← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

النِّكاحَ. انْفَسَخَ. ولو قالتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِى. وَنوَتِ المُفارقةَ، كان كِنايةً عن الفَسْخِ؛ لأنَّه يُؤَدِّى (٢٥) مَعْناه، فصارَ (٢٦) كِنايةً عنه، كالكِنَايةِ بالفَسْخِ عن الطَّلاقِ. فصل: وإن عَتَقَ زَوْجُ الأَمَةِ، لم يَثْبُتْ له خِيارٌ؛ لأنَّ عَدَمَ الكَمالِ فى الزَّوْجةِ لا يُؤَثِّرُ فى النِّكاحِ، ولذلك (٢٧) لا تُعْتَبَرُ الكفاءةُ إلَّا فى الرَّجُلِ دُونَ المرأةِ. ولو تَزَوَّجَ امرأةً مُطْلَقًا، فبانَتْ أمَةً، لم يَثْبُتْ له خِيارٌ. ولو تزَوَّجَتِ المرأةُ رَجُلًا مُطْلَقًا، فبان عَبْدًا كان لها الخِيارُ، وكذلك فى الاسْتِدامةِ، لكن إن عَتَقَ (٢٨) ووَجَدَ الطَّوْلَ لِحُرّةٍ، فهل يَبْطُلُ نِكاحُه؟ على وَجْهينِ، تقدَّم ذكرُهما. فصل: وإذا عَتَقَتِ الأمَةُ، فقالت لِزَوْجِها: زِدْنِى (٢٩) فى مَهْرِى. ففَعَلَ، فالزِّيادةُ لها دون سَيِّدِها، سواءٌ كان زَوْجُها حُرًّا أو عبدًا، وسواءٌ عَتَقَ معها، أو لم يَعْتِقْ. نَصَّ عليه أحمدُ، فيم إذا زَوَّجَ عَبْدَه من أَمَتِه ثم عَتَقَا (٣٠) جميعا، فقالتِ الأمَةُ: زِدْنِى فى مَهْرِى. فالزيادةُ للأَمَةِ لا للسَّيِّدِ. فقيل: أَرَأيْتَ إن كان الزوجُ لغيرِ السَّيِّدِ، لمن تَكونُ الزِّيادةُ؟ قال: للأَمَةِ. وعلى قياس هذا، لو زَوَّجَها سَيِّدُها، ثم باعَها، فزادَها زَوْجُها فى مَهْرِها، فالزيادةُ للثانى. وقال القاضى: الزِّيادةُ للسَّيِّدِ المُعْتِقِ فى المَوْضِعَيْنِ، على قياسِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ مِن أصْلِنا أَنَّ الزِّيادةَ فى الصَّدَاقِ تَلْحَقُ بالعَقْدِ الأوَّلِ، فتكون كالمذكورةِ فيه. والذى قُلْناه أصَحُّ؛ لأنَّ المِلْكَ فى الزِّيادةِ إنما ثَبَتَ (٣١) حالَ وُجُودِها، بعدَ زَوَالِ مِلْكِ سَيِّدِها عنها، فيكونُ لها، ككَسْبِها والمَوْهُوبِ لها. وقولُنا: إن الزِّيادَةَ تَلْحَقُ بالعَقْدِ. معناه أنَّها تَلْزَمُ ويَثْبُتُ المِلْكُ فيها، ويَصِيرُ الجَمِيعُ صَدَاقًا، وليس معناه

стр. 5042

أنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ المِلْكَ كان ثابِتًا فيها، وكان لِسَيِّدِها، فإِنَّ هذا مُحالٌ، ولأنَّ سَبَبَ مِلْكِ هذه الزيادةِ وُجِدَ بعدَ العِتْقِ، فلا يجوزُ أن يَتَقَدَّمَ المِلْكُ عليه؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى تقَدُّمِ (٣٢) الحُكْمِ قبل سَبَبِه، ولو كان المِلْكُ ثابتًا للمُعْتِقِ فيه حين التَّزْويج لَلَزِمَتْهُ زَكاتُه، وكان له نَماؤُه. وهذا أظْهَرُ من أن نُطِيلَ فيه.

стр. 5043

باب أجَلِ العِنِّينِ والخَصِىِّ غيرِ المَجْبُوبِ العنِّينُ: هو العاجزُ عن الإِيلاجِ. وهو مَأْخُوذٌ من عَنَّ. أى: اعْتَرَضَ؛ لأنَّ ذَكَرَهُ يَعِنُّ إذا أرَادَ إِيلاجَه، أى يَعْتَرِضُ، والعَنَنُ الاعْتِراضُ. وقيل: لأنَّه يَعِنُّ لِقُبُلِ المَرْأةِ (١) عن يَمينِه وشِمالِه، فلا يَقْصِدُه. فإذا كان الرجلُ كذلك فهو عَيْبٌ به، ويُسْتَحَقُّ به فَسْخُ النِّكاحِ، بعدَ أن تُضْرَبَ له مُدّةٌ يُخْتَبَرُ فيها، ويُعْلَمُ حالُه بها. وهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرةَ بن شُعْبةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، وعَمْرُو بن دِينارٍ، والنَّخَعِىُّ، وقتادةُ، وحَمَّادُ بن أبى سُلَيمانَ. وعليه فَتْوى فُقَهاءِ الأمْصارِ، منهم؛ مالكٌ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وشَذَّ الحَكَمُ بن عُتَيْبةَ، وداودُ، فقالا: لا يُؤَجَّلُ، وهى امْرَأتُه. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّ امْرأةً أتَتِ النبىَّ ﷺ ، فقالت: يارسولَ اللَّه، إنَّ رِفاعةَ طَلَّقَنِى، فبَتَّ طَلَاقِى، فتزَوَّجْتُ بعبدِ الرحمنِ بن الزُّبَيْرِ، وإنَّما له مثلُ هُدْبةِ الثَّوْبِ، فقال: "تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِى إلى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ، ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" (٢). ولم يَضْرِبْ له مُدّةً. ولَنا، ما رُوِىَ أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أجَّلَ الغِنِّينَ سَنَةً. ورَوَى ذلك الدَّارَقُطْنِىُّ (٣)، بإسْنادِه عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، والمُغِيرةَ بن شُعْبةَ. ولا مُخالِفَ لهم. ورَواه أبو حَفْصٍ عن علىٍّ. ولأنَّه عَيْبٌ يَمْنَعُ الوَطْءَ، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالجَبِّ فى الرَّجُلِ، والرَّتْقِ فى المرأةِ، فأمَّا الخَبَرُ، فلا

стр. 5044

حُجّةَ لهم فيه؛ فإنَّ المُدّةَ إنما تُضْرَبُ له مع اعْتِرافِه، وطَلَبِ المرأةِ ذلك، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما. وقد رُوِىَ أَنَّ الرجلَ أنْكَرَ ذلك، وقال: إنِّى لأعْرُكُها عَرْكَ الأدِيمِ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: وقد صَحَّ أَنَّ ذلك كان بعدَ طَلَاقِه، فلا معنى لِضَرْبِ المُدَّةِ. وصَحَّحَ ذلك قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "تُرِيدِينَ أن تَرْجِعِى إلى رِفَاعَةَ". ولو كان قبلَ طَلَاقِه لَما كان ذلك إليها. وقيل: إنها ذَكَرَتْ ضَعْفَه، وشَبَّهَتْه بهُدْبةِ الثَّوْبِ مُبالغةً، ولذلك قال النبىُّ ﷺ : "حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ" والعاجِزُ عن الوَطْءِ لا يَحْصُلُ منه ذلك. ١١٨٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا عِنِّينٌ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا، أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تَرَافُعِهِ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْها فِيهَا، خُيِّرَتْ فِى الْمُقَامِ مَعَهُ أَوْ فِرَاقِهِ، فإِنِ اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ، كَانَ ذلِكَ فَسْخًا بِلَا طَلَاقٍ) وجملةُ ذلك أَنَّ المرأةَ إذا ادَّعَتْ عَجْزَ زَوْجِها عن وَطْئِها لِعُنَّةٍ، سُئِلَ عن ذلك، فإن أنْكَرَ والمرأةُ عَذْراءُ، فالقولُ قولُها، وإن كانت ثَيِّبًا، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه. فى ظاهرِ المَذْهبِ؛ لأنَّ هذا أمْرٌ (١) لا يُعْلَمُ إِلَّا من جِهَتِه، والأَصْلُ السَّلامةُ. وقال القاضى: هل يُسْتَحْلَفُ أو لا؟ على وَجْهَيْنِ، بناءً على دَعْوَى الطَّلاقِ. فإن أقَرَّ بالعَجْزٍ، أو ثَبَتَ ببَيِّنةٍ على إقْرارِه به، أو أنْكَرَ وطَلَبَتْ يَمِينَه فنَكَلَ، ثَبَتَ عَجْزُه، ويُؤَجَّلُ سَنَةً. فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. وعن الحارِث بن رَبِيعةَ (٢)، أنَّه أجَّلَ رَجُلًا عَشرةَ أشْهُرٍ. ولَنا، قولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابةِ، ولأنَّ هذا العَجْزَ قد يكونُ لِعُنَّةٍ، وقد يكون لِمَرَضٍ، فضُرِبَتْ له سَنةً لِتَمُرَّ به الفُصُولُ الأرْبعةُ، فإن كان من يُبْسٍ زال فى فَصْلِ الرُّطُوبةِ، وإن كان من رُطُوبةٍ زال فى فَصْلِ الحَرارةِ، وإن كان من انْحِرافِ مِزَاجٍ زال فى فَصْلِ الاعْتِدالِ. فإذا مَضَتِ الفصولُ الأربعةُ، واخْتَلَفَتْ عليه الأهْوِيةُ فلم تَزُلْ، عُلِمَ أنَّه خِلْقةٌ. وحُكِىَ عن

стр. 5045

أبى عُبَيْدٍ، أنَّه قال: أهْلُ الطِّبِّ يقولون: الداءُ لا يَسْتَجِنُّ (٣) فى البَدَنِ أكثرَ من سَنَةٍ، ثم يَظْهَرُ. وابتداءُ السَّنةِ منذُ تَرَافُعِه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: على هذا جماعةُ القائلينَ بتَأْجِيلِه. قال مَعْمَرٌ، فى حديثِ عمرَ: "يُؤَجَّلُ سنةً" (٤): من يومِ مُرَافَعَتِه، فإذا انقضتِ المُدَّةُ فلم يَطَأْ، فلها الخِيارُ، فإن اخْتارتِ الفَسْخَ، لم يَجُزْ إلَّا بحُكْمِ الحاكم (٥)؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فإمَّا أن يَفْسَخَ، [وإمَّا أن يَرُدَّه] (٦) إليها فتَفْسَخَ هى. فى قولِ عامَّةِ القائلينَ به. ولا يَفْسَخُ حتى تختارَ الفَسْخَ وتَطْلُبَه؛ لأنَّه لحَقِّها، فلا تُجْبَرُ على اسْتِيفائِه، كالفَسْخِ للإِعْسارِ (٧)، فإذا فَسَخَ (٨) فهو فَسْخٌ وليس بطَلاقٍ. وهذا قولُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ: يُفَرِّقُ الحاكمُ بينهما، وتكونُ تَطْلِيقةً؛ لأَنَّهَا فُرقَةٌ لعَدَمِ الوَطْءِ، فكانت طَلاقًا، كفُرْقَةِ المُولِى. ولَنا، أَنَّ هذا خِيارٌ ثَبَتَ لأجْلِ العَيْبِ، فكان فَسْخًا، كفَسْخِ المُشْتَرِى لأجْلِ العَيْبِ. فصل: فإن اتَّفَقَا بعدَ الفُرْقةِ (٩) على الرَّجْعةِ، لم يَجُزْ إلَّا بنِكاحٍ جديدٍ؛ لأنَّها قد بانَتْ (١٠)، وانفَسَخَ النِّكاحُ. فإذا تَزَوّجَها كانت عنده على طَلاق ثَلاثٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وذَكَرَ أبو بكرٍ فيها قولًا ثانيًا، أنَّهما لا يَجْتَمِعان أبدًا؛ لأنَّها فُرْقةٌ تتَعلّقُ بحُكْمِ الحاكمِ، فَحَرَّمَتْ النِّكاحَ (١١)، كفُرْقةِ اللِّعانِ. والمَذْهَبُ أنَّها تَحِلُّ له؛ لأنَّها فُرْقةٌ لأجْلِ العَيْبِ، فلم تَمْنَعِ النِّكاحَ، كفُرْقةِ المُعْتَقَةِ، والفُرْقةِ فى (١٢) سائرِ العُيُوبِ.

стр. 5046

وأمَّا فُرْقةُ اللِّعانِ فإنَّها حَصَلَتْ (١٣) بلِعانِهِما قبلَ تَفْريقِ الحَاكمِ، وههُنا بخِلافِه، [ولأنَّ اللِّعانَ يُحَرِّمُ المُقامَ على النِّكاحِ، فمَنَعَ ابْتِداءَه، ويُوجِبُ الفُرْقةَ، فمنَع الاجْتماعَ، وههُنا بخِلافِه] (١٤). ولو رَضِيَتِ المرأةُ بالمُقامِ، أو لم (١٥) تَطْلُب الفَسْخَ، لم يَجُزِ الفَسْخُ، فكيف يَصِحُّ القياسُ مع هذه الفُرُوقِ! فصل: ومَنْ عُلِمَ أَنَّ عَجْزَه عن الوَطْءِ لعارِضٍ؛ من صِغَرٍ، أو مَرَضٍ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، لم تُضْرَبْ له مُدَّةٌ (١٦)؛ لأنَّ ذلك عارِضٌ يَزُولُ، والعُنَّةُ خِلْقَةٌ وجِبِلَّةٌ لا تَزُولُ. وإن كان لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يرجَى زَوَالُه، ضُرِبَتْ له المدةُ؛ لأنَّه فى مَعْنَى من خُلِقَ كذلك. وإن كان لجَبٍّ، أو شَلَلٍ، ثَبَتَ الخيارُ فى الحالِ؛ لأنَّ الوَطْءَ مَيْؤُوسٌ منه فلا مَعْنَى لِانْتِظارِه. وإن كان قد بَقِىَ من الذَّكَرِ ما يُمْكِنُ الوَطْءُ به، فالأَوْلَى ضَرْبُ المُدَّةِ له؛ لأنَّه فى معنى العِنِّينِ خِلْقةً. وإن اختُلِفَ فى القَدْرِ الباقِى هل يُمْكِنُ الوَطْءُ بمثْلِه (١٧) أو لا؟ رُجِعَ إلى أهْلِ الخِبْرةِ فى مَعْرِفةِ ذلك. فصل: فأمَّا الخَصِىُّ، فإنَّ الْخِرَقِىَّ ذَكَره فى تَرْجمةِ البابِ، ولم يُفْرِدْه (١٨) بحُكْمٍ، فظاهرُ كلامِه أنَّه ألْحَقَه بغيرِه، فى أنَّه متى لم يَصِلْ إليها أُجِّلَ، وإن وَصَلَ إليها، فلا خِيارَ لها؛ لأنَّ الوَطْءَ مُمْكِنٌ، والاسْتِمْتاعَ حاصِلٌ بوَطْئِه. وقد قِيلَ: إن وَطْأَه أكْثَرُ من وَطْءِ غيرِه؛ لأنَّه لا يُنْزِلُ فيَفْترُ بالإِنْزالِ. وقد ذكَرْنا اختلافَ أصحابِنا فى ذلك فيما مَضَى. ولا فَرْقَ بين مَنْ قُطِعَتْ خُصْيَتاه والموجوءِ، وهو الذى رُضَّتْ خُصْيَتاه، والمَسْلُولِ الذى سُلَّتْ خُصْيَتاه، فإنَّ الحُكْمَ فى الجَمِيعِ واحدٌ؛ فإنَّه لا يُنْزِلُ، ولا يُولَدُ له.

