← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

مَعْلُومًا، والوَسَطُ من الجِنْسِ يَبْعُدُ الوقوفُ عليه؛ لكثرةِ أنواعِ الجِنْسِ واخْتلافِها، واخْتلافِ الأعيانِ فى النَّوْعِ الواحدِ. وأمَّا تَخْصيصُ التصحيحِ بعَبْدٍ من عَبِيدِه، فلا نظيرَ له يُقاسُ عليه، ولا نعلمُ فيه نصًّا يُصارُ إليه، فكيف يَثْبُتُ الحكمُ فيه بالتَّحَكُّمِ؟ وأمَّا نُصوصُ أحمدَ على الصِّحَّةِ، فتَأَوَّلَها أبو بكرٍ على أنَّه تَزَوَّجَها على عبدٍ مُعَيَّنٍ، ثم أشْكَلَ عليه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ لها مَهْرَ المِثْلِ فى كلِّ موضعٍ حَكَمْنا بفسادِ التسميةِ، ومَنْ قال بصِحَّتِها، أوْجَبَ الوَسَطَ من المُسَمَّى، والوَسَطُ من العَبِيدِ السِّنْدِىُّ؛ لأنَّ الأعْلَى التُّرْكِىُّ والرُّومِىُّ، والأسْفَلَ الزنْجِىُّ والحَبَشِىُّ، والوَسَطَ السِّنْدِىُّ والمَنْصُورِىُّ. قال القاضى: وإن أعْطاها قِيمةَ العَبْدِ، لَزِمَها قَبُولُها، إلْحاقًا بالإِبلِ فى الدِّيَةِ. فصل: ويجوز أن يكونَ الصَّداقُ مُعَجَّلًا، ومُؤَجَّلًا، وبعضُه مُعجلًا وبعضُه مُوجَّلًا؛ لأنَّه عِوَضٌ فى مُعاوَضةٍ، فجاز ذلك فيه كالثَّمَنِ. ثم إن أُطْلِقَ ذِكْرُه اقْتَضَى الحلولَ، كما لو أطْلِقَ ذِكْرُ الثمنِ. وإن شَرَطه مُؤجَّلًا إلى وقتٍ، فهو إلى أجَلِه. وإن أجَّلَه ولم يَذْكُرْ أجَلَه، فقال القاضى: المَهْرُ صَحِيحٌ. ومَحَلُّه الفُرْقةُ؛ فإنَّ أحمدَ قال: إذا تزَوَّجَ على العاجلِ والآجلِ، لا يَحِلُّ الآجِلُ إلَّا بمَوْتٍ أو فُرْقةٍ. وهذا قولُ النَّخَعِىِّ والشَّعْبِىِّ. وقال الحسنُ، وحَمَّادُ بن أبى سليمانَ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ: يَبْطُل الأَجَلُ، ويكونُ حالًّا. وقال إياسُ بن مُعَاويةَ، وقَتادةُ: لا يَحِلُّ حتى يُطَلِّقَ، أو يَخْرُجَ من مِصْرِها، أو يتَزَوَّج عليها. وعن مَكْحُولٍ، والأَوْزاعىِّ، والعَنْبَرِىِّ: يَحِلُّ إلى سَنَةٍ بعدَ دُخُولِه بها. واخْتار أبو الخَطَّابِ أَنَّ المَهْرَ فاسدٌ، ولها مَهْرُ المِثْلِ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه عِوَضٌ مَجْهولُ المَحَلِّ، ففَسَدَ، كالثمنِ فى البَيْعِ (١٣). وَوَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ، أَنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على العُرْفِ، والعادةُ فى الصَّداقِ الآجِلِ تَرْكُ المُطالبةِ به إلى حينِ الفُرْقَةِ، فحُمِلَ عليه، فيَصِيرُ حينئذٍ مَعْلُومًا بذلك. فأمَّا إن جَعَلَ للآجِلِ (١٤) مُدَّةً مجهولةً، كقُدُومِ زَيْدٍ، ومجِىءِ المَطرِ، ونحوِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، وإنَّما صَحَّ

стр. 5077

المُطْلَقُ؛ لأنَّ أجَلَه الفُرْقةُ بحُكْمِ العادَةِ، وههُنا صَرَفَه عن العادَةِ بذِكرِ الأجَلِ، ولم يُبَيِّنْه، فبَقِىَ مجهولًا، فيَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ التَّسْمِيَةُ، ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ التَّأْجيلُ ويَحِلَّ. ١٢٠١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى مُحَرَّمٍ، وَهُمَا مُسْلِمَانِ، ثَبَتَ النِّكَاحُ، وكَانَ لَهَا مَهْرُ المِثْلِ، أَوْ نِصْفُه إِنْ كَانَ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ) فى هذه المسألة ثلاثُ مَسائلَ: الأولى: أنَّه إذا سَمَّى فى النِّكاحِ صَداقًا مُحَرَّمًا، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فالتَّسْمِيَةُ فاسدةٌ، والنِّكاحُ صحيحٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال عامَّةُ الفقهاءِ؛ منهم الثَّوْرِىُّ، والأَوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن أبى عُبَيْدٍ أَنَّ النِّكاحَ فاسدٌ. واخْتاره أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ، قال: لأنَّ أحمدَ قال، فى رِوايةِ المَرُّوذِىِّ: إذا تزَوَّجَ على مالٍ غيرِ طَيِّبٍ، فكَرِهَه. فقلتُ: تَرَى اسْتِقْبالَ النِّكاحِ؟ فأعْجَبَه. وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه إن كان بعدَ الدُّخولِ، ثَبَتَ النِّكاحُ، وإن كان قبلَه، فُسِخَ. واحْتَجَّ مَنْ أفْسَدَه بأنَّه نِكاحٌ جُعِلَ الصَّداقُ فيه مُحَرَّمًا، فأشْبَهَ نِكاحَ الشِّغَارِ. ولَنا، أنَّه نِكاحٌ لو كان عِوَضُه صحيحًا كان صَحِيحًا، فوَجَبَ أن يكونَ صحيحًا وإن كان عِوَضُه فاسدًا، كما لو كان مَغْصُوبًا أو مجهولًا، ولأنَّه عَقْدٌ لا يَفْسدُ بجَهالةِ العِوَضِ، فلا يفْسُدُ بتَحْرِيمه كالخُلْعِ، ولأنَّ فَسادَ العِوَض لايَزِيدُ على عَدَمِه، ولو عُدِمَ كان العَقْدُ صحيحًا، فكذلك إذا فَسَدَ. وكلامُ أحمدَ، فى رواية المَروذِىِّ، محمولٌ على الاسْتِحبابِ، فإن مسألةَ المَروذِىِّ فى المالِ الذى ليس بطَيِّبٍ، وذاك (١) لا يَفْسُدُ العَقْدُ بتَسْمِيَتِه فيه اتّفاقًا. وما حُكِىَ عن مالكٍ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ ما كان فاسِدًا قبلَ الدُّخولِ، فهو بعدَه فاسِدٌ، كنكاحِ ذَواتِ المَحارِمِ. فأمَّا إذا فَسَدَ الصَّداقُ لجهالَتِه، أو عَدَمِه، أو العَجْزِ عن تَسْلِيمِه، فإنَّ النِّكاحَ ثابتٌ. لا نعلمُ فيه خلافًا (٢). وقولُ الخِرَقِىِّ: "وهما مُسْلِمانِ". احْتِرازٌ من

стр. 5078

الكافِرين إذا عُقِدَ النِّكاحُ بمُحَرّمٍ، فإنَّ هذه قد مَرَّ تَفْصِيلُها. المسألة الثانية: أنَّه يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وذلك لأنَّ فَسَادَ العِوَض يقْتَضِى رَدَّ المُعَوَّضِ، وقد تَعَذّرَ رَدُّه لصِحَّةِ النِّكاحِ، فيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِه، وهو مَهْرُ المِثْلِ، كمن اشْتَرَى شيئا بثَمَنٍ فاسدٍ، فقَبَضَ المَبِيعَ، وتَلِفَ فى يَدِه، فإنَّه يَجِبُ عليه رَدُّ قِيمَتِه. فإن دَخَلَ بها، استقرَّ مَهْرُ المِثْلِ، فى قولِهم جميعًا. وإن مات أحَدُهما، فكذلك؛ لأنَّ الموتَ يقومُ مَقامَ الدُّخولِ فى تَكْمِيلِ الصَّداقِ وتَقْرِيرِه. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه روايةٌ أخرى، لا يَسْتَقِرُّ بالموتِ، إلَّا أن يكونَ قد فَرَضَه لها. وإن طَلَّقَ قبلَ الدُّخولِ، فلها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لها المُتْعةُ؛ لأنَّه لو لم يُسَمِّ لها صَداقًا لَكان (٣) لها المُتْعةُ، فكذلك إذا سَمَّى لها (٤) تَسْمِيةً فاسدةً؛ لأنَّ هذه التَّسْمِيَةَ كعَدَمِها. وذكَر القاضى، فى "الجامعِ" أنَّه لا فَرْقَ بين مَنْ لم يُسَمِّ لها صَداقًا، وبين مَنْ سَمَّى لها مُحَرَّمًا كالخمرِ، أو مجهولًا كالثَّوْبِ. وفى الجميعِ روايتان؛ إحْداهما، لها المُتْعةُ إذا طَلَّقها قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّ ارْتِفاعَ العَقْدِ يُوجِبُ رَفْعَ ما أوْجَبَه من العِوَضِ كالبَيْعِ، لكنْ تَركْناه فى نِصْفِ المُسَمَّى لتَراضِيهما عليه، فكان ما تَراضَيا عليه أَوْلَى، ففى مَهْرِ المِثْلِ يَبْقَى على الأَصْلِ فى أنَّه يَرْتَفِعُ وتَجِبُ المُتْعةُ. والثانية، أَنَّ لها نِصْفَ مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ ما أوْجَبه عَقْدُ النِّكاحِ يَتَنَصَّفُ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، ومَهْرُ المثلِ قد أَوْجَبه العقدُ، فيتنَصَّفُ به كالمُسَمَّى. والخِرَقِىُّ فَرّقَ بينهما، فأوْجَبَ فى التَّسْمِيَةِ الفاسدةِ نِصْفَ مَهْرِ المثلِ، وفى المُفَوِّضةِ المُتْعةَ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ المُفَوِّضةَ رَضِيَتْ بلا عِوَضٍ، وعاد إليها بُضْعُها سليمًا، وإيجابُ نِصْفِ المَهْرِ لها لا وَجْهَ له؛ لأنَّ اللَّه تعالى أَوْجَبَ لها المُتْعةَ، ففى إيجابِ نِصْفِ المَهْرِ جَمْعٌ بينهما، أو إسقاطٌ لِلمُتْعةِ المنْصوصِ

стр. 5079

عليها، وكلاهما فاسدٌ. وأمَّا التى اشْترَطَتْ لنَفْسِها مَهْرًا، فلم تَرْضَ إِلَّا بعِوَضٍ، ولم يَحْصُلْ لها العِوَضُ الذى اشترَطَتْه، فوَجَبَ لها بَدَلُ ما فات عليها من العِوَضِ، وهو مَهْرُ المثلِ، أو نِصْفُه إن كان قبلَ الدُّخُولِ، ولأنَّ الأَصلَ وُجُوبُ مَهْرِ المثلِ؛ لأنَّه وَجَبَ بالعَقْدِ، بدليلِ أنَّه يَسْتَقِرُّ بالدُّخولِ والموتِ، وإنَّما خُولِفَ هذا فى المُفَوِّضةِ بالنَّصِّ الواردِ فيها، ففيما (٥) عَداها يَبْقَى على الأَصْلِ. المسألة الثالثة: أنَّه إذا سَمَّى لها تَسْمِيَةً فاسدةً، وَجَبَ مَهْرُ المثلِ بالغًا ما بَلَغَ. وبه قال الشافعىُّ، وزُفَرُ. وقال أبو حنيفةَ، وصاحِباه: يجبُ الأقَلُّ من المُسَمَّى أو مَهْرِ المثلِ؛ لأنَّ البُضْعَ لا يُقَوَّمُ إلَّا بالعَقْدِ، فإذا رَضِيَتْ بأقَلَّ من مَهْرِ مِثْلِها، لم يُقَوَّمْ بأكْثرَ ممَّا رَضِيَتْه (٦)؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإسْقاطِ الزِّيادةِ. ولَنا، أَنَّ ما ضُمِنَ (٧) بالعَقْدِ الفاسدِ، اعْتُبِرَتْ قِيمَتُه بالغًا ما بَلَغَ، كالمَبِيعِ. وما ذكَرُوه فغيرُ مُسَلَّمٍ، ثم لا يَصِحُّ عندهم، فإنَّه لو وَطِئَها وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، ولو لم يكُنْ له قِيمةٌ لم يَجِبْ. فإن قيل: إنَّما وَجَبَ لحَقِّ اللَّه تعالى. قيل: لو كان كذلك لوَجَبَ أقَل المَهْرِ، ولم يَجِبْ مَهْرُ المِثْلِ. ١٢٠٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا، وأَلْفٍ لِأَبِيهَا، كَانَ ذلِكَ جَائِزًا، فإِنْ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عَلَيْهَا بنِصْفِ الأَلْفَيْنِ، ولَمْ يَكُنْ عَلَى الأَبِ شَىْءٌ مِمَّا أَخَذَهُ) وجملةُ الأمرِ أنَّه يجوزُ لأبِى المرأةِ أن يَشْتَرِطَ شيئًا من صَداقِ ابْنَتِه لنَفْسِه. وبهذا قال إسحاقُ. وقد رُوِىَ عن مَسْرُوقٍ، أنَّه لمَّا زَوّجَ ابْنَتَه، اشترَطَ لنفسِه عَشْرةَ آلافٍ، فجَعَلَها فى الحجِّ والمساكينِ، ثم قال للزَّوْجِ: جَهِّز امْرَأَتَكَ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن علىِّ ابن الحسينِ. وقال عطاءٌ، وطاوُسٌ، وعِكْرِمَةُ، وعمرُ بن عبد العزيزِ، والثَّوْرِىُّ، وأبو

стр. 5080

عُبَيْدٍ: يكونُ كلُّ ذلك للمرأةِ. وقال الشافعىُّ: إذا فعل ذلك، فلها مَهْرُ المِثْلِ، وتَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ؛ لأنَّه نَقَصَ من صَداقِها لأجْلِ هذا الشَّرْطِ الفاسدِ؛ لأنَّ المَهْرَ لا يجبُ إلَّا للزَّوْجةِ؛ لأنَّه عِوَضُ بُضْعِها، فيَبْقَى مَجْهُولًا؛ لأنَّنا نحتاجُ أن نَضُمَّ إلى المَهْرِ ما نَقَصَ منه لأجْلِ هذا الشَّرْطِ، وذلك مَجْهُولٌ فيَفْسُدُ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى، فى قِصَّةِ شُعَيْبٍ ﵇: ﴿إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (١). فجَعلَ الصَّداقَ الإِجارةَ على رِعايةِ غَنَمِه، وهو شَرْطٌ لِنَفْسِه، ولأنَّ للوالدِ الأخْذ من مالِ وَلَدِه، بِدَليلِ قولِه ﷺ : "أنْتَ ومَالُكَ لأَبِيكَ" (٢). وقولِه: "إنَّ أوْلَادَكُم مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُم، فَكُلُوا مِنْ أمْوالِهِمْ". أخْرَجه أبو داودَ، ونحوَه التِّرْمِذِىُّ (٣). وقال: حديثٌ حسنٌ. فإذا شَرَطَ لنَفْسِه شيئًا من الصَّداقِ، يكونُ ذلك أخْذًا من مالِ ابْنَتِه، وله ذلك. وقولُهم: إنَّه شَرْطٌ فاسدٌ. ممنوعٌ. قال القاضى: ولو شَرَطَ جميعَ الصَّداقِ لنَفْسِه، صَحَّ، بدليلِ قِصَّةِ شُعَيْبٍ، فإنَّه شَرَطَ الجميعَ (٤) لنفسِه. وإذا تزوجَها على ألْفٍ لها، وألفٍ لأِبيها، فطُلِّقتْ قبلَ الدُّخولَ، رجَع الزَّوْجُ فى الألْفِ الذى قَبَضَتْه، ولم يَكُنْ على الأبِ شىءٌ ممَّا أخَذَ؛ لأنَّ الطَّلاقَ قبلَ الدُّخولِ يُوجِبُ نِصْفَ الصَّداقِ، والألْفان جميعُ صَدَاقِها، فرَجَعَ عليها بنِصْفِهما (٥)، وهو ألفٌ، ولم يكُنْ على الأبِ شىءٌ؛ لأنَّه أخَذَ من مالِ ابنتِه ألْفًا، فلا يجوزُ الرُّجُوعُ عليه به. وهذا فيما إذا كان قد قَبَّضَها (٦) الألْفَيْنِ. ولو طَلَّقها قبلَ قَبْضِهِما، سَقَطَ عن الزَّوْجِ أَلْفٌ، وبَقِىَ عليه ألفٌ للزَّوْجةِ، يأخُذُ (٧) الأبُ منها ما شاء. وقال القاضى: يكونُ بينهما نِصْفَيْنِ. وقال:

стр. 5081

نقَله مُهَنَّا عن أحمدَ؛ لأنَّه شَرَطَ لنفسِه النِّصْفَ ولم يُحَصَّلْ (٨) من الصَّداقِ إلَّا النِّصْفُ وليس هذا القولُ على سبيلِ الإِيجابِ؛ فإنَّ للأبِ أن يأخُذَ ما شاء، ويتْرُكَ ما شاء، وإذا مَلَكَ أن يأخُذَ من غير شرطٍ، فكذلك إذا شَرَطَ. فصل: فإن شَرَطَ ذلك غيرُ الأبِ من الأَوْلياءِ، كالجَدِّ والأخِ والعَمِّ، فالشَّرْطُ باطِلٌ (٩). نَصَّ عليه أحمدُ. وجَمِيعُ المُسَمَّى لها. ذكَره أبو حَفْصٍ، وهو قولُ مَنْ سَمَّيْنا فى أَوَّلِ المسألةِ. وقال الشافعىُّ: يجبُ مَهْرُ المِثْلِ. وهكذا ذكَرَ القاضى، فى "المُجَرَّدِ"؛ لأنَّ الشرطَ إذا بَطَلَ احْتَجْنا أن نَرُدَّ إلى الصَّداقِ ما نَقَصَتِ الزَّوْجةُ لأجْلِه، ولا يُعْرَفُ (١٠) قَدْرُه، فيَصِيرُ الكُلُّ مَجْهولًا فيَفْسُدُ. وإن أصْدَقها أَلْفَيْنِ، على أن تُعْطِىَ أخاها ألْفًا، فالصداقُ صحيحٌ؛ لأنَّه شَرْطٌ لا يُزادُ فى المَهْرِ من أجلِه، ولا يُنْقَصُ منه، فلا يُؤَثِّرُ فى المَهْرِ، بخلافِ التى قبلَها. ولَنا، أن جميعَ ما اشْتَرَطَتْه (١١) عِوَضٌ فى تَزْوِيجِها، فيكونُ صَداقًا لها، كما لو جَعَلَه لها، وإذا كان صَداقًا انْتَفَتِ الجهالةُ. وهكذا لو كان الأبُ هو المُشْتَرِطُ، لَكان الجميعُ صَداقًا، وإنَّما هو أخَذَ من مالَ ابْنَتِه؛ لأنَّ له ذلك، ويُشْتَرَطُ أن لا يكونَ ذلك مُجْحِفًا بمالَ ابْنَتِه، فإن كان مُجْحِفًا بمالِها، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ، وكان الجميعُ لها، كما لو اشْتَرَطَه سائرُ أوْلِيائِها. ذكَره القاضى، فى "المُجَرَّدِ". فصل: فإن شَرَطَ لنفسِه جميعَ الصَّداقِ، ثم طَلَّقَ قبلَ الدُّخولِ بعدَ تسْليمِ الصَّداقِ إليه، رَجَعَ فى نِصْفِ ما أعْطَى الأبَ؛ لأنَّه الذى فَرَضَه لها، فنَرْجِعُ فى نِصْفِه؛ لقولِه تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (١٢). ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ عليها بقَدْرِ نِصْفِه، ويكونَ ما

стр. 5082

أخَذَه الأبُ له؛ لأنَّنا قَدَّرْنا أَنَّ الجميعَ صارَ لها (١٣)، ثم أخَذَه الأبُ منها، فتَصِيرُ كأنَّها قَبَضَتْه ثم أخَذَه منها. وهكذا إذا (١٤) أصْدَقها ألفًا لها وألفًا لأبِيها، ثم ارْتَدَّتْ قبلَ الدُّخولَ، فهل يَرْجِعُ فى الألفِ الذى قَبَضَه الأبُ، أو عليها؟ على وَجْهَيْن. ١٢٠٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أصْدَقَهَا عَبْدًا صغِيرًا فَكَبِرَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخولِ، فَإنْ شَاءَتْ دَفَعَتْ إلَيْه نِصْفَ قِيمَتِهِ يَوْمَ وَقَعَ عَلَيْهِ العَقْدُ، أو تَدْفَعُ إلَيْهِ نِصْفَهُ زائِدًا، إلّا أنْ يَكُونَ (١) يَصْلُحُ صَغِيرًا لِما لَا يَصْلُحُ لَهُ كَبِيرًا، فَيَكُونَ لَهُ عَلَيْها نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، إِلّا أَنْ يَشَاءَ أَخْذَ ما بَذَلَتْهُ لَهُ (٢) مِنْ نِصْفِهِ) فى هذه المسألة أحكام؛ منها، أَنَّ المرأةَ تَمْلِكُ الصَّداقَ بالعَقْدِ. وهذا (٣) قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا، أنَّه حُكِىَ عن مالكٍ أنَّها لا تَمْلِكُ إلَّا نِصْفَه. ورُوِىَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فيه السَّلَفُ والآثارُ، وأمَّا الفقهاءُ اليومَ فعلى أنَّها تَمْلِكُه. وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إِنْ أَعْطَيْتَها إزَارَكَ، جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ" (٤). دليلٌ على أَنَّ الصَّداقَ كلَّه للمرأةِ، لا يَبْقَى للرجلِ منه شىءٌ، ولأنَّه عَقْدٌ تَمْلِكُ به العِوَضَ بالعَقْدِ، فَمُلِكَ فيه العِوضُ كاملًا كالبَيْعِ، وسُقُوطُ نِصْفِه بالطَّلاقِ، لا يَمْنَعُ وُجُوبَ جَمِيعِه بالعَقْدِ، ألا تَرَى أنَّها لو ارْتَدّتْ، سَقَطَ جَمِيعُه، وإن كانت قد مَلَكَتْ نِصْفَه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ نَماءَه وزِيادَتَه لها، سَواءٌ قَبَضَتْه أو لم تَقْبِضْه، مُتَّصِلًا كان أو مُنْفَصِلًا، وإن كان مالًا [زَكَويًّا، فحالَ] (٥) عليه الحَوْلُ، فزَكاتُه عليها. نَصَّ عليه

стр. 5083

أحمدُ. وإن نَقَصَ بعدَ قَبْضِها له أو تَلِفَ، فهو مِن ضَمانِها. ولو زَكَّتْه ثم طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخولِ، كان ضَمانُ الزَّكاةِ كلِّها عليها. وأمَّا قبلَ القَبْضِ، فهو من ضَمَانِ الزَّوْجِ، إن كان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، [وإن كان] (٦) غيرَهما، فإن مَنَعَها منه، ولم يُمَكِّنْها من قَبْضِه، فهو من ضَمانِه؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ الغاصِبِ، وإن لم يَحُلْ بينَه وبينَها، فهل يكونُ من ضَمانِها، أو من ضَمانِه؟ على وَجْهَيْنِ، بِناءً على المَبِيعِ، وقد ذكرنا حُكْمَه فى بابِه. الحكم الثانى، أَنَّ الصَّداقَ يتَنَصَّفُ بالطلاقِ قبلَ الدُّخولِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٧). وليس فى هذا اختلافٌ بحَمْدِ اللَّه. وقياسُ المذهبِ أَنَّ نِصْفَ الصداقِ يَدْخُلُ فى مِلْكِ الزوجِ حُكْمًا، كالمِيراثِ، لا يَفْتَقِرُ إلى اختيارِه وإرادَتِه، فما يَحْدُثُ من النَّماءِ يكونُ بينهما. وهو قول زُفَرَ. وذكَر القاضى احْتمالًا آخرَ، أنَّه لا يَدْخُلُ فى مِلْكِه حتى يَخْتارَه (٨)، كالشَّفِيعِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. وللشافعىِّ قَوْلان، كالوَجْهَيْن. ولنا، قولُه تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. أىْ لكم أو لهُنَّ، فاقَتَضَى ذلك أَنَّ النِّصْفَ لها، والنِّصْفَ له، بمُجَرَّدِ الطَّلاقِ، ولأنَّ الطَّلاقَ سَبَبٌ يَمْلِكُ به بغيرِ عِوَضٍ، فلم يَقِف المِلْكُ (٩) على إرادَتِه واختيارِه، كالإِرْثِ، ولأنَّه سَبَبٌ لِنَقْلِ المِلْكِ، فنَقلَ المِلْكَ بمُجَرَّدِه، كالبَيْعِ وسائرِ الأسْبابِ. ولا تَلْزَمُ الشُّفْعةُ؛ فإنَّ سَبَبَ المِلْكِ فيها الأخْذُ بها، ومتى أخَذَ بها ثَبَتَ المِلْكُ من غيرِ إرادتِه واختيارهِ؛ وقبلَ الأَخْذِ ما وُجِدَ السَّبَبُ، وإنَّما اسْتُحِقَّ بمُباشَرَةِ (١٠) سَبَبِ المِلْكِ، ومُباشَرةُ الأسبابِ مَوْقُوفةٌ على اخْتِيارِه، كما أنَّ الطَّلاقَ مُفَوَّضٌ إلى اخْتيارِه، فالأخْذُ بالشُّفْعةِ نَظِيرُ الطَّلاقِ، وثُبُوتُ المِلْكِ للآخِذِ بالشفعةِ نَطرُ ثبوتِ المِلْكِ للمُطَلِّقِ، فإنَّ ثُبوتَ المِلْكِ حُكْمٌ لها، وثُبُوتُ أحكامِ

стр. 5084

الأسبابِ بعدَ مُباشَرَتِها لا يَقفُ على اختيارِ أحدٍ، ولا إرادتِه. فإن نَقَصَ الصَّداقُ فى يَدِ المرأةِ بعدَ الطَّلاقِ، فإن كان قد طالَبها به فمَنَعَتْه، فعليها الضَّمانُ؛ لأنَّها غاصِبةٌ، وإن تَلِفَ قبلَ مُطالَبتِه، فقِياسُ المذهبِ أنَّه لا ضَمانَ عليها؛ لأنَّه حَصَلَ فى يدِها بغير فِعْلِها، ولا عُدْوانٍ من جِهَتِها، فلم تَضْمَنْه، كالوَديعةِ. وإن اخْتَلَفا فى مُطالَبَتِه لها، فالقولُ قولُها؛ لأنَّها مُنْكِرةٌ. وإن ادَّعَى أَنَّ التَّلَفَ أو النَّقْصَ كان قبلَ الطَّلاقِ. وقالت: بعدَه. فالقولُ أيضًا قولُها؛ لأنَّه يَدَّعِى ما يُوجِبُ الضَّمانَ عليها، وهى تُنْكِرُه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. وظاهرُ قولِ أصحابِ الشافعىِّ، أَنَّ على المرأةِ الضَّمانَ لما تَلِفَ أو نَقَصَ فى يَدِها بعدَ الطَّلاقِ؛ لأنَّه حَصَلَ فى يدِها بحُكْمِ قَطْعِ العَقْدِ، فأشْبَهَ المَبِيعَ إذا ارْتَفَعَ العَقْدُ بالفَسْخِ. ولَنا، ما ذكَرْناه. وأمَّا المَبِيعُ فيَحْتَمِلُ أن يَمْنَعَ، وإن سَلَّمْنا فإنَّ الفَسْخَ إن كان منهما، أو من المُشْتَرِى، فقد حَصَلَ منه التَّسَبُّبُ إلى جَعْلِ مِلْكِ غيرِه فى يَدِه، وفى مَسْألَتِنا ليس من المرأةِ فِعْلٌ، وإنَّما حَصَلَ ذلك بفِعْلِ الزوجِ وَحْدَه، فأشْبَهَ ما لو ألْقَى ثَوْبَه فى دارِها بغير أمْرِها. فصل: ولو خالَعَ امرأتَه بعدَ الدُّخولِ، ثم تزوَّجَها فى عِدّتِها، [ثُمَّ طَلَّقها] (١١) قبلَ دُخولِه بها، فلها فى النِّكاحِ الثانى نِصْفُ الصَّداقِ (١٢) المُسَمَّى فيه. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لها جَمِيعُه؛ لأنَّ حُكْمَ الوَطْءِ موجودٌ فيه، بدليلِ أنَّها لو أتَتْ بوَلَدٍ لَزِمَه. ولَنا، قولُ اللَّهِ سبحانه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. ولأنَّه طَلاقٌ من نِكاحٍ لم يَمَسَّها فيه، فوَجَبَ أن يتَنَصَّفَ به المَهْرُ، كما لو تزوَّجَها بعدَ العِدَّةِ، وما ذكره غيرُ صحيحٍ؛ فإن لُحُوقَ النَّسبِ لا يَقِفُ على الوَطْءِ عندَه، فلا (١٣) يقومُ مَقامَه. فأمَّا إن كان لم يَدْخُلْ بها فى النِّكاحِ الأَوَّلِ أيضًا، فعليه نِصْفُ الصَّداقِ الأَوَّلِ، ونِصْفُ الصَّداقِ الثانى. بغير

стр. 5085

خِلافٍ. الحكم الثالث، أنَّ الصداقَ إذا زاد بعدَ العَقْدِ، لم يَخْلُ من أن تكونَ الزيادةُ غيرَ مُتَمَيزةٍ، كعَبْدٍ يَكْبَرُ أو يتَعَلَّمُ صناعةً أو يَسْمَنُ، أو مُتَمَيِّزةً، كالوَلَدِ والكَسْبِ والثَّمرةِ، فإن كانت مُتَمَيِّزةً أخَذَتِ الزيادةَ، ورَجَعَ بنِصْفِ (١٤) الأصْلِ، وإن كانت غيرَ مُتَمَيِّزةٍ، فالخِيَرَةُ إليها، إن شاءت دَفَعَتْ إليه نِصْفَ قِيمَتِه يومَ العَقْدِ؛ لأنَّ الزيادةَ لها لا يَلْزَمُها بَذْلُها (١٥)، ولا يُمْكِنُها دَفْعُ الأصْلِ بدُونِها، فصِرْنا إلى نِصْفِ القِيمةِ، وإن شاءتْ دَفَعَتْ إليه نِصْفَه (١٦) زائدًا، فيَلْزَمُه قبولُه؛ لأنَّها دَفَعَتْ إليه حَقَّه وزيادةً لا تَضُرُّ ولا تَتَمَيَّز، فإن كانتْ (١٧) مَحْجُورًا عليها، لم يَكُنْ له (١٨) الرُّجوعُ إلّا فى نِصْفِ القِيمةِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ لها، ولايجوزُ لها ولا لِوَلِيِّها التَّبَرُّعُ بشىءٍ لايجبُ عليها. وإن نَقَصَ الصَّداقُ بعدَ العَقْدِ، فهو من ضَمانِها، ولا يخلُو أيضًا من أن يكونَ النَّقْصُ مُتَمَيِّزًا أو غيرَ مُتَمَيِّزٍ؛ فإن كان مُتَمَيِّزًا، كعَبْدَيْنِ تَلِفَ أحدُهما، فإنَّه يَرْجِعُ بنِصْفِ الباقِى ونصفِ قيمةِ التَّالفِ، أو مثلِ نصفِ التالفِ إن كان من ذَواتِ الأمثالِ، وإن لم يكُنْ مُتَمَيِّزًا، كعَبْدٍ كان شابًّا فصار شيخًا، فنَقَصَتْ قِيمَتُه، أو نَسِىَ ما كان يُحْسِنُ من صناعةٍ أو كتابةٍ، أو هُزِلَ، فالخِيارُ إلى الزَّوْجِ، إن شاء رَجَعَ بنصفِ قِيمتِه وقتَ ما أصْدَقَها؛ لأنَّ ضَمانَ النَّقْصِ عليها، فلا يَلْزَمُه أخْذُ نِصْفِه؛ لأنَّه دُونَ حَقِّه، وإن شاء رَجَعَ بنصفِه ناقصًا، فتُجْبَرُ المرأةُ على ذلك؛ لأنَّه رَضِىَ أن يأخُذَ حَقَّه ناقِصًا، وإن اخْتارَ أن يأخُذَ أرْشَ النَّقْصِ مع هذا، لم يكُنْ له ذلك (١٩)، فى ظاهرِ كلامِ الخِرَقِىِّ، وهو قولُ أكثر الفقهاءِ. وقال القاضى: القياسُ أَنَّ له ذلك، كالمَبِيعِ يُمْسِكُه ويُطالِبُ بالأرْشِ. وبما ذكَرْناه كلِّه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وقال محمدُ بن الحسنِ: الزِّيادةُ غيرُ المتمَيِّزةِ تابعةٌ للعَيْنِ، فله

