← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

كتابُ عِشْرةِ النِّساءِ والخُلْعِ قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢). وقال أبو زيدٍ: يتَّقُونَ اللَّه فِيهِنَّ، كما عليهِنَّ أَنْ يتقينَ اللَّه فيهم. قال ابنُ عبَّاسٍ: إنِّى لأُحِبُّ أَنْ أتَزَيَّنَ للمرأةِ، كما أُحبُّ أَنْ تتَزَيَّنَ (٣) لى؛ لأنَّ اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقال الضَّحَّاكُ فى تفسيرِها: إذا أطعْنَ اللَّهَ، وأطعنَ أزواجَهُنَّ، فعلَيْه أَنَّ يُحسِنَ صُحْبَتَهَا، ويكُفَّ عنها أذَاه، ويُنْفِقَ عليها من سَعَتِهِ. وقال بعضُ أهلِ العلمِ: التَّماثُلُ ههُنا فى تَأْديَةِ كلِّ واحدٍ منهما ما عليه مِن الحقِّ لصاحبِه بالمعروفِ، ولا يَمْطُلُه به، ولا يُظهِرُ الكَراهةَ، بل ببِشْرٍ وطَلَاقَةٍ، ولا يُتبِعُه أذًى ولا مِنَّةً؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وهذا مِنَ المعروفِ. ويُستَحبُّ لكلِّ واحدٍ منهما تحْسِينُ الخُلُقِ مع صاحبِه، والرِّفْقُ به، واحتمالُ أذَاه؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِى الْقُرْبَى﴾ إلى قوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ (٤) قيل: هو كلُّ واحدٍ مِنَ الزَّوجيْنِ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "اسْتَوْصُوا بالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإنَّهُنَّ عَوَانٍ (٥) عِنْدَكُمْ، أخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانَةِ اللَّهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ". رَواه مسلمٌ (٦). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إِنَّ الْمَرْأةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ، لَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ

стр. 5182

اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٧). وقال: "خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ". رَواه ابنُ مَاجَه (٨). وحقُّ الزَّوْجِ عليها أعْظَمُ مِن حقِّها عليه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٩). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَوْ كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أَنَّ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ، لأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهنَّ؛ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحَقِّ". روَاه أبو داودَ (١٠). وقال: "إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ مُهَاجِرَةً (١١) فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَّرْجِعَ". مُتَّفَقٌ عليه (١٢). وقال لامْرَأةٍ: "أَذَاتُ زَوْجٍ أنْتِ؟ ". قالت: نعم، قال: "فَإِنَّه جَنَّتُكِ ونَارُكِ" (١٣). وقال: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنَّ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بإِذْنِهِ، ولَا تَأْذَنَ فِى بَيْتِهِ إِلَّا بإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إِلَيْهِ شَطْرُهُ". روَاه البُخارىُّ (١٤).

стр. 5183

فصل: إذا تزوَّجَ امرأةً، مثلُها يُوطأُ، فطلَبَ تسْليمَها إليه، وجبَ ذلك. وإِنْ عرضَتْ نفسَها عليه، لَزِمَه تَسَلُّمها، ووجَبتْ نفقتُها. وإِنْ طلبَها، فسألتِ الإِنظارَ، أُنْظِرَتْ مدّةً جرَتِ العادةُ أَنْ تُصلِحَ أمرَها فيها، كاليومَيْنِ والثلاثةِ؛ لأنَّ ذلك يَسِيرٌ جرَتِ العادةُ بمثلِه، وقد قال النَّبىُّ ﷺ : "لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا، حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ" (١٥). فمنَعَ مِنَ الطُّرُوقِ، وأمرَ بإمْهالِها لتُصلِحَ أمرَها؛ مع تقدُّمِ صُحْبتِه لها، فههُنَا أولى. ثمَّ إنْ كانت حُرَّةً، وجبَ تسْليمُها ليلًا ونهارًا، وله السَّفَرُ بها؛ لأنَّ النَّبِىِّ ﷺ كان يُسافِرُ بنسائِه (١٦)، إلَّا أَنْ يكونَ سَفرًا مَخُوفًا، فلا يلزمُها ذلك؛ وإِنْ كانت أمَةً، لم يَلْزَمْ تسليمُها إلَّا باللَّيلِ؛ لأنَّها مملوكةٌ عُقِدَ على أحَدِ (١٧) مَنْفعتِها، فلم يَلزمْ تسليمُها فى غيرِ وقتِها، كما لو أجرَها لخِدْمةِ النَّهار، لم يَلْزمْ تسليمُها باللَّيلِ. ويجوزُ للمولى بيعُها؛ لأنَّ النَّبِىِّ ﷺ أذِنَ لعائشةَ فى شراءِ بَرِيرَةَ، وهى ذاتُ زوجٍ (١٨). ولا ينفسخُ النِّكاحُ بذلك، بدليلِ أنَّ بيعَ بَرِيرَةَ لم يُبطِلْ نكاحَها. فصل: وللزَّوج إجبارُ زَوْجتِه على الغُسْلِ مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ، مُسْلِمةً كانتْ أو ذِمِّيَّةً، حرَّةً كانت أو مملوكةً؛ لأنَّه يَمْنَعُ الاسْتِمْتاعَ الذى هو حقٌّ له، فمَلَكَ إجبارَها

стр. 5184

على إزالةِ ما يَمْنَعُ حَقَّه. وإِنْ احتاجتْ إلى شراءِ الماءِ فثمنُه عليه؛ لأنَّه لحقّه (١٩). وله إجْبارُ المُسْلِمةِ البالغةِ على الغُسْلِ من الجَنَابةِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ واجبةٌ عليها، ولا تتمَكَّنُ منها إلَّا بالغُسْلِ. فأمَّا الذِّمِّيّةُ، ففيها رِوَايتانِ؛ إحداهما، له إجبارُها عليه؛ لأنَّ كمالَ الاسْتِمْتاعِ يقِفُ عليه، فإنَّ النَّفْسَ تَعافُ مَن لا يَغْتَسِلُ مِنْ جنابةٍ. والثانية، ليسَ له إجبارُها عليه. وهو قولُ (٢٠) مالكٍ والثَّوْرىُّ؛ لأنَّ الوطءَ لا يقفُ عليه، فإنَّه مُباحٌ بدونِه؛ وللشَّافعىِّ قَوْلانِ كالرِّوايتيْنِ. وفى إزالةِ الوَسَخِ والدَّرَنِ وتَقْليمِ الأظْفَارِ وَجْهانِ؛ بناءً على الرِّوايتيْنِ فى غُسْلِ الجَنَابةِ. وتسْتَوِى فى هذا (٢١) المُسْلِمَةُ والذِّمِّيَّةُ، لاسْتوائِهما فى حُصُولِ النَّفْرَةِ مِمَّنْ ذلك حالُها. وله إجبارُها على إزالةِ شَعْرِ العَانَةِ، إذا خَرجَ عن العادَةِ، روايةً واحدةً. ذكرَه القاضى. وكذلك الأظفارُ. وإِنْ طالا قليلًا، بحيثُ تَعافُه النَّفْسُ، ففيه وَجْهانِ. وهل له منعُها مِن أكلِ مالَه رائحةٌ كريهةٌ، كالبصلِ والثُّومِ والكُرَّاثِ؟ على وَجْهيْنِ؛ أحدهما، له منعُها مِن ذلك؛ لأنَّه يمنعُ القُبْلةَ، وكمالَ الاسْتِمْتاعِ. والثانى، ليس له منعُها منه؛ لأنَّه لا يمنعُ الوَطءَ. وله منعُها مِنَ السُّكْرِ وإِنْ كانت ذِمِّيَّةً؛ لأنَّه يمنعُ الاسْتِمْتاعَ بها، [فَإِنَّه يُزيلُ عَقْلَها، ويجعلُها كالزِّقِّ المنفوخ، ولا يأمنُ أَنْ تجْنِىَ عليه] (٢٢). وإِنْ أرادت شُربَ ما (٢٣) يُسْكِرُها، فله مَنْعُ المُسْلمةِ؛ لِأنَّهما يعْتقِدانِ تحْريمَه، وإِنْ كانت ذِمِّيَّة لم يكُنْ له مَنْعُها منه. نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّها تعْتقِدُ إباحتَه فى دينِها. وله إجبارُها على غَسْلِ فَمِها منه، ومِن سائرِ النَّجاساتِ، ليتمَكَّنَ مِن الاسْتِمْتاعِ بِفِيها. ويتخَرَّجُ أَنْ يَمْلِكَ مَنْعَها منه؛ لما فيه من الرائحةِ الكَرِيهةِ، فهو (٢٤) كالثُّومِ. وهكذا الحُكْمُ لو تزوَّجَ مسلمة تعْتقِدُ إباحةَ يَسِيرِ النِّبيِذ، هل له منعُها منه؟

