← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

الوَصِيَّةِ الثالثةِ (١٣)، يَبْقَى أرْبَعَةَ عَشَرَ، فهى النَّصِيبُ، فادْفَعْها إلى المُوصَى له بالنَّصِيبِ، ثم ادْفَعْ إلى الثانِى نِصْفَ ما يَبْقَى من الثُّلُثِ، وهو سَبْعَةٌ، وإلى الثالِثِ رُبْعَ المالِ أحَدًا وعِشْرِينَ، يَبْقَى اثْنانِ وأرْبَعُونَ، لكلِّ ابنٍ أرْبَعَةَ عَشَرَ. وبالطَّرِيقِ الثاني، تَزِيدُ على عَدَدِ البَنِينَ نِصْفَ سَهْمٍ، وتَضْرِبُ ثَلَاثَةً ونِصْفًا في أرْبَعةٍ وعِشْرِينَ، تكن أرْبَعةً وثَمانِينَ. وبالطَّرِيقِ الثالِثِ، تَعْمَلُ في هذه كما عَمِلْتَ في التي قَبْلَها، فإذا بَلَغَتْ أحَدًا وعِشْرِينَ، ضَرَبْتَها في أرْبعةٍ من أجْلِ الرُّبْعِ، تكُنْ أرْبَعةً وثَمانِينَ. وبِطَرِيقِ النَّصِيبِ تَفْرِضُ المالَ سِتَّةَ أسْهُمٍ، وثَلَاثةَ أنْصِبَاء، تَدْفَعُ نَصِيبًا إلى صاحِبِ النَّصِيبِ، وإلى الآخَرِ سَهْمًا، وإلى صاحِبِ الرُّبْعِ سَهمًا ونِصْفًا وثَلَاثَةَ أرْباعِ نَصِيبٍ، ويَبْقَى من المالِ نَصِيبٌ ورُبْعٌ وثَلَاثةُ أسْهُمٍ ونِصْفٌ لِلْوَرَثةِ، يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أنْصِبَاء، فأَسْقِطْ نَصِيبًا ورُبْعًا بمثلِها، يَبْقَى ثَلَاثَةُ أسْهُمٍ ونِصْفٌ، يَعْدِلُ نَصِيبًا وثَلَاثَةَ أرْباعٍ، فالنَّصِيبُ إذًا سَهْمانِ، فابْسُط الثَّلاثَةَ الأنْصِباءَ، تكُنْ سِتّةً، فصارَ المالُ اثْنَى عَشَرَ، ومنها يَصِحُّ، لِصَاحِبِ النَّصِيبِ سَهْمانِ، وللآخَرِ نِصْفُ باقِى الثُّلُثِ سَهْمٌ، ولِصَاحِبِ الرُّبْعِ ثَلَاثَةٌ، تَبْقَى سِتّةٌ، لكلِّ ابْنٍ سَهْمانِ. وهذا أخْصَرُ وأحْسَنُ. وبالجَبْرِ، تَأْخُذُ مالًا تَدْفَعُ منه نَصِيبًا، يَبْقَى مالٌ إلَّا نَصِيبًا، تَدْفَعُ نِصْفَ باقِى ثُلُثِه، وهو سُدُسٌ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، يَبْقَى من المالِ خَمْسَةُ أسْداسٍ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، تَدْفَعُ منها رُبْعَ المالِ، يبْقَى ثُلُثُ المالِ (١٤) ورُبْعُه إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، يَعْدِلُ ثَلَاثةَ أنْصِبَاء، اجْبُرْ وقابِلْ وقَلِّبْ وحَوِّلْ، يكُن النَّصِيبُ سَبْعةً، والمالُ اثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ، ثم تَضْرِبُها في اثْنَيْنِ، لِيَزُولَ الكَسْرُ، يَرْجِعُ إلى أرْبَعةٍ وثَمانِينَ. فصل: فإن كانت الوَصِيّةُ الثالِثةُ بِرُبْعِ ما بَقِىَ من المالِ بعدَ الوَصِيّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، فاعْمَلْها بطَرِيقِ النَّصِيبِ، كما ذَكَرْنا، يَبْقَى معك ثلاثَةُ أسْهُمٍ وثلاثةُ أرْباعِ سَهْمٍ (١٤) تَعْدِلُ نَصِيبًا ونِصْفًا، ابْسُطْهَا (١٥) أرْباعًا، تكُنِ السِّهَامُ خَمْسَةَ عَشَرَ،

стр. 4237

والأنْصِبَاءُ سِتّةً، تُوَفِّقُهُما (١٦) وتَرُدُّهُما إلى وَفْقَيْهِما، تَصِيرُ خَمْسَةَ أسْهُمٍ، تَعْدِلُ نَصِيبَيْنِ، اقْلِبْ واجْعَلِ النَّصِيبَ خَمْسَةً والسَّهْمَ اثْنَيْنِ، وابْسُطْ ما معك، يَصِرْ سَبْعةً وعِشْرِينَ، فَادْفَعْ خَمْسَةً إلى صاحِبِ النَّصِيبِ، وإلى الآخَرِ نِصْفَ باقِي الثُّلُثِ سَهْمَيْنِ، وإلى الآخَرِ رُبْعَ الباقِى خَمْسَةً، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ، لكلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ. وهذا الطَّرِيقُ أخْصَرُ. وإن عَمِلْتَ بالطَّرِيقِ الثاني, أخَذَتْ أرْبَعةً وعِشْرِينَ، فنَقَصْتَ سُدُسَها ورُبْعَ الباقِى، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ، فهى النَّصِيبُ، ثم زِدْتَ على عَدَدِ البَنِينَ سَهْمًا، ونَقَصْتَ نِصْفَه ورُبْعَ الباقِى (١٧) منه، يَبْقَى ثلاثةُ أثْمانٍ، رُدَّهَا على سِهَامِ البَنِينَ، تكُنْ (١٨) ثَلَاثةً، وثلاثةَ أثْمانِ، تَضرِبُها في أرْبعَةٍ وعِشْرِينَ، تكُنْ أحَدًا وثَمانِينَ، ومنها تَصِحُّ، وبالجَبْرِ تُفْضِى إلى ذلك أيضًا. فصل: وإن خَلَّفَ أُمًّا وأُخْتًا وعَمًّا، وأَوْصَى لِرَجُلٍ بمثلِ نَصِيبِ العَمِّ، وسُدُسِ ما يَبْقَى، ولآخَرَ بمثل نَصِيبِ الأُمِّ ورُبْعِ ما يَبْقَى، ولآخَرَ بمثل نَصِيبِ الأُخْتِ وثُلُثِ ما يَبْقَى، فاعْمَلْها بالمَنْكُوسِ، وقُلْ: أصْلُ المَسْألةِ سِتّةٌ، فابْدَأ بآخِرِ الوَصَايَا، فقل: هذا مالٌ ذَهَبَ ثُلُثُه، فَزِدْ عليه نِصْفَه ثَلَاثةً، ومثلَ نَصِيبِ الأُخْتِ ثَلَاثَةً، صارَتْ اثْنَى عَشَرَ، ثم قُلْ: هذا بَقِيّةُ مالٍ ذَهَبَ رُبْعُه، فَزِدْ عليه (١٩) ثُلُثَه، ومثلَ نَصِيبِ الأُمِّ سِتّةً، صار ثمانِيةَ عشرَ (٢٠)، ثم قُلْ: هذا بَقِيّةُ مالٍ ذَهَبَ سُبْعُه، فَزِدْ عليه سُدُسَه، ونَصِيبَ العَمِّ، صارَ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، ومنه تَصِحُّ. فصل: في الاسْتِثْناءِ، إذا خَلَّفَ ثلاثةَ بَنِينَ، وأَوْصَى بمثلِ نَصِيبِ أحَدِهم إلَّا رُبْعَ المالِ، فخُذْ مَخْرَجَ الكَسْرِ أرْبَعةً، وزِدْ عليها سَهْمًا، تكُنْ خَمْسةً، فهذا النَّصِيبُ،

стр. 4238

وَزِدْ على عَدَدِ البَنِينَ واحِدًا، واضْرِبْه في مَخْرَجِ الكَسْرِ، تكُنْ سِتّةَ عَشَرَ، ، تَدْفَعُ إلى الوَصِىِّ خَمْسةً، وتَسْتَثْنِى منه أرْبَعةً يَبْقَى له (٢١) سَهْمٌ، ولكلِّ ابْنٍ خَمْسةٌ. وإن شِئْتَ خَصَصْتَ كلَّ ابْنٍ بِرُبْعٍ، وقَسَمْتَ الرُّبْعَ الباقِىَ بينه وبينهم على أرْبَعةٍ. فإن قال: إلَّا رُبْعَ الباقِى بعدَ النَّصِيبِ. فَزِدْ على سِهَامِ البَنِينَ سَهْمًا ورُبْعًا، واضْرِبْهُ في أرْبَعةٍ، تكُنْ سَبْعَةَ عَشَرَ، لِلْوَصِىِّ سَهْمانِ، ولكلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ. وبالجَبْرِ، تَأْخُذُ مالًا، وتَدْفَعُ منه نَصِيبًا إلى المُوصَى له، وتَسْتَثْنِى منه رُبْعَ الباقِى، وهو رُبْعُ مالٍ إلَّا رُبْعَ نَصِيبٍ، صارَ معك مالٌ ورُبْعٌ إلَّا نَصِيبًا ورُبْعًا، يَعْدِلُ أنْصِبَاء البَنِين، وهى ثَلَاثةٌ، اجْبُرْ وقابِلْ، يَخْرُجِ النَّصِيبُ خَمْسَةً، والمالُ سَبْعَةَ عَشَرَ. فإن قال: إلَّا رُبْعَ الباقِى بعدَ الوَصِيَّةِ. جَعَلْتَ المَخْرَجَ ثَلَاثةً، وزِدْتَ عليه ثُلُثَه، صارَ أرْبَعةً، فهو النَّصِيبُ، وتَزِيدُ على عَدَدِ البَنِين نَصِيبًا وثُلُثًا، وتَضْرِبُه في ثلاثةٍ، تكُنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، فهو المالُ. وإن شِئْتَ قلتَ: المالُ كلُّه ثلاثةُ أنْصِبَاء ووَصِيَّةٌ، والوَصِيّةُ هي نَصِيبٌ إلَّا رُبْعَ الباقِى بعدَها، وذلك ثَلَاثَةُ أَرْباعِ نَصِيبٍ، فيبْقَى رُبْعُ نَصِيبٍ، فهو الوَصِيّةُ، وتَبَيَّنَ أنَّ المالَ كلَّه ثَلَاثَةٌ ورُبْعٌ، ابْسُطْها، تكُنْ ثَلَاثةَ عَشَرَ. ولهذه المسائِل طُرُقٌ سِوَى ما ذَكَرْنا. واللهُ أعلمُ. فصل: وإن قال: أَوْصَيْتُ لك بمثل نَصِيبِ أحَدِ بَنِىَّ إلَّا ثُلُثَ ما يَبْقَى من الثُّلُثِ. فَخُذْ مَخْرَجَ الكَسْرِ (٢٢) ثُلُثَ الثُّلُثِ، وهو تِسْعَةٌ وَزِدْ عليها سَهْمًا، تكُنْ عَشرَةً، فهى النَّصِيبُ، وزِدْ على أنْصِبَاءِ البَنِينَ سَهْمًا وثُلُثًا، واضْرِبْ ذلك في تِسْعةٍ، تكُنْ تِسْعَةً وثَلَاثِينَ، ادْفَعْ عَشرَةً إلى الوَصِىِّ، واستَثْنِ منه ثُلُثَ بَقِيَّةِ الثُّلُثِ سَهْمًا، يَبْقَى له تِسْعَةٌ، ولكلِّ ابْنٍ عَشرَةٌ. وإن قال: إلَّا ثُلُثَ ما يَبْقَى من الثُّلُثِ بعدَ الوَصِيّةِ. جَعَلْتَ المالَ سِتَّةً، وزِدْتَ عليها سَهْمًا، صارَتْ سَبْعةً، فهذا هو النَّصِيبُ، وَزِدْتَ على أنصِباءِ البَنِينَ سَهْمًا ونِصْفًا،

стр. 4239

وَضَربْتَه في سِتَّةٍ، صار سَبْعةً وعِشرِينَ، ودَفَعْتَ إلى الوَصىِّ سَبْعةً، وأخَذْتَ منه (٢٣) نِصْفَ بَقِيّةِ الثُّلُثِ، بَقِىَ معه سِتّةٌ، وبَقِىَ أحَدٌ وعِشْرُونَ، لكلِّ ابْنٍ سَبْعةٌ، وإنَّما كان كذلك، لأنَّ الثُّلُثَ بعد الوَصِيَّةِ هو النِّصْفُ بعدَ النَّصِيبِ، ومتى أطْلَقَ الاسْتِثْناءَ، فلم يَقُلْ: بعد النَّصِيبِ ولا بعد (٢٤) الوَصِيّةِ. فعند الجُمْهُورِ يُحْمَلُ على ما بعدَ النَّصِيبِ، وعند محمدِ بن الحَسَنِ والبَصْرِيِّينَ يكونُ بعدَ الوَصِيّةِ. فصل: فإن قال: إلَّا خُمْسَ ما يَبْقَى من المالِ بعدَ النَّصِيبِ، ولآخَرَ بثُلُثِ ما يَبْقَى من المالِ بعد وَصِيَّةِ الأوَّلِ، فَخُذِ المَخْرَجَ (٢٥) خَمْسةً، وَزِدْ عليها خُمْسَها، تكُنْ سِتّةً، انْقُصْ ثُلُثَها من أجْلِ الوَصِيَّةِ بالثُّلُثِ، يَبْقَى أرْبَعةٌ، فهى النَّصِيبُ، ثم خُذْ سَهْمًا، وزِدْ عليه خَمْسةً، وانْقُصْ من ذلك ثُلُثَه، يَبْقَى أرْبَعةُ أخْماسٍ، زِدْها على أنْصِبَاء البَنِينَ، واضْرِبْها في خَمْسةٍ، تَصِرْ تِسْعةَ عَشَرَ، فهى المالُ، ادْفَعْ إلى الأَوَّلِ أرْبَعةً، واسْتَثْنِ منه خُمْسَ (٢٦) الباقِى ثَلَاثَةٌ، يَبْقَ معه سَهْمٌ، فادْفَعْ إلى الآخَرِ ثُلُثَ الباقى سِتّةً، يَبْقَ اثْنَا عَشَرَ، لكلِّ ابْنٍ أرْبَعةٌ. وبالجَبْرِ خُذْ مالًا، وأَلْقِ منه نَصِيبًا، واسْتَرْجِعْ منه خُمْسَ الباقِى، يَصِرْ معك مالٌ وخُمْسٌ إلَّا نَصِيبًا وخُمْسًا، أَلْقِ منه (٢٧) ثُلُثَ ذلك، يَبْقَ أرْبَعةُ أخْماسِ مالٍ إلَّا أَرْبَعةَ أخْماسِ نَصِيبٍ، تَعْدِلُ ثلاثَةَ أنْصِبَاء، اجْبُرْ وقابِلْ وابْسُطْ، يكنِ المالُ تِسْعَةَ عَشَرَ، والنَّصِيبُ أرْبَعةً. وإن شِئْتَ قُلْتَ: أنْصِبَاءُ البَنِين ثَلَاثَةٌ، وهى بَقِيَّةُ مالٍ ذَهَبَ ثُلُثُه، فَزِدْ عليه نِصْفَه، يَصِرْ أرْبَعةَ أنْصِباءَ ونِصْفًا ووَصِيَّةً، والوَصِيَّةُ هي نَصِيبٌ إلَّا خُمْسَ الباقِى، وهو نِصْفُ نَصِيبٍ وخُمْسُ [نَصِيبٍ، وخُمْسُ] (٢٨) وَصِيّةٍ، أسقِطْهُ من النَّصِيبِ، يَبْقَ خُمْسُ نَصِيبٍ وعُشْرُ