стр. 5047

١١٨٨ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ أَنِّى عِنِّينٌ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَهَا. فَإِنْ أَقَرَّتْ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنةٍ، فَلَا يُؤَجَّلُ، وَهِىَ امْرَأَتُهُ) وجملةُ ذلك أَنَّ المرأةَ إذا عَلِمَتْ عُنَّةَ الرَّجُلِ وَقْتَ العَقْدِ، مثل أن يُعْلِمَها بعُنَّتِه، أو تُضْرَبَ له المُدَّةُ وهى امْرَأتُه، فيَنْفَسِخَ (١) النِّكاحُ، ثم يتَزَوَّجُها ونحو ذلك، لم تُضْرَبْ له المُدَّةُ (٢)، وهى امْرَأتُه. فى قولِ أكثر أهلِ العلمِ، منهم؛ عطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ القاسمِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وهو قولُ الشافعىِّ (٣) القديمُ. وقال فى الجَدِيد: يُؤَجَّلُ؛ لأنَّه قد يكونُ عِنِّينًا فى نِكاحٍ دُونَ نِكاحٍ. ولَنا، أنَّها رَضِيَتْ بالعَيْبِ، ودَخَلَتْ فى العَقْدِ عالمةً به، فلم يَثْبُتْ لها خِيارٌ، كما لو عَلِمَتْه مَجْبُوبًا، ولأنَّها لو رَضِيَتْ به بعدَ العَقْدِ أو [بعدَ المُدَّةِ] (٤)، لم يكُنْ لها الفَسْخُ (٥)، فكذلك إذا رَضِيَتْ به فى العَقْدِ، كسائرِ العُيُوبِ، ولو أنَّها رَضِيَتْ بالمُقامِ معه، ثم طَلَّقها، ثم ارْتَجَعَها، لم يَثْبُتْ لها (٦) المطالبةُ، كذا ههُنا. وقولُهم: إنَّها تكونُ فى نِكاحٍ دون نكاحٍ. احْتِمالٌ بعيدٌ؛ فإنَّ العُنَّةَ جِبلَّةٌ وخِلْقةٌ لا تتَغَيَّرُ ظاهِرًا، ولذلك ثَبَتَ لها الفَسْخُ بعدَ المُدَّةِ. فإن ادَّعَى عليها العِلْمَ بعُنَّتِه، فأنْكَرَتْه، فالقولُ قولُها مع يَمِينِها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ العِلْمِ، وإن أقَرّتْ، أو ثَبَتَتْ ببَيِّنةٍ، ثَبَتَ نِكاحُها، وبَطلَ خِيارُها. ١١٨٩ - مسألة؛ قال: (وَإنْ عَلِمَتْ أنَّهُ عِنِّينٌ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَسَكَتَتْ عَنِ الْمُطالَبةِ، ثُمَّ طَالَبَتْ بَعْدُ, فَلَهَا ذلِك، ويُؤَجَّلُ سَنةً مِن يَوْمِ تُرَافِعُهُ) لا نعلمُ فى هذا اخْتِلافًا (١). وذلك لأنَّ سُكُوتَها بعدَ العَقْدِ ليس بدَليلٍ على الرِّضَى؛

стр. 5048

لأنَّه زَمَنٌ لا تَمْلِكُ فيه الفَسْخَ، ولا الامْتِناعَ من اسْتِمْتاعِه، فلم يكُن سُكوتُها مُسْقِطًا لِحَقِّها، كسُكُوتِها بعدَ ضَرْبِ المُدَّةِ وقبلَ انْقِضائِها. ولو سَكَتَتْ بعدَ المُدَّةِ، لم يَبْطُلْ خِيارُها أيضًا؛ لأنَّ الخِيارَ لا يثبتُ إلَّا بعدَ رَفْعِه إلى الحاكمِ، وثُبُوتِ عَجْزِه، فلا يَضُرُّ السُّكُوتُ قبلَه. ١١٩٠ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ قَالَتْ فِى وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ: قَدْ رَضِيتُ بِهِ عِنِّينًا. لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدُ) وجملةُ الأمْرِ، أنَّها متى رَضِيَتْ به عِنِّينًا، بَطَلَ خِيارُها، سواءٌ قالتْهُ (١) عَقِيبَ العَقْدِ، أو بعدَ ضَرْبِ المُدَّةِ، أو بعدَ انْقِضائِها، ولا نعلمُ فى بُطلانِ خِيارِها بقَوْلِها ذلك بعد انْقِضاءِ المُدَّةِ خلافًا، فأما قبلَها فإن الشافعىَّ قال فى الجديدِ: لا يَبْطُلُ خِيارُها؛ لأنَّ حَقَّها فى (٢) الفَسْخِ إنَّما يَثْبُتُ بعدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فلم يَصِحَّ إسْقاطُه قبلَها، كالشَّفِيعِ يُسْقِطُ حَقَّه قبلَ البَيْعِ. ولَنا، أنَّها رَضِيَتْ بالعَيْبِ بعدَ العَقْدِ، فسَقَطَ خِيارُها، كسائرِ العُيُوبِ، وكما بعدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ. وما ذَكَرُوه غيرُ صحيحٍ، فإنَّ العُنَّةَ التى هى سَبَبُ الفَسْخِ مَوْجُودةٌ، وإنَّما المُدَّةُ ليُعْلَمَ وُجُودُها، ويُتَحَقَّقَ عِلْمُها، فهى كالبَيِّنةِ فى سائرِ العُيُوبِ (٣). ويُفارِقُ الشُّفْعةَ؛ فإنَّ سَبَبَها البَيْعُ، ولم يُوجَدْ بعدُ. فإن قيل: فلو رَضِيَتِ المرأةُ بالإِعْسارِ، ثم اخْتارتِ الفَسْخَ، مَلَكَتْه، ولو آلَى منها، فرَضِيَتْ بالمُقامِ معه، ثم طالبَتْ بالعُنّةِ، كان لها ذلك؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينهما أَنَّ النَّفقةَ يتجَدَّدُ وُجُوبُها كلَّ يومٍ, فإذا رَضِيَتْ بإسْقاطِ ما يَجِبُ لها فى المُسْتَقْبَلِ، لم يَسْقُطْ؛ لأنَّها أسْقَطَتْه قبلَ وُجُوبِه، فأشْبَهَ إسْقاطَ الشُّفْعةِ قبلَ البَيْعِ، بخلافِ العَيْبِ، ولأنَّ الإِعْسارَ يَعْقُبُه (٤) اليَسارُ،

стр. 5049

فتَرْضَى بالمُقامِ رَجاءَ ذلك، وكذلك المُولِى يجوزُ أن يُكَفِّرَ عن يَمِينِه، ويَطَأَ، فإذ لم يُوجَدْ ذلك، ثَبَتَ لها الخِيارُ، فأمَّا العِنِّينُ إذا رَضِيَتْه، فقد رَضِيَتْ بالعَجْزِ من (٥) طَرِيقِ الخِلْقةِ، وهو مَعْنًى لا يَزُولُ فى العادةِ، فافْتَرَقَا. ١١٩١ - مسألة؛ قال: (وَإِنِ اعْتَرَفَتْ أَنَّه قَدْ وَصَلَ إلَيْهَا مَرَّةً، بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عِنِّينًا) أكثرُ أهلِ العلمِ على هذا، يقولون: متى وَطِئَ امْرَأتَه مَرَّةً, ثم ادَّعَتْ عَجْزَه، لم تُسْمَعْ دَعْواها، ولم تُضْرَبْ له مُدَّةٌ، منهم؛ عَطاءٌ، وطاوُس، والحسنُ، ويَحْيَى الأنْصارىُّ، والزُّهْرِىُّ، وعَمْرُو بن دِينارٍ، وقَتادَةُ، وابنُ هاشمٍ، ومالكٌ، والأوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثورٍ: إن (١) عَجَزَ عن وَطْئِها أُجِّلَ لها؛ لأنَّه عَجَزَ عن وَطْئِها، فثبَتَ (٢) حَقُّها، كما لو جُبَّ بعدَ الوَطْءِ. ولَنا، أنَّه (٣) قد تَحَقَّقَتْ قُدْرَتُه على الوَطْءِ فى هذا النِّكاحِ، وزَوَالُ عُنَّتِه، فلم تُضْرَبْ له مُدَّةً، كما لو لم يَعْجِزْ، ولأنَّ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ، من اسْتِقْرارِ المَهْرِ والعِدَّةِ، تَثْبُتُ بوَطْءٍ واحدٍ، وقد وُجِدَ. وأمَّا الجَبُّ، فإنَّه يتحققُ به (٤) العَجْزُ فافترَقا. فصل: والوَطْءُ الذى يَخْرُجُ به عن العُنَّةِ، هو تَغْيِيبُ (٥) الحَشَفةِ فى الفَرْجِ؛ لأنَّ الأحْكامَ المُتَعَلِّقةَ بالوَطْءِ تتعلَّقُ بتَغْيِيبِ الحَشَفةِ، فكان وَطْأ صَحِيحًا، فإن كان الذَّكَرُ مَقْطُوعَ الحَشَفةِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا يَخرُجُ عن العُنَّةِ إلَّا بتَغْيِيبِ جميعِ الباقِى؛ لأنَّه لا حَدَّ ههُنا يُمْكِنُ اعْتِبارُه، فاعْتُبِرَ تَغْيِيبُ (٥) جَمِيعِه؛ لأنَّه المعنى الذى

стр. 5050

يتحققُ به حُصُولُ حُكْمِ الوَطْءِ. والثانى، يُعْتَبَرُ تَغْيِيبُ قَدْرِ الحَشَفةِ، ليكونَ ما يُجْزِئُ من المَقْطوعِ مثل ما يُجْزِءُ من الصحيحِ. وللشافعىِّ قَوْلان كهذَيْن. فصل: ولا يخْرُجُ عن العُنَّةِ بالوَطْءِ فى الدُّبُرِ؛ لأنَّهُ ليس بمَحَلٍّ للوَطْءِ، فأشْبَهَ الوَطْءَ فيما دُونَ الفَرْجِ، ولذلك لا يتعلَّقُ به الإِحْلالُ للزَّوْجِ الأوَّلِ، ولا الإِحْصانُ. وإن وَطِئَها فى القُبُلِ حائِضًا، أو نُفَسَاءَ، أو مُحْرِمَةً، أو صائِمةً، خرَج عن العُنَّةِ. وذكر القاضى أَنَّ قِياسَ المَذْهَبِ أنْ لا يَخْرُجَ من العُنَّةِ؛ لنَصِّ أحمدَ على أنَّه لا يَحْصُلُ به الإِحْصانُ والإِباحةُ للزَّوْجِ الأوَّلِ، ولأنَّه وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، أشْبَهَ الوَطْءَ فى الدُّبُرِ. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ فى مَحَلِّ الوَطْءِ، فخرَج به عن العُنَّةِ، كما لو وَطِئَها وفى مَرِيضةٌ يَضُرُّها الوَطْءُ، ولأنَّ العُنَّةَ العَجْزُ عن الوَطْءِ، ولا يَبْقَى مع وُجُودِ الوَطْءِ، فإنَّ العَجْزَ ضِدُّ القُدْرةِ، فلا يَبْقَى مع وُجُودِ ضِدِّه، وما ذكَره (٦) غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ تلك أحكامٌ يجوزُ أن تَنْتَفِىَ (٧) مع وُجُودِ سَبَبِها لمانِعٍ (٨)، أو لِفَوَاتِ (٩) شَرْطٍ، والعُنَّةُ فى نَفْسِها أمرٌ حقيقىٌّ، لا يُتَصَوَّرُ بقاؤُه مع انْتِفائِه. فأمَّا الوَطْءُ فى الدُّبُرِ، فليس بوَطْءٍ فى مَحَلِّه، بخلافِ مسألَتِنا. وقد اختارَ ابنُ عقيلٍ أنَّه تَنتَفِى به العُنَّةُ؛ لأنَّه أصْعَبُ، فمَن قَدَرَ عليه فهو على غيرِه أقْدَرُ. فصل: وإن وَطِئَ امرأةً، لم يخْرُجْ به عن العُنَّةِ فى حَقِّ غيرِها. واخْتار ابنُ عَقِيلٍ أنَّه يخْرُج عن العُنَّةِ فى حَقِّ جميعِ النِّساءِ، فلا تُسْمَعُ دَعْواهما عليه منها ولا من غيرها. وهذا مُقْتَضَى قولِ أبى بكرٍ، [وهو قَوْلُ] (١٠) كلِّ مَنْ قال: إنَّه يُخْتَبَرُ بتَزْوِيِج امرأةٍ أُخْرَى. وحُكِىَ (١١) ذلك عن سَمُرةَ، وعمرَ (١٢) بن عبدِ العزيزِ. وذلك لأنَّ العُنَّةَ خِلْقةٌ وجبِلَّةٌ لا تتَغَيّرُ بتَغَيُّرِ (١٣) النِّساءِ، فإذا انتفَتْ فى حَقِّ امرأةٍ، لم تَبْقَ فى حَقِّ غيرِها. ولَنا، أَنَّ حُكْمَ

стр. 5051

كلِّ امرأةٍ مُعْتَبَرٌ (١٤) بنَفْسِها، ولذلك لو ثَبَتَث عُنَّتُه فى حَقِّهِنَّ، فرَضِىَ بعضُهنَّ، سَقَطَ حَقُّها وحدَها دُونَ الباقِياتِ، ولأنَّ الفَسْخَ لدَفْعِ الضَّرَرِ الحاصلِ بالعَجْزِ عن وَطْئِها، وهو ثابتٌ فى حَقِّها لا يَزُولُ بوَطْءِ غيرِها. وقوله: كيف يَصِحُّ عَجْزُه عن واحدةٍ دُونَ أُخْرَى؟ قُلْنا: قد تَنْهَضُ شَهْوَتُه فى حَقِّ إحْداهما، لِفَرْطِ حُبِّه إيَّاها، ومَيْلِه إليها، واخْتِصاصِها بجَمالٍ (١٥) ونحوِه (١٦) دون الأُخْرَى. فعلى هذا، لو تَزَوّجَ امرأةً فأصَابَها، ثم أبَانَها، ثم تزَوّجَها، فعَنَّ عنها، فلها المُطالبةُ؛ لأنَّه إذا جازَ أن يَعِنَّ عن امرأةٍ دون أُخْرَى، ففى نِكاحٍ دون نكاحٍ أَوْلَى. وعلى قولِ أبى بكرٍ ومَنْ وافَقَه: لا يَصِحُّ هذا، بل متى وَطِئَ مَرّةً (١٧)، لم تَثْبُتْ عُنَّتُه أبدًا. ١١٩٢ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ جُبَّ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَلَهَا الْخِيارُ فِى وَقْتِهَا) كأنَّ الْخِرَقِىَّ أراد: إذا ضُرِبَتْ له المدةُ فلم يُصِبْها حتى جُبَّ، ثَبَتَ لها الخِيارُ فى الحالِ. لأنَّنا نَنْتَظِرُ الحَوْلَ لنَعْلَمَ عَجْزَه، وقد عَلِمْناه ههُنا يَقِينًا، فلا حاجةَ إلى الانْتِظارِ. قال القاضى: ويَلْزَمُ على هذا أَنَّ سائرَ العُيُوبِ الحادِثةِ بعدَ العَقْدِ، يَثْبُتُ بها الخِيارُ؛ فإنَّ الخِيارَ ههُنا إنَّما ثَبَتَ (١) بالجَبِّ الحادثِ، ولوْلاه لم يَثْبُت الفَسْخُ؛ لأنَّنا لم نَتَيَقَّنْ عُنَّتَه، والجَبُّ حادِثٌ، فلما ثَبَتَ الفَسْخُ به، عُلِمَ أنَّه إنَّما اسْتُحِقّ بالعَيْبِ الحادِثِ. وفى بعض النُّسَخِ: "قبلَ الدُّخُولِ". ومعناهما واحدٌ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما اسْتَحَقَّ الفَسْخَ ههُنا بالجَبِّ الحادِثِ؛ لأنَّه مُتَضَمِّنُ (٢) مَقْصُودَ العُنَّةِ فى العَجْزِ عن الوَطْءِ، ومُحَقِّقٌ للمَعْنَى الذى ادَّعَتْه المرأةُ، بخِلافِ غيرِه من العُيُوبِ. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 5052

