← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

والولدُ حُرٌّ لاحِقٌ نَسَبُه به، وعليه قِيمَتُه يومَ ولادَتِه، ولا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له، وإن مَلَكَها بعدَ ذلك؛ لأنَّه لا مِلْكَ فيها، وتُخَيَّرُ المرأةُ بينَ أخْذِها فى حال حَمْلِها، وبينَ أخْذِ قِيمَتِها؛ لأنَّه نَقَصَها بإحْبالِها، وهل لها الأرْشُ (١٢) مع ذلك؟ يَحْتَمِلُ أَنَّ لها الأرْشَ؛ لأنَّها نَقَصَتْ بعُدْوانِه، أشْبَهَ ما لو نَقَصَها الغاصِبُ بذلك. وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ فى الأرْشِ ههُنا قَوْلان. وقال بعضُهم: يَنْبَغِى أن يكونَ لها المُطالبةُ بالأرْشِ، قولًا واحدًا؛ لأنَّ النَّقْصَ حَصَلَ بفِعْلِه الذى تَعَدَّى به، فهو كالغاصِبِ، وكما لو طالبَتْه فمَنَعَ تَسْلِيمَها. وهذا أصَحُّ. فصل: إذا أصْدَقَ ذِمِّىٌّ ذِمّيَّةً خَمْرًا، فتَخَلَّلَتْ فى يَدِها، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ (١٣)، احْتَمَلَ أن لا يَرْجِعَ عليها بشىءٍ؛ لأنَّها قد زادَتْ فى يَدِها بالتَّخَلُّلِ، والزِّيادةُ لها، وإن أراد الرُّجُوعَ بنَصْفِ قِيمَتِها قبل التَّخَلُّلِ، فلا قِيمَةَ لها، وإنَّما يَرْجِعُ (١٤) إذا زادتْ فى نِصْفِ قِيمَتِها أقلَّ ما كانت من حينِ العَقْدِ إلى حينِ القَبْضِ، وحينئذٍ لا قِيمَةَ لها، وإن تَخَلَّلتْ فى يَدِ الزَّوجِ، ثم طَلَّقَها، فلها نِصْفُها؛ لأنَّ الزِّيادةَ لها. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الخَلُّ له، وعليه نِصْفُ مهرِ مِثْلِها، إذا ترافَعا إلينا قبلَ القَبْضِ، أو أسْلَما، أو أحدُهما. فصل: إذا تزوَّجَ امرأةً، فضَمِنَ أبوه نَفَقَتَها عَشْرَ سِنِينَ، صَحَّ. ذكَره أبو بكرٍ؛ لأنَّ أكثرَ ما فيه أنَّه ضَمَانُ مجهولٍ، أو ضَمانُ ما لم يَجِبْ، وكلاهما صحيحٌ. ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الزَّوجِ مُوسِرًا أو مُعْسِرًا. واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعىِّ؛ فمنهم من قال كقَوْلِنا، ومنهم مَن قال: لا يَصِحُّ إلَّا ضَمانُ نَفَقةِ المُعْسِرِ؛ لأنَّ غَيرَ المُعْسِرِ يتغَيّرُ حالُه، فيكونُ عليه نَقَقةُ المُوسِرِ أو المُتَوَسِّطِ، فيكونُ ضَمانَ مَجْهُولٍ، والمُعْسِرُ مَعْلُومٌ ما عليه.

стр. 5147

ومنهم مَنْ قال: لا يَصِحُّ أصْلًا؛ لأنَّه ضَمانُ ما لم يَجِبْ. ولَنا، أَنَّ الجَهْلَ (١٥) لا يَمْنَعُ صِحّةَ الضَّمانِ، بدليلِ صِحَّةِ ضَمانِ نَفَقةِ المُعْسِرِ، مع احْتمالِ أن يموتَ أحدُهما فتَسْقُطَ النفقةُ، ومع ذلك صَحَّ الضَّمانُ، فكذلك هذا. فصل: ويجبُ المهرُ للمَنْكُوحةِ نِكاحًا صحِيحًا، والمَوْطُوءةِ فى نِكاحٍ فاسدٍ، والمَوْطُوءةِ بشُبْهةٍ. بغير خِلافٍ نَعْلَمُه. ويجبُ للمُكْرَهةِ على الزِّنَى. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى: أنَّه (١٦) لا مَهْرَ لها إن كانت ثَيِّبًا. واخْتارَه أبو بكرٍ. ولا يجبُ مع ذلك أرْشُ البَكارةِ. وذكَر القاضى، أَنَّ أحمدَ قد قال، فى روايةِ أبى طالبٍ، فى حَقِّ الأجْنَبِيَّةِ إذا أكْرَهَها على الزِّنَى، وهى بِكْرٌ: فعليه المهرُ، وأرشُ البَكارةِ. وهذا قولُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا مَهْرَ للمُكْرَهةِ على الزِّنَى. ولَنا، قولُ النَّبِىّ ﷺ : "فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا" (١٧). وهذا حُجّةٌ على أبى حنيفةَ؛ فإنَّ المُكْرِهَ مُسْتَحِلٌّ لِفَرْجِها، فإنَّ الاسْتِحلالَ الفِعْلُ فى غيرِ مَوْضعِ الحِلِّ، كقوله ﷺ : "مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ" (١٨). وهو حُجَّةٌ على مَنْ أوْجَبَ الأرْشَ لِكَوْنِه أوْجَبَ المهرَ وَحْدَه مِن غَيْرِ أرْشٍ، ولأنَّه اسْتَوْفَى ما يجِبُ بَدَلُه بالشُّبْهةِ، وفى العَقْدِ الفاسدِ كَرْهًا، فوجَبَ بَدَلُه كإتْلافِ المالِ، وأكْلِ طعامِ الغَيْرِ. ولَنا، على أنَّه لا يَجِبُ الأرْشُ، أنَّه وَطْءٌ ضُمِنَ بالمَهْرِ، فلم يَجِبْ معه أرْشٌ، كسائرِ الوَطْءِ، يُحَقِّقُه أَنَّ المَهرَ بَدَلُ المَنْفعةِ المُسْتَوفاةِ بالوَطْءِ، وبَدَلُ المُتْلَفِ لا يَخْتَلِفُ بكَوْنِه فى عَقْدٍ فاسدٍ، وكَوْنِه تمَحَّضَ عُدْوانًا، ولأنَّ الأرْشَ يَدْخُلُ فى المهرِ، لكَوْنِ الواجبِ لها مَهْرَ المِثْلِ، ومَهْرُ البِكْر يَزِيدُ على مَهْرِ الثَّيِّبِ ببَكارَتِها، فكانت الزِّيادةُ فى المهرِ مُقابِلةً لما أُتْلِفَ من البَكارةِ، فلا يَجِبُ عِوَضُها مَرَّةً

стр. 5148

ثانية. يُحَقِّقه أنَّه إذا أُخِذَ أرْشُ البَكارةِ مَرَّةً، لم يَجُزْ أخْذُه (١٩) مَرَّة أُخْرَى، فتَصِيرُ كأنَّها مَعْدُومةٌ، فلا يجبُ لها إلَّا مَهْرُ ثَيِّبٍ، ومَهْرُ الثَّيِّبِ مع أرْشِ البَكارةِ هو مَهْرُ مِثْلِ البِكْرِ، فلا تجوزُ الزِّيادةُ عليه. واللَّهُ أعلمُ. فصل: ولا فَرْقَ بين كَوْنِ المَوْطُوءةِ أجْنَبِيَّةً أو مِن ذَواتِ مَحارِمِه. وهو اختيارُ أبى بكرٍ. ومذهبُ النَّخَعِىِّ، ومَكْحُولٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أَنَّ ذَواتَ مَحارِمِه من النِّساءِ لا مَهْرَ لَهُنَّ. وهو قولُ الشَّعْبىِّ؛ لأنَّ تَحْرِيمَهُنَّ تَحْريمُ أصْلٍ، فلا يُسْتَحَقُّ به مَهْرٌ. كاللِّوَاطِ، وفارَقَ مَن حُرِّمَتْ تَحْرِيمَ المُصاهرةِ، فإنَّ تَحْرِيمَها طارئٌ. وكذلك يَنْبَغِى أن يكونَ الحُكْمُ فى مَن حُرِّمَتْ بالرَّضاعِ؛ لأنَّه طارِئٌ أيضًا. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أَنَّ مَنْ تَحْرُمُ ابْنَتُها لا مَهْرَ لها، كالأُمِّ والبِنْتِ والأُخْتِ، ومن تَحِلُّ ابْنَتُها، كالعَمَّةِ والخالةِ، فلها المَهْرُ؛ لأنَّ تَحْرِيمَها أخَفُّ. ولَنا، أَنَّ ما ضُمِنَ للأجْنَبِىِّ، ضُمِنَ للمُناسبِ، كالمالِ ومَهْرِ الأَمَةِ، ولأنَّه أتْلَفَ مَنْفَعةَ بُضْعِها بالوَطْءِ، فلَزِمَه مَهْرُها، كالأجْنَبِيَّةِ، ولأنَّه مَحَلٌّ مَضْمُونٌ على غيرِه، فوَجَبَ عليه ضَمانُه، كالمالِ، وبهذا فارَقَ اللِّواطَ؛ فإنَّه ليس بمَضْمُونٍ على أحدٍ. فصل: ولا يجِبُ المَهْرُ بالوَطْءِ فى الدُّبُرِ، ولا اللِّواطِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بِبَدَلِه، ولا هو إتْلافٌ لشىءٍ، فأشْبَهَ القُبْلةَ والوَطْءَ دُونَ الفَرْجِ، ولا يجبُ للمُطاوِعةِ على الزِّنَى، لأنَّها بَاذِلةٌ لما يجبُ بَذْلُه لها، فلم يَجِبْ لها شىءٌ، كما لو أَذِنَتْ له فى قَطْعِ يدِها فقَطَعَها، إلَّا أن تكونَ أمَةً، فيكونُ المهرُ لسَيِّدِها، ولا يَسْقُطُ ببَذْلِها؛ لأنَّ الحَقَّ لغيرِها، فأشْبَهَ ما لو بَذَلَتْ قَطْعَ يدِها. فصل: ولو طَلَّقَ امرأتَه قبلَ الدُّخولِ طَلْقةً، وظَنَّ أنَّها لا تَبِينُ بها، فوَطِئَها، لَزِمَه مَهْرُ المِثْلِ، ونِصْفُ المُسَمَّى. وقال مالكٌ: لا يَلْزَمُه إلَّا مهرٌ واحدٌ. ولَنا، أَنَّ المَفْروضَ يتَنَصّفُ بطَلاقِه، بقولِه سبحانه: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. ووَطْؤُه بعدَ