стр. 5086

الرُّجوعُ فيها؛ لأنَّها تَتْبَعُ فى الفُسُوخِ، فأشْبَهَتْ زيادةَ السُّوقِ. ولَنا، أنَّها زيادةٌ حَدَثَتْ فى مِلْكِها، فلم تَتَنَصَّفْ (٢٠) بالطلاقِ، كالمُتَمَيِّزةِ، وأمَّا زيِادةُ السُّوقِ فليست مِلْكَها (٢١)، وفارَقَ نَماءَ المَبِيعِ؛ لأنَّ سَبَبَ الفَسْخِ العَيْبُ، وهو سابِقٌ على الزِّيادةِ، وسَبَبُ تَنْصِيفِ المَهْرِ الطَّلاقُ، وهو حادثٌ بعدَها، ولأنَّ الزَّوْجَ يَثْبُتُ حَقُّه فى نِصْفِ المفْروضِ دُونَ العَيْنِ، ولهذا لو وَجَدَها ناقصةً، كان له الرُّجوعُ إلى نصفِ مِثْلِها أو قِيمتِها، بخلافِ المَبِيعِ المَعِيبِ، والمفروضُ لم يكُنْ سَمينا، فلم يكُنْ له أخْذُه، والمبيعُ تعَلّقَ حَقُّه بعَيْنِه، فتَبِعه بثَمَنِه (٢٢). فأمَّا إن نَقَصَ الصَّداقُ من وَجْهٍ وزاد من وَجْهٍ، مثل أن يتعلّمَ صَنْعةً ويَنْسَى أُخْرَى، أو هُزِلَ وتَعَلَّمَ، ثَبَتَ الخِيارُ لكلِّ واحدٍ منهما، وكان له الامْتِناعُ من العَيْنِ والرُّجوعُ إلى القيمةِ. فإن اتَّفَقَا على نِصْفِ العَيْنِ، جاز، وإن امْتَنَعَتِ المرأةُ من بَذْلِ نِصْفِها، فلَها ذلك لأجْلِ الزيادةِ، وإن امْتَنعَ هو من الرُّجوعِ فى نِصْفِها، فله ذلك لأجْلِ النَّقْصِ، وإذا امْتَنعَ أحَدُهما، رَجَعَ فى نِصْفِ قِيمَتِها. فصل: فإن كانت العينُ تالِفةً وهى من ذواتِ الأمثالِ، رَجَعَ فى نصفِ مِثْلِها، وإلَّا رَجَعَ فى نصفِ قِيمَتِها أقَلَّ ما كانت من حينِ العَقْدِ إلى حينِ القَبْض، أو إلى حينِ التَّمْكِينِ منه، على ما ذكَرْنا من الاختلافِ؛ لأنَّ العَيْنَ إن زادتْ، فالزِّيادةُ لها تَخْتَصُّ بها، وإن نَقَصَتْ قبلَ ذلك، فالنَّقْصُ من ضَمانِه. وإن طَلَّقها قبلَ قَبْض الصَّداقِ وقبلَ الدُّخولِ، وقد زاد (٢٣) زيادةً منفصلةً، فهى لها، تَنْفَرِدُ بها، وتأخُذُ نصفَ الأصْلِ. وإن كانت الزِّيادةُ متصلةً، فلها الخيارُ بين أن تأخُذَ النصفَ ويَبْقَى له النصفُ، وبين أن تأخذَ الكُلَّ وتدفعَ إليه قيمةَ النِّصْفِ غيرَ زائدةٍ. وإن كان ناقصًا، فلها الخِيارُ بين أخْذِه ناقصًا وبين مطالَبَتِه بنصفِ قِيمتِه غيرَ ناقصٍ.

стр. 5087

فصل: إذا أصْدَقَها نَخْلًا حائلًا (٢٤)، فأطْلَعَتْ، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، فله نصفُ قيمَتِها (٢٥) وَقْتَ ما أصْدَقَها، وليس له الرُّجوعُ فى نِصْفِها؛ لأنَّها زائدةٌ زيادةً مُتَّصِلةً، فأشْبَهتِ الجاريةَ إذا سَمِنَتْ، وسواء كان الطَّلْعُ مُؤَبَّرًا أو غيرَ مُؤَبَّرٍ؛ لأنَّه مُتَّصِلٌ بالأَصْلِ، ولا يجبُ فَصْلُه عنه فى هذه الحال، فأشْبَهَ السِّمَنَ وتَعَلُّمَ الصناعةِ. فإن بَذَلَتْ له المرأةُ الرُّجوعَ فيها مع طَلْعِها، أُجْبِرَ على ذلك؛ لأنَّها زيادةٌ مُتَّصِلةٌ لا (٢٦) يجبُ فَصْلُها. وإن قال: اقْطَعِى ثَمَرتَكِ، حتى أرْجِعَ فى نصفِ الأصْلِ. لم يَلْزَمْها؛ لأنَّ عُرْفَ هذه الثمرةِ أنَّها لا تُؤْخَذُ إلا بالجِذَاذِ، بدليلِ البَيْعِ، ولأنَّ حَقَّ الزَّوجِ انْتَقلَ إلى القيمةِ، فلم يَعُدْ إلى العَيْنِ إلَّا برِضَاهما (٢٧). فإن قالتِ المرأةُ: اتْرُكِ الرُّجوعَ حتى أَجُذَّ (٢٨) ثَمَرتِى وتَرْجِعَ فى نصفِ الأَصْلِ، أو ارْجِعْ فى الأَصْلِ وأَمهِلْنِى حتى أقْطَعَ الثمرةَ. أو قال الزوجُ: أنا أصْبِرُ حتى إذا جَذَذْتِ ثمرَتَكِ رَجَعْتُ فى الأصلِ. أو قال: أنا أرْجِعُ فى الأصلِ وأصبِرُ حتى تَجُذِّى ثَمَرَتَكِ. لم يَلْزَمْ واحدًا منهما قبولُ قولِ الآخرِ؛ لأنَّ الحقَّ انْتَقلَ إلى القِيمَةِ، فلم يَعُدْ إلى العينِ إلَّا برِضَاهما (٢٩). ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَها قبولُ ما عَرَضَ عليها؛ لأنَّ الضَّرَرَ عليه، فأشْبَهَ ما لو بَذَلَتْ له نِصْفَها مع طَلْعِها، وكما لو وَجَدَ العينَ ناقِصَةً فرَضِىَ بها. وإن تراضَيَا على شىءٍ من ذلك، جاز. والحكمُ فى سائرِ الشجرِ، كالحُكْمِ فى النَّخْلِ. وإخْراجُ النَّوْرِ فى الشَّجَرِ بمنزلةِ الطَّلْعِ الذى لم يُؤَبَّرْ. وإن كانت أرْضًا فحَرَثَتْها (٣٠)، فتلك زيادةٌ مَحْضةٌ، إن بَذَلَتْها له بزيادَتِها، لَزِمَه قبولُها، كالزِّياداتِ المُتَّصِلَةِ كلِّها، وإن لم تَبْذُلْها، دَفَعَتْ نِصْفَ قِيمَتِها. وإن زَرَعَتْها، فحُكْمُها حكمُ

стр. 5088

النَّخْلِ (٣١) إذا أطْلَعتْ (٣٢). إلَّا فى موضعٍ واحدٍ، وهو أنَّها إذا بَذَلَتْ نِصْفَ الأرضِ مع نصفِ الزَّرعِ، لم يَلْزَمْه قَبُولُه، بخلافِ الطَّلْعِ مع النَّخْلِ، والفرقُ بينهما من وَجْهَين؛ أحدهما، أَنَّ الثمرةَ لا يَنْقُصُ بها الشجرُ، والأرضُ تنْقُصُ بالزَّرْع وتَضْعُفُ. الثانى، أَنَّ الثمرةَ مُتَوَلِّدةٌ من النَّخْلِ، فهى تابعةٌ لها (٣٣)، والزَّرْعُ مِلْكُها أَوْدَعَتْه فى الأرضِ، فلا يُجْبَرُ على قبولِه. وقال القاضى: يُجْبَرُ على قبولِه، كالطَّلْعِ سواءً. وقد ذكرْنا ما يقْتَضِى الفَرْقَ. ومسائِلُ الغِرَاسِ كمسائلِ الزَّرعِ. فإن طَلَّقَها بعدَ الحَصَادِ، ولم تكُنِ الأرضُ زادتْ ولا نَقَصَتْ، رَجَعَ فى نِصْفِها، وإن نقَصَتْ بالزَّرْعِ أو زادتْ به، رَجَعَ فى نِصْفِ قِيمَتِها، إلَّا أن يَرْضَى بأخْذِها ناقصةً، أو تَرْضَى هى بِبَذْلِها زائدةً. فصل: وإذا أصْدَقَها خَشَبًا فشَقَّتْه أبْوابًا، فزادتْ قِيمَتُه، لم يكُنْ له الرُّجوعُ فى نِصْفِه لزِيادَتِه، ولا يَلْزَمُه قبولُ نِصْفِه (٣٤)؛ لأنَّه نَقَصَ من وَجْهٍ، فإنَّه لم يَبْقَ مُسْتَعِدًّا لِمَا كان يَصْلُحُ له من التَّسْقِيفِ وغيرِه. وإن أصْدَقها ذَهَبًا أو فِضَّةً، فصاغَتْه حُلِيًّا فزادتْ قِيمَتُه، فلها مَنْعُه من نِصْفِه. وإن بَذَلَتْ له النصفَ، لَزِمَه القَبُولُ؛ لأنَّ الذَّهبَ لا يَنْقُصُ بالصِّياغةِ، ولا يخرجُ عن كونِه مُسْتعِدًّا لما كان يَصْلُحُ له قبلَ صِياغَتِه. وإن أصْدَقَها دَنانِيرَ أو دَراهِمَ أو حُلِيًّا، فكَسَرَتْه، ثم صاغَتْه على غيرِ ما كان عليه، لم يَلْزَمْه قَبولُ نِصْفِه؛ لأنَّه نَقَصَ فى يدِها، ولا يَلْزَمُها بذلُ نِصْفِه؛ لزيادةِ الصِّناعةِ التى أحْدَثَتْها فيه. وإن عادتِ الدَّنانيرُ والدراهمُ إلى ما كانت عليه، [فله الرُّجوعُ فى نِصْفِها، وليس له طلبُ قِيمَتِها؛ لأنَّها عادتْ إلى ما كانت عليه] (٣٥)، مِن غيرِ نَقْصٍ ولا زيادةٍ، فأشْبَهَ ما لو أصْدَقَها عبدًا، فمَرِضَ ثم بَرَأَ. وإن صاغتِ الحُلِىَّ على ما كان عليه، ففيه وَجْهان؛

стр. 5089

أحدهما، له الرُّجوعُ، كالدَّراهمِ إذا أُعِيدَتْ. والثانى، ليس له الرُّجوعُ فى نِصْفِه؛ لأنَّها جَدَّدتْ فيه صناعةً، فأشْبَهَ ما لو صاغَتْه على صفةٍ أُخْرَى، ولو أصْدَقَها جاريةً، فهُزِلَتْ ثم سَمِنَتْ، فعادت إلى حالَتِها الأولَى، فهل يَرْجِعُ فى نِصْفِها؟ على وَجْهَيْن. فصل: وحُكْمُ الصَّداقِ حكمُ البَيْعِ، فى أَنَّ ما كان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا لا يجوزُ لها التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، وما عَدَاه لا يحتاجُ إلى قَبْضٍ، ولها التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه. وقال القاضى (٣٦): ما كان مُتَعَيِّنًا فلها التَّصَرُّفُ فيه، وما لم يكُن مُتَعَيِّنًا، كالقَفِيزِ من صُبْرَةٍ، والرَّطْلِ من زَيْتٍ مِن دَنٍّ، لا تَمْلكُ التَّصَرُّفَ فيه حتى تَقبِضَه، كالمَبِيعِ. وقد ذكَرْنا فى المَبِيعِ روايةً أخرى، أنَّها لا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فى شىءٍ منه قبلَ قَبْضِه. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وهذا أصلٌ ذُكِرَ فى البَيْعِ. وذكَر القاضى فى موضعٍ آخرَ، أَنَّ ما لم يَنْتَقِضِ (٣٧) العَقْدُ بهَلاكِه، كالمَهْرِ وعِوَض الخُلْعِ، يجوزُ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه؛ لأنَّه بَذْلٌ لا يَنْفَسِخُ السَّبَبُ الذى مُلِكَ به (٣٨) بهلاكِه، فجاز التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، كالوَصِيَّةِ والمِيراثِ. وقد نَصَّ أحمدُ على هِبَةِ المرأةِ زَوْجَها صَداقَها قبلَ قَبْضِها، وهو نوعُ تَصَرُّفٍ فيه، وقياسُ المذهبِ أَنَّ ما جاز لها التَّصَرفُ فيه، فهو من ضَمانِها إن تَلِفَ أو نَقَصَ، وما لا تَصَرُّفَ لها فيه فهو من ضَمانِ الزَّوْجِ. وإن مَنَعَها الزَّوْجُ قَبْضَه، أو لم يُمَكِّنْها منه، فهو من ضَمانِه على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ يَدَهَ عادِيَةٌ فضَمِنَه كالغاصب. وقد نَقَلَ مُهَنَّا، عن أحمدَ، فى رَجُلٍ تزوَّجَ امرأةً على هذا الغلامِ، فَفُقِئَتْ عَيْنُه، فقال: إن كان قَبَضَتْه، فهو لها، وإن لم تكُن قبَضتْه، فهو على الزَّوْجِ. فظاهِرُ هذا أنَّه جَعَلَه قبلَ قَبْضِه من ضَمانِ الزَّوْجِ بكلِّ حالٍ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. وكلُّ موضعٍ قُلْنا: هو مِن ضَمانِ الزَّوْجِ قبل القَبْضِ. إذا تَلِفَ قبلَ قَبْضِه لم يَبْطُل الصَّداقُ بتَلَفِه، ويَضْمَنُه بمثْلِه