١١٩٣ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهَا، وادَّعَتْ أَنَّهَا عَذْراءُ، أُرِيَتِ النِّسَاءَ الثِّقاتَ، فَإِنْ شَهِدْنَ (١) بِمَا قَالَتْ، أُجِّلَ سَنَةً) وجملتُه أَنَّ المرأةَ إذا ادَّعَتْ عُنَّةَ زَوْجِها، فزَعَمَ أنَّه وَطِئَها، وقالتْ: إنها عَذْراءُ. أُرِيتْ النِّساءَ (٢)، فإن شَهِدْنَ بعُذْرَتِها، فالقولُ قولُها، ويُؤَجَّلُ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى. وإنَّما كان (٣) كذلك؛ لأنَّ الوَطْءَ يُزِيلُ عُذْرَتَها، فوُجُودُها يَدُلُّ على عَدَمِ الوَطْءِ، فإن ادَّعَى أن عُذْرَتَها عادَتْ بعدَ الوَطْءِ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ هذا بَعِيدٌ جدًّا، وإن كان مُتَصَوَّرًا. وهل تُسْتَحْلَفُ المرأةُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، تُسْتَحْلَفُ؛ لإِزالةِ هذا الاحْتمالِ، كما يُسْتَحْلَفُ سائرُ مَنْ قُلْنَا: القولُ قولُه. والآخَرُ، لا تُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّ ما يَبْعُدُ جِدًّا لا الْتِفاتَ إليه، كاحْتِمَالِ (٤) كَذِبِ البَيِّنةِ العادِلةِ، وكَذِبِ المُقِرِّ فى إقْرارِه. وهل يُقْبَلُ قولُ امْرأةٍ واحدةٍ؟ على رِوَايتَيْنِ. وهذا الذى ذكَره الْخِرَقِىُّ فيما إذا اخْتَلَفا فى ابْتِداءِ الأمْرِ قبلَ ضَرْبِ الأجَلِ، فإن اخْتلَفا فى ذلك بعدَ ضَرْبِ المُدّةِ، وشَهِدَ النِّساءُ بعُذْرَتِها، لم تَنْقَطِع المُدّةُ. وإن كان بعدَ انْقِضاءِ المدةِ فحُكْمُه حُكْمُ (٥) من اعْتَرفَ أنَّه (٦) لم يَطَأْها. وفى كلِّ موضعٍ شَهِدَ النساءُ بزَوَالِ عُذْرَتِها، فالقولُ قولُه، فيَسْقُطُ (٧) حكمُ قَوْلِها؛ لأنَّه تَبَيَّنَ كَذِبُها. وإن ادَّعَتْ أَنَّ عُذْرَتَها زالتْ بسببٍ آخرَ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ الأسْبابِ. ١١٩٤ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، وادَّعَى أنَّه يَصِل إِلَيْهَا، أُخْلِىَ مَعَهَا فِى

стр. 5053

بَيْتٍ، وقِيلَ لَهُ: أَخْرِجْ ماءَك عَلَى شَىْءٍ. فَإِنِ ادَّعَتْ (١) أنَّهُ لَيْسَ بمَنِىٍّ، جُعِلَ عَلَى النَّارِ، فَإنْ ذَابَ فَهُوَ مَنِىٌّ، وبَطَلَ قَوْلُهَا. وقَدْ رُوِىَ عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ، ﵀، رِوَايةٌ أُخْرَى، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُه مَعَ يَمِينِهِ) اخْتلَفت الرِّواية عن أبى عبدِ اللَّه، ﵀، فى هذه المسألةِ، فحَكَى الْخِرَقِىُّ فيها رِوَايتَيْنِ؛ إحداهما، أنَّه يُخْلَى معها، ويقال له (٢): أخْرِجْ ماءَك على شىءٍ. فإن أخْرَجَه، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ العِنِّينَ يَضْعُفُ عن (٣) الإِنْزالِ، فإذا أَنْزَلَ تَبَيَّنّا صِدْقَه، فنَحْكُمُ به. وهذا مذهبُ عَطاءٍ. فإن ادَّعَتْ (١) أنَّه ليس بمَنِىٍّ، جُعِلَ على النارِ، فإن ذابَ فهو مَنِىٌّ؛ لأنَّه شَبِيهٌ (٤) ببَياضِ (٥) البَيْضِ، وذاك إذا وُضِعَ على النارِ تجَمَّعَ ويَبِسَ، وهذا يذوبُ، فيتَمَيَّزُ (٦) بذلك أحَدُهُما من الآخَرِ، فيُخْتَبَرُ به. وعلى هذا متى عَجَزَ عن إخْراجِ مائِه (٧)، فالقولُ قولُ المرأةِ؛ لأنَّ الظَّاهرَ معها. والرِّواية الثانية، القولُ قولُ الرَّجُلِ مع يَمينِه. وبهذا فال. الثورىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ الْمُنْذِرِ؛ لأنَّ هذا ممَّا يَتَعَذَّرُ إقامةُ البَيِّنةِ عليه، وجَنْبَتُه أقْوَى، فإنَّ فى (٨) دَعْواه سَلَامةَ العَقْدِ، وسلامةَ نَفْسِه من (٩) العُيُوبِ، والأصْلُ السَّلامةُ، فكان القولُ قولَه، كالمُنْكِرِ فى سائرِ الدَّعاوَى، وعليه اليمينُ على صِحَّةِ ما قال. وهذا قولُ مَنْ سَمَّيْنا ههُنا؛ لأنَّ قولَه مُحْتَمِلٌ للكَذِبِ، فقَوَّيْنا قولَه بيَمِينِه، كما فى سائرِ الدَّعاوَى. التى يُسْتَحْلَفُ فيها. فإن

стр. 5054

نَكَلَ، قُضِىَ عليه بنُكُولِه، ويدلُّ على وُجُوبِ اليمينِ عليه قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "ولَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" (١٠). قال القاضى: ويتَخرَّجُ أن لا يُسْتَحْلَفَ، بِناءً على إنْكارِه دَعْوَى الطَّلاقِ، فإنَّ فيها روايتَيْنِ، كذا ههُنا. والصَّحيحُ ما قال الْخِرَقِىُّ؛ لدَلالةِ الخبَرِ والمعنى عليه. ورُوِىَ عن أحمدَ، رِوَايةٌ ثالثة، أَنَّ القولَ قولُ المرأةِ مع يَمينِها. حكاها القاضى فى "المُجَرَّدِ" لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِصابةِ، فكان القولُ قولَها؛ لأنَّ قَوْلَها مُوَافِقٌ للأَصْلِ، واليَقِينُ معها. وفى كلِّ موضعٍ حَكَمْنا بوَطْئِه، بَطَلَ حُكْمُ عُنَّتِه، فإن كان فى ابتداءِ الأمْرِ، لم تُضْرَبْ له مُدَّةٌ. وإن كان بعدَ ضَرْبِ المُدَّةِ، انْقَطَعَتْ. وإن كان بعدَ انْقِضائِها، لم يَثْبُتْ لها خِيارٌ. وكلُّ موضعٍ حَكَمْنا بعَدَمِ الوَطْءِ منه، ثَبَتَ حكمُ عُنَّتِه، كما لو أقَرَّ بها. واختار أبو بكرٍ أنَّه يُزَوَّجُ امْرأةً لها حَظٌّ من الجمالِ، وتُعْطَى صَدَاقَها ين بيتِ المالِ، ويُخْلَى معها، وتُسْألُ عنه، ويُؤْخَذُ بما تَقُولُ، فإن أخْبَرَتْ أنَّه يَطَأُ، كُذِّبَتِ الأُولَى، والثانية بالخِيارِ بين الإِقامةِ والفَسْخِ، وصَدَاقُها من بيتِ المالِ. وإن كَذَّبَتْه، فُرِّقَ بينَه وبينَهما، وصَدَاقُ الثانيةِ من مالِه ههُنا؛ لما رُوِىَ أَنَّ امرأةً جاءت إلى سَمُرةَ، فشَكَتْ إليه أنَّه لا يَصِلُ إليها زَوْجُها، فكَتَبَ إلى معاويةَ، فكَتَبَ إليه، أن زَوِّجْهُ بامْرأةٍ ذاتِ جمالٍ، يُذْكَرُ عنها الصَّلاحُ، وسُقْ إليها المَهْرَ من بيتِ المالِ عنه، فإن أصابَها فقد كَذَبَتْ، وإن لم يُصِبْها فقد صَدَقَتْ. فَفَعلَ ذلك سَمُرةُ، فجاءت المرأةُ فقالت: ليس عندَه شىءٌ. ففَرَّقَ بينهما. وقال الأوْزَاعىُّ: يَشْهَدُه امْرَأتان، ويُتْرَكُ بينهما ثَوْبٌ، ويُجامِعُ امْرَأتَه، فإذا قام عنها نَظَرَتَا إلى فَرْجِها، فإن كان فيه رُطُوبةُ الماءِ فقد صَدَقَ، وإلَّا فلا. وحُكِىَ عن مالكٍ مثلُ ذلك، إلَّا أنَّه اكْتَفَى بواحِدَةٍ. والصحيحُ أَنَّ القولَ قولُه، كما لو ادَّعَى الوَطْءَ فى الإِيلاءِ، ولما (١١) قدَّمْنا. واعتبارُ خُرُوجِ الماءِ ضَعِيفٌ؛ لأنَّه قد يَطَأُ ولا يُنْزِلُ، وقد يُنْزِلُ من غيرِ وَطْءٍ، فإنَّ ضَعْفَ الذَّكَرِ لا يَمْنَعُ سلامةَ الظَّهْرِ ونُزُولَ الماءِ، وقد يَعْجِزُ السليمُ القادِرُ عن

стр. 5055

الوَطْءِ فى بعض الأَحْوالِ، وليس كلُّ مَنْ عَجَزَ عنٍ الوَطْءِ فى حالٍ من الأحوالِ، أو وقتٍ من الأوقاتِ، يكونُ عِنِّينًا، ولذلك جَعَلْنا مُدَّتَه سنةً، وتَزْوِيجُه (١٢) بامرأةٍ ثانيةٍ، لا يَصِحُّ لذلك أيضًا، ولأنَّه قد يَعِنُّ عن امرأةٍ دُونَ أُخْرَى، ولأنَّ نِكاحَ الثانيةِ إن كان مُؤَقَّتًا أو غيرَ لازمٍ، فهو نِكاحٌ باطلٌ، والوَطْءُ فيه حَرَامٌ، وإن كان صَحِيحًا لازِمًا (١٣)، ففيه إضْرَارٌ بالثانية، ولا يَنْبَغى أن يُقْبَلَ قولُها؛ لأنَّها تُرِيدُ بذلك تَخْلِيصَ نَفْسِها، فهى مُتَّهَمةٌ فيه، وليستْ بأحَقَّ أن يُقْبَلَ قولُها من الأُولَى، ولأنَّ الرَّجُلَ لو أقَرَّ بالعَجْزِ عن الوَطْءِ فى يومٍ أو شهرٍ، لم تَثْبُتْ عُنّتُه بذلك، وأكثرُ ما فى الذى ذكَروه، أن يَثْبُتَ عَجْزُه عن الوَطْءِ فى اليومِ الذى اخْتَبَرُوه فيه، فإذا لم يَثْبُتْ حُكْمُ (١٤) عُنّتِه بإقْرارِه بعَجْزِه، فلأن لا يَثْبُتَ بدَعْوَى غيرِه ذلك عليه أَوْلَى. ١١٩٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ الخُنْثَى الْمُشْكِلُ: أَنَا رَجُلٌ. لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ، ولَمْ يَكنْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ بَعْدُ، وكَذلِك لَوْ سَبَقَ، فَقَالَ: أنا (١) امْرَأةٌ. لَمْ يَنْكِحْ إِلَّا رَجُلًا) الخُنْثَى: هو الذى له (٢) فى قُبُلِه فَرْجانِ؛ ذَكَرُ رَجُلٍ، وفَرْجُ امْرأةٍ. ولا يخْلُو من أن يكونَ ذَكَرًا أو أُنْثَى، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (٤). فليس ثَمَّ خَلْقٌ ثالثٌ. ولا يَخْلُو الخُنْثَى من أن يكونَ مُشْكِلًا، أو غير مُشْكِلٍ، فإن لم يَكُنْ مُشْكِلًا بأن تَظْهَرَ فيه