стр. 4240

نَصِيبٍ إلَّا خُمْسَ وَصِيَّةٍ، تَعْدِلُ وَصِيّةً، اجْبُرْ وقابِلْ وابْسُطْ، تَصِر ثَلَاثةً من النَّصِيبِ، تَعْدِلُ اثْنَى عَشَرَ سَهْمًا من الوَصِيَّةِ، وهى تَتّفِقُ بالأَثْلَاثِ، فرُدَّها على وَفْقِهَا، تَصِر سَهْمًا، يَعْدِلُ أرْبَعةً، فالوَصِيَّةُ سَهْمٌ، والنَّصِيبُ أرْبَعةٌ، فابْسُطْها، تكُنْ تِسْعَةَ (٢٩) عَشَرَ. فإن كان الاسْتِثْناءُ بعدَ الوَصِيَّةِ، قلتَ: المالُ أرْبَعةُ أسْهُمٍ ونِصْفُ وَصِيَّة، وهي نَصِيبٌ إلَّا خُمْسَ الباقِى، وهو تِسْعةُ أعْشارِ نَصِيبٍ، يَبْقَى عُشْرُ نَصِيبٍ، فهو الوَصِيَّةُ. فَابْسُطِ الكُلَّ أعْشارًا تَكُن الأنْصِبَاءُ خَمْسةً وأرْبَعِينَ، والوَصِيَّةُ سَهْمٌ. وإن كان اسْتَثْنَى خُمْسَ المالِ كلَّه، فالوَصِيَّةُ عُشْرُ نَصِيبٍ إلَّا خُمْسَ وَصِيَّةٍ، اجْبُرْ يَصِرِ العُشْرُ يَعْدِلُ وَصِيَّةً وخُمْسًا، ابْسُطْ يَصِرِ النَّصِيبُ سِتِّينَ، والوَصِيّةُ خَمْسةً، والمالُ كلُّه مائتَانِ وخَمْسةٌ وسَبْعُونَ، ألْقِ منها سِتِّينَ، واسْتَرْجِعْ منه خُمْسَ المالِ، وهو خَمْسةٌ وخَمْسُونَ، يَبْقَ له خَمْسةٌ، وللآخَرِ ثُلُثَا الباقِى تِسْعُونَ، ويَبْقَى مائةٌ وثَمانُونَ، لكلِّ ابنٍ سِتُّونَ، وتَرْجِعُ بالاخْتِصارِ إلى خُمْسِها، وذلك خَمْسةٌ وخَمْسُونَ، لِلْوَصِىِّ الأوَّلِ سَهْمٌ، وللثانى ثمانِيةَ عَشَرَ، ولكلِّ ابنٍ اثنا عَشَرَ. وبالجَبْرِ، تَأْخُذُ مالًا تُلْقِى منه نَصِيبًا، وتَزِيدُ على المالِ خَمْسةً، يَصِرْ مالًا وخُمْسًا إلَّا نَصِيبًا، ألْقِ ثُلُثَ ذلك، يَبْقَ أرْبَعةُ أخْماسِ مالٍ إلَّا ثُلُثَىْ نَصِيبٍ، يَعْدِلُ ثَلَاثةً، اجْبُرْ وقابِلْ وابْسُطْ، يكُنِ المالُ ثمانِيةَ عَشَرَ وثُلُثًا، اضْرِبْها في ثلاثةٍ، لِيَزُولَ الكَسْرُ، يَصِرْ خَمْسةً وخَمْسِينَ. وإن كان اسْتَثْنَى الخُمْسَ كلَّه، وأَوْصَى بالثُّلُثِ كلِّه، فخُذْ مَخْرَجَ الكَسْرَيْنِ خَمْسةَ عَشَرَ، وزِدْ عليها خُمْسَها، ثم انْقُصْ ثُلُثَ المالِ كلَّه، يَبْقَ ثَلَاثةَ عَشَرَ، فهى النَّصِيبُ، وزِدْ على أَنْصِباءِ البَنِين سَهْمًا، واضْرِبْه في المالِ، يَكُنْ سِتِّينَ، وهو المالُ. وإن كان اسْتَثْنَى خُمْسَ الباقِى، وأَوْصَى بثُلُثِ المالِ كلِّه، فالعَمَلُ كذلك، إلَّا أنَّك تَزِيدُ على سِهَامِ البَنِينَ سَهْمًا وخُمْسًا، وتَضرِبُها، تكُنْ ثلاثةً وسِتِّينَ، فإن كان اسْتَثْنَى خُمْسَ ما بَقِىَ من الثُّلُثِ، زِدْتَ على الخَمْسَة عَشَرَ سَهْمًا واحِدًا، فصارتْ سِتَّةَ عَشَرَ، ثم نَقَصْتَ ثُلُثَ المالِ كلَّه، بَقِىَ أحَدَ عَشَرَ، فهى النَّصِيبُ، ثم زِدْتَ

стр. 4241

على (٣٠) سِهَامِ البَنِينَ سَهْمًا وخُمْسًا، وضَرَبْتَها في خَمْسةَ عَشَرَ، تَكُنْ ثلاثةً وسِتِّينَ، تَدْفَعُ إلى الوَصِىِّ الأوَّلِ أحَدَ عَشَرَ، وتَسْتَثْنِى منه خُمْسَ بَقِيّةِ الثُّلُثِ سَهْمَيْنِ، يَبْقَى معه تِسْعةٌ، وتَدْفَعُ إلى صاحِبِ الثُّلُثِ إحْدَى وعِشْرِينَ، يَبْقَى ثلاثةٌ وثلاثُونَ، لكلِّ ابْنٍ أحَدَ عَشَرَ، فإن كانت الوَصِيّةُ الثانيةُ بثُلُثِ باقِى المالِ، زِدْتَ على الخَمْسةَ عَشَرَ واحِدًا، ثم نَقَصْتَ ثُلُثَ السِّتّةَ عَشَرَ، ولا ثُلُثَ لها، فاضْرِبْها في ثلاثةٍ، تكُنْ ثمانِيةً وأرْبَعِينَ، انْقُصْ ثُلُثَها، يَبْقَى اثْنانِ وثلاثُونَ، فهى النَّصِيبُ، وخُذْ سَهْمًا، وزِدْ عليه خَمْسةً، ثم انْقُصْ ثُلُثَ ذلك من أجْلِ الوَصِيّةِ بثُلُثِ الباقِى، يَبْقَى أرْبَعةُ أخْماسٍ، زِدْها على سِهَامِ الوَرَثةِ، واضْرِبْها في خَمْسةٍ وأرْبَعِينَ، تكُنْ مائةً وإحْدَى وسَبْعِينَ. ومنها تَصِحُّ. فصل: فإن خَلَّفَ أرْبعةَ بَنِينَ، وأَوْصَى لِرَجُلٍ بثُلُثِ مالِه إلَّا نَصِيبَ أحَدِهِم، أو أَوْصَى له بتَكْمِلَةِ الثُّلُثِ على نَصِيبِ أحَدِهم، فله التُّسْعُ. وحِسَابُها أن تَدْفَعَ إلى الوَصِىِّ وابْنٍ ثُلُثَ المالِ، يَبْقَى ثُلُثاه لثلاثةِ بَنِينَ، لكلِّ واحدٍ تُسْعانِ، فعَلِمْتَ أنَّ نَصِيبَ الابْنِ من الثُّلُثِ تُسْعانِ، يَبْقَى تُسْعٌ لِلْوَصِىِّ. وإن وَصَّى لآخَرَ بخُمْسِ ما يَبْقَى من المالِ بعدَ الوَصِيَّةِ الأُولَى، عَزَلْتَ ثُلُثَ المالِ، ثم أخَذْتَ منه نَصِيبًا، ورَدَدْتَه على الثُّلُثَيْنِ، ودَفَعْتَ إلى الوَصِىِّ الثاني خُمْسَ ذلك، يَبْقَى من المالِ ثُلُثُه وخُمْسُه وأرْبَعةُ أخْماسِ نَصِيبٍ لِلْوَرَثَةِ، فأسْقِطْ أرْبَعةَ أخْماسِ نَصِيبٍ بمثْلِها، يَبْقَ له (٣١) ثُلُثُهُ (٣٢) وخُمْسٌ، تَعْدِلُ ثُلُثًا وخُمْسًا، فنِصْفُ المالِ إذًا يَعْدِلُ ثَلَاثةَ أنْصِبَاءَ، والمالُ كلُّه سِتَّةٌ لِلْوَصِيَّيْنِ والبَنِينَ لكلِّ واحدٍ سَهْمٌ. (طريقٌ آخَرُ) سِهَامُ البَنِين أرْبَعةٌ، وهى بَقِيّةُ مالٍ ذَهَبَ خُمْسُه، فَزِدْ عليه رُبْعَهُ لِلْوَصِىِّ الثاني, صارَتْ خَمْسةً، ثم زِدْ على سَهْمِ ابْنٍ ما يَكْمُلُ به الثُّلُثُ، وهو سَهْمٌ آخَرُ فصارَتْ سِتّةً. وإن شِئْتَ فَرَضْتَ المالَ خَمْسةَ أسْهُمٍ وتَكْمِلَةً،

стр. 4242

ودَفَعْتَ التَّكْمِلةَ إلى صَاحِبِها، وخُمْسَ الباقِى إلى صاحِبِه، ويَبْقَى لكل ابْنٍ سَهْمٌ. وقد عَلِمْتَ أن سَهْمَ ابْنٍ مع التَّكْمِلَةِ ثُلُثُ المالِ، وأنَّ الباقِىَ بَعْدَهُما الثُّلُثانِ، وهى أرْبَعةُ أسْهُمٍ، فقابِلْ بهما (٣٣) نِصْفَ الأَرْبَعةِ، وهى سَهْمانِ، فتَبَيَّن أنَّ التَّكْمِلَةَ سَهْمٌ. فصل: وإن أَوْصَى لِرَجُلٍ بمثلِ نَصِيبِ أحَدِ بَنِيه، وهم ثلاثةٌ، ولآخَرَ بثُلُثِ ما يَبْقَى من الثُّلُثِ، ولآخَرَ بدِرْهَمٍ، فاجْعَلِ المالَ تِسْعَةَ دَرَاهِم وثَلَاثةَ أنْصِباءَ (٣٤)، فَادْفَعْ إلى الوَصِىِّ الأوَّلِ نَصِيبًا، وإلى الثاني والثالِثِ دِرْهَمَيْنِ، بَقِىَ سَبْعةٌ ونَصِيبَانِ، ادْفَعْ نَصِيبَيْنِ إلى ابْنَيْنِ، يَبْقَى سَبْعَةٌ للابْنِ الثالِثِ، فالنَّصِيبُ سَبْعةٌ، والمالُ ثلاثُونَ، فإن كانت الوَصِيّةُ الثالثِةُ بِدِرْهَمَيْنِ، فالنَّصِيبُ سِتّةٌ والمالُ سَبْعةٌ وعِشْرُونَ. فصل: وإن تَرَكَ سِتَّمائةٍ، ووَصَّى لأَجْنَبِىٍّ بمائةٍ, ولآخَرَ بتَمامِ الثُّلُثِ، فلكلِّ واحدٍ منهما مائةٌ، فإن رَدَّ الأَوّلُ وَصِيَّتَه فللآخَرِ مائةٌ. وإن وَصَّى للأوَّلِ بمائتَيْنِ، وللآخَرِ بِبَاقِى الثُّلُثِ، فلا شىءَ للثانى، سواءٌ رَدَّ الأوّلُ وَصِيَّتَه أو أجازَها. وهذا قِياسُ قولِ الشافِعِىِّ، وأهْلِ البَصْرَةِ. وقال أهْلُ العِرَاقِ: إن رَدَّ الأوَّلُ، فلِلثَّانِى مائتَانِ في المَسْأَلَتَيْنِ. ولَنا، أنَّ المائتَيْنِ ليستْ باقِىَ الثُّلُثِ، ولا تَتِمَّتَه، فلا يكونُ مُوصًى بها للثانِى، كما لو قَبِلَ الأوَّلُ. ولو وَصَّى لِوَارِثٍ بثُلُثِه، ولآخَرَ بتَمامِ الثُّلُث، فلا شىءَ للثانى. وعلى قولِ أهْلِ العِرَاقِ، له الثُّلُثُ كامِلًا. فصل: وإن أَوْصَى لِرَجُلٍ بثُلُثِ مالِه، ولآخَرَ بمائةٍ، ولثالِثٍ بتَمَامِ الثُّلُثِ على المائةِ، ولم يَزِد الثُّلُثُ على مائةٍ، بَطَلَتْ وَصِيَّةُ التَّمامِ. وإن زادَ على مائةٍ، وأجَازَ الوَرَثَةُ، أُمْضِيَتْ وَصَاياهم على ما أَوْصَى لهم به. وإن رَدُّوا، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، يُرَدُّ كلُّ واحدٍ منهما إلى نِصْفِ وَصِيَّتِه؛ لأنَّ الوَصَايَا رَجَعَتْ إلى نِصْفِها، فيَدْخُلُ النَّقْصُ على كلِّ واحدٍ بِقَدْرِ مالَه في الوَصِيَّةِ, كسائِرِ الوَصَايَا. والثانى, لا شىءَ

стр. 4243

لصاحِبِ التَّمامِ حتى تَكْمُلَ المائةُ لِصَاحِبِها، ثم يكونُ الثُّلُثُ بين الوَصِيَّيْنِ الآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ، ويُزَاحِمُ صاحِبُ المائةِ صاحِبَ (٣٥) التَّمامِ، ولا يُعْطِيه شيئًا؛ لأنَّه إنَّما يَستَحِقُ بعد تَمَامِ المائةِ لِصَاحِبِها، وما تَمَّتْ له. ويجوزُ أن يُزَاحِمَ به ولا يُعْطِيه، كالأَخِ من الأبَوَيْنِ، يُزَاحِمُ الجَدَّ بالأَخِ من الأَبِ، ولا يُعطِيه شَيْئًا. ٩٦٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا أَوْصَى لِزَيْدٍ بِنِصْفِ مَالِهِ، ولِعَمْرٍو بِرُبْعِ مَالِهِ، ولَمْ يُجِزْ ذلِكَ الْوَرَثَةُ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أسْهُمٍ؛ لِعَمْرٍو سَهْمٌ، ولِزَيْدٍ سَهْمانِ) وجملتُه أنَّه إذا أَوْصَى بأَجْزَاءَ من المالِ، أخَذْتَها من مَخْرَجِها، وقَسَمْتَ الباقِىَ على الوَرَثَةِ. وإن لم يُجِيزُوا، قَسَمْتَ الثُّلُثَ بين الأَوْصِيَاءِ على قَدْرِ سِهَامِهِم، في حالِ الإِجَازَةِ، وقَسَمْتَ الثُّلُثَيْنِ على الوَرَثَةِ، ولا فَرْقَ بين أن يكون في (١) المُوصَى لهم من تُجَاوِزُ وَصِيَّتُه الثُّلُثَ أو لا. هذا قولُ الجُمْهُورِ، منهم؛ الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، وابنُ أبي لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، والشافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنِيفةَ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَضْرِبُ المُوصَى له في حالِ الرَّدِّ بأكْثَرَ من الثُّلُثِ؛ لأنَّ ما جاوَزَ الثُّلُثَ باطِلٌ، فكيف يَضْرِبُ به؟ ولَنا، أنَّه (٢) فاضَل بينهما في الوَصِيَّةِ فلم تَجُزِ التَّسْوِيَةُ، كما لو وَصَّى بِثُلُثٍ ورُبْعٍ، أو بمائةٍ ومائتَيْنِ، ومالُه أرْبَعُمائة. وهذا يُبْطِلُ ما ذَكَرُوه، ولأنَّها وَصِيَّةٌ صَحِيحةٌ، ضاقَ عنها الثُّلُثُ، فتُقْسَمُ (٣) بينهم على قَدْرِ الوَصَايَا، كالثُّلُثِ والرُّبْعِ. وليس الأمْرُ على ما قالُوه في بُطْلانِ الوَصِيَّةِ، فإنَّ الوَصِيّةَ صَحِيحَةٌ على ما ذَكَرْناه فيما مَضَى. فعلى هذا إذا أوْصَى لِزَيدٍ بِنِصْفِ مالِه، ولِعَمْرٍو بِرُبْعِه، فلِلْمُوصَى لهما ثَلَاثَةُ أرْباعِ المالِ، إن أجَازَ

стр. 4244

الوَرَثةُ، ويَبْقَى لهم الرُّبْعُ. وإن رَدُّوا، فالثُّلُثُ بين الوَصِيَّيْنِ على ثلاثةٍ، والمَسْأَلةُ كلها من تِسْعةٍ. وإن أجَازُوا لأحَدِهِما دون صاحِبِه، ضَرَبْتَ مَسْألَةَ الرَّدِّ في مَسْأَلَةِ الإِجَازَةِ، وأعْطَيْتَ المُجازَ له سَهْمَه من مَسْأَلةِ الإِجَازَة في مَسْأَلةِ الرَّدِّ، والمَرْدُودَ عليه سَهْمَه من مَسْأَلةِ الرَّدِّ مَضْرُوبًا في مَسْأَلةِ الإِجَازَةِ. وإن أجازَ بعضُ الوَرَثةِ لهما، ورَدَّ الباقُونَ عليهما، أعْطَيْتَ المُجِيزَ سَهْمَه من مَسْأَلةِ الإِجَازَةِ في مَسْأَلةِ الرَّدِّ، ومَنْ لم يُجِزْ سَهْمَه من مَسْألةِ الرَّدِّ مَضْرُوبًا في مَسْأَلةِ الإِجَازَةِ، وقَسَمْتَ الباقِىَ بين الوَصِيَّيْنِ على ثلاثةٍ. وإن اتَّفَقَتِ المَسْأَلتانِ، ضَرَبْتَ وَفْقَ إحْدَاهُما في الأُخْرَى، ومَنْ له سَهْمٌ من إحْدَى المَسْأَلَتَيْنِ مَضْرُوبٌ في وَفْقِ الأُخْرَى. وإن دَخَلَتْ إحْدَى المَسْأَلَتَيْنِ في الأُخْرَى، اجتَزَأْتَ بأكْثَرِهِما، ففى مَسْأَلةِ الخِرَقِىِّ هذه، إذا كان الوَرَثَةُ أُمّا وثلاثَ أخَواتٍ مُفْترِقاتٍ (٤)، فأجَازُوا، فالمَسْأَلةُ من أرْبَعةٍ، لِلْوَصِيَّيْنِ ثَلَاثَةٌ، يَبْقَى سَهْمٌ على سِتَّةٍ، تَضْرِبُها في أرْبَعةٍ، تكُنْ أرْبَعةً وعِشْرِينَ. وإن رَدُّوا فلِلْوَصِيَّيْنِ الثُّلُثُ ثلاثةٌ، ويَبْقَى سِتّةٌ على المَسْأَلةِ وهى سِتَّةٌ؛ فتَصِحُّ من تِسْعَةٍ. وإن أجَازُوا لِصَاحِبِ النِّصْفِ وَحْدَه، ضَرَبْتَ وفْقَ التِّسْعةِ في أرْبَعةٍ وعِشْرِينَ، تكُنِ اثْنَيْنِ وَسْبعِينَ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ اثْنَا عَشَرَ في ثَلَاثَةٍ سِتّةٌ وثَلَاثُونَ، وللآخَرِ سَهْمٌ في ثمانِيةٍ، يَبْقَى ثمانِيةٌ وعِشْرُونَ لِلْوَرَثةِ. وإن أجَازَتِ الأُمُّ لهما ورَدَّ الباقُونَ عليهما، أعطَيْتَ الأُمَّ سَهْمًا في ثلاثةٍ، والباقِينَ خَمْسَةَ أسْهُمٍ في ثمانِيةٍ، صارَ الجَمِيعُ ثَلَاثةً وأرْبَعِينَ، يَبْقَى تِسْعةٌ وعِشْرُونَ بين الوَصِيَّيْنِ على ثَلَاثةٍ. وإن أجازَتِ الأُخْتُ من الأَبَوَيْنِ وحْدَها (٥)، فلها تِسْعَةٌ [ولبَاقِى الْوَرَثةِ] (٦) أرْبَعةٌ وعِشرُونَ، ويَبْقَى تِسْعةٌ وثلاثُونَ لهما على ثلاثةٍ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةٌ وعِشْرُونَ، وللآخَرِ ثلاثةَ عَشَرَ.

