدِّى تَوْرِيثُه إلى إبْطالِ عِتْقِه، ثم يَبْطُلُ مِيراثُه، فكان إعْتاقُه من غيرِ تَوْرِيثٍ أَوْلَى. ومُقْتَضَى قولِ القاضي، أنَّه يَعْتِقُ ويَرِثُ؛ لأنَّه حُرٌّ حين مَوْتِ مَوْرُوثِه، ليس بقاتِلٍ، ولا مُخَالِفٍ لِدِينِه، فوَرِث (٥٨) , كما لو وَرِثَه. وإن لم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ، عَتَقَ منه بِقَدْرِ الثُّلُثِ. ولا يَرِثُ، على القولِ الأوَّل. وعلى قول القاضِى، يَنْبَغِى أن يَرِثَ بِقَدْرِ ما فيه من الحُرِّيَّةِ، على ما ذُكِرَ (٥٩) في المُعْتَقِ بعضُه.
فصل: وما لَزِمَ المَرِيضَ في مَرَضِه من حَقٍّ لا يُمْكِنُه دَفْعُه وإسْقاطُه، كأَرْشِ الجِنَايةِ، وجِنَايةِ عَبْدِه، وما عاوَضَ عليه بِثَمَنِ المِثْلِ، وما يَتَغَابَنُ الناسُ بمثْلِه، فهو من رَأْسِ المالِ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. وهذا عندَ الشافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وكذلك النِّكَاحُ بمَهْرِ المِثْلِ جائِزٌ من رَأْسِ المالِ؛ لأنَّه صَرْفٌ لمالِه في حاجَةِ نَفْسِه، فيُقَدَّمُ بذلك
стр. 4287
على وَارِثِه. وكذلك لو اشْتَرَى جارِيَةً يَسْتَمتِعُ بها، كَثِيرَةَ الثمنِ، بِثَمَنِ مِثْلِها، أو اشترَى من الأَطْعِمةِ التي لا يَأْكُلُ مثلُه مِثْلَها (٦٠) جازَ، وصَحَّ شِرَاؤُه له (٦١)؛ لأنَّه صَرْفٌ لمالِه (٦٢) في حاجَتِه، وإن كان عليه دَيْنٌ، أو ماتَ وعليه دَيْنٌ، قُدِّمَ بذلك على وَارِثِه؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٦٣).
فصل: فأمَّا إن قَضَى المَرِيضُ بعضَ غُرَمائِه، ووَفَتْ تَرِكَتُه بسائِرِ الدُّيُونِ، صَحَّ قَضَاؤُه، ولم يكُنْ لسائِرِ الغُرَماءِ الاعْتِراضُ عليه. وإن لم يَفِ بها، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، أنَّ لِسَائِر الغُرَماءِ الرُّجُوعَ عليه، ومُشَارَكَتَه فيما أخَذَه. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ حُقُوقَهُم تَعَلَّقَتْ بمالِه (٦١) بمَرَضِه، فمَنَعَتْ تَصَرُّفَه فيه بما يَنْقُصُ دُيُونَهُم، كتَبَرُّعِه، ولأنَّه لو وَصَّى بِقَضاءِ بعضِ دُيُونِه لم يَجُزْ، فكذلك إذا قَضَاهَا. والثاني، أنَّهم لا يَمْلِكُونَ الاعْتِرَاضَ عليه، ولا مُشَارَكَتَه. وهو قِيَاسُ قولِ أحمدَ، ومَنْصُوصُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه أدَّى واجِبًا عليه، فصَحَّ، كما لو اشْتَرَى شَيْئًا فأَدَّى ثَمَنه، أو باعَ بعضَ مالِه وسَلَّمه، ويُفَارِقُ الوَصِيَّةَ، فإنَّه لو اشتَرَى ثِيَابًا مُثَمَّنةً صَحَّ، ولو وَصَّى بِتَكْفِينِه في ثِيَابٍ مُثَمَّنةٍ لم يَصِحَّ، يُحَقِّقُ هذا أنَّ إيفَاءَ ثَمَنِ المَبِيعِ قَضَاءٌ لِبَعْضِ غُرَمائِه، وقد صَحَّ عَقِيبَ البَيْعِ، فكذلك إذا تَرَاخَى، إذ لا أثَرَ لِتَرَاخِيه.
فصل: وإذا تَبَرّعَ المَرِيضُ، أو أعْتَقَ، ثم أقَرَّ بِدَيْنٍ، لم يَبْطُلْ تَبَرُّعُه. نَصَّ عليه أحمدُ، في مَن أعْتَقَ عَبْدَه في مَرَضِه، ثم أقَرَّ بِدَيْنٍ. عَتَقَ العَبْدُ، ولم يُرَدَّ إلى الرِّقِّ. وهذا لأنَّ الحَقَّ ثَبَتَ (٦٤) بالتَّبَرُّعِ في الظاهِرِ، فلم يُقْبَلْ إقْرَارُه فيما يَبْطُلُ به حَقُّ غيرِه.
стр. 4288
فصل: ويُعْتَبَرُ في المَرِيضِ الذي هذه أحْكامُه شَرْطانِ؛ أحدُهما، أن يَتَّصِلَ بمَرَضِه المَوْتُ، ولو صَحَّ من (٦٥) مَرَضِه الذي أعْطَى فيه، ثم ماتَ بعدَ ذلك، فحُكْمُ عَطِيَّتِه حُكْمُ عَطِيَّةِ الصَّحِيحِ؛ لأنَّه ليس بمَرَضِ المَوْتِ. الثاني، أن يكونَ مَخُوفًا، والأمْراضُ (٦٦) أرْبَعةُ أقْسامٍ؛ غيرُ مَخُوفٍ، مثل وَجَعِ العَيْنِ، والضِّرْسِ، والصُّدَاعِ اليَسِيرِ، وحُمَّى ساعَة، فهذا حُكْمُ صاحِبِه حُكْمُ الصَّحِيحِ؛ لأنَّه لا يُخَافُ منه في العادَةِ. الضرب الثاني، الأمْراضُ المُمْتَدَّةُ؛ كالجُذَامِ، وحُمَّى الرِّبْعِ (٦٧)، والفَالِجِ (٦٨) في انْتِهائِه، والسُّلِّ في ابْتِدائِه، والحُمَّى الغِبِّ (٦٩)، فهذا الضَّرْبُ إن أَضْنَى صاحِبُها على فِرَاشِه، فهى مَخُوفَةٌ، وإن لم يكنْ صاحِبَ فِرَاشٍ، بل كان يَذْهَبُ ويَجِىءُ، فعَطَاياهُ من جَمِيعِ المالِ. قال القاضي: هذا تَحْقِيقُ المَذْهَبِ فيه. وقد رَوَى حَرْبٌ، عن أحمدَ، في وَصِيَّةِ المَجْذُومِ والمَفْلُوجِ: من الثُّلُثِ. وهو مَحْمُولٌ على أنَّهما صارَا صاحِبَىْ فِرَاشٍ. وبه يقول الأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، وأبو حنِيفةَ وأصْحابُه، وأبو ثَوْرٍ. وذَكَرَ أبو بَكْرٍ وَجْهًا (٧٠) في صاحِبِ الأمْراضِ المُمْتَدَّةِ، أنَّ عَطِيَّتَه من صُلْبِ المالِ. وهو مَذْهَبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه لا يُخَافُ تَعْجِيلُ (٧١) المَوْتِ فيه، وإن كان لا يَبْرَأُ فهو كالهَرِمِ. ولَنا، أنَّه مَرِيضٌ صاحِبُ فِرَاشٍ يَخْشَى التَّلَفَ، فأشْبَهَ صاحِبَ الحُمَّى الدائِمَة، وأما الهَرِمُ فإنْ صارَ صاحِبَ فِرَاشٍ، فهو كمَسْأَلَتِنا. الضرب الثالث، مَنْ تَحَقَّقَ تَعْجِيلُ مَوْتِه، فيُنْظَرُ فيه؛ فإن كان عَقْلُه قد اخْتَلَّ، مثل مَن ذُبِحَ، أو أُبِينَتْ حَشْوَتُه، فهذا لا حُكْمَ لِكَلَامِه ولا لِعَطِيَّتِه، لأنَّه لا يَبْقَى له عَقْلٌ ثابِتٌ، وإن كان ثابِتَ العَقْلِ، كمن خُرِقَتْ حَشْوَتُه،
стр. 4289
أو اشْتَدَّ مَرَضُه ولم يَتَغَيَّرْ عَقْلُه، صَحَّ تَصَرُّفُه وتَبَرُّعُه، وكان تَبَرُّعُه من الثُّلُثِ، فإنَّ عمرَ رَضِىَ اللهُ عنه، خَرَجَتْ حَشْوَتُه، فقُبِلَتْ وَصِيَّتُه، ولم يُخْتَلَفْ في ذلك. وعلىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، بعد ضَرْبِ ابنِ مُلْجِمٍ له (٧٢) أوْصَى وأمَرَ ونَهَى، فلم يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ قَوْلِه. الضرب الرابع، مَرَضٌ مَخُوفٌ، لا يُتَعَجَّلُ مَوْتُ صاحِبِه يَقِينًا، لكنَّه يخَافُ ذلك، كالبِرْسَامِ، وهو بُخَارٌ يَرْقَى (٧٣) إلى الرَّأْسِ، ويُؤَثِّرُ في الدِّمَاغِ، فيَخْتَلُّ العَقْلُ (٧٤)، والحُمَّى الصَّالِبُ (٧٥)، والرُّعَافُ الدائِمُ؛ لأنَّه يُصَفِّى الدَّمَ، فيُذْهِبُ القُوَّةَ، وذاتِ الجَنْبِ، وهو قَرْحٌ بِبَاطِنِ الجَنْبِ، وَوَجَعِ القَلْبِ والرِّئَةِ؛ فإنَّها لا تَسْكُنُ حَرَكَتُها، فلا يَنْدَمِلُ جُرْحُها، والقُولَنْجِ، وهو أن يَنْعَقِدَ الطَّعَامُ في بعضِ الأَمْعاءِ، ولا يَنْزِلَ عنه، فهذه كلُّها مَخُوفَةٌ، سواءٌ كان معها حُمَّى أو لم يكُنْ، وهى مع الحُمَّى أشَدُّ خَوْفًا. فإن ثَاوَرَهُ الدَّمُ، واجْتَمَعَ في عُضْوٍ، كان مَخُوفًا؛ لأنَّه من الحَرَارةِ المُفْرِطَةِ. وإن هاجَتْ به الصَّفْرَاءُ، فهى مَخُوفَةٌ؛ لأنَّها تُورِثُ يُبُوسَةً، وكذلك البَلْغَمُ إذا هاجَ؛ لأنَّه من شِدَّةِ البُرُودَةِ، وقد تَغْلِبُ على الحَرَارةِ الغَرِيزِيّةِ فَتُطْفِئُها. والطّاعُونُ مَخُوفٌ؛ لأنَّه من شِدَّةِ الحَرَارةِ، إلَّا أنَّه يكونُ في جَمِيعِ البَدَنِ. وأمَّا الإِسْهالُ، فإن كان مُنْخَرِقًا لا يُمْكِنُه مَنْعُه ولا إمْساكُه، فهو مَخُوفٌ، وإن كان ساعَةً؛ لأنَّ مَنْ لَحِقَهُ ذلك أسْرَعَ في هَلَاكِه. وإن لم يكُنْ مُنْخَرِقًا، لكنَّه يكونُ تارَةً ويَنْقَطِعُ أخرى، فإن كان يَوْمًا أو يَوْمَيْنِ، فليس بمَخُوفٍ؛ لأنَّ ذلك قد يكونُ من فَضْلَةِ الطَّعَامِ، إلَّا أن يكون معه زَحِيرٌ وتَقْطِيعٌ كأن (٧٦) يَخْرُجَ مُتَقَطِّعًا، فإنَّه يكونُ مَخُوفًا؛ لأنَّ ذلك يُضْعِفُ. وإن دامَ الإِسْهالُ، فهو مَخُوفٌ، سواءٌ كان معه زَحِيرٌ أو لم يكُنْ. وما أشْكَلَ أمْرُه من الأمْراضِ، رُجِعَ فيه إلى قولِ أهْلِ المَعْرِفةِ، وهم الأَطِبَّاءُ
стр. 4290
لأنَّهم (٧٧) أهلُ الخِبْرةِ بذلك والتَّجْرِبَةِ والمَعْرِفةِ، ولا يُقْبَلُ إلَّا قولُ طَبِيبَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ثِقَتَيْنِ بالِغَيْنِ؛ لأنَّ ذلك يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الوارِثِ وأهْلُ العَطَايَا، فلم يُقْبَلْ فيه إلَّا ذلك. وقِيَاسُ قولِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه يُقْبَلُ قولُ الطَّبِيبِ العَدْلِ، إذا لم يُقْدَرْ على طَبِيبَيْنِ، كما ذَكَرَ (٧٨) في بابِ الدَّعَاوَى. فهذا الضَّرْبُ وما أشْبَهه، عَطَايَاهُ صَحِيحَةٌ؛ لما ذَكَرْناه من قِصّةِ عمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فإنَّه لما جُرِحَ سَقَاهُ الطَّبِيبُ لَبَنًا، فخَرَجَ من جُرْحِه، فقال له الطَّبِيبُ: اعْهَدْ إلى الناسِ. فعَهِدَ إليهم ووَصَّى، فاتَّفَقَ الصَّحَابةُ على قَبُولِ عَهْدِه وَوَصِيَّتِه. وأبو بكرٍ لما اشْتَدَّ مَرَضُه، عَهِدَ إلى عمرَ، فنَفَّذَ عَهْدَه.