стр. 5056

عَلاماتُ الرِّجالِ، فهو رَجُلٌ له أحكامُ الرِّجالِ، أو تَظْهَرَ فيه علاماتُ النِّساءِ، فهو امرأةٌ له أحْكامُهُنَّ. وإن كان مُشْكِلًا، فلم تَظْهَرْ فيه علاماتُ الرجالِ ولا النساءِ، فاخْتلفَ أصحابُنا فى نِكاحِه، فذكر الخِرَقِىُّ أنَّه يُرْجَعُ إلى قَوْلِه، [فإن ذَكَرَ أنَّه رَجُلٌ، وأنه يَمِيلُ طَبْعُه] (٥) إلى نِكاحِ النساءِ، فله نِكاحُهُنَّ. وإن ذكَرَ أنَّه امرأةٌ، يميلُ طَبْعُه إلى الرِّجالِ، زُوِّجَ رَجُلًا؛ لأنَّه مَعْنًى لا يُتَوَصَّلُ أليه إلَّا من جِهَتِه، وليس فيه أيجابُ حَقٍّ على غيرِه، فقُبِلَ قولُه فيه، كما يقبلُ قولُ المَرْأةِ فى حَيْضِها (٦) وعِدَّتِها. وتد يَعْرِفُ نَفْسَه بمَيْلِ طَبْعه إلى أحدِ الصِّنْفَيْنِ وشَهْوَتِه له، فإنَّ اللَّه تعالى أجْرَى العادةَ فى الحيواناتِ بمَيْلِ الذَكَرِ إلى الأُنْثَى ومَيْلِها إليه، وهذا المَيْلُ أَمْرٌ فى النَّفْس والشَّهْوةِ، لا يَطَّلِعُ عليه غيرُه، وقد تَعَذَّرَتْ علينا مَعْرِفةُ عَلاماتِه الظَّاهرةَ، فرُجِعَ فيه إلى الأمُورِ الباطِنَةِ، فيما يَخْتَصُّ هو بحُكْمِه. وأمَّا المِيراثُ والدِّيَةُ، فإن أقَرَّ على نَفْسِه بما يُقَلِّلُ مِيرَاثَه أو دِيَتَه، قُبِلَ منه، وإن ادَّعَى ما يَزِيدُ ذلك، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ فيه، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه على غيرِه. وما كان من عِباداتِه وسُتْرَتِه (٧) وغيرِ ذلك، فيَنْبَغِى أن يُقْبَلَ قولُه فيه؛ لأنَّه حكمٌ بينه وبين اللَّه تعالى. قال القاضى: ويُقْبَلُ قولُه فى الإِمَامةِ، ووِلاِية النِّكاحِ، وما لا يُثْبِتُ حَقًّا على غيرِه. وإذا زُوِّجَ امْرأةً أو رَجُلًا، ثم عاد فقال خِلافَ قولِه الأوَّل، لم يُقْبَلْ قولُه (٨) فى التَّزْويج بغير الجِنْسِ الذى زُوِّجَه أَوَّلًا؛ لانَّه مُكَذِّب لنَفْسِه، ومُدَّعٍ ما يُوجِبُ الجَمْعَ بين تَزْويج الرِّجالِ والنساءِ، لكن إن تَزَوَّجَ امْرأةً، ثم قال: أنا امْرأة، انْفَسَخَ نِكاحُه؛ لإِقْرارِه ببُطْلانِه، ولا يُقْبَلُ قولُه فى سُقُوطِ المَهْرِ عنه. وإن تَزَوَّجَ رَجُلًا ثم قال (٩): أنا رَجُلٌ. لم يُقْبَلْ قولُه فى فَسْخِ نِكاحِه؛ لأنَّ الحَقَّ عليه. وهذا قولُ الشافعىِّ. وقال أبو بكرٍ: لا

стр. 5057

يَجُوزُ أن يتَزَوَّجَ (١٠) حتى يَبِينَ أمْرُه. وذكَره نصًّا عن أحمدَ، فى رِوَاية المَيْمُونِىِّ. وهذا الذى ذكَره أبو إسحاقَ مَذْهبًا للشافعىِّ؛ وذلك لأنَّه لم يتَحَقّقْ وُجُودُ ما يُبِيحُ له النِّكاحَ. فلم يُبَحْ له، كما لو اشْتَبَهَتْ عليه أخْتُه بِنسْوةٍ، وكما لو لم يَقُلْ إنِّى رَجُل ولا امْرَأة، ولأنَّ قولَه لا يُرْجَعُ إليه فى شىءٍ من أحْكامِه من المِيراثِ والدِّيَةِ وغيرِهما، فكذلك (١١)، فى نِكاحِه، ولأنَّه لا يَعْرِفُ نَفْسَه كما لا يَعْرِفُه غيرُه، ولأنَّه قد اشْتَبَهَ المُباحُ بالمَحْظورِ فى حَقِّه، فحُرِّمَ كما ذكَرناه. ١١٩٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أَصَابَ الرَّجُلُ أَوْ أُصِيبَتِ الْمَرْأَةُ بَعْد الْحُرِّيَّةِ والْبُلُوغ بِنِكاحٍ صَحِيحٍ، ولَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِزَائِلِ الْعَقْلِ، رُجِمَا إِذَا زَنَيَا، والمُسْلِمُ والْكَافرُ الحُرَّانِ فِيمَا وَصَفْتُ سَوَاءٌ) ذكَر الْخِرَقِىُّ، ﵀، فى هذا الباب شَرَائِطَ الإِحْصانِ. ونحن نُؤخِّرُه إلى الحُدُودِ، فإنَّه أَخَصُّ به. واللَّه تعالى أعلمُ.

стр. 5058

كتابُ الصَّداقِ الأصْلُ فى مَشْرُوعِيَّتِه الكتابُ والسُّنّةُ والإِجْماعُ؛ أما الكتابُ فقولُه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. قال أبو عُبَيْدٍ: يَعْنِى عن طِيبِ نَفْسٍ، بالفَرِيضةِ التى فَرَضها (٢) اللَّهُ تعالى. وقيل: النِّحْلةُ: الهِبَةُ، والصَّدَاقُ فى معناها؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من الزَّوْجَيْنِ يَسْتَمْتِعُ بصاحِبِه، وجَعَلَ الصَّداقَ للمرأةِ، فكأنَّه عَطِيّةٌ بغيرِ عِوَضٍ. وقيل: نِحْلَةٌ من اللَّهِ تعالى للنِّساءِ. وقال تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. وأمَّا السُّنَّةُ؛ فرَوَى أنَسٌ، أن رسولَ اللَّه ﷺ رَأَى على عبدِ الرحمنِ بن عَوْفٍ رَدْعَ زَعْفَرانٍ (٣)، فقال النبىُّ ﷺ : "مَهْيَمْ؟ " (٤) فقال: يا رسولَ اللَّه، تزَوَّجْتُ امرأةً. فقال: "ما أصْدَقْتَها؟ ". قال: وَزْنَ نواةٍ من ذَهَبٍ. فقال: "بارَكَ اللَّهُ لَكَ، أوْلِمْ ولَوْ بِشَاةٍ". وعنه، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أعْتَقَ صَفِيَّةَ، وجَعَلَ عِتْقَها صَدَاقَهَا. مُتَّفَقٌ عليهما (٥). وأجْمَعَ المسلمونَ على مَشْرُوعِيّةِ الصَّدَاقِ فى النِّكاحِ. فصل: وللصَّداقِ تِسْعةُ أسْماءٍ؛ الصَّدَاقُ، والصَّدُقَةُ، والمَهْرُ، والنِّحْلةُ، والفَرِيضةُ، والأَجْرُ، والعَلائِقُ، والعُقْرُ، والحِبَاءُ. رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "أَدُّوا العَلائِقَ". قيل: يا رسولَ اللَّه، وما العَلائِقُ؟ قال: "مَا تَرَاضَى (٦) بِهِ

стр. 5059

الْأَهْلُونَ" (٧). وقال عمرُ: لها عُقْرُ نِسَائِهَا. وقال مُهْلَهِلٌ (٨): أنْكَحَها فَقْدُها الأراقِمَ فى ... جَنْبٍ وكان الحِبَاءُ من أَدَمِ لو بأَبانَيْنِ (٩) جاءَ يَخْطُبُها ... خُضِّبَ ما وَجْهُ خاطبٍ بِدَمِ يقال: أصْدَقْتُ المَرْأةَ ومَهَرْتُها. ولا يقال: أمْهَرْتُها. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن لا يَعْرَى النِّكاحُ عن تَسْمِيةِ الصَّداقِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُزَوِّجُ بناتَه وغيرَهُنَّ ويتزَوَّجُ (١٠)، فلم يكُنْ يُخْلِى ذلك من صَدايق. وقال للذى زَوَّجَه المَوْهُوبةَ: "هَلْ مِنْ شَىْءٍ تُصْدِقُها بِهِ (١١)؟ ". فالْتَمَسَ فلم يَجِدْ شيئًا (١٢). قال: "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ". فلم يَجِدْ شيئًا، فزَوَّجَه إيَّاها بما مَعَه من القُرْآنِ (١٣). ولأنَّه أقْطَعُ للنِّزاعِ وللخِلافِ فيه، وليس ذِكْرُه شَرْطًا؛ بدليلِ قولِه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١٤). ورُوِىَ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَ رَجُلًا امرأةً، ولم يُسَمِّ لها مَهْرًا (١٥).

стр. 5060

١١٩٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ بالِغَةً رَشِيدةً، أَوْ صَغِيرَةً عَقَدَ عَلَيهَا أبُوهَا، فَأَىُّ صَداقٍ اتَّفَقُوا عَلَيْه فَهُوَ جَائِزٌ، إِذَا كَانَ شَيْئًا لَهُ نِصْفٌ يُحَصَّلُ) فى هذه المسألة ثلاثةُ فصول: أحدها: أنَّ الصَّدَاقَ غيرُ مُقَدَّرٍ، لا أقَلُّه ولا أكْثَرُه، بل كلُّ ما كان مالًا جاز أن يكونَ صَدَاقًا. وبهذا قال الحسنُ، وعَطاءٌ، وعمرُو بن دِينارٍ، وابنُ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، والأَوْزَاعىُّ، واللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ. وزَوَّجَ سعيدُ بن المُسَيَّبِ ابْنَتَه بدِرْهَمَيْنِ، وقال: لو أصْدَقَها سَوْطًا لَحَلَّتْ. وعن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىِّ، وابنِ شُبْرُمةَ، ومالكٍ، وأبى حنيفةَ: هو مُقَدَّرُ الأقَلِّ. ثم اخْتَلَفُوا، فقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: أقَلُّه ما يُقْطَعُ به السَّارِقُ. وقال ابن شُبْرُمةَ: خَمْسَةُ دَرَاهِم. وعن النخعىِّ: أرْبَعُونَ دِرْهَمًا. وعنه عِشْرُونَ. وعنه رَطْلٌ من الذَّهَبِ. وعن سعيدِ بن جُبَيْرٍ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا. واحْتَجَّ أبو حنيفةَ بما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا مَهْرَ أقَلُّ مِنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ" (١). ولأنَّه يُسْتَباحُ به عُضْوٌ، فكان مُقَدّرًا كالذى يقْطَعُ به السارِقُ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ للذى زَوَّجَه: "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىْءٍ تُصْدِقُهَا؟ " قال: لا أَجِدُ. قال: "الْتَمِسْ، وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن عامرِ بن رَبِيعةَ، أَنَّ امرأةً من بنى فَزَارةَ، تَزَوَّجَتْ على نَعْلَيْنِ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ ومَا لكِ بِنَعْلَيْنِ؟ " (٣) قالت: نعم. فأجَازَه. أخرجه أبو داودَ، والتِّرْمِذىُّ (٤)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن جابرٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْطى امْرَأَةً صَدَاقًا مِلْءَ يَدِهِ طَعَامًا، كَانَتْ لَهُ حَلَالًا". روَاه الإِمامُ

стр. 5061

أحمدُ، فى "المُسْنَدِ" (٥). وفى لَفْظٍ عن جابرٍ، قال: كُنَّا نَنْكِح على عَهْدِ رَسولِ اللَّه ﷺ على القَبْضَةِ من الطَّعَامِ. روَاه الأَثْرَمُ (٦). ولأنَّ قولَ اللَّهِ : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٧). يَدْخُلُ فيه القَلِيلُ والكَثِيرُ. ولأنَّه بَدَلُ (٨) مَنْفَعَتِها، فجاز ما تَرَاضَيَا عليه من المالِ، كالعَشرَةِ وكالأُجْرةِ. وحَدِيثُهم غيرُ صحيح، روَاه مُبَشِّرُ (٩) بن عُبَيْدٍ، وهو ضَعِيفٌ، عن الحَجَّاجِ بنِ أرْطاةَ، وهو مُدَلِّسٌ. وروَوْه (١٠) عن جابرٍ، وقد رَوَيْنا عنه خِلافَه. أو نَحْمِلُه على مَهْرِ امْرأةٍ بعَيْنِها، أو على الاسْتِحْبابِ. وقِياسُهم لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النِّكاحَ اسْتِباحةُ الانْتِفَاعِ بالجُمْلةِ، والقَطْعُ إِتْلافُ عُضْوٍ دُونَ اسْتِباحَتِه، وهو عُقُوبةٌ وحَدٌّ، وهذا عِوَضٌ، فقِياسُه على الأعْواضِ أوْلَى. وأمَّا أكْثَرُ الصَّداق، فلا تَوْقِيتَ فيه، بإجْماعِ أهلِ العلمِ. قالَه ابنُ عبدِ البَرِّ. وقد قال اللَّهُ : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (١١). ورَوَى أبو حَفْصٍ بإسْنادِه، أَنَّ عُمَرَ أصْدَقَ أُمَّ كُلْثُومَ ابنةَ علىٍّ أَربَعِينَ أَلْفًا (١٢). وعن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه أنَّه قال: خَرَجْتُ وأنا أُرِيدُ أن أنْهَى عن كَثْرةِ الصَّداقِ، فذَكَرْتُ هذه الآية: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (١٣). قال أبو صالحٍ: القِنْطارُ مائةُ رِطْلٍ. وقال أبو سعيدٍ الخُدْرِىّ: مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ (١٤) ذَهَبًا. وعن مجاهدٍ: سَبْعُونَ أَلْفَ مِثْقالٍ.

стр. 5062

فصل: ويُسْتَحَبُّ أن لا يُغْلِىَ الصَّداقَ؛ لما رُوِىَ عن عائشةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "أعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً، أيْسرُهُنَّ مُؤْنَةً". روَاه أبو حَفْصٍ، بإسنادِه (١٥). وعن أبى العَجْفاء، قال: قال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ألا لا تُغْلُوا صَدَاقَ النِّسَاءِ، فإَّنه لو كان مَكْرُمةً فى الدُّنْيا، أو تَقْوَى عندَ اللَّه، كان أَوْلَاكُم بها رسولُ اللَّه ﷺ ، ما أَصْدَقَ رسولُ اللَّه ﷺ امرأةً من نِسائِه، ولا أُصدِقَت امْرأةٌ من بَناتِه، أكْثَرَ من ثِنْتَىْ عَشرةَ أُوقِيّةً، وإنَّ الرَّجُلَ ليُغْلِى بصَدُقةِ امرْأتِه، حتى يكونَ لها عَدَاوةٌ فى قَلْبِه، وحتى يقول: كُلِّفْتُ لكم عِلْقَ الْقِرْبةِ (١٦). أخْرَجه النَّسائِىُّ، وأبو داودَ مُخْتَصَرًا (١٧). وعن أبى سَلَمةَ قال: سَأَلْتُ عائشةَ عن صَدَاقِ النَّبِىِّ ﷺ ، فقالت: ثِنتَا عَشرةَ أُوقِيةً ونَشٌّ. فقلتُ: وما نَشٌّ؟ قالت: نِصْفُ أوقِيةٍ. أخْرَجاه أيضًا (١٨). والأُوقِيّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، فلا تُسْتَحَبُّ الزِّيادةُ على هذا؛ لأنَّه إذا كَثُرَ ربَّما تَعَذَّرَ عليه، فيَتَعَرَّضُ للضرَّرِ فى الدُّنْيا والآخِرَةِ. فصل: كلُّ ما جازَ ثَمَنًا فى البَيْعِ، أو أجْرَةً فى الإِجَارَةِ، من العَيْنِ والدَّيْنِ، والحالِّ والمُؤَجَّلِ، والقليلِ والكثيرِ، ومنافِعِ الحُرِّ والعَبْدِ وغيرِهِما، جاز أن يكونَ صَدَاقًا. وقد رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ، بإسنادِه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أنْكِحُوا الْأَيَامَى، وأَدُّوا العَلائِقَ". قيل: ما العَلائِقُ بينهم (١٩) يا رسولَ اللَّه؟ قال: "ما تَرَاضَى عَلَيْهِ الأَهْلُونَ، ولَوْ