стр. 4245

فصل: إذا جاوَزَتِ الوَصَايَا المالَ، فاقْسِمِ المالَ بينهم على قدْرِ وَصَاياهم، مثل العَوْلِ، واجْعَلْ وَصَاياهُم كالفُرُوضِ التي فَرَضَها اللهُ تعالى لِلْوَرَثةِ، إذا زادَتْ على المالِ. وإن رَدُّوا، قَسَمْتَ الثُّلُثَ بينهم على تلك السِّهَام. وهذا قولُ النَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشافِعِىِّ. قال سَعِيدُ بن مَنْصُورٍ (٧): حَدَّثَنا أبو مُعَاوِيةَ، حَدَّثَنا أبو (٨) عاصِمٍ الثَّقَفِىُّ قال: قال لي إبْرَاهِيمُ النَّخَعِىُّ: ما تقولُ في رَجُلٍ أَوْصَى بِنِصْفِ مالِه، وثُلُثِ مالِه، ورُبْعِ مالِه؟ قلت: لا يجوزُ. قال: فإنَّهم قد أجَازُوا. قلتُ: لا أدْرِى؟ قال: امْسِكْ اثْنَى عَشَرَ، فأَخْرِجْ نِصْفَها سِتّةً، وثُلُثَها أرْبَعةً، ورُبْعَها ثَلَاثةً، فاقْسِم المالَ على ثَلَاثةَ عَشَرَ، فلِصَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةٌ، ولِصَاحِبِ الثُّلُّثِ أرْبَعةٌ، ولِصَاحِبِ الرُّبْعِ ثَلَاثَةٌ. وكان أبو حنيفةَ يقول: يَأْخُذُ أكْثَرُهم وَصِيَّة ما (٩) يَفْضُلُ به على مَن دُونَه، ثم يَقْتَسِمُون الباقِى، إن أجَازُوا، وفى الرَّدِّ لا يُضْرَبُ لأَحَدٍ (١٠) بأكْثَرَ من الثُّلُّثِ، وإن نَقَصَ بعضُهم عن الثُّلُثِ، أخَذَ أكْثَرُهم ما يَفْضُلُ به على مَنْ دُونَه. ومثال ذلك، رَجُلٌ أوْصَى بثُلُثَىْ مالِه ونِصْفِه وثُلُثِه، فالمالُ بينهم على تِسْعةٍ في الإِجَازَةِ، والثُّلُثُ بينهم كذلك في الرَّدِّ، كمَسْأَلةٍ فيها زَوْجٌ وأُخْتانِ لأَبِ وأُخْتانِ لأُمٍّ. وقال أبو حنيفةَ: صاحِبُ الثُّلُثَيْنِ يَفْضُلُهما بِسُدُسٍ، فيَأْخُذُه، وهو وصاحِبُ النِّصْفِ يَفْضُلَانِ صاحِبَ الثُّلُثِ بِسُدُسٍ، فيَأْخُذَانِه بينهما نِصْفَيْنِ، ويَقْتَسِمُون الباقِى بينهم أثْلَاثًا. وتَصِحُّ من سِتّةٍ وثَلَاثِينَ، لصاحِبِ الثُّلُثَيْنِ سَبْعةَ عَشَرَ، ولِصاحِبِ النِّصْفِ أحَدَ عَشَرَ، ولصاحِب الثُّلُثِ ثمانِيةٌ. وإن رَدُّوا قُسِمَ بينهم على ثلاثةٍ. ولو أَوْصَى لِرَجُلٍ بجَمِيعِ مالِه، ولآخَرَ بثُلُثِه، فالمالُ بينهما على أرْبَعةٍ إن أجَازُوا، والثُّلُثُ بينهما كذلك في حالَ الرَّدِّ. وعند أبى حنيفةَ: إن أجَازُوا فلِصَاحِبِ المالِ الثُّلُثانِ، يَتَفَرَّدُ بهما، ويُقَاسِمُ صاحِبَ الثُّلُثِ، فيَحْصُلُ له خَمْسَةُ أسْداسٍ، ولِصَاحِبِ الثُّلُثِ السُّدُسُ،

стр. 4246

وإن رَدُّوا، اقْتَسَما الثُّلُثَ نِصْفَيْنِ، فلا يَحْصُلُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ إلَّا السُّدُسُ في الإِجازَةِ والرَّدِّ جميعًا. ولو جَعَلَ مكانَ الثُّلُثِ سُدُسًا، لكان لِصاحِبِ المالِ خَمْسَةُ أسْداسٍ (١١) في الإِجازَةِ، ويُقَاسِمُ صاحِبَ السُّدُسِ، فيَأْخُذُ نِصْفَه، ويَبْقَى لِصَاحِبِ السُّدُسِ نِصْفُه سَهْمٌ من اثْنَىْ عَشَرَ. وفى الرَّدِّ، يَقْتَسِمانِ الثُّلُثَ بينهما أَثْلَاثًا، فيَجْعَلُ لِصاحِبِ السُّدُسِ التُّسْعَ سَهْمٌ من تِسْعةٍ، وذلك أَكْثَرُ ممَّا حَصَلَ له في الإِجازَةِ، وهذا دَلِيلٌ على فَسَادِ هذا القولِ، لِزيَادةِ سَهْمِ المُوصَى له في الرَّدِّ على حالةِ الإِجازَةِ، ومتى كان لِلْمُوصَى له (١٢) حَقٌّ في حالِ الرَّدِّ، لا يَنْبَغِى أن يَتَمَكَّنَ الوارِثُ من تَغْيِيرِه، ولا تَنْقِيصِه، ولا أخْذِه منه، ولا صَرْفِه إلى غيرِه، مع أنَّ ما ذَهَبَ إليه الجُمْهُورُ نَظيرُه مَسَائِلُ العَوْلِ في الفَرَائضِ، والدُّيُونِ على المُفْلِسِ، وما ذَكَرُوه لا نَظِيرَ له، مع أنَّ فَرْضَ اللَّه تعالى لِلْوارِثَ آكَدُ من فَرْضِ المُوصِى وَوَصِيَّتِه، ثم إنَّ صاحِبَ الفَضْلِ [في الفَرْضِ] (١٣) المَفْرُوضِ، لا يَنْفَرِدُ بِفَضْلِه، فكذا في الوَصَايَا. فصل: وإذا خَلّفَ ابْنَيْنِ، وأوْصَى لِرَجُلٍ بمالِه كلِّه، وللآخَرِ بنِصْفِه، فالمالُ بين الوَصيَّيْنِ على ثلاثةٍ إن أجَازَا؛ لأنَّك إذا بَسطْتَ المالَ من جِنْسِ الكَسْرِ، كان نِصْفَيْنِ، فإذا ضَمَمْتَ النِّصْفَ الآخَرَ، صارَت ثَلاثةً، فيُقْسَمُ المالُ على ثلاثةٍ، ويَصِير النِّصْفُ ثُلُثًا، كمَسْأَلةٍ فيها زَوْجٌ وأُمٌّ وثَلَاثُ أخَواتٍ مفترقاتٍ (١٤)، فإن رَدُّوا، فالثُّلُثُ بينهما على ثلاثةٍ، وإن أجازُوا لِصَاحِبِ النِّصْفِ وحدَه، فلِصاحِبِ المالِ التُّسْعانِ، ولِصاحِبِ النِّصْفِ النِّصْفُ في أحَدِ (١٥) الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه مُوصًى له به، وإنَّما مَنَعَه أخْذَه في (١٦) حال الإِجَازَةِ لهما، مُزَاحَمَةُ صاحِبِه، فإذا زَالَتْ مُزَاحَمَتُه، أخَذَ جَمِيعَ

стр. 4247

وَصِيَّتِه. والثانى، ليس له إلَّا الثُّلُثُ الذي كان له في حالِ الإِجَازَةِ لهما؛ لأنَّ ما زادَ على ذلك إنَّما كان حَقًّا لِصاحِبِ المالِ، أخَذَه الوَرَثةُ منه بالرَّدِّ عليه، فيأْخُذُه (١٧) الوارِثانِ. وإن أجازَا (١٨) لِصاحِبِ الكُلِّ وحدَه، فله ثَمَانِيةُ أتْساعٍ على الوَجْهِ الأوَّلِ والتُّسْعُ للآخَرِ، وعلى الوَجْهِ الثاني، ليس له إلَّا الثُّلُثانِ اللَّذانِ كانا له في (١٩) حالِ الإِجازَةِ لهما، والتُّسْعانِ لِلْوَرثةِ. فإن أجازَ أحدُ الابْنَيْنِ لهما دُونَ الآخَرِ، فلا شىءَ لِلْمُجِيزِ، وللآخَرِ الثُّلُثُ، والثُّلُثانِ بين الوَصِيَّيْنِ على أَرْبَعةٍ. وإن أجازَ أحَدُهما لِصاحِبِ المالِ وحدَه، فللآخَرِ التُّسْعُ، وللابْنِ الآخَرِ الثُّلُثُ، والباقِى لصاحِبِ المالِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ له أَرْبَعةُ أتْسَاعٍ، والتُّسْعُ الباقى لِلْمُجِيزِ. وإن أجازَ لِصاحِبِ النِّصْفِ وحدَه، دَفَعَ إليه نِصْفَ ما يَتِمُّ به النِّصْفُ، وهو تُسْعٌ ونِصْفُ سُدُسٍ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وفى الآخَرِ يَدْفَعُ إليه التُّسْعَ، فيَصِيرُ له تُسعانِ، ولِصاحِبِ المالِ تُسْعانِ، ولِلْمُجِيزِ تُسْعانِ، والثُّلُثُ للذى لم يُجِزْ. وتَصِحُّ من تِسْعةٍ. وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَصِحُّ من سِتَّةٍ وثَلَاثِينَ، للذى لم يُجِزْ اثْنَا عَشَرَ، ولِلْمُجِيزِ خَمْسَةٌ، ولِصَاحِبِ النِّصْفِ أحَدَ عَشَرَ، ولصاحِبِ المالِ ثمانيةٌ؛ وذلك لأنَّ مَسْأَلةَ الرَّدِّ منْ تِسْعةٍ، لِصاحِبِ النِّصْفِ منها سَهْمٌ، فلو أجَازَ له الابْنَانِ، كان له تَمامُ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ ونِصْفٌ. فإذا أجَازَ له أحَدُهما، لَزِمَهُ نِصْفُ ذلك، وهو سَهْمٌ وثَلَاثةُ أرْباعِ سَهْمٍ، فيُضْرَبُ مَخْرَجُ الرُّبْعِ في تِسْعةٍ، يكُنْ سِتَّةً وثلاثِينَ. ٩٦٥ - مسألة؛ قال: (وَإذَا أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ، فَهُوَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بالسَّويَّةِ. وإنْ قَال: لِبَنِيه. فَهُوَ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ) أمَّا إذا أَوْصَى لِوَلَدِه، أو لِوَلَدِ فُلانٍ، فإنَّه لِلذُّكُورِ والإِنَاثِ والخَنَاثَى. لا خِلَافَ

стр. 4248

في ذلك؛ لأنَّ الاسْمَ يَشْمَلُ الجَمِيعَ. قال اللهُ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ (٢). نَفَى (٣) الذَّكَرَ والأُنْثَى جَمِيعًا، وإن قال: لِبَنِيَّ، أو بَنِى فُلَانٍ. فهو لِلذُّكُورِ دون الإِنَاثِ والخَنَاثَى. هذا قول الجُمُهُورِ. وبه قال الشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. وقال الحَسَنُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ: هو لِلذَّكرِ والأُنْثى جَمِيعًا؛ لأنَّه لو أَوْصَى لِبَنِى فُلانٍ وهم قَبِيلَةٌ، دَخَلَ فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى. وقال الثَّوْرِيُّ: إن كانوا ذُكُورًا وإنَاثًا، فهو بينهم، وإن كُنَ بَنَاتٍ لا ذَكَرَ مَعَهُنَّ، فلا شىءَ لهنَّ؛ لأنَّه متى اجْتَمَعَ الذُّكُورُ والإِنَاثُ غَلَبَ لَفْظُ التَّذْكِيرِ، ودَخَلَ فيه الإِنَاثُ، كلَفْظِ المُسْلِمينَ والمُشْرِكِينَ. ولَنا، أنَّ لَفْظَ البَنِينَ يَخْتَصُّ الذُّكُورَ، قال اللَّه تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ (٥). وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ (٦). وقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٧). وقد أخْبَرَ أَنَّهم لا يَشْتَهُونَ البَنَاتِ. فقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ (٨). الآية. وإنَّما دَخَلُوا في الاسْمِ إذا صارُوا قَبِيلةً؛ لأنَّ الاسْمَ نُقِلَ فيهم عن الحَقِيقةِ إلى العُرْفِ، ولهذا تقول المرْأةُ: أنا من بَنِى فُلَانٍ. إذا انْتَسَبَتْ إلى القَبِيلَةِ، ولا تقول ذلك إذا انْتَسَبَتْ إلى أَبِيها.