стр. 5185

على وَجْهيْنِ. ومذهبُ الشَّافعىِّ على نحوٍ مِن هذا الفصلِ كلِّه. فصل: وللزَّوجِ منعُها مِنَ الخُرُوجِ مِن منزلِه إلى مالَها منه بُدٌّ، سواءٌ أرادتْ زيارةَ والِدَيْها، أو عيادتَهُمَا، أو حضورَ جنازة أحدهِمَا. قال أحمدُ، فى امرأةٍ لها زوجٌ وَأمٌّ مريضةٌ: طاعةُ زَوْجِها أوْجَبُ عليها مِن أُمِّها، إلَّا أَنْ يأْذنَ لها. وقد رَوَى ابنُ بطَّةَ، فى "أحكامِ النِّساءِ"، عن أنسٍ، أَنَّ رجلًا سافرَ ومنعَ زوجتَه مِنَ الخروجِ، فمَرِضَ أبوها، فاسْتأذَنتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ فى عيادةِ أبيها، فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "اتَّقِى اللَّه، ولا تُخالِفِى زَوْجَكِ". فمات أبوها، فاسْتأْذَنتْ رسولَ اللَّه ﷺ فى حُضُورِ جنازَتِه، فقال لها: "اتَّقِى اللَّهَ، ولا تُخالِفِى زَوْجَكِ". فأوْحَى اللَّهُ إلى النَّبىِّ ﷺ : "إنِّى قَدْ غَفَرْتُ لَهَا بِطَاعَةِ زَوْجِهَا" (٢٥). ولأنَّ طاعةَ الزَّوْجِ واجِبةٌ، والعيادةَ غيرُ واجبةٍ، فلا يجوزُ تركُ الواجبِ لما ليسَ بواجبٍ؛ ولا يجوزُ لها الخروجُ الا بإذْنِه، لكنْ لا ينْبَغى للزَّوْجِ منعُها من عيادةِ والِدَيْها، وزيارتِهِما؛ لأنَّ فى ذلك قَطعة لهما، وحَمْلًا لزَوْجته على مُخالفتِه، وقد أمرَ اللَّهُ تعالى بالمُعاشَرةِ بِالمعروفِ، وليس هذا من المُعاشَرةِ بِالمعروفِ. وإِنْ كانت زوجتُه ذِمِّيَّةً، فلُه منعُها مِنَ الخُروجِ إلى الكَنِيسةِ؛ لأنَّ ذلك ليس بطاعةٍ، ولا نَفْعٍ. وإِنْ كانت مُسْلِمةً، فقال القاضى: له منعُها من الخُروجِ إلى المساجدِ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ. وظاهرُ الحديثِ يمنعُه مِنْ منعِها؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ" (٢٦). ورُوِىَ أَنَّ الزُّبَيْرَ تزوَّجَ عاتِكَةَ بنتَ زيدِ بنِ عمرِو ابن نُفَيلٍ، فكانت تخرجُ إلى المساجدِ، وكان غَيُورًا، فيقولُ لها: لو صَلَّيْتِ فى بيتِك. فتقولُ: لا أزالُ أخْرُجُ أو تَمْنعُنى. فكَرِهَ مَنْعَها لهذا الخبرِ. وقال أحمدُ فى الرَّجُلِ تكونُ له المرأةُ أو الأمَةُ النَّصْرَانِيَّةُ يشترى لها زُنَّارًا؟ قال: لا بل تخرجُ هى تشترى لنفسِها. فقيل له: جاريتُه تعملُ الزَّنَانِيرَ؟ قال: لا.

стр. 5186

فصل: وليس على المرأةِ خدمةُ زوجِها، فى (٢٧) العَجْنِ، والخَبْزِ، والطَّبْخِ، وأشباهِه. نصَّ عليه أحمدُ. وقال أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ، وأبو إسحاقٍ الجُوزَجَانىُّ: عليها ذلك. واحتجَّا (٢٨) بقِصَّةِ علىٍّ وفاطمةَ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى على ابنتِه فاطمةَ بخِدْمةِ البيتِ، وعَلَى علىٍّ ما كان خَارجًا مِنَ البيتِ مِن (٢٩) عَمَل. رَواه الجُوزَجَانىُّ مِن طُرُقٍ (٣٠). قال الجُوزَجَانىُّ: وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ، لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَنْقُلَ مِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إِلَى جَبَل أَحْمَرَ، أَوْ مِنْ جَبَلٍ أَحْمَرَ إِلَى جَبَلٍ أَسوَدَ، كَانَ نَوْلُها (٣١) أَنْ تَفْعَلَ". ورَواه بإسْنادِه (٣٢). قال: فهذه طاعتُه فيما لا منفعةَ فيه، فكيفَ بمُؤْنَةِ معاشِه؟ وقد كان النَّبِىُّ ﷺ يأْمرُ نساءَه بخِدْمتِه. فقال: "يَا عَائِشَةُ اسْقِينَا، يَا عَائِشَةُ أَطْعِمِينَا، يَا عَائِشَةُ هَلُمِّى الشَّفْرَةَ، واشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ" (٣٣). وقد رُوىَ أَنَّ فاطمةَ أتتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ تشْكُو إليه ما تلْقَى مِنَ الرَّحَى، وسألتْه خادمًا يكْفِيها ذلك (٣٤). ولَنا، أَنَّ المعقودَ عليه

стр. 5187

مِن جِهَتِها الاسْتِمْتاعُ، فلا يَلْزَمُها غيرُه، كسَقْىِ دوابِّه، وحَصادِ زَرْعِه. فأمَّا قَسْمُ النَّبِىِّ ﷺ بينَ علىٍّ وفاطمةَ، فعَلى ما تليقُ به (٣٥) الأخلاقُ المَرْضِيَّةُ، ومَجْرَى العادةِ، لا على سبيلِ الإِيجابِ، كما قد رُوِىَ عن أسماءَ بنتِ أبى بكْرٍ، أنَّها كانت تقومُ بفَرَسِ الزُّبَيرِ، وتلْتَقِطُ له النَّوَى، وتحْمِلُه على رأسِها (٣٦). ولم يكُنْ ذلك واجبًا عليها، ولهذا لا يجبُ على الزَّوجِ القيامُ بمصالحَ خارجَ البيتِ، ولا الزِّيادةُ على ما يجبُ لها من النَّفقةِ والكُسْوةِ، ولَكِنِ الأَوْلَى لها فعلُ ما جَرتِ العادةُ بقيامِها بِه؛ لأنَّه العادةُ، ولا تصلُحُ الحالُ إلَّا بِه، ولا تنْتَظِمُ المعيشةُ بدُونِه. فصل: ولا يَحلُّ وطءُ الزَّوجةِ فى الدُّبُرِ، فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم علىٌّ، وعبدُ اللَّهِ، وأبو الدَّرْداءِ، وابنُ عبَّاسٍ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو، وأبو هُرَيْرةَ. وبه قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، ومُجاهِدٌ، وعِكرمَةُ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأى، وابنُ المنذرِ. ورُوِيَتْ إباحتُه عن ابنِ عمرَ، وزبد بنِ أسْلمَ، ونافعٍ، ومالكٍ. ورُوىَ عن مالكٍ أنَّه قال: ما أدركتُ أحدًا أقْتَدِى به فى دِينى يشُكُّ فى أنَّه حلالٌ. وأهلُ العراقِ مِن أصحابِ مالكٍ يُنْكِرونَ ذلك. واحتجَّ مَن أحَلَّه بقولِ اللَّه تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٣٧). وقولِه سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٣٨). ولَنا، ما رُوىَ أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنَّ اللَّه لَا يَسْتَحْيِى مِنَ الحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ مِنْ أَعْجَازِهِنَّ" (٣٩). وعن أبى هُرَيْرةَ، وابنِ عبَّاسٍ، عن النَّبىِّ ﷺ ، قال: "لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ جَامَعَ امرأَةً فِى دُبُرِهَا". رواهما ابنُ مَاجه (٣٩). وعن ابنِ مسعودٍ، عَن النَّبِىِّ ﷺ

стр. 5188

قال: "مَحَاشُّ (٤٠) النِّسَاءِ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ" (٤١). وعن أبى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبىِّ ﷺ قال: "مَنْ أَتَى (٤٢) حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِى دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ" (٤٣). روَاهُنَّ كلَّهُنَّ الأثرمُ. فأمَّا الآيةُ، فرَوى جابرٌ قال: كان اليهودُ يقولون: إِذا جامعَ الرَّجُلُ امرأتَه فى فَرْجِها مِن وَرَائِها، جاءَ الولدُ أحولَ. فأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. مِن بينِ يدَيْها، ومِن خلفِها، غيرَ أَنْ لا يأْتِيَها إلَّا فى المَأْتَى. مُتَّفَقٌ عليه (٤٤). وفى روايةٍ: ائْتِهَا مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِى الْفَرْجِ. والآيةُ الأُخْرَى المرادُ بها ذلك.