стр. 5090

إنْ كان مِثْلِيًّا، [وبقِيمَتِه إن لم يكُنْ مِثْلِيًّا] (٣٩). وكذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ فى القديمِ. وقال فى الجديد: يَرْجِعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ تَلَفَ العِوَض يُوجِبُ الرُّجوعَ فى المُعَوَّضِ، فإذا تَعَذَّرَ رَدُّه رَجَعَ إلى قِيمَتِه، كالمبيعِ، ومَهْرُ المِثْلِ هو القِيمةُ، فوَجَبَ الرُّجوعُ إليه. ولَنا، أَنَّ كلَّ عَيْنٍ يجبُ تَسْلِيمُها مع وُجودِها إذا تَلِفَتْ مع بقاءِ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِها، فالواجبُ بَدَلُها، كالمَغْصوبِ والقَرْض والعارِيَّةِ، وفارَقَ المَبِيعَ إذا تَلِفَ؛ فإنَّ البَيْعَ انفسخَ، وزال سَبَبُ الاستحقاقِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ التالِفَ فى يدِ الزَّوْجِ لا يَخْلُو من أربعةِ أحوالٍ؛ أحدها، أن يَتْلَفَ بفِعْلِها، فيكونُ ذلك قَبْضًا منها، ويَسْقُطُ عن الزَّوْجِ ضَمانُه. والثانى، تَلِفَ بفِعْلِ الزَّوجِ، فهو من ضمانِه على كلِّ حالٍ، ويَضْمَنُه لها بما (٤٠) ذكَرْناه. والثالث، أتلَفَه أجنبىُّ، فلها الخِيارُ بين الرُّجوعِ على الأجْنَبِىِّ بضَمانِه، وبينَ الرُّجوعِ على الزَّوجِ، ويَرْجِعُ الزوجُ على المُتْلِفِ. والرابع، تَلِفَ بفِعْلِ اللَّه تعالى، فهو على ما ذكَرْناه من التَّفْصيلِ فى صَدْرِ المسألةِ. فصل: إذا طَلَّقَ المرأةَ قبلَ الدُّخولِ، وقد تصرَّفَتْ فى الصَّداقِ بعَقْد من العُقودِ، لم يَخْلُ من ثلاثةِ أقسامٍ؛ أحدها، ما يُزِيلُ المِلْكَ عن الرَّقبةِ، كالبيعِ والهِبَةِ والعِتْقِ، فهذا يَمْنَعُ الرُّجوعَ، وله نِصْفُ القيمةِ؛ لِزَوال مِلْكِها، وانقطاعِ تصَرُّفِها. فإن عادتِ العَيْنُ إليها قبلَ طَلاقِها، ثم طَلَّقها وهى فى يَدِها بحالِها، فله الرُّجوعُ فى نِصْفِها؛ لأنَّه وَجَدَها بعَيْنِها، فأشْبَهَ ما لو لم تُخْرِجْها. ولا يَلْزَمُ الوالدَ إذا وَهَبَ ولدَه (٤١) شيئًا، فخَرَجَ عن مِلْكِه، ثم عاد إليه، حيث لا يَمْلِكُ الرُّجوعَ فيه؛ لأنَّنا نَمْنَعُ ذلك، وإن سَلَّمناه فإن حَقَّ الوَالدِ (٤٢) سَقَطَ بخُرُوجه عن يد الولدِ بكلِّ حالٍ، بدليلِ أنَّه لا يُطالَبُ بِبَذْلِه، والزَّوْجُ لم يَسْقُطْ حَقُّه بالكُلِّيّةِ، بل يَرْجِعُ لنصْفِ قِيمَتِه عند عَدَمِه، فإذا وُجِدَ كان

стр. 5091

الرُّجوعُ فى عَيْنِه أوْلَى. وفى معنى هذه التَّصَرُّفاتِ الرَّهْنُ، فإنَّه وإن (٤٣) لم يُزِل المِلْكَ عن الرقَبةِ، لكنَّه يُرادُ للبَيْعِ المُزِيلِ للمِلْكِ، ولذلك لا يجوزُ رَهْنُ ما لا يَجُوزُ بَيْعُه، ففى الرُّجوعِ فى العَيْنِ إبطالٌ لِحَقِّ المُرْتَهِنِ من الوَثِيقةِ، فلم يَجُزْ، وكذلك الكِتابةُ، فإنَّها تُرادُ للعِتْقِ المُزِيلِ للمِلْكِ، وهى عَقْدٌ لازِمٌ، فجَرَتْ مَجْرَى الرَّهْنِ. فإن طَلَّقَ الزَّوْجُ قبلَ إقْباض الهِبَةِ أو الرَّهْنِ، أو فى مُدَّةِ الخِيارِ فى البَيْعِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا تُجْبَرُ على رَدِّ نِصْفِه إليه؛ لأنَّه عَقْدٌ عَقَدَتْه فى مِلْكِها، فلم تَمْلِكْ إبْطالَه، كاللَّازِمِ، ولأنَّ مِلْكَها قد زال، فلم تَمْلِكَ الرُّجوعَ فيما ليس بمَمْلُوكٍ لها. والثانى، تُجْبَرُ على تسْليمِ نِصْفِه؛ لأنَّها قادرةٌ على ذلك، ولا زيادةَ فيها. وللشافعىِّ قَوْلان، كهذَيْنِ الوَجْهَين. فأمَّا إن طَلَّقها بعدَ تَقْبِيض الهِبَةِ والرَّهْنِ، ولُزُومِ البيعِ، فلم يأخُذْ قِيمةَ النِّصْفِ حتى فُسِخَ البَيْعُ والرَّهْنُ والهِبَةُ، لم يكُنْ له الرُّجوعُ فى نِصْفِها؛ لأنَّ حَقَّه يَثْبُتُ (٤٤) فى القِيمةِ. الثانى (٤٥)، تَصَرّفٌ غيرُ لازمٍ، لا يَنْقُلُ المِلْكَ، كالوَصِيَّةِ والشَّركِةِ والمُضارَبةِ، فهذا لا يُبْطِلُ حَقَّ الرُّجوعِ (٤٦) فى نِصْفِه، ويكونُ وُجُودُ هذا التَّصَرُّفِ كعَدَمِه؛ لأنَّه تصرُّفٌ لم ينقُلِ المِلْكَ، ولم يَمْنَعِ المالكَ من التّصَرُّفِ، فلا يَمْنَعُ مَنْ له الرُّجُوعُ على المالكِ من الرُّجوعِ، كالإيداعِ والعارية. فأمَّا إن دَبَّرَتْه، فظاهرُ المذهبِ أنَّه لا يَمْنَعُ الرُّجوعَ [لأنَّه وَصِيّةٌ] (٤٧)، أو تَعْلِيقُ نِصْفِه، وكلاهما لا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، ولأنَّه لا يَمْنَعُ البَيْعَ، فلم يَمْنَعِ الرُّجوعَ كالوَصِيّةِ. ولا يُجْبَرُ الزوجُ على الرُّجوعِ فى نِصْفِه، بل يُخَيّرُ بين ذلك وبين أخْذِ نِصْفِ قِيمَتِه؛ لأنَّ شَرِكةَ (٤٨) مَنْ نِصْفُه مُدَبَّرٌ نَقْصٌ، ولا يُؤْمَنُ أن يَرْفَعَ إلى حاكمٍ حَنَفِىٍّ فيَحْكُمَ بعِتْقِه. وإن كانت أمَةً فدَبَّرَتْها، خُرِّجَ على الرِّوايتَيْن، إن قُلْنا:

стр. 5092

تُباعُ فى الدَّينِ. فهى (٤٩) كالعَبْدِ. وإن قُلْنا: لا تُبَاعُ. لم يُجْبَرِ الزَّوْجُ على الرُّجوعِ فى نِصْفِها. وإن كاتَبَتِ الأمَةُ أو العَبْدُ، لم يُجْبَرِ [الزوجُ على] (٥٠) الرجوعِ فى العَيْنِ (٥١)؛ لأنَّه نَقَصَ. وإن اختارَ الرُّجوعَ، وقُلْنا: الكِتابةُ تمنعُ البَيْعَ. مَنَعَتِ الرُّجوعَ. وإن قُلْنا: لا تمنعُ البَيْعَ. احْتَمَلَ أن لا تمنعَ الرُّجوعَ كالتَّدْبِيرِ، واحْتَمَلَ أن تَمْنَعَه؛ لأنَّ الكِتابةَ عقدٌ لازِمٌ يُرَادُ لإزالةِ المِلْكِ، فمَنَعتِ الرُّجوعَ كالرَّهْنِ. الثالث، تَصَرُّفٌ لازمٌ لا يُرادُ لإزالةِ المِلْكِ، كالإِجَارةِ والتَّزْويجِ، فهذا نَقْصٌ، فيَتَخَيَّرُ الزَّوْجُ (٥٢) بين أن يَرْجِعَ فى نِصْفِه ناقِصًا؛ لأنَّه رضِىَ بحَقِّه ناقِصًا، وبين الرُّجوعِ فى نصفِ قِيمَتِه، فإن رَجَعَ فى نصفِ المُسْتأجَرِ، صَبَرَ حتى تَنْفَسِخَ الإجارةُ. فإن قيل: فقد قُلْتُم فى الطَّلْعِ الحادثِ فى النَّخْلِ: إذا قال: أنا أصْبِرُ حتى تَنْتَهِىَ الثمرةُ. لم يكُنْ له ذلك؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينهما أَنَّ فى تلك المسألة (٥٣) تكونُ المِنَّةُ له، فلا يَلْزَمُها قَبُولُ مِنّتِه، بخلافِ مسألَتِنا، ولأنَّ ذلك يُؤدِّى إلى التَّنازُعِ فى سَقْى الثمرةِ، ووقتِ جِذَاذِها، وقَطْعِها لخَوْفِ العَطَشِ أو غيره، بخلافِ مَسْألتنا. فصل: فإن أصْدَقَها شِقْصًا، فهل للشَّفِيعِ أخْذُه؟ على وَجْهَيْنِ؛ فإن قُلْنا: له أخْذُه. فأخَذَه، ثم طَلَّق الزَّوجُ، رَجَعَ فى نِصْفِ قِيمَتِه؛ لأنَّه قد زال مِلْكُها عنه، وإن طَلّقها قبلَ أخْذِه بالشُّفْعةِ، وطالبَ الشَّفِيعُ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما يُقَدَّمُ الشفيعُ؛ لأنَّ حَقَّه أسْبَقُ، فإنَّه ثَبَتَ بالنكاحِ، وحَقُّ الزَّوْجِ ثَبَتَ بالطَّلاقِ، ولأنَّ الزوجَ يَرْجِعُ إلى بَدَلٍ (٥٤)، وهو نصفُ القِيمةِ، وحَقُّ الشفيعِ إذا بَطَلَ بَطَلَ [إلى غيرِ] (٥٥) بَدَلٍ. والثانى،

стр. 5093

يُقَدّمُ الزَّوجُ؛ لأنَّ حَقَّه آكَدُ، فإنَّه ثَبَتَ بنَصِّ القُرْآن والإِجماعِ، وحَقُّ الشُّفْعةِ مُجْتَهَدٌ فيه، غيرُ مُجْمَعٍ عليه. فعلى هذا يكونُ للشَّفيعِ أخْذُ النِّصْفِ الباقِى بنِصْفِ ما كان يَأْخُذُ به الجميعَ. ١٢٠٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا اخْتَلَفَا فِى الصَّداقِ بَعْد الْعَقْدِ فِى قَدْرِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ عَلَى مَبْلَغِهِ، [فالقَوْلُ قولُها مَا ادَّعَتْ مَهْرَ مِثلِهَا) وجملةُ ذلك أَنَّ الزَّوْجينِ إذا اخْتلَفا فى قَدْرِ المَهْرِ، ولا بَيِّنةَ على مَبْلَغِه] (١)، فالقولُ قولُ مَنْ يَدَّعِى مَهْرَ المِثْلِ منهما، فإن ادَّعَتِ المرأةُ مهرَ مِثْلِها أو أقَلَّ، فالقولُ قولُها، وإن ادَّعَى الزوجُ مهرَ المِثْلِ أو أكثرَ، فالقولُ قولُه. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وعن الحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وحَمَّادِ بن أبى سليمان، وأبى عُبَيْدٍ نحوُه. وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، أَنَّ القولَ قولُ الزَّوجِ بكلِّ حالٍ. وهذا قولُ الشَّعْبِىِّ، وابنِ أبى لَيْلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، وأبى ثَوْرٍ. وبه قال أبو يوسفَ، إلَّا أن يَدَّعِىَ مُسْتَنْكَرًا، وهو أن يَدَّعِىَ مَهْرًا لا يُتَزَوَّجُ بمِثْلِه فى العادةِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للزِّيادةِ، ومُدَّعَى عليه، فيَدْخُلُ تحت قولِه ﷺ : "ولكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" (٢). وقال الشافعىُّ: يَتَحالفانِ، فإن حَلَفَ أحَدُهما ونَكَلَ الآخرُ، ثَبَتَ ما قالَه، وإن حَلَفَا، وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ. وبه قال الثَّوْرِىُّ؛ لأنَّهما اختلَفا فى العِوَضِ المُسْتَحَقِّ فى العَقْدِ، ولا بَيِّنةَ، فيتحالفانِ، قياسًا على المُتبايِعَيْنِ إذا اختلَفا فى الثَّمنِ. وقال مالكٌ: إن كان الاختلافُ قبلَ الدُّخولِ، تحالفَا وفُسِخَ النِّكاحُ، وإن كان بعدَه، فالقولُ قولُ الزَّوْجِ. وبَناه على أصْلِه فى البَيْعِ؛ فإنَّه يُفَرِّق فى التَّحالُفِ بين ما (٣) قبلَ القَبْضِ وبعدَه، ولأنَّها إذا سَلَّمَتْ (٤) نَفْسَها بغير إشْهادٍ، فقد رَضِيَتْ بأمانَتِه. ولَنا، أَنَّ الظَّاهرَ قولُ مَنْ يَدَّعِى مهرَ المِثْلِ، فكان القولُ قولَه، قياسًا على المُنْكِرِ فى سائرِ الدَّعاوَى،

стр. 5094

وعلى المُودَعِ إذا ادَّعَى التَّلَفَ أو الرَّدَّ، ولأنَّه عَقْدٌ لا يَنْفَسِخُ بالتَّحالُفِ، فلا يُشْرَعُ فيه، كالعَفْوِ عن دَمِ العَمْدِ، ولأنَّ القولَ بالتَّحالُفِ يُفْضِى إلى إيجابِ أكثر ممَّا يَدَّعِيه، أو أقَلَّ ممَّا يُقِرُّ لها به، فإنَّها إذا كان مَهْرُ مِثْلِها مائةً، فادَّعَتْ ثمانينَ، وقال: بل هو خَمْسُونَ. أوْجَبَ لها عِشْرينَ، يتَّفِقانِ على [أنها غيرُ واجبةٍ. ولو ادَّعَتْ مائتينِ، وقال: بل هو مائةٌ وخَمْسونَ. [ومَهْرُ مثلِها مائةٌ] (٥)، فأوْجَبَ مائةً، لأَسْقَطَ خمسينَ يتَّفِقانِ على] (٦) وُجُوبِها. ولأنَّ مهرَ المثلِ إن لم يُوافِقْ دَعْوَى أحدِهما، لم يَجُزْ إيجابُه؛ لِاتِّفاقِهِما على أنَّه غيرُ ما أوْجَبَه العقدُ، وإن وافَقَ قولَ أحَدِهما، فلا حاجةَ فى إيجابِه إلى يَمِينِ مَنْ يَنْفِيه؛ لأَنَّها لا تُؤَثِّرُ فى إيجابِه، وفارَقَ البَيْعَ؛ فإنَّه ينْفَسِخُ بالتَّحالُفِ، ويَرْجِعُ كلُّ واحدٍ منهما فى مَالِه. وما ادَّعاه مالِكٌ من أنها اسْتَأْمَنَتْه لا يَصِحُّ؛ فإنَّها لم تَجْعَلْه أمِينَها، ولو كان أمِينًا لها لَوَجَبَ أن تكونَ أمِينةً له، حيث (٧) لم يُشْهِدْ عليها، على أنَّه لا يَلْزَمُ من الاخْتِلافِ عدمُ الإِشْهادِ، فقد تكونُ بينهما بَيِّنةٌ، فتَموتُ أو تَغِيبُ أو تَنْسَى الشَّهادةَ. إذا ثَبَتَ هذا، فكلُّ مَنْ قُلْنا: القولُ قولُه. فهو مع يَمينِه؛ لأنَّه اخْتلاف فيما يجوزُ بَذْلُه، فتُشْرَعُ فيه اليمينُ، كسائرِ الدَّعاوَى فى الأمْوالِ. وحُكِىَ عن القاضى، أَنَّ اليَمِينَ لا تُشْرَعُ فى الأحْوالِ كلِّها؛ لأنَّها دَعْوَى فى النِّكاحِ. فصل: فإن ادَّعَى أقلَّ من مهرِ المثلِ، وادَّعتْ هى أكثرَ منه، رُدَّ إلى مهرِ المثلِ. ولم يذكُرْ أصحابُنا يَمِينًا. والأَوْلَى أن يتَحالَفا؛ فإنَّ ما يَقُولُه كل واحدٍ منهما مُحْتَمِلٌ للصِّحَّةِ، فلا يُعْدَلُ عنه إلَّا بيَمِينٍ من صاحِبِه، كالمُنْكِرِ فى سائرِ الدَّعاوَى، ولأَنَّهما تَساوَيا فى عدمِ الظُّهورِ، فيُشْرَع التَّحالُفُ، كما لو اختلَفَ المُتبايِعانِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والباقُونَ على أصُولِهم. فصل: فإن قال: تَزَوَّجْتُكِ على هذا العَبْدِ. فقالت: بل على هذه الأَمَةِ. وكانت