стр. 5063

قَضِيبٌ (٢٠) مِنْ أرَاكٍ" (٢١). وروَاه الجُوزَجانِىُّ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: مَنافِعُ الحُرِّ لا تكونُ صَدَاقًا؛ لأنَّها ليست مالًا، وإنَّما قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِى ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (٢٢). والحديثُ الذى ذَكَرْناه. ولأنَّها مَنْفَعةٌ يجوزُ العِوَضُ عنها فى الإِجَارةِ، فجازتْ صَدَاقًا، كمَنْفَعةِ العَبْدِ. وقولُهم: ليستْ مالًا. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّها تجوزُ المُعاوَضةُ عنها وبها. ثم إن لم تَكُنْ مالًا، فقد أُجْرِيَتْ مُجْرَى المالِ فى هذا، فكذلك فى النِّكاحِ. وقد نقل مُهَنَّا، عن أحمدَ: إذا تَزَوَّجَها على أن يَخْدُمَها سَنَةً أو أكثرَ، كيف يكونُ هذا؟ قيل له: فامْرَأةٌ يكونُ (٢٣) لها ضِيَاعٌ وأَرضُونَ، لا تَقْدِرُ على أن تَعْمُرَها؟ قال: لا يَصْلُحُ هذا. قال أبو بكر: إن كانت الخِدْمةُ مَعْلُومةً جازَ، وإن كانت مجهولةً لا تَنْضَبِطُ (٢٤) فلها صَدَاقُ مِثْلِها. كأنَّه تَأَوَّلَ مسألةَ مُهَنَّا على أَنَّ الخِدْمةَ مَجْهُولةٌ، فلذلك لم يَصِحَّ. ونقل أبو طالبٍ، عن أحمدَ: التَّزْويجُ على بِنَاءِ الدارِ، وخِياطةِ الثَّوْبِ، وعملِ شىءٍ، جائزٌ؛ وذلك (٢٥) لأنَّه معلومٌ يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، فجاز أن يكونَ صَدَاقًا كالأعْيانِ. ولو تَزَوَّجَها على أن يَأْتِيَها بعَبْدِها الآبِقِ مِن مكانٍ مُعَيَّنٍ، صَحَّ؛ لأنَّه عملٌ معلومٌ يجوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ (٢٦) عنه. وإن أصْدَقَها الإِتْيانَ به أين كان، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ. فصل: ولو نَكَحَها على أن يَحُجَّ بها، لم تَصِحَّ التَّسمِيةُ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال النَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والثَّورىُّ، والأوْزَاعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وأبو عُبَيْدٍ: يَصِحُّ. ولَنا، أَنَّ الْحُمْلانَ مَجْهُولٌ، لا يُوقَفُ له على حَدٍّ، فلم يَصِحَّ، كما لو أصْدَقَها شيئا.

стр. 5064

فعلى هذا لها مَهْرُ المِثْلِ، وكذلك كلُّ مَوْضعٍ قُلْنا: لا تَصِحُّ التَّسْمِيةُ. فصل: وإن أصْدَقَها خِيَاطةَ ثَوْبٍ بعَيْنهِ، فهَلَكَ الثوبُ، لم تَفْسُدِ التَّسْمِيةُ، ولم يَجِبْ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ تَعَذُّرَ تَسْلِيمِ ما أصْدَقَها بعَيْنهِ لا يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ، كما لو أصْدَقَها قَفِيزَ حِنْطةٍ فهَلَكَ قبلَ تَسْلِيمِه، ويَجِبُ عليه أجْرُ مِثْلِ خِياطَتِه؛ لأنَّ المَعْقُودَ على العَمَلِ فيه تَلَفٌ، فوَجَبَ الرُّجوعُ إلى عِوَضِ العَمَلِ، كما لو أصْدَقَها تَعْلِيمَ عَبْدِها صِناعةً فمات قبلَ التَّعْليمِ. وإن عَجَزَ عن خِياطَتِه، مع بَقاءِ الثوبِ، لمَرَضٍ أو نحوِه، فعليه أن يُقِيمَ مُقامَه مَنْ يَخِيطُه. وإن طَلَّقَها قبلَ خِياطَتِه قبلَ الدُّخُولِ، فعليه خِياطَةُ نِصْفِه، إن أمْكَنَ مَعْرِفَةُ نِصْفِه، وإن لم يُمْكِنْ فعليه نِصْفُ أجْرِ خِيَاطَتِه، إلَّا أن يَبْذُلَ خِياطةَ أكْثَرَ من نِصْفِه، بحيث يُعْلَمُ أنَّه قد خاط النِّصْفَ يَقِينًا. وإن كان الطَّلاقُ بعد خِياطَتِه، رَجَعَ عليه بنِصْفِ أَجْرِه. فصل: وإن أصْدَقَها تعليمَ صِنَاعةٍ، أو تَعْليمَ عَبْدِها صِناعةً، صَحَّ؛ لأنَّه مَنْفَعةٌ معلومةٌ، يجوزُ بَذْلُ العِوَضِ عنها، فجاز جَعْلُها صَداقًا، كخِياطةِ ثَوْبها. وإن أصدَقها تَعْلِيمَه، أو تعليمَها شِعْرًا مُباحًا مُعيَّنًا، أو فِقْهًا، أو لغةً، أو نَحْوًا، أو غيرَ ذلك من العُلُومِ الشَّرعيَّةِ التى يجوزُ أخْذُ الأجْرةِ على تعليمِها، جاز، وصَحَّتِ التَّسْمِيَةُ؛ لأنَّه يجوزُ أخذُ الأجرةِ عليه، فجاز صَداقًا، كَمنافِعِ الدارِ. فصل: فأمَّا تعليمُ القرآنِ، فاخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فى جَعْلِه صَدَاقًا؛ فقال فى مَوْضعٍ: أكْرَهُه. وقال فى موضعٍ: لا بَأْسَ أن يتزَوّجَ الرَّجُلُ (٢٧) المرأةَ على أن يُعَلِّمَها سورةً من القرآنِ، أو على نَعْلَيْنِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. قال أبو بكرٍ: فى المسألةِ قولان. يعنى رِوايتَيْنِ. قال: وأخْتِيارِى أنَّه لا يجوزُ. وهو مذهبُ مالكٍ، واللَّيْثِ، وأبى حنيفةَ، ومكحولٍ، وإسْحاقَ. واحْتَجَّ مَنْ أجازَه بما رَوَى سَهْلُ بن سَعْدٍ السَّاعِدِىُّ،

стр. 5065

أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ (٢٨) جاءته امرأةٌ، فقالت: إنِّى وَهَبْتُ نَفْسِى لك. فقامت طَوِيلًا، فقال رَجُلٌ: يا رسولَ اللَّه، زَوِّجْنِيها إن لم يكُنْ لك بها حاجةٌ. فقال: "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىْءٍ تُصْدِقُها؟ ". فقال: ما عندى إِلَّا إزَارِى. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إِزَارُكَ، إنْ أعْطتَها جَلَسْتَ وَلَا إِزَارَ لَكَ، فالْتَمِسْ شَيْئًا". قال: لا أجِدُ. قال: "الْتَمِسْ ولو خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ". فالْتَمَسَ، فلم يَجِدْ شيئًا، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٩). ولأنَّها مَنْفعةٌ معيَّنةٌ مُباحةٌ، فجاز جَعْلُها صَداقًا، كتعْليمِ قَصِيدة من الشِّعْرِ المُباح. وَوَجْه الرِّوايةِ الأُخْرى، أَنَّ الفُرُوجَ لا تُسْتَباح إلَّا بالأَمْوالِ، لقولِه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. وقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣٠). والطَّوْلُ: المالُ. وقد رُوِىَ أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ زَوَّجَ رَجُلًا على سُورَةٍ من القرآنِ، ثم قال: "لَا تَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ مَهْرًا". روَاه النَّجَّادُ بإِسْنادِه (٣١). ولأنَّ تعليمَ القرآنِ لا يجوزُ أن يَقَع إِلَّا قُرْبةً لفاعِلِه، فلم يَصِحَّ أن يكونَ صَدَاقًا، كالصَّوْمِ والصلاةِ وتعْليمِ الإيمانِ. ولأنَّ التَّعْليمَ من المُعَلِّمِ والمُتَعَلِّمِ مُخْتَلِفٌ، ولا يكاد يَنْضَبِطُ، فأشْبَهَ الشىءَ المجهولَ. فأمَّا حديثُ المَوْهُوبةِ، فقد قيل: معناه أنْكَحْتُكَها (٣٢) بما معك من القرآنِ، أى زَوَّجْتُكَها لأنَّك من أهْلِ القرآنِ، كا زَوَّجَ أبا طَلْحةَ على إسْلامِه، فرَوَى ابنُ عبدِ البَرِّ، بإسناده عن أنَسٍ، أن أبا طَلْحةَ أرتَى أُمَّ سُلَيمٍ يَخْطُبُها قبلَ أن يُسْلِمَ، فقالت: أتَزَوَّجُ بك وأنت تَعْبُدُ خَشَبةً نَحَتَها عبدُ بنى فلانٍ! إن أسْلَمْتَ تَزَوَّجْتُ بك. قال: فأسْلَمَ أبو طَلْحةَ، فتزَوَّجَها على إسْلامِه (٣٣). وليس فى الحديثِ الصحيحِ ذِكْرُ التَّعْلِيمِ. يحْتَمِل أن يكونَ خاصًّا لذلك الرَّجُلِ؛ بدليلِ ما رواه النَّجَّادُ. ولا تَفْرِيعَ

стр. 5066

على هذه الرِّوايةِ، فأما على الأُخْرَى فلا بُدَّ من تَعْيِينِ ما يُعَلِّمُها إيَّاه؛ إمَّا سُورةً مُعَيَّنةً، أو سُوَرًا، أو آياتٍ بعَيْنِها؛ لأنَّ السُّوَرَ تختلفُ، وكذلك الآياتُ. وهل تحتاجُ إلى تَعْيينِ قِراءةِ مَنْ (٣٤)؟ فيه وجهان؛ أحدُهما، يحتاجُ إلى ذلك؛ لأنَّ الأغْراضَ تختلفُ، والقراءاتُ تختلفُ، فمنها صَعْبٌ كقراءةِ حَمْزَةَ، وسَهْلٌ، فأشْبه تَعْيِينَ الآياتِ. والثانى، لا يَفْتَقِرُ إلى التَّعْيِينِ؛ لأنَّ هذا اختلافٌ يَسِيرٌ، كلُّ حَرْفٍ يَنُوبُ منابَ صاحِبِه، ويقومُ مَقَامَه، ولذلك لم يُعَيِّنِ النَّبِىُّ ﷺ للمرأةِ قِراءةً، وقد كانوا يخْتلِفُون فى القِرَاءةِ أشَدَّ من اخْتلافِ القُرَّاءِ اليومَ، فأشْبَه ما لو أصْدَقَها قَفِيزًا من صُبْرَةٍ. وللشافعىِّ فى هذا وَجْهان، كهذَيْن. فصل: فإن أصْدَقَها تعليمَ سُورةٍ لا يُحْسِنُها؛ نَظَرْتَ، فإن قال: أُحَصِّلُ لكِ تعليمَ هذه السُّورةِ. صَحَّ؛ لأنَّ هذه مَنْفَعةٌ فى ذِمَّتِه لا تَخْتَصُّ به، فجاز أن يَسْتَأْجِرَ عليها مَنْ (٣٥) يُحْسِنُها، كالخِياطةِ إذا اسْتَأْجَرَ مَن يُحَصِّلُها له. وإن قال: علَىَّ أَن أعُلِّمَكِ. فذكَر القاضى فى "الجامعِ"، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَعَيَّنَ بفِعْلِه، وهو لا يَقْدِرُ عليه، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ مَنْ لا يُحْسِنُ الخِياطةَ ليَخِيطَ له. وذكر فى "المُجَرَّدِ" أنَّه يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ؛ لأنَّ هذه تكونُ فى ذِمَّتِه، فأشْبَهَ ما لو أصْدَقَها مالًا فى ذِمَّتِه لا يَقْدِرُ عليه فى الحالِ. فصل: فإن جاءَتْه بغيرِها، فقالت: عَلِّمْه السُّورةَ التى تُرِيدُ تَعْلِيمِى (٣٦) إيَّاها. لم يَلْزَمْه؛ لأنَّ المُسْتَحَقَّ عليه العَمَلُ فى عَيْنٍ، فلم يَلْزَمْه إيقاعُه فى غيرِه، كما لو اسْتَأْجَرَتْه لخِياطةِ ثَوْبٍ (٣٧)، فأتَتْه بغيرِه، فقالت: خِطْ هذا. ولأنَّ المُتَعَلِّمِينَ يخْتَلِفُون فى التَّعَلُّمِ (٣٨) اختلافًا كثيرًا. ولأنَّ له غَرَضًا فى تَعْلِيمِها، فلا يُجْبَرُ على تَعْلِيمِ غيرِها. وإن أتاها بغَيْرِه يُعَلِّمُها، لم يَلْزَمْها قَبُولُ ذلك؛ لأنَّ المُعَلِّمِينَ يخْتلِفُون فى التَّعْليمِ، ولأنَّ

стр. 5067

لها غَرَضًا فى التَّعَلُّمِ (٣٩) منه، لكَوْنِه زَوْجَها تَحِلُّ له ويَحِلُّ لها، ولأنَّه لما لم (٤٠) يَلْزَمْه تَعْلِيمُ غيرِها، لم يَلْزَمْها التَّعَلُّمُ (٤١) من غيرِه، قِياسًا لأحَدِهِما على الآخَرِ. فصل: فإن تَعَلَّمَتْها من غيرِه، أو تَعَذَّرَ عليه تَعْلِيمُها، فعليه أجْرُ تَعْليمِها. فإن اخْتَلفَا، فقال علَّمْتُكِها (٤٢). فأنْكَرَتْ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ تَعْليمِها. وفيه وجهٌ آخَرُ، أنَّهما إن اخْتلَفا بعد أن تَعَلَّمَتْها، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ معه، وإن عَلَّمَها السُّورةَ ثم أُنْسِيَتْهَا، فلا شَىءَ عليه؛ لأنَّه قد وَفَى لها بما شَرَطَ، وإنَّما تَلِفَ الصَّداقُ بعدَ القَبْضِ. وإن لَقَّنَها الجَمِيعَ، كُلَّما لَقَّنَها آيةً أُنْسِيَتها، لم يعْتَدَّ بذلك تَعْلِيمًا؛ لأنَّ ذلك لا يُعَدُّ تَعْلِيمًا، ولو جاز ذلك لأَفْضَى إلى أنَّه متى قَرأَها فقَرأَتْها بلِسانِها من غير حِفْظٍ كان تَلْقِينًا. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك تَلْقِينًا؛ لأنَّه قد لَقَّنَها الآيةَ وحَفِظَتْها، فأمَّا ما دونَ الآيِة، فليس بتَلْقِينٍ، وَجْهًا واحدًا. فصل: فإن طَلَّقها قبلَ الدُّخولِ بعدَ تَعْلِيمِها السُّورةَ، رَجَعَ عليها (٤٣) بنِصْفِ أَجْرِ تَعْلِيمِها؛ لأنَّ الطَّلَاقَ قبلَ الدُّخولِ يُوجِبُ الرجوعَ بنِصْفِ الصَّداقِ. وإن لم يكُنْ عَلَّمَها، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، عليه نِصْفُ أجْرِ تَعْلِيمِها؛ لأنَّها قد صارت أجْنَبِيّةً، فلا يُؤْمَنُ فى تَعْلِيمِها الفِتْنةُ. والثانى، يُباحُ له تَعْلِيمُها من وَرَاءِ حِجَابٍ من غيرِ خَلْوَةٍ بها، كما يجوزُ له سماعُ كَلَامِها فى المُعاملاتِ. وإن كان الطَّلاقُ بعدَ الدُّخولِ، ففى تَعْليمِها السورةَ الوَجْهان. وإن أصْدَقَها رَدَّ عَبْدِها من مكانٍ مُعَيّنٍ، فطَلَّقها قبلَ الدُّخولِ وقبلَ الرَّدِّ، فعليه نِصْفُ أجْرِ الرَّدِّ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه نِصْفُ الرَّدِّ، وإن طلَّقَها بعدَ الرَّدِّ، رَجَعَ عليها بنِصْفِ أجْرِه.