стр. 5189

فصل: فإِنْ وطِئَ زوجتَه فى دُبُرِها، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّ له فى ذلك شُبْهةً، ويُعَزَّرُ؛ لفعلِه المُحرَّمَ، وعليها الغُسْلُ؛ لأنَّه إيلاجُ فَرْجٍ فى فَرْجٍ، وحكمُه حكمُ الوَطءِ فى القُبُلِ فى إفسادِ العباداتِ، وتَقْريرِ المَهْرِ، ووُجوبِ العِدَّةِ. وإِنْ كانَ الوطءُ لأجْنبيَّةٍ، وجَب حَدُّ اللُّوطىِّ، ولا مَهْرَ عليه؛ لأنَّه لم يُفَوِّت مَنْفَعةً لها عِوَضٌ فى الشَّرعِ. ولا يحصُلُ بوَطْءِ زَوْجتهِ (٤٥) فى الدُّبرِ إحْصانٌ، إنَّما يحصُلُ بالوَطْءِ الكاملِ، وليس هذا بوطءٍ كاملٍ، ولا الإِحْلالُ (٤٦) للزَّوجِ الأوَّلِ؛ لأنَّ المرأةَ لا تذُوقُ به عُسَيْلةَ الرَّجُلِ. ولا تحصُلُ به الفَيْئَةُ، ولا الخُروجُ مِنَ العُنَّةِ؛ لأنَّ الوَطْءَ فيهما لِحَق المرأةِ، وَحقُّها الوَطْءُ فى القُبُل. ولا يزُولُ به الاكْتِفاءُ بصُمَاتِها فى الإذنِ بالنِّكاح (٤٧)؛ لأنَّ بَكارةَ الأَصلِ باقيةٌ. فصل: ولا بأسَ بالتَّلذُّذِ بها بينَ الألْيَتَيْنِ مِن غيرِ إيلَاجٍ؛ لأنَّ السُّنّةَ إنما وردتْ بتَحْريمِ الدُّبُرِ، فهو مَخْصوصٌ بذلك، ولأنَّه حُرِّمَ لأجلِ الأذَى، وذلك مخصوصٌ بالدُّبُرِ، فاخْتَصَّ التَّحريمُ بِه. فصل: والعَزْلُ مكروهٌ، ومعناه أَنْ يَنزِعَ إذا قَرُبَ الإِنْزالُ، فيُنْزِلُ خارجًا من الفَرْجِ، رُويتْ كَراهِيَتُه (٤٨) عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ. ورُوِىَ ذلك عن أبى بكر الصِّدِّيقِ أيضًا؛ لأنَّ فيه تَقْلِيلَ النَّسْلِ، وقطعَ اللَّذَّةِ عن المَوْطُوءةِ، وقد حثَّ النَّبىُّ ﷺ على تَعاطِى أسْبابِ الوَلَدِ، فقال: "تَنَاكَحُوا، تَنَاسَلُوا، تَكْثُرُوا" (٤٩). وقال: "سَوْدَاءُ (٥٠) وَلُودٌ، خَيْرٌ مِنْ حَسْنَاءَ عَقِيمٍ" (٥١). إلَّا أَنْ يكونَ لحاجةٍ، مثل أَنْ يكونَ

стр. 5190

فى دارِ الحربِ، فتَدْعُوه (٥٢) حاجتُه إلى الوطءِ، فيَطَأُ ويَعْزِلُ، ذكر الخِرَقِىُّ (٥٣) هذه الصُّورةَ، أو تكونَ زوجتُه أمَةً، فيَخْشى الرِّقَّ على ولدِه، أو تكونَ له أُمةٌ، فيَحْتاجُ إلى وَطْئِها وإِلى بَيْعِها، وقد رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِى اللَّه عنه، أنَّه كان يَعْزِلُ عن إمائِه. فإنْ عزَلَ مِن غيرِ حاجةٍ، كُرِهَ، ولم يَحْرُمْ. ورُويَتِ الرُّخْصَةُ فيه عن علىٍّ، وسعدِ بنِ أبى وقاصٍ، وأبى أَيُّوبَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وجابرٍ، وابنِ عبَّاسٍ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وخَبَّابِ ابنِ الأَرَتِّ، وسعيد بنِ المُسَيِّبِ، وطاوسٍ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشَّافعىِّ، وأصحاب الرَّأْىِ. ورَوى أبو سعيدٍ، قال: ذُكرَ -يَعْنِى (٥٤) - العَزْل، عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، قال: "وَلِمَ (٥٥) يَفْعَلُ ذلِكَ (٥٦) أَحَدُكُمْ؟ ". ولم يقل: فَلَا يَفْعَلْ [ذَلِكَ أحَدُكم] (٥٧). "فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْس مَخْلُوْقَةٍ، إِلَّا اللَّه خَالِقُهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٥٨). وعنه أَنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ لى جاريةً، وأنا أعْزِلُ عنها، وأنا أكرهُ أَنْ تَحْمِلَ، وأنا أريدُ ما يُرِيدُ الرِّجالُ، وإنَّ اليهودَ تُحَدِّثُ أَنَّ العَزْلَ المَوْءُودةُ الصُّغرَى. قال: "كَذَبَتْ يَهُودُ، لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ". روَاه أبو داودَ (٥٩).

стр. 5191

فصل: ويجوزُ العَزْلُ عن أَمَتِه بغيرِ إذنِها. نصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ؛ وذلك لأنَّه لا حَقَّ لها فى الوَطْءِ، ولا فى الولَدِ، ولذلك لم تَمْلِكِ المُطالبةَ بِالقَسْمِ ولا الفَيْئَةِ، فلَأَنْ لا تَمْلِكَ المَنْعَ مِنَ العزْلِ أوْلَى. ولا يعزلُ عن زَوْجتِه الحُرَّةِ إلَّا بإذْنِها. قال القاضى: ظاهرُ كلامِ أحمدَ وُجوبُ اسْتِئْذانِ الزَّوجةِ فى العَزْلِ، ويَحتملُ أَنْ يكونَ مُسْتَحَبًّا؛ لأنَّ حقَّها فى الوَطْءِ دُونَ الإِنْزالِ، بدليلِ أنَّه يَخْرُجُ به مِن الفَيْئَةِ، والعُنَّةِ. وللشَّافعيَّةِ فى ذلك وَجْهانِ. والأَوَّلُ أولى؛ لما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْزَلَ عَنِ الحُرَّةِ إِلَّا بإذْنِها. رواه الإِمامُ أحمدُ، فى "المُسْنَدِ"، وابنُ ماجَه (٦٠). ولأنَّ لها فى الولدِ حقًّا، وعليها فى العَزْلِ ضرَرٌ، فلم يجُزْ إلَّا بإذْنِها. فأمَّا زوجتُه الأمَةُ، فيَحْتَمِلُ جَوازُ العَزْلِ عنها بغيرِ إذْنِها. وهو قولُ الشَّافعىِّ، اسْتِدْلالًا بمَفْهوم هذا الحديثِ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: تُسْتأذَنُ الحُرَّةُ، ولا تُسْتأذَنُ الأمَةُ. ولأنَّ عليه ضَررًا فى اسْتِرْقاقِ وَلَدِه، بخلافِ الحُرَّةِ. ويَحْتَمل أَنْ لا يجوزَ إِلَّا بإذْنِها؛ لأنَّها زوجةٌ تَمْلِكُ المطالبةَ بالوَطْءِ فى الفَيْئَةِ، والفَسْخَ عندَ تَعذُّرِه بالعُنَّةِ، وتَرْكُ العزْلِ من تَمامِه، فلم يَجُزْ بغيرِ إذْنِها، كالحُرَّةِ. فصل: فإنْ عزلَ عن زوجتِه أو أُمتِه، ثمَّ أتتْ بولدٍ، لَحِقَه نسبُه؛ لما رَوى أبو داودَ (٦١)، عن جابرٍ، قال: جاء رجلٌ مِنَ الأنْصارِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: إنَّ لى جاريةً، وأنا أطُوفُ عليها، وأنا أكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ! فقال: "اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْتَ، فَإِنَّهُ سَيَأتِيْهَا مَا قُدِّرَ لَهَا". وقال أبو سعيد: كنتُ أعْزِلُ عن جاريةٍ لى، فولَدتْ أحبَّ النَّاسِ إلَىَّ (٦٢). ولأنَّ لُحوقَ النَّسَبِ حُكْمٌ يتعلَّقُ بالوَطْءِ، فلم يُعْتَبَرْ فيه الإِنْزالُ، كسائرِ