стр. 5149

ذلك عَرِىَ عن العَقْدِ، فوجَبَ به مَهْرُ المِثْلِ، كما لو عَلِمَ، أو كغيرِها، أو كما لو وَطِئَها (٢٠) غيرُه. فصل: ومَنْ نِكاحُها باطِلٌ بالإِجْماعِ، كالمُزَوَّجةِ، والمُعْتَدَّةِ، إذا نَكَحَها رَجُلٌ، فوَطِئَها عالِمًا بالحالِ، وتَحْرِيمِ الوَطْءِ، وهى مُطاوِعةٌ عالِمةٌ، فلا مَهْرَ لها؛ لأنَّه زِنًى يُوجِبُ الحَدَّ، وهى مُطاوِعةٌ عليه. وإن جَهِلَتْ تَحْرِيمَ ذلك، أو كَوْنَها فى العِدَّةِ، فالمهرُ لها؛ لأنَّه وَطْءُ شُبْهةٍ. وقد رَوَى أبو داودَ (٢١)، بإسنادِه، أن رَجُلًا يُقال له بَصْرَةَ (٢٢) بن أكْثَمَ، نَكَحَ امرأةً، فوَلَدَتْ لأَرْبعةِ أشْهُرٍ، فجَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ لها الصَّداقَ. وفى لفظٍ قال: "لَهَا الصَّداقُ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، فَإذَا وَلَدَتْ فَاجْلِدُوهَا". ورَوَى سعيدٌ، فى "سُنَنِه" (٢٣)، عن عِمرانَ بن كَثِيرٍ، أن عُبَيد (٢٤) اللَّه ابن الْحُرِّ تزوَّجَ جارِيةً من قَوْمِه، يقال لها الدَّرْداء، فانْطَلَقَ عُبَيدُ اللَّهِ، فلَحِقَ بمُعاوِيةَ، ومات أبو الجاريةِ فزَوَّجَها أهلُها رَجُلًا، يُقال له عِكْرِمة، فبَلَغَ ذلك عُبَيْدَ اللَّه، فقَدِمَ، فخاصَمَهُم إلى علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فقَصُّوا عليه قِصَّتَهَم، فرَدَّ عليه المرأةَ، وكانت حامِلًا (٢٥) من عِكْرمةَ، فوَضَعَتْ على يَدَىْ (٢٦) عَدْلٍ، فقالت المرأةُ لعلىٍّ: أنا أحَقُّ بمالِى أو عُبَيْدُ اللَّه؟ قال: بل أنتِ أحَقُ بمالكِ. قالت: فاشْهَدُوا أَنَّ ما كان لِى علَى عِكْرِمةَ بن صَداقٍ فهو له، فلما وَضَعَتْ ما فى بَطها، رَدَّها على عُبَيْد اللَّه بن الحرّ، وألحْقَ الوَلَدَ بأِبيه. فصل: والصَّداقُ إذا كان فى الذِّمَّةِ، فهو دَيْنٌ، إذا مات مَنْ هو عليه وعليه دَيْنٌ

стр. 5150

سِوَاه، قُسِّمَ مالُه بينهم بالحِصَصِ. قال أحمدُ، فى مريضٍ تزوَّجَ فى مَرَضِه وعليه دَيْنٌ ومات: ما تَرَكَ بين الغُرَماءِ والمرأةِ بالحِصَصِ. وذلك لأنَّ نِكاحَ المريضِ صحيحٌ، والصداقَ دَيْنٌ، فتَساوَى سائِرُ الدُّيُونِ. فصل: وكلُّ فُرْقةٍ كانت قبلَ الدُّخولِ مِن قِبَلِ المرأةِ، مثل إسْلامِها، أو رِدَّتِها، أو إرْضاعِها مَنْ يَنْفَسِخُ النِّكاحُ بإرْضاعِه (٢٧)، أو ارْتِضاعِها وهى صغيرة، أو فَسَخَتْ لإِعْسارِه، أو عَيْبه، أو لِعِتْقِها تحت عَبْدٍ، أو فَسَخَه لِعَيْبِها (٢٨)، فإنَّه يَسْقُطُ به مَهْرُها، ولا يجبُ لها مُتْعةٌ؛ لأنَّها أتْلَفَتِ المُعَوَّضَ قبل تَسْلِيمهِ، فسَقَطَ البَدَلُ كلُّه، كالبائعِ يُتْلِفُ المَبِيعَ قبلَ تَسْلِيمهِ. وإن كانت بِسَببِ الزَّوجِ، كطَلاقِه، وخُلْعِه، وإسْلامِه، ورِدَّتِه، أو جاءتْ من أجْنَبِىٍّ، كالرَّضاعِ، أو وَطْءٍ يَنْفَسِخُ به النِّكاحُ، سَقَطَ نِصْفُ المَهْرِ، ووَجَبَ نِصْفُه أو المُتْعةُ لغيرِ مَنْ سُمِّىَ لها، ثم يَرْجِعُ الزَّوْجُ على مَن فَسَخ النِّكاحَ إذا جاء الفَسْخُ من قِبَلِ أجْنَبِىٍّ. وإن قُتِلَتِ المرأةُ، اسْتَقَرَّ المهرُ جميعُه؛ لأنَّها فُرْقَةٌ حَصَلَتْ بالموتِ، وانْتهاء النِّكاحِ، فلا يَسْقُطُ بها المَهْرُ، كما لو ماتتْ حَتْفَ أنْفِها، سواءٌ قَتَلَها زَوْجُها أو أجْنَبىٌّ، أو قَتَلَتْ نَفْسَها، أو قَتَلَ الأمَةَ سَيِّدُها. وإن طَلَّقَ الحاكمُ على الزَّوْجِ فى الإِيلاءِ، فهو كطلاقِه؛ لأنَّه قامَ مَقامَه فى إِيفاء الحَقِّ عنه (٢٩) عندَ امْتِناعِه منه. وفى فُرْقةِ اللِّعانِ رِوَايتان؛ إحداهما، هى كطلَاقِه؛ لأنَّ سَبَبَ اللِّعانِ قَذْفُه الصَّادِرُ منه. والثانية، يَسْقُطُ به مَهْرُها؛ لأنَّ الفَسْخَ عَقِيبَ لِعَانِها، فهو كفَسْخِها لعُنَّتِه. وفى فُرْقةِ شِرائِها لزَوْجها أيضًا رِوَايتانِ؛ إحداهما، يتَنَصّفُ بها مَهْرُها؛ لأنَّ البَيْعَ المُوجِبَ للفَسْخِ تَمَّ بالسَّيِّدِ القائمِ مَقامَ الزَّوْج وبالمرأةِ، فأشْبَه الخُلْعَ. والثانية، يَسْقُطُ المهرُ؛ لأنَّ الفَسْخَ وُجدَ عَقِيبَ قَبُولِها، فأشْبَهَ فَسْخَها لِعُنَّتِه. وفيما إذا اشْتَرَى الحُرُّ امْرأتَه وَجْهان، مَبْنِيَّانِ على الرِّوايتَيْنِ فى شِرائِها لزَوْجِها. وإذا جَعَلَ لها الخيارَ، فاختارَتْ

стр. 5151

نَفْسَها، أو وَكّلَها فى الطَّلاقِ، فطَلَّقَتْ نفسَها، فهو كطَلاقِه. لا يَسْقُطُ مَهْرُها؛ لأنَّ المرأةَ وإِن باشَرَتِ الطَّلاقَ، فهى نائِبةٌ عنه، ووَكِيلةٌ له، وفِعْلُ الوكيلِ كفِعْلِ المُوَكِّل، فكأنه (٣٠) صَدَرَ عن مُباشَرَتِه. وإن عَلَّقَ طَلَاقَها على فِعْلٍ من قِبَلِها، لم يَسْقُطْ مَهْرُها؛ لأنَّ السببَ وُجِد منه، وإنَّما هى حَقّقَتْ شَرْطَه، والحُكْمُ يُنْسَبُ إلى صاحبِ السَّبَبِ. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 5152

كتاب الوَلِيمة الوَلِيمةُ: اسمٌ للطَّعام فى العُرْسِ خاصَّةً، لا يقَعُ هذا الاسْمُ على غيرِه. كذلك حَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ عن ثَعْلَبٍ وغيرِه مِن أهلِ اللُّغةِ. وقال بعضُ الفقهاءِ مِن أصْحابِنا وغيرِهم: إنَّ (١) الوَلِيمةَ تقَعُ على كلِّ طعامٍ لسُرورٍ حادِثٍ، إلَّا أَنَّ اسْتعمالَها فى طعامِ العُرْسِ أكثرُ. وقَوْلُ أهلِ اللُّغةِ أقْوَى؛ لأنَّهم أهلُ اللِّسانِ، وهم أعْرفُ بمَوْضوعاتِ اللغةِ، وأعْلمُ بلسانِ العرب. والعَذِيرةُ: اسمٌ لدَعْوةِ الخِتَان، وتُسَمَّى الإِعْذار. والخُرْسُ والخُرْسَة: عندَ الوِلادةِ. والوَكِيرةُ: دَعْوةُ البِنَاء. يُقال: وكَّر وخَرَّس، مُشَدَّد. والنَّقيعةُ: عند قُدومِ الغائبِ، يقال: نَقَع، مُخفَّف. والعَقِيقَةُ: الذَّبْحُ لأجْلِ الوَلَدِ، قال الشاعر (٢): كلّ الطَّعامِ تَشْتَهِى رَبِيعَهْ الخُرْس والإِعْذار والنَّقِيعَهْ والحِذَاق: الطَّعامُ عند حِذَاقِ الصَّبِىِّ (٣). والمَأْدُبَةُ: اسمٌ لكلِّ دعوةٍ لسَبَبٍ كانتْ أو لغيرِ سَبَب. والآدِبُ: صاحِبُ المَأْدُبَةِ، قال الشاعر (٤): نحنُ فى الْمَشْتاةِ نَدْعُوا الْجَفَلى ... لا تَرَى الآدِبَ مِنَّا يَنْتَقِرْ والْجَفَلَى فى الدَّعْوةِ: أن يعُمَّ الناسَ بدَعْوتِه. والنَّقرَى: هو أن يَخُصَّ قومًا دون قومٍ.

стр. 5153

١٢١٧ - مسألة؛ قال: (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَزَوَّجَ أَنْ يُولِمَ وَلَوْ بِشَاةٍ) لا خلافَ بين أهلِ العلمِ فى أَنَّ الوَلِيمةَ سُنَّةٌ فى العُرْسِ مَشْروعةٌ؛ لما رُوِىَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمرَ بها وفَعَلَها. فقال لعبد الرحمن بن عَوْف، حين قال: تزَوَّجْتُ: "أوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ". وقال أنَسٌ: ما أوْلَمَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ علَى امرأةٍ من نِسَائِه ما أوْلَمَ على زَيْنَبَ، جعَل يبْعَثُنِى فأدْعُو له النَّاسَ، فأطْعَمَهم خُبْزًا ولحمًا حتى شَبِعُوا. وقال أنَسٌ: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ اصْطَفَى صَفِيَّةَ لنفسِه، فخرَج بها حتى بلَغ ثَنِيَّةَ الصَّهْباء (١)، فبَنَى بها، ثم صنَع حَيْسًا فى نِطْعٍ صَغِيرٍ (٢)، ثم قال: "ائْذَنْ لِمَنْ حَوْلَكَ". فكانتْ وَلِيمة رسولِ اللَّه ﷺ على صَفِيَّةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ (٣). ويُستحبُّ أنْ يُولِمَ بشَاةٍ، إنْ أمكنَه ذلك (٤)؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ لعبدِ الرحمنِ: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ". وقالَ أنسٌ: ما أوْلمَ النَّبِىُّ ﷺ على شىءٍ مِن نسائِه ما أولمَ على زينبَ، أوْلَمَ بِشَاةٍ. لفظُ البُخارِىِّ. فإنْ أوْلمَ بغيرِ هذا