٩٧١ - مسألة؛ قال: (وَكَذلِكَ الْحَامِلُ إذَا صَارَ لَهَا سِتَّةُ أشْهُرٍ)
يعني عَطِيَّتُها من الثُّلُثِ. وهذا قول مالكٍ. وقال إسحاقُ: إذا أثْقلَتْ لا يَجُوزُ لها إلَّا الثُّلُثُ. ولم يَحِدَّ. وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ. وقال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطَاءٌ، وقَتَادَةُ: عَطِيَّةُ الحامِلِ من الثُّلُثِ. وقال أبو الخَطَّابِ: عَطِيّةُ الحامِلِ من رَأْسِ المالِ، ما لم يَضْرِبْها المَخَاضُ، فإذا ضَرَبَها المَخَاضُ، فعَطِيَّتُها من الثُّلُثِ. وبهذا قال النَّخَعِيُّ، ومَكْحُولٌ، ويحيى الأَنْصارِىُّ، والأوْزَاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والعَنْبَرِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. هو ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّها قبلَ ضَرْبِ المَخَاضِ لا تَخَافُ المَوْتَ (١)، ولأنَّها إنَّما تَخَافُ المَوْتَ إذا ضَرَبَها الطَّلْقُ، فأشْبَهَتْ صاحِبَ الأمْراضِ المُمْتَدَّةِ قبلَ أن يَصِيرَ صاحِبَ فِرَاشٍ. وقال الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ: عَطِيَّتُها كعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ. وهو القولُ الثاني للشافِعِيِّ؛ لأنَّ الغالِبَ سَلَامَتُها. وَوَجْهُ قولِ الْخِرَقِيِّ أنَّ سِتّةَ الأَشْهُرِ وَقْتٌ يُمْكِنُ الوِلَادَةُ فيه، وهى من أسْبابِ التَّلَفِ.
стр. 4291
والصَّحِيحُ، إن شاءَ اللهُ، أنَّها إذا ضَرَبَها الطَّلْقُ، كان مَخُوفًا؛ لأنَّه ألَمٌ شَدِيدٌ يُخَافُ منه التَّلَفُ، فأشْبَهَتْ صاحِبَ سائِرِ الأمْراضِ المَخُوفَةِ. وأمَّا قبلَ ذلك، فلا ألَمَ بها، واحْتمالُ وُجُودِه خِلَافُ العادَةِ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ باحْتِمالِه البَعِيدِ مع عَدَمِه، كالصَّحِيحِ، فأمَّا بعدَ الوِلَادَةِ، فإن بَقِيَتِ المَشِيمَةُ معها، فهو مَخُوفٌ، وإن ماتَ الوَلَدُ معها، فهو مَخُوفٌ؛ لأنَّه يَصْعُبُ خُرُوجُه، وان وَضَعَتِ الوَلَدَ، وخَرَجَتِ المَشِيمَةُ، وحَصَلَ ثَمَّ وَرَمٌ أو ضَرَبانٌ شَدِيدٌ، فهو مَخُوفٌ، وإِن لم يكُنْ شيءٌ من ذلك، فقد رُوِىَ عن أحمدَ في النُّفَسَاءِ: إن كانت تَرَى الدَّمَ، فعَطِيَّتُها من الثُّلُثِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بذلك إذا كان معه أَلَمٌ لِلُزُومِه لذلك في الغالِبِ. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على ظاهِرِه، فإنَّها إذا كانت تَرَى الدَّمَ، كانت كالمَرِيضِ، وحُكْمُها بعد السَّقْطِ كحُكمِها بعدَ وَضْعِ الوَلَدِ التّامِّ. وإن أسْقَطَتْ مُضْغَةً أو عَلَقَةً، فلا حُكْمَ له، إلَّا أن يكونَ ثَمَّ مَرَضٌ أو ألَمٌ. وهذا كلُّه مذهبُ الشافِعِيِّ، إلَّا أنَّ مُجَرَّدَ الدَّمِ عندَه ليس بمَخُوفٍ.
فصل: ويَحْصُلُ الخَوْفُ بغير ما ذَكَرْناه، في مَوَاضِعَ خَمْسَة، تَقُومُ مَقَامَ المَرَضِ؛ أحدُها، إذا الْتَحَمَ الحَرْبُ، واخْتَلَطَتِ الطائِفَتانِ لِلْقِتَالِ، وكانت كلُّ طائِفَةٍ مُكَافِئَةً للأُخْرَى أو مَقْهُورَةً. فأمَّا القاهِرَةُ منهما بعدَ ظُهُورِها، فليستْ خائِفةً. وكذلك إذا لم يَخْتَلِطُوا، بل كانت كلُّ واحِدَةٍ منهما مُتَمَيِّزةً، سواءٌ كان بينهما رَمْىٌ بالسِّهامِ أو لم يكُنْ فليست حالةَ خَوْفٍ. ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الطائِفَتَيْنِ مُتَّفِقَتَيْنِ في الدِّينِ أو مُفْتَرِقَتَيْنِ. وبه قال مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ. ونحوه عن مَكْحُولٍ. وعن الشافِعِيِّ قَوْلانِ؛ أحدهما، كقَوْلِ الجَماعةِ. والثاني، ليس بمَخُوفٍ؛ لأنَّه ليس بمَرِيضٍ. ولَنا، أنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ ههُنا كتَوَقُّعِ المَرَضِ (٢) أو أكْثَر، فوَجَبَ أن يُلْحَقَ به، ولأنَّ المَرَضَ إنَّما جُعِلَ مَخُوفًا لِخَوْفِ صاحِبِه التَّلَفَ، وهذا كذلك. قال أحمدُ:
стр. 4292
إذا حَضَرَ القِتَالَ، كان عِتْقُه من الثُّلُثِ. وعنه: إذا الْتَحَمَ الحَرْبُ, فوَصِيَّتُه من المالِ كلِّه. فيَحْتَمِلُ أن يجْعَلَ هذا رِوَايةً ثانِيةً، وتُسَمَّى العَطِيّةُ وَصِيَّةً تَجَوُّزًا؛ لِكَوْنِها في حُكْمِ الوَصِيَّةِ، ولكَوْنِها عندَ المَوْتِ. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على حَقِيقَتِه في صِحَّةِ الوَصِيَّةِ من المالِ كلِّه. لكنْ يَقِفُ الزَّائِدُ على الثُّلُثِ على إجَازَةِ الوَرَثةِ، فإنَّ حُكْمَ وَصِيَّةِ الصَّحِيحِ وخائِفِ التَّلَفِ واحِدٌ. الثانية، إذا قُدِّمَ لِيُقْتَلَ، فهى حالَةُ خَوْفٍ، سواءٌ أُرِيدَ قَتْلُه لِلْقِصَاصِ، أو لغيرِه. ولِلشّافِعِيِّ فيه قَوْلَانِ؛ أحدهما، أنَّه مَخُوفٌ. والثانى، إن جُرِحَ فهو مَخُوفٌ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه صَحِيحُ البَدَنِ، والظاهِرُ العَفْوُ عنه. ولَنا، أنَّ التَّهْدِيدَ بالقَتْلِ جُعِلَ إكْرَاهًا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، وصِحّةَ البَيْعِ، ويُبِيحُ كَثِيرًا من المُحَرَّماتِ، ولولا الخَوْفُ لم تَثْبُتْ هذه الأحْكَامُ، وإذا حُكِمَ لِلْمَرِيضِ وحاضِرِ الحَرْبِ بالخَوْفِ مع ظُهُورِ السَّلَامةِ، وبعدَ وُجُودِ التَّلَفِ، فمع ظُهُورِ التَّلَفِ وقُرْبِه أَوْلَى، ولا عِبْرَةَ بصِحَّةِ البَدَنِ فإنَّ المَرَضَ لم يكُنْ مُثْبِتًا لهذا الحُكْمِ لِعَيْنِه، بل لِخَوْفِ إفْضائِه إلى التَّلَفِ، فيثْبُتُ (٣) الحُكْمُ ههُنا بِطرِيقِ التَّنْبِيهِ، لِظُهُورِ التَّلَفِ. الثالثة، إذا رَكِبَ البَحْرَ، فإن كان ساكِنًا فليس بمَخُوفٍ، وإن تَمَوَّجَ واضْطَرَبَ وهَبَّتِ الرِّيحُ العاصِفُ، فهو مَخُوفٌ، فإنَّ اللَّه تعالى وَصَفَهُمْ بشِدَّةِ الخَوْفِ، بقَوْلِه سُبْحَانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٤). الرابعة، الأسِيرُ والمَحْبُوسُ، إذا كان من عادَتِه القَتْلُ، فهو خائِفٌ، عَطِيَّتُه من الثُّلُثِ، وإلَّا فلا. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالِكٍ، وابنِ أبِى لَيْلَى، وأحَدُ قَوْلَىِ الشافِعِىِّ. وقال الحَسَنُ لمَّا حَبَسَ الحَجَّاجُ إيَاسَ بن مُعَاوِيَةَ: ليس له من مالِه إلَّا
стр. 4293
الثُّلُثُ. وقال أبو بكرٍ: عَطِيّةُ الأسِيرِ من الثُّلُثِ. ولم يُفرِّقْ. وبه قال الزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ. وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ. وتَأَوَّلَ القاضي ما رُوِى عن أحمدَ في هذا على ما ذَكَرْناه من التَّفْصِيلِ ابْتِدَاءً. وقال الشَّعْبِيُّ، ومالِكٌ: الغازى عَطِيَّتُه من الثُّلُثِ. وقال مَسْرُوقٌ: إذا وَضَعَ رِجْلَه في الغَرْزِ. وقال الأَوْزَاعِيُّ: المَحْصُورُ في سَبِيلِ اللَّه، والمَحْبُوسُ يَنْتَظِرُ القَتْل أو تُفْقَأُ عَيْناهُ (٥)، هو في ثُلُثِه. والصَّحِيحُ، إن شاءَ اللهُ، ما ذَكَرْنا من التَّفْصِيلِ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ الحَبْسِ والأسْرِ من غيرِ خَوْفِ القَتْلِ ليس بمَرَضٍ (٦)، ولا هو في مَعْنَى المَرَضِ في الخَوْفِ، فلم يَجُزْ إلْحَاقُه به، وإذا كان المَرِيضُ الذي لا يَخَافُ التَّلَفَ عَطِيَّتُه من رَأْسِ مالِه، فغيرُه أَوْلَى. الخامسة، إذا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلْدَةٍ، فعن أحمدَ أنَّه مَخُوفٌ (٧). ويَحْتَمِلُ أنَّه ليس بمَخُوفٍ؛ فإنَّه ليس بمَرَضٍ (٦)، وإنما يُخاف (٨) المَرَضُ. واللَّه أعْلَمُ.