стр. 4249

فصل: وإن أَوْصَى لِبَناتِ فُلَانٍ، دَخَلَ فيه الإِناثُ دون غَيْرِهِنَّ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، ولا يَدْخُلُ فيهنَّ الخُنْثَى المُشْكِلُ؛ لأنا (٩) لا نَعْلَمُ كَوْنَه أُنْثَى. فصل: وإن أَوصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ، أو لِبَنِى فُلانٍ. ولم يكونُوا قَبِيلَةً، فهو لِوَلَدِه لِصُلْبِه، وأمَّا أوْلادُ أَولادِه، فإن كانتْ قَرِينَةٌ تَدُلُ على دُخُولِهِم، مثل أن يُوصِىَ لِوَلَدِ فُلانٍ وليس له إلَّا أَولَادُ أَولادِه، أو قال: ولا يُعْطى وَلَدُ البَناتِ شَيْئًا. أوقال: إلَّا وَلَدَ فُلانٍ. أو فَضِّلُوا وَلَدَ فُلانٍ على غيرِهِم. ونحو ذلك، دَخَلُوا؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُم، والقَرِينَةَ صارِفةٌ له إليهم، فصارَ كالتَّصْرِيحِ بهم. وإن دَلَّتِ القَرِينةُ على إخْرَاجِهِم، فلا شىءَ لهم. وإن انْتَفَتِ القَرَائِنُ، لم يَدْخُلُوا في الوَصِيَّةِ؛ لأنَّ اسْمَ الوَلَدِ حَقِيقَةً عِبَارَةٌ عن وَلَدِ الصُّلْبِ. فإن قِيل: فقد دَخَلُوا في قولِ اللَّه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. قُلْنا: إنما دَخَلُوا فيه إذا لم يكُنْ ثَمَّ ابْنٌ من وَلَدِ الصُّلْبِ، ودَخَلُوا مع الإِنَاثِ على أنَّهم إنَّما يَرِثُونَ ما فَضَلَ عن البَناتِ، على ما ذُكِرَ تَفْصِيلُه في الفَرَائضِ، ولا يُمْكِنُ ذلك ههُنا، فانْتَفَى دُخُولُهم. ويَحْتَمِلُ أن يَدْخُلَ وَلَدُ البَنِينَ في الوَصِيَّةِ، إذا لم تكُنْ قَرِينَةٌ تُخْرِجُهُم؛ لأنَّهم دَخَلُوا في اسْمِ الوَلَدِ في كلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرَه اللهُ تعالى، من الإِرْثِ والحَجْبِ وغيرِه. فصل: وإن وَصَّى لِوَلَدِ فُلانٍ، أو بَنِى فُلانٍ، وهم قَبِيلَةٌ، كبَنِى هاشِمٍ وبَنِى تَمِيمٍ، دَخَلَ فيهم الذَّكَرُ والأُنْثَى والخُنْثَى، ويَدْخُلُ وَلَدُ الرَّجُلِ معه، ولا يَدْخُلُ فيه وَلَدُ بَناتِهِم؛ لأنَّ ذلك اسْمٌ لِلْقَبِيلةِ ذَكَرِها وأُنْثاها، قال اللهُ تعالى: ﴿يَا بَنِى آدَمَ﴾ (١٠). ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ﴾ (١١). يُرِيدُ الجَمِيعَ. وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ (١٢). ورُوِى أن جَوَارِىَ من الأَنْصارِ قُلْنَ:

стр. 4250

نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِى النَّجَارِ ... يا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ (١٣) ويقال: امْرَأةٌ من بَنِى هاشِمٍ، ولا يَدْخُلُ وَلَدُ البَناتِ فيهم؛ لأنَّهم لا يَنْتَسِبُونَ إلى القَبِيلَةِ. فصل: وإن أَوْصَى لأَخَوَاتِه، فهو للإِنَاثِ خاصّةً، وإن أَوْصَى لإِخْوَتِه، دَخَلَ فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى جَمِيعًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ (١٤). وقال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (١٥). وأجْمَعَ العُلَماءُ على حَجْبِها بالذَّكَرِ والأُنْثَى. وإن قال: لِعُمُومَتِه. فالظاهِرُ أنَّهُ مثلُ الإِخْوَةِ، يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثَى؛ لأنَّهم إخْوَةُ أَبِيه. وإن قال: لِبَنِى إخْوَتِه. أو لِبَنِى عَمِّه. فهو لِلذُّكُورِ دون الإِنَاثِ، إذا لم يكونُوا قَبِيلَةً. والفَرْقُ بينهما أنَّ الإِخْوَةَ والعُمُومَةَ ليس لهما لَفْظٌ مَوْضُوعٌ يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثَى سِوَى هذا اللَّفْظِ، وبَنُو الإِخْوَةِ والعَمِّ لهم لَفْظٌ يَشْمَلُ الجَمِيعَ وهو لَفْظُ الأَوْلادِ، فإذا عَدَلَ عن اللَّفْظِ العامِّ إلى لَفْظِ البَنِينَ، دَلَّ على إرَادَةِ الذُّكُورِ، ولأنَّ لَفْظَ العُمُومَةِ أشْبَهُ بلَفْظِ الإِخْوَةِ، ولَفْظُ بَنِى الإِخْوَةِ والعَمِّ يُشْبِهُ بَنِى فُلانٍ، وقد دَلَّلْنَا عليهما. والحُكْمُ في تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لِلْبَعِيدِ من العُمُومةِ وبَنِى العَمِّ والإِخْوَة، حُكْمُ ما ذَكَرْنا في وَلَدِ الوَلَدِ، مع القَرِينَةِ وعَدَمِها. فصل: وألْفاظُ الجُمُوعِ على أرْبَعةِ أَضْرُبٍ؛ أحدها، ما يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثَى بِوَضْعِه، كالأَوْلادِ والذُّرِّيَّةِ والعَالَمِينَ وشِبْهِه. والثانى، مَوْضُوعٌ لِلذُّكُورِ ويَدْخُلُ فيه الإِنَاثُ إذا اجْتَمَعُوا، [كلَفظِ المسلمين] (١٦) والمؤمنِينَ والقانِتِينَ والصَّابِرِينَ والصّادِقِينَ والذِّمِّيِّينَ والمُشْرِكِينَ والفاسِقِينَ ونحوه، وكذلك ضَمِيرُ المُذَكّرِ،

стр. 4251

كالواوِ في قامُوا، والتَّاءِ والمِيمِ في قُمْتُمْ، وهم مُفرَدَةً ومَوْصُولَةً، والكافِ والمِيمِ في لَكُم وعَلَيْكُم، ونحوه. فهذا متى اجْتَمَعَ [الذُّكُور والإِنَاث غُلِّبَ] (١٧) لَفْظُ التَّذْكِيرِ فيه، ودَخَلَ فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى. والثالث، ضَرْبٌ يَخْتَصُّ (١٨) الذُّكُورَ كالبَنِينَ والذُّكُورِ والرِّجَالِ والغِلْمانِ، فلا يَدْخُلُ فيه إلَّا الذُّكُورَ. والرابع، لَفْظٌ يَخْتَصُّ (١٨) النِّسَاءَ، كالنِّسَاءِ والبَنَاتِ والمُؤْمِناتِ والصَّادِقَاتِ، والضَّمائِرِ المَوْضُوعَةِ لهنَّ، فلا يَتَناوَلُ غيرَ الإِنَاثِ. فصل: وإن وَصَّى للأَرَامِلِ، فهو للنِّسَاءِ اللَّاتِى فارَقَهُنَّ (١٩) أزْوَاجُهُنَّ بمَوْتٍ أو غيرِه. قال أحمدُ، في رِوَايةِ حَرْبٍ، وقد سُئِلَ عن رَجُلٍ أوْصَى لأَرَامِل بَنِى فُلانٍ. فقال: قد اخْتَلَفَ الناسُ فيها، فقال قومٌ: هو (٢٠) للرِّجَالِ والنِّسَاءِ. والذي يُعْرَفُ في كَلَامِ الناسِ أنَّ الأَرَامِلَ النِّسَاءُ. وقال الشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ: هو لِلرِّجَالِ والنِّسَاءِ، وأَنْشَدَ أحَدُهُما (٢١): هذِى الأرَامِلُ قد قَضَّيْتَ حاجَتَها ... فَمَنْ لِحَاجَةِ هذا الأَرْمَلِ الذَّكَرِ وقال آخَرُ (٢٢): أُحِبُّ أَنْ أَصْطَادَ ضَبًّا سَحْبَلَا (٢٢) ... رَعَى الرَّبِيعَ وَالشِّتَاءَ أَرْمَلَا

стр. 4252

ولَنا، أن المَعْرُوفَ في كَلامِ الناسِ أنَّه النِّساءُ، فلا يُحْمَلُ لَفْظُ المُوصِى إلَّا عليه، ولأنَّ الأَرَامِلَ جَمْعُ أَرْمَلةٍ، فلا يكونُ جَمْعًا لِلمُذَكَّرِ؛ لأنَّ ما يَخْتَلِفُ لَفْظُ الذَّكَرِ والأُنْثَى في واحدِهِ (٢٣) يَخْتَلِفُ في جَمْعِه، وقد أنْكَرَ ابنُ الأَنْبارِىِّ على قائِلِ القَوْلِ الآخَرِ، وخَطَّأَهُ فيه، والشِّعْرُ الذي احْتَجَّ به حُجَّةٌ عليه، فإنَّه لو كان لَفْظُ الأَرَامِلِ يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثَى، لَقال: "حاجَتَهُم" إذ لا خِلَافَ بين أهْلِ اللِّسانِ في أنَّ اللَّفْظَ متى كان للذَّكَرِ (٢٤) والأُنْثَى، ثم رُدَّ عليه ضَمِيرٌ، غُلِّبَ فيه لَفْظُ التَّذْكِيرِ وضَمِيرُه، فلما رُدَّ الضَّمِيرُ على الإِنَاثِ، عُلِمَ أنَّه مَوْضُوعٌ لهنَّ على الانْفِرَادِ، وسَمَّى نَفْسَه أَرْمَلًا تَجَوُّزًا وتَشْبِيهًا بهِنَّ، ولذلك وَصَفَ نَفْسَه بأنَّه ذَكَرٌ، ويَدُلُّ على إرَادَةِ المَجازِ أنَّ اللَّفْظَ عند إطْلاقِه لا يُفْهَمُ منه إلَّا النِّسَاءُ، ولا يُسَمَّى به في العرفِ غَيْرُهُنَّ، وهذا دَلِيلٌ على أنَّه لم يُوضَعْ لِغَيْرِهِنَّ، ثم لو ثَبَتَ أنَّه في الحَقِيقَةِ لِلرِّجالِ والنِّساءِ لَكان قد خَصَّ به أهْلُ العُرْفِ النِّساءَ، وهُجِرَتْ به (٢٥) الحَقِيقةُ حتى صارَت مَغْمُورةً، لا تُفْهَمُ من لَفْظِ المُتَكَلِّمِ، ولا يَتَعَلَّقُ بها حُكْمٌ كسائِرِ الأَلْفَاظِ العُرْفِيّةِ. فصل: فأما لَفْظُ (٢٦) الأَيَامَى، فهو كالأَرامِلِ، [إلَّا أنَّه] (٢٧) لكلِّ امْرَأَةٍ لا زَوْجَ لها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢٨). وفى بعضِ الحَدِيثِ: "أعُوذُ بِاللهِ مِنْ بَوَارِ الْأَيِّمِ" (٢٩). وقال أصْحابُنا: هو للرِّجالِ والنِّساءِ الذين لا أزْواجَ لهم، لما رُوِىَ عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ قال: آمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عمَرَ من زَوْجِهَا، وآمَ عثمانُ من رُقَيَّةَ. وقال الشاعِرُ (٣٠):

стр. 4253

فإنْ تَنْكِحِى أَنْكِحْ وَإِنْ تَتَأَيَّمِى ... وإن كنتُ أَفْتَى مِنْكُمُ أَتَأَيَّمُ (٣١) ولَنا، أنَّ العُرْفَ يَخُصُّ النِّساءَ بهذا الاسْمِ، والحُكْمُ للاسْمِ العُرْفِيِّ. وقول النبيِّ ﷺ : "أَعُوذُ باللهِ من بَوَارِ الأَيِّمِ". إنَّما أَرَادَ به المَرْأةَ، فإنَّها التي تُوصَفُ بهذا، ويَضُرُّ بَوَارُها. فصل: والعُزَّابُ هم الذين لا أزْواجَ لهم من الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، يقال: رَجُلٌ عَزَبٌ، وامْرَأةٌ عَزَبَةٌ. وإنما سُمِّىَ عَزَبًا لِانْفرَادِه، وكلُّ شيءٍ انْفَرَدَ فهو عَزَبٌ، قال ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ ثَوْرًا من الوَحْشِ انْفَرَدَ (٣٢): يَجْلُو البَوَارِقُ عَنْ مُجْرَمِّزٍ لَهَقٍ ... كأنَّهُ مُتَقَبِّى يَلْمَقٍ عَزَبُ (٣٣) ويَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ العَزَبُ بالرَّجلِ (٣٤)؛ لأنَّه في العُرْفِ كذلك، والثَّيِّبُ والبِكْرُ يَشْتَرِكُ فيه الرَّجُلُ والمَرْأةُ. قال النبيُّ ﷺ : "الْبِكْرُ بالبِكْرِ، جلْدُ مائةٍ، ونَفْىُ سَنَةٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ، الجَلْدُ والرَّجْمُ" (٣٥). والعانِسُ من الرِّجالِ والنِّساءِ: الذي كَبِرَ ولم يَتَزَوَّجْ. قال قَيْسُ بن رِفاعَةَ الواقِفِىُّ (٣٦):

стр. 4254

فِينَا الَّذِى ما عَدَا أن طَرَّ شارِبُهُ ... والعانِسُونَ وفِينَا المُرْدُ والشِّيبُ (٣٧) والكُهُولُ: الذين جازُوا الثَّلَاثِينَ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ (٣٨). قال المُفَسِّرُونَ: ابنُ ثَلَاثِينَ سنةً (٣٩). مَأْخُوذٌ من قَوْلِهم: اكْتَهَلَ النَّباتُ، إذا تَمَّ وقَوِىَ. ثم لا يَزَالُ كَهْلًا حتى يَبْلُغَ خَمْسِينَ، ثم يَشِيخُ، ثم لا يَزالُ شَيْخًا حتى يَمُوتَ. فصل: وإذا أَوْصَى لجَماعةٍ لا يُمْكِنُ حَصْرُهُم واسْتِيعابُهُم، كالقَبِيلَةِ العَظيمةِ، والفُقَراءِ والمَسَاكِينِ، صَحَّ، وأجْزَأَ الدَّفْعُ إلى واحدٍ منهم. وبه قال الشافِعِيُّ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ، إلَّا أنَّه قال: يُدْفَعُ إلى ثلاثةٍ منهم؛ لأنَّه أقَلُّ الجَمْعِ. وقال أبو حنيفةَ: لا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ لِلْقَبِيلةِ التي لا يُمْكِنُ حَصْرُها؛ لأنَّها يَدْخُل فيها الأَغْنِياءُ والفُقَراءُ، وإذا وَقَعَتْ للأَغْنِياءِ لم تكُنْ قُرْبةً، وإنَّما تكونُ حَقًّا لآدَمِىٍّ، وحُقُوقُ الآدَمِيِّينَ إذا دَخَلَتْ فيها الجَهَالةُ لم تَصِحَّ، كما لو أقَرَّ لِمَجْهُولٍ. ولَنا، أنَّ كلَّ وَصِيَّةٍ صَحّتْ لجَماعةٍ مَحْصُورَةٍ (٤٠)، صَحَّتْ لهم، وإن لم يكونُوا مَحْصُورين كالفُقَراءِ. وما ذَكَرُوه غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الوَصِيّةَ للأَغْنِياءِ قُرْبَةٌ، وقد نَدَبَ النبيُّ ﷺ إلى الهَدِيَّةِ وإن كانت لِغَنِيٍّ. وأمَّا جَوازُ الدَّفْعِ إلى واحدٍ، فمَبْنِيٌّ على الدَّفْعِ في الزَّكاةِ (٤١)، وقد مَضَى الكَلَامُ فيه هناك. ٩٦٦ - مسألة؛ قال: (والوَصِيّةُ بِالحَمْلِ ولِلْحَمْلِ جَائِزَةٌ، إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ مُنْذُ تَكَلَّمَ بالوَصِيَّةِ) أمَّا الوَصِيَّةُ بالحَمْلِ فتَصِحُّ إذا كان مَمْلُوكًا، بأن يكونَ رَقِيقًا، أو حَمْلَ بَهِيمةٍ

стр. 4255

مَمْلُوكةٍ له؛ لأنَّ الغَرَرَ والخَطَرَ لا يَمْنَعُ صِحّةَ الوَصِيَّةِ، فجَرَى مَجْرَى إعْتاقِ الحَمْلِ، فإن انْفَصَلَ مَيِّتًا، بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ، وإن انْفَصَلَ حَيًّا، وعَلِمنا وُجُودَه حالَ الوَصِيَّةِ، أو حَكَمْنا بوُجُودِه، صَحَّتِ الوَصِيّةُ، وإن لم يكُنْ كذلك، لم تَصِحَّ؛ لِجَوازِ حُدُوثِه. ولو قال: أَوْصَيْتُ لك بما تَحْمِلُ جارِيَتِى هذه، أو ناقَتِى هذه، أو نَخْلَتِى هذه. جَازَ؛ لما ذَكَرْنا من صِحَّتِها مع الغَرَرِ. وأَمَّا الوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ، فصَحِيحةٌ أيضًا، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، وبذلك قال الثَّوْريُّ، والشافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرأى؛ وذلك لأنَّ الوَصِيّةَ جَرَتْ مَجْرَى المِيرَاثِ، من حيثُ كَوْنُها انْتِقالَ المالِ من الإِنْسانِ بعد مَوْتِه، إلى المُوصَى له، بغيرِ عِوَضٍ، كانْتِقالِه إلى وارِثِه، وقد سَمَّى اللهُ تعالى المِيرَاثَ وَصِيَّةً، بقولِه سُبْحانَه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١). وقال سُبْحانَه: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ (٢). والحَمْلُ يَرِثُ، فتَصِحُّ الوَصِيَّةُ له، ولأنَّ الوَصِيَّةُ أوْسَعُ من المِيرَاثِ، فإنَّها تَصِحُّ لِلْمُخالِفِ في الدِّينِ والعَبْدِ، بخِلَافِ المِيرَاثِ، فإذا وَرِثَ الحَمْلُ، فالوَصِيَّةُ له أَوْلَى، ولأنَّ الوَصِيَّةَ تَتَعلَّقُ بخَطَرٍ وغَرَرٍ، فتَصِحُّ لِلْحَمْلِ، كالعِتْقِ. فإن انْفَصَلَ الْحَمْلُ مَيِّتًا، بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّه لا يَرِثُ، ولأنَّه يَحْتَمِلُ أن لا يكُونَ حَيًّا حينَ الوَصِيَّةِ، فلا تَثْبُتُ له الوَصِيَّةُ والمِيرَاثُ بالشَّكِّ. وسواءٌ ماتَ لِعَارِضٍ، من ضَرْبِ البَطْنِ، أو شُرْبِ (٣) دَواءٍ، أو غيرِهِ؛ لما بَيَّنَّا من أنَّه لا يَرِثُ. وإن وَضَعَتْهُ حَيًّا، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ له، إذا حَكَمْنا بوُجُودِه حالَ الوَصِيَّةِ. نَقَلَ الخِرَقِىُّ، إذا أَتَتْ به لأَقَلَّ من سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وليس ذلك شَرْطًا في كلِّ حالٍ، لكنْ إن كانت المرْأَةُ فِرَاشًا لِزَوْجٍ أو سَيِّدٍ يَطَؤُها، فأتَتْ به لِسِتَّةِ أشْهُرٍ فما دون، عَلِمْنا وُجُودَه حينَ الوَصِيَّةِ، وإن أَتَتْ به لأَكْثَرَ منها، لم تَصِحَّ الوَصِيَّةُ له؛