стр. 5154

جَازَ؛ فقدْ أوْلَمَ النَّبِىُّ ﷺ على صَفِيَّةَ بحَيْسٍ، وأوْلَمَ على بعضِ نساِئه بِمُدَّيْنِ مِن شَعِيرٍ. رَواه البُخارِىُّ (٥). فصل: وليستْ واجبةً فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وقالَ بعضُ أصحابِ الشَّافعىِّ: هى واجبةٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمرَ بها عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ؛ لأنَّ الإِجابةَ إليها واجبةٌ؛ فكانتْ واجبةً. ولَنا، أنَّها طعامٌ لسُرورٍ حادثٍ؛ فَأشبَهَ سَائِرَ الأطعِمَةِ، الخبرُ محمولٌ على الاسْتِحْبابِ؛ بدليلِ ما ذكرناه، وكَوْنُه أمرَ بشاةٍ فلا (٦) خِلافَ فى أنَّها لا تجبُ، [وما ذكرُوه] (٧) مِن المعنى لا أصل له، ثم هو باطلٌ بالسَّلامِ، ليسَ بواجبٍ، وإجابةُ المُسَلِّمِ واجبةٌ. ١٢١٨ - مسألة؛ قال: (وَعَلَى مَنْ دُعِىَ أَنْ يُجِيبَ) قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: لا خلافَ فى وُجوبِ الإِجابةِ إلى الوَليمةِ لمَن دُعِىَ اليها، إذا لم يكنْ فيها لهوٌ. وبه يقولُ مالكٌ، والثَّوْرِىُّ (١)، والشَّافعىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه. ومن أصحابِ الشَّافعىِّ مَن قالَ: هى من فُروض الكِفَاياتِح لأنَّ الإِجابَة إكرامٌ ومُوالَاةٌ، فهى كردِّ السَّلامِ. ولَنا، ما رَوى ابنُ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إِذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ إلَى الْوَليمَةِ فَلْيَأْتِهَا". وفى لفظٍ قالَ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أَجِيْبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إذَا دُعِيْتُمْ إِلَيْهَا". وقال أبو هُرَيْرَةَ: شرُّ الطَّعامِ طعامُ الوليمةِ؛ يُدْعَى لها الأغنياءُ ويُتْرَكُ الفقراءُ، ومَن لم يُجبْ فقد عصَى اللَّه ورسولَه. رَواهُنَّ البخارىُّ (٢). وهذا عامٌّ، ومعنى قوله: شرُّ الطَّعام طَعامُ الوَليمةِ -واللَّهُ أعلمُ- أَىْ طعامُ الوَليمةِ التى يُدْعَى

стр. 5155

إليها الأغنياءُ ويُتْرَكُ الفقراءُ، ولم يُردْ أَنَّ كلَّ وليمةٍ طعامُها شَرُّ الطعامِ؛ فإنَّه لو أرادَ ذلك لَمَا أمرَ بها، ولا ندَبَ إليها، ولا أمرَ بالإِجابةِ اليها، ولا فَعَلَها؛ ولأنَّ الإِجابةَ تجِبُ بالدَّعوةِ، فكلُّ مَن دُعِىَ فقد وجَبتْ عليه الإِجابةُ. فصل: وإنَّما تجبُ الإِجابةُ على مَن عُيِّنَ بالدَّعوةِ، بأنْ يَدْعُوَ رجلًا بعينِه، أو جماعةً مُعيَّنِينَ. فإنْ دَعا الْجَفَلَى؛ بأنْ يقولَ: يا أيُّها النَّاسُ، أجِيبُوا إلى الوَليمةِ. أو يقولَ الرَّسولُ: أُمِرتُ أنْ أدْعُوَ كلَّ مَن لَقِيتُ، أو مَن شِئتُ. لم تَجبِ الإِجابةُ، ولم تُسْتَحَبَّ؛ لأنَّه لم يُعَيَّنْ بالدَّعوةِ، فلم تتَعيَّنْ عليه الإِجابةُ، ولأنَّه غيرُ مَنْصوصٍ عليه، ولا يحصُلُ كَسْرُ قلبِ الدَّاعِى بتَرْكِ إجابتِه، وتجوزُ الإِجابةُ بهذا؛ لدُخولِه فى عُمومِ الدُّعاءِ. فصل: وإذا صُنِعت الوَلِيمةُ أكثرَ مِن يومٍ، جازَ؛ فقد روَى الخَلَّالُ، بإسناده عن أُبَىٍّ، أنَّه أعْرَسَ ودَعَا الأنصارَ ثمانيةَ أيامٍ (٣). وإذا دُعِىَ فى اليومِ الأوَّلِ وجَبْت الإِجابةُ، وفى اليومِ الثانى تُستحبُّ الإِجابةُ، وفى اليومِ الثَّالثِ لا تُستحبُّ. قال أحمدُ: الأولُ

стр. 5156

يجبُ، والثَّانى إنْ أحبَّ، والثَّالثُ فلا. وهكذا مذهبُ الشَّافعىِّ. وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِى مَعْرُوْفٌ، والثَّالِثُ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ". رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، وغيرُهُما (٤). وقالَه سعيدُ بَنُ الْمُسَيَّبِ أيضًا. ودُعِىَ سعيدٌ إلى وليمةٍ مَرَّتيْنِ فأجابَ، فَدُعِىَ الثَّالثةَ، فحَصَبَ الرَّسولَ. روَاه أبو داودَ (٥)، والخَلَّالُ. فصل: والدُّعاءُ إلى الوَلِيمةِ إذنٌ فى الدُّخولِ والأكْلِ؛ بدليلِ ما رَوى أبو هُرَيْرةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ، فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَذَلِكَ إِذْنٌ لَهُ". رواه أبو داودَ (٦). وقال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودِ: إذا دُعيتَ فقد أُذِنَ لك. رواه الإِمامُ أحمدُ، بإسْنادِه (٧). فصل: فإنْ دعَاه ذِمِّىٌّ، فقال أصحابُنا: لا تجبُ إجابتُه؛ لأنَّ الإِجابةَ للمُسْلمِ للإِكرامِ والمُوَالاةِ وتأكيدِ المَوَدَّةِ والإِخاءِ، فلا تجبُ على المُسْلمِ للذِّمِّىِّ، ولأنَّه لا يأْمَنُ اخْتلاطَ طعامِهِمْ بالحَرامِ والنَّجَاسةِ، ولكنْ تجوزُ إجابَتُهُم؛ لما رَوَى أنسٌ، أنَّ يَهُوديًّا دعا النَّبِىَّ ﷺ إلى خُبْزِ شعيرٍ، وإهَالةٍ سَنِخَةٍ (٨)، فأجابَه. ذكَرَه الإِمامُ أحمدُ، فى "الزُّهدِ" (٩).

стр. 5157

فصل: فإنْ دَعاه رَجُلانِ، ولم يُمْكِن الجمعُ بينهما، وسبَقَ أحدُهُما، أجاب السَّابقَ؛ لأنَّ إجابتَه وجَبتْ حينَ دعاه، فلم يزُلِ الوُجوبُ بدُعاءِ الثَّانى، ولم تجبْ إجابةُ الثَّانى؛ لأنَّها غيرُ مُمْكِنَةٍ مع إجابةِ الأوَّلِ، فإن اسْتَوَيا، أجاب أقْرَبَهما منه بابًا؛ لما رَوى أبو داودَ (١٠)، بإسنادِه عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ، فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا؛ فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا، فَأَجِبِ الَّذِى سَبَقَ". ورَوَى البخارِىُّ (١١) يإسْنادِه عن عائشةَ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ لى جارَيْنِ، فإلى أيِّهِمَا أُهْدِى؟ قال: "أَقْرَبُهُمَا مِنْكِ بَابًا". ولأنَّ هذا مِن أبوابِ البِرِّ؛ فقُدِّمَ بهذه المعانى، [فإن اسْتَوَيا، أجابَ أقربَهُمَا رَحِمًا؛ لما فِيه مِن صِلَةِ الرَّحِمِ] (١٢)، فإنِ اسْتوَيا، أجاب أدْيَنهما، فإنِ اسْتَوَيا أقْرَعَ بينهما؛ لأنَّ القُرْعةَ تُعَيِّنُ المستحِقَّ عندَ اسْتِوَاءِ الحُقوقِ. ١٢١٩ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يَطْعَمَ، دَعَا وَانْصَرَفَ) وجملةُ ذلك أَنَّ الواجبَ الإِجابةُ إلى الدَّعوةِ؛ لأنَّها الذى أمَرَ به، وتوعَّدَ على تركِه، أمَّا الأَكْلُ فغيرُ واجبٍ، صائمًا كان أو مُفْطِرًا. نصَّ عليه أحمدُ. لكنْ إنْ كان المدعوُّ صائمًا صَوْمًا واجبًا أجاب، ولم يُفطِرْ؛ لأَنَّ الفِطْرَ غيرُ جائزٍ؛ فإِنَّ الصَّومَ واجبٌ، والأكلَ غيرُ واجبٍ، وقد رَوَى أبو هُرَيْرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دُعِىَ أحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ، وَإِنْ كَانَ مُفطِرًا فَلْيَطْعَمْ". رواه أبو داودَ (١)، وفى روايةٍ "فَلْيُصَلِّ". يعنى: يَدْعُو. ودُعِىَ ابنُ عمرَ إلى وليمةٍ، فحضَرَ ومدَّ يدَه

стр. 5158

وقال: بسم اللَّهِ، ثم قبضَ يدَه، وقال: كُلوا، فإنِّى صائمٌ (٢). وإِنْ كان صومًا تطَوُّعًا، استُحِبَّ له الأَكلُ؛ لأنَّ له الخُروجَ مِن الصَّومِ، فإذا كان فى الأكلِ إجابةُ أخيهِ المسلمِ، وإدخالُ السُّرورِ على قلبِه، كان أوْلى. وقد رُوِىَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان فى دَعْوةٍ، ومعه جماعةٌ، فاعتزلَ رجلٌ مِن القومِ ناحيةً، فقال: إنِّى صائمٌ، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ، وَتَكَلَّفَ لَكُمْ، كُلْ، ثُمَّ صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ إِنْ شِئْتَ" (٣)، وإِنْ أحبَّ إتْمامَ الصِّيامِ جازَ؛ لما رَوَيْنا مِن الخبرِ المتقدِّم، ولكنْ يدعو لهم، ويَتْرُكُ (٤)، ويُخْبرُهُمْ بصِيَامِه؛ ليعْلَمُوا عُذرَه، فتزولَ عنه التُّهْمَةُ فى تَرْكِ الأكلِ. وقد رَوى أبو حَفْصٍ، بإسْنادِه عن عثمانَ بن عفَّانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أجاب عبدَ المُغِيرةِ وهو صائمٌ، فقال: إنِّى صائمٌ، ولكنِّى أحْبَبْتُ أنْ أجيبَ الدَّاعىَ، فأدْعُوَ بالبركةِ. وعن عبدِ اللَّهِ قال: إذا عُرِضَ على أحَدِكُم الطَّعامُ وهو صائمٌ، فليقُلْ: إنِّى صائمٌ. وإِنْ كان مُفطِرًا، فالأَوْلَى له الأكلُ؛ لأنَّه أبلغُ فى إكْرامِ الدَّاعِى، وجَبْرِ قلبِه (٥). ولا يجبُ عليه ذلك. وقال أصحابُ الشَّافعىِّ: فيه وجهٌ آخرُ، أنَّه يلزمُه الأكلُ؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ". ولأنَّ المقصودَ منه الأكلُ، فكان واجبًا. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "إِذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ" (٦). حديثٌ