стр. 5095

قيمةُ العَبْدِ مَهْرَ المِثْلِ، أو أكثرَ، وقيمةُ الأَمَةِ فَوْقَ ذلك، حَلَفَ الزَّوْجُ ووَجَبَتْ لها قِيمةُ العبدِ؛ لأنَّ قولَه يُوافِقُ الظاهِرَ، ولا تَجبُ عَيْنُ العَبْدِ، لئَلَّا يَدْخُلَ فى مِلْكِها ما يُنْكِرُه. وإن كانت قيمةُ الأمةِ مهرَ المِثْلِ، أو أقَلَّ، وقيمةُ العبدِ أقلَّ من ذلك، فالقولُ قولُ الزَّوْجةِ مع يَمِينها. وهل تجبُ الأمَةُ أو قِيمَتُها؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، تجبُ عَيْنُ الأمةِ؛ لأنَّنا قَبِلْنا قَوْلَها فى القَدْرِ، فكذلك فى العَيْنِ، وليس فى ذلك إدْخالُ ما يُنْكِرُه فى مِلْكِها. والثانى، تجبُ لها قِيمَتُها؛ لأنَّ قولَها إنَّما وافقَ الظاهِرَ فى القَدْرِ لا فى العَيْنِ، فأوْجَبْنا لها ما وافَقَتِ الظاهِرَ فيه. وإن كان كلُّ واحدٍ منهما قَدْرَ مَهْرِ المِثْلِ، أو كان العَبْدُ أقَلَّ من مهرِ المثلِ، والأمَةُ أكثرَ منه، وجَبَ مهرُ المثلِ إذا تَحالَفا. وظاهرُ قولِ القاضِى أَنَّ اليمينَ لا يُشْرَعُ فى هذا كلِّه. ١٢٠٥ - مسألة؛ قال: (وإِنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَلَيْهِ صَداقٌ، فَالْقَوْلُ أَيْضًا قَولُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وبَعْدهُ، مَا ادَّعَتْ مَهْرَ مِثلِهَا، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنةٍ تُبْرِئُه مِنْهُ) وجملةُ ذلك أن الزَّوْجَ إذا أنكرَ صَداقَ امرأتِه، وادَّعَتْ ذلك عليه، فالقولُ قولُها فيما يوافِقُ مهرَ مثلِها، سواءٌ ادَّعَى أنَّه وَفَّاها (١)، أو أبْرَأَتْه منه، أو قال: لا تَسْتَحِقّ علىَّ شَيْئًا. وسواءٌ كان ذلك قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه. وبه قال سعيدُ بن جُبَيْرٍ، والشعبىُّ، وابن شُبْرُمةَ، وابنُ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن فُقَهاءِ المدينةِ السَّبعةِ أنَّهم قالوا: إن كان بعدَ الزَّفافِ (٢)، فالقولُ قولُ الزَّوْجِ، والدُّخولُ بالمرأةِ يَقْطَعُ الصَّداقَ. وبه قال مالكٌ. قال أصحابُه: إنَّما قال ذلك إذا كانت العادَةُ تَعْجِيلَ الصَّداقِ، كما كان بالمدينةِ، أو كان الخِلافُ فيما تُعُجِّلَ منه فى العادةِ؛ لأنَّها لا تُسَلِّمُ نَفْسَها فى العادةِ إلا بقَبْضِه، فكان الظَّاهِرُ معه. ولَنا، أَنَّ النَّبِىَّ

стр. 5096

- ﷺ قال: "الْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" (٣). ولأنَّه ادَّعَى تَسْلِيمَ الحَقِّ الذى عليه، فلم يُقْبَلْ بغيرِ بَيِّنةٍ، كما لو ادَّعَى تَسْلِيمَ الثمنِ، أو كما قبلَ الدُّخولِ. فصل: فإن دَفَعَ إليها ألْفًا، ثم اختلَفا، فقال: دَفَعْتُها إليك صَداقًا. وقالت: بل هِبَةً. فإن كان اختلافُهما فى نِيَّتِه كأن (٤) قالتْ: قَصَدْتَ الهِبَةَ. وقال: قصدتُ دَفْعَ الصَّداقِ. فالقولُ قولُ الزَّوْجِ بلا يمينٍ؛ لأنَّه أعْلَمُ بما نَوَاه، ولا تَطَّلِعُ المَرْأةُ على نِيّتِه. وإن اختلَفا فى لفظِه، فقالت: قد قُلْتَ خُذِى هذا هِبةً أو هَدِيّةً. فأنْكَرَ (٥) ذلك، فالقولُ قولُه مع يمينِه؛ لأنَّها تَدَّعِى عليه عَقْدًا على مِلْكِه، وهو يُنْكِرُه، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَتْ عليه بَيْعَ مِلْكِه لها، لكنْ إن كان المَدْفوعُ من غيرِ جِنْسِ الواجبِ عليه، كأن (٦) أصْدَقَها دَراهِمَ، فدفَعَ إليها عَرْضًا (٧)، ثم اختلَفا، وحَلَفَ أنَّه دَفَعَ إليها ذلك من صَداقِها، فللمرأةِ رَدُّ العَرْضِ (٨)، ومُطَالَبَتُه بصَداقِها. قال أحمدُ، فى رواية الفَضْلِ بن زِيادٍ، فى رَجُلٍ تزوَّجَ امرأةً على صَداقِ ألْفٍ، فبَعَثَ إليها بقِيمَتِه متاعًا وثِيابًا، ولم يُخْبِرْهُم أنَّه من الصَّداقِ، فلما دَخَلَ سألتْه الصَّداقَ، فقال لها: قد بَعَثْتُ إليك بهذا المتاعِ، واحْتَسَبْتُه من الصَّداقِ. فقالت المرأةُ: صَداقِى دَراهِمُ: تَرُدُّ الثيابَ والمتاعَ، وتَرْجِعُ عليه بصَداقِها. فهذه الرِّوايةُ إذا لم يخْبِرْهُم أَنَّه صَداقٌ، فأمَّا إذا ادَّعَى أنَّها احْتَسَبَتْ به من الصَّداقِ، وادَّعَتْ هى أنَّه قال: هى (٩) هِبَةٌ. فينبغِى أن يَحْلِفَ كل واحدٍ منهما، ويتَراجَعانِ بما لكلِّ واحدٍ منهما. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه قال (١٠): إن كان ممَّا جَرَتِ العادَةُ بهَدِيَّتِه، كالثَّوْبِ والخاتَمِ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ معها، وإلَّا فالقولُ قولُه. ولَنا، أنَّهما اخْتلَفا فى صِفَةِ انْتِقالِ مِلْكِه إلى يدِها، فكان القولُ قولَ المالكِ، كما لو قال: أوْدَعْتُكِ هذه العَيْنَ. قالت: بل وَهَبْتَها.

стр. 5097

فصل: إذا مات الزَّوْجانِ، واختلَفَ وَرَثَتُهما، قام وَرَثَةُ كلِّ إنسانٍ مَقامَه، إلَّا أنّ مَنْ يَحْلِفُ منهم على الإِثْباتِ يَحْلِفُ على البَتِّ، ومَنْ يَحْلِفُ على النَّفْى يَحْلِفُ على نَفْى العِلْمِ؛ لأنَّه يَحْلِفُ على نَفْى فِعْلِ الغيرِ. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن مات أحدُ الزَّوْجينِ فكذلك، وإن مات الزَّوْجانِ، فادَّعَى وَرَثةُ المرأةِ التَّسْمِيةَ، وأنكْرَهَا وَرَثةُ الزَّوْجِ جُمْلةً، لم يُحْكَمْ عليهم بشىءٍ. قال أصحابُه: إنَّما قال ذلك إذا تقادَمَ العَهْدُ؛ لأنَّه تعذَّرَ الرُّجوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه تُعْتَبرُ فيه الصِّفاتُ والأوْقاتُ. وقال محمدُ بن الحسنِ: يُقْضَى بمَهْرِ المِثْلِ. وقال زُفَرُ: بعَشرةِ دَراهِم؛ لأنَّه أقَلُّ الصَّداقِ. ولَنا، أَنَّ ما اختَلَفَ فيه المُتعاقِدانِ، قام وَرَثتهما مَقامَهما، كالمُتَبايِعَيْنِ. وما ذكَرُوه ليس بصحيحٍ؛ لأنَّه لا يَسْقُطُ الحَقُّ لتَقادُمِ العَهْدِ، ولا يتعَذَّرُ الرُّجوعُ فى ذلك، كقِيَمِ سائرِ المُتْلَفاتِ. فصل: وإن اختلَفَ الزَّوجُ وأبُو الصَّغِيرةِ والمَجْنُونةِ، قام الأبُ مَقامَ الزَّوْجةِ فى اليَمِينِ؛ لأنَّه يَحْلِفُ على فِعْلِ نَفْسِه، ولأنَّ قولَه مَقْبولٌ فيما اعْتَرفَ به من الصَّداقِ، فسُمِعَتْ يَمِينُه فيه، كالزَّوْجةِ، فإن لم يَحْلِفْ حتى بلَغَتْ وعَقَلَتْ، فاليَمِينُ عليها دونَه؛ لأنَّ الحقَّ لها، وإنَّما يَحْلِفُ هو لتعَذُّرِ اليَمِينِ من جِهَتِها، فإذا أمكَنَ فى حَقِّها، صارتِ اليَمِينُ عليها، كالوَصِىِّ إذا بَلَغ الأطْفالُ قُبِلَ يَمِينُه فيما يَحْلِفُ فيه. فأمَّا أبو (١١) البِكْرِ البالِغةِ العاقلةِ، فلا تُسْمَعُ مُخالَفَتُه (١٢)؛ لأنَّ الكَبِيرةَ قولُها مقبولٌ فى الصَّداقِ، والحَقُّ لها دُونَه. وأمَّا سائرُ الأوْلياءِ، فليس لهم تَزْويجُ صغيرةٍ، إلَّا على رِوايةٍ فى بِنْتِ تِسْعٍ، وليس لهم أن يُزَوِّجُوا بدُونِ مَهْرِ المِثْلِ. ولو زَوَّجَها (١٣) بدُونِ مَهْرِ المِثْلِ، ثَبَتَ مهرُ المثلِ من غيرِ يَمِينٍ. فإن ادَّعَى أَنَّه زَوَّجَها بأكثرَ من مَهْرِ مِثْلِها، فاليَمِينُ على الزَّوْجِ؛ لأنَّ القَوْلَ قولُه فى قَدْرِ مهرِ المِثْلِ.

стр. 5098

فصل: إذا أنكَرَ الزَّوْجُ تَسْمِيةَ الصداقِ، وادَّعَى أنَّه تَزَوَّجَها بغير صداقٍ، فإن كان بعدَ الدُّخولِ نَظَرْنا؛ فإن ادَّعَتِ المرأةُ مهرَ المِثْلِ أو دُونَه، وَجَبَ ذلك من غير يَمينٍ؛ لأنَّها لو صَدَّقَتْه فى ذلك لَوجَبَ مهرُ المثلِ، فلا فائدةَ فى الاخْتِلافِ، وإن ادَّعَتْ أقلَّ من مهرِ المثلِ، فهى مُقِرَّةٌ بنَقْصِها عمَّا يجبُ لها بدَعْوَى الزَّوْجِ، فيجبُ أن يُقْبَلَ قوْلُها بغيرِ يَمِينٍ، وإن ادَّعتْ أكثرَ من مهرِ المثلِ، لَزِمَتْه اليمينُ على نَفْى ذلك، ويَجِبُ لها مهرُ المثلِ. وإن كان اختلافهما قبلَ الدُّخولِ، انبنَى على الرِّوايتَيْنِ فيما إذا اختلَفا فى قَدْرِ الصداقِ، فإن قُلْنا: القولُ قولُ [الزَّوْجِ. فلها المُتْعةُ، وإن قُلْنا: القولُ قولُ] (١٤) مَنْ يَدَّعِى مهرَ المِثْلْ (١٥). قُبِلَ قَوْلُها ما ادَّعَتْ مهرَ مِثْلِها. هذا إذا (١٦) طَلَّقَها، وإن لم يُطَلِّقْها، فُرِضَ لها مهرُ المثلِ على الرِّوايتَيْنِ، وكلُّ مَنْ قُلْنا: القولُ قولُه. فعليه اليمينُ. ١٢٠٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا تزوَّجَهَا بِغيْرِ صَدَاقٍ، لَمْ يَكُنْ لَهَا (١) عَلَيْهِ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ إِلَّا الْمُتْعَةُ) وجملتُه أنَّ النِّكاحَ يَصِحُّ من غيرِ تَسْمِيَةِ صَداقٍ، فى قولِ عامَّةِ أهل العلمِ. وقد دَلَّ على هذا قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (٢). ورُوِىَ أَنَّ ابنَ مسعودٍ سُئِلَ عن رَجُلٍ تزوَّجَ امرأةً، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، ولم يَدْخُلْ بها حتى ماتَ، فقال ابنُ مسعودٍ: لها صَداقُ نِسائِها، لا وَكْسٌ (٣) ولا شَطَطٌ، وعليها العِدَّةُ، ولها المِيراثُ. فقام مَعْقِلُ بن سِنَانٍ الأشْجَعِىُّ،

стр. 5099

فقال: قَضَى رسولُ اللَّه ﷺ فى بَرْوَعَ بنت وَاشِقٍ، امرأةٍ مِنَّا، مثلَ ما قَضَيْتَ. أخْرَجه أبو داودَ، والترمِذى (٤)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ولأن القَصْدَ من النِّكاحِ الوُصْلَةُ والاسْتِمْتاعُ دُونَ الصداقِ، فصَحَّ من غيرِ ذِكْرِه، كالنَّفَقةِ. وسواءٌ تَرَكَا ذِكْرَ المَهْرِ، أو شَرَطا نَفْيَه، مثل أن يقولَ، زَوَّجْتُكَ بغير مهرٍ. فيقْبَلُه كذلك. ولو قال: زَوَّجْتكَ بغير مَهْرٍ فى الحال، ولا فى الثانى. صَحَّ أيضًا. وقال بعضُ الشَّافعيَّةِ: لا يَصِحُّ فى هذه الصُّورَةِ، لأنَّها تكونُ كالمَوْهُوبةِ. وليس بصحيحٍ؛ لأنَّه قد صَحَّ فيما إذا قال: زَوَّجْتُكَ بغير مَهْرٍ. فيَصِحُّ ههُنا؛ لأنَّ معناهما واحدٌ، وما صَحَّ فى إحْدَى الصُّورَتَيْنِ المُتَساوِيتَيْنِ، صَحَّ فى الأُخْرَى. وليست كالمَوْهُوبةِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ يَفْسُدُ، ويَجِبُ المهرُ. إذا ثبَتَ هذا، فإنَّ المُزَوَّجةَ بغيرِ مَهْرٍ تُسَمَّى مُفَوِّضةً، بكَسْرِ الواو وفَتْحِها، فمن كَسَرَ أضافَ الفِعْلَ إليها على أنها فاعِلَة، مثل مُقَوِّمةٍ، ومن فَتَحَ أضافَه إلى وَلِيِّها. ومعنى التَّفْويض الإِهْمالُ، كأنها أهْمَلَتْ أَمْرَ المَهْرِ، حيث لم تُسَمِّه؛ ومنه قولُ الشاعر (٥): لا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لا سَراةَ لهمْ ... ولا سَراةَ إذَا جُهَّالُهُم سَادُوا يعنى مُهْمَلِين. والتَّفْويضُ على ضَرْبَيْنِ؛ تفويضُ بُضْعٍ، وتفويضُ مَهْرٍ. فأمَّا تفويضُ البُضْعِ، فهو الذى ذكَره الخِرَقِىُّ وفَسَّرْناه، وهو الذى يَنْصَرِفُ إليه إطلاقُ التَّفْويضِ، وأمَّا تَفْويضُ المَهْرِ، فهو أن يَجْعَلا (٦) الصَّداقَ إلى رَأى أحدِهما، أو رَأْى أجْنَبىٍّ، فيقول: زَوَّجْتُكَ على ما شِئْتَ، أو على حُكْمِكَ، أو على (٧) حُكْمِى، أو حُكْمِها، أو حُكمِ أجْنَبِىٍّ. ونحوه. فهذه لها مَهْرُ المِثْلِ، فى ظاهرِ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّها لم تُزَوِّجْ نَفْسَها إلا بصَداقٍ، لكنَّه مَجْهُولٌ، فسَقَطَ لجِهالَتِه، ووَجَبَ مهرُ