стр. 4256

لِاحْتمالِ حُدُوثِه بعد الوَصِيَّةِ. وإن كانت بائِنًا، فأتَتْ به لأَكْثَرَ من أَرْبَعِ سِنِينَ من حينِ الفُرْقَةِ، وأَكْثَرَ من سِتَّةِ أشْهُرٍ من حينِ الوَصِيَّةِ، لم تَصِحَّ الوَصِيَّةُ له، وإن أتَتْ به لأَقَلَّ من ذلك، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ له؛ لأنَّ الوَلَدَ يُعْلَمُ وُجُودُه إذا كان لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، ويُحْكَمُ بوُجُودِه إِذَا أَتَتْ به لأقَلَّ من أَرْبَعِ سِنِينَ من حينِ الفُرْقةِ. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. وإن وَصَّى لحَمْلِ امْرَأةٍ من زَوْجِها أو سَيِّدِها، صَحَّتِ الوَصِيّةُ له، مع اشْتِراطِ إلْحاقِه به، وإن كان مَنْفِيًّا (٤) باللِّعَانِ، أو دَعْوَى الاسْتِبْراءِ، لم تَصِحَّ الوَصِيَّةُ له؛ لِعَدَمِ نَسَبِه المُشْتَرَطِ (٥) في الوَصِيَّةِ، فأمَّا إِن كانت المَرْأةُ فِرَاشًا لِزَوْجٍ أو سَيِّدٍ، إِلَّا أنَّه لا يَطَؤْها؛ لكَوْنِه غائِبًا في بَلَدٍ بَعِيدٍ، أو مَرِيضًا مَرَضًا يَمْنَعُ الوَطْءَ، أو كان أسِيرًا أو مَحْبُوسًا، أو عَلِمَ الوَرَثةُ أنَّه لم يَطَأْهَا وأقَرُّوا (٦) بذلك، فإنَّ أصْحابَنا لم يُفَرِّقُوا بين هذه الصُّوَرِ وبين ما إذا كان يَطَؤُها؛ لأنَّهما لم يفْتَرِقا في لُحُوقِ النَّسَبِ بالزَّوْجِ والسَّيِّدِ، فكانت في حُكْمِ من يَطَؤُها. ويَحْتَمِلُ أنَّه متى أتَتْ به في هذه الحال، لِوَقْتٍ يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّه كان مَوْجُودًا حالَ الوَصِيَّةِ، مثل أن تَضَعَهُ لأقَلَّ من غالِبِ مُدَّةِ الحَمْلِ، أو تكونَ أمارَاتُ الحَمْلِ ظاهِرَةً، أو أتَتْ به على وَجْهٍ يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّه كان مَوْجُودًا بأمَاراتِ الْحَملِ، بحيثُ يُحْكَمُ لها بكَوْنِها حامِلًا، صَحَّتِ الوَصِيّةُ له؛ لأنَّه يَثْبُتُ له أحْكَامُ الحَمْلِ في (٧) غيرِ هذا الحُكْمِ، وقد انْتَفَتْ أسْبابُ حُدُوثِه ظاهِرًا، فيَنْبَغِى أن نُثْبِتَ له الوَصِيَّةَ، والحُكْمُ بإلْحاقِه بالزَّوْجِ والسَّيِّدِ في هذه الصُّوَرِ إنَّما كان احْتِياطًا لِلنَّسَبِ، فإنَّه يَلْحَقُ بمُجَرَّدِ الاحْتِمَالِ وإن كان بَعِيدًا، ولا يَلْزَمُ من إِثْباتِ النَّسَبِ (٨) بمُطْلَقِ الاحْتِمالِ، نَفْىُ اسْتِحْقاقِ الوَصِيَّةِ، فإنَّه لا يُحْتَاطُ لإِبْطَالِ الوَصِيَّةِ، كما يحْتَاطُ لإِثْباتِ النَّسَبِ (٨)، فلا يَلْزَمُ إلْحاقُ ما لا يُحْتَاطُ له بما يُحْتَاطُ له (٩) مع ظُهُورِ ما يُثْبِتُه ويُصَحِّحُه.

стр. 4257

فصل: وإن وَصَّى بالحَمْلِ المَوْجُودِ، اعْتُبِرَ وُجُودُه كما (١٠) في حَمْلِ الأمَةِ بما يُعْتَبَرُ وُجُودُ الحَمْلِ المُوصَى له. وإن كان حَمْلَ بَهِيمةٍ، اعْتُبِرَ وُجُودُه بما يَثْبُتُ به وُجُودُه في سائِرِ الأحْكامِ. فصل: وإذا أَوْصَى لما تَحْمِلُ هذه المَرْأَةُ، لم يَصِحَّ. وقال بعضُ أصْحابِ الشافِعيِّ: يَصِحُّ، كما تَصِحُّ الوَصِيَّةُ بما تَحْمِلُ هذه الجارِيَةُ. ولَنا، أنَّ الوَصِيّةَ تَمْلِيكٌ، فلا تَصِحُّ لِلْمَعْدُومِ، بخِلَافِ المُوصَى به، فإنَّه يُمْلَكُ، فلم يُعْتَبَرْ وُجُودُه، ولأنَّ الوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيرَاثِ، ولو ماتَ إنْسانٌ لم يَرِثْهُ من الحَمْلِ إلَّا مَنْ كان مَوْجُودًا، كذلك الوَصِيَّةُ. ولو تَجَدَّدَ لِلْمَيِّتِ مالٌ بعد مَوْتِه، بأن يَسْقُطَ في شَبَكَتِه صَيْدٌ، لَوَرِثَهُ وَرَثَتُه، ولذلك قَضَيْنَا بثُبُوتِ الإِرْثِ في دِيَتِه، وهى تَتَحَدَّدُ بعد مَوْتِه، فجازَ أَنْ تُمْلَكَ بالوَصِيَّةِ. فإن قيل: فلو وَقَفَ على مَنْ يَحْدُثُ مِن وَلَدِه أو وَلَدِ فُلانٍ صَحَّ، فالوَصِيّةُ أَوْلَى؛ لأنَّها تَصِحُّ بالمَعْدُومِ والمَجْهُولِ، بخِلَافِ الوَقْفِ. قُلْنا: الوَصِيَّةُ أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيرَاثِ، ولا يَحْصُلُ المِيرَاثُ إلَّا لِمَوْجُودٍ، فكذا الوَصِيَّةُ، والوَقْفُ يُرَادُ لِلدَّوَامِ، فمن ضَرُورَتِه إثْباتُه لِلْمَعْدُومِ. فصل: وإذا أَوْصَى لِحَمْلِ امْرَأةٍ، فوَلَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثَى، فالوَصِيَّةُ لهما بالسَّوِيَّةِ؛ لأنَّ ذلك عَطيَّةٌ وهِبَةٌ، فأشْبَهَ ما لو وَهَبَهُما شَيْئًا بعدَ وِلَادَتِهِما. وإن فاضَلَ بينهما، فهو على ما قال، كالوَقْفِ. وإن قال: إن كان في بَطْنِها غُلَامٌ فله دِينَارانِ، وإن كان فيه جارِيَةٌ فلها دِينارٌ. فوَلَدَتْ غُلَامًا وجارِيَةً، فلكلِّ واحدٍ منهما ما وَصَّى له به؛ لأنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فيه. وإن وَلَدَتْ أحَدَهُما مُنْفَرِدًا، فله وَصِيَّتُه. ولو قال: إن كان حَمْلُها، أو إن كان ما في بَطْنِها غُلَامًا، فله دِينارَانِ، وإن كانت جارِيَةً فلها دِينارٌ. فوَلَدَتْ أحَدَهُما مُنْفَرِدًا، فله وَصِيَّتُه. وإن وَلَدَتْ غُلَامًا وجارِيَةً، فلا شىءَ لهما؛ لأنَّ

стр. 4258

أحَدَهُما ليس هو جَمِيعَ الحَمْلِ. ولا كلَّ ما في البَطْنِ. وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْىِ، وأصْحابُ الشافِعِيِّ، وأبو ثَوْرٍ. فصل: وإن أَوْصَى بثَمَرَةِ شَجَرةٍ، أو بُسْتَانٍ، أو غَلَّةِ دارٍ، أو خِدْمَةِ عَبْدٍ، صَحَّ، سواءٌ وَصَّى بذلك في مُدّةٍ مَعْلُومةٍ، أو بجَمِيعِ الثَّمرَةِ والمَنْفَعةِ في الزَّمانِ كلِّه. هذا قولُ الجُمْهُورِ، منهم؛ مالِكٌ، والثَّورِيُّ، والشافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَورٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال ابنُ أبي لَيْلَى: لا تَصِحُّ الوَصِيّةُ بالمَنْفَعةِ؛ لأنَّها مَعْدُومةٌ. ولَنا، أنَّه يَصِحُّ تَمْلِيكُها بعَقْدِ المُعَاوَضةِ، فتَصِحُّ الوَصِيّةُ بها، كالأَعْيانِ. ويُعْتَبَرُ خُرُوجُ ذلك من ثُلُثِ المالِ. نَصَّ عليه أحمدُ في سُكْنَى الدارِ. وهو قولُ كلِّ من قال بصِحَّةِ الوَصِيَّةِ بها. فإن لم تَخْرُجْ من الثُّلُثِ، أُجِيزَ منها بقَدْرِ الثُّلُثِ. وبِهذا قال الشافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: إذا أوْصَى بخِدْمةِ عَبْدِه (١١) سَنَةً، فلم يَخْرُجْ من الثُّلُثِ، فالوَرَثةُ بالخِيَارِ بين تَسْلِيمِ خِدْمَتِه سَنةً، وبين تَسْلِيمِ ثُلُثِ المالِ. وقال أصحابُ الرأى، وأبو ثَوْرٍ: إذا أَوْصَى بخِدْمةِ عَبْدِه سَنَةً، فإنَّ العَبْدَ يَخْدِمُ المُوصَى له يَوْمًا والوَرَثةَ يَوْمَيْنِ، حتى يَسْتَكْمِلَ المُوصَى له سَنَةً، فإن أرَادَ الوَرَثةُ بَيْعَ العَبْدِ، بِيعَ على هذا. ولَنا، أنَّها وَصِيّةٌ صَحِيحةٌ، فوَجَبَ تَنْفِيذُها على صِفَتِها إن خَرَجَتْ من الثُّلُثِ، أو بِقَدْرِ ما يَخْرُجُ (١٢) من الثُّلُثِ منها، كسائِرِ الوَصَايَا، أو كالأَعْيانِ. إذا ثَبَتَ هذا، فمتى أُرِيدَ تَقوِيمُها، فإن كانت الوَصِيّةُ مُقَيَّدةً بمُدَّةٍ، قُوِّمَ المُوصَى بمَنْفَعَتِه مَسْلُوبَ المَنْفَعةِ تلك المُدَّةِ، ثم تُقَوَّمُ المَنْفَعةُ في تلك المُدَّةِ، فيُنْظَرُ؛ كم قِيمَتُها. وإن كانت الوَصِيّةُ مُطْلَقةً في الزَّمانِ كلِّه، فقد قيل: تُقَوَّمُ الرَّقَبةُ بمَنْفَعَتِها جَمِيعًا، ويُعْتَبَرُ خُرُوجُها (١٣) من الثُّلُثِ؛ لأنَّ عَبْدًا لا مَنْفَعَةَ له، وشَجَرًا لا ثَمَرَ له، لا قِيمَةَ له غالِبًا. وقيل: تُقَوَّمُ الرَّقَبةُ على الوَرَثةِ، والمَنْفَعةُ على المُوصَى له. وصِفَةُ ذلك أن يُقَوَّمَ العَبْدُ

стр. 4259

بمَنْفَعَتِه، فإذا قيل: قِيمَتُه مائةٌ. قيل: كم قِيمَتُه لا مَنْفَعةَ فيه؟ فإذا قِيلَ: عَشَرَة. عَلِمْنا أنَّ قِيمَةَ المَنْفَعةِ تِسْعُونَ. فصل: وإن أرادَ المُوصَى له إجَارَةَ العَبْدِ أو الدَّارِ، في المُدّةِ التي أَوْصَى له بِنَفْعِها، [جازَ. وبه قال] (١٤) الشافِعِيُّ، وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ إجارَةُ المَنْفَعةِ المُسْتَحَقَّةِ بالوَصِيَّةِ؛ لأنَّه إنَّما أوْصَى له باسْتِيفَائِه. ولَنا، أنَّها مَنْفَعةٌ يَمْلِكُها مِلْكًا تامًّا، فمَلَكَ أخْذَ العِوَضِ عنها بالأَعْيانِ، كما لو مَلَكَها بالإِجَارَةِ. وإن أرادَ المُوصَى له إخْرَاجَ العَبْدِ عن البَلَدِ، فله ذلك. وبه قال أبو ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا يُخْرِجُه إلَّا أن يكونَ أهْلُه في غيرِ البَلَدِ، فيُخْرِجَه إلى أهْلِه. ولَنا، أنَّه مالِكٌ لِنَفْعِه، فمَلَكَ إخْرَاجَه، كالمُسْتَأْجِرِ. فصل: وإذا أَوْصَى له بثَمَرةِ شَجَرَةٍ مُدَّةً، أو بما يُثْمِرُ أَبَدًا، لم يَمْلِكْ واحدٌ من المُوصَى له والوارِثُ (١٥) إجْبارَ الآخَرِ على سَقْيِها؛ لأنَّه لا يُجْبَرُ على سَقْىِ مِلْكِه، ولا سَقْىِ مِلْكِ غيرِه. وإن أراد أحَدُهُما سَقْيَها على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بِصَاحِبه، لم يَمْلِكِ الآخَرُ مَنْعَه. وإذا يَبِسَتِ الشَّجَرَةُ، كان حَطَبُها لِلْوَارِثِ. وإن وَصَّى له بثَمَرَتِها سَنَةً بِعَيْنِها، فلم تَحْملْ تلك السَّنَةَ، فلا شىءَ لِلْمُوصَى له. وإن قال: لك ثَمَرَتُها أوَّلَ عامٍ تُثْمِرُ. صَحَّ، وله ثَمَرَتُها أوَّلَ عامٍ تُثْمِرُ. وكذلك إذا أوْصَى له بما تَحْمِلُ جارِيَتُه أو شاتُه. وإن وَصَّى لِرَجُلٍ بِشَجَرَةٍ، ولآخَرَ بثَمَرَتِها، صَحَّ، وكان صاحِبُ الرَّقَبةِ قائِمًا مَقامَ الوارِثِ، وله ما لَه. وان وَصَّى له بلَبَنِ شاةٍ وصُوفِها، صَحَّ، كما تَصِحُّ الوَصِيَّةُ بثَمَرةِ الشَّجَرَةِ. وإِن وَصَّى بلَبَنِها خاصَّةً، أو صُوفِها خاصّةً، صَحَّ، ويُقَوَّمُ المُوصَى به دُونَ العَيْنِ. فصل: فأمَّا نَفَقةُ العَبْدِ المُوصَى بخِدْمَتِه، وسائِرِ الحَيَواناتِ المُوصَى بنَفْعِها،