стр. 5068

فصل: ولو أصْدَقَ الكِتَابِيَّةَ تعليمَ سُورةٍ من القُرْآنِ، لم يَجُزْ، ولها مَهْرُ المِثْلِ. وقال الشافعىُّ: يَصِحُّ؛ لقولَ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٤٤). ولَنا، أَنَّ الجُنُبَ يُمْنَعُ قِرَاءةَ القُرآنِ مع إيمانِه واعْتِقادِه أنَّه حَقٌّ، فالكافِرُ أَوْلَى، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا تُسافِرُوا بالْقُرْآن إلَى أرْضِ العَدُوِّ، مَخافةَ أنْ تَنالَهُ أَيْدِيهِمْ" (٤٥). فالتَّحَفُّظُ (٤٦) أَوْلَى أن يُمْنَعَ منه، فأمَّا الآيةُ التى احْتَجُّوا بها، فلا حُجَّةَ لهم فيها؛ فإنَّ السَّماعَ غيرُ الحِفْظِ. وإن أصْدَقَها، أو أصْدَقَ المُسْلِمةَ تعليمَ شىءٍ من التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ، لم يَصِحَّ فى المَذْهَبَيْنِ؛ لأنَّه مُبْدَل مُغَيَّرٌ. ولو أصْدَقَ الكِتَابِىُّ الكتابِيّةَ شيئا من ذلك، كان كما لو أصْدَقَها مُحَرَّمًا. الفصل الثانى: أَنَّ الصداقَ ما اتَّفَقُوا عليه، ورَضُوا به؛ لقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ (٤٧). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "العَلائِقُ ما تَرَاضَى عَلَيْهِ الأهْلُونَ". ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فيُعْتَبرُ رِضَى المُتَعاقِدَيْنِ، كسائرِ عُقُودِ المُعاوَضاتِ. فإن كان الوَلِىُّ الأبَ، فمهما اتَّفَقَ هو والزَّوْجُ (٤٨) عليه، جاز أن يكونَ صَدَاقًا، قليلًا كان أو كثيرًا، بِكْرًا كانت أو ثَيِّبًا، صغيرة كانت أو كبيرةً، على ما أسْلَفْناه [فيما مَضَى] (٤٩)، ولذلك زَوَّجَ شعيبٌ ﵇، مُوسَى ﵇، ابْنَتَه، وجَعَلَا الصداقَ إجارةَ ثَمَانِىَ حِجَجٍ، من غيرِ مُرَاجعةِ الزَّوْجةِ. وإن كان الوَلِىُّ غيرَ الأبِ اعْتُبِرَ رِضَى المرأةِ والزَّوْجِ جميعًا (٥٠)؛ لأنَّ الصَّداقَ لها، وهو عِوَضُ مَنْفَعَتِها، فأشْبَهَ أجْرَ دارِها وصداقَ أمَتِها. فإن لم يَسْتَأْذِنْها الوَلِىُّ فى الصَّداقِ، فحُكْمُه حكمُ

стр. 5069

الوَكِيلِ المُطْلَقِ فى البَيْعِ (٥١)، إن جُعِلَ الصداقُ مَهْرَ المِثْلِ فما زاد صَحَّ ولَزِمَ، وإن نَقَصَ عنه فلها مَهْرُ المِثْلِ. الفصل الثالث: أَنَّ الصداقَ لا يكونُ إلَّا مالًا؛ لقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. ويُشْتَرَطُ أن يكونَ له نِصْفٌ يُتَمَوَّلُ عادةً، بحيثُ إذا طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ بَقِىَ لها من النِّصْفِ مالٌ حَلَالٌ. وهذا معنى قولِ الخِرَقِىِّ: "له نِصْفٌ يُحَصَّلُ". وما لا يجوزُ أن يكونَ ثَمَنًا فى البَيْعِ، كالمُحَرَّمِ، والمَعْدُومِ، والمَجْهولِ، وما لَا مَنْفَعةَ فيه، وما لا يَتِمُّ مِلْكُه عليه كالمَبِيعِ [من المَكِيلِ] (٥٢) والمَوْزُونِ قبلَ قَبْضِه، وما لا يُقْدَرُ على تَسْلِيمِه، كالطَّيْرِ فى الهواءِ، والسَّمَكِ فى الماء، وما لا يُتَمَوَّلُ (٥٣) عادة، كحَبَّةِ حِنْطةٍ، وقِشْرَةِ جَوْزَةٍ، لا يجوزُ أن يكونَ صَدَاقًا؛ لأَنَّه نَقْلٌ للمِلْكِ فيه بعِوَضٍ، فلم يَجُزْ فيه ما ذكَرْناه كالمَبِيعِ. ويُعْتَبَرُ أن يكونَ نِصْفُه ممَّا يُتَمَوَّلُ عادةً، ويُبْذَلُ العِوَضُ فى مِثْلِه عُرْفًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ يَعْرِضُ فيه قبلَ الدُّخولِ، فلا يَبْقَى للمرأةِ إلَّا نِصْفُه، فيجبُ أن يَبْقَى (٥٤) لها مالٌ تَنْتَفِعُ به. ويُعْتَبَرُ نِصْفُ القِيمةِ، لا نِصْفُ عَيْنِ الصَّداقِ؛ فإنَّه لو أصْدَقَها عبدًا جاز، وإن لم تُمْكِنْ قِسْمَتُه. ١١٩٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أصْدَقَها عَبْدًا بِعَيْنهِ، فوَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا، فرَدَّتْهُ، فَلَهَا عَلَيْهِ قِيمَتُهُ) وجملةُ ذلك أنَّ الصَّداقَ إذا كان مُعَيَّنًا، فوَجَدَتْ به عَيْبًا، فلها رَدُّه، كالمَبِيعِ المَعِيبِ، ولا نعلمُ فى هذا خلافًا إذا كان العَيْبُ كثيرًا. فإن كان يَسِيرًا، فحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّه لا يُرَدُّ به. ولَنا، أنَّه عَيْبٌ يُرَدُّ به المَبِيعُ، فرُدَّ به الصَّداقُ، كالكثيرِ، وإذا رَدَّتْهُ، فلَها قِيمَتُه؛ لأنَّ العَقْدَ لا يَنْفَسِخُ برَدِّه، فيَبْقَى سَبَبُ اسْتِحقاتِه، فيجبُ عليه

стр. 5070

قِيمَتُه، كما لو غَصَبَها إيَّاه فأتْلَفَه، وإن كان الصَّداقُ مِثْلِيًّا، كالمَكِيلِ والمَوْزونِ، فرَدَّتْه، فلها عليه مِثْلُه؛ لأنَّه أقْرَبُ إليه. وإن اخْتارتْ إمْساكَ المَعِيبِ، وأخْذَ أرْشِه، فلها ذلك، فى قِياسِ الذهبِ. وإن حَدَثَ به عيبٌ عِندَها، ثم وَجَدَتْ به عَيْبًا خُيِّرَتْ (١) بين أخْذِ أرْشه، وبين رَدِّه ورَدِّ أرْشِ عَيْبِه؛ لأنَّه عوَضٌ فى عَقْد مُعاوَضةٍ، فيَثْبُتُ (٢) فيه ذلك، كالبَيْعِ، وسائرِ فُرُوع الرَّدِّ بالعَيْبِ، فيَثْبُتُ فيها ههُنا مثل ما يثبتُ فى البَيْعِ؛ لما ذكَرْنا. فصل: وإن شَرَطَتْ فى الصَّداقِ صِفَةً مَقْصُودةً، كالكِتابةِ والصِّناعةِ، فبانَ بخِلافِها، فلها الرَّدُّ، كما تَرُدُّ به فى البَيْعِ. وهكذا إن دَلَّسَه تَدْلِيسًا يُرَدُّ به المَبِيعُ، مثل تَحْمِيرِ وَجْهِ الجارِيةِ، وتَسْوِيِد شَعْرِها وتَجْعِيدِه، وتَضْمِيرِ الماءِ على الحَجَرِ، وأشْباهِ ذلك، فلها الرَّدُّ به. وإن وَجَدَتِ الشَّاةَ مُصَرَّاةً، فلها رَدُّها ورَدُّ صاعٍ من تَمْرٍ، قياسًا على البَيْعِ. وقد نَقَلَ مُهَنَّا، عن أحمدَ، فى مَن تَزَوّجَ امرأةً على ألفِ ذِرَاعٍ، فإذا هى تِسْعُمائةٍ: هى بالخِيَارِ، إن شاءتْ أخَذَتِ [الدَّارَ، وإن شاءتْ أخذتْ] (٣) قِيمةَ ألْفِ ذِرَاع، والنكاحُ جائزٌ. وهذا فيما إذا أصْدَقَها دارًا بعَيْنِها على أنَّها ألْفُ ذِرَاعٍ، فخَرَجَتْ تِسْعَمائة، فهذا كالعَيْبِ فى ثُبُوتِ الرَّدِّ؛ لأنَّه شَرَطَ شَرْطًا مَقْصُودًا، فبَان بخِلافِه، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَ العَبْدَ كاتِبًا، فبانَ بخِلافِه. وجَوَّزَ أحمدُ الإِمْساكَ؛ لأنَّ المرأةَ رَضِيَتْ بها ناقِصةً، ولم يَجْعَلْ لها مع الإِمْساكِ أرْشًا؛ لأنَّ ذلك ليس بعَيْبٍ. ويَحْتَمِلُ أَنَّ لها الرُّجُوعَ بقِيمةِ نَقْصِها، أو رَدَّها وأخْذَ قِيمَتِها. ١١٩٩ - مسألة؛ قال: (وكَذلِكَ إِذَا تزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ [فَخَرَجَ حُرًّا، أو اسْتُحِقَّ، سَوَاءٌ سَلَّمَهُ إِلَيْهَا أَوْ لَمْ يُسَلِّمْهُ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا تَزَوَّجَها على عَبْدٍ] (١) بعَيْنِه، تَظُنُّه عَبْدًا مَمْلُوكًا له (٢)، فخَرَجَ حُرًّا،

стр. 5071

أو مَغْصُوبًا، فلها قِيمَتُه. وبهذا قال أبو يوسفَ، والشافعىُّ فى قَدِيمِ قَوْلَيْه. وقال فى الجَدِيدِ: لها مَهْرُ المِثْلِ. وقال أبو حنيفةَ ومحمدٌ فى المَغْصُوبِ كقولِنا، وفى الحُرِّ كقَوْلِه؛ لأنَّ العَقْدَ تَعَلَّقَ بعَيْنِ الحُرِّ بإشَارَتِه إليه، فأشْبَهَ ما لو عَلِمَاه حُرًّا. ولَنا، أنَّ العَقْدَ وَقَعَ على التَّسْمِيَةِ، فكانت لها قِيمَتُه، كالمَغْصُوبِ، ولأنَّها رَضِيَتْ بقِيمَتِه، إذْ ظَنَّتْه مَمْلُوكًا، فكان لها قِيمَتُه، كما لو وَجَدَتْه مَعِيبًا فرَدَّتْه، بخلافِ ما إذا قال: أصْدَقْتُكِ هذا الحُرَّ، أو هذا المغصوبَ. فإنَّها رَضِيَتْ بلا شىءٍ، لرِضَاها بما تَعْلَمُ أنَّه ليس بمالٍ، أو بما لا يَقْدِرُ على تَمْلِيكِه إيَّاها، فكان وُجُودُ التَّسْمِيةِ كعَدَمِها، فكان لها مَهْرُ المِثْلِ. وقولُ الخِرَقِىِّ: "سواء سَلَّمه إليها أو لم يُسَلِّمْه". يعنى أَنَّ تَسْلِيمَه لا يُفِيدُ شيئًا؛ لأنَّه سَلَّمَ ما لا يجوزُ تَسْلِيمُه، ولا تَثْبُتُ اليَدُ عليه، فكان وُجودُه كعَدَمِه. فصل: فإن أصْدَقَها مِثْلِيًّا، فبان مَغْصُوبًا، فلها مِثْلُه؛ لأنَّ المِثْلَ أقْرَبُ إليه، ولهذا يُضْمَنُ به فى الإِتْلافِ. وإن أصْدَقَها جَرَّةَ خَلٍّ، فخَرَجَتْ خَمْرًا أو مغصوبةً، فلها مِثْلُ ذلك خَلًّا؛ لأنَّ الخَلَّ من ذواتِ الأمْثالِ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، وبعضِ أصحابِ الشافعىِّ. وقال القاضى: لها قِيمَتُه؛ لأنَّ الخَمْرَ ليس بمالٍ، ولا من ذواتِ الأمثالِ. والصحيحُ ما قُلْناه؛ لأنَّه سَمَّاه خَلًّا، فرَضيَتْ به على ذلك، فكان لها بَدَلُ المُسَمَّى كالحُرِّ، وما ذكَره يَبْطُلُ بما إذا (٣) أصْدَقها عبدًا فبان حُرًّا، ولأنَّه إن أَوْجَبَ قِيمَةَ الخَمْرِ، فالخمرُ لا قِيمةَ له، وإن أوْجَبَ قيمةَ الخَلِّ، فقد اعْتَبَرَ التَّسْمِيةَ فى إيجابِ قِيمَتِه، ففى إيجابِ مِثْلِه أَوْلَى. فصل: وإن قال: أصْدَقْتُكِ هذا الخمرَ. وأشارَ إلى الخَلِّ. أو عَبْدَ فلان هذا. وأشار إلى عبدِه. صَحَّتِ التَّسْمِيَةُ، ولها المُشارُ إليه؛ لأنَّ المَعْقودَ عليه يَصِحُّ العَقْدُ عليه، فلا يَخْتَلِفُ حُكْمُه باخْتِلافِ صِفَتِه، كما لو قال: بِعْتُكِ هذا الأسودَ. وأشارَ إلى أبْيَضَ. أو هذا الطويل. وأشار إلى قصِيرٍ.