стр. 5192

الأحكامِ. وقد قيلَ: إِنَّ الوَطْءَ فى الفَرْجِ يحْصُلُ به الإِنْزالُ، ولا يُحَسُّ به. فصل: فى آدَابِ الجِمَاعِ. تُسْتَحبُّ التَّسْمِيَةُ قبلَه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (٦٣). قال عَطاءٌ: هى التَّسْمِيَةُ عند الجِماع. ورَوَى ابنُ عبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ حِينَ يَأْتِى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا". مُتَّفَقٌ عليه (٦٤). ويُكْرَهُ التَّجَرُّدُ عندَ المُجَامعةِ؛ لما رَوَى عُتْبَةُ بنُ عَبْدٍ (٦٥)، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، فَلْيَسْتَتِرْ، وَلَا يتَجَرَّدْ تَجَرُّدَ الْعَيْرَيْنِ"، رواه ابنُ ماجَه (٦٦). وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا دخلَ الخَلَاءَ غَطَّى رأسَه، [وإذا أَتَى أهلَه غطَّى رأسَه] (٦٧). ولا يُجامِعُ بحيثُ يراهُمَا أحدٌ، أو يسْمَعُ حِسَّهُما. ولا يُقَبِّلُها ويُباشِرُها عندَ النَّاسِ. قال أحمدُ: ما يعجبُنِى إلَّا أَنْ يَكْتُمَ هذا كلَّه. وقال الحسنُ، فى الذى يُجامِعُ المرأةَ، والأُخْرَى تَسْمَعُ، قال: كانوا يكْرَهونَ

стр. 5193

الوَجْسَ، وهو الصَّوْتُ الخَفِىُّ. ولا يتحدَّثُ بما كان بينَه وبينَ أهلِه؛ لما رُوِىَ عن (٦٨) الحسنِ، قال: جلس رسولُ اللَّهِ ﷺ بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ، فأقْبَلَ علَى الرِّجالِ، فقال: "لَعَلَّ أَحَدَكُمْ يُحَدِّثُ بِمَا يَصْنَعُ بِأَهْلِهِ إذَا خَلَا؟ ". ثمَّ أقْبلَ على النِّسَاءِ فقال: "لَعَلَّ إحْدَاكُنَّ تُحَدِّثُ النِّسَاءَ بِمَا يَصْنَعُ بِهَا زَوْجُهَا؟ ". قال: فقالت امرأةٌ: إنَّهم ليَفْعلونَ، وإنَّا لنَفْعَلُ. فقال: "لَا تَفْعَلُوا، فَإنَّمَا (٦٩) مَثَلُ ذَلِكُمْ كَمَثَلِ شَيْطَانٍ لَقِىَ شَيْطَانَةً، فَجَامَعَهَا والنَّاسُ يَنْظُرُونَ" (٧٠). ورَوَى أبو داودَ (٧١)، عن أبى هُرَيْرةَ، عنِ النَّبىِّ ﷺ مثلَه بمَعْناه. ولا يسْتَقْبِلُ القِبْلةَ حالَ الجِمَاعِ؛ لأنَّ عمرَو بنَ حَزْمٍ، وعَطاءٌ، كرِهَا ذلك. ويُكرَهُ الإِكثارُ من الكلامِ حالَ الجماعِ؛ لما رَوَى قَبِيصَةُ بنُ ذُؤَيْبٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ عِنْدَ (٧٢) مُجَامَعَةِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّ مِنْهُ يَكُونُ الْخَرَسُ والْفَأْفَاءُ" (٧٣). ولأنَّه يُكْرَهُ الكلامُ حالَ (٧٤) البَوْلِ، وحالُ الجِمَاعِ فى مَعْناه، وأَوْلَى (٧٥) بذلك منه. ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَاعِبَ امرأتَه قبلَ الجِمَاعِ؛ لتَنْهَضَ شهوتُها، فتنالَ مِن لذَّةِ الجماعِ مثلَ ما نالَه. وقد رُوىَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا تُوَاقِعْهَا إِلَّا وَقَدْ أَتَاهَا مِنَ الشَّهْوَةِ مِثْلُ مَا أَتَاكَ، لِكَيلَا (٧٦) تَسْبقَهَا بِالْفَرَاغِ". قلتُ: وذلك إلىَّ؟ قال: "نَعَمْ، إِنَّكَ تُقَبِّلُهَا، وَتَغْمِزُهَا، وتَلْمَسُهَا (٧٧)، فَإِذَا

стр. 5194

رَأَيْتَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَهَا مِثْلُ مَا (٧٨) جَاءَكَ، وَاقَعْتَهَا" (٧٩). فَإِنْ فرَغَ قبلَها، كُرِهَ له النَّزْعُ حتَّى تفْرُغَ؛ لما روَى أنسُ بنُ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أهْلَهُ، فلْيَصْدُقْها (٨٠)، ثُمَّ إذا قَضَى حَاجَتَهُ، فَلَا يُعْجِلْهَا حَتَّى تَقضِىَ حَاجَتَهَا" (٨١). ولأنَّ فى ذلك ضَرَرًا عليها، ومَنْعًا لها (٨٢) مِن قَضاءِ شَهْوتِها. ويُسْتحَبُّ للمرأةِ أَنْ تَتَّخذَ خِرْقةً، تُناولُها الزَّوجَ بعدَ فَراغِه، فيتمسَّحُ بها؛ فإنَّ عائشةَ قالتْ: ينْبَغِى للمرأةِ إذا كانتْ عاقِلةً، أَنْ تتَّخِذَ خِرقةً، فإذا جامعَها زوجُها (٨٣)، ناولتْه، فمسَحَ عنه، ثمَّ تَمْسَحُ عنها، فيُصَلِّيانِ فى ثَوْبِهما ذلك، ما لم تُصِبْه جَنَابةٌ. ولا بأسَ أن يجْمَعَ بين نسائِه وإمائِه بغُسْلٍ واحدٍ؛ لما رُوِىَ عن أنَسٍ، قال: سكَبْتُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ مِن نسائِه غُسْلًا واحدًا، فى ليلةٍ واحدةٍ (٨٤). ولأنَّ (٨٥) حدَثَ الجنابةِ لا يمنعُ الوَطْءَ؛ بدليلٍ إتْمامِ الجِمَاعِ. قال أحمدُ: إذا أرادَ أَنْ يعودَ، فأَعْجبُ إلىَّ الوضوءُ، فإنْ لم يفْعَلْ، فأرجُو أَنْ لَا يَكونَ به بَأْسٌ. ولأنَّ الوُضُوءَ يزيدُه نشاطًا ونظافةً، فاستُحِبَّ. وإنِ