فصل: ويُعْتَبَرُ خُرُوجُ العَطيَّةِ من الثُّلُثِ حالَ المَوْتِ، فمهما خَرَجَ من الثُّلُثِ تَبَيَّنَّا أنَّ العَطِيَّةَ صَحَّتْ فيه حالَ العَطِيَّةِ، فإن نَمَا المُعْطَى، أو كَسَبَ شَيْئًا، قُسِمَ بين الوَرَثةِ وبين صاحِبِه، على قَدْرِ مالَهما فيه، فرُبَّما أَفْضَى إلى الدَّورِ. فمن ذلك إذا أَعْتَقَ عَبْدًا لا مالَ له سِوَاهُ، فكَسَبَ مثلَ قِيمَتِه في حَيَاةِ سَيِّدِه، فلِلْعَبْدِ من كَسْبِه بِقَدْرِ ما عَتَقَ منه، وباقِيه لِسَيِّدِه، فيَزْدَادَ به مالُ السّيِّدِ، وتَزْدَادَ الحُرِّيَّةُ لذلك، ويَزْدَادَ حَقُّه من كَسْبِه، فيَنْقُصُ به حَقُّ السَّيِّدِ من الكَسْبِ، ويَنْقُصُ بذلك قَدْرُ المُعْتَقِ منه، فيُسْتَخْرَجُ ذلك بالجَبْرِ، فيُقال: عَتَقَ من العَبْدِ شيءٌ، وله من كَسْبِه شيءٌ؛ لأنَّ كَسْبَه مثلُه، ولِلْوَرَثةِ من العَبْدِ وكَسْبِه شَيْئانِ، لأنَّ لهم مِثْلَىْ ما عَتَقَ منه، وقد عَتَقَ منه شيءٌ، ولا يُحْسَبُ على العَبْدِ مَا حَصَلَ له من كَسْبِه؛ لأنَّه اسْتَحَقَّه بِجُزْئِه الحُرِّ لا من جِهَةِ سَيِّدِه، فصارَ
стр. 4294
لِلْعَبْدِ شَيْئانِ، ولِلْوَرَثةِ شَيْئانِ من العَبْدِ وكَسْبِه، فيُقْسَمُ العَبْدُ وكَسْبُه نِصْفَيْنِ، يَعْتِقُ منه نِصْفُه، وله نِصْفُ كَسْبِه، ولِلْوَرَثةِ نِصْفُهُما. وإن كَسَبَ مِثْلَىْ قِيمَتِه، فله من كَسْبِه شَيْئانِ، صارَ له ثَلَاثةُ أشْياءٍ، ولهم شَيْئانِ، فيُقْسَمُ العَبْدُ وكَسْبُه أخْماسًا، يَعْتِقُ منه ثَلَاثةُ أخْمَاسِه، وله ثَلَاثةُ أخْماسِ كَسْبِه، ولِلْوَرَثَةِ خُمْسَاه وخُمْسَا كَسْبِه. وإن كَسَبَ ثَلَاثةَ أمْثالِ قِيمَتِه، فله ثَلَاثةُ أشْياء من كَسْبِه مع ما عَتَقَ منه، ولهم شَيْئانِ، فيَعْتِقُ منه ثُلُثَاهُ، وله ثُلُثَا كَسْبِه، ولهم الثُّلُثُ منهما. وإن كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِه، عَتَقَ منه شيءٌ، وله نِصْفُ شيءٍ، ولهم شَيْئانِ، فالجَمِيع ثَلَاثةُ أشْياءٍ ونِصْف، إذا بَسَطْتَها أَنْصَافًا صارَتْ سَبْعةً، له ثَلَاثةُ أسْباعِها، فيَعْتِقُ ثَلَاثةُ أسْباعِه، وله ثَلَاثةُ أسْباعِ كَسْبِه، والباقى لهم. وإن كانت قِيمَتُه مائةً، فكَسَبَ تِسْعةً، فاجْعَلْ له من كلِّ دِينارٍ شيئًا، فَقُلْ: عَتَقَ منه مائةُ شيءٍ، وله من كَسْبِه تِسْعَةُ أشْياءٍ، ولهم مائَتَا شيءٍ. فيَعْتِقُ منه مائةُ (٩) جُزْءٍ وتِسْعةُ أجْزاءٍ من ثلاثِمائةٍ وتِسْعَة، وله من كَسْبِه مثلُ ذلك، ولهم مائَتَا جُزْءٍ من نَفْسِه ومائَتَانِ من كَسْبِه. وإن كان على السّيِّدِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه وقِيمَةَ كَسْبِه، صُرِفَا في الدَّيْنِ، ولم يَعْتِقْ منه شيءٌ؛ لأنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ على التَّبَرُّعِ، وإن لم يَسْتَغْرِقْ قِيمَتَه وقِيمَةَ كَسْبِه، صُرِفَ من العَبْدِ وكَسْبِه ما يَقْضِى (١٠) به الدَّيْنَ، وما بَقِىَ منهما يُقْسَمُ على ما يُعْمَلُ في العَبْدِ الكامِلِ وكَسْبِه. فلو كان على السَّيِّدِ دَيْنٌ كَقِيمَتِه (١١)، صُرِفَ فيه نِصْفُ العَبْدِ، ونصْفُ كَسْبِه، وقُسِمَ (١٢) الباقِى بين الوَرَثةِ والعِتْقِ نِصْفَيْنِ. وكذلك بَقِيَّةُ الكَسْبِ، وإن كَسَبَ العَبْدُ مثلَ قِيمَتِه، ولِلسَّيِّدِ مالٌ مثلُ قِيمَتِه، قَسَمْتَ العَبْدَ ومِثْلَىْ قِيمَتِه على الأشْياءِ الأَرْبَعةِ، فلكلِّ شيءٍ ثَلَاثةُ أرْباعٍ، فيَعْتِقُ من العَبْدِ ثَلَاثةُ أرْباعِه، وله ثَلَاثةُ أرْباعِ كَسْبِه. ولو أعْتَقَ عبدًا قِيمَتُه عِشْرُونَ، ثم أعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُه عَشرَةٌ،
стр. 4295
فكَسَبَ كلُّ واحِدٍ منهما مثلَ قِيمَتِه، لَكَمَلَتِ الحُرّيَّةُ في العَبْدِ الأوَّلِ، فيَعْتِقُ منه شيءٌ. وله من كَسْبِه شيءٌ، ولِلوَرَثَةِ شَيْئان، ويُقْسَمُ العَبْدانِ وكَسْبُهُما على الأشْياءِ الأرْبَعةِ، فيكونُ لكلِّ شيءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ، فيَعْتِقُ منه بِقَدْرِ ذلك، وهو ثَلَاثةُ أرْباعِه، وله ثَلَاثةُ أرْباعِ كَسْبِه، والباقِى لهم. وإن بدأَ بِعِتْقِ الأَدْنَى عَتَقَ كلُّه، وأخَذَ كَسْبَه، ويَسْتَحِقُّ الوَرَثةُ من العَبْدِ الآخَر وكَسْبِه مِثْلَىِ العَبْدِ الذي عَتَقَ، وهو نِصْفُه ونِصْفُ كَسْبِه، ويَبْقَى نِصْفُه ونِصْفُ كَسْبِه بينهما نِصْفَيْنِ، فيَعْتِقُ رُبْعُه، وله رُبْعُ كَسْبِه، ويَرِقُّ ثَلَاثةُ أرْباعِه، ويَتْبَعُه ثَلَاثةُ أرْباعِ كَسْبِه، وذلك مِثْلَا (١٣) ما انْعَتَقَ (١٤) منهما. وإن أعْتَقَ العَبْدَيْنِ دفْعةً واحِدَةً، قَرَعْنا بينهما, فمن خَرَجَتْ له قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ، فحُكْمُه كما لو بَدَأَ بإعْتَاقِه.
فصل: وإن أعْتَقَ ثَلَاثةَ أَعْبُدٍ، قِيمَتُهُم سَواءٌ، وعليه دَيْنٌ بِقَدْرِ قِيمةِ أحَدِهم، وكَسَبَ أحَدُهم مثلَ قِيمَتِه، أقْرَعْنا بينهم لإِخْرَاجِ الدَّيْنِ، فإن وَقَعَتْ على غير المُكْتَسِبِ [بِيعَ في الدَّيْنِ، ثم أقْرَعْنَا بينَ المُكْتَسِبِ والآخَرِ، لأجْلِ الحُرِّيَّةِ، فإن وقعتْ على غيرِ المُكْتَسِبِ] (١٥) عَتَقَ كلُّه، والمُكْتَسِبُ ومالُه لِلْوَرَثةِ، وإن وَقَعَتْ قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ على المُكْتَسِبِ، عَتَقَ منه ثَلَاثةُ أرْباعِه، وله ثَلَاثةُ أرْباعِ كَسْبِه، وباقِيه وباقِى كَسْبِه والعَبْدُ الآخَرُ لِلْوَرَثَةِ، كما قُلْنَا فيما إذا كان لِلسَّيِّدِ مالٌ بِقَدْرِ قِيمَتِه. ولو وَقَعَتْ قُرْعَةُ الدَّيْنِ ابْتِداءً على المُكْتَسِبِ، لَقَضَيْنَا الدَّيْنَ بِنِصْفِه ونِصْفِ كَسْبِه، ثم أقْرَعْنا بين باقِيه وبين العَبْدَيْنِ الآخَرَيْنِ في الحُرِّيَّةِ، فإن وَقَعَتْ على غيرِه عَتَقَ كلُّه، ولِلْوَرَثةِ ما بَقِىَ، وإن وَقَعَتْ على المُكْتَسِبِ، عَتَقَ باقِيه، وأخَذَ باقِى كَسْبِه، ثم نُقْرِعُ بين العَبْدَيْنِ لإِتْمامِ الثُّلُثِ، فمَن وَقَعَتْ عليه القُرْعةُ، عَتَقَ ثُلُثُه، وبَقِىَ ثُلُثَاه، والعَبْدُ الآخَرُ
стр. 4296
لِلْوَرَثةِ. ولو كان العَبْدُ مَوْهُوبًا لإِنْسانٍ، كان له من العَبْدِ وكَسْبِه مثلُ ما لِلْعَبْدِ من كَسْبِه ونَفْسِه، في هذه المَسائِلِ كلِّها.