стр. 5072

فصل: وإن تزَوَّجَها على عَبْدَيْنِ، فخرَج أحَدُهُما حُرًّا أو مغصوبًا، صَحَّ الصَّداقُ فى مِلْكِه (٤)، ولها قيمةُ الآخَرِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وإن كان عبدًا واحدًا، فخَرَجَ نِصْفُه حُرًّا أو مغصوبًا، فلها الخِيارُ بين رَدِّه وأخْذِ قِيمَتِه، وبين إمْساكِ نِصْفِه وأخْذِ قِيمَةِ باقِيه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الشَّركِةَ عَيْبٌ، فكان لها الفَسْخُ، كما لو وَجَدَتْه مَعِيبًا. فإن قيل: فلم لا تَقُولُون بِبُطْلانِ التَّسْمِيَةِ فى الجميعِ، وتَرْجِعُ بالقيمةِ كلها فى المسألتينِ، كما فى تَفْرِيقِ الصَّفْقةِ؟ [قُلْنَا: لأنَّ (٥) القيمةَ بَدَلٌ، إنَّما يُصارُ إليها عند العَجْزِ عن الأصْلِ، وههُنا العبدُ المَمْلُوكُ مَقْدُورٌ عليه، ولا عَيْبَ فيه، وهو مُسَمًّى فى العَقْدِ، فلا يجوزُ الرُّجوعُ إلى بَدَلِه، أمَّا تفريقُ الصَّفْقَةِ] (٦)، فإنَّه إذا بَطَلَ العَقْدُ فى الجميعِ، صِرْنا إلى الثَّمَنِ، وليس هو بَدَلًا عن المَبِيعِ، وإنَّما انْفَسَخَ العقدُ، فرجعَ فى رأسِ مالِه، وههُنا لا يَنْفَسِخُ العقدُ، وإنَّما رجَع إلى قِيمَةِ الحُرِّ منهما؛ لتَعَذُّرِ تَسْلِيمِه، [والعبدُ مَقْدُورٌ على تسْلِيمِه] (٧)، فلا وَجْهَ لإِيجابِ قِيمَتِه. وأمَّا إذا كان نِصْفُه حُرًّا، ففيه عَيْبٌ، فجازَ رَدُّه بعَيْبِه. وقال أبو حنيفةَ: إذا أصْدَقَها عَبْدَيْنِ، فإذا أحَدُهُما حُرٌّ، فلها العبدُ وحدَه صَدَاقًا، ولا شىءَ لها سِواهُ. ولَنا، أنَّه أصْدَقَها حُرًّا، فلم تَسْقُطْ تَسْمِيَتُه إلى غيرِ شىءٍ، كما لو كان مُنْفَرِدًا. ١٢٠٠ - مسألة؛ قال: (وإِذَا تَزَوَّجَها عَلَى أَنْ يَشْتَرِىَ لَهَا. عَبْدًا بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يُبَعْ، أو طُلِبَ بِهِ (١) أكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ، أو لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَلَهَا قِيمَتُهُ) نَصَّ أحمدُ على هذا، فى روَايةِ الأثْرَمِ. وقال الشافعىُّ: لا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ، ولها مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه جَعَلَ مِلْكَ غيرِه عِوَضًا، فلم يَصِحَّ، كالبَيْعِ. ولَنا، أنَّه أصْدَقَها تَحْصِيلَ

стр. 5073

عَبْدٍ مُعَيَّنٍ، فصَحَّ، كما لو تزَوَّجَها على رَدِّ عَبْدِها الآبِقِ من مكانٍ معلومٍ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه جَعَلَ مِلْكَ غيرِه عِوَضًا، وإِنَّما العِوَضُ تَحْصِيلُه وتَمْلِيكُها إِيَّاه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا قَدَرَ عليه بثَمَنِ مِثْلِه، لَزِمَه تَحْصِيلُه ودَفْعُه إليها، وإن جاءَها بقِيمَتِه، لم يَلْزَمْها قبولُها (٢)؛ لأنَّه قَدَرَ على دَفْعِ صَدَاقِها إليها، فلَزِمَه، كما لو أصْدَقها عَبْدًا يَمْلِكُه. وإن لم يَبِعْه سَيِّدُه، أو تَعَذَّرَ عليه الوصولُ إليه، لتَلَفِه أو غيرِ ذلك، أو طُلِبَ به (٣) أكْثَرُ من قِيمَتِه، فلها قِيمَتُه؛ لأنَّه تَعَذَّرَ الوُصولُ إلى قَبْضِ المُسَمَّى المُتَقَوَّمِ، فوَجَبَتْ قِيمَتُه، كما لو تَلِفَ. وإن كان الذى جعَل (٤) لها مِثْلِيًّا، فتعذَّرَ شِراؤُه، وَجَبَ لها مثلُه؛ لأنَّ المِثْلَ أقْرَبُ إليه. فصل: وإن تزَوَّجَها على عبدٍ مَوْصوفٍ فى الذِّمّةِ، صَحَّ؛ لأنَّه يَصِحُّ أن يكونَ عِوَضًا فى البَيْعِ. فإن جاءَها بقِيمَتِه، لم يَلْزَمْها قَبُولُها. وبهذا قال الشافعىُّ. واخْتارَه أبو الخَطَّابِ. وقال (٤) القاضى: يَلْزَمُها قَبولُها، قِياسًا على الإِبِلِ فى الدِّيَةِ. ولَنا، أنَّها اسْتَحَقَّتْ عليه عَبْدًا بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فلم يَلْزَمْها أخذُ قِيمَتِه، كالمُسْلَمِ فيه، ولأنَّه عبدٌ وَجَبَ صَدَاقًا فأشْبَهَ ما لو كان مَعِيبًا، وأمَّا الدِّيَةُ فلا يَلْزمُ أخْذُ قِيمَةِ الإِبِل، وإنَّما الأثْمانُ أصْلٌ فى الدِّيَةِ، كما أنَّ الإِبلَ أصلٌ، فيتخَيَّرُ بين دَفْعِ أىِّ الأُصولِ شاءَ، فيَلْزَمُ الوَلِىَّ قَبُولُه لها (٥) على طريقِ القِيمَةِ، بخلافِ مَسْألتِنا، ولأنَّ الدِّيةَ خارجةٌ عن القياسِ، فلا يُناقَضُ بها، ولا يُقاسُ عليها، ثم قياسُ العِوَضِ على سائرِ الأعْواضِ أَوْلَى من قِياسِه على غيرِ عُقُودِ المُعاوَضاتِ، ثم يَنْتَقِضُ بالعَبْدِ المُعَيَّنِ. فصل: وإن تزَوَّجَها على أن يُعْتِقَ أبَاها، صَحَّ، نَصَّ عليه أحمدُ. فإن طُلِبَ به أكْثَرُ من قِيمَتِه، أو لم يَقْدِرْ عليه، فلها قِيمَتُه. وهذا قولُ الشَّعْبِىِّ. وَوَجْهُه ما تَقَدَّمَ. فإن

стр. 5074

جاءَها بقِيمَتِه مع إمكانِ شِرَائِه، لم يَلْزَمْها قَبُولُها؛ لما ذَكَرْنا، ولأنَّه يُفوِّتُ عليها العِوَضَ فى عِتْقِ أبِيها. فصل: ولا يَصِحُّ الصَّداقُ إلَّا مَعْلُومًا يَصِحُّ بمِثْلِه البَيْعُ. وهذا اخْتِيارُ أبى بكرٍ، ومذهبُ الشافعىِّ. وقال القاضى: يَصِحُّ مَجْهُولًا، ما لم تَزِدْ جَهالَتُه على مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ جعفرَ بن محمدٍ نَقَلَ عن أحمدَ، فى رَجُلٍ تَزَوّجَ امْرأةً على أَلْفِ دِرْهمٍ وخادِمٍ، فطَلَّقها قبلَ أن يَدْخُلَ بها: يُقَوَّمُ الخادِمُ وَسَطًا على قَدْرِ ما يَخْدُمُ مِثْلَها. ونحوُ هذا قولُ أبى حنيفةَ. فعلى هذا إذا تَزَوَّجَها على عَبْدٍ، أو أمَةٍ، أو فَرَسٍ، أو بَغْلٍ، أو حيوانٍ من جِنْسٍ مَعْلومٍ، أو ثَوْبٍ هَرَوِىٍّ أو مَرَوِىٍّ (٦)، وما أشْبهَهُ ممَّا يُذْكَرُ جِنْسُه، فإنَّه يَصِحُّ، ولها الوَسَطُ. وكذلك قَفِيزُ حِنْطةٍ، وعشرةُ أرْطالِ زَيْتٍ. وإن كانت الْجَهالةُ تَزِيدُ على جَهالةِ مَهْرِ المِثْلِ، كَثَوْبٍ أو دابَّةٍ أو حيوانٍ، أو على حُكْمِها أو حُكْمِه أو حُكْمِ أجْنَبىٍّ، أو على حِنْطةٍ أو شعيرٍ أو زيتٍ، أو على ما اكْتَسَبه فى العامِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفةِ الوَسَطِ، فيَتَعَذرُ تَسْلِيمُه. وفى الأوَّلِ يَصِحُّ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "الْعَلائِقُ مَا تَراضَى عَلَيْهِ الأَهْلُونَ" (٧). وهذا قد تَرَاضَوْا عليه، ولأنَّه موضعٌ يَثْبُتُ فيه الحيوانُ فى الذِّمّةِ بَدَلًا عمَّا ليس المَقْصُودُ فيه المالَ، فثَبَتَ مُطْلَقًا كالدِّيَةِ، ولأنَّ جَهالةَ التَّسْمِيَةِ ههُنا أقَلُّ من جَهالةِ مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه يعْتَبَرُ بنِسائِها ممَّن يُسَاوِيها فى صِفَاتِها وبَلَدِها وزَمانِها ونَسَبِها، ثم لو تَزَوَّجَها على مَهْرِ مِثْلِها صَحَّ، فههُنا مع قِلَّةِ الجَهْلِ فيه أَوْلَى، ويفارِقُ البيعَ؛ فإنَّه لا يَحْتَمِلُ فيه الجهالةَ بحالٍ. وقال مالكٌ: يَصِحُّ مجهولًا؛ لأنَّ ذلك ليس بأكْثَرَ من تَرْكِ ذِكْرِه. وقال أبو الخَطَّابِ: إن تَزَوَّجها على عبدٍ من عَبِيدِه، أو قميصٍ من قُمْصانِه، أو عِمَامةٍ من عَمائِمِه، [ونحوِ ذلك] (٨)، صَحَّ؛ لأنَّ أحمدَ قال، فى

стр. 5075

رِوايةِ مُهَنَّا، فى مَن تَزَوَّجَ على عبدٍ من عَبِيدِه: جائزٌ، فإن كانوا عَشرةَ عَبِيدٍ، تُعْطَى من أوْسَطِهِم، فإن تَشَاحَّا أُقْرِعَ بينهم. قُلْتُ: وتَسْتَقِيمُ القُرْعةُ فى هذا؟ قال: نعم. وَوَجْهُه أَنَّ الجَهالةَ ههُنا يَسِيرةٌ، ويُمْكِنُ التَّعْيِينُ بالقُرْعةِ، بخلافِ ما إذا أصْدَقَها عبدًا مُطْلَقًا، فإن الجَهالةَ تَكْثُر، فلا يَصِحُّ. ولَنا، أَنَّ الصَّداقَ عِوَضٌ فى عَقْدِ مُعاوَضةٍ، فلم يَصِحَّ مَجْهولًا، كعِوَضِ البيعِ والإجارةِ، ولأنَّ المجهولَ لا يَصْلُحُ عِوَضًا فى البيعِ، فلم تَصِحَّ تَسْمِيتُه كالمُحَرَّمِ، وكما (٩) لو زادت جهالَتُه على مَهْرِ المِثْلِ، وأمَّا الخبرُ، فالمرادُ به ما تَرَاضَوْا عليه ممَّا يَصْلُحُ عِوَضًا، بدليلِ سائرِ مالا يَصْلُحُ، وأمَّا الدِّيَةُ، فإنَّها تَثْبُتُ بالشرعِ، لا بالعَقْدِ، وهى خارِجةٌ عن القِياسِ فى تَقْدِيرِها، ومَنْ وَجَبَتْ عليه فلا يَنْبَغِى أن تُجْعَلَ أصْلًا، ثم إنَّ الحيوانَ الثابتَ فيها موصوفٌ بسِنِّه، مُقَدَّرٌ بقِيمَتِه، فكيف يُقَاسُ عليه العَبْدُ المُطْلَقُ فى الأمْرَيْنِ؟ ثم ليست عَقْدًا، وإنَّما الواجِبُ (١٠) بَدَلُ مُتْلَفٍ، لا يُعْتَبَرُ فيه التَّرَاضِى، فهو كقِيَمِ المُتْلَفاتِ، فكيف يُقاسُ عليها عِوَضٌ فى عَقْدٍ يُعْتَبَرُ تَراضِيهما به؟ ثم إنَّ قِياسَ العِوَض فى عَقْدِ مُعاوَضةٍ على عِوَضٍ فى مُعاوضةٍ أخرى، أصَحُّ وأوْلَى من قِياسِه على بَدَلِ مُتْلَفٍ، وأمَّا مَهْرُ المِثْلِ، فإنَّما يجبُ عند عَدَمِ التَّسْمِيَةِ الصحيحةِ، كما تجبُ قِيَمُ المُتْلَفاتِ، وإن كانت تحتاجُ إلى نَظَرٍ، ألا تَرى أنَّا نَصِيرُ إلى مَهْرِ المِثْلِ عند عَدَمِ (١١) التَّسْمِيَةِ، ولا نَصِيرُ إلى عَبْدٍ مُطْلَقٍ، ولو باع ثَوْبًا بعبدٍ مُطْلقٍ فأتْلَفَه المشترِى، فإنَّا نَصِيرُ إلى تَقْوِيمِه، ولا نُوجِبُ العَبْدَ المُطْلقَ، ثم لا نُسَلِّمُ أَنَّ (١٢) جَهالةَ المُطْلَقِ من الجِنْسِ الواحدِ دُونَ جَهالةِ مَهْرِ المِثْلِ، فإنَّ العادةَ فى القبائلِ والقُرَى أن يكونَ لنِسائِهِم مَهْرٌ لا يكادُ يختلفُ إلَّا بالبَكارةِ والثُّيُوبةِ فحَسْبُ، فيكونُ إذًا