стр. 5100

المثلِ. والتَّفْويضُ الصحيحُ، أن تأذَنَ المرأةُ الجائزةُ الأمْرِ لوَلِيِّها فى تَزْوِيجها بغيرِ مَهْرٍ، أو بتَفْوِيض قَدْرِه، أو يُزَوِّجَها أَبُوها كذلك. فأمَّا إن زَوَّجَها غيرُ أبيها، ولم يَذْكُرْ مَهْرًا، بغيرِ إذْنِها فى ذلك، فإنه يَجِبُ مهرُ المثلِ. وقال الشافعىُّ: لا يكَونُ التَّفْويضُ إلا فى (٨) الصُّورةِ الأولَى. وقد سَبَقَ الكلامُ معه فى أَنَّ للأبِ أن يُزَوِّجَ ابنتَه بدُونِ صَداقِ مِثْلِها، فكذلك يجوزُ تَفْوِيضُه. فإذا طَلَقَتِ المُفَوّضةُ البُضْعِ قبلَ الدُّخولِ، فليس لها إلَّا المُتْعةُ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رواية جماعةٍ (٩)، وهو قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، والحسنِ، وعَطاءٍ، وجابرِ بن زيدٍ، والشَّعْبِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والثورىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى عبيدٍ، وأصْحابِ الرأى. وعن أحمدَ، روايةٌ أخرى، أَنَّ الواجِبَ لها نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّه نكاحٌ صحيحٌ يُوجِبُ مهرَ المثلِ بعدَ الدخولِ، فيُوجِبُ نِصْفَه بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، كما لو سَمَّى مُحَرَّمًا. وقال مالكٌ، والليثُ، وابنُ أبى ليلى: المتعةُ مُسْتَحَبَّةٌ غيرُ واجبةٍ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٠) فخَصَّهُم بها فيَدُلُّ (١١) أنها على سبيلِ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ، والإحسانُ ليس بواجِبٍ، ولأنَّها لو كانت واجبةً لم تَخْتَصَّ المُحْسِنِينَ دُونَ غيرِهم. ولَنا، قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. أمرٌ، والأمرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ. وقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١٢). وقال تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (١٣). ولأنَّه طَلاقٌ فى نكاحٍ يقْتَضِى عِوَضًا، فلم يَعْرُ عن العِوَضِ، كما لو سَمَّى مَهْرًا، وأداءُ الواجبِ من الإحْسانِ، فلا تَعارُضَ بينهما. فصل: فإن فَرَضَ لها بعدَ العَقْدِ، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، فلها نِصْفُ ما فَرَضَ لها،

стр. 5101

ولا مُتْعةَ. وهذا قولُ ابنِ عمرَ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ. وعن أحمدَ أَنَّ لها المُتْعةَ، ويَسْقُطُ المهرُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، لأَنَّه نِكاحٌ عَرِىَ عن تَسْمِيتِه، فوجَبَتْ به الْمُتْعةُ، كما لو لم يَفْرِضْ لها. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (١٤). ولأنَّه مَفْرُوضٌ يَسْتَقِرُّ بالدُّخولِ، فتَنَصَّفَ بالطلاقِ قبلَه، كالمُسَمَّى فى العَقْدِ. فصل: ومَنْ وَجَبَ (١٥) لها نِصْفُ المهْرِ، لم تَجِبْ لها مُتْعةٌ، سواءٌ كانت ممَّن سُمِّىَ لها صَداقٌ أو لم يُسَمَّ لها، لكنْ فُرِضَ بعد العَقْدِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، فى مَن سُمِّىَ لها. وهو قديمُ قَوْلَى الشافعىِّ. ورُوِىَ عن أحمدَ: لكلِّ مُطَلَّقةٍ مَتاعٌ. ورُوِىَ ذلك عن علىِّ بن أبى طالبٍ، والحسنِ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ، وأبى قِلَابةَ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادةَ، والضَّحَّاكِ، وأبى ثَوْرٍ؛ لظاهِرِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. ولقوله تعالى لنَبِيِّه ﷺ : ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (١٦). وعلى هذه الرِّواية، لكلِّ مُطلَّقةٍ مَتاعٌ، سواءٌ كانت مُفَوّضةً أو مُسَمًّى لها، مدخولًا بها أو غيرَها؛ لما ذكَرْنا. وظاهرُ المذهبِ أَنَّ المُتْعةَ لا تجبُ إلَّا للمُفَوّضةِ التى لم يُدْخَلْ بها إذا طُلِّقَتْ. قال أبو بكر: كلُّ مَن رَوَى عن أبى عبدِ اللَّه، فيما أعلمُ، رَوَى عنه أنَّه لا يَحْكُمُ بالمُتْعةِ إلَّا لمن لم يُسَمَّ لها مهرٌ، إلَّا حَنْبلًا، فإنَّه رَوَى عن أحمدَ أن لكلِّ مُطلَّقةٍ مَتاعٌ. قال أبو بكر: والعملُ عليه عندِى، لولا تَوَاتُرُ الرِّواياتِ عنه بخِلافِها. ولَنا: قولُه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. ثم قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. فخَصَّ الأُولَى بالمُتْعةِ،

стр. 5102

والثانيةَ بِنصْفِ المَفْرُوضِ، مع تَقْسِيمهِ للنساءِ (١٧) قِسْمَينِ، وإثْباتِه لكلِّ قِسْمٍ حُكْمًا، فيدُلُّ ذلك على اخْتصاص كلِّ قسمٍ بحُكْمِه، وهذا يَخُصُّ ما ذكَرُوه. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ الأمرُ بالْمَتاعِ فى غيرِ المُفَوَّضةِ على الاسْتِحْبابِ؛ لدلالةِ الآيتَيْنِ اللَّتَينِ ذكَرناهما على نَفْى وُجُوبِها، جَمْعًا بين دلالةِ الآياتِ والمعنى، فإنَّه عِوَضٌ واجبٌ فى عَقْدٍ، فإذا سُمِّىَ فيه عِوَضٌ صحِيحٌ، لم يَجِبْ غيرُه، كسائرِ عُقُودِ المُعاوَضةِ، ولأنَّها لا تجِبُ لها المُتْعةُ قبلَ الفُرْقةِ، ولا ما يقومُ مَقامَها، فلم تجِبْ لها عندَ الفُرْقةِ، كالمُتَوَفَّى عنها زَوْجُها. فصل: ولو طَلَّقَ المُسَمَّى لها بعدَ الدُّخولِ، أو المُفَوّضةَ المَفْرُوضَ لها بعد الدُّخُولِ، فلا مُتْعةَ لواحدةٍ منهما، إلَّا على روايةِ حَنْبَلٍ. وقد ذكَرْنا ذلك، وذكَرْنا قولَ مَنْ ذَهَبَ إليه. وظاهرُ المذهبِ: أنَّه لا مُتْعةَ لواحدةٍ منهما، وهو قولُ أبى حنيفةَ. وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايتَيْنِ، وقد ذكرنا ذلك. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُمَتِّعَها (١٨). نصَّ عليه أحمدُ، فقال: أنا أُوجِبُها على مَنْ لم يُسَمِّ لها صَداقًا، فإن كان (١٩) سَمَّى صَداقًا، فلا أُوجِبُها عليه، وأسْتَحِبُّ أن يُمَتِّعَ وإن سَمَّى لها صَداقًا. وإنَّما اسْتَحَبَّ ذلك لعُمُوم النَّصِّ الواردِ فيها، ودَلالتِها فى إيجابِها، وقولِ علىٍّ رضى اللَّه عنه ومَنْ سَمَّيْنا من الأئمَّةِ بها، فلمَّا امْتَنَعَ الوُجُوبُ لدلالةِ الآيتَيْنِ المذْكورَتَيْنِ على نَفْى الوُجُوبِ، ودلالةِ المَعْنَى المذكور عليه، تَعَيَّنَ حَمْلُ الأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عليها على الاسْتِحْبابِ، أو على أنَّه أُرِيدَ بها (٢٠) الخُصُوصُ. وأمَّا المُتَوَفَّى عنها، فلا مُتْعةَ لها بالإجْماعِ؛ لأنَّ النصَّ العامَّ لم يَتَنَاوَلْها، وإنَّما تناوَلَ (٢١) المُطَلَّقاتِ، ولأنَّها أخَذَتِ

стр. 5103

العِوَضَ المُسَمَّى لها فى عَقْدِ المُعاوضةِ، فلم يَجِبْ لها به سِواهُ، كما فى سائرِ العُقُودِ. فصل: والْمُتْعةُ تجبُ على كلِّ زَوْجٍ، لكلِّ زوجةٍ مُفَوّضةٍ طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخولِ، وسَواءٌ فى ذلك الحُرُّ والعبدُ، والمسلمُ والكافرُ (٢٢) والذِّمِّىُّ، والحُرَّة والأمَةُ، والمُسْلِمةُ والذِّمِّيَّةُ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ: لا مُتْعةَ للذِّمِّيَّةِ. وقال الأَوْزاعىُّ: إن كان الزَّوْجان أو أحَدُهما رَقِيقًا، فلا مُتْعةَ. ولَنا، عُمُومُ النَّصِّ، ولأنَّها قائمةٌ مَقامَ نِصْفِ المَهْرِ فى حَقِّ مَنْ سُمِّىَ لها (٢٣)، فتجِبُ لكلِّ زَوْجةٍ على كلِّ زَوْجٍ، كنِصْفِ المُسَمَّى، ولأنَّ ما يجبُ من العِوَض يَسْتَوِى (٢٤) فيه المُسْلِمُ والكافرُ، والحرُّ والعبدُ، كالمَهْرِ. فصل: فأمَّا المُفَوّضةُ المَهْرَ، وهى التى يتزَوَّجُها على ما شاءَ أحَدُهما، أو التى زَوَّجَها غيرُ أبِيها بغيرِ صَداقٍ بغيرِ إذْنِها، أو التى مهرُها فاسِدٌ، فإنَّه يجبُ لها مَهْرُ المِثْلِ، ويتَنَصَّفُ بالطلاقِ قبلَ الدُّخولِ، ولا مُتْعَةَ لها. هذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وقد صَرَّحَ به فى التى مَهْرُها فاسدٌ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. وعن أحمدَ، أَنَّ لها المُتْعةَ دون نِصْفِ المهرِ، كالمُفَوّضةِ البُضْعَ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه خَلَا عَقْدُها من تَسْمِيَةٍ صحيحةٍ، فأشْبَهتِ التى لم يُسَمَّ لها شىءٌ. ولَنا، أَنَّ هذه لها مَهْرٌ واجبٌ قبلَ الطَّلاقِ، فوجَبَ أن يتَنَصّفَ، كما لو سَمَّاه. أو نقول: لم تَرْضَ بغيرِ صَداقٍ، فلم تَجِب المُتْعةُ، كالمُسَمَّى لها. وتُفارِقُ التى رَضِيَتْ بغيرِ عِوَضٍ؛ فإنَّها رَضِيَتْ (٢٥) بغير صداقٍ، وعادَ بُضْعُها سَلِيمًا، فعُوِّضَت المُتْعَةَ، بخلافِ مسألَتِنا. فصل: وكلُّ فُرْقةٍ يتَنَصَّفُ بها المُسَمَّى، تُوجِبُ المتعةَ، إذا كانت مُفَوّضةً، وما يَسْقُطُ به المُسَمَّى من الفُرَقِ، كاخْتِلافِ الدِّينِ والفَسْخِ بالرَّضَاعِ ونحوِه، إذا جاء من

стр. 5104

قِبَلِها، لا تجبُ به مُتْعةٌ؛ لأنَّها أقِيمَتْ مُقامَ نِصْفِ المُسَمَّى، فسَقَطَتْ فى موضع يَسْقُطُ، كما تَسْقُطُ الأبدالُ بما يُسْقِطُ مُبْدلَها. فصل: قال أبو داود: سَمِعْتُ أحمدَ سُئِلَ عن رجلٍ تزَوَّجَ امرأةً، ولم يَكُنْ فَرَضَ لها مَهْرًا، ثم وَهَبَ لها غُلامًا، ثم طَلَّقها قبلَ الدُّخولِ. قال: لها المُتْعةُ. وذلك لأنَّ الهِبَةَ لا تَنْقَضِى بها المُتْعةُ، كما لا يَنْقَضِى بها نِصْفُ المُسَمَّى، ولأنَّ المُتْعةَ إنَّما تجبُ بالطَّلاقِ، فلا يَصِحُّ قَضاؤُها قبلَه، ولأنَّها واجِبةٌ، فلا تنْقَضِى بالهِبَةِ، كالمُسَمَّى. ١٢٠٧ - مسألة؛ قال: (عَلَى المُوسِعِ (١) قَدَرُهُ، وَعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ، فأعْلَاهُ خَادِمٌ، وأَدْناهُ كُسْوَةٌ يَجُوزُ لَهَا أنْ تُصَلِّىَ فِيهَا، إلَّا أنْ يَشَاءَ هُوَ أن يَزِيدَهَا، أو تَشَاءَ هِىَ أَنْ تَنْقُصَهُ) وجملةُ ذلك أَنَّ المُتْعةَ مُعْتَبرةٌ بحالِ الزَّوْجِ، فى يَسارِه وإعْسارِه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو وَجْهٌ لأصْحابِ الشافعىِّ. والوجهُ الآخرُ قالوا: هو مُعْتَبَرٌ بحالِ الزَّوْجةِ؛ لأنَّ المهرَ مُعْتبَرٌ بها، كذلك المُتْعةُ القائمةُ مَقامَه. ومنهم مَن قال: يُجْزِئُ فى المُتْعةِ ما يَقَعُ عليه الاسمُ، كما يُجْزِئُ فى الصَّداقِ ذلك. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (٢). وهذا نَصٌّ فى أنَّها مُعْتبرَةٌ بحالِ الزَّوْجِ، وأنها تَخْتَلِفُ، ولو أجْزَأ ما يَقَعُ عليه الاسمُ سَقَطَ الاختلافُ، ولو اعْتُبِرَ بحالِ المرأةِ لَما كان على المُوسِعِ قَدَرُهُ وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه. إذا ثبَت هذا فاخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فيها؛ فرُوِىَ عنه مثلُ قولِ الخِرَقِىِّ، أعْلاهَا خَادِمٌ، هذا إذا كان مُوسِرًا، وإن كان فقيرًا مَتَّعَها كُسْوتَها دِرْعًا وخِمارًا وثَوْبًا تُصَلِّى فيه. ونحوَ ذلك قال ابنُ عباسٍ، والزُّهْرِىُّ، والحسنُ. قال ابنُ عباسٍ: أعْلَى المُتْعةِ الخادِمُ، ثم دُونَ ذلك النَّفَقَةُ، ثم دُونَ ذلك الكُسْوةُ. ونحوَ ما ذكَرْنا فى أدْناها قال