فصل: وإن أعْتَقَ عَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَىِ (١٦) القِيمَةِ، بِكَلِمةٍ واحِدَةٍ، ولا مالَ له غيرُهما، فماتَ أحَدُهُما، أُقْرِعَ بين الحَيِّ والمَيِّتِ، فإن وَقَعَتْ على المَيِّتِ فالحَيُّ رَقِيقٌ، وتَبَيَّنَ أنَّ المَيِّتَ نِصْفُه حُرٌّ؛ لأنَّ مع الوَرَثَةِ مِثْلَىْ نِصْفِه، وإن وَقَعَتْ على الحَيِّ عَتَقَ ثُلُثُه، ولا يُحْسَبُ المَيِّتُ على الوَرَثةِ؛ لأنَّه لم يَصِلْ إليهم.
فصل: رَجُلٌ أعْتَقَ عَبْدًا، لا مالَ له سِوَاهُ، قِيمَتُه عَشرَةٌ، فماتَ قبلَ سَيِّدِه، وخَلَّفَ عِشْرِينَ، فهى لِسَيِّدِه بالوَلَاءِ، وتَبَيَّنَ أنَّه ماتَ حُرًّا، وكذلك إن خَلّفَ أرْبَعِينَ وبِنْتًا. وإن خَلّفَ عَشرَةً، عَتَقَ منه شيءٌ، وله من كَسْبِه شيءٌ، ولِسَيِّدِه شَيْئانِ، وقد حَصَلَ في يَدِ سَيِّدِه عَشرَةٌ تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فتَبَيَّنَ أنَّ نِصْفَه حُرٌّ، وباقِيَهُ (١٧) رَقِيقٌ، والعَشرَةُ يَسْتَحِقُّها السّيِّدُ، نِصْفُها بحُكْمِ الرِّقِّ، ونِصْفُها بالوَلَاءِ. فإن خَلَّفَ العَبْدُ ابْنًا، فله من رَقَبَتِه شيءٌ، ومن كَسْبِه شيءٌ، يكونُ لأَبِيه بالمِيرَاثِ، ولِسَيِّدِه شَيْئانِ، فتُقْسَمُ العَشرَةُ على ثَلَاثةٍ، لِلابْنِ ثُلُثُها، ولِلسّيِّدِ ثُلُثَاها، وتَبَيَّنَ أنَّه عَتَقَ من العَبْدِ ثُلُثُه. وإن خَلَّفَ بِنْتًا، فلها نِصْفُ شيءٍ، ولِلسّيِّدِ شَيْئانِ، فصارَتِ العَشرَةُ على خَمْسَةٍ، لِلْبنْتِ خُمْسُها، ولِلسَّيِّدِ أرْبَعةُ أخْماسِها، تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فتَبَيَّنَ أن خُمْسَىِ العَبْدِ ماتَ حُرًّا. وإن خَلَّفَ العَبْدُ عِشْرِينَ وابْنًا، فله من كَسْبِه شَيْئانِ، يكُونان لِابْنِه، ولِسَيِّدِه شَيْئانِ، فصارَتِ العِشْرُونَ بين السَّيِّدِ وبين ابْنِه نِصْفَيْنِ، وتَبَيَّنَ أنَّه عَتَقَ منه نِصْفُه. فإن ماتَ الابْنُ قبلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وكان ابْنَ مُعْتَقِه، وَرِثَهُ السَّيِّدُ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّ أباهُ ماتَ حُرًّا، لِكَوْنِ السَّيِّدِ مَلَكَ عِشْرِينَ، وهى مِثْلَا قِيمَتِه، فعَتَقَ، وجَرَّ وَلَاءَ ابْنِه إلى سَيِّدِه، فوَرِثَه. وإن لم يكن ابنَ مُعْتَقِه، لم يَنْجَرَّ وَلَاؤُه، ولم يَرِثْهُ سَيِّدُ أَبِيه. وكذلك الحُكْمُ لو خَلَّفَ هذا الابنُ عِشْرِينَ، ولم يُخَلِّفْ أبُوه شَيْئًا، أو مَلَكَ السَّيِّدُ عِشْرِينَ من أيِّ جِهَةٍ
стр. 4297
كانت. وإن لم يَمْلِكْ عِشْرِينَ، لم يَنْجَرَّ وَلَاءُ الابْنِ إليه؛ لأنَّ أبَاهُ لم يَعْتِقْ، وإن عَتَقَ بعضُه، جَرَّ من وَلَاءِ ابْنِه بِقَدْرِه، فلو خَلَّفَ الابْنُ عَشرَةً، ومَلَكَ السَّيِّدُ خَمْسةً، فإنَّك تقول: عَتَقَ من العَبْدِ شَىءٌ، ويجُرُّ من وَلَاءِ أَبِيه مثلَ ذلك، ويَحْصُلُ (١٨) له من مِيرَاثِه شيءٌ مع خَمْسَتِه، وهما يَعْدلَانِ شَيْئَيْنِ، وباقِى العَشرَة لمَوْلَى أُمِّهِ، فيُقْسَمُ بين السَّيِّدِ ومَوْلَى الأُمِّ نِصْفَيْنِ، وتَبَيَّنَ أنَّه قد عَتَقَ من العَبْدِ نِصْفُه، وحَصَلَ لِلسَّيِّدِ خُمْسُه من مِيرَاثِ ابْنِه، وكانت له خَمْسةٌ، وذلك مِثْلَا ما عَتَقَ من العَبْدِ. فإن ماتَ الابْنُ في حَياةِ أبِيه قبلَ مَوْتِ سَيِّدِه، وخَلَّفَ مالًا، وحَكَمْنا بِعِتْقِ الأَبِ أو عِتْقِ بَعْضِه، وَرِثَ مالَ ابْنِه (١٩) إن كان حُرًّا، أو بِقَدْرِ ما فيه من الحُرِّيَّةِ إن كان بعضُه حُرًّا، ولم يَرِثْ سَيِّدُه منه شَيْئًا. وفى هذه المَسائِلِ خِلَافٌ تَرَكْتُ ذِكْرَهُ كَرَاهةَ التَّطْوِيلِ.
فصل: في المُحاباةِ في المَرَضِ، وهى أن يُعَاوِضَ بمالِه، ويَسْمَحَ لمن عاوَضَه بِبَعْضِ عِوَضِه، وهى على أقْسامٍ؛ أحدها، المُحابَاةُ في البَيْعِ والشِّرَاءِ، ولا يَمْنَعُ ذلك صِحَّةَ العَقْدِ، في قولِ الجُمْهورِ. وقال أهلُ الظاهِرِ: العَقْدُ باطِلٌ. ولَنا، عُمُومُ قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢٠). ولأنَّه تَصَرُّفٌ صَدَرَ من أهْلِه في مَحَلِّه، فصَحَّ، كغَيْرِ المَرِيضِ. فلو باعَ في مَرَضِه عَبْدًا لا يَمْلِكُ غيرَه، قِيمَتُه ثَلَاثُونَ بِعَشرَةٍ، فقد حابَى المُشْتَرِىَ بِثُلُثَىْ مالِه، وليس له المُحَاباةُ بأكْثَرَ من الثُّلُثِ، فإن أجَازَ الوَرَثَةُ ذلك لَزِمَ البَيْعُ، وإن لم يُجِيزُوا فاخْتارَ المُشْتَرِى فَسْخَ البَيْعِ فله ذلك؛ لأنَّ الصَّفْقةَ تَبَعَّضَتْ عليه، وإن اخْتارَ إمْضاءَ البَيْعِ، فالصَّحِيحُ عندى أنَّه يَأْخُذُ نِصْفَ المَبِيعِ بنِصْفِ الثَّمَنِ، ويُفْسَخُ البَيْعُ في الباقِى. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحابِ الشافِعِيِّ. والوَجْهُ الثاني أنَّه يَأْخُذُ ثُلُثَى المَبِيعِ بالثَّمَنِ كله. وإلى هذا أشارَ القاضي في نحوِ هذه المَسْأَلةِ؛
стр. 4298
لأنَّه يَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ بالمُحاباةِ، والثُّلُثَ الآخَرَ بالثَّمَنِ. وقال أهلُ العِرَاقِ: يُقال له: إن شِئْتَ أَدَّيْتَ عَشرَةً أُخْرَى وأخَذْتَ المَبِيعَ، وإن شِئْتَ فَسَخْتَ ولا شىءَ لك. وعند مالِكٍ: له أن يَفْسَخَ ويَأْخُذَ ثُلُثَ المَبِيعِ بالمُحاباةِ، ويُسَمِّيه أصْحابُه خُلْعَ الثُّلُثِ. ولَنا، أنَّ فيما ذَكَرْناهُ مُقَابَلَةَ بَعْضِ المَبِيعِ بِقِسْطِه من الثَّمنِ عندَ تَعَذُّرِ أخْذِ جَمِيعِه بجَمِيعِه، فصَحَّ ذلك، كما لو اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ بثَمَنٍ، فانْفَسَخَ البَيْعُ في إحْدَاهما لِعَيْبٍ أو غيرِه، أو كما لو اشْتَرَى شِقْصًا وسَيْفًا، فأخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، أو كالشُّفَعاءِ يأخُذُ كلُّ واحدٍ منهم جُزْءًا من المَبِيعِ بقِسْطِه، أو كما لو اشْتَرَى قَفِيزًا يُسَاوِى ثَلَاثِينَ، بِقَفِيزٍ قِيمَتُه عَشرَةٌ. وأما الوَجْهُ الذي اخْتارَه القاضي فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه أوْجَبَ له المَبِيعَ بثَمَنٍ، فيَأْخُذُ بعضَه بالثَّمَنِ كلِّه، فلا يَصِحُّ، كما لو قال: بِعْتُكَ هذا بمائةٍ. فقال: قَبِلْتُ نِصْفَه بها. ولأنَّه إذا فَسَخَ البَيْعَ في بَعْضِه، وَجَبَ أن يَفسَخَه في قَدْرِه من ثَمَنِه، ولا يجوزُ فَسْخُ البَيْعِ فيه مع بَقَاءِ ثَمَنِه، كما لا يجوزُ فَسخ البَيْعِ في الجَمِيعِ مع بَقَاءِ ثَمَنِه. وأما قَوْلُ (٢١) أهلِ العِرَاقِ، فإنَّ فيه إجْبارَ الوَرَثةِ على المُعَاوَضةِ على غيرِ (٢٢) الوَجْهِ الذي عاوَضَ مُوَرِّثُهُم (٢٣)، وإذا فَسَخَ البَيْعَ، لم يَسْتَحِقَّ شَيْئًا؛ لأن الوَصِيَّةَ إنَّما حَصَلَتْ في ضِمْنِ البَيْعِ، فإذا بَطَلَ البَيْعُ زالتِ الوَصِيَّةُ، كما لو وَصَّى لِرَجُلٍ بِعَيْنِه أن يَحُجَّ عنه بمائةٍ، وأجْرُ مِثْلِه خَمْسُونَ، فطَلَبَ الخَمْسِينَ (٢٤) الفاضِلَةَ بدون الحَجِّ. وإن اشْتَرَى عَبْدًا يُساوِى عَشرَةً بثَلَاثِينَ، فإنَّه يَأْخُذُ نِصفَه بنِصْفِ الثّمنِ. وإن باعَ العَبْدَ الذي يُسَاوِى ثَلَاثِينَ بخَمْسَةَ عَشَرَ، جازَ البَيْعُ (٢٥) في ثُلُثَيْهِ (٢٦) بثُلُثَىِ الثّمنِ. وعلى قولِ القاضِى، لِلْمُشْتَرِى خَمْسَةُ أسْدَاسِه بكلِّ الثمنِ، وطَرِيقُ هذا أن تَنْسُبَ
стр. 4299