стр. 5076

مَعْلُومًا، والوَسَطُ من الجِنْسِ يَبْعُدُ الوقوفُ عليه؛ لكثرةِ أنواعِ الجِنْسِ واخْتلافِها، واخْتلافِ الأعيانِ فى النَّوْعِ الواحدِ. وأمَّا تَخْصيصُ التصحيحِ بعَبْدٍ من عَبِيدِه، فلا نظيرَ له يُقاسُ عليه، ولا نعلمُ فيه نصًّا يُصارُ إليه، فكيف يَثْبُتُ الحكمُ فيه بالتَّحَكُّمِ؟ وأمَّا نُصوصُ أحمدَ على الصِّحَّةِ، فتَأَوَّلَها أبو بكرٍ على أنَّه تَزَوَّجَها على عبدٍ مُعَيَّنٍ، ثم أشْكَلَ عليه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ لها مَهْرَ المِثْلِ فى كلِّ موضعٍ حَكَمْنا بفسادِ التسميةِ، ومَنْ قال بصِحَّتِها، أوْجَبَ الوَسَطَ من المُسَمَّى، والوَسَطُ من العَبِيدِ السِّنْدِىُّ؛ لأنَّ الأعْلَى التُّرْكِىُّ والرُّومِىُّ، والأسْفَلَ الزنْجِىُّ والحَبَشِىُّ، والوَسَطَ السِّنْدِىُّ والمَنْصُورِىُّ. قال القاضى: وإن أعْطاها قِيمةَ العَبْدِ، لَزِمَها قَبُولُها، إلْحاقًا بالإِبلِ فى الدِّيَةِ. فصل: ويجوز أن يكونَ الصَّداقُ مُعَجَّلًا، ومُؤَجَّلًا، وبعضُه مُعجلًا وبعضُه مُوجَّلًا؛ لأنَّه عِوَضٌ فى مُعاوَضةٍ، فجاز ذلك فيه كالثَّمَنِ. ثم إن أُطْلِقَ ذِكْرُه اقْتَضَى الحلولَ، كما لو أطْلِقَ ذِكْرُ الثمنِ. وإن شَرَطه مُؤجَّلًا إلى وقتٍ، فهو إلى أجَلِه. وإن أجَّلَه ولم يَذْكُرْ أجَلَه، فقال القاضى: المَهْرُ صَحِيحٌ. ومَحَلُّه الفُرْقةُ؛ فإنَّ أحمدَ قال: إذا تزَوَّجَ على العاجلِ والآجلِ، لا يَحِلُّ الآجِلُ إلَّا بمَوْتٍ أو فُرْقةٍ. وهذا قولُ النَّخَعِىِّ والشَّعْبِىِّ. وقال الحسنُ، وحَمَّادُ بن أبى سليمانَ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ: يَبْطُل الأَجَلُ، ويكونُ حالًّا. وقال إياسُ بن مُعَاويةَ، وقَتادةُ: لا يَحِلُّ حتى يُطَلِّقَ، أو يَخْرُجَ من مِصْرِها، أو يتَزَوَّج عليها. وعن مَكْحُولٍ، والأَوْزاعىِّ، والعَنْبَرِىِّ: يَحِلُّ إلى سَنَةٍ بعدَ دُخُولِه بها. واخْتار أبو الخَطَّابِ أَنَّ المَهْرَ فاسدٌ، ولها مَهْرُ المِثْلِ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه عِوَضٌ مَجْهولُ المَحَلِّ، ففَسَدَ، كالثمنِ فى البَيْعِ (١٣). وَوَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ، أَنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على العُرْفِ، والعادةُ فى الصَّداقِ الآجِلِ تَرْكُ المُطالبةِ به إلى حينِ الفُرْقَةِ، فحُمِلَ عليه، فيَصِيرُ حينئذٍ مَعْلُومًا بذلك. فأمَّا إن جَعَلَ للآجِلِ (١٤) مُدَّةً مجهولةً، كقُدُومِ زَيْدٍ، ومجِىءِ المَطرِ، ونحوِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، وإنَّما صَحَّ

стр. 5077

المُطْلَقُ؛ لأنَّ أجَلَه الفُرْقةُ بحُكْمِ العادَةِ، وههُنا صَرَفَه عن العادَةِ بذِكرِ الأجَلِ، ولم يُبَيِّنْه، فبَقِىَ مجهولًا، فيَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ التَّسْمِيَةُ، ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ التَّأْجيلُ ويَحِلَّ. ١٢٠١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى مُحَرَّمٍ، وَهُمَا مُسْلِمَانِ، ثَبَتَ النِّكَاحُ، وكَانَ لَهَا مَهْرُ المِثْلِ، أَوْ نِصْفُه إِنْ كَانَ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ) فى هذه المسألة ثلاثُ مَسائلَ: الأولى: أنَّه إذا سَمَّى فى النِّكاحِ صَداقًا مُحَرَّمًا، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فالتَّسْمِيَةُ فاسدةٌ، والنِّكاحُ صحيحٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال عامَّةُ الفقهاءِ؛ منهم الثَّوْرِىُّ، والأَوْزَاعىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن أبى عُبَيْدٍ أَنَّ النِّكاحَ فاسدٌ. واخْتاره أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ، قال: لأنَّ أحمدَ قال، فى رِوايةِ المَرُّوذِىِّ: إذا تزَوَّجَ على مالٍ غيرِ طَيِّبٍ، فكَرِهَه. فقلتُ: تَرَى اسْتِقْبالَ النِّكاحِ؟ فأعْجَبَه. وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه إن كان بعدَ الدُّخولِ، ثَبَتَ النِّكاحُ، وإن كان قبلَه، فُسِخَ. واحْتَجَّ مَنْ أفْسَدَه بأنَّه نِكاحٌ جُعِلَ الصَّداقُ فيه مُحَرَّمًا، فأشْبَهَ نِكاحَ الشِّغَارِ. ولَنا، أنَّه نِكاحٌ لو كان عِوَضُه صحيحًا كان صَحِيحًا، فوَجَبَ أن يكونَ صحيحًا وإن كان عِوَضُه فاسدًا، كما لو كان مَغْصُوبًا أو مجهولًا، ولأنَّه عَقْدٌ لا يَفْسدُ بجَهالةِ العِوَضِ، فلا يفْسُدُ بتَحْرِيمه كالخُلْعِ، ولأنَّ فَسادَ العِوَض لايَزِيدُ على عَدَمِه، ولو عُدِمَ كان العَقْدُ صحيحًا، فكذلك إذا فَسَدَ. وكلامُ أحمدَ، فى رواية المَروذِىِّ، محمولٌ على الاسْتِحبابِ، فإن مسألةَ المَروذِىِّ فى المالِ الذى ليس بطَيِّبٍ، وذاك (١) لا يَفْسُدُ العَقْدُ بتَسْمِيَتِه فيه اتّفاقًا. وما حُكِىَ عن مالكٍ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ ما كان فاسِدًا قبلَ الدُّخولِ، فهو بعدَه فاسِدٌ، كنكاحِ ذَواتِ المَحارِمِ. فأمَّا إذا فَسَدَ الصَّداقُ لجهالَتِه، أو عَدَمِه، أو العَجْزِ عن تَسْلِيمِه، فإنَّ النِّكاحَ ثابتٌ. لا نعلمُ فيه خلافًا (٢). وقولُ الخِرَقِىِّ: "وهما مُسْلِمانِ". احْتِرازٌ من

стр. 5078

الكافِرين إذا عُقِدَ النِّكاحُ بمُحَرّمٍ، فإنَّ هذه قد مَرَّ تَفْصِيلُها. المسألة الثانية: أنَّه يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وذلك لأنَّ فَسَادَ العِوَض يقْتَضِى رَدَّ المُعَوَّضِ، وقد تَعَذّرَ رَدُّه لصِحَّةِ النِّكاحِ، فيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِه، وهو مَهْرُ المِثْلِ، كمن اشْتَرَى شيئا بثَمَنٍ فاسدٍ، فقَبَضَ المَبِيعَ، وتَلِفَ فى يَدِه، فإنَّه يَجِبُ عليه رَدُّ قِيمَتِه. فإن دَخَلَ بها، استقرَّ مَهْرُ المِثْلِ، فى قولِهم جميعًا. وإن مات أحَدُهما، فكذلك؛ لأنَّ الموتَ يقومُ مَقامَ الدُّخولِ فى تَكْمِيلِ الصَّداقِ وتَقْرِيرِه. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه روايةٌ أخرى، لا يَسْتَقِرُّ بالموتِ، إلَّا أن يكونَ قد فَرَضَه لها. وإن طَلَّقَ قبلَ الدُّخولِ، فلها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لها المُتْعةُ؛ لأنَّه لو لم يُسَمِّ لها صَداقًا لَكان (٣) لها المُتْعةُ، فكذلك إذا سَمَّى لها (٤) تَسْمِيةً فاسدةً؛ لأنَّ هذه التَّسْمِيَةَ كعَدَمِها. وذكَر القاضى، فى "الجامعِ" أنَّه لا فَرْقَ بين مَنْ لم يُسَمِّ لها صَداقًا، وبين مَنْ سَمَّى لها مُحَرَّمًا كالخمرِ، أو مجهولًا كالثَّوْبِ. وفى الجميعِ روايتان؛ إحْداهما، لها المُتْعةُ إذا طَلَّقها قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّ ارْتِفاعَ العَقْدِ يُوجِبُ رَفْعَ ما أوْجَبَه من العِوَضِ كالبَيْعِ، لكنْ تَركْناه فى نِصْفِ المُسَمَّى لتَراضِيهما عليه، فكان ما تَراضَيا عليه أَوْلَى، ففى مَهْرِ المِثْلِ يَبْقَى على الأَصْلِ فى أنَّه يَرْتَفِعُ وتَجِبُ المُتْعةُ. والثانية، أَنَّ لها نِصْفَ مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ ما أوْجَبه عَقْدُ النِّكاحِ يَتَنَصَّفُ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، ومَهْرُ المثلِ قد أَوْجَبه العقدُ، فيتنَصَّفُ به كالمُسَمَّى. والخِرَقِىُّ فَرّقَ بينهما، فأوْجَبَ فى التَّسْمِيَةِ الفاسدةِ نِصْفَ مَهْرِ المثلِ، وفى المُفَوِّضةِ المُتْعةَ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ المُفَوِّضةَ رَضِيَتْ بلا عِوَضٍ، وعاد إليها بُضْعُها سليمًا، وإيجابُ نِصْفِ المَهْرِ لها لا وَجْهَ له؛ لأنَّ اللَّه تعالى أَوْجَبَ لها المُتْعةَ، ففى إيجابِ نِصْفِ المَهْرِ جَمْعٌ بينهما، أو إسقاطٌ لِلمُتْعةِ المنْصوصِ

стр. 5079

عليها، وكلاهما فاسدٌ. وأمَّا التى اشْترَطَتْ لنَفْسِها مَهْرًا، فلم تَرْضَ إِلَّا بعِوَضٍ، ولم يَحْصُلْ لها العِوَضُ الذى اشترَطَتْه، فوَجَبَ لها بَدَلُ ما فات عليها من العِوَضِ، وهو مَهْرُ المثلِ، أو نِصْفُه إن كان قبلَ الدُّخُولِ، ولأنَّ الأَصلَ وُجُوبُ مَهْرِ المثلِ؛ لأنَّه وَجَبَ بالعَقْدِ، بدليلِ أنَّه يَسْتَقِرُّ بالدُّخولِ والموتِ، وإنَّما خُولِفَ هذا فى المُفَوِّضةِ بالنَّصِّ الواردِ فيها، ففيما (٥) عَداها يَبْقَى على الأَصْلِ. المسألة الثالثة: أنَّه إذا سَمَّى لها تَسْمِيَةً فاسدةً، وَجَبَ مَهْرُ المثلِ بالغًا ما بَلَغَ. وبه قال الشافعىُّ، وزُفَرُ. وقال أبو حنيفةَ، وصاحِباه: يجبُ الأقَلُّ من المُسَمَّى أو مَهْرِ المثلِ؛ لأنَّ البُضْعَ لا يُقَوَّمُ إلَّا بالعَقْدِ، فإذا رَضِيَتْ بأقَلَّ من مَهْرِ مِثْلِها، لم يُقَوَّمْ بأكْثرَ ممَّا رَضِيَتْه (٦)؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإسْقاطِ الزِّيادةِ. ولَنا، أَنَّ ما ضُمِنَ (٧) بالعَقْدِ الفاسدِ، اعْتُبِرَتْ قِيمَتُه بالغًا ما بَلَغَ، كالمَبِيعِ. وما ذكَرُوه فغيرُ مُسَلَّمٍ، ثم لا يَصِحُّ عندهم، فإنَّه لو وَطِئَها وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، ولو لم يكُنْ له قِيمةٌ لم يَجِبْ. فإن قيل: إنَّما وَجَبَ لحَقِّ اللَّه تعالى. قيل: لو كان كذلك لوَجَبَ أقَل المَهْرِ، ولم يَجِبْ مَهْرُ المِثْلِ. ١٢٠٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا، وأَلْفٍ لِأَبِيهَا، كَانَ ذلِكَ جَائِزًا، فإِنْ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عَلَيْهَا بنِصْفِ الأَلْفَيْنِ، ولَمْ يَكُنْ عَلَى الأَبِ شَىْءٌ مِمَّا أَخَذَهُ) وجملةُ الأمرِ أنَّه يجوزُ لأبِى المرأةِ أن يَشْتَرِطَ شيئًا من صَداقِ ابْنَتِه لنَفْسِه. وبهذا قال إسحاقُ. وقد رُوِىَ عن مَسْرُوقٍ، أنَّه لمَّا زَوّجَ ابْنَتَه، اشترَطَ لنفسِه عَشْرةَ آلافٍ، فجَعَلَها فى الحجِّ والمساكينِ، ثم قال للزَّوْجِ: جَهِّز امْرَأَتَكَ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن علىِّ ابن الحسينِ. وقال عطاءٌ، وطاوُسٌ، وعِكْرِمَةُ، وعمرُ بن عبد العزيزِ، والثَّوْرِىُّ، وأبو

стр. 5080

عُبَيْدٍ: يكونُ كلُّ ذلك للمرأةِ. وقال الشافعىُّ: إذا فعل ذلك، فلها مَهْرُ المِثْلِ، وتَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ؛ لأنَّه نَقَصَ من صَداقِها لأجْلِ هذا الشَّرْطِ الفاسدِ؛ لأنَّ المَهْرَ لا يجبُ إلَّا للزَّوْجةِ؛ لأنَّه عِوَضُ بُضْعِها، فيَبْقَى مَجْهُولًا؛ لأنَّنا نحتاجُ أن نَضُمَّ إلى المَهْرِ ما نَقَصَ منه لأجْلِ هذا الشَّرْطِ، وذلك مَجْهُولٌ فيَفْسُدُ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى، فى قِصَّةِ شُعَيْبٍ ﵇: ﴿إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (١). فجَعلَ الصَّداقَ الإِجارةَ على رِعايةِ غَنَمِه، وهو شَرْطٌ لِنَفْسِه، ولأنَّ للوالدِ الأخْذ من مالِ وَلَدِه، بِدَليلِ قولِه ﷺ : "أنْتَ ومَالُكَ لأَبِيكَ" (٢). وقولِه: "إنَّ أوْلَادَكُم مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُم، فَكُلُوا مِنْ أمْوالِهِمْ". أخْرَجه أبو داودَ، ونحوَه التِّرْمِذِىُّ (٣). وقال: حديثٌ حسنٌ. فإذا شَرَطَ لنَفْسِه شيئًا من الصَّداقِ، يكونُ ذلك أخْذًا من مالِ ابْنَتِه، وله ذلك. وقولُهم: إنَّه شَرْطٌ فاسدٌ. ممنوعٌ. قال القاضى: ولو شَرَطَ جميعَ الصَّداقِ لنَفْسِه، صَحَّ، بدليلِ قِصَّةِ شُعَيْبٍ، فإنَّه شَرَطَ الجميعَ (٤) لنفسِه. وإذا تزوجَها على ألْفٍ لها، وألفٍ لأِبيها، فطُلِّقتْ قبلَ الدُّخولَ، رجَع الزَّوْجُ فى الألْفِ الذى قَبَضَتْه، ولم يَكُنْ على الأبِ شىءٌ ممَّا أخَذَ؛ لأنَّ الطَّلاقَ قبلَ الدُّخولِ يُوجِبُ نِصْفَ الصَّداقِ، والألْفان جميعُ صَدَاقِها، فرَجَعَ عليها بنِصْفِهما (٥)، وهو ألفٌ، ولم يكُنْ على الأبِ شىءٌ؛ لأنَّه أخَذَ من مالِ ابنتِه ألْفًا، فلا يجوزُ الرُّجُوعُ عليه به. وهذا فيما إذا كان قد قَبَّضَها (٦) الألْفَيْنِ. ولو طَلَّقها قبلَ قَبْضِهِما، سَقَطَ عن الزَّوْجِ أَلْفٌ، وبَقِىَ عليه ألفٌ للزَّوْجةِ، يأخُذُ (٧) الأبُ منها ما شاء. وقال القاضى: يكونُ بينهما نِصْفَيْنِ. وقال:
следующие страницы →