стр. 5195

اغتسلَ بينَ كلِّ وَطْئَيْنِ، فهو أفضلُ، فإنَّ أبا رافِعٍ رَوَى، أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ طافَ على نسائِه جميعًا، فاغتسلَ عندَ كلِّ امرأةٍ منهنَّ غُسْلًا، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، لو جعَلْتَه غُسلًا واحدًا؟ قال: "هَذَا أَزْكَى وأطْيَبُ وأَطْهَرُ". روَاه أحمدُ، فى "المُسْنَدِ" (٨٦)، ورَوَى أحاديثَ هذا الفصلِ كلِّها أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ، ورَوَى ابنُ بَطَّةَ، بإسْنادِه عن أبِى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إذَا جَامَعَ الرجُلُ أَوَّلَ اللَّيْل، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ" (٨٧). فصل: وليسَ للرّجُلِ أَنْ يجمعَ بين امرأتَيْه فى مَسْكَنٍ واحدٍ بغيرِ رِضَاهما، صغيرًا كان أو كبيرًا؛ لأنَّ عليهِمَا ضَرَرًا؛ لما بينهما مِنَ العداوةِ والغَيْرةِ، واجتماعُهُما يُثِيرُ المُخاصَمةَ والمُقاتلةَ، وتسْمَعُ كلُّ واحدةٍ منهُما حِسَّه إذا أتى (٨٨) الأُخْرَى، أو ترَى ذلك، فإن رَضِيَتا بذلك جازَ؛ لأنَّ الحقَّ لهما، فلهما المُسامَحةُ بتَرْكِه، وكذلك إنْ رَضيَتا بنَوْمِه بينهما فى لِحَافٍ واحدٍ، وإِنْ رَضيَتا بأن يُجامِعَ واحدةً بحيثُ تَراهُ الأُخْرَى، لم يجزْ؛ لأنَّ فيه دَناءةً وسُخْفًا وسُقوطَ مُروءَةٍ، فلم يُبَحْ برِضاهما. وإن أسْكنَهما فى دارٍ واحدةٍ، كلَّ واحدةٍ فى بيتٍ، جازَ، إذا كان ذلك مَسْكَنُ مِثْلِها. فصل: رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "أَتَعْجَبُوْنَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّى" (٨٩) وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: بلَغنِى أَنَّ نساءَكم لَيُزاحِمْنَ

стр. 5196

العُلُوجَ (٩٠) فى الأَسْواقِ، أُمَا تَغارُونَ؟ إنَّه لا خيرَ فى مَن لا يَغارُ (٩١). وقال محمدُ بنُ على بنِ الحسينِ: كان إبراهيمُ ﵇ غَيُورًا، وما من امْرِئٍ لا يغارُ إلَّا مَنْكوسُ القَلْبِ. ١٢٢٣ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِىَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِى القَسْمِ) لا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ فى وُجوبِ التَّسوية بين الزَّوْجاتِ فى القَسْمِ خلافًا، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١). وليس مع المَيْلِ مَعْروفٌ. وقال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (٢). ولَيس أبو هُرَيْرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ". وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ يقْسِمُ بيْنَنا فيَعْدِلُ، ثمَّ يقول: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِىِ فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِى فِيمَا لَا أَمْلِكُ". روَاهما أبو داود (٣). إذا ثبت هذا، فإنَّه إذا كان عندَه نِسْوَةٌ، لم يجُز له (٤) أن يبْتَدِئَ بواحدةٍ منهنُّ إِلَّا بقُرْعةٍ؛ لأنَّ البِدايةَ (٥) بها، تفضِيلٌ لها؛ والتَّسويةُ واجبةٌ، ولأنَّهنَّ مُتَساوياتٌ فى الحقِّ، ولا يُمْكِنُ

стр. 5197

الجَمْعُ بينهنَّ، فوحبَ المَصِيرُ إلى القُرْعةِ، كما لو أرادَ السَّفرَ بإحْدَاهنّ. فإنْ كانتا اثْنَتيْنِ، كَفاه قرعةٌ واحدةٌ، ويصيرُ فى (٦) اللَّيلةِ الثَّانيةِ إلى الثَّانيةِ بغيرِ قُرْعةٍ؛ لأنَّ حقَّها مُتعَيِّنٌ. وإن كنَّ ثلاثًا، أقْرَعَ فى اللَّيلةِ الثَّانيةِ للبدَايةِ بإحْدَى الباقيتَيْنِ. وإن كُنَّ أربعًا أقْرَعَ فى اللَّيلةِ الثَّالثةِ، ويصيرُ فى اللَّيلةِ الرَّابعةِ إلى الرَّابعةِ بغيرِ قُرعةٍ. ولو أقرعَ فى اللَّيلةِ الأُولى، فجعلَ سهمًا للأُولَى، وسهمًا للثَّانيةِ، وسهمًا للثَّالثةِ، وسهمًا للرَّابعةِ، ثمَّ أخرجَها عليهنَّ مَرَّةً واحدةً، جازَ، وكان لكلِّ واحدةٍ ما خرجَ لها. فصل: ويقْسِمُ المريضُ والْمَجْبوبُ (٧) والعِنِّينُ والخُنْثَى (٨) والخَصِىُّ، وبذلك قال الثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأى؛ لأنَّ القَسْمَ للأُنْسِ، وذلك حاصِلٌ مِمَّنْ لا يطَأُ. وقد روَت عائشةُ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ لمَّا كان فى مَرَضِه، جعل يدُورُ فى نسائِه، ويقولُ: "أَيْنَ أنَا غَدًا؟ [أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ "] (٩). روَاه البُخارىُّ (١٠). فإنْ شقَّ عليه ذلك، اسْتَأْذَنَهنَّ فى الكَوْنِ عندَ إحْداهُنَّ، كما فعل النَّبىُّ ﷺ ، قالت عائشةُ: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ بعَثَ إلى النِّساء فاجتمَعْنَ، قال: "إنِّى لَا أسْتَطِيعُ أَنْ أَدُوْرَ بَيْنَكُنَّ، فَإِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَأْذَنَّ لِى، فَأَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَعَلْتُنَّ". فَأَذِنَّ لَهُ. روَاه أبو داودَ (١١). فإنْ لم يأذَنَّ له، أقامَ عندَ إحْداهنَّ بالقُرْعةِ، أو اعْتزَلهنَّ جميعًا إنْ أحبَّ. فإن كان الزَّوجُ مَجْنونًا لا يُخافُ منه، طافَ به الوَلِىُّ عليهنَّ، وإن كان يُخافُ منه، فلا قَسْمَ عليه؛ لأنَّه لا يحْصُلُ منه أُنسٌ ولا فائدةٌ. وإِنْ لم يعْدِلِ الوَلِىُّ فى القَسْمِ بينهنَّ، ثمَّ أفاقَ المَجْنونُ، فعليه أن يقْضِىَ للمَظْلومةِ؛ لأنَّه حَقٌّ ثبتَ فى ذمَّتِه، فلَزِمَه إيفاؤُه حالَ الإِفاقةِ، كالمالِ. فصل: ويُقْسَمُ للمَريضةِ، والرَّتْقاءِ، والحائضِ، والنُّفَساءِ، والمُحْرِمة،

стр. 5198

والصَّغِيرةِ (١٢) المُمْكِنِ وَطْؤُها، وكلُّهنَّ سَواءٌ فى القَسْمِ. وبذلك قال مالكٌ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، ولا نعلمُ عن غيرِهم خلافَهم. وكذلك التى ظاهرَ منها؛ لأنَّ القَصْدَ الإِيوَاءُ والسَّكَنُ والأُنْسُ، وهو حاصلٌ لَهُنَّ، وأمَّا المَجْنُونةُ، فإن كانتْ لا يُخافُ منها، فهى كالصَّحِيحةِ، وإِنْ خافَ منها، فلا قَسْمَ لها؛ لأنَّه لا يَأْمَنُها على نفسِه، ولا يَحْصُلُ لها أُنسٌ ولا بها. فصل: ويجبُ قَسْمُ الابتداءِ، ومَعْناه أَنَّه إذا كانت له امرأةٌ، لَزِمَه المَبيتُ عندَها ليلةً مِن كلِّ أربعِ ليالٍ، ما لم يكُنْ عُذْرٌ، وإن كان له نِسَاءٌ فلكلِّ واحدةٍ منهن لَيْلَةٌ مِن كلِّ أربع. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال القاضى، فى "المُجَرَّدِ": لا يجبُ قسمُ الابتداءِ، إلَّا أن يَترُكَ الوَطْءَ مُصِرًّا، فإنْ ترَكَه غيرَ مُصِرٍّ لم يلزمْه قَسْمٌ، ولا وَطْءٌ (١٣)؛ لأنَّ أحمدَ قال: إذا وصلَ الرَّجلُ إلى امرأتِه مَرَّةً، بَطَلَ أن يكونَ عِنِّينًا. أى لا يُؤَجَّلُ. وقال الشَّافعىُّ: لا يجبُ قَسْمُ الابْتداءِ بحالٍ؛ لأنَّ القَسْمَ لحقِّه، فلم يجبْ عليه. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ ، لعبدِ اللَّهِ بن عمرِو بنِ العاصِ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تَصُوْمُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ " قلتُ: بلَى يا رسولَ اللَّهِ. قال: "فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا". مُتَّفَقٌ عليه (١٤). فأخْبَرَ أَنَّ للمرأةِ عليه حقًّا. وقد اشْتَهَرَتْ قصةُ كعبِ بنِ