стр. 5159

صحيحٌ. ولأنَّه لو وجَبَ الأكلُ، لَوجبَ على المُتَطَوِّعِ بالصومِ، فلمَّا لم يَلْزمْه الأكلُ، لم يلزمْه إذا كان مُفْطِرًا. وقولُهم: المقصودُ الأكلُ. قُلْنا: بل المقصودُ الإِجابةُ، ولذلك وجبتْ على الصَّائمِ الذى لا يأكلُ. فصل: إذا دُعىَ إلى وَلِيمةٍ، فيها مَعْصِيَةٌ، كالخمرِ، والزَّمْرِ، والعُودِ ونحوِه، وأمْكنَه الإِنكارُ، وإزالةُ المُنْكَرِ، لَزِمَه الحضورُ والإِنكارُ؛ لأنَّه يُؤدِّى فَرْضَيْنِ؛ إجابةَ أخيه (٧) المسلمِ، وإزالةَ المُنْكَرِ. وإِنْ لم يقدِرْ على الإِنكارِ، لم يحضُرْ. وإِنْ لم يعْلَمْ بالمُنْكَرِ حتى حضرَ، أزالَه، فإنْ لم يَقْدِرْ انْصَرفَ. ونحو هذا قال الشَّافعىُّ. وقال مالك: أمَّا اللَّهوُ الخَفِيفُ، كالدُّفِّ والكَبَرِ (٨)، فلا يرجعُ. وقالَه ابنُ القاسمِ. وقال أصْبَغُ: أررى أنْ يَرْجِعَ؛ وقال أبو حنيفةَ: إذا وجدَ اللَّعِبَ، فلا بأسَ أنْ يقْعُدَ فيأْكُلَ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إنْ كان مِمَّن يُقتَدَى به، فأحَبُّ إلىَّ أنْ يَخْرُجَ. وقال اللَّيْثُ: إذا كان فيها الضَّربُ بالعُودِ، فلا ينْبَغِى له أنْ يشْهَدَها. والأصلُ فى هذا ما رَوى سَفِينَةُ أنَّ رجلًا أضافَه علىٌّ، فصنَعَ له طَعامًا، فقالتْ فاطمةُ: لو دعَوْنا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فأكلَ معنا؟ فدعَوْه، فجاءَ. فوضَعَ يدَه على عِضَادَتَى البَابِ، فرأى قِرَامًا فى ناحيةِ البيتِ، فرجعَ، فقالت فاطمةُ لعلىٍّ: الحَقْه، فقلْ له: ما رَجَعَك (٩) يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال (١٠): "إنَّهُ لَيْسَ لِى أَنْ أَدْخُلَ بيتًا مُزَوَّقًا" (١١). حديثٌ حسنٌ. ورَوى أبو حفصٍ، بإسْناده. أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ" (١٢). وعن نافعٍ، قال: كنتُ أسيرُ معَ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، فسَمِعَ

стр. 5160

زَمَّارَةَ راعٍ، فوضعَ أُصْبُعَيْهِ فى أُذْنَيْهِ، ثمَّ عدَلَ عن الطَّريقِ، فلم يزَلْ لِقول: يا نافعُ، أتسمعُ؟ حتى قلتُ: لا. فأخرجَ أُصْبُعَيْهِ من (١٣) أُذُنَيْهِ، ثم رجعَ إلى الطريقِ، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ صنَعَ. رَواه أبو داودَ (١٤)، والخَلَّالُ. ولأنَّه يُشاهِدُ المُنْكَرَ ويسمعُه، مِن غيرِ حاجةٍ إلى ذلك، فمُنِعَ منه، كما لو قدَر على إزالتِه. ويُفارِقُ مَن له جاز مقيمٌ على المنكرِ والزَّمْرِ، حيث يُباحُ له المُقَامُ، فإِنَّ تلك حالُ حاجةٍ؛ لما فى الخُروجِ مِن المنزلِ مِن الضَّررِ. فصل: فإنْ رَأى نُقُوشًا، وصُوَرَ شَجَرٍ، ونحوَها، فلا بأسَ بذلك؛ لأنَّ تلك نقوشٌ، فهى (١٥) كالعَلَمِ فى الثَّوبِ (١٦). وإِنْ كانت فيه صُوَرُ حَيَوانٍ، فى موضع يُوطَأُ أو يُتَّكَأُ عليها، كالتى فى البُسُطِ، والوَسائدِ، جازَ أيضًا. وإِنْ كانت على السُّتُورِ والحيطانِ، وما لا يُوطأُ، وأمكنَه حَطُّها، أو قطْعُ رُءوسِها، فعَلَ وجلَسَ، وإِنْ لم يُمْكِنْ ذلك، انصرفَ ولم يجلسْ؛ وعلى هذا أكثرُ أهلِ العلْمِ، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا أعْدَلُ المذاهبِ. وحكاه عن سعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، وسالمٍ، وعُروةَ، وابنِ سِيرينَ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ بنِ خالدٍ، وعِكْرِمَةَ مولى ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ، وكان أبو هُرَيْرةَ يكرهُ التَّصَاويرَ، ما نُصِبَ منها وما بُسطَ. وكذلك مالكٌ، إلَّا أنَّه كان يكرهُها تَنَزُّهًا (١٧)، ولا يراها مُحرَّمةً. ولعلَّهُم يذهبونَ إلى عُمومِ قولِ النَّبِىِّ ﷺ : "إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ". مُتَّفَقٌ عليه (١٨). ورُوِىَ عن ابنِ

стр. 5161

مسعودٍ، أنَّه دُعىَ إلى طعامٍ، فلمَّا قيلَ له: إِنَّ فى البيتِ صُورةً. أبَى أَنْ يذهبَ حتى كُسِرتْ (١٩). ولَنا، ما رَوتْ عائشةُ، قالتْ: قَدِمَ النَّبىُّ ﷺ من سَفَرٍ، وقد سَتَرْتُ لِى سَهْوَةً (٢٠) بنَمَطٍ فيه تَصاويرُ، فلمَّا رآه قال: "أَتَسْتُرِينَ الخِدْرَ بِسِتْرٍ فِيه تصاويرُ؟ " فَهَتَكَهُ. قالتْ: فجعلتُ منه مُنْتَبَذَتَيْنِ (٢١)، كأنِّى أنْظُرُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا على إِحداهُمَا. رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ (٢٢). ولأنَّها إذا كانتْ تُداسُ وتُبْتَذَلُ، لم تكُنْ مُعزَّزةً ولا مُعظَّمةً، فلا تُشْبِهُ الأصْنامَ التى تُعبدُ وتُتّخذُ آلهةَ، فلا تُكرَهُ (٢٣). وما رَوَيناه أخصُّ ممَّا رَوَوه، وقد رُوى عن أبى طلحةَ. أنَّه قيلَ له: ألم يقُلِ النَّبِىُّ ﷺ : "لا تَدْخُل الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيْهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ"؟ قال: أَلَم تَسْمعْه قال: "إِلَّا رَقْمًا فى ثَوْبٍ"؟ مُتَّفَقٌ عليه (٢٤). وهو مَحْمُولٌ على ما ذكَرناه مِن أَنَّ المُباحَ ما كان مَبْسُوطًا، والمَكْرُوهَ منه ما

стр. 5162

كان مُعلَّقًا، بدليلِ حديثِ عائشةَ. فصل: فإنْ قَطَعَ رأسَ الصُّورةِ، ذهَبتِ الكَراهةُ. قال ابنُ عباسٍ: الصُّورةُ الرأسُ، فإذا قُطِعَ الرأسُ فليسَ بصورةٍ (٢٥). وحُكىَ ذلك عن عِكْرمَةَ. وقد رُوىَ عن أبى هُرَيْرَة، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَانِى جِبْرِيْلُ، فَقَالَ: أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ، فَلَمْ يَمْنَعْنِى أَنْ أَكُوْنَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَابِ تَماِثيلُ، وَكَانَ فى البَيْتِ سِترٌ فِيْهِ تَمَاِثيلُ، وَكَانَ فى الْبَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِى عَلَى [بَابِ الْبَيْتِ] (٢٦) فيُقطَعُ، فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ (٢٧)، ومُرْ بِالسِّتْرِ فَلْتُقْطَع مِنْهُ وسَادَتَانِ مَنْبُوْذَتَانِ تُوْطَآنِ، وَمُرْ بِالكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ"، فَفَعَلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ (٢٨). وإِنْ قطعَ منه ما لا يبْقَى الحيوانُ بعدَ ذَهابه، كصَدْرِه أو بَطْنِه، أو جُعِلَ له رأسٌ مُنْفصِلٌ عن بدَنِه، لم يدْخُلْ تحتَ النَّهْى؛ لأَنَّ الصُّورةَ لا تَبْقَى بعد ذَهابِه، فهو كقَطْعِ الرَّأْسِ. وإنْ كان الذَّاهبُ يَبْقَى الحيوانُ بعدَه، كالعَيْنِ واليَدِ والرِّجلِ، فهو صورةٌ داخلةٌ تحتَ النَّهْى. وكذلك إذا كان فى ابتداءِ التَّصوير (٢٩) صورةُ بدنٍ بلا رَأسٍ، أو رَأْسٍ بلا بَدَنٍ، أو جُعلَ له رأسٌ وسائرُ بدنِه صورةُ غيرِ حيوانٍ، لم يدخُلْ فى النَّهى؛ لأنَّ ذلك ليسَ بصُورةِ حيوانٍ.

стр. 5163

فصل: وصَنْعَةُ التَّصاويرِ مُحَرَّمةٌ على فاعلِها؛ لما رَوى ابنُ عمرَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الَّذِينَ يَصْنَعُوْنَ هَذِهِ الصُّوَرَ (٣٠) يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوْا مَا خَلَقْتُمْ". وعن مَسْرُوقٍ قال: دخلْنا معَ عبدِ اللَّهِ بيتًا فيه تماثيلُ، فقال لتمثالٍ منها: تمثالُ مَنْ هذا؟ قالوا: تمثالُ مريمَ، قال عبدُ اللَّهِ: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ". مُتَّفَقٌ عليهما (٣١)، والأمرُ بعَملِه مُحَرَّمٌ. كعَمَلِه. فصل: فأمَّا دخولُ مَنْزلٍ فيه صورةٌ، فليسَ بمُحَرَّمٍ، وإنَّما أبيحَ تَرْكُ الدَّعوةِ مِن أجلِه عُقوبةً للدَّاعى، بإسْقاطِ حُرْمَتِه؛ لإِيجادِه المنكرَ فى دارِه. ولا يجبُ على مَن رآه فى منزلِ الدَّاعِى الخروجُ، فى ظاهرِ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال، فى روايةِ الفضْلِ [بن زياد] (٣٢)، إذا رأَى صُوَرًا على السِّترِ، لم يكُنْ رآها حين دخلَ؟ قال: هو أسْهَلُ مِن أن يكُونَ على الجدارِ. قيلَ له (٣٣): فإنْ لم يَرَه إلَّا عندَ وَضْعِ الخِوَانِ بينَ أيديهِمْ، أيخرجُ؟ فقال: لا تُضَيِّقْ علينا، ولكنْ إذا رأَى هذا وبَّخهُمْ ونَهاهُمْ. يعنى لا يخرجُ. وهذا مذهبُ مالكٍ؛ فإنَّه كان يكْرَهُها تنزُّهًا، ولا يَراها مُحَرَّمةً. وقال أكثرُ أصْحابِ الشَّافعىِّ: إذا كانت الصُّوَرُ على السُّتُورِ، أو ما ليسَ بمَوْطوءٍ، لم يجُزْ له الدُّخولُ؛ لأنَّ الملائكةَ لا تدْخُلُه، ولأنَّه لو لم يكُنْ مُحَرَّمًا، لَمَا جازَ تَرْكُ الدَّعوةِ الواجبةِ مِن أجْلِه. ولَنا، ما رُوِىَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ

стр. 5164

دخلَ الكَعْبةَ، فرأَى فيها صُورةَ إبراهيمَ وإسماعيلَ يسْتَقْسِمانِ بالأَزْلَام، فقال: "قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، لَقَدْ عَلِمُوا أنَّهُمَا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطٌّ". رَواه أبو داودَ (٣٤). وما ذَكْرَنا مِن خَبرِ عبدِ اللَّهِ أنَّه دخلَ بيتًا فيه تماثيلُ، وفى شُروطِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه على أهلِ الذِّمَّةِ: أَنْ يُوَسِّعوا أَبوابَ كنائسِهِمْ وبِيَعِهم، ليَدْخُلَها المسلمونَ للمَبِيتِ بها، والمارَّةُ بدَوابِّهِم، ورَوَى ابنُ عَائذٍ (٣٥) فى "فُتوحِ الشَّام"، أَنَّ النَّصارَى صَنَعُوا لعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حين قدِمَ الشامَ، طعامًا، فدعَوْه، فقال: أين هو؟ قالوا: فى الكنيسةِ، فأبى أَنْ يذهبَ، وقال لعلىٍّ: امْضِ بالنَّاس، فليتَغَدُّوا. فذهبَ علىٌّ، رضىَ اللَّه عنه، بالنَّاسِ، فدخلَ الكنيسةَ، وتغذَّى هو والمسلمونَ، ليجعلَ علىٌّ ينظُر إلى الصُّوَرِ، وقال: ما على أميرِ المؤمنينَ لو دخلَ فأكلَ (٣٦)! وهذا اتفاقٌ منهُمْ على إباحةِ دخولِها وفيها الصُّور (٣٧)، ولأنَّ دخولَ الكنائسِ والبِيَعِ غيرُ مُحرَّمٍ، فكذلك المنازلُ التى فيها الصُّوَرُ، وكَوْنُ الملائكةِ لا تدْخُلُه لا يُوجبُ تحريمَ دُخولِه علينا، كما لو كان فيه كلبٌ، ولا يحْرُمُ علينا صُحْبةُ رُفْقةٍ فييه جَرَسٌ، مع أَنَّ الملائكَة لا تصحَبُهم، وإنَّما أُبيحَ تَرْكُ الدَّعوةِ مِن أجْلِه عُقوبةً لفاعلِه، وزجرًا له (٣٨) عن فعلِه، واللَّهُ أعلمُ. فصل: فأمَّا سَتْرُ الحِيطَانِ بسُتورٍ غيرِ مُصَوَّرةٍ؛ فإنْ كان لحاجةٍ مِن وِقَايةِ حَرٍّ أو بَرْدٍ، فلا بأسَ بِه؛ لأنَّه يسْتَعْمِلُه فى حاجتِه، فأشبَهَ السِّتْرَ. على البابِ، وما يلْبَسُه على بدنِه، وإِنْ كان لغيرِ حاجةٍ، فهو مَكْرُوهٌ، وعُذْرٌ فى الرُّجُوعِ عن الدَّعوةِ وتركِ

стр. 5165

الإِجابةِ، بدليلِ ما رَوى سالمُ بن عبدِ اللَّه بن عمرَ، قال: أعْرَسْتُ فى عَهْدِ أبى، فآذَنَ أبى النَّاسَ، فكان أبو أيُّوبَ فى مَن آذَنًّا (٣٩)، وقد سَتَرُوا بيتى بِنِجَادٍ (٤٠) أخضرَ، فأقبلَ أبو أيُّوبَ مُسْرِعًا، فاطَّلَعَ، فرأى البيتَ مُستَتِرًا (٤١) بِنجَادٍ (٤٠) أخضرَ، فقال: يا عبدَ اللَّه أتسْتُرون الجُدُرَ؟ فقال أبى، واسْتَحْيَى: غلبتْنا النِّساءُ (٤٢) يا أبا أيُّوبَ. فقال: مَنْ خَشِيتُ. أن [يَغْلِبَه النِّساءُ] (٤٣)، فلم أخشَ أَنْ يغْلِبْنَك. ثم قال: لا أطْعَمُ لكم طعامًا، ولا أدْخُلُ لكم بَيْتًا، ثم خرجَ. رَواه الأَثْرَمُ (٤٤). ورُوِىَ عن عبدِ اللَّه بن يزيدَ الخَطْمِىِّ، أنَّه دُعِىَ إلى طعامٍ، فرأى البيتَ مُنَجَّدًا، فقعدَ خارجًا وبَكَى، قيلَ له: ما يُبكيك؟ قال: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ رَأى رجلًا قد رقَّعَ بردةً له بِقطعةِ أَدَمٍ، فقال: "تطَالَعَتْ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا". ثلاثًا، ثم قال: "أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ أَمْ إِذَا غَدَتْ عَلَيْكُمْ قَصْعَةٌ وَرَاحَتْ أُخْرَى، وَيَغْدُو أَحَدُكُمْ فِى حُلَّةٍ وَيَرُوحُ فِى أُخْرَى، وَتَسْتُرُونَ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ (٤٥) الْكَعْبَةُ؟ ". قال عبدُ اللَّهِ: أفَلا أبْكى، وقد بَقِيْتُ حتى رأيتُكمْ تسْتُرونَ بيوتَكم كما تُسْتَرُ الكعبةُ (٤٦)؟ . وقد رَوَى الخلَّالُ، بإسنادِه عن ابن عباسٍ، وعلىِّ بن الحسينِ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُسْتَرَ الْجُدُرُ (٤٧). ورَوت عائشةُ، أَنَّ النَّبِىِّ ﷺ لم يأمُرْ

стр. 5166

فيما رُزِقْنَا أَنْ نَسْتُرَ الجُدُرَ (٤٨). إذا ثبتَ هذا، فإنَّ ستْرَ الحيطانِ مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ؛ إذ لم يثبتْ فى تَحْريمِه دليلٌ، وقد فعلَه ابنُ عمرَ، وفُعلَ فى زَمنِ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، وإنَّما كُرِهَ لما فيه من السَّرَفِ، كالزِّيادةِ فى المَلْبوسِ، [والسَّرَفِ فى المأكولِ] (٤٩). وقد قيلَ: هو مُحَرَّمٌ؛ للنَّهْى عنه. والأوَّلُ أوْلَى؛ فإنَّ النَّهْىَ لم يثْبُتْ، ولو ثبتَ يُحْمَلُ (٥٠) على الكراهةِ؛ لما ذكَرْنَاه. فصل: وسُئلَ أحمدُ عن السُّتُورِ فيها القرآنُ؟ فقال: لا يَنْبَغِى أَنْ يكونَ شيئًا مُعلَّقًا فيه القرآنُ، يُستهانُ به، ويُمْسَحُ به. قيل له: فيُقْلَعُ؟ فكَرِهَ أن يُقلعَ القرآنُ، وقال: إذا كان سِتْرٌ فيه ذِكرُ اللَّهِ تعالى، فلا بأسَ به (٥١). وكَرِهَ أن يُشْترَى الثَّوبُ فيه ذِكْرُ اللَّهِ، ممَّا يُجلَسُ عليه أو يُداسُ. فصل: قيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَكْتَرِى البيتَ فيه تصاويرُ، تَرَى أَنْ يحُكَّها؟ قال: نعم. قال الْمَرُّوذِىُّ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: دخلتُ حمَّامًا، فرأيتُ صورةً، أتَرَى أَنْ أحُكَّ الرَّأسَ؟ قال: نعم. إنَّما جازَ ذلك لأنَّ اتَّخاذَ الصُّورةِ مُنْكَرٌ، فجازَ تغييرُها، كآلةِ اللَّهوِ والصَّليبِ، والصَّنَمِ، ويُتلَفُ منها ما يُخرِجُها عن حَدِّ الصُّورةِ، كالرَّأس ونحوِه؛ لأنَّ ذلك يكْفِى. قال أحمدُ: ولا بأسَ باللُّعَبِ ما لم تكُنْ صورةً؛ لما رُوِىَ عن عائشةَ، قالت: دخلَ علَىَّ رسولُ اللَّه ﷺ وأنا ألْعَبُ باللُّعَبِ، فقال: "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ ". فقلتُ: هذه خَيْلُ سليمانَ. فجعلَ يضحكُ. [رَواه مُسْلِمٌ بنَحْوِه] (٥٢). فصل: والدُّفُّ ليسَ بمُنْكَرٍ؛ لما ذكَرنا من الأحاديثِ فيه، وأمرَ النَّبىُّ ﷺ به فى

стр. 5167

النِّكاحِ (٥٣). ورَوت عائشةُ؛ أَنَّ أبا بكرٍ دخلَ عليها وعندَها جارِيَتانِ فى أيَّام مِنًى تَدُفَّانِ وتضْرِبَانِ، والنَّبِىُّ ﷺ مُتَغشٍّ بثَوْبِه، فانْتَهرَهُمَا أبو بكرٍ، فكَشَفَ النَّبِىُّ ﷺ عن وَجْهِه، فقال: "دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيامُ عِيْدٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٥٤). فصل: واتِّخاذُ آنِيَةِ الذَّهبِ والفِضَّةِ مُحَرَّمٌ، فإذا رآه المَدْعُوُّ فى منزلِ الدَّاعِى، فهو مُنْكَرٌ يخْرُجُ مِن أجْلِه. وكذلك ما كان مِن الفضَّةِ مُسْتَعْمَلًا كالمُكْحُلَةِ ونحوها. قال الأَثْرَمُ: سُئلَ أحمدُ: إذا رَأى حَلْقَةَ مِرآةٍ فِضَّةً، ورأسَ مُكْحَلَةٍ، يخْرُجُ مِن ذلك؟ فقالَ: هذا تأويلٌ تأوَّلْتُه، وأمَّا الآنِيَةُ نفسُها فليسَ فيها شَكٌّ. وقال: ما لا يُسْتعْمَلُ فهو أسْهَلُ، مِثلُ الضَّبَّةِ فى السِّكِّينِ والقَدَحِ؛ وذلك لأنَّ رُؤْيةَ المُنْكَرِ كسَماعِه، فكما لا يجلسُ فى مَوْضِعٍ يسْمعُ فيه صوتَ الزَّمْرِ، لا يجلسُ فى موضِعٍ يَرَى فيه مَنْ يشربُ الخمرَ وغيرَه مِن المنكرِ. فصل: وإِنْ علمَ أَنَّ عندَ أهلِ الوَلِيمةِ مُنْكرًا، لا يَراهُ ولا يسْمَعُه، لِكَوْنِه بمَعْزِلٍ عن مَوْضِعِ الطَّعامِ، أو يخفُونَه وقتَ حُضُورِه، فلَه أَنْ يحضُرَ ويأكلَ. نصَّ عليه أحمدُ، وله الامْتِناعُ مِن الحضُورِ (٥٥) فى ظاهرِ كلامِه؛ فإنَّه سُئل عن الرَّجلِ يُدْعَى إلى الخِتَانِ أو العُرْسِ، وعندَه المُخنَّثُونَ، فيدعُونَه (٥٦) بعدَ ذلك بيومٍ أو ساعةٍ، وليسَ عندَه أولئك؟ قال: أرْجُو أَنْ لا يأثمَ إنْ لم يُجِبْ، وإِنْ أجابَ فأرجو أَنْ لا يكُونَ آثمًا. فأسقطَ الوُجوبَ؛ لإسقاطِ الدَّاعِى حُرْمةَ نفسِه باتِّخاذِ المنكرِ، ولم يَمْنَعِ الإِجابةَ؛ لكَوْنِ