стр. 4260

فيَحْتَمِلُ أن تَجِبَ على صاحِبِ الرَّقَبةِ. هذا الذي ذَكَرَه الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ مَذْهَبًا لأحمدَ، وهو قولُ أبي ثورٍ، وظاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ النَّفَقةَ على الرَّقَبةِ، فكانت على صاحِبِها، كالعَبْدِ المُسْتَأْجَرِ، وكما لو لم يكُنْ له (١٦) مَنْفَعةٌ. قال الشَّرِيفُ: ولأن الفِطْرَةَ تَلزمُه، والفِطْرَةُ تَتْبَعُ النَّفَقةَ، ووُجُوبُ التابِعِ على إنْسانٍ دَلِيلٌ على وُجُوبِ المَتْبُوعِ عليه. ويَحْتَمِلُ أن يجبَ [على صاحبِ] (١٧) المَنْفَعَةِ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ، والإِصْطَخْرِيِّ (١٨)، وهو أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّه يَمْلِكُ نَفْعَه على التَّأْبِيدِ، فكانت النَّفَقةُ عليه، كالزَّوْجِ، ولأنَّ نَفْعَه له، فكان عليه ضُرُّه، كالمالِكِ لهما جَمِيعًا، يُحَقِّقُه أنَّ إِيجابَ النَّفَقةِ على مَنْ لا نَفْعَ له ضَرَرٌ مُجَرَّدٌ، فيَصِير معنى الوَصِيَّةِ: أوْصَيْتُ لك بنَفْعِ عَبْدِى، وأَبْقَيْتُ على وَرَثَتِى ضُرَّه. وإن وَصَّى بنَفْعِه لإِنْسانٍ، ولآخَرَ بِرَقَبَتِه، كان مَعْناه: أوْصَيْتُ لهذا بنَفْعِه، ولهذا بضُرِّه. والشَّرْعُ يَنْفِى هذا بقوله: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ" (١٩). ولذلك جَعَلَ الخَرَاجَ بالضَّمَانِ، ليكونَ ضُرُّه على مَنْ له نَفْعُه. وفارَقَ المُسْتَأْجَرَ، فإنَّ نَفْعَه في الحَقِيقةِ لِلْمُؤْجِرِ؛ لأنَّه يأْخُذُ الأَجْرَ عِوَضًا عن مَنَافِعِه. وقيل: تَجِبُ نَفَقَتُه في كَسْبِه. وهذا راجِعٌ إلى إِيجَابِها على صاحِبِ المَنْفَعةِ؛ لأنَّ كَسْبَه من مَنَافِعِه، فإذا صُرِفَ في نَفَقَتِه، فقد صُرِفَتِ (٢٠) المَنْفَعةُ المُوصَى بها إلى النَّفَقةِ، فصارَ كما لو صُرِفَ إليه شيءٌ من مالِه سِوَاهُ. فصل: وإذا أعْتَقَ الوَرَثَةُ العَبْدَ، عَتَقَ، ومَنْفَعَتُه باقِيةٌ للمُوصَى له بها، ولا يَرْجِعُ على المُعْتِقِ بشيءٍ. وإن أعْتَقَهُ صاحِبُ المَنْفَعةِ، لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ العِتْقَ لِلرَّقَبةِ، وهو لا يَمْلِكُها. وإن وَهَبَ صاحِبُ المَنْفَعةِ مَنَافِعَه لِلْعَبْدِ، وأسْقَطَها عنه، فلِلْوَرَثةِ الانْتِفَاعُ

стр. 4261

به؛ لأنَّ ما يُوهَبُ لِلْعَبْدِ يكونُ لِسَيِّدِه. وإن أرادَ صاحِبُ الرَّقَبةِ بَيْعَ العَبْدِ، فله ذلك، ويُبَاعُ مَسْلُوبَ المَنْفَعةِ، ويَقُومُ المُشْتَرِى مَقَامَ البائِعِ، فيما لَه وعليه. وقيل: لا يجوزُ بَيْعُه [من مالِكِ مَنْفَعَتِه دون (٢١) غيرِه] (٢٢)؛ لأنَّ ما لا مَنْفَعةَ فيه، لا يَصِحُّ بَيْعُه، كالحَشَراتِ والمَيْتاتِ. وقيل: يجوزُ بَيْعُه من مالِكِ مَنْفَعَتِه دُونَ غيرِه؛ لأنَّ مالِكَ مَنْفَعَتِه يَجْتَمِعُ له الرَّقَبَةُ والمَنْفَعةُ، فيَنْتَفِعُ بذلك، بخِلَافِ غيرِه، ولذلك جازَ بَيْعُ الثَّمرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلَاحِها لصاحِبِ الشَّجَرةِ دُونَ غيرِه، وكذلك بَيْعُ الزَّرْعِ لصاحِبِ الأرْضِ. ولَنا، أنَّه عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، تَصِحُّ الوَصِيّةُ به، فصَحَّ بَيْعُه كغيرِه، ولأنَّه يُمْكِنُه إعتاقُه وتَحْصِيلُ وَلائِه، وجَرُّ وَلاءِ مَن يَنْجَرُّ وَلاؤُه بِعِتْقِه، بخِلَافِ الحَشَراتِ. وإن وَصَّى لِرَجُلٍ بِرَقَبةِ عَبْدٍ، ولآخَرَ بِنَفْعِه، صَحَّ، وقام المُوصَى له بالرَّقَبةِ مَقامَ الوارِثِ فيما ذَكَرْنا. وبهذا قال الشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. فصل: وإذا أوْصَى لِرَجُلٍ بمَنْفَعةِ أَمَتِه، فأتَتْ بوَلَدٍ من زَوْجٍ أو زِنًى، فهو مَمْلُوكٌ، حُكْمُه حُكْمُ أُمِّه؛ لأنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ الأُمَّ في حُكْمِها، كوَلَدِ المُكَاتَبَةِ والمُدَبَّرةِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لمالِكِ الرَّقَبةِ؛ لأنَّ ذلك ليس من النَّفْعِ المُوصَى به. ولا هو من الرَّقَبةِ المُوصَى بنَفْعِها. وإن وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، وَجَبَ (٢٣) المَهْرُ على الواطِئِ لصاحِبِ المنْفَعةِ عندَ أصْحابنَا، وعِنْدِى أنَّه لِصَاحِبِ الرَّقَبةِ؛ لأنَّ مَنافِعَ البُضْعِ لا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ بها مُنْفَرِدَةً (٢٤)، ولا مع غيرِها، ولا يَجُوزُ نَقْلُها مُفْرَدَةً عن الرَّقَبةِ بغير التَّزْوِيجِ، وإنَّما هي تابِعَةٌ للرَّقَبةِ، فتكونُ لِصَاحِبِها، ولا يَسْتَحِقُّ صاحِبُ المَنْفَعةِ أخْذَ بَدَلِها، إن أتَتْ بوَلَدٍ، فهو حُرٌّ، وتَجِبُ قِيمَتُه يومَ وَضْعِه لِصَاحِبِ الرَّقَبةِ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ، وفي الآخَرِ، يُشْتَرَى بها عَبْدٌ يَقُومُ مَقَامَه، وليس لِلْوَارِثِ ولا لِصَاحِبِ المَنْفَعةِ، وَطْؤُها؛ لأنَّ صاحِبَ المَنْفَعةِ لا يَمْلِكُ رَقَبَتَها، ولا هو زَوْجٌ لها، ولا يُباحُ الوَطْءُ

стр. 4262

بغيرِهِما، لقولِ اللَّه : ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٢٥). وصاحِبُ الرَّقَبةِ لا يَمْلِكُها مِلْكًا تامًّا، ولا يَأْمَنُ أن تَحْبَلَ منه، فربَّما أفْضَى إلى إهْلَاكِها، وأيُّهما وَطِئَها فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطْءٌ بشُبْهةٍ؛ لِوُجُودِ المِلْكِ لكلّ واحدٍ منهما فيها، ووَلَدُه حُرٌّ؛ لأنه من (٢٦) وَطْءِ شُبْهةٍ. فإن كان الواطِئُ مالِكَ المَنْفَعةِ، لم تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ له؛ لأنَّه لا يَمْلِكُها، وعليه قِيمَةُ وَلَدِها يومَ وَضْعِه، وحُكْمُها على ما ذَكَرْنا فيما إذا وَطِئَها غيرُهُما بِشُبْهةٍ. وإن كان الواطِئُ مالِكَ الرَّقَبةِ، صارتْ أُمَّ وَلَدٍ له؛ لأنَّها عَلِقَتْ منه بِحُرٍّ في مِلْكِه، وفى وُجُوبِ قِيمَتِه عليه الوَجْهانِ، وأمَّا المَهْرُ، فعِنْدِى أنَّه إنْ كان الواطِئُ [مالِكَ الرَّقَبَةِ] (٢٧)، فلا مَهْرَ عليه، وله المَهْرُ على صاحِبِ المَنْفَعةِ، إذا كان هو الواطِئَ. وعند أصْحابِنا، وأصْحابِ الشافِعِيِّ، بعَكْسِ ذلك فيهما. وقد تَقَدَّمَ تَعْلِيلُ ذلك. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ الحَدُّ على صاحِبِ المَنْفَعةِ إذا وَطِئَ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إلَّا المَنْفَعةَ، فلَزِمَهُ الحَدُّ، كالمُسْتَأْجِرِ، فعلى هذا يكون وَلَدُه مَمْلُوكًا. فصل: وليس لواحدٍ منهما تَزْوِيجُها؛ لأنَّ مالِكَ المَنْفَعةِ لا يَمْلِكُ رَقَبَتها، ومالِكَ الرَّقَبةِ لا يَمْلِكُ تَزْوِيجَها، لما فيه من ضَرَرِ صاحِبِ المَنْفَعةِ بتَزْوِيجِها. فإن طَلَبَتْ ذلك، لَزِمَ تَزْوِيجُها؛ لأنَّه لِحَقِّها، وحَقُّها في ذلك مُقَدَّمٌ عليهما (٢٨)، بِدَلِيلِ أنَّها لو طَلَبَتْه من سَيِّدِها الذي يَمْلِكُ رَقَبَتَها ونَفْعَها، أُجْبِرَ عليه، وقُدِّمَ حَقُّها على حَقِّه. وكذلك إن اتَّفَقَا على تَزْوِيجِها قبلَ طَلَبِها، جازَ، ووَلِيهَا في المَوْضِعَيْنِ مالِكُ رَقَبَتِها؛ لأنَّه مالِكُها. والكَلَامُ في مَهْرِها وَوَلَدِها، على ما تَقَدَّمَ في الفَصْلِ الذي قبلَه. فصل: وإن قُتِلَ العَبْدُ المُوصَى بِنَفْعِه، وَجَبَتْ قِيمَتُه، يُشْتَرَى بها ما يَقُومُ مَقَامَ

стр. 4263

المُوصَى به؛ لأنَّ كلَّ حَقٍّ تَعَلّقَ بالعَيْنِ تَعَلَّقَ ببَدَلِها، إذا لم يَبْطُلْ سَبَبُ اسْتِحْقاقِها. ويُفَارِقُ الزَّوْجةَ والعَيْنَ المُسْتَأْجَرَةَ؛ لأنَّ سَبَبَ الاسْتِحْقاقِ يَبْطُلُ بِتَلَفِهِما، ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ القِيمَةُ لِلْوارِثِ، أو مالِكِ الرَّقَبةِ، وتَبْطُلَ الوَصِيّةُ؛ لأنَّ القِيمَةَ بَدَلُ الرَّقَبةِ، فتكونُ لِصَاحِبِها، وتَبْطُلُ الوَصِيّةُ بالمَنْفَعةِ، كما تَبْطُلُ الإِجَارَةُ (٢٩). فصل: وإذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِحَبِّ زَرْعِه، ولآخَرَ بنَبْتِه، صَحَّ، والنَّفَقةُ بينهما؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما تَعَلّقَ حَقُّه بالزَّرْعِ. فإن امْتَنَعَ أحَدُهُما من الإِنْفاقِ، فهما بمَنْزِلَةِ الشَّرِيكَيْنِ في أصْلِ الزَّرْعِ إذا امْتَنَعَ أحَدُهُما من سَقْيِه والإِنْفاقِ عليه، فيُخَرَّجُ في ذلك وَجْهانِ؛ أحَدُهُما، يُجْبَرُ على الإِنْفاقِ عليه. هذا قول أبي بكرٍ؛ لأنَّ في تَرْكِ الإِنْفاقِ ضَرَرًا عليهما، وإضَاعةً للمالِ (٣٠)، وقد قال النبيُّ ﷺ : "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ" (٣١). ونَهَى عن إضَاعةِ المالِ (٣٢). والوَجْهُ الآخَرُ، لا يُجْبَرُ؛ لأنَّه لا يُجْبَرُ على الإِنْفاقِ على مالِ نَفسِه، ولا مالِ غيرِه، إذا كان كلُّ واحدٍ منهما مُنْفَرِدًا، فكذلك إذا اجْتَمَعا. وأصْلُ الوَجْهَيْنِ إذا اسْتَهْدَمَ الحائِطُ المُشْتَركُ، فدَعَا أحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الآخَرَ إلى مُبَانَاتِه، فامْتَنَعَ. ويَنْبَغِى أن تكونَ النَّفَقةُ بينهما على قَدْرِ قِيمَةِ حَقِّ كلِّ واحدٍ منهما، كما لو كانا مُشْتَرِكَيْنِ في أصْلِ الزَّرْعِ. فصل: وإن أَوْصَى لرجلٍ (٣٣) بخَاتَمٍ، ولآخَرَ بِفَصِّهِ، صَحَّ، وليس لواحدٍ منهما الانْتِفاعُ به إلَّا بإِذْنِ صاحِبِه، وأيُّهما طَلَبَ قَلْعَ الفَصِّ من الخاتَمِ أُجِيبَ إليه، وأُجْبِرَ الآخَرُ عليه. وإن اتَّفَقَا على بَيْعِه، أو اصْطَلَحا على لُبْسِه، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما لا يَعْدُوهُما.

стр. 4264

فصل: وإن أَوْصَى لِرَجُلٍ بدِينارٍ من غَلَّةِ دارِه، وغَلَّتُها دِينَارانِ، صَحَّ. فإن أرَادَ الوَرَثةُ بَيْعَ نِصْفِها وتَرْكَ النِّصْفِ الذي أَجْرُه دِينَارٌ، فله مَنْعُهُم منه؛ لأنَّه يجوزُ أن يَنْقُصَ أجْرُه عن الدِّينارِ. وإن كانت الدَّارُ لا تَخْرُجُ من الثُّلُثِ، فلهم بَيْعُ ما زادَ عليه، وعليهم تَرْكُ الثُّلُثِ. فإن كانتْ غَلَّتُه دِينَارًا، أو أقَلَّ، فهو لِلْمُوصَى له، وإن كانت أكْثَرَ، فله دِينارٌ، والباقِى لِلْوَرَثةِ. فصل: وتَصِحُّ الوَصِيّةُ بما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، كالعَبْدِ الآبِقِ، والجَمَلِ الشَّارِدِ، والطَّيْرِ في الهَواء، والسَّمَكِ في الماءِ؛ لأنَّ الوَصيّةَ إذا صَحَّتْ بالمَعْدُومِ فبذلك أَوْلَى. ولأنَّ الوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيراثِ، وهذا يُورَثُ، فيُوصَى به؛ فإن قَدَرَ عليه أخَذَه، وسَلَّمَه إذا خَرَجَ من الثُّلُثِ، ولِلْوَصِيِّ السَّعْىُ في تَحصِيلِه، فإن قَدَرَ عليه أخَذَه إذا خَرَجَ من الثُّلُثِ. ٩٦٧ - مسألة؛ قال: (وَإذَا أَوْصَى بجَارِيَةٍ لِبِشْرٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لِبَكْرٍ، فَهِىَ بَيْنَهُما) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا أَوْصَى لِرَجُلٍ بمُعَيَّنٍ من مالِه، ثم وَصَّى به لآخَرَ، أو وَصَّى له بِثُلُثِه، ثم وَصَّى لآخَرَ بِثُلُثِه، أو وَصَّى بِجَمِيعِ مالِه لِرَجُلٍ، ثم وَصَّى به لآخَرَ، فهو بينهما. ولا يكونُ ذلك رُجُوعًا في الوَصِيَّةِ الأُولَى. وبهذا قال رَبِيعَةُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافِعِيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال جابِرُ بن زَيْدٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، ودَاوُدُ: وَصِيَّتُه للآخِرِ منهما؛ لأنَّه وَصَّى للثانِى بما وَصَّى به للأَوَّلِ، فكان رُجُوعًا، كما لو قال: ما وَصَّيْتُ به لِبِشْرٍ فهو لِبَكْرٍ. ولأنَّ الثانية تُنافِى الأُولَى، فإذا أَتَى بها كان رُجُوعًا، كما لو قال: هذا لِوَرَثَتِى. ولَنا، أنَّه وَصَّى لهما بها، فاسْتَوَيا فيها، كما لو قال لهما: وَصَّيْتُ لكما بالجارِيَةِ. وما قَاسُوا عليه صَرَّحَ فيه بالرُّجُوعِ عن وَصِيَّتِه لِبِشْرٍ، وفي مَسْأَلَتِنا يَحْتَمِلُ أنَّه قَصَدَ التَّشْرِيكَ، فلم تَبْطُلْ وَصِيّةُ الآخَر بالشَّكِّ. فصل: وإن وَصَّى بعَبْدٍ لِرَجُلٍ، ثم وَصَّى لآخَرَ بثُلُثِه، فهو بينهما أرْباعًا. وعلى