стр. 5199

سُورٍ (١٥)، وروَاها (١٦) عمرُ بن شَبَّةَ (١٧) فى كتابِ "قُضَاةِ البصرةِ" مِن وُجُوهٍ (١٨)؛ إحداهنَّ عن الشَّعْبِىِّ، أَنَّ كعبَ بنَ سُورٍ كان جالسًا عندَ عمرَ بنِ الخطَّابِ، فجاءتِ امرأةٌ، فقالتْ: يا أميرَ المؤمنيْن، ما رأيتُ رجلًا قَطُّ أفْضَلَ مِن زوجى، واللَّهِ إنَّه لَيبِيتُ ليله قائمًا، ويظَلُّ نهارَه صائمًا. فاسْتَغْفَرَ لها، وأثنَى عليها. واسْتَحْيَتِ المرأةُ، وقامتْ راجعةً، فقال كعبٌ: يا أميرَ المؤمنين، هلَّا أعْدَيتَ المرأةَ على زَوْجِها؟ [فقال: وما ذاك؟ فقال: إنَّها جاءتْ تَشْكُوهُ، إذا كانت حالُه هذه فى العبادةِ، متى يتفَرَّغُ لها؟ فبعَث عمرُ إلى زَوْجِها] (١٩)، فجاء، فقال لكعبٍ: اقْضِ بينهما، فإنَّك فهِمْتَ مِن أمرِهما ما لم أفْهَمْ. قال: فإنِّى أرَى كأنَّها امرأةٌ عليها ثلاثُ نِسْوَةٍ، هى رابعتُهنَّ، فأقْضِى له بثلاثةِ أيامٍ ولياليهِنَّ يتعبَّدُ فيهنَّ، ولها يومٌ وليلةٌ. فقال عمر: واللَّهُ ما رأيُك الأوَّلُ بأعجبَ إلىَّ مِن الآخِرِ، اذْهَبْ فأنتَ قاضٍ على أهلِ البصرةِ. وفى رواية، فقال عمر: نعْمَ القاضى أنتَ (٢٠). وهذه قضيَّةٌ اشْتهرتْ (٢١) فلم تُنكرْ، فكانت إجماعًا. ولأنَّه لو لم يكُنْ حَقًّا، لم تسْتَحِقَّ فسخَ النِّكاحِ لتَعذُّرِه بالجَبِّ والعُنَّة، وامْتناعِه بالإِيلاءِ. ولأنَّه لو لم يكُنْ حقًّا للمرأةِ، لمَلكَ الزَّوجُ تخْصِيصَ إحْدَى زَوْجتَيْه به، كالزِّيادةِ فى النَّفقةِ على قدْرِ الواجبِ. إذا ثبتَ هذا، فقال أصحابنا: حقُّ المرأةِ لَيْلَةٌ من كلِّ أربعٍ، وللأمَةِ لَيْلَةٌ من كلِّ سَبْعٍ؛ لأنَّ أكثرَ ما يُمْكِنُ أن يَجْمَعَ معها ثلاثَ حَرائرَ، ولها السابعةُ، والذى يَقْوَى

стр. 5200

عندى، أَنَّ لها ليلةً من ثمانٍ، لتكونَ على النِّصفِ ممَّا للحُرَّةِ، فإنَّ حقَّ الحُرَّةِ من كلِّ ثمانٍ ليلتانِ، ليس لها أكثرُ من ذلك، فلو كان للأمَةِ لَيْلَةٌ من سَبْعٍ، لَزادَ على النِّصفِ، ولم يكُنْ للحُرَّةِ لَيْلتانِ وللأمَةِ لَيْلَةٌ، ولأنَّه إذا كان تحتَه ثلاثُ حرائرَ وأمَةٌ، فلم يُرِدْ أن يَزِيدهنَّ على الواجبِ لهنَّ، فقَسَمَ بيهن سَبْعًا، فماذا يصْنعُ فى الليلةِ الثامِنة؟ إنْ أوجبنا عليه مَبِيتَها عند حُرَّةٍ، فغد زادَها على ما يجبُ لها، وإن باتَها عندَ الأمةِ جعَلها كالحُرَّةِ، ولا سبيلَ إليه، وعلى ما اخْتَرْتُه (٢٢) تكونُ هذه الليلةُ الثامنةُ له، إن أحبَّ انفردَ فيها، وإِنْ أحبَّ باتَ عندَ الأُولَى مُسْتأنِفًا للقَسْمِ. وإن كان عندَه (٢٣) حُرَّةٌ وأمَةٌ، قسَمَ لهنَّ ثلاثَ ليالٍ من ثمانٍ، وله الانْفِرادُ فى خمسٍ. وإن كان تحتَه حُرَّتانِ وأمَةٌ، فلهنَّ خمسٌ وله ثلاثٌ. وإن كان حُرَّتانِ وأُمتَانِ، فلهنَّ سِتٌّ وله اثنتانِ (٢٤). وإن كانت أمَةً واحدةً، فلها لَيْلَةٌ وله سبعٌ، وعلى قولِهم لها لَيْلَةٌ وله سِتٌّ. فصل: والوَطْءُ واجبٌ على الرَّجُلِ، إذا لم يكُنْ له (٢٣) عُذْرٌ. وبه قال مالكٌ. وعلى قَوْلِ القاضى: لا يجبُ إلَّا أن يتركَه للإضْرارِ. وقال الشَّافعىُّ: لا يجبُ عليه؛ لأنَّه حقٌّ له، فلا يجبُ عليه، كسائرِ حُقوقِه. ولَنا، ما تقدَّمَ فى الفصلِ الذى قبلَه، وفى بعضِ رواياتِ حديثِ كعبٍ أنَّه حين قضَى بين الرَّجُلِ وامرأتِه، قال: إنَّ لها عليك حَقًّا يا بَعَلْ تُصِيبُها فى أرْبَعٍ لمنْ عَدَلْ فأعْطِها ذاك ودَعْ عنك العِلَلْ فاسْتَحْسَنَ عمرُ قَضاءَه، ورَضِيَه. ولأنَّه حَقٌّ واجبٌ بالاتِّفاقِ، إذا (٢٥) حلَف على تَرْكِه، فيجِبُ قبلَ أن يحْلِفَ، كسائرِ الحُقوقِ الواجبةِ، يُحقِّقُ هذا أنَّه لو لم يكُنْ