стр. 5168

المُجيبِ لا يَرى مُنْكَرًا ولا يسْمَعُه. وقال أحمدُ: إنَّما تجبُ الإِجابةُ اذا كان المَكْسَبُ طيِّبًا، ولم يَر مُنْكَرًا. فعَلَى قوله هذا، لا تجبُ إجابةُ مَنْ طعامُه مِن مَكسَبٍ خَبِيثٍ؛ لأنَّ اتِّخاذَه منكرٌ، والأكلَ منه منكرٌ، فهو أوْلَى بالامْتِناعِ، وإن حضرَ لم يسُغْ له (٥٧) الأكلُ منه. ١٢٢٠ - مسألة؛ قال: (وَدَعْوَةُ الْخِتَانِ لَا يَعْرِفُها الْمُتَقَدِّمُونَ، وَلَا عَلَى مَنْ دُعِىَ إِلَيْهَا أَنْ يُجِيبَ، وَإِنَّمَا وَرَدَتِ السُّنَّةُ فِى إِجَابَةِ مَنْ دُعِىَ إِلَى وَليمَةِ تَزْوِيج (١)) يعنى بالمُتقدِّمين أصحابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ الَّذينَ يُقتدى بِهم؛ وذلك لما رُوِىَ أَنَّ عثمانَ بنَ أبى العاصِ، دُعىَ إلى خِتانٍ، فأبَى أَنْ يُجيبَ، فقيلَ له؟ فقال: إنَّا كنَّا لا نَأْتِى الخِتَانَ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ولا نُدْعَى إليه. رواه الإِمامُ أحمدُ بإسنادِه (٢) إذا ثبتَ هذا، فحُكْمُ الدَّعوةِ للخِتَانِ وسائرِ الدَّعواتِ غيرِ الوَليمةِ أنَّها مُستَحَبَّةٌ؛ لما فيها مِن إطْعام الطَّعامِ، والإِجابةُ اليها مُستحَبَّةٌ غيرُ واجبةٍ. وهذا قولُ مالكٍ، والشَّافعىِّ، وأبى حنيفةَ وأصحابه. وقال العَنْبَرىُّ: تجبُ اجابةُ كلِّ دَعْوةٍ؛ لعُمومِ الأمْرِ به. فإنَّ ابنَ عمرَ رَوَى عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْهُ، عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عُرْسٍ". أَخْرَجه أبو داودَ (٣). ولَنا، أَنَّ الصَّحيح مِن السُّنَّةِ إنَّما وردَ فى إجابةِ الدَّاعى إلى الوَلِيمةِ، وهى الطَّعامُ فى العُرْسِ خاصَّةً، كذلك قال الخليلُ، وثعلبٌ، وغيرُهما مِن أهلِ اللُّغةِ. وقد صرَّحَ بذلك فى بعض رِوَاياتِ ابنِ عمرَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أنَّه قال: "إِذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيْمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ". رَواه ابن ماجه (٤). وقال عثمانُ بنُ

стр. 5169

أبى العاصِ: كُنَّا لا نَأْتِى الخِتَانَ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولا نُدْعَى إليه. ولأنَّ التَّزويجَ يُسْتحَبُّ إعلانُه، وكثرةُ الجَمْعِ فيه، والتَّصويتُ، والضَّربُ بالدُّفِّ، بخلافِ غيرِه. فأمَّا الأمرُ بالإِجابةِ إلى غيرِه، فمَحْمُولٌ على (٥) الاسْتِحْبابِ؛ بدليلِ أنَّه لم يَخُصَّ به دعوةً ذاتَ سَبَبٍ دونَ غيرِها، وإجابةُ كلِّ داعٍ مُسْتحبَّةٌ لهذا الخبرِ، ولأنَّ فيه جبرَ قلبِ الدَّاعى، وتطْييبَ قلبِه، وقد دُعى أحمدُ إلى خِتَانٍ، فأجابَ وأكلَ. فأمَّا الدعوةُ فى حقِّ فاعلِها، فليستْ لها فضيلةٌ تخْتصُّ بها؛ لعَدم ورُودِ الشَّرْعِ بها، ولكنْ هى بمنزلةِ الدَّعوةِ لغيرِ سببٍ حادثٍ، فإذا قَصدَ فاعلُها شُكْرَ نِعْمةِ اللَّهِ عليه، وإطْعامَ إخْوانِه، وبَذْلَ طعامِه، فله أجرُ ذلك، إنْ شاءَ اللَّه تعالى. ١٢٢١ - مسألة؛ قال: (والنِّثَارُ مَكْرُوْهٌ؛ لأَنَّهُ شِبهُ النُّهْبَةِ، وَقَدْ يَأْخُذُهُ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَى صَاحِبِ النِّثَارِ مِنْهُ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فى النِّثَارِ والْتقاطِه؛ فرُوىَ أَنَّ ذلك مكروهٌ فى العُرْس وغيرِه. ورُوِىَ ذلك عن أبى مسعودٍ البَدْرىِّ، وعِكرِمةَ، وابنِ سِيرينَ، وعَطاءٍ، وعبدِ اللَّهِ بن يَزِيد (١) الْخَطْمِىِّ، وطلحةَ، وزُبَيْدٍ الْيَامِىِّ (٢). وبه قال مالكٌ، والشَّافعىُّ. ورُوى عن أحمدَ، روايةٌ ثانيةٌ: ليسَ بمكروهٍ. اخْتارها أبو بكرٍ. وهو قولُ الحَسَنِ، وقَتَادَة، والنَّخَعىِّ، وأبى حنيفةَ، وأبى عُبَيْدٍ، وابن المُنْذِرِ، لِمَا رَوى عبدُ اللَّهِ بنُ قُرْطٍ، قال: قُرِّبَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسُ بَدَناتٍ أو سِتٌّ، فطَفِقْنَ يَزْدَلِفنَ إليه بِأَيَّتِهِنَّ يبدأُ، فنَحَرها رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وقال كلمةً لم أسمعْها، فسألتُ مَن قَرُبَ منه، فقال: قال:

стр. 5170

"مَنْ شَاءَ اقْتَطعَ". رواه أبو داودَ (٣). وهذا جارٍ مَجْرَى النِّثارِ، وقد رُوِىَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ دُعِىَ إلى وَلِيمةِ رجلٍ مِن الأنصارِ، ثمْ أُتُوا بنَهْبٍ فأُنهِبَ عليه. قال الرَّاوى: ونظرتُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ يُزَاحِمُ النَّاسَ ويَحْثُو (٤) ذلك. قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أو مَا نَهَيْتَنا عن النُّهْبَةِ؟ فال: "نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَةِ الْعَسَاكِرِ" (٥). ولأنَّه نوعُ إباحةٍ فأشبَهَ إباحةَ الطَّعامِ للضِّيفَانِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا تَحِلُّ النُّهْبَى (٦) وَالْمُثْلَةُ". روَاه البُخارِىُّ (٧). وفى لفظٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن النُّهْبَى وَالْمُثلَةِ. ولأنَّ فيه نَهْبًا، وتَزاحُما، وقِتالًا، ورُبَّما أخَذَه مَن يَكْرَهُ صاحِبُ النِّثارِ، لحِرْصِه وشَرَهِه ودَناءةِ نفْسِه، ويُحْرَمُه مَن يُحِبُّ صاحبُه؛ لمُروءتِه وصِيَانةِ نفسِه وعِرْضِه، والغَالِبُ هذا، فإنَّ أهلَ المُروآتِ يصُونونَ أنفسَهُمْ عن مُزَاحمةِ سَفِلَةِ النَّاسِ على شىءٍ مِن الطَّعامِ أو غيرِه، ولأنَّ فى هذا دَناءةً، واللَّه يحبُّ مَعالِىَ الأمورِ، ويَكْرَهُ سَفْسَافَها. فأمَّا خبرُ البَدَنَاتِ؛ فيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبىَّ ﷺ علمَ أنَّه لا نُهْبةَ فى ذلك؛ لكَثْرةِ اللَّحْمِ، وقِلَّةِ الآخذِيْنَ، أو فعَلَ ذلك لاشْتغالِه بالمَناسِك عن تَفْريقِها. وفى الجملةِ، فالخلافُ إنَّما هو فى كَراهِيَةِ ذلك، وأمَّا إباحتُه (٨) فلا خلافَ فيها، ولا فى الالْتِقاطِ؛ لأنَّه نَوْعُ إباحةٍ لمالِه، فأشْبَهَ سائرَ الإِباحاتِ.

стр. 5171

١٢٢٢ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ قَسَمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ، فَلَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ) كذا رُوِىَ عن أبى عبدِ اللَّه، ﵀، أَنَّ بعضَ أولادِه حَذَقَ (١)، فقَسَمَ على الصِّبْيَانِ الجَوْزَ. أمَّا إذا قسَمَ على الحاضرِينَ ما يُنثَرُ مِثل اللَّوْزِ، والسُّكَّرِ، وغيرِه، فلا خلافَ فى (٢) أَنَّ ذلك حَسَنٌ، غيرُ مكروهٍ. وقد رُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قسم النَّبِىُّ ﷺ يومًا بينَ أصحابِه تمرًا، فأعْطى كلَّ إنسانٍ سبْعَ تَمَرَاتٍ، فأعْطانِى سبعَ تَمَرَاتٍ إحداهُنَّ حَشَفَةٌ، لم يَكُنْ فِيهِنَّ (٢) تمرةٌ أعجبَ إلىَّ منها، شَدَّتْ [فى مَضَاغِى] (٣). رَوَاه البُخارِىُّ (٤). وكذلك إنْ وضعَه بينَ أيْديهم، وأذِنَ لهم فى أخْذِه على وَجْهٍ لا يقعُ تَنَاهُبٌ، فلا يُكْرَهُ أيضًا. قال المَرُّوذِىُّ: سألتُ أبا عبدِ اللَّه عن الجوْزِ يُنْثَرُ؟ فكَرِهَه، وقال: يُعْطَوْنَ فيُقْسَمُ (٥) عليهم. وقال محمّدُ بنُ علىِّ بنِ بحرٍ: سمعتُ حُسْنَ (٦) أمَّ وَلَدِ أحمد بنِ حَنْبَلٍ، تقول: لما حَذَقَ ابنِى حسَن، قال لى مَوْلاىَ: حُسْنُ، لا تَنْثُرِى (٧) عليه. فاشترى تمرًا وجَوْزًا، فأرسلَه إلى المُعَلِّم، قالتْ: وعمِلْتُ أنا عَصِيدَةً، وأطْعَمْتُ الفقراءَ، فقال: أحْسَنْتِ أحسنتِ. وفرَّق أبو عبدِ اللَّهِ على الصِّبْيانِ الجوْزَ، لكلِّ واحدٍ خمسةٌ خمسةٌ. فصل: ومَن حصَل فى حِجْرِه شىءٌ مِن النِّثَارِ، فهوَ له، غيرُ مَكْرُوهٍ؛ لأنَّه مُباحٌ حصَل فى حِجْرِه فمَلَكه، كما لو وثَبتْ سمكةٌ مِن البَحْرِ فوقَعتْ فى حِجْرِه، وليسَ لأحدٍ أن يأخُذَه مِن حِجْرِهِ؛ لما ذكرْنَاه.

стр. 5172

فصل: ولا بأسَ أن يخْلِط المُسافرون أزْوَادَهم (٨) ويأكلونَ جميعًا. وإِنْ أكلَ بعضُهم أكثرَ مِن بعضٍ، فلا بأسَ. وقد كان السَّلفُ يتَناهَدُون (٩) فى الغَزْوِ والحَجِّ. ويُفارِقُ النِّثارَ؛ فإنَّه يُؤخذُ بِنَهْبٍ وتَسَالُبٍ وتَجاذبٍ، بخلافِ هذا. فصل: فى آدابِ الطعامِ. يُسْتَحبُّ غَسْلُ اليَدَيْنِ (١٠) قبلَ الطَّعامِ وبعدَه، وإِنْ كان على وُضُوءٍ. [قال المَرُّوذِىُّ: رأيتُ أبا عبدِ اللَّه يغْسِلُ يدَيْه قبلَ الطَّعامِ وبعدَه، وإِنْ كان على وُضوءٍ] (١١). وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُكْثِرَ اللَّهُ (١٢) خَيْرَ بَيْتِهِ، فَلْيَتَوَضَّأْ إِذَا حَضَرَ غَداؤُهُ، وَإِذَا رُفِعَ". رَواه ابنُ مَاجه (١٣). ورَوَى أبو بكرٍ، بإسْنادِه عن الحسنِ [بن علىٍّ] (١٤) أن (١٥) النَّبىَّ ﷺ (١٦) قال: "الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِى الْفَقْرَ، وَبَعْدَهُ يَنفِى اللَّمَمَ" (١٧). يعنى به غَسْلَ اليدَيْنِ. وقال النَّبىُّ ﷺ : "مَنْ نَامَ وَفِى يَدِهِ رِيْحُ غَمَرٍ (١٨)، فَأَصَابَهُ شَىْءٌ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ". رَواه أبو داودَ (١٩). ولا بأسَ بتَرْكِ الْوضوءِ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خرجَ مِن