стр. 4265

قول الآخَرِينَ، يَنْبَغِى أن يكونَ للثانِى ثُلُثُه كامِلًا. وإن وَصَّى بِعَبْدِه لِاثْنَيْنِ، فرَدَّ أحَدُهُما وَصِيَّتَه، فللآخَرِ نِصْفُه. وإن وَصَّى لِاثْنَيْنِ بثُلُثَىْ مالِه، فرَدَّ الوَرَثةُ ذلك، ورَدَّ أحَدُ الوَصِيَّيْنِ وَصِيَّتَه، فللآخَرِ الثُّلُثُ كامِلًا؛ لأنَّه وَصَّى له به مُنْفَرِدًا، وزالَتِ المُزَاحَمةُ، فكَمُلَ له، كما لو انْفَرَدَ به. فصل: إذا أقَرَّ الوارِثُ أن أبَاهُ وَصَّى بالثُّلُثِ لِبِشْرٍ، وأقامَ آخَرُ شاهِدَيْنِ أنَّه وَصَّى له بالثُّلُثِ، فرَدَّ الوارِث الوَصِيَّتَيْنِ، وكان الوارِثُ رَجُلًا عاقِلًا عَدْلًا، وشَهِدَ بالوَصِيَّةِ، حَلَفَ معه المُوصَى له، واشْتَرَكَا في الثُّلُثِ. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ. وهو قِيَاسُ قولِ الشافِعِيِّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا يُشَارِكُه المُقَرُّ له. بِنَاءً منهم على أنَّ الشاهِدَ واليَمِينَ ليس بحُجَّةٍ شَرْعِيّةٍ. وقد ثَبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى بشاهِدٍ ويَمِينٍ. رَوَاه مُسْلِمٌ (١). وإن كان المُقِرُّ ليس بعَدْلٍ، أو كان امْرَأةً، فالثُّلُثُ لمن ثَبَتَتْ له البَيِّنةُ؛ لأنَّ وَصِيَّتَه ثابِتَةٌ، ولم تَثْبُتْ وَصِيّةُ الآخَرِ، وإن لم يكُنْ لواحِدٍ منهما بَيِّنةٌ، فأقَرَّ الوارِثُ أنَّه أقَرَّ لِفُلانٍ بالثُّلُثِ، أو بهذا العَبْدِ، وأقَرَّ لِفُلانٍ به بكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، فالمُقَرُّ به بينهما. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا. وإن أقَرَّ به لواحدٍ، ثم أقَرَّ به لآخَرَ في مَجْلِسٍ آخَرَ، لم يُقْبَلْ إقْرَارُه؛ لأنَّه ثَبَتَ (٢) للأَوّلِ بإقْرَارِه، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه فيما يَنْقُصُ به حَقُّ الأَوّلِ، إلَّا أن يكونَ عَدْلًا، فيَشْهَدَ بذلك، ويَحْلِفَ معه المُقَرُّ له، فيُشَارِكَه، كما لو ثَبَتَ للأَوَّلِ (٣) بِبَيِّنةٍ (٤). وإن أقَرَّ للثانِى في المَجْلِسِ بكَلَامٍ

стр. 4266

مُتَّصِلٍ (٥)، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ حَقَّ الأوَّلِ ثَبَتَ في الجَمِيعِ، فأشْبَه ما لو أقَرَّ له في مَجْلِسٍ آخَرَ. والثانى، يُقْبَلُ؛ لأن المَجْلِسَ الواحِدَ كالحالِ الواحِدَةِ، فإن الخِرَقِيَّ قال: وإذا خَلّفَ ابْنًا وأَلْفَ دِرْهَمٍ، فأقَرَّ بها لِرَجُلٍ، ثم أقَرَّ بأَلْفٍ لآخَرَ، فإن كان في مَجْلِسٍ واحدٍ، فالأَلْفُ بينهما، وإن كان في مَجْلِسَيْنِ، فهى للأَوَّلِ، ولا شَىْءَ للثانى. والأَوَّلُ أقْيَسُ؛ لأنَّ حَقَّ الأَوّلِ ثَبَتَ في الثُّلُثِ كامِلًا، لإِقْرَارِه به (٦) مُنْفَرِدًا، فأشْبَه ما لو كان في مَجْلِسَيْنِ، وكما لو أقَرَّ بِدَرَاهِمَ، ثم سَكَتَ، ثم قال: زُيُوفًا، أو صِغَارًا، أو إلى شَهْرٍ. أو كما لو اسْتَثْنَى ممَّا أقَرَّ به بكَلَامٍ مُنْ فَصِلٍ في المَجْلِسِ. ٩٦٨ - مسألة؛ (وإنْ قَالَ: مَا أَوْصَيْتُ به لِبِشْرٍ فَهُوَ لِبَكْرٍ. كَانَتْ لِبَكْرٍ) هذا قولُهم جَمِيعًا. وبه قال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وهو أيضًا على مذهبِ الحَسَنِ، وعَطَاءٍ، وطَاوُسٍ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه صَرَّحَ بالرُّجُوعِ عن الأَوَّلِ بِذِكْرِه أنَّ ما أَوْصَى به مَرْدُودٌ إلى الثانِى، فأشْبَهَ ما لو قال: رَجَعْتُ عن وَصِيَّتِى لِبِشْرٍ وأوْصَيْتُ بها لِبَكْرٍ. بخِلَافِ ما [إذا وَصَّى] (١) بشيءٍ واحدٍ لِرَجُلَيْنِ، أحَدِهما بعدَ الآخَرِ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه قَصَدَ التَّشْرِيكَ بينهما، وقد ثَبَتَتْ وَصِيَّةُ الأوَّلِ يَقِينًا، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ. فصل: وإن قال: ما أَوْصَيْتُ به لِفُلانٍ، فَنِصْفُه لِفُلانٍ، أو ثُلُثُه. كان رُجُوعًا في القَدْرِ الذي وَصَّى به للثانى خاصَّةً، وباقِيه للأَوَّلِ.

стр. 4267

فصل: وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أن للمُوصِى أن يَرْجِعَ في جَمِيعِ ما أوْصَى به، وفى بعضِه، إلَّا الوَصِيّةَ بالإِعْتاقِ. والأكْثَرُونَ على جَوَازِ الرُّجُوعِ في الوَصِيَّةِ به أيضًا. رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: يُغَيِّرُ الرَّجُلُ ما شاءَ من وَصِيَّتِه. وبه قال عَطَاءٌ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، والزُّهْرِيُّ، وقَتَادةُ، ومالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الشَّعْبِىُّ، وابنُ سِيرِينَ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والنَّخَعِىُّ: يُغَيِّرُ منها ما شاءَ إلَّا العِتْقَ؛ لأنَّه إعْتاقٌ بعدَ المَوْتِ، فلم يَمْلِكْ تَغْييرَه، كالتَّدْبِيرِ. ولَنا، أنَّها وَصِيّةٌ، فمَلَكَ الرُّجُوعَ عنها، كغيرِ العِتْقِ، ولأنَّها عَطِيّةٌ تَنْجُزُ بالمَوْتِ، فجازَ له الرُّجُوعُ عنها قبلَ تَنْجِيزِها، كهِبَةِ ما يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ قبل قَبْضِه (٢)، وفارَقَ التَّدْبِيرَ، فإنَّه تَعْلِيقٌ على شَرْطٍ، فلم يَمْلِكْ تَغْيِيرَهُ، كتَعْلِيقِه على صِفَةٍ في الحَياةِ. فصل: ويَحْصُلُ الرُّجُوعُ بقَوْلِه: رَجَعْتُ في وَصيَّتِى. أو أَبْطَلْتُها، أو غَيَّرْتُها. أو ما أوْصَيْتُ به لِفُلانٍ فهو لِفُلانٍ. أو فهو لِوَرَثَتِى. أو في مِيرَاثِى. وإن أكَلَه، أو أطْعَمَه، أو أتْلَفَه، أو وَهَبَه، أو تَصَدَّقَ به، أو باعَه، أو كان ثوْبًا غير مُفَصَّلٍ ففَصَّلَهُ ولَبِسَه، أو جارِيةً فأحْبَلَها، أو ما أشْبَه هذا، فهو رُجُوعٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، أنَّه إذا أوْصَى لِرَجُلٍ بطَعَامٍ فأكَلَه، أو بشيءٍ فأتْلَفَه، أو تَصَدَّقَ به، أو وَهَبَه، أو بجَارِيةٍ فأحْبَلَها، أو أوْلَدَها، أنَّه يكونُ رُجُوعًا. وحُكِى عن أصْحابِ الرَّأْى، أنَّ بَيْعَه ليس بِرُجُوعٍ؛ لأنَّه أَخَذَ بَدَلَه، بخِلَافِ الهِبَةِ. ولَنا، أنَّه أزَالَ مِلْكَه عنه، فكان رُجُوعًا، كما لو وَهَبَه. وإن عَرَضَه على البَيْعِ، أو وَصَّى بِبَيْعِه، أو أوْجَبَ الهِبَةَ فلم يَقْبَلْها المَوْهُوبُ له، أو كاتَبَهُ، أو وَصَّى بإعْتاقِه، أو دَبَّرَهُ، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه يَدُلُّ على اخْتِيارِه لِلرُّجُوعِ بعَرْضِه على البَيْعِ، وإِيجَابِه لِلْهِبَةِ، ووَصِيَّتِه بِبَيْعِه أو إعْتاقِه، لكَوْنِه وَصَّى بما يُنَافِى الوَصِيّةَ الأُولَى، والكِتَابَةُ بَيْعٌ، والتَّدْبِيرُ أقْوَى من الوَصِيَّةِ؛ لأنَّه يَنْجُزُ بالمَوْتِ، فيَسْبِقُ أخْذَ المُوصَى له. وإن رَهَنَه، كان

стр. 4268

رُجُوعًا؛ لأنَّه عَلَّقَ به حَقًّا يَجُوزُ بَيْعُه، فكان أعْظَمَ من عَرْضِه على البَيْعِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه ليس برُجُوعٍ. وهو وَجْهٌ لأصْحابِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه لا يُزِيلُ المِلْكَ، فأشْبَه إجَارَتَه، وكذلك الحُكْمُ في الكِتَابةِ. فصل: وإن وَصَّى بِحَبٍّ ثم طَحَنَه، أو بِدَقِيقٍ فعَجَنَه، أو بِعَجِينٍ فخَبَزَه، أو بِخُبْزٍ فَفَتَّه، أو جَعَلَه فَتِيتًا. كان رُجُوعًا؛ لأنَّه أزَالَ اسْمَه وعَرَّضَه للاسْتِعْمالِ، فدَلَّ على رُجُوعِه. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وإن وَصَّى بِكَتّانٍ أو قُطْنٍ فغَزَلَهُ، أو بِغَزْلٍ فنَسَجَه، أو بِثَوْبٍ فقَطَعَه، أو بنُقْرَةٍ فضَرَبَها، أو شاةٍ فَذَبَحَها، كان رُجُوعًا. وبهذا قال أصحابُ الرَّأْىِ، والشافِعِىُّ في ظاهِرِ مَذْهَبِه. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه ليس برُجُوعٍ. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه لا يُزِيلُ الاسْمَ. ولَنا، أنَّه عَرَّضَه للاسْتِعْمالِ، فكان رُجُوعًا، كالتى قبلها. ولا يَصِحُّ قولُه: إنّه لا يُزِيلُ الاسْمَ. فإنَّ الثَّوْبَ لا يُسَمَّى غَزْلًا، والغَزْلَ لا يُسَمَّى كَتَّانًا. فصل: وإن وَصَّى بشيءٍ مُعَيَّنٍ، ثم خَلَطَه بغيرِه على وَجْهٍ لا يَتَمَيَّزُ منه، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه يَتَعَذَّرُ بذلك تَسْلِيمُه، فيَدُلُّ على رُجُوعِه. فإن خَلَطَه بما يَتَمَيَّزُ منه، لم يكُنْ رُجُوعًا؛ لأنَّه يُمْكِنُ تَسْلِيمُه. وإن وَصَّى بقَفِيزِ قَمْحٍ من صُبْرَةٍ، ثم خَلَطَها بغيرِها، لم يكُنْ رُجُوعًا، سواءٌ خَلَطَها بمِثْلِها، أو بِخَيْرٍ منها، أو دُونَها؛ لأنَّه كان مُشَاعًا وبَقِىَ مُشَاعًا. وقيل: إن خَلَطَه بخَيْرٍ منه، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه تَسْلِيمُ المُوصَى به (٣) إلَّا بتَسْلِيمِ خَيْرٍ منه، ولا يَجِبُ على الوارِثِ تَسْلِيمُ خَيْرٍ منه، فصارَ مُتَعَذِّرَ التَّسْلِيمِ، بخِلَافِ ما إذا خَلَطَه بمِثْلِه أو دُونَه. فصل: وإذا حَدَثَ بالمُوصَى به ما يُزِيلُ اسْمَه، من غيرِ فِعْلِ المُوصِى، مثل أن سَقَطَ الحَبُّ في الأرْضِ فصارَ زَرْعًا، أو انْهَدَمَتِ الدّارُ فصارَتْ فَضَاءً، في حَياةِ المُوصِى، بَطَلَتِ الوَصِيّةُ بها؛ لأنَّ الباقِىَ لا يَتَنَاوَلُه الاسْمُ. وإن كان انْهِدَامُ الدَّارِ

стр. 4269

لا يُزِيلُ اسْمَها، سُلِّمَتْ إليه دون ما انْ فَصَلَ منها؛ لأنَّ الاسْمَ حين الاسْتِحْقاقِ يَقَعُ على المُتَّصِلِ دون المُنْفَصِلِ. ويَتْبَعُ الدَّارَ في الوَصِيّةِ ما يَتْبَعُها في البَيْعِ. فصل: وإن جَحَدَ الوَصِيّةَ، لم يكُنْ رُجُوعًا، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. ولأنَّه عَقْدٌ، فلا يَبْطُلُ بالجُحُودِ، كسائِرِ العُقُودِ. والثانى، يكونُ رُجُوعًا؛ لأنَّه يَدُلُّ على أنَّه لا يُرِيدُ إِيصَالَه إلى المُوصَى له. وإن غَسَلَ الثَّوْبَ، أو لَبِسَه، أو جَصَّصَ الدّارَ، أو سَكَنَها، أو أجَرَ الأمَةَ، أو زَوَّجَها، أو عَلَّمَها، أو وَطِئَها، لم يكُنْ رُجُوعًا؛ لأنَّ ذلك لا يُزِيلُ المِلْكَ ولا الاسْمَ، ولا يَدُلُّ على الرُّجُوعِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ وَطْءَ الأَمَةِ رُجُوعٌ؛ لأنَّه يُعَرِّضُها لِلْخُرُوجِ عن جَوَازِ النَّقْلِ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه انْتِفَاعٌ لا يُزِيلُ المِلْكَ في الحالِ، ولا يُفْضِى إليه يَقِينًا، فأشْبَهَ لُبْسَ الثَّوْبِ، فإنَّه ربما أتْلَفَه، وليس برُجُوعٍ. فصل: نَقَلَ الحَسَنُ بن ثَوَابٍ، عن أحمدَ، في رَجُلٍ قال: هذا ثُلُثِى لِفُلَانٍ، ويُعْطَى فُلَانٌ منه مائةً في كلِّ شَهْرٍ إلى أن يَمُوتَ. فهو للآخِرِ منهما، ويُعْطَى هذا مائةً في كلِّ شَهْرٍ، فإن ماتَ وفَضَلَ شيءٌ، رُدَّ إلى صاحِبِ الثُّلُثِ. فحَكَمَ بِصِحَّةِ الوَصِيَّةِ وإنْفاذِها، على ما أَمَرَ به المُوصِى. ٩٦٩ - مسألة؛ قال: (ومَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً، ولَمْ يُشْهِدْ فِيهَا، حُكِمَ بِهَا، مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهَا) نَصَّ أحمدُ على هذا، في رِوَايةِ إسْحاق بن إبراهيمَ، فقال: مَنْ ماتَ، فوُجِدَتْ وَصِيَّتُه مَكْتُوبةً عندَ رَأْسِه، ولم يُشْهِدْ فيها، وعُرِفَ خَطُّه، وكان مَشْهُورَ الخَطِّ، يُقْبَلُ ما فيها. ورُوِى عن أحمدَ أنَّه لا يُقْبَلُ الخَطُّ في الوَصِيَّةِ، ولا يُشْهِدُ على الوَصيَّةِ المَخْتُومةِ حتى يَسْمَعَها الشُّهُودُ منه، أو تُقْرَأَ عليه، فيُقِرَّ بما فيها. وبهذا قال (١)