стр. 5201

واجبًا، لم يَصِرْ باليَمِينِ على تَرْكِه واجبًا، كسائرِ ما لا يجبُ، ولأنَّ النِّكاحَ شُرِعَ لمصلحةِ الزَّوْجَيْن، ودَفْعِ الضَّرَرِ عنهما، وهو مُفْضٍ [إلى دَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوةِ عن المرأةِ كإفْضائِه] (٢٦) إلى دَفْعِ ذلك عن الرَّجلِ، فيجبُ تعْليلُه بذلك، ويكون النِّكاحُ حقًّا لهما جميعًا، ولأنَّه لو لم يكُنْ لها فيه حقٌّ، لمَا وجبَ اسْتِئْذانُها فى العَزْلِ، كالأمَةِ. إذا ثبتَ وجوبُه، فهو مُقدَّرٌ بأرْبعةِ أشْهُرٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. ووَجْهُه أنَّ اللَّه تعالى قدَّرَه بأربعةِ أشْهُرٍ فى حقِّ المُولِى، فكذلك فى حَقِّ غيرِه؛ لأنَّ اليَمِينَ لا تُوجِبُ ما حُلِفَ على تَرْكِه، فيدُلُّ على أنَّه واجِبٌ بدونِها. فإنَّ أصرَّ على تَرْكِ الوَطْءِ، وطالَبتِ المرأةُ، فقد رَوَى ابنُ منصورٍ، عن أحمدَ، فى رجلٍ تزوَّجَ امرأةً، ولم يدخُلْ بها، يقول: غدًا أدخلُ بها، غدًا أدخلُ بها. إلى شهرٍ، هل يُجْبَرُ على الدُّخولِ؟ فقال: أذْهَب إلى أربعةِ أشْهُرٍ، إنْ دخلَ بها، وإلَّا فُرِّقَ بينهما. فجعَله أحمدُ كالمُولِى. وقال أبو بكرٍ بنُ جعفرٍ (٢٧): لم يَرْوِ مسألةَ ابنِ منصورٍ غيرُه، وفيها نَظَرٌ، وظاهرُ قَوْلِ أصحابِنا أنَّه لا يُفرَّقُ بينهما لذلك، وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ؛ لأنَّه لو ضُرِبَتْ (٢٨) له المُدَّةُ لذلك، وفُرِّقَ بينهما، لم يكُنْ للإيلاءِ أثرٌ، ولا خلافَ فى اعْتبارِه. فصل: وإن سافرَ عن امرأتِه لعذرٍ وحاجةٍ، سقطَ حقُّها من القَسْمِ والوطءِ، وإن طالَ سَفَرُه، ولذلك لا يُفْسَخُ (٢٩) نِكاحُ المفْقودِ إذا تَرَكَ لامْرأتِه نَفَقةً. وإن لم يكُنْ له عذرٌ مانعٌ مِن الرُّجوعِ، فإنَّ أحمدَ ذهبَ إلى تَوْقيتِه بستَّةِ أشْهُرٍ، فإنَّه قيل له: كم يَغِيبُ الرَّجلُ عن زوجتِه؟ قال: ستَّةَ أشْهُرٍ، يُكتَبُ إليه، فإنْ أبَى أَنْ يرْجِعَ، فرَّقَ الحاكمُ بينهما. وإنَّما صَارَ إلى تقديرِه بهذا لحديثِ عمرَ، روَاه أبو حفصٍ، بإسنادِه عن زيد بنِ أسْلَمَ (٣٠) قال: بينا عمرُ بنُ الخطَّابِ يحرسُ المدينةَ، فمر بامرأةٍ فى بيتِها وهى تقول:

стр. 5202

تطَاوَلَ هذا اللَّيْلُ واسْوَدَّ جانِبُهْ ... وطالَ على أَنْ لا خَليلَ أُلاعِبُهْ وَواللَّهِ لولا خَشْيَةُ اللَّهِ وحدَه ... لَحُرِّكَ مِن هذا السَّرِيرِ جَوانِبُهْ فسأل عنها عمرُ، فقيل له: هذه فلانةٌ، زوجُها غائبٌ فى سبيلِ اللَّهِ. فأرسلَ إليها امرأةً تكونُ معَها، وبعثَ إلى زَوْجِها فأقْفَلَه، ثمَّ دخلَ على حَفْصةَ، فقال: يا بُنَيَّةُ، كم تصْبِرُ المرأةُ عن زوجِها؟ فقالت: سبحانَ اللَّهِ، مِثْلُك يسألُ مِثْلِى عن هذا! فقال: لولا أنِّى أُرِيدُ النَّظَرَ للمسلمين ما سألتُك. قالتْ: خمسة أشْهُرٍ، ستَّة أشْهُرٍ. فوقَّتَ للنَّاسِ فى مَغازيهم ستَّةَ أشْهُرٍ؛ يَسِيرون شهرًا، ويُقيمونَ أربعةً، ويَسِيرونَ شهرًا راجعينَ. وسُئلَ أحمدُ: كم للرَّجلِ أَنْ يَغِيبَ عن أهلِه؟ قال: يُرْوَى ستَّةُ أشهرٍ. وقد يَغِيبُ الرَّجلُ اكثرَ من ذلك لأمرٍ (٣١) لابُدَّ له، فإنَّ غابَ أكْثرَ من ذلك لغيرِ عُذْرٍ، فقالَ بعضُ أصحابِنا: يُراسِلُه الحاكمُ، فإنْ أَبَى أَنْ يَقْدَمَ، فَسَخَ نِكاحَه. ومَن قال: لا يُفْسَخُ نِكاحُه إذا تَرَكَ الوَطْءَ وهو حاضرٌ، فههُنا أوْلى. وفى جميعِ ذلك، لا يجوزُ الفَسْخُ عندَ مَن يَراهُ إلَّا بحُكْمِ حاكمٍ؛ لأنَّه مُخْتلَفٌ فيه. فصل: وسُئلَ أحمدُ: يُؤْجَرُ الرجلُ أن يَأْتِىَ أهلَه وليس له شَهْوةٌ؟ فقال: إى واللَّهِ، يَحْتسِبُ الولَدَ. وإن يُردِ الولدَ؟ يقول: هذه امرأةٌ شابَّةٌ، لِمَ لا يُؤْجَرُ؟ وهذا صحيحٌ، فإنَّ أبا ذَرٍّ رَوَى، أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "مُبَاضَعَتُكَ أَهْلَكَ صَدَقَةٌ"، قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ أنُصِيبُ شَهْوتَنا ونُؤْجَرُ؟ قال: "أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهُ فِى غَيْرِ حَقِّهِ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ " قال: قلتُ: بلى. قال: "أَفَتَحْتَسِبُونَ بِالسيِّئَةِ، وَلَا تَحْتَسِبُونَ بِالْخَيْرِ" (٣٢). ولأنَّه وَسِيلةٌ إلى الولدِ، وإعْفافِ نفسِه وامرأتِه، وغَضِّ بصرِه، وسُكونِ

стр. 5203

نَفْسِه، أو إلى بعض ذلك. فصل: وليس عليه التَّسْوِيَةُ بين نسائِه فى النَّفَقةِ والكُسْوةِ إذا قامَ بالواجبِ لكلِّ واحدةٍ منهنَّ. قال أحمدُ، فى الرَّجلِ له امرأتانِ: له أَنْ يُفَضِّلَ إحْداهما على الأُخْرَى فى النَّفقةِ والشَّهواتِ والسُّكْنَى (٣٣)، إذا كانت الأُخْرَى فى كِفَايةٍ، ويشْتَرِى لهذه أرْفَعَ من ثَوْبِ هذه، وتكونُ تلك فى كِفَايةٍ. وهذا لأنَّ التَّسْوِيَةَ فى هذا كلِّه تَشُقُّ، فلو وجَبَ لم يُمْكِنْه القيامُ به إلَّا بحَرَج، فسقَطَ وُجوبُه، كالتَّسْويةِ فى الوَطْءِ. ١٢٢٤ - مسألة؛ قال: (وعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ) لا خلافَ فى هذا؛ وذلك لأنَّ اللَّيلَ للسَّكَنِ والإِيوَاءِ، يأْوِى فيه الإنْسانُ إلى مَنْزلِه، ويسكُنُ إلى أهْلِه، وينامُ فى فراشِه مع زوجتِه عادةً، والنَّهارَ للمَعاشِ، والخُروجِ، والتَّكَسُّبِ، والاشْتغالِ. قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (٢). وقال: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣). فعلَى هذا يَقْسِمُ الرَّجلُ بين نِسائِه ليلةً وليلةً، ويكونُ فى النَّهارِ فى معاشِه، وقضاءِ حُقوقِ النَّاسِ، وما شاء ممَّا يُباحُ له، إلَّا أن يكونَ ممَّن مَعاشُه باللَّيْلِ، كالحُرَّاسِ ومَن أشبهَهُم، فإنَّه يقْسِمُ بين نسائِه بالنَّهارِ، ويكونُ الليلُ فى حقِّه كالنَّهارِ فى حقِّ غيرِه. فصل: والنَّهارُ يدْخُلُ فى القَسْمِ تَبعًا للَّيلِ؛ بدليلِ ما رُوِىَ أَنَّ سَوْدةَ وهبَتْ يومَها لعائشةَ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وقالتْ عائشةُ: قُبضَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتِى، وفى