стр. 5105

الثَّوْرِىُّ، والأَوْزَاعىُّ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، قالوا: دِرْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفَةٌ. والرِّواية الثانية: يُرْجَعُ فى تقديرِها إلى الحاكمِ. وهو أحدُ قولى الشافعىِّ؛ لأنَّه أمْرٌ لم يَرِد الشَّرْعُ بتَقْدِيرِه، وهو ممَّا يَحْتاجُ إلى الاجْتهادِ، فيجبُ الرُّجُوعُ فيه إلى الحاكمِ، كسائرِ المُجْتهدَاتِ. وذكر القاضى، فى "المُجَرَّدِ" روايةً ثالثةً: أنها مُقَدَّرَةٌ بما يُصادِفُ نِصْفَ مهرِ المثلِ؛ لأنَّها بَدَلٌ عنه، فيَجِبُ أن تتَقَدَّرَ به. وهذه الرِّوايةُ تَضْعُفُ لِوَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أن نَصَّ الكتابِ يَقْتَضِى تقديرَها بحالِ الزَّوْجِ، وتقديرُها بنصْفِ [مَهْرِ المِثْلِ] (٣) يُوجِبُ اعتبارَها بحالِ المرأةِ؛ لأنَّ مهرَها مُعْتَبَرٌ بها لا بزَوْجِها. الثانى، أنَّا لو قَدَّرْناها بِنِصْفِ المهرِ [لَكانت نِصْفَ المهرِ] (٤)، إذ ليس المهرُ مُعَيَّنًا فى شىءٍ ولا المُتْعةُ. ووجهُ قولِ الخِرَقِىِّ قولُ ابنِ عباسٍ: أعْلَى المُتْعةِ الخادِمُ، ثم دُونَ ذلك الكُسْوَةُ. رواه أبو حَفْصٍ بإسْنادِه (٥). وقَدَّرَها بكُسْوةٍ تجوزُ لها الصلاةُ فيها؛ لأنَّ الكُسْوةَ الواجبةَ بمُطْلَقِ الشَّرْعِ تتَقَدَّرُ بذلك، كالكُسْوةِ فى الكَفَّارةِ، والسُّتْرةِ فى الصلاةِ. ورَوَى كُنَيْفٌ السُّلَمِىُّ، أنَّ عبدَ الرحمن بن عَوْفٍ طَلَّقَ امرأتَهُ تُماضِرَ الكَلْبِيّةَ، فَحَمَّمَها بجارِيةٍ سَوْداءَ. يعنى مَتَّعَها (٦). قال إبراهيمُ النَّخعِىُّ: العَرَبُ تُسَمِّى المُتْعةَ التَّحْمِيمَ. وهذا فيما إذا تَشَاحَّا فى قَدْرِها، فإن سَمَحَ لها بزيادةٍ على الخادِمِ، أو رَضِيَتْ بأقلَّ من الكُسْوةِ، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما، وهو ممَّا يجوزُ بَذْلُه، فجاز ما اتّفَقَا عليه، كالصَّداقِ. وقد رُوِىَ عن الحَسنِ بن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهما، أنَّه مَتَّعَ امرأةً بعَشْرةِ آلافِ دِرْهمٍ، فقالت: * مَتَاعٌ قَلِيلٌ من حَبِيبٍ مُفارِقِ (٧) *

стр. 5106

١٢٠٨ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ طَالَبتْهُ قبل الدُّخولِ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا، أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ فَرَضَ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُهُ، وكَذلِكَ إِنْ فَرَضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْهُ فَرَضِيَتْهُ) وجملةُ ذلك أَنَّ المُفَوّضةَ لها المطالبةُ بفَرْض المَهْرِ؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يَخْلُو من المَهْرِ، فوَجَبَتْ لها المطالبةُ بِبَيانِ قَدْرِه. وبهذا قال الشافعىُّ. ولا نعلمُ فيه مُخالِفًا. فإن اتَّفَقَ الزَّوْجانِ على فَرْضِه، جاز ما فَرَضَاه، قَلِيلًا كان أو كثيرًا، سواءٌ كانا عالِمَيْنِ بمَهْرِ المِثْلِ أو غيرَ عالِمَيْنِ به. وقال الشافعىُّ فى قولٍ له: لا يَصِحُّ الفَرْضُ بغيرِ (١) مهرِ المثلِ إلَّا مع عِلْمِها بمَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ ما يَفْرِضُه (٢) بَدَلٌ عن مَهْرِ المِثْلِ، فيَحْتاجُ أن يكونَ المُبْدَلُ (٣) مَعْلُومًا. ولَنا، أنَّه إذا فَرَضَ لها كثيرًا، فقد بَذَلَ لها من مالِه فوقَ ما يَلْزَمُه، وإن رَضِيَتْ بالْيَسِيرِ، فقد رَضِيَتْ بدُونِ ما يَجِبُ لها، فلا تُمْنَعُ من ذلك. وقولُهم: إنه بَدَلٌ. غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ البَدَلَ غيرُ المُبْدَلِ، والمَفْروضُ إن كان ناقِصًا فهو بعضُه. وإن كان أكثرَ فهو الواجِبُ وزِيادَةٌ، فلا يَصِحُّ جَعْلُه [بَدَلًا، ولو كان] (٤) بدلًا لمَا جازَ مع العِلْمِ؛ لأنَّه يُبْدِلُ ما فيه الرِّبَا بجِنْسِه مُتَفاضِلًا، وقد رَوَى عُقْبةُ بن عامرٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ لرَجُلٍ (٥): "أَتَرْضَى أنِّى أُزَوِّجُكَ فُلَانةَ؟ " قال: نعم. وقال للمرأةِ: "أتَرْضِينَ أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلَانًا؟ ! قالت: نعم. فزَوَّجَ أحَدُهما صاحِبَه، ودَخَلَ عليها، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، فلما حَضَرَتْه الوفاةُ قال: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ زَوَّجَنِى فُلانةَ، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، ولم أُعْطِها شيئًا، وإنِّى قد أعْطَيْتُها عن صَدَاقِها سَهْمِى بخَيْبَرَ، فأخَذَتْ سَهْمَه، فباعَتْه بمائةِ ألْفٍ (٦). فأمَّا إن تَشَاحَّا فيه، ففَرَضَ لها مَهْرَ مثلِها، أو أكثرَ منه، فليس لها المطالبةُ

стр. 5107

بسِوَاه. فإن لم تَرْضَ به، لم يَسْتَقِرَّ لها حتى تَرْضاه، فإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، فليس لها إلَّا المُتْعةُ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ لها بفَرْضِه ما لم تَرْضَ به، كحالةِ الابتداءِ. وإن فَرَضَ لها أقلَّ من مَهْرِ المثلِ، فلها المطالبةُ بتَمامهِ، ولا يَثْبُتُ لها ما لم تَرْضَ به. وإن تَشاحَّا، وارْتَفَعا إلى الحاكمِ، فليس له أن يَفْرِضَ لها إلَّا مَهْرَ المِثْلِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ مَيْلٌ عليه، والنُّقْصانَ ميلٌ عليها، والعَدْلُ المِثْلُ، ولأنَّه إنَّما يَفْرِضُ بَدَلَ البُضْعِ، فيُقَدَّرُ به، كالسِّلْعةِ إذا تَلِفَتْ فرَجَعا فى تَقْوِيمِها إلى أهلِ الخِبْرةِ. ويُعْتَبَرُ مَعْرِفةُ مَهْرِ المِثْلِ ليُتَوَصَّلَ إلى إمْكانِ فَرْضِه. ومتى صَحَّ الفَرْضُ صار كالمُسَمَّى فى العَقْدِ، فى أنَّه يتَنَصَّفُ بالطلاقِ، ولا تجبُ المُتْعةُ معه. وإذا فَرَضَه الحاكمُ، لَزِمَ ما فَرَضَه، سواءً رَضِيَتْه أو لم تَرْضَه. كما يَلْزَمُ ما حَكَمَ به. فصل: وإن فَرَضَ لها أجْنَبِىٌّ مَهْرَ مِثْلِها، فرَضِيَتْه، لم يَصِحَّ فَرْضُه، وكان وُجُودُه كعَدَمِه؛ لأنَّه ليس بزَوْجٍ ولا حاكمٍ. فإن سَلَّمَ إليها ما فَرَضَه لها، فرَضِيَتْه، احْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لما ذكَرْنا، ويكونُ حُكْمُها حُكْمَ مَنْ لم يَفْرِضْ لها، ويَسْتَرْجِعُ ما أعْطاها؛ لأنَّ تَصَرُّفَه ما صَحَّ (٧)، ولا بَرِئَتْ به ذِمّةُ الزَّوْجِ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، لأنّه يقومُ مَقامَ الزَّوْجِ فى قَضاءِ المُسَمَّى، فيقومُ مَقامَه فى قضاءِ ما يُوجِبُه العَقْدُ غير المُسَمَّى. فعلى هذا، إذا طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخولِ، رَجَعَ نِصْفُه إلى الزَّوْجِ، لأنّه مَلَّكَه إياه حين قَضَى به دَيْنًا عليه، فيَعُودُ إليه، كما لو دَفَعَه هو. ولأصْحابِ الشافعىِّ مثلُ هذيْنِ الوَجْهيْنِ، وذكَرُوا وَجْهًا ثالثًا، [أنَّه يَرْجِعُ نِصْفُه إلى الأجْنَبِىِّ. وذكَرَه القاضى وَجْهًا لنا ثالثًا] (٨). وقد ذكَرْنا ما يَدُلُّ على صِحَّةِ ما قُلْناه. ولو أنَّ رَجُلًا قَضَى المُسَمَّى عن الزَّوجِ، صَحَّ، ثم (٩) إن طَلّقَها الزَّوْجُ قبلَ الدُّخولِ، رَجَعَ نِصْفُه إليه، وإن فَسَخَتْ نِكاحَ نَفسِها بفِعْل من جِهَتِها، رَجَعَ جَمِيعُه إليه. وعلى الوجهِ الآخرِ، يَرْجِعُ إلى مَن قَضَاه. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 5108

فصل: ويَجِبُ المهرُ للمُفَوّضةِ بالعَقْدِ، وإنَّما يَسْقُطُ إلى المُتْعةِ بالطَّلاقِ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. واختلفَ أصحابُ الشافعىِّ؛ فمنهم مَن قال: الصحيحُ أنَّه يجبُ بالعقدِ. وقال بعضُهم: لا يجبُ بالعقدِ، قولًا واحدًا. ولا يجىءُ على أصلِ الشافعىِّ غيرُ هذا؛ لأنَّه لو وَجَبَ بالعَقْدِ لَتَنَصَّفَ بالطَّلاقِ، كالمُسَمَّى فى العَقْدِ. وَلنا، أنَّها تَمْلِكُ المطالبةَ به، فكان واجبًا، كمالمُسَمَّى، ولأنَّه لو لم يَجِبْ بالعَقْدِ، لمَا اسْتَقَرَّ (١٠) بالموتِ، كما فى العَقْدِ الفاسدِ، ولأنَّ النِّكاحَ لا يجوزُ أن يَخْلُوَ عن المَهْرِ، والقولُ بعَدَمِ وُجُوبِه يُفْضِى إلى خُلُوِّه عنه، وإلى أَنَّ النِّكاحَ انْعَقَدَ صحيحًا ومَلَكَ الزوجُ الوطءَ ولا مَهْرَ فيه، وإنَّما لم يتَنَصَّفْ؛ لأنَّ اللَّه تعالى نَقَلَ غيرَ المُسَمَّى لها بالطلاقِ إلى المُتْعةِ، كما نَقَلَ مَن سَمَّى لها إلى نِصْفِ المُسَمَّى لها. واللَّهُ أعلمُ. فعلَى هذا لو فَوَّضَ (١١) الرجلُ مَهْرَ أَمَتِه، ثم أعْتَقَها أو باعَها، ثم فُرِضَ لها المهرُ، كان لمُعْتِقِها أو بَائِعِها؛ لأنَّ المهرَ وجبَ بالعقدِ فى مِلْكِه [وإنَّما الفَرْضُ عنه] (١٢). ولو فَوّضَتِ المرأةُ نَفْسَها، ثم طالبَتْ بفَرْضِ مَهْرِها بعدَ تغَيُّرِ مَهْرِ مِثْلِها، أو دَخَلَ بها، لوَجَبَ مهرُ مِثْلِها حالةَ العَقْدِ؛ لما ذكَرْناه. ووافَقَ أصحابُ (١٣) الشافعىِّ على ذلك؛ لأنَّ الوُجوبَ يَسْتَنِدُ إلى حالةِ العَقْدِ، إلَّا فى الأَمَةِ التى أعْتَقَها أو باعَها، فى أحدِ الوَجْهَيْنِ. فصل: ويجوزُ الدُّخولُ بالمرأةِ قبلَ إعْطائِها شيئًا، سواءٌ كانت مُفَوّضةً أو مُسَمَّى لها. وبهذا قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، والنَّخَعىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادةَ، ومالكٍ: لا يَدْخُلُ بها حتى يُعْطِيَها شيئا. [قال الزهرىُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أنْ لا يَدْخُلَ بها حتى يُعْطِيَها شيئا] (١٤). قال ابنُ عباسٍ:

стр. 5109

يَخْلَعُ إِحْدَى نَعْلَيْه، ويُلْقِيها إليها (١٥). وقد رَوَى أبو داودَ (١٦)، بإسنادِه عن رَجُلٍ من أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّ عَلِيًّا لما تَزَوَّجَ فاطمةَ، أراد أن يَدْخُلَ بها، فمَنَعه رسولُ اللَّه ﷺ حتى يُعْطِيهَا شيئا، فقال: يا (١٧) رسولَ اللَّه، ليس لى شىءٌ. فقال له النبىُّ ﷺ : "أَعْطِها دِرْعَكَ". فأعْطاها دِرْعَه، ثم دَخَلَ بها. وروَاه ابنُ عباسٍ أيضًا، قال: لما تزوَّجَ علىٌّ فاطمةَ، قال له رسولُ اللَّه ﷺ : "أعْطِهَا شَيْئًا". قال: ما عِنْدِى. قال: "أيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ (١٨)؟ ". رَوَاه أبو داودَ، والنَّسائىُّ (١٩). ولَنا، حَدِيثُ عُقْبةَ بن عامرٍ، فى الذى زَوجَه النَّبِىُّ ﷺ ، ودَخَلَ بها (٢٠) ولم يُعْطِها شيئًا (٢١). ورَوَتْ عائشةُ، قالتْ: أمرنى رسولُ اللَّه ﷺ أن أُدْخِلَ امرأةً على زَوْجِها، قبلَ أن يُعْطيهَا شيئًا. روَاه ابنُ ماجَه (٢٢). ولأنه عِوَضٌ فى عَقْدِ مُعاوَضةٍ، فلم يَقفْ جَوازُ تَسْلِيمِ المُعَوَّضِ (٢٣) على قَبْضِ شىءٍ منه، كالثمنِ فى البَيْعِ، والأُجْرَةِ فى الإِجارَةِ. وأمَّا الأخْبارُ فمَحْمُولةٌ على الاسْتِحْبابِ، فإنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُعْطِيهَا قبلَ الدُّخولِ شيئًا، مُوافَقةً للأخْبارِ، ولعادَةِ الناس فيما بينهم، ولِتَخْرُجَ المُفَوّضةُ عن شِبْهِ المَوْهُوبةِ،

стр. 5110

وليكونَ ذلك أقْطَعَ للخُصُومةِ. ويُمْكِنْ حَمْلُ قولِ ابن عباسٍ ومَنْ وافَقَه على الاسْتِحْبابِ، فلا يكونُ بين القَوْلَيْنِ فَرْقٌ. واللَّهُ أعلمُ. ١٢٠٩ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ مَاتَ أحَدُهُمَا قَبْلَ الإِصَابَةِ، وقَبْلَ الفَرْضِ، وَرِثَهُ صَاحِبُهُ، وَكَانَ لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا) أمَّا المِيراثُ فلا خلافَ فيه؛ فإنَّ اللَّه تعالى فَرَضَ لكلِّ واحدٍ من الزَّوْجَيْنِ فَرْضًا، وعَقْدُ الزَّوْجِيَّة ههنا صحيحٌ ثابتٌ، فيُورَثُ (١) به؛ لدُخُولِه فى عُمومِ النَّصِّ. وأمَّا الصَّداقُ، فإنَّه يَكْمُلُ لها مَهْرُ نِسائِها، فى الصَّحيحِ من المذهبِ. وإليه ذَهَبَ ابنُ مسعودٍ، وابنُ شُبْرُمةَ، وابنُ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ عن علىٍّ، وابن عباسٍ، وابنِ عمرَ، والزُّهْرِىِّ، ورَبِيعةَ، ومالكٍ، والأوْزَاعىِّ: لا مَهْرَ لها؛ لأنَّها فُرْقةٌ وَرَدَتْ على تَفْوِيضٍ صحيحٍ قبلَ فَرْضٍ ومَسِيسٍ، فلم يجبْ بها مهرٌ، كفُرْقةِ الطَّلاقِ. وقال أبو حنيفةَ كقولِنا فى المُسْلِمةِ، كقولِهم فى الذِّمِّيَّةِ. وعن أحمدَ روايةٌ أخرى، لا يَكْمُلُ، ويتَنَصَّفُ. وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايتَيْنِ. ولَنا: ما رُوِىَ أن عبدَ اللَّه بن مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قَضَى لامرأةٍ لم يَفْرِضْ لها زوجُها صَداقًا، ولم يَدْخُلْ بها حتى مات، فقال: لها صَداقُ نِسائِها، لا وَكْسٌ ولا شَطَطٌ، وعليها العِدَّةُ، ولها الميراثُ. فقام مَعْقِلُ بن سِنَانِ الأشْجَعِىُّ، فقال: قَضَى رسولُ اللَّه ﷺ فى بَرْوَعَ ابْنةِ وَاشِقٍ مثلَ ما قَضَيْتَ (٢). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ صحيحٌ. وهو نصٌّ فى مَحَلِّ النزاعِ، ولأنَّ الموتَ معنًى يَكْمُلُ به المُسَمَّى، فيكْمُلُ (٣) به مهرُ المثلِ للمُفَوّضةِ، كالدُّخولِ. وقياسُ الموتِ على الطَّلاقِ غيرُ صحيحٍ؛ فإن الموتَ يَتِمُّ به النِّكاحُ، فيَكْمُلُ به الصداقُ، والطلاقُ يَقْطَعُه ويُزِيلُه قبلَ إتْمامِه، ولذلك وَجبتِ العِدَّةُ بالموتِ قبلَ الدُّخولِ، ولم تجبْ