стр. 4270

الحَسَنُ، وأبو قِلَابَةَ، والشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ الحُكْمَ لا يجوزُ برُؤْيَةِ خَطِّ الشاهِدِ بالشَّهَادَةِ بالإِجْماعِ، فكذا ههُنا، وأبْلَغُ من هذا أنَّ الحاكِمَ لو رَأَى حُكْمَه بخَطِّه تَحْتَه (٢) خَتْمُه، ولم يَذْكُرْ أنه حَكَمَ به، أو رَأَى الشاهِدُ شَهَادَته بخَطِّه، ولم يَذْكُر الشّهَادَةَ، لم يَجُزْ لِلْحاكِمِ إنْفَاذُ الحُكْمِ بما وَجَدَه، ولا لِلشَّاهِدِ الشّهَادَةُ بما رَأَى خَطَّه به، فههُنا أَوْلَى. وقد نَصَّ أحمدُ على هذا في الشَّهادَةِ. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، قولُ النبيِّ ﷺ : "مَا حَقُّ (٣) امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَىْءٌ يُوصِى فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إلَّا وَوَصِيَّتُه مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" (٤). ولم يَذْكُرْ شَهادةً (٥). وما ذَكَرْناه في ال فَصْلِ (٦) الذي يَلِى هذا، ولأنَّ الوَصِيّةَ يُتَسَامَحُ فيها، ولهذا صَحَّ تَعْلِيقُها على الخَطَرِ والغَرَرِ، وصَحَّتْ لِلْحَمْلِ، وبه (٧)، وبما لا يُقْدَرُ على تَسْلِيمِه، وبالمَعْدُومِ والمَجْهُولِ، فجازَ أن يُتَسَامَحَ فيها بِقَبُولِ الخَطِّ، كرِوَايةِ الحَدِيثِ. فصل: وإن كَتَبَ وَصِيَّتَه، وقال: اشْهَدُوا علىَّ بما في هذه الوَرَقَةِ. أو قال: هذه وَصِيَّتِى، فاشْهَدُوا علىَّ بها. فقد حُكِى عن أحمدَ، أنَّ الرَّجُلَ إذا كَتَبَ وَصِيَّتَه، وخَتَمَ عليها، وقال للشُّهُودِ: اشْهَدُوا عَلىَّ بما في هذا الكِتَابِ. لا يجوزُ حتى يَسْمَعُوا منه ما فيه، أو يُقْرَأَ عليه فيُقِرَّ بما فيه. وهو قولُ مَنْ سَمَّيْنَا في المَسْأَلةِ الأُولَى. ويَحْتَمِلُ كَلَامُ الخِرَقِيِّ جَوَازَه؛ لأنَّه إذا قُبِلَ خَطُّه المُجَرَّدُ، فهذا أَوْلَى. وممَّن قال ذلك عبدُ المَلِكِ بن يَعْلَى (٨)، ومَكْحُولٌ، ونُمَيْرُ بن إبْراهيمَ (٩)، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والأَوْزاعِيُّ،

стр. 4271

ومحمدُ بن مَسْلَمةَ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ. واحْتَجَّ أبو عُبَيْدٍ بِكُتُبِ رسولِ اللهِ ﷺ إلى عُمَّالِه وأُمَرَائِه، في أمْرِ وِلَايَتِه وأحْكامِه وسُنَنِه (١٠)، ثم ما عَمِلَتْ به الخُلَفاءُ الراشِدُونَ المَهْدِيُّونَ بعدَه من كُتُبِهِم إلى وُلَاتِهِم، بالأحْكامِ التي فيها الدِّمَاءُ والفُرُوجُ والأمْوال، يَبْعَثُونَ بها مَختُومةً، لا يَعْلَمُ حامِلُها ما فيها، وأمْضَوْهَا على وُجُوهِها، وذَكَرَ اسْتِخْلَافَ سليمانَ بن عبد المَلِكِ عمرَ بن عبد العَزِيزِ، بكِتَابٍ كَتَبَه، وخَتَمَ عليه، ولا نَعْلَمُ أحَدًا أنْكَرَ ذلك مع شُهْرَتِه وانْتِشَارِه في عُلَمَاءِ العَصْرِ، فكان إجْماعًا. ووَجْهُ الأوّلِ أنَّه كِتَابٌ لا يَعْلَمُ الشَّاهِدُ ما فيه، فلم يَجُزْ أن يَشْهَدَ عليه، ككِتابِ القاضي إلى القاضي، فأمَّا ما ثَبَتَ من الوَصِيَّةِ، بِشَهَادَةٍ أو إقْرارِ الوَرَثةِ به، فإنَّه يَثْبُتُ حُكْمُه ويُعْمَلُ به، ما لم يُعْلَمْ رُجُوعُه عنه، وإن طالَتْ مُدَّتُه، وتَغَيَّرتْ أحْوالُ المُوصى به، مثل أن يُوصِىَ في مَرَضٍ فيَبْرَأَ منه، ثم يَمُوتَ بعدُ أو يُقْتَلَ؛ لأنَّ الأصْلَ بقَاؤُه، فلا يَزُولُ حُكْمُه بمُجَرَّدِ الاحْتِمالِ والشّكِّ، كسائِرِ الأحْكامِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَكْتُبَ المُوصِى وَصِيَّتَه، ويُشْهِدَ عليها؛ لأنَّه أحْفَظُ لها. وأحْوَطُ لما فيها. وقد صَحَّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَىْءٌ يُوصِى فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إلَّا ووَصِيَّتُه مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" (١١). ورُوِى عن أنَسٍ، أنَّه قال:

стр. 4272

كانوا يَكْتُبُونَ في صُدُورِ وَصَايَاهُم: بسم اللهِ الرحمن الرحيم. هذا ما أَوْصَى به فلانٌ، أنَّه يَشْهَدُ أن لا إله إلَّا اللهُ، وَحْدَه لا شَرِيكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورَسُولُه، وأنَّ الساعةَ آتِيةٌ لا رَيْبَ فيها، وأنَّ اللَّه يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ، وأَوْصَى من تَرَكَ من أهْلِه أن يَتَّقُوا اللهَ، ويُصْلِحُوا ذاتَ بَيْنهِم، ويُطيعُوا اللهَ وَرَسُولَه إن كانوا مُؤْمِنِينَ، وأوْصَاهُم بما أوْصَى به إبْرَاهِيمُ بَنِيه ويَعْقُوبَ: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٢). أخْرَجَهُ سَعِيدٌ (١٣)، عن فُضَيْلِ بن عِيَاضٍ، عن هِشَامِ بن حَسَّانٍ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أنَسٍ. ورُوِىَ عن ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّه كَتَبَ [في وَصِيَّتِهِ] (١٤): بسم اللَّه الرحمن الرحيم. هذا ذِكْرُ ما أوْصَى به عبدُ اللَّه بن مَسْعُودٍ، إن حَدَثَ لي حادِثُ المَوْتِ من مَرَضِى هذا، أنَّ مَرْجِعَ وَصِيَّتِى إلى اللهِ تعالَى (١٥)، ثم إلى الزُّبَيْرِ بن العَوَّامِ، وابنِه عبد اللَّه، وأنَّهما في حِلٍّ وبَلٍّ فيما وَلِيَا وقَضَيَا، وأنه لا تُزَوّجُ امْرَأةٌ من بَنَاتِ عبدِ اللَّه إلَّا بإذْنِهِما (١٦). ورَوَى ابنُ عبد البَرِّ قال: كان في وَصِيّةِ أبى الدَّرْدَاءِ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. هذا ما أوْصَى به أبو الدَّرْدَاءِ، أنَّه يَشْهَدُ أن لا إله إلا اللَّه وَحْدَه لا شَرِيكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورَسُولُه، وأنَّ الجَنّةَ حَقٌّ، وأنَّ النارَ حَقٌّ، وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القُبُورِ، وأنَّه يُؤْمِنُ باللهِ ويَكْفُرُ بالطّاغُوتِ، على ذلك يَحْيَا ويَمُوتُ، إن شاءَ اللهُ، وأوْصَى فيما رَزَقَه اللهُ تعالى، بكذا وكذا، وأن هذه وَصِيّتُه إن لم يُغَيِّرْها. ٩٧٠ - مسألة؛ قال: (وَمَا أعْطَى فِي مَرَضِهِ الَّذى مَاتَ فِيهِ، فَهُوَ مِنَ الثُّلُثِ) وجملةُ ذلك أنَّ التَّبَرُّعاتِ المُنْجزَةَ، كالعِتْقِ، والمُحَاباةِ، والهِبَةِ المَقْبُوضَةِ،

стр. 4273

والصَّدَقةِ، والوَقْفِ، والإِبْراءِ من الدَّيْنِ، والعَفْوِ عن الجِنَايةِ المُوجِبَةِ للمالِ، إذا كانت في الصِّحَّةِ فهى من رَأْسِ المالِ. لا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. وإن كانت في مَرَضٍ مَخُوفٍ اتَّصَلَ به المَوْتُ، فهى من ثُلُثِ المالِ، في قولِ جُمْهُورِ العُلَماءِ. وحُكِى عن أهْلِ الظّاهِرِ في الهِبَةِ المَقْبُوضةِ أنَّها من رَأْسِ المالِ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ اللهَ تَصَدّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفاتِكُمْ بثُلُثِ أمْوالِكُم، زِيَادةً لَكُمْ فِي أعْمالِكُمْ". رَوَاه ابنُ ماجَه (١). وهذا يَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّه ليس له أكْثَرُ من الثُّلُثِ. ورَوَى عِمْرانُ بن حُصَيْنٍ، أنَّ رَجُلًا من الأنْصارِ أعْتَقَ سِتَّةَ أعْبُدٍ له في مَرَضِه، لا مالَ له غيرُهم، فاسْتَدْعاهُم رسولُ اللَّه ﷺ ، فجَزَأهُم ثَلَاثةَ أجْزَاء، وأَقْرَعَ بينهم، فأعْتَقَ اثْنَيْنِ، وأرَقَّ أرْبَعةً. [رَواهُ مُسْلِمٌ] (٢). وإذا لم يَنْفُذِ العِتْقُ مع سِرَايَتِه، فغيرُه أَوْلَى. ولأنَّ هذه الحالَ الظاهِرُ منها المَوْتُ، فكانت عَطِيَّتُهُ (٣) فيها في حَقِّ وَرَثَتِه لا تَتَجاوَزُ الثُّلُثَ، كالوَصِيّةِ. فصل: وحُكْمُ العَطايَا في مَرَضِ المَوْتِ المَخُوفِ، حُكْمُ الوَصِيَّةِ في خَمْسَةِ أشْياء؛ أحدها، أنَّه (٤) يَقِفُ نُفُوذُها على خُرُوجِها من الثُّلُثِ أو إجَازةِ (٥) الوَرَثةِ، الثاني، أنَّها لا تَصِحُّ لِوَارِثٍ إلَّا بإجَازَةِ بَقِيَّة الوَرَثةِ. الثالث، أن فَضِيلَتَها ناقِصَةٌ عن فَضِيلَةِ الصَّدَقةِ في الصِّحَّةِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن أَفْضَلِ الصَّدَقةِ قال: "أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الغِنَى وتَخْشَى الفَقْرَ ولا تُمْهِلْ حَتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلانٍ كذا، ولِفُلانٍ كذا، وقَدْ كَانَ لِفُلانٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). ولَفْظُه: قال رَجُلٌ:

стр. 4274

يا رسولَ اللَّه: أيُّ الصَّدَقةِ أَفْضَلُ؟ [قال: "أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ"] (٧). الرابع، أنَّه يُزَاحِمُ بها الوَصَايَا في الثُّلُثِ. الخامس، أنَّ خُرُوجَها من الثُّلُثِ مُعْتَبَرٌ حالَ المَوْتِ، لا قَبْلَه ولا بَعْدَه. ويُفَارِقُ الوَصِيَّةَ في سِتَّةِ أشْياء؛ أحدها، أنَّها لازِمَةٌ في حَقِّ المُعْطِى ليس له الرُّجُوعُ فيها. وإن كَثُرَتْ، لأنَّ المَنْعَ [من الزِّيَادةِ على الثُلُثِ] (٨) إنَّما كان لِحَقِّ الوَرَثةِ، لا لِحَقِّه، فلم يَمْلِكْ إجَازَتَها ولا رَدَّها، وإنما كان له الرُّجُوعُ في الوَصِيَّةِ؛ لأنَّ التَّبَرُّعَ بها مَشْرُوطٌ بالمَوْتِ (٩)، ففيما قبلَ المَوْتِ لم يُوجَد التَّبَرُّعُ ولا العَطِيّةُ، بخِلَافِ العَطِيّةِ في المَرَضِ، فإنَّه قد وُجِدَتِ العَطِيّةُ منه، والقَبُولُ من المُعْطِى، والقَبْضُ، فلَزِمَتْ كالوَصِيّةِ إذا قُبِلَتْ بعدَ المَوتِ وقُبِضَتْ. الثاني، أنَّ قَبُولَها على الفَوْرِ في حال (١٠) حَيَاةِ المُعْطِى وكذلك رَدُّها، والوَصَايَا لا حُكْمَ لِقَبُولِها ولا رَدِّها إلَّا بعد المَوْتِ؛ لما ذَكَرْنا من أنَّ العَطِيّةَ تَصَرُّفٌ في الحالِ، فتُعْتَبَرُ شُرُوطُه وَقْتَ وُجُودِه، والوَصِيّةُ تَبَرُّعٌ بعدَ المَوْتِ، فتُعْتَبَرُ شُرُوطُه بعدَ المَوْتِ. الثالث، أنَّ العَطِيَّةَ تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِها المَشْرُوطَةِ لها في الصِّحَّةِ؛ من العِلْمِ، وكَوْنِها لا يَصِحُّ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ وغَرَرٍ في غير العِتْقِ، والوَصِيّةُ بخِلَافِه. الرابع، أنَّها تُقَدَّمُ على الوَصِيَّةِ، وهذا قول الشافِعِيِّ، وجُمْهُورِ العُلَماءِ. وبه قال أبو حنيفةَ،

стр. 4275

وأبو يوسفَ، وزُفَرُ، إلَّا في العِتْقِ، فإنَّه حُكِىَ عنهم تَقْدِيمُه، لأنَّ العِتْقَ يَتَعَلَّقُ به حَقُّ اللهِ تعالى، ويَسْرِى وَقْفُه (١١)، ويَنْفُذُ في مِلْكِ الغَيْرِ، فيَجِبُ تَقْدِيمُهُ. ولَنا، أنَّ العَطِيَّةَ لازِمةٌ في حَقِّ المَرِيضِ، فقُدِّمَتْ على الوَصِيَّةِ، كعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ، [ولأنَّها عَطِيَّةٌ بثمَرَةٍ، فقُدِّمَتْ على العِتْقِ، كعَطِيَّةِ الصَّدَقَةِ] (١٢)، وكما لو تَسَاوَى الحَقَّانِ. الخامس، أنَّ العَطايَا إذا عَجَزَ الثُّلُثُ (١٣) عن جَمِيعِها، بُدِىءَ بالأوَّلِ فالأَوَّل، سواءٌ كان الأوَّلُ عِتْقًا (١٤) أو غيرَه. وبهذا قال الشافِعِيُّ، وقال أبو حنيفةَ: الجَمِيعُ سواءٌ إذا كانت من جنْسٍ واحدٍ، وإن كانت من أجْناسٍ، وكانت المُحَاباةُ مُتَقَدِّمةً قُدِّمَتْ، وإن تَأَخَّرَتْ سُوِّىَ بينها وبين العِتْقِ، وإنَّما كان كذلك، لأنَّ المُحاباةَ حَقُّ آدَمِيّ على وَجْهِ المُعَاوَضةِ، فقُدِّمَتْ إذا تَقَدَّمَتْ، كقَضَاءِ الدَّيْنِ، وإذا تساوَى جِنْسُها سُوِّىَ بينها؛ لأنَّها عَطَايَا من جِنْسٍ واحدٍ، تُعْتَبَرُ من الثُّلُثِ، فَسُوِّىَ بينها، كالوَصِيَّةِ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يُقَدَّمُ العِتْقُ، تَقَدَّمَ أو تَأَخَّرَ. ولَنا، أنَّهما عَطِيَّتان مُنْجَزَتانِ، فكانت أُولَاهُما أَوْلَى، كما لو كانت الأُولَى مُحَاباةً عندَ أبى حَنِيفةَ، أو عِتْقًا عند صاحِبَيْه. ولأنَّ العَطِيَّةَ المُنْجَزَةَ لازِمَةٌ في حَقِّ المُعْطِى، فإذا كانت خارِجَةً من الثُّلُثِ، لَزِمَتْ في حَقِّ الوَرَثةِ، فلو شَارَكَتْها الثانِيةُ، لمَنَعَ ذلك لُزُومَها في حَقِّ المُعطِى؛ لأنَّه يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عن بَعْضِها بِعَطيّةٍ أُخْرَى، بخِلَافِ الوَصَايَا، فإنَّها غيرُ لازِمَةٍ في حَقِّه، وإنما تَلزَمُ بالمَوْتِ في حالٍ واحدةٍ، فاسْتَوَيا لِاستِوَائِهِما في حال لُزُومِهِما، بخِلِافِ المُنْجَزَتَيْنِ. وما قالَه في المُحَاباةِ غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّها بمَنْزِلَةِ الهِبَةِ، ولو كانت بمَنْزِلَةِ المُعَاوَضةِ أو الدَّيْنِ لَما كانت من الثُّلُثِ. فأمَّا إن وَقَعَتْ دُفْعَةً واحِدَةً، كأنْ (١٥) وكَّل جَماعَةً في هذه التَّبَرُّعاتِ، فأَوْقَعُوها دُفْعَةً واحِدَةً، فإن كانت كلها عِتْقًا أقْرَعْنَا
следующие страницы →