الثَّمَنَ وثُلُثَ المَبِيعِ إلى قِيمَتِه، فيَصِحَّ البَيْعُ في مِقْدارِ (٢٧) تلك النِّسْبةِ، وهو خَمْسَةُ أسْداسِه. وعلى الوَجْهِ الأوَّل، يَسْقُطُ الثّمنُ من قِيمَةِ المَبِيعِ، ويُنْسَبُ الثُّلُثُ إلى الباقِى، فيَصِحُّ البَيْعُ في قَدْرِ تلك النِّسْبَةِ، وهو ثُلُثاه بِثُلُثَىِ الثمنِ. فإن خَلَّفَ البائِعُ عَشرَةً أُخْرَى، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَصِحُّ البَيْعُ في ثَمَانِيةِ أتْساعِه بثَمَانِيةِ أتْساعِ الثَّمنِ، وعلى الوَجْهِ الثاني، يَأْخُذُ المُشْتَرِى نِصْفَه وأرْبَعةَ أتْساعِه بجَمِيعِ الثّمنِ، ويَرُدُّ نِصْفَ تُسْعِه. وإن باعَ قَفِيزَ حِنْطةٍ يُسَاوِى ثَلَاثِينَ، بقَفِيزٍ يُسَاوِى عَشرَةً، أو بِقَفِيزٍ يُسَاوِى خَمْسَةَ عَشَرَ، تَعَيَّنَ الوَجْهُ الذي اخْتَرْناهُ في قولِ القاضي ومَنْ وَافَقَه؛ لأنَّ المُسَاواةَ ههُنا شَرْطٌ في صحَّةِ البَيْعِ، ولا تَحْصُلُ بغيرِ هذا الوَجْهِ، وطَرِيقُ حِسَابِها بالجَبْرِ فيما إذا باعَه بما يُسَاوِى ثُلُثَ قِيمَتِه، أن نقولَ: يجوزُ البَيْعُ في شيءٍ من الأرْفَعِ بشيءٍ من الأَدْونِ، وقِيمَتُه ثُلُثُ شيءٍ، فتكونُ المُحاباةُ بثُلُثَىْ شيءٍ, ألْقِهِمَا (٢٨) من الأَرْفَعِ، يَبْقَ (٢٩) قَفِيزٌ إلا ثُلُثَىْ شيءٍ، يَعْدِلُ مِثْلَىِ المُحاباةِ، وذلك شيءٌ وثُلُثُ شيءٍ، فإذا جَبَرْتَهُ (٣٠) عَدَلَ شَيْئَيْنِ، فالشىءُ نِصْفُ القَفِيزِ.
فصل: القسم الثاني، المُحاباةُ في التَّزْوِيجِ؛ إذا تَزَوَّجَ في مَرَضِه امْرَأةً، صَدَاقُ مِثْلِها خَمْسةٌ، فأصْدَقَها عَشرَةً لا يَمْلِكُ سِوَاها، ثم ماتَ، فإن وَرِثَتْه بَطَلَتِ المُحاباةُ، إلَّا أن يُجِيزَها سائِرُ الوَرَثةِ، وإن لم تَرِثْه لِكَوْنِها مُخَالِفةً له في الدِّينِ أو غيرِ ذلك، فلها مَهْرُها وثُلُثُ ما حَابَاها به. وإن ماتَتْ قبلَه، فوَرِثَها ولم تُخَلِّفْ مالًا سِوَى ما أصْدَقَها، دَخَلَها الدَّوْرُ، فتَصِحُّ المُحاباةُ في شيءٍ، فيكون لها (٣١) خَمْسةٌ
стр. 4300
بالصَّدَاقِ، وشيءٌ بالمُحاباةِ، ويَبْقَى لِورَثةِ الزَّوْجِ خَمْسَةُ الأَشْياءِ، ثم رَجَعَ إليهم بالمِيرَاثِ نِصْفُ مالِها، وهو اثْنانِ ونِصْفٌ ونِصْفُ شيءٍ، صارَ لهم سَبْعةٌ ونِصْفٌ إلَّا نِصْفَ شيءٍ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، اجْبُرْ وقَابِلْ، يَخْرُجِ الشىءُ ثَلَاثَةً (٣٢)، فكان لها ثَمانِيةٌ، رَجَعَ إلى وَرَثةِ الزَّوْجِ نِصْفُها أرْبَعةٌ، صارَ لهم سِتّةٌ، ولِوَرَثَتِها أرْبَعةٌ. فإن تَرَكَ الزَّوْجُ خَمْسةً أُخْرَى، قلتَ: يَبْقَى مع وَرَثةِ الزَّوْجِ اثْنَا عَشَرَ ونِصْفٌ إلَّا نِصْفَ شيءٍ (٣٣) يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فالشىءُ خَمْسةٌ، فجازَتْ لها المُحاباةُ جَمِيعُها، ورَجَعَ جَمِيعُ ما حابَاها به إلى وَرَثةِ الزَّوْجِ، وبَقِىَ (٣٤) لِوَرَثَتِها صَدَاقُ مِثْلِها. وإن كان لِلْمَرْأةِ خَمْسةٌ، ولم يكُنْ لِلزَّوْجِ شيءٌ، قلتَ: يَبْقَى مع وَرَثةِ الزَّوْجِ عَشرَةٌ إلَّا نِصْفَ شيءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فالشىءُ أرْبَعةٌ، فيكونُ لها بالصَّدَاقِ تِسْعةٌ مع خُمْسِها أرْبَعة عَشَرَ، رَجَعَ إلى وَرَثةِ الزَّوْجِ نِصْفُها مع الدِّينارِ الذي بَقِىَ لهم، صارَ لهم ثَمانِيةٌ ولِوَرَثَتِها سَبْعةٌ. وإن كان (٣٥) عليها دَيْنٌ ثَلَاثةٌ، قلتَ: يَبْقَى مع وَرَثةِ الزَّوْجِ سِتّةٌ إلَّا نِصْفَ شيءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فالشىءُ دِينَارانِ وخُمْسانِ. والبابُ في هذا أن نَنْظُرَ ما يَبْقَى في يَدِ وَرَثَةِ الزَّوْجِ، فخُمْسَاهُ هو الشىءُ الذي صَحَّتِ المُحاباةُ فيه؛ وذلك لأنَّه بعد الجَبْرِ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ونِصْفًا, والشىءُ هو خُمْسَا شَيْئَيْنِ ونِصْفٍ، وإن شِئْتَ أسْقَطْتَ خَمْسةً، وأخَذْتَ نِصْفَ ما تَبَقَّى (٣٦).
فصل: القسم الثالث، أن يُخَالِعَها في مَرَضِها بأكْثَرَ من مَهْرِها، فمذهبُ أحمدَ أنَّ لِوَرَثَتِها أن لا يُعْطُوه أكْثَرَ من مِيرَاثِه منها، فيكونُ له الأقَلُّ من العِوَضِ أو مِيرَاثُه منها. وبهذا قال أبو حنيفةَ إن خالَعَها بعد دُخُولِه بها، وماتتْ (٣٧) قبل انْقِضاءِ عِدَّتِها؛ لأنَّها
стр. 4301
مُتَّهَمةٌ في أنها قَصَدَتْ إِيصَالَ أكْثَرَ من مِيرَاثِه إليه. وعند مالِكٍ: إن زادَ على مَهْرِ المِثْلِ، فالزِّيَادَةُ مَرْدُودَةٌ. وعن مالِكٍ، أَنَّ خُلْعَ المَرِيضَةِ باطِلٌ. وقال الشافِعِيُّ: الزِّيادةُ على مَهْرِ المِثْلِ مُحاباةٌ تُعْتَبَرُ من الثُّلُثِ. وقال أبو حنيفةَ: إن خَالَعَها قبلَ دُخُولِه بها، أو ماتَ بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، فالعِوَضُ من الثُّلُثِ، ومِثَالُ ذلك: امْرَأةٌ اخْتَلَعَتْ من زَوْجِها بثَلَاثِينَ، لا مالَ لها سِوَاها، وصَدَاقُ مِثْلِها اثْنَا عَشَرَ، فله خَمْسَةَ عَشَرَ، سواءٌ قَلَّ صَدَاقُها أو كَثُرَ؛ لأنَّها قَدْرُ مِيرَاثِه. وعند الشافِعِيِّ: له ثَمانِيَةَ عَشَرَ، اثْنَا عَشَرَ لأنَّها قَدْرُ صَدَاقِها، وثُلُثُ باقِى المالِ بالمُحاباةِ وهو سِتّةٌ. وإن كان صَدَاقُها سِتّةً، فله (٣٨) أرْبَعةَ عَشَرَ؛ لأنَّ ثُلُثَ الباقِى ثمانِيةٌ. مَرِيضٌ تَزَوَّجَ امْرَأةً على مائةٍ لا يَمْلِكُ غيرَها، ومَهْرُ مِثْلِها عَشرَةٌ، ثم مَرِضَتْ، فاخْتَلَعَتْ منه بالمائةِ، ولا مالَ لها سِوَاها، فلها مَهْرُ مِثْلِها، ولها شيءٌ بالمُحاباةِ، والباقِى له، ثم رَجَع (٣٩) إليه نِصْفُ مالِها بالمُحاباةِ، وهو خَمْسةٌ ونِصْفُ شيءٍ، فصارَ معٍ وَرَثَتِه خَمْسةٌ وتِسْعُونَ إلَّا نِصْفَ شيءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فبَعْدَ الجَبْرِ يَخْرُجُ الشىءُ ثمانِيَةً وثَلَاثِينَ، فقد صَحَّ لها بالصَّدَاقِ والمُحاباةِ ثمانِيةٌ وأرْبَعُونَ، وبَقِىَ (٤٠) مع وَرَثَتِه اثْنَانِ وخَمْسُونَ، ورجَع إليهم بالخلْعِ أرْبَعةٌ وعِشْرُونَ، فصارَ معهم سِتّةٌ وسَبْعُونَ، وبَقِىَ لِلْمَرْأةِ أرْبَعةٌ وعِشْرُونَ. وعند الشافِعِيِّ، يَرْجِعُ إليهم صَدَاقُ المِثْلِ وثُلُثُ شيءٍ بالمُحاباةِ، فصار بأَيْدِيهِم مائةٌ إلَّا ثُلُثَىْ شيءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فالشىءُ ثَلَاثةُ أثْمانِها، وهو سَبْعَةٌ وثَلَاثُونَ ونِصْفٌ، فصارَ لها ذلك ومَهْرُ المِثْلِ، رَجَعَ إليه مَهْرُ المِثْلِ وثُلُثُ الباقِى اثْنَا عَشَرَ ونِصْفٌ، فيَصِير بأَيْدِى وَرَثَتِه خَمْسةٌ وسَبْعُونَ، وهو مِثْلَا مُحابَاتِها. وعند أبى حنيفةَ، يَرْجِعُ إليهم [ثُلُثُ العُشْرِ] (٤١) وثُلُثُ الشىءِ، فصارَ معهم ثَلَاثةٌ وتِسْعُونَ وثُلُثٌ إلَّا ثُلُثَىْ شيءٍ، فالشىءُ ثَلَاثَةُ أثْمانِها، وهو خَمْسَةٌ
стр. 4302
وثَلَاثُونَ مع العَشرَةِ، صارَ لها خَمْسةٌ وأرْبَعُونَ، رَجَعَ إلى الزَّوْجِ ثُلُثُها، صارَ لِوَرَثَتِها ثَلَاثُونَ ولِوَرَثَتِه سَبْعُونَ، هذا إذا ماتَتْ بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها. وإن تَرَكَتِ المَرْأةُ مائةً أخرى، فعلى قَوْلِنا يَبْقَى مع وَرَثَةِ الزَّوْجِ مائةٌ وخَمْسَةٌ وأرْبَعُونَ إلَّا نِصْفَ شيءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فالشىءُ خُمْسَا ذلك، وهو ثمانِيةٌ وخَمْسُونَ، وهو الذي صَحَّتِ المُحاباةُ فيه، فلها ذلك وعَشرَةٌ بالمِثْلِ، صارَ لها مائةٌ وثمانِيَةٌ وسِتُّونَ، رَجَعَ إلى الزَّوْجِ نِصْفُها أرْبَعةٌ وثَمانُونَ، وكان الباقِى معه اثْنانِ وثَلَاثُونَ، صارَ له مائةٌ وسِتَّةَ عَشَرَ، ولِوَرَثَتِها أرْبَعةٌ وثَمانون (٤٢).