стр. 5173

الغائطِ، فأُتِىَ بطَعامٍ، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ألا آتيك بوَضوءٍ؟ قال (٢٠): "أُرِيِدُ الصَّلَاة؟ " رَوَاه ابنُ ماجَه (٢١). وعن جابرٍ قال: أقبلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مِن شِعْبِ الجَبَلِ، وقد قضَى حاجتَه، وبين أيدِينا تَمْرٌ عَلَى تُرْسٍ أو حَجَفَةٍ (٢٢)، فدَعَوْنَاه فأكلَ معنا، وما مَسَّ ماءً. رَواه أبو داودَ (٢٣). ورُوِىَ عنه، أنَّه كان يَحْتَزُّ مِن كَتِفِ شَاةٍ فِى يَدِهِ، فدُعِىَ إلَى الصَّلاةِ، فألقاها مِن يَدِه، ثُمَّ قام فَصَلَّ ى، ولم يَتَوَضَّأْ. روَاه البُخارىُّ (٢٤). ولا بأسَ بتَقْطِيعِ اللَّحمِ بِالسِّكِّينِ؛ لهذا الحديثِ. وقال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عن حديثٍ يُرْوَى عن النَّبِىِّ ﷺ : "لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بالسِّكِّينِ، فَإِنَّهُ مِنْ صُنْعِ الأَعَاجِمِ، وانْهَشُوهُ نَهْشًا؛ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ" (٢٥). قال: ليس بصحيحٍ. واحتجَّ بهذا الحديثِ الذى ذكرناه. فصل: وتُسْتَحبُّ التَّسْمِيَةُ عندَ الأكِل، وأنْ يأكُلَ بيمينِه مِمَّا يَلِيْه؛ لما رَوَى عمرُ ابنُ أبى سَلَمَةَ قال: كنتُ يتيمًا فى حِجْرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فكانت يَدِى تَطِيشُ فى الصَّحْفَةِ، فقال لِى النَّبِىُّ ﷺ : "يَا غُلامُ، سَمِّ اللَّه، وكُلْ بِيَمِينِكَ، وكُلْ مِمَّا

стр. 5174

يَلِيكَ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٦). وعن ابنِ عمرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمينهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ". رَوَاه مسلمٌ (٢٧). وعن عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذَا أَكَلَ أَحَدُكُم فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِىَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِى أَوَّلِهِ فَلْيقُلْ: بِسْم اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ". وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ جَلِيسًا ورجلٌ يأكلُ، فلم يُسَمِّ حتى لم يبقَ مِن طعامِه إِلَّا لقمةٌ، فلمَّا رفعَها إلى فِيهِ قالَ: بسمِ اللَّه أوَّلَه وَآخِرَهُ. فضَحِكَ النَّبىُّ ﷺ ثم قال (٢٨): "مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يأْكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ (٢٩) اللَّهِ قاءَ مَا فِى بَطنِهِ" رَواهُنَّ أبو داودَ (٣٠). وعن عِكْرَاش بن ذُؤَيْبٍ قال: أُتِىَ

стр. 5175

النَّبِىُّ ﷺ بجَفْنَةٍ كثيرةٍ الثَّرِيد والوَدَكِ (٣١)، فأقبلْنَا نأكلُ، فَخَبَطْتُ يدِى فى نواحِيهَا، فقال: "يا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ". ثم أُتِينَا بطَبَقٍ فِيه ألْوانُ الرُّطَبِ، فجالتْ يدُ رسولِ اللَّهِ ﷺ فى الطَّبَقِ، وقال: "يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ". رَواه ابنُ مَاجَه (٣٢). ولا يأكلُ مِن ذِرْوةِ الثَّرِيدِ، لما رَوَى ابنُ عبَّاسٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ، وَلَكن لِيَأْكُلْ مِنْ أَسْفَلِهَا، فإنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا". وفى [حديثٍ آخَرَ] (٣٣): "كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَدَعُوْا ذِرْوَتَهَا، يُبَارَكْ فِيهَا" رواهما ابنُ مَاجَه (٣٤). فصل: ويُسْتحَبُّ الأكلُ بالأَصابعِ الثَّلاثِ، ولا يَمسحُ يَدَه حتى يلْعَقَها. قال مُثَنَّى: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن الأكلِ بالأَصابعِ كلِّها؟ فذهبَ إلى ثلاثِ أصابعَ، فذكرتُ له الحديثَ الذى يُرْوَى عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه كان يأكلُ بكَفِّه كلِّها (٣٥). فلم يُصَحِّحْه، ولم يَرَ إلَّا ثلاثَ أصابعَ. وقد رَوَى كَعْبُ بنُ مالكٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يأْكُلُ بثلاثِ أصابعَ، ولا يَمْسَحُ يدَه حتى يلْعَقَها. رَواه الخلَّالُ بإسْنادِه (٣٦).

стр. 5176

ويُكْرَهُ الأكلُ مُتَّكِئًا؛ لما رَوى أبو جُحَيْفَةَ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لَا آكُلُ مُتَّكِئًا". رَوَاه البُخارِىُّ (٣٧). ولا يمسحُ يدَه بالمِنْدِيلِ حتى يَلْعقَها؛ لِمَا رَوَينا، ولما رُوِىَ عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا". رَواه أبو دَاودَ (٣٨). وعن نُبَيْشَةَ قال (٣٩): قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ فِى قَصْعَةٍ فَلَحَسَهَا، اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ". [رَواه التِّرْمِذِىُّ] (٤٠). وعَن جابرٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إذَا وَقَعَتِ اللُّقْمَةُ مِنْ يَدِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَمْسَحْ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَلْيَأْكُلْهَا". رَوَاه (٤١) ابنُ مَاجَه (٤٢). فصل: ويحْمَدُ اللَّه تعالى إذا فرغَ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى مِنَ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ (٤٣) عَلَيْهَا". [رَوَاه مسلمٌ] (٤٤).

стр. 5177

وعن أبى سَعيدٍ، قال: كان النَّبىُّ ﷺ إذا أكلَ طعامًا، قال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَطْعَمَنَا، وَسَقَانَا، وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ". روَاه أبو داودَ (٤٥). وعَن أبى أُمَامَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه كان يقولُ إذا رُفِعَ طعامُه: "الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، مُبَارَكًا فِيهْ، غَيْرَ مَكْفِىٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ، رَبَّنَا". وعن مُعَاذٍ بنِ أَنَسٍ الْجُهَنِىِّ، عَنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: "مَنْ أَكَلَ طَعَامًا، فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى أَطْعَمَنِى هَذَا وَرَزَقَنِيهِ، مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّى وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". رَوَاهُنَّ ابنُ مَاجَه (٤٦). ورُوىَ أَنَّ النَّبىَّ ﷺ أكلَ طعامًا، هو وأبو بكرٍ وعمرُ، ثم قال: "مَنْ قَالَ فِى أَوَّلِهِ: بسْمِ اللَّهِ، وَبَرَكَةِ اللَّه. وَفِي آخِرِهِ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى أَطْعَمَ وَأَرْوَى وَأَنْعَمَ وَأَفْضَلَ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَهُ" (٤٧). ويُسْتَحَبُّ الدُّعاءُ لصاحبِ الطَّعَامِ؛ لما روَى جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: صَنَعَ أبو الهَيثَمِ للنَّبِىِّ ﷺ وأصحابِه طعامًا، فدعا النَّبِىَّ ﷺ وأصحابَه، فلما فرغَ قال: "أَثِيبُوا صَاحِبَكُمْ". قالوا: يا رسولُ اللَّه، وما إِثَابَتُهُ؟ قال: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُخِلَ بَيْتُهُ، وَأُكِلَ طَعَامُهُ، وشُرِبَ شَرَابُهُ، فَدَعَوْا لَهُ، فَذَلِكَ إِثَابَتُهُ". وعن أنسٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ جاءَ إلى سعدِ بن عُبَادَةَ، قال: فجاء بخُبزٍ وزَيْتٍ، فأكَلَ، ثم قال النَّبِىُّ ﷺ : "أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ (٤٨) الصَّاِئمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ

стр. 5178

الْمَلَائِكَةُ". روَاهما أبو داودَ (٤٩). فصل: ولا بأسَ بالجمعِ بين طَعامَيْنِ؛ فإِنَّ عبدَ اللَّه بنَ جعفرٍ قال: رأيتُ النَّبىِّ ﷺ يأكلُ القِثَّاءَ بالرُّطَبِ. ويُكرَهُ عَيْبُ الطَّعام؛ لقولِ أبى هُرَيْرةَ: ما عابَ رسولُ اللَّهِ ﷺ طعامًا قَطُّ، إذا اشْتَهَى شيئًا أكلَه، وإِنْ لم يَشْتَهِهِ تَرَكَه. مُتَّفَقٌ عليهما (٥٠). وإذا حضَرَ فصادفَ قومًا يأكلونَ، فدعَوْه، لم يُكرَه له الأكلُ؛ لما قدَّمْنا من حديثِ جابرٍ، حين دَعَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فأكلَ معهم. ولا يجوزُ أن يَتَحَيَّنَ وقتَ أكلِهِمْ، فيَهْجُمَ عليهم، ليطْعَمَ معهم؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ (٥١). أى غيرَ مُنْتظرِينَ بُلوغَ نُضْجِه. وعَن أنسٍ قال: ما أكلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ على خِوَانٍ، ولا فى سُكُرَّجَةٍ (٥٢). قال: فعلامَ كنتم تأكلونَ؟ قال: على السُّفَرِ. وقال ابنُ عبّاسٍ: لم يكُنْ رسولُ اللَّهِ ﷺ ينْفُخُ فى طعامٍ ولا شَرَابٍ، ولا يَتَنَفَّسُ فى الإِنَاءِ. وفى المُتَّفَقِ عليه من حديثِ أبى

стр. 5179

قتادةَ (٥٣): "لَا (٥٤) يَتَنَفسْ أَحَدُكُمْ فِى الْإِنَاءِ". وعن ابنِ عمرَ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ، فَلَا يَقُومُ رَجُلٌ حَتَّى تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ وَإِنْ شَبعَ حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ، ولْيُعْذِرْ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ فَيَقْبِضُ يَدَهُ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِى الطَّعَامِ حَاجَةٌ". رَوَاهُنَّ كُلَّهنَّ ابنُ مَاجَه (٥٥). فصل: قال محمدُ بنُ يحيى: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: الإِنَاءُ يُؤْكَلُ فِيه، ثم تُغْسَلُ فيه اليَدُ؟ قال: لا بأسَ. وقيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: ما تقولُ فى غَسْلِ اليدِ بالنُّخالةِ؟ فقال: لا

стр. 5180

بأسَ به، نحنُ نفعلُه. واستدلَّ الْخَطَّابِىُّ (٥٦) على جوازِ ذلك، بما رَوَى أبو داودَ (٥٧)، بإسنادِه عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أنَّه أمرَ امرأةً أَنْ تجعلَ مع الماءِ مِلْحًا، ثم تَغْسِلَ به الدَّمَ [عن حَقِيبَتِه] (٥٨). والملحُ طعامٌ، ففى مَعْناه ما أشْبَهَه. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 5181