стр. 5111

بالطلاقِ وكمَلَ المُسَمَّى بالموتِ، ولم يَكْمَلْ بالطلاقِ، وأمَّا الذِّمِّيَّةُ فإنَّها مُفارِقةٌ بالموتِ، فكَمَلَ لها الصداقُ كالمُسْلِمةِ، أو كما لو سَمَّى لها، ولأن المُسْلِمةَ والذِّمِّيَّة لا يخْتلِفانِ فى الصَّداقِ فى موضعٍ، فيَجِبُ أن لا يَخْتَلِفَا ههُنا. فصل: قوله: "مَهْرُ نِسائِها". يعنى مهرَ مثلِها من أقارِبِها. وقال مالكٌ: تُعْتبَرُ بمَنْ هى فى مثلِ جَمالِها (٤) ومالِها وشَرَفِها، ولا يَخْتَصُّ بأقْرِبائِها (٥)؛ لأنَّ الأعْواضَ (٦) إنَّما تختلفُ بذلك دُونَ الأقاربِ. ولَنا، قولُه فى حديثِ ابن مسعودٍ: لها مَهْرُ نِسائِها (٧). ونساؤها أقارِبُها. وما ذكَرَه فنحنُ نَشْتَرطُه، ونَشْتَرِطُ معه أن تكونَ من نِسَاءِ (٨) أقارِبها؛ لأنَّها أقْرَبُ إليهِنَّ. وقوله: لا يَخْتَلِفُ ذلك باختلافِ الأقارِب. لا يَصِحُّ؛ فإن المرأةَ تُطْلَب لِحَسَبِها (٩)، كما جاء فى الأثَرِ، وحَسَبُها يَخْتَصُّ به أقارِبُها، فيزْدادُ المهرُ لذلك ويَقِلُّ، وقد يكونُ الحىُّ وأهلُ القَرْيةِ لهم عادةٌ فى الصَّداقِ، ورَسْمٌ مُقَرَّرٌ، لا يُشاركهم فيه غيرُهم، ولا يُغَيِّرُونه بتَغَيُّرِ الصِّفاتِ، فيكونُ الاعتبارُ بذلك دُونَ سائرِ الصِّفاتِ. واخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فى مَن يُعْتَبَرُ من أقارِبِها، فقال، فى رِوايةِ حَنْبَلٍ: لها مهرُ مِثْلِها من نسائِها من قِبَلِ أبِيها. فاعْتَبَرها بنساءِ العَصَباتِ خاصَّة. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وقال، فى روايةِ إسحاقَ بن هانئ: لها مهرُ نسائِها، مثل أُمِّها أو أخْتِها أو عَمّتِها أو بنتِ عَمِّها. اخْتارَه أبو بكرٍ. وهو مذهبُ أبى حنيفة، وابنِ أبى ليلى؛ لأنَّهُنَّ من نِسائها. والأُولَى أوْلَى؛ فإنَّه قد رُوِىَ فى قِصّةِ بَرْوَع، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَضَى فى بَرْوَعَ بنتِ واشقٍ بمثلِ مَهْرِ نِساءِ قَوْمِها (٧). ولأنَّ شَرَفَ المرأةِ مُعْتَبرٌ فى مَهْرِها،

стр. 5112

وشَرَفُها بنَسَبِها، وأمُّها وخالَتُها لا تُساوِيانها فى نَسَبِها، فلا تُساوِيَانها فى شَرَفِها، وقد تكون أمُّها مَوْلاةً وهى شَرِيفةٌ، وقد تكون أمُّها قُرَشِيَّةً (١٠) وهى غيرُ قُرَشِيَّةٍ (١٠). وينْبَغِى أن يُعْتَبرَ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، فأقْرَبُ نساءِ عَصَباتِها إِليها أخَواتُها، ثم عَمَّاتُها، ثم بناتُ عَمِّها، الأقْربُ فالأقربُ. ويُعتبرُ أن يَكُنَّ (١١) فى مثلِ حالِها؛ فى دِينِها، وعَقْلِها، وجَمالِها، ويَسارِها، وبَكارَتِها وثُيُوبَتِها، وصَراحة نَسَبِها، وكلِّ ما يَختلفُ لأجْلِه الصَّداقُ، وأن يَكُنَّ (١١) من أهلِ بَلَدِها؛ لأنَّ عاداتِ (١٢) البلادِ (١٣) تختلفُ فى المَهْرِ. وإنَّما اعْتُبِرتْ هذه (١٤) الصِّفاتُ [كلُّها؛ لأنَّ مهرَ المِثْلِ إنَّما هو بَدَلُ مُتْلَفٍ. فاعْتُبِرَتِ الصِّفاتُ] (١٥) المقصودةُ فيه. فإن لم يكُنْ فى عَصَبَاتِها مَنْ هو فى مِثْلِ حالِها، فمِن نِساءِ أرْحامِها، كأُمِّها (١٦) وجَدَّاتِها وخالاتِها وبناتِهِنّ، فإن لم يكُن، فأهلُ بَلَدِها، فإن لم يكُنْ فنِسَاءُ أقْربِ البُلدانِ إليها، فإن لم يُوجَدْ إلَّا دُونَها، زِيدَ لها بقَدْرِ فَضِيلَتِها، وإن لم يُوجَدْ إلَّا خيرٌ منها، نَقَصَتْ بقَدْرِ نَقْصِها. فصل: ولا يجبُ مَهْرُ المِثْلِ إلَّا حالًّا؛ لأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ، فأشْبَهَ قِيَمَ المُتْلَفاتِ. ولا يكونُ إلَّا من نَقْدِ البَلَدِ؛ لما ذكَرنا. ولا تَلْزَمُ الدِّيَةُ؛ لأنَّها لا تختلفُ باخْتلافِ صِفاتِ المُتْلَفِ (١٧)؛ لأنَّها مُقَدَّرةٌ بالشَّرْعِ، فكانت بحُكْمِ ما جَعَلَه (١٨) من الحُلُولِ

стр. 5113

والتَّأْجِيلِ، فلا يعتبرُ بها غيرُها، [ولأنَّها عُدِلَ بها عن سائرِ الأَبْدالِ فى مَن وَجَبَتْ عليه، فكذلك فى تأجِيلِها تَخْفِيفًا عنه، بخلافِ غيرِها] (١٩)، فإن كانت عادةُ نِسائِها تأجِيلَ المَهْرِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، يُفْرَضُ حالًّا؛ لذلك. والثانى، يُفْرَضُ مُؤَجَّلًا؛ لأنَّ مهرَ مِثْلِها مُؤَجَّلٌ. وإن كان عادَتُهم أنَّهم إذا زَوَّجُوا من عَشِيرَتِهم خَفَّفُوا، وإن زَوَّجُوا غيرَهم ثَقَّلُوا، اعْتُبِرَ ذلك. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ فإن قيل: فإذا كان مَهْرُ المِثْلِ بَدَلَ مُتْلَفٍ، يجبُ أن لا يختلفَ باخْتلافِ المُتْلَفِ (٢٠)، كسائرِ المُتْلَفاتِ. قُلْنا: النِّكاحُ يُخالِفُ سائرَ المُتْلَفاتِ، فإنَّ سائَر المُتْلَفاتِ المَقْصُودُ بها المالِيَّةُ خاصَّةً، فلم تَخْتلِفْ باخْتلافِ [المُتْلِفينَ، والنكاحُ يُقْصَدُ به أعْيانُ الزَّوْجَيْنِ، فاخْتَلَفَ باخْتِلافِهِم، ولأنَّ سائرَ المُتْلفاتِ لا تختلفُ باختِلافِ] (١٩) العوائِدِ، والمهرُ يختلفُ بالعاداتِ، فإنَّ المرأةَ إذا كانت من قومٍ عادَتُهم تَخْفِيفُ مُهُورِ (٢١) نسائِهِم، وجَبَ مهرُ المرأةِ منهم خَفِيفًا، وإن كانت أفْضَلَ وأشْرَفَ من نساءِ مَنْ عادَتُهم تَثْقِيلُ المهرِ، وعلى هذا متى كانت عادَتُهم التَّخْفيفَ لمَعْنًى، مثل الشَّرَفِ أو اليَسَارِ ونحوِ ذلك، اعْتبِرَ جَرْيًا على عادَتِهِم. واللَّهُ أعلمُ. فصل: إذا زَوَّجَ السَّيِّدُ عبدَه أمَتَه، فقال القاضى: لا يجبُ مهرٌ؛ لأنَّه لو وجَبَ لَوجبَ لسَيِّدها، ولا يجبُ للسَّيِّد على عبدِه مالٌ. وقال أبو الخَطَّابِ: يجب المُسَمَّى، أو مهرُ المثلِ إن لم يكن مُسَمًّى، كيلا يَخْلُوَ النِّكاحُ عن مهرٍ، ثم يَسْقُطُ لتَعَذُّرِ إثباتِه. وقال أبو عبد اللَّه: إذا زَوَّجَ عبدَه من أَمَتِه، فأحِبُّ أن يكونَ بمَهْرٍ وشُهودٍ. قيل: فإن طَلَّقَها؟ قال: يكونُ الصداقُ عليه إذا أُعْتِقَ. قيل: فإن زَوَّجَها منه بغيرِ مهرٍ؟ قال: قد اختلَفُوا فيه، فذَهَبَ جابرٌ إلى أنَّه جائِزٌ.

стр. 5114

١٢١٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا خلَا بِهَا بَعْد الْعَقْدِ، فَقَالَ: لَمْ أَطَأْهَا. وَصَدَّقَتْهُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِمَا، وَكَانَ حُكمُهمَا حُكْمَ الدُّخولِ، فِى جَمِيعِ أُمُورِهِمَا، إِلَّا فِى الرُّجُوع إِلَى زوْجٍ طَلّقَها ثَلَاثًا، أَوْ فِى الزِّنَى، فإِنَّهُمَا يُجْلَدانِ، ولَا يُرْجَمَانِ) وجملةُ ذلك أَنَّ الرجلَ إذا خَلَا بامْرأتِه بعدَ العَقْدِ الصَّحيحِ، اسْتَقَرَّ عليه مَهْرُها، ووَجَبَتْ عليها العِدَّةُ، وإن لم يَطَأْ. رُوِىَ ذلك عن الخلفاءِ الرَّاشدِينَ، وزيدٍ، وابنِ عمرَ. وبه قال علىُّ بن الحسينِ، وعُرْوةُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والأَوْزَاعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وهو قديمُ قَوْلَى الشافعىِّ. وقال شُرَيحٌ، والشَّعْبِىُّ، وطاوُسٌ، وابنُ سِيرِينَ، والشافعىُّ فى الجديدِ: لا يَسْتَقِرُّ إلَّا بالوَطْءِ. وحُكِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن أحمدَ. ورَوَى عنه يَعْقُوبُ بن بختانَ، أنَّه قال: إذا صَدَّقَتْه المرأةُ، أنَّه لم يَطَأْها، لم يُكْمِلْ لها الصَّداقَ، وعليها العِدَّةُ. وذلك لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (١). وهذه قد طَلَّقَها قبلَ أن يَمَسَّها. وقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٢). والإفْضاءُ: الجِمَاعُ. ولأنَّها مُطَلَّقةٌ لم تُمَسَّ، أشْبَهَتْ مَن لم يُخْلَ بها. ولَنا: إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، رَوَى الإِمامُ أحمدُ، والأَثْرَمُ، بإسْنادِهما، عن زُرَارةَ بن أَوْفَى، قال: قَضَى الخلفاءُ الراشِدُونَ المَهْدِيُّونَ، أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ بابًا، أو أَرْخَى سِتْرًا، فقد وَجَبَ المَهْرُ، ووَجَبتِ العِدّةُ (٣).

стр. 5115

وروَاه الأَثْرَمُ (٤) أيضًا، عن الأحْنَفِ، عن عمرَ وعلىٍّ (٥)، وعن سعيد بن المُسَيَّبِ. وعن زَيدِ بن ثابتٍ: عليها العِدَّةُ، ولها الصَّداقُ كاملًا. وهذه قضايا تَشْتَهِرُ، ولم يخالِفْهُم أحدٌ فى عَصْرِهم، فكان إجماعًا. وما رَوَوْه عن ابنِ عباسٍ، لا يَصِحُّ، قال أحمدُ: يَرْوِيه لَيْثٌ، وليس بالقَوِىِّ، وقد رَوَاه حَنْظَلةُ خِلافَ ما روَاه لَيْثٌ، وحَنْظَلةُ أقْوَى من (٦) لَيْثٍ. وحَدِيثُ ابنِ مسعودٍ مُنْقَطِعٌ. قالَه ابنُ المُنذرِ. ولأنَّ التَّسْليمَ المُسْتَحقَّ وُجِدَ من جهَتِها، فيَسْتَقِرُّ به البَدَلُ، كما لو وَطِئَها، أو كما لو أَجَرَتْ دارَها، أو باعَتْها وسَلَّمَتْها. وَأمَّا قولُه تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. فيَحْتَمِلُ أنَّه كَنَى بالمُسَبَّبِ عن السبَّبَ، الذى هو الخَلْوةُ، بدليلِ ما ذكرناه. وأمَّا قوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. فقد حُكِىَ عن الفَرَّاءِ، أنَّه قال: الإفْضاءُ الخَلْوةُ، دَخَلَ بها أو لم يَدْخُلْ. وهذا صحيحٌ؛ فإنَّ الإفْضاءَ مَأخُوذٌ من الفَضَاءِ، وهو الخالِى، فكأنَّه قال: وقد خَلَا بعضُكُم إلى بعضٍ. وقولُ الخِرَقِىِّ: حُكْمُهما حكمُ الدُّخُولِ فى جميعِ أُمُورِهِما. يعنى فى حُكْمِ ما لو وَطِئَها، من تَكْمِيلِ المَهْرِ، وَوُجُوبِ العِدَّةِ، وتَحْرِيمِ أُخْتِها وأربَعٍ سِواها إذا طَلَّقَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، وثُبُوتِ الرجْعةِ له عليها فى عِدَّتِها. [وقال الثورىُّ] (٧)، وأبو حنيفةَ: لا رَجْعَةَ له عليها، إذا أقَرَّ أنَّه لم يُصِبْها. ولَنا: قولُه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ (٨). ولأنَّها مُعْتَدَّة من نِكاحٍ صحيحٍ، لم يَنْفَسِخْ نِكاحُها، ولا كملَ عَدَدُ طَلاقِها، ولا طَلَّقَها بعِوَضٍ، فكان له عليها الرَّجْعةُ، كما لو أصَابَها. ولها عليه نَفَقةُ العِدَّةِ والسُّكْنَى؛ لأنَّ ذلك لِمَنْ لِزَوْجِها عليها الرجْعَةُ. ولا تَثْبُتُ بها الإِباحَةُ للزَّوْجِ المُطَلِّقِ ثَلاثًا؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ لِامْرأةِ رِفاعةَ القُرَظِىِّ (٩): "أتُرِيدينَ أن
следующие страницы →