فصل: في الهِبَةِ؛ رَجُلٌ وَهَبَ أخَاه مائةً لا يَمْلِكُ غيرَها، فقَبَضَها، ثم ماتَ، وخَلَفَ بِنْتًا، فقد صَحَّتِ الهِبَةُ في شيءٍ، والباقِى لِلْواهِبِ، ورَجَعَ إليه بالمِيرَاثِ نِصْفُ الشىءِ الذي جازَتِ الهِبَةُ فيه، صارَ معه مائةٌ (٤٣) إلَّا نِصْفَ شيءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فالشىءُ خُمْسَا ذلك أَرْبَعُونَ، رَجَعَ إلى الواهِبِ نِصْفُها عِشْرُونَ، صارَ معه ثَمانُون (٤٤)، وبَقِىَ لِوَرَثةِ أخِى الواهِبِ عِشْرُونَ. وطَرِيقُها بالبابِ (٤٥) أن تَأْخُذَ عَدَدًا لِثُلُثِه نِصْفٌ، وهو سِتّةٌ، فتَأْخُذَ ثُلُثَه اثْنَيْنِ، وتُلْقِىَ نِصْفَه سَهْمًا، يَبْقَى سَهْمٌ، فهو لِلْمَوْهُوبِ له، ويَبْقَى لِلْواهِبِ أرْبَعةٌ، فتَقْسِمَ المائةَ سَهْمٍ (٤٦) على خَمْسَةٍ، والسَّهْم الذي أسْقَطْتَه لا يُذْكَرُ؛ لأنَّه يَرْجِعُ على جَمِيعِ السِّهَامِ الباقِيةِ بالسَّوِيَّةِ، فيَجِبُ اطِّرَاحُه، كالسِّهَامِ الفاضِلَةِ عن الفُرُوضِ في مَسْأَلةِ الرَّدِّ. وشبهُ هذه المَسْأَلةِ من مَسَائِلِ الرَّدِّ، أُمٌّ وأُخْتَانِ، فلِلأُخْتَيْنِ أرْبَعةٌ، وللأُمِّ سَهْمٌ، ويسْقطُ ذِكْرُ السَّهْمِ السادِسِ. ولو كان تَرَكَ اثْنَتَيْنِ، ضَرَبْتَ ثَلَاثَةً في ثَلَاثَةٍ، صارَتْ تِسْعةً، وأسْقَطْتَ
стр. 4303
منها سَهْمًا [بَقِىَ ثَمانيةٌ، فهى المالُ، وخُذِ الثُّلُثَ ثلاثةً، وأسْقِطْ منهما سَهْمًا] (٤٧)، يَبْقَى سَهْمانِ، فهى التي تَبْقَى لِوَرَثةِ المَوْهُوبِ له، ويَبْقَى سِتّةٌ لِلْواهِبِ، وهى مِثْلَا ما جازَتِ الهِبَةُ فيه. وإن خَلَفَ امْرَأةً وبِنْتًا، فمَسْأَلَتُها من ثَمَانِيةٍ، تَضْرِبُها في ثَلَاثةٍ تكونُ أرْبَعةً وعِشْرِينَ تُسْقِطُ منها الثَّلَاثَةَ التي وَرِثَها الواهِبُ، يَبْقَى أحَدٌ وعِشْرُونَ، فهى المالُ، وتَأْخُذُ ثُلُثَ الأَرْبَعَةِ والعِشْرِينَ، وهى ثَمانِيةٌ، تُلْقِى منها الثَّلَاثَةَ، يَبْقَى خَمْسةٌ، فهى الباقِيةُ لِوَرَثةِ المَوْهُوبِ له، والباقِى لِلْواهِبِ، فتَقْسِمُ المائةَ على هذه السِّهَامَ.
فصل: فإن وَهَبَ مَرِيضٌ مَرِيضًا مائةً، لا يَمْلِكُ سِوَاها، ثم عادَ المَوْهُوبُ له فوَهَبَها للأَوَّلِ، ولا يَمْلِكُ سِوَاها، فبالبابِ نَضْرِبُ ثَلَاثةً في ثَلَاثةٍ، ونُسْقِطُ منها سَهْمًا، يَبْقَى ثَمانِيةٌ، فَاقْسِم المائةَ عليها لكلِّ سَهْمَين (٤٨) خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ، ثم خُذْ ثُلُثَها ثَلَاثةً، أسْقِطْ منها سَهْمًا، يَبْقَى سَهْمانِ، فهو لِلْمَوْهُوبِ الأَوَّلِ، وذلك هو الرُّبْعُ. وبِالجَبْرِ قد صَحَّتِ الهِبَةُ في شيءٍ، ثم صَحَّتِ الهِبَةُ الثانِيةُ في ثُلُثِه، بَقِىَ لِلْمَوْهُوبِ الأَوَّلِ ثُلُثَا شيءٍ وللواهِبِ مائةٌ إلَّا ثُلُثَىْ شيءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، اجْبُرْ وقَابِلْ، يَخْرُجِ الشىءُ سَبْعَةً وثَلَاثِينَ ونِصْفًا، رَجَعَ إلى الواهِبِ ثُلُثُها اثْنَا عَشَرَ ونِصْفٌ، وبَقِىَ لِلْمَوْهُوبِ له خَمْسةٌ وعِشْرُونَ. فإن خَلَفَ الواهِبُ مائةً أُخْرَى، فقد بَقِىَ مع الواهِبِ مائتَانِ إلَّا ثُلُثَىْ شيءٍ، تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فالشىءُ ثَلَاثَةُ أثْمانِها، وذلك خَمْسةٌ وسَبْعُونَ، رَجَعَ إلى الواهِبِ ثُلُثُها، بَقِىَ مع وَرَثَتِه خَمْسُونَ.
فصل: فإن وَهَبَ رَجُلٌ رَجُلًا جارِيَةً، فقَبَضَها المَوْهُوبُ له ووَطِئَها، ومَهْرُها
стр. 4304
ثُلُثُ قِيمَتِها، ثم ماتَ الواهِبُ ولا شىءَ له سِوَاها، وقِيمَتُها ثَلَاثُونَ، ومَهْرُها عَشرَةٌ، فقد صَحَّتِ الهِبَةُ في شيءٍ، وسَقَطَ عنه من مَهْرِها ثُلُثُ شيءٍ، وبَقِىَ لِلْواهِبِ أرْبَعُونَ إلَّا شيئًا وثُلُثًا يَعْدِل شَيْئَيْنِ، اجْبُرْ وقَابِلْ، يَخْرُجِ الشىءُ، خُمْسُ ذلك وعُشْرُه، وهو اثْنَا عَشَرَ وذلك خُمْسَا الجارِيَةِ. فقد صَحّتِ الهِبَةُ فيه، ويَبْقَى لِلْوَاهِبِ ثَلَاثةُ أخْماسِها، وله على المَوْهُوبِ له ثَلَاثَةُ أخْماسِ مَهْرِها سِتَّةٌ. ولو وَطِئَها أَجْنَبِيٌّ فكذلك، ويكونُ عليه مَهْرُها، ثَلَاثةُ أخْمَاسِه لِلْواهِبِ، وخُمْسَاه لِلْمَوْهُوبِ له، إلَّا أنَّ نُفُوذَ الهِبَةِ فيما زادَ على الثُّلُثِ منها (٤٩) مَوْقُوفٌ على حُصُولِ المَهْرِ من الواطِئِ، فإن لم يَحْصُلْ منه شيءٌ، لم تَزِدِ الهِبَةُ على ثُلُثِها. وكلَّما حَصَلَ منه شيءٌ نَفَذَتِ الهِبَةُ في الزِّيادَةِ بَقَدْرِ ثُلُثِه. وإن وَطِئَها الواهِبُ، فعليه من عَقْرِهَا بِقَدْرِ ما جازَتِ الهِبَةُ فيه، وهو ثُلُثُ شيءٍ، يَبْقَى معه ثَلَاثُونَ إلَّا شَيْئًا وثُلُثًا (٥٠)، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فالشىءُ تِسْعةٌ، وهو خُمْسُ الجارِيَةِ، وعُشْرُها وسَبْعَةُ أعْشارِها لِوَرَثةِ الواطِئِ، وعليهم عَقْرُ الذي جازَتِ الهِبَةُ فيه ثُلُثُه (٥٠)، فإن أخَذَ من الجارِيَةِ بِقَدْرِها، صارَ له خُمْسَاها.