كتابُ عِشْرةِ النِّساءِ والخُلْعِ قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢). وقال أبو زيدٍ: يتَّقُونَ اللَّه فِيهِنَّ، كما عليهِنَّ أَنْ يتقينَ اللَّه فيهم. قال ابنُ عبَّاسٍ: إنِّى لأُحِبُّ أَنْ أتَزَيَّنَ للمرأةِ، كما أُحبُّ أَنْ تتَزَيَّنَ (٣) لى؛ لأنَّ اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقال الضَّحَّاكُ فى تفسيرِها: إذا أطعْنَ اللَّهَ، وأطعنَ أزواجَهُنَّ، فعلَيْه أَنَّ يُحسِنَ صُحْبَتَهَا، ويكُفَّ عنها أذَاه، ويُنْفِقَ عليها من سَعَتِهِ. وقال بعضُ أهلِ العلمِ: التَّماثُلُ ههُنا فى تَأْديَةِ كلِّ واحدٍ منهما ما عليه مِن الحقِّ لصاحبِه بالمعروفِ، ولا يَمْطُلُه به، ولا يُظهِرُ الكَراهةَ، بل ببِشْرٍ وطَلَاقَةٍ، ولا يُتبِعُه أذًى ولا مِنَّةً؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وهذا مِنَ المعروفِ. ويُستَحبُّ لكلِّ واحدٍ منهما تحْسِينُ الخُلُقِ مع صاحبِه، والرِّفْقُ به، واحتمالُ أذَاه؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِى الْقُرْبَى﴾ إلى قوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ (٤) قيل: هو كلُّ واحدٍ مِنَ الزَّوجيْنِ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "اسْتَوْصُوا بالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإنَّهُنَّ عَوَانٍ (٥) عِنْدَكُمْ، أخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانَةِ اللَّهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ". رَواه مسلمٌ (٦). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إِنَّ الْمَرْأةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ، لَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ

стр. 5182

اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٧). وقال: "خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ". رَواه ابنُ مَاجَه (٨). وحقُّ الزَّوْجِ عليها أعْظَمُ مِن حقِّها عليه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٩). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَوْ كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أَنَّ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ، لأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهنَّ؛ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحَقِّ". روَاه أبو داودَ (١٠). وقال: "إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ مُهَاجِرَةً (١١) فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَّرْجِعَ". مُتَّفَقٌ عليه (١٢). وقال لامْرَأةٍ: "أَذَاتُ زَوْجٍ أنْتِ؟ ". قالت: نعم، قال: "فَإِنَّه جَنَّتُكِ ونَارُكِ" (١٣). وقال: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنَّ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بإِذْنِهِ، ولَا تَأْذَنَ فِى بَيْتِهِ إِلَّا بإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إِلَيْهِ شَطْرُهُ". روَاه البُخارىُّ (١٤).

стр. 5183

فصل: إذا تزوَّجَ امرأةً، مثلُها يُوطأُ، فطلَبَ تسْليمَها إليه، وجبَ ذلك. وإِنْ عرضَتْ نفسَها عليه، لَزِمَه تَسَلُّمها، ووجَبتْ نفقتُها. وإِنْ طلبَها، فسألتِ الإِنظارَ، أُنْظِرَتْ مدّةً جرَتِ العادةُ أَنْ تُصلِحَ أمرَها فيها، كاليومَيْنِ والثلاثةِ؛ لأنَّ ذلك يَسِيرٌ جرَتِ العادةُ بمثلِه، وقد قال النَّبىُّ ﷺ : "لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا، حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ" (١٥). فمنَعَ مِنَ الطُّرُوقِ، وأمرَ بإمْهالِها لتُصلِحَ أمرَها؛ مع تقدُّمِ صُحْبتِه لها، فههُنَا أولى. ثمَّ إنْ كانت حُرَّةً، وجبَ تسْليمُها ليلًا ونهارًا، وله السَّفَرُ بها؛ لأنَّ النَّبِىِّ ﷺ كان يُسافِرُ بنسائِه (١٦)، إلَّا أَنْ يكونَ سَفرًا مَخُوفًا، فلا يلزمُها ذلك؛ وإِنْ كانت أمَةً، لم يَلْزَمْ تسليمُها إلَّا باللَّيلِ؛ لأنَّها مملوكةٌ عُقِدَ على أحَدِ (١٧) مَنْفعتِها، فلم يَلزمْ تسليمُها فى غيرِ وقتِها، كما لو أجرَها لخِدْمةِ النَّهار، لم يَلْزمْ تسليمُها باللَّيلِ. ويجوزُ للمولى بيعُها؛ لأنَّ النَّبِىِّ ﷺ أذِنَ لعائشةَ فى شراءِ بَرِيرَةَ، وهى ذاتُ زوجٍ (١٨). ولا ينفسخُ النِّكاحُ بذلك، بدليلِ أنَّ بيعَ بَرِيرَةَ لم يُبطِلْ نكاحَها. فصل: وللزَّوج إجبارُ زَوْجتِه على الغُسْلِ مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ، مُسْلِمةً كانتْ أو ذِمِّيَّةً، حرَّةً كانت أو مملوكةً؛ لأنَّه يَمْنَعُ الاسْتِمْتاعَ الذى هو حقٌّ له، فمَلَكَ إجبارَها

стр. 5184

على إزالةِ ما يَمْنَعُ حَقَّه. وإِنْ احتاجتْ إلى شراءِ الماءِ فثمنُه عليه؛ لأنَّه لحقّه (١٩). وله إجْبارُ المُسْلِمةِ البالغةِ على الغُسْلِ من الجَنَابةِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ واجبةٌ عليها، ولا تتمَكَّنُ منها إلَّا بالغُسْلِ. فأمَّا الذِّمِّيّةُ، ففيها رِوَايتانِ؛ إحداهما، له إجبارُها عليه؛ لأنَّ كمالَ الاسْتِمْتاعِ يقِفُ عليه، فإنَّ النَّفْسَ تَعافُ مَن لا يَغْتَسِلُ مِنْ جنابةٍ. والثانية، ليسَ له إجبارُها عليه. وهو قولُ (٢٠) مالكٍ والثَّوْرىُّ؛ لأنَّ الوطءَ لا يقفُ عليه، فإنَّه مُباحٌ بدونِه؛ وللشَّافعىِّ قَوْلانِ كالرِّوايتيْنِ. وفى إزالةِ الوَسَخِ والدَّرَنِ وتَقْليمِ الأظْفَارِ وَجْهانِ؛ بناءً على الرِّوايتيْنِ فى غُسْلِ الجَنَابةِ. وتسْتَوِى فى هذا (٢١) المُسْلِمَةُ والذِّمِّيَّةُ، لاسْتوائِهما فى حُصُولِ النَّفْرَةِ مِمَّنْ ذلك حالُها. وله إجبارُها على إزالةِ شَعْرِ العَانَةِ، إذا خَرجَ عن العادَةِ، روايةً واحدةً. ذكرَه القاضى. وكذلك الأظفارُ. وإِنْ طالا قليلًا، بحيثُ تَعافُه النَّفْسُ، ففيه وَجْهانِ. وهل له منعُها مِن أكلِ مالَه رائحةٌ كريهةٌ، كالبصلِ والثُّومِ والكُرَّاثِ؟ على وَجْهيْنِ؛ أحدهما، له منعُها مِن ذلك؛ لأنَّه يمنعُ القُبْلةَ، وكمالَ الاسْتِمْتاعِ. والثانى، ليس له منعُها منه؛ لأنَّه لا يمنعُ الوَطءَ. وله منعُها مِنَ السُّكْرِ وإِنْ كانت ذِمِّيَّةً؛ لأنَّه يمنعُ الاسْتِمْتاعَ بها، [فَإِنَّه يُزيلُ عَقْلَها، ويجعلُها كالزِّقِّ المنفوخ، ولا يأمنُ أَنْ تجْنِىَ عليه] (٢٢). وإِنْ أرادت شُربَ ما (٢٣) يُسْكِرُها، فله مَنْعُ المُسْلمةِ؛ لِأنَّهما يعْتقِدانِ تحْريمَه، وإِنْ كانت ذِمِّيَّة لم يكُنْ له مَنْعُها منه. نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّها تعْتقِدُ إباحتَه فى دينِها. وله إجبارُها على غَسْلِ فَمِها منه، ومِن سائرِ النَّجاساتِ، ليتمَكَّنَ مِن الاسْتِمْتاعِ بِفِيها. ويتخَرَّجُ أَنْ يَمْلِكَ مَنْعَها منه؛ لما فيه من الرائحةِ الكَرِيهةِ، فهو (٢٤) كالثُّومِ. وهكذا الحُكْمُ لو تزوَّجَ مسلمة تعْتقِدُ إباحةَ يَسِيرِ النِّبيِذ، هل له منعُها منه؟

стр. 5185

على وَجْهيْنِ. ومذهبُ الشَّافعىِّ على نحوٍ مِن هذا الفصلِ كلِّه. فصل: وللزَّوجِ منعُها مِنَ الخُرُوجِ مِن منزلِه إلى مالَها منه بُدٌّ، سواءٌ أرادتْ زيارةَ والِدَيْها، أو عيادتَهُمَا، أو حضورَ جنازة أحدهِمَا. قال أحمدُ، فى امرأةٍ لها زوجٌ وَأمٌّ مريضةٌ: طاعةُ زَوْجِها أوْجَبُ عليها مِن أُمِّها، إلَّا أَنْ يأْذنَ لها. وقد رَوَى ابنُ بطَّةَ، فى "أحكامِ النِّساءِ"، عن أنسٍ، أَنَّ رجلًا سافرَ ومنعَ زوجتَه مِنَ الخروجِ، فمَرِضَ أبوها، فاسْتأذَنتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ فى عيادةِ أبيها، فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "اتَّقِى اللَّه، ولا تُخالِفِى زَوْجَكِ". فمات أبوها، فاسْتأْذَنتْ رسولَ اللَّه ﷺ فى حُضُورِ جنازَتِه، فقال لها: "اتَّقِى اللَّهَ، ولا تُخالِفِى زَوْجَكِ". فأوْحَى اللَّهُ إلى النَّبىِّ ﷺ : "إنِّى قَدْ غَفَرْتُ لَهَا بِطَاعَةِ زَوْجِهَا" (٢٥). ولأنَّ طاعةَ الزَّوْجِ واجِبةٌ، والعيادةَ غيرُ واجبةٍ، فلا يجوزُ تركُ الواجبِ لما ليسَ بواجبٍ؛ ولا يجوزُ لها الخروجُ الا بإذْنِه، لكنْ لا ينْبَغى للزَّوْجِ منعُها من عيادةِ والِدَيْها، وزيارتِهِما؛ لأنَّ فى ذلك قَطعة لهما، وحَمْلًا لزَوْجته على مُخالفتِه، وقد أمرَ اللَّهُ تعالى بالمُعاشَرةِ بِالمعروفِ، وليس هذا من المُعاشَرةِ بِالمعروفِ. وإِنْ كانت زوجتُه ذِمِّيَّةً، فلُه منعُها مِنَ الخُروجِ إلى الكَنِيسةِ؛ لأنَّ ذلك ليس بطاعةٍ، ولا نَفْعٍ. وإِنْ كانت مُسْلِمةً، فقال القاضى: له منعُها من الخُروجِ إلى المساجدِ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ. وظاهرُ الحديثِ يمنعُه مِنْ منعِها؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" (٢٦). ورُوِىَ أَنَّ الزُّبَيْرَ تزوَّجَ عاتِكَةَ بنتَ زيدِ بنِ عمرِو ابن نُفَيلٍ، فكانت تخرجُ إلى المساجدِ، وكان غَيُورًا، فيقولُ لها: لو صَلَّيْتِ فى بيتِك. فتقولُ: لا أزالُ أخْرُجُ أو تَمْنعُنى. فكَرِهَ مَنْعَها لهذا الخبرِ. وقال أحمدُ فى الرَّجُلِ تكونُ له المرأةُ أو الأمَةُ النَّصْرَانِيَّةُ يشترى لها زُنَّارًا؟ قال: لا بل تخرجُ هى تشترى لنفسِها. فقيل له: جاريتُه تعملُ الزَّنَانِيرَ؟ قال: لا.
следующие страницы →