فصل: وإن وَهَبَ مَرِيضٌ رَجُلًا عَبْدا، لا يَمْلِكُ غيرَه، فقَتَلَ العَبْدُ الواهِبَ، قِيلَ لِلْمَوْهُوبِ له: إمَّا أن تَفْدِيَه، وإمَّا أن تُسَلِّمَه، فإن اخْتارَ تَسْلِيمَه سَلَّمَه كلَّه، نِصْفَه بالجِنَايةِ، ونِصْفَه لِانْتِقاصِ الهِبَةِ فيه؛ وذلك لأنَّ العَبْدَ كلَّه قد صارَ إلى وَرَثةِ الواهِبِ، وهو مِثْلَا نِصْفِه، فَتَبَيَّنَ أنَّ الهِبَةَ جازَتْ في نِصْفِه. وإن اخْتَارَ فِدَاءَه ففيه (٥٠) رِوَايَتانِ؛ إحداهما؛ يَفْدِيه بأقَلِّ الأَمْرَيْنِ من [قِيمَةِ نَصِيبِه منه] (٥١) أو أَرْشِ جِنَايَتِه. والأخرى، يَفْدِيه بِقَدْرِ ذلك من أرْشِ جِنَايَتِه، بالِغَةً ما بَلَغَتْ. فإن كانت قِيمَتُه دِيَةً، فإنَّك تقولُ: صَحَّتِ الهِبَةُ في شيءٍ، وتَدْفَعُ إليهم نِصْفَ العَبْدِ وقِيمَةَ نَصْفِه، وذلك يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ،
стр. 4305
فتَبَيَّنَ أنَّ الشىءَ نِصْفُ العَبْدِ، وإن كانت قِيمَتُه دِيَتَيْنِ، واخْتارَ دَفْعَه، فإنَّ الهِبَةَ تجوزُ في شيءٍ، وتَدْفَعُ إليهم نِصْفَه، يَبْقَى معهم عَبْدٌ إلَّا نِصْفَ شيءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فالشىءُ خُمْسَاه، ويُرَدُّ إليهم ثَلَاثةُ أخْمَاسِه؛ لِانْتِقاصِ الهِبَةِ، وخُمْسًا من أجْلِ جِنَايَتِه، فيَصِيرُ لهم أرْبَعةُ أخْمَاسِه، وذلك مِثْلَا ما جازَتِ الهِبَةُ فيه. وإن اخْتارَ فِدَاءَه، فَدَاهُ بِخُمْسَىِ الدِّيَةِ، ويَبْقَى لهم ثَلَاثةُ أخْماسِه وخُمْسَا الدِّيَةِ، وهى بمَنْزِلةِ خُمْسٍ منه، ويَبْقَى له خُمْسَاه. وإن كانت قِيمَتُه نِصْفَ الدِّيَةِ أو أقَلَّ، وقُلْنا: نَفْدِيه بأَرْشِ جِنَايَتِه. نَفَذَتِ الهِبَةُ في جَمِيعِه؛ لأنَّ أرْشَها أكْثَرُ من مِثْلَىْ قِيمَتِه أو مِثْلَيْها. وإن كانت قِيمَتُه ثَلَاثةَ أخْماسِ الدِّيَةِ، فاخْتارَ فِدَاءَه بالدِّيَةِ، فقد صَحَّتِ الهِبَةُ في شيءٍ، ويَفْدِيه بشيءٍ وثُلُثَيْنِ، فصار مع الوَرَثةِ عَبْدٌ وثُلُثَا شيءٍ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فالشىءُ ثَلَاثةُ أرْباعٍ، فتَصِحُّ الهِبَةُ في ثَلَاثةِ أرْباعِ العَبْدِ، ويَرْجِعُ إلى الواهِبِ رُبْعُه مائةٌ وخَمْسُونَ، وثَلَاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ سَبْعُمائةٍ وخَمْسُونَ، صارَ الجَمِيعُ تِسْعَمائةٍ، وهو مِثْلَا ما صَحَّتِ الهِبَةُ فيه. فإن تَرَكَ الواهِبُ مائةَ دِينَارٍ، فاضْمُمْها إلى قِيمَةِ العَبْدِ، فإن اخْتَارَ دَفْعَ العَبْدِ، دَفَعَ ثُلُثَه ورُبْعَه، وذلك قَدْرُ نِصْفِ جَمِيعِ المالِ بالجِنَايةِ وباقِيه لِانْتِقاصِ الهِبَةِ، فيَصيرَ للوَرَثَةِ (٥٢) العَبْدُ والمائةُ، وذلك مِثْلَا ما جازَتِ الهِبَةُ فيه. وإن اخْتارَ الفِدَاءَ، فقد عَلِمْتَ أنَّه يَفْدِى ثَلَاثَةَ أرْبَاعِه إذا لم يَتْرُكْ شيئًا، فَزِدْ على ذلك ثَلَاثةَ أرْباعِ المائةِ, يَصيرُ ذلك سَبْعةَ أثْمانِ العَبْدِ، فنَفْدِيهِ (٥٣) بِسَبْعةِ أثْمانِ الدِّيَةِ.
فصل: مَرِيضٌ أعْتَقَ عَبْدًا، لا مالَ له سِوَاه، قِيمَتُه مائةٌ، فقَطَعَ إصْبَعَ سَيِّدِه خَطأ، فإنَّه يَعْتِقُ نِصْفُه، وعليه نِصْفُ قِيمَتِه، ويَصِير لِلسَّيِّدِ نِصْفُه ونِصْفُ قِيمَتِه، وذلك مِثْلَا ما عَتَقَ منه، وأَوْجَبْنا نِصْفَ قِيمَتِه عليه؛ لأنَّ عليه من أرْشِ جِنَايَتِه بِقَدْرِ ما عَتَقَ منه. وحِسَابُها أن تقولَ: عَتَقَ منه شيءٌ، وعليه شيءٌ لِلسَّيِّدِ، فصارَ مع السَّيِّدِ عَبْدٌ إلَّا شَيْئًا، وشىءٌ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فأسْقِط شيئًا بِشَىءٍ، بَقِىَ ما معه من العَبْدِ يَعْدِلُ شيئًا
стр. 4306
مثلَ ما عَتَقَ منه. ولو كانت قِيمَةُ العَبْدِ مائَتيْنِ، عَتَقَ خُمْسَاه؛ لأنَّه يَعْتِقُ منه شيءٌ، وعليه نِصْفُ شيءٍ لِلسَّيِّدِ، فصار لِلسَّيِّدِ نِصْفُ شيءٍ (٥٤)، وبَقِيّةُ العَبْدِ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فيكونُ بَقِيّةُ العَبْدِ يَعْدِلُ شيئًا ونِصْفًا، وهو ثَلَاثةُ أخْماسِه، والشىءُ الذي عَتَقَ خُمْسَاهُ. وإن كانت قِيمَتُه خَمْسِينَ أو أقَلَّ، عَتَقَ كلُّه لأنَّه يَلْزَمُه مائةٌ، وهى مِثْلَاه أو أكْثَرُ. وإن كانت قِيمَتُه سِتِّينَ، قُلْنا: عَتَقَ منه شيءٌ، وعليه شيءٌ وثُلُثَا شيءٍ لِلسَّيِّدِ، مع بَقِيَّةِ العَبْدِ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فبَقِيّةُ العَبْدِ إذًا ثُلُثُ شيءٍ، فيَعْتِقُ منه ثَلَاثةُ أرْباعِه. وعلى هذا القِيَاسُ إلَّا أنَّ ما زادَ من (٥٥) العِتْقِ علِى الثُّلُثِ، يَنْبَغِى أن يَقِفَ على أدَاءِ ما يُقَابِلُه من القِيمَةِ، كما إذا دَبَّرَ عَبْدًا وله دَيْنٌ في ذِمَّةِ غَرِيمٍ له، فكلَّما اقْتَضَى من القِيمَةِ شيئًا، عَتَقَ من المَوْقُوفِ بِقَدْرِ ثُلُثِه.
فصل: فإن أعْتَقَ عَبْدَيْنِ، دَفْعةً واحِدَةً، قِيمَةُ أحَدِهِما مائةٌ والآخَرِ مائةٌ وخَمْسُونَ، فجَنَى الأدْنَى على الأَرْفَعِ جِنَايةً نَقَصَتْه ثُلُثَ قِيمَتِه، وأَرْشُها كذلك، في حَياةِ سَيِّدِهِما، ثم ماتَ، أقْرَعْنا بين العَبْدَيْنِ، فإن وَقَعَتْ على الجانِى عَتَقَ منه أرْبَعةُ أخْمَاسِه، وعليه أرْبَعةُ أخْماسِ أرْشِ جِنَايَتِه، وبَقِىَ لِوَرَثةِ سَيِّدِه خُمْسُه وأرْشُ جِنَايَتِه والعَبْدُ الآخَر، وذلك مائةٌ وسِتُّونَ، وهو مِثْلَا ما عَتَقَ منه. وحِسَابُها أن تقولَ: عَبْدٌ (٥٦) عَتَقَ منه شيءٌ، وعليه نِصْفُ شيءٍ؛ لأنَّ جِنَايَتَه بِقَدْرِ نِصْفِ قِيمَتِه، بَقِىَ لِلسَّيّدِ نِصْفُ شيءٍ، وبَقِيّةُ العَبْدَيْنِ تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، فعَلِمْتَ أنَّ بَقِيَّةَ العَبْدَيْنِ شيءٌ ونِصْفٌ، فإذا أضَفْتَ إلى ذلك الشىءَ الذي عَتَقَ، صارَا جَمِيعًا يَعْدِلانِ شَيْئَيْنِ ونِصْفًا، فالشىءُ الكامِلُ خُمْسَاهُما، وذلك أرْبَعةُ أخْماسِ أحَدِهِما. وإن وَقعَتْ قُرْعَةُ الحُرِّيَّةِ على المَجْنِى عليه، عَتَقَ ثُلُثُه، وله ثُلُثُ أرْشِ جِنَايَتِه، يَتَعَلَّقُ بِرَقَبةِ الجانِى، وذلك تُسْعُ الدِّيَةِ؛ لأنَّ الجِنَايةَ على مَن ثُلُثُه حُرٌّ تُضْمَنُ بِقَدْرِ ما فيه من الحُرِّيّةِ والرِّقِّ،
стр. 4307
والواجِبُ له من الأرْشِ (٥٧) يَسْتَغْرِقُ قِيمَةَ الجانِى، فيَسْتَحِقُّه بها، ولا يَبْقَى لِسَيِّدِه مالٌ سِوَاهُ فيَعْتِقُ ثُلُثُه، ويَرِقُّ ثُلُثاهُ. وإن أعْتَقَ عَبْدَيْنِ، قِيمَةُ أحَدِهِما خَمْسُونَ، وقِيمَةُ الآخَرِ ثَلَاثُونَ، فجَنَى الأدْنَى على الأرْفَعِ، فنَقَصَه حتى صارَتْ قِيمَتُه أرْبَعِينَ، أقْرَعْنا بينهما، فإن خَرَجَتِ القُرْعَةُ للأَدْنَى، عَتَقَ منه شيءٌ، وعليه ثُلُثُ شَىءٍ، فبَعْدَ الجَبْرِ تَبَيَّنَ أنَّ العَبْدَيْنِ شَيْئانِ وثُلُثَان، فالشىءُ ثَلَاثةُ أثْمانِهِما، وقِيمَتُها سَبْعُونَ، فثَلاثةُ أثْمانِها سَبْعةٌ وعِشْرُونَ ورُبْعٌ (٥٨) وهى من الأَدْنَى نِصْفُه وخُمْسَاه ونِصْفُ سُدُسِ عُشْرِه. وإن وَقَعَتْ على الآخَرِ، عَتَقَ ثُلُثُه، وحَقُّه من الجِنَايةِ أكْثَرُ من قِيمَةِ الجانِى، فيَأْخُذُه بها، أو يَفْدِيه المُعْتِقُ. وقد بَقِيَتْ فُرُوعٌ كَثِيرَة، وفيما ذَكَرْنا ما يُسْتَدَلُّ به على غيرِه، إن شاءَ اللهُ تعالى، وكلُّ مَوْضِعٍ زادَ العِتْقُ على ثُلُثِ العَبْدَيْنِ من أجْلِ وُجُوبِ الأَرْشِ لِلسَّيِّدِ، تكونُ الزَّيادَةُ مَوْقُوفةً على أدَاءِ الأرْشِ، كما ذَكَرْنا من قبلُ. واللهُ أعلمُ.
٩٧٢ - مسألة؛ قال: (ومَنْ جَاوَزَ الْعَشْرَ سِنِينَ؛ فوَصِيَّتُهُ جَائِزَةٌ إذَا وَافَقَ الْحَقَّ)
هذا المَنْصُوصُ عن أحمدَ، فإنَّه قال، في رِوَايةِ صالِحٍ، وحَنْبَلٍ: تجوزُ وَصِيّتُه إذا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ. قال أبو بكرٍ: لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّ مَنْ له عَشْرُ سِنِينَ، تَصِحُّ وَصِيَّتُه، ومَنْ له دُونَ السَّبْعِ لا تَصِحُّ وَصِيَّتُه، وما بين السَّبْعِ والعَشْرِ فعلَى رِوَايَتَيْنِ. وقال ابنُ أبي موسَى: لا تَصِحُّ وَصِيّةُ الغُلَامِ لدُونِ العَشْرِ ولا الجارِيَةِ (١)، قولًا واحِدًا، وما زادَ على العَشْرِ فتَصِحُّ، على المَنْصُوصِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا تَصِحُّ حتى
стр. 4308
يَبْلُغَ. وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: تَصِحُّ وَصِيّةُ الصَّبِىِّ إذا عَقَلَ. ورُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه أجازَ وَصِيّةَ الصّبِىِّ، وهو قولُ عمرَ بن عبد العَزيزِ، وشُرَيْحٍ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وإياسٍ، وعبدِ اللَّه بن عُتْبةَ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِيِّ، ومالِكٍ، وإسحاقَ. قال إسحاقُ: إذا بَلَغَ اثْنَتَى عَشرَةَ. وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ. وعن ابنِ عَبّاسٍ: لا تَصِحُّ وَصِيَّتُه حتى يَبْلُغَ. وبه قال الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأصْحابُ الرأْىِ. وللشّافِعِيِّ قَوْلانِ، كالمَذْهَبَيْنِ. واحْتَجُّوا بأنَّه تَبَرُّعٌ بالمالِ، فلا يَصِحُّ من الصَّبِيِّ، كالهِبَةِ والعِتْقِ، ولأنَّه لا يُقْبَلُ إقْرَارُه، فلا تَصِحُّ وَصِيَّتُه، كالطِّفْلِ. ولَنا، ما رُوِىَ، أنَّ صَبِيًّا من غَسَّانَ، له عَشْرُ سِنِينَ، أوْصَى لأَخْوالٍ له، فرُفِعَ ذلك إلى عمرَ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، فأجازَ وَصِيَّتَه. رَوَاهُ سَعِيدٌ. ورَوَى مالِكٌ، في "مُوَطَّإِه" (٢) عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبِيه، أنَّ عَمْرَو بن سُلَيْمٍ أخْبَرَه، أنَّه قِيل لِعمرَ بن الخَطّابِ: إنَّ ههُنا غُلَامًا يَفَاعًا لم يَحْتَلِمْ، وَوَرَثَتُه بالشّامِ، وهو ذو مالٍ، وليس له ههُنا إلَّا ابْنَة عَمٍّ له، فقال عمرُ: فَلْيُوصِ لها. فأَوْصَى لها بمالٍ يقال له بِئْرُ جُشَم. قال عَمْرُو بن سُلَيْمٍ: فَبِعْتُ ذلك المال بثَلَاثِينَ ألْفًا. وابْنةُ عَمِّه التي أوْصَى لها هي أُمُّ عَمْرِو بن سُلَيْمٍ. قال أبو بكرٍ: وكان الغُلَامُ ابنَ عَشْر أو اثْنَتَى عَشرَةَ سَنةً. وهذه قِصّةٌ انْتَشَرَتْ فلم تُنْكَرْ، ولأنَّه تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا لِلصَّبِيِّ، فصَحَّ منه، كالإِسْلامِ والصَّلَاةِ، وذلك لأنَّ الوَصِيَّةَ صَدَقَةٌ يَحْصُلُ ثَوَابُها له بعد غِنَاه عن مِلْكِه ومالِه، فلا يَلْحَقُه ضَرَرٌ في عاجِلِ دُنْيَاه ولا أُخْرَاه، بخِلَافِ الهِبَةِ والعِتْقِ المُنْجَزِ، فإنَّه يُفَوِّتُ من مالِه ما يَحْتاجُ إليه، وإذا رُدَّتْ رَجَعَتْ إليه، وههُنا لا يَرْجِعُ إليه بالرَّدِّ، والطِّفْلُ لا عَقْلَ له، ولا يَصِحُّ إسْلَامُه ولا عِبَادَاتُه. وقوله: "إذا وافَقَ الحَقَّ". يعني
стр. 4309
إذا وَصَّى بِوَصِيَّةٍ يَصِحُّ مِثْلُها من البالِغِ (٣)، صَحَّتْ منه، [ومالا] (٤) فلا. قال شُرَيْحٌ، وعبدُ اللَّه بن عُتْبَةَ، وهما قاضِيَانِ: مَنْ أصَابَ الحَقَّ أجَزْنَا وَصِيَّتَه.
فصل: فأما الطِّفْلُ، وهو مَنْ له دون السَّبْعِ، والمَجْنُونُ، والمُبَرْسَمُ، فلا وَصِيَّةَ لهم. وهذا قولُ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ، منهم؛ حُمَيْدُ بن عبد الرحمنِ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، ومَنْ تَبِعَهُم. ولا نَعْلَمُ أحدًا خالَفَهُم إلَّا إياسَ بن مُعَاوِيةَ، قال في الصَّبىِّ والمَجْنُونِ (٥): إذا وافَقَتْ وَصِيَّتُهُما (٦) الحَقَّ جازَتْ. وليس بِصَحِيحٍ؛ فإنَّه لا حُكْمَ لِكَلَامِهِما، ولا تَصِحُّ عِبَادَتُهُما، ولا شيءٌ من تَصَرُّفاتِهِما، فكذا الوَصِيَّةُ، بل أَوْلَى، فإنَّه إذا لم يَصِحَّ إسْلَامُه وصَلَاتُه التي هي مَحْضُ نَفْعٍ لا ضَرَرَ فيها، فَلأنْ لا يَصِحَّ بَذْلُه المالَ يَتَضَرَّرُ به وَارِثُه أَوْلَى، ولأنَّها تَصَرُّفٌ يَفْتَقِرُ إلى إِيجاب وقَبُولٍ، فلا يَصِحُّ منهما، كالبَيْعِ والهِبَةِ.
فصل: فأمَّا المَحْجُورُ عليه لِسَفَهٍ، فإنَّ وَصِيَّتَه تَصِحُّ، في قِيَاسِ قولِ أحمدَ. قال الْخَبْرِىُّ: وهو قولُ الأَكْثَرِينَ. وقال أبو الخَطّابِ: في وَصِيَّتِه وَجْهانِ. ولَنا، أنَّه عاقِلٌ تَصِحُّ وَصِيَّتُه، كالصَّبِىِّ العاقِلِ، ولأنَّ وَصِيَّتَه تَمَحَّضَتْ نَفْعًا له من غيرِ ضَرَرٍ، فصَحَّتْ كَعِبادَاتِه. وأمَّا الذي يُجَنُّ أحْيانًا، ويُفِيقُ أحْيانًا، فإنْ وَصَّى حالَ جُنُونِه لم تَصِحَّ، وإن وَصَّى في حالِ عَقْلِه صَحَّتْ وَصِيَّتُه؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ العُقَلَاءِ في شَهَادَتِه، ووُجُوبِ العِبَادَةِ عليه، فكذلك في وَصِيَّتِه وتَصَرُّفاتِه. ولا تَصِحُّ وَصِيَّةُ السَّكْرانِ. وقال أبو بكرٍ: فيه قَوْلانِ. يعني وَجْهَيْنِ. ولَنا، أنَّه ليس بِعَاقِلٍ، فلا تَصِحُّ وَصِيَّتُه، كالمَجْنُونِ. وأمَّا إِيقاعُ طَلَاقِه، فإنَّما أَوْقَعَه مَنْ أَوْقَعَه تَغْلِيظًا عليه، لِارْتِكَابِه المَعْصِيَةَ، فلا يَتَعَدَّى هذا إلى وَصِيَّتِه؛ فإنَّه لا ضَرَرَ عليه فيها، إنَّما الضَّرَرُ على وَارِثِه. وأمَّا
стр. 4310
الضَّعِيفُ في عَقْلِه، فإن مَنَعَ ذلك رُشْدَه في مالِه، فهو كالسَّفِيه، وإلَّا فهو كالعاقِلِ.
فصل: وتَصِحُّ وَصِيَّةُ الأَخْرَسِ إذا فُهِمَتْ إشارتُه (٧)؛ لأنَّها أُقِيمَتْ مُقَامَ نُطْقِه في طَلَاقِه ولِعَانِه وغيرِهما، فإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه، فلا حُكْمَ لها. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافِعِيِّ، وغيرِهما. فأمَّا النَّاطِقُ إذا اعْتُقِلَ لِسَانُه، فعُرِضَتْ عليه وَصِيَّتُه، فأشَارَ بها، وفُهِمَتْ إشَارَتُه، لم تَصِحَّ وَصِيّتُه. ذَكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، والأَوْزَاعِيُّ، وأبو حنيفةَ. وقال الشافِعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: تَصِحُّ وَصِيَّتُه؛ لأنَّه غيرُ قادِرٍ على الكَلَامِ، أشْبَهَ الأَخْرَسَ. واحْتَجَّ ابنُ المُنْذِرِ بأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ صَلَّى وهو قاعِدٌ، فأشَارَ إليهم، فقَعَدُوا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٨). وخَرَّجَهُ ابنُ عَقِيلٍ وَجْهًا إذا اتَّصَلَ بِاعْتِقالِ لِسَانِه المَوْتُ. ولَنا، أنَّه غيرُ مَأْيُوسٍ من نُطْقِه، فلم تَصِحَّ وَصِيَّتُه بإشَارَتِه، كالقادِرِ على الكلَامِ. والخَبَرُ لا يُلْزِمُ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ كان قادِرًا على الكَلَامِ، ولا خِلَافَ في أنَّ إشَارةَ القادِرِ لا تَصِحُّ بها وَصِيّةٌ ولا إقْرَارٌ، ففَارَقَ الأخْرَسَ، لأنَّه مَأْيُوسٌ من نُطْقِه.
فصل: وإن وَصَّى عَبْدٌ أو مُكَاتَبٌ أو مُدَبَّرٌ أو أُمُّ وَلَدٍ وَصِيَّةً، ثم ماتُوا على الرِّقِّ، فلا وَصِيَّةَ لهم؛ لأنَّه لا مالَ لهم. وإن عَتَقُوا (٩) ثم ماتُوا ولم يُغَيِّرُوا وَصِيَّتَهُمْ، صَحَّتْ؛ لأنَّ لهم قولًا صَحِيحًا وأهْلِيّةً تامّةً، وإنَّما فارَقُوا الحُرَّ بأنَّهم لا مالَ لهم، والوَصِيَّةُ تَصِحُّ مع عَدَمِ المالِ، كما لو وَصَّى الفَقِيرُ الذي لا شىءَ له، ثم اسْتَغْنَى. وإن قال أحَدُهُم: متى