стр. 5204

يَوْمِى (٥). وإنَّما قُبِض النَّبِىُّ ﷺ نَهارًا. ويتْبَعُ اليومُ اللَّيلةَ الماضيةَ؛ لأنَّ (٦) النَّهارَ تابعٌ للَّيلِ، ولهذا يكونُ أوَّلُ الشَّهرِ اللَّيلَ، ولو نذَرَ اعْتكافَ شهرٍ دخَلَ مُعتَكَفَه قبلَ غُروبِ شمس الشَّهرِ الذى قبلَه، ويخْرُجُ منه بعدَ غُروبِ شمس آخرِ يومٍ منه، فيَبْدأُ باللَّيلِ، وإن أحبَّ أن يجْعلَ النَّهارَ مُضافًا إلى اللَّيْلِ الذى يتعَقَّبُه جازَ؛ لأنَّ ذلك لا يتَفاوتُ. فصل: وإن خرجَ من عندِ بعض نِسَائِه فى زَمانِها، فإنْ كان ذلك فى النَّهارِ أو أوَّلَ اللَّيلِ، أو آخرِه الذى جرتِ العادةُ بالانتشارِ فيه، والخروجِ إلى الصَّلاةِ، جازَ؛ فإنَّ المسلمِين يخْرُجونَ لصلاةِ العِشَاءِ، ولصلاةِ الفجرِ قبلَ طُلوعِه، وأمَّا النَّهارُ، فهو للمعاشِ والانْتِشارِ. وإن خرَجَ فى غيرِ ذلك، ولم يلْبَثْ أَنْ عادَ، لم يَقْضِ لها؛ لأنَّه لا فائدةَ فى قَضاءِ ذلك. وإن أقامَ، قَضاهُ لها، سواءٌ كانتْ إقامتُه لعُذْرٍ؛ من شُغلٍ أو حَبْسٍ، أو لغيرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ حقَّها قد فاتَ بغَيْبتِه عنها. وإِنْ أحبَّ أن يجْعلَ قضاءَه لذلك غَيبتَه عن الأُخْرَى، مثل مَا غابَ عن هذه، جازَ؛ لأنَّ التَّسويةَ تحْصُلُ بذلك، ولأنَّه إذا جازَ له تَرْكُ الليلةِ بكمالِها فى حقِّ كلِّ واحدةٍ منهما، فبعضُها أوْلَى. ويُسْتحَبُّ أَنْ يقْضِىَ لها فى مثلِ ذلك الوقتِ؛ لأنَّه أبْلَغُ فى المُماثلةِ، والقضاءُ تُعْتَبَرُ المُماثلةُ فيه، كقَضاءِ العباداتِ والحُقوقِ. وإِنْ قَضاهُ فى غيرِه مِنَ اللَّيلِ، مثل إنْ فاتَها فى أَوَّلِ اللَّيلِ، فقَضاه فى آخرِه، أو مِن آخِرِه، فقَضاه فى (٧) أوَّلِه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهمَا

стр. 5205

يجوزُ؛ لأنَّه قد قضَى قدْرَ ما فاتَه مِنَ اللَّيلِ. والآخَرُ، لا يجوزُ؛ لعَدَمِ المُماثلةِ. إذا ثبَتَ هذا، فإنَّه لا يُمْكِنُ قَضاؤُه كلّه مِن ليلةِ الأُخْرَى، لئلَّا يَفُوتَ حَقُّ الأُخْرَى، فتحتاجَ إلى قَضاءٍ، ولكن إمَّا أن ينْفَرِدَ بنفسِه فى ليلةٍ، فيَقْضِىَ منها، وإمَّا أن يقْسِمَ ليلةً بينهُنَّ، ويُفَضِّلُ هذه بقدْرِ ما فاتَ مِن حقِّها، وإمَّا أن يتْرُكَ من ليلةِ كلِّ واحدةٍ مثلَ ما فاتَ مِن ليلةِ هذه، وإمَّا أن يقْسِمَ المَتْرُوكَ بينهما، مثل أن يتْرُكَ من ليلةِ إحداهُما ساعتَيْنِ، فيَقْضِىَ لها مِن ليلةِ الأُخْرَى ساعةً واحدةً، فيصيرَ الفائتُ على كلِّ واحدةٍ منهما ساعةً. فصل: وأمَّا الدُّخولُ على ضَرَّتِها فى زمنِها، فإنَّ كان ليلًا لم يَجُزْ إلَّا لضَرُورةٍ، مثل أن تكونَ منزولًا بها، فيُرِيدُ أن يحْضُرَها، أو تُوصِى إليه، أو ما لا بُدَّ منه، فإن فعلَ ذلك، ولم يلْبَثْ أن خَرجَ، لم يَقْضِ. وإن أقامَ وبَرَأَتِ المرأةُ المريضةُ، قضَى للأُخْرَى مِن ليلتِها بقَدْرِ ما أقامَ عندَها. وإِنْ خَرجَ لحاجةٍ غيرِ ضَرُوريَّةٍ، أتمَّ. والحكمُ فى القضاءِ، كما لو دخلَ لضرورةٍ، [إن لم يلْبَثْ أن خرج، لم يَقْضِ] (٨)؛ لأنَّه لا فائدةَ فى قَضاءِ اليَسِيرِ. وإن دخلَ عليها، فجامعَها فى زمنٍ يَسِيرٍ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، لا يلْزمُه قضاؤُه؛ لأنَّ الوَطْءَ لا يُسْتَحَقُّ فى القَسْمِ، والزَّمنُ اليَسِيرُ لا يُقْضَى. والثانى، يلزمُه أن يقْضِيَه، وهو أن يدْخُلَ على المظْلومةِ فى ليلةِ المُجامعةِ، فيُجامِعَها، ليَعْدِلَ بينَهما، ولأنَّ اليَسِيرَ مع الجِماعِ يحْصُلُ به السَّكَنُ، فأشْبَهَ الكثيرَ. وأمَّا الدُّخولُ فى النَّهارِ إلى المرأةِ فى يومِ غيرِها، فيجوزُ للحاجةِ، من دَفْعِ النَّفقةِ، أو عِيَادةٍ، أو سُؤالٍ عن أمرٍ يَحْتاجُ إلى معرفتِه، أو زيارتِها لبُعْدِ عهدِه بها، ونحو ذلك؛ لما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يدْخُلُ علىَّ فى يومِ غيرِى، فينالُ منِّى كلَّ شىءٍ إلَّا الجماعَ (٩). وإذا دخلَ إليها لم

стр. 5206

يُجامعْها، ولم يُطِلْ عندَها؛ لأنَّ السَّكَنَ يحصُلُ بذلك، وهى لا تسْتحِقُّه، وفى الاسْتِمْتاعِ منها بما دونَ الفرجِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، يجوزُ؛ لحديثِ عائشةَ. والثانى، لا يجوزُ؛ لأنَّه يحْصُلُ لها به السَّكَنُ، فأشْبَهَ الجماعَ. فإن أطالَ المُقَامَ عندَها، قَضَاهُ. وإن جامعَها فى الزَّمنِ اليَسِيرِ، ففيه وَجْهانِ على ما ذكَرْنا. ومذهبُ الشَّافعىِّ على نحوِ ما ذكَرْنا، إلَّا أنَّهم قالوا: لا يَقْضِى إذا جامعَ فى النَّهارِ. ولَنا، أنَّه زمنٌ يقْضِيه إذا طال (١٠) المُقامُ، فيَقْضِيه إذا جامعَ فيه، كاللَّيلِ. فصل: والأَوْلَى أن يكونَ لكلِّ واحدةٍ منهُنَّ مَسْكَنٌ يأْتيها فيه؛ لأنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يَقْسِمُ هكذا، ولأنَّه أَصْوَنُ لهنَّ وأسْتَرُ، حتى لا يَخْرُجْنَ مِن بُيوتهنَّ. وإنِ اتَّخذَ لنفسِه مَنْزِلًا يَسْتَدْعِى إليه كلَّ واحدةٍ منهنَّ فى لَيْلتِها ويومِها، كان له ذلك؛ لأنَّ للرَّجلِ نقْلَ زَوْجتِه حيثُ شاءَ، ومَن امتنعتْ منهُنَّ من إجابتِه، سقَطَ حقُّها مِنَ القَسْمِ؛ لنُشُوزِها. وإن اخْتارَ أن يقْصِدَ بعضَهنَّ فى مَنازلهنَّ، ويَسْتدعِىَ البعضَ، كان له ذلك؛ لأنَّ له أَنْ يُسْكِنَ كلَّ واحدةٍ منهنَّ حيثُ شاءَ. وإنْ حُبِسَ الزَّوجُ، فأحبَّ القَسْمَ بين نسائِه، بأن يَسْتَدْعِىَ كلَّ واحدةٍ فى ليلتِها، فعليهنَّ طاعتُه، إن كان ذلك سُكْنَى مِثْلِهنَّ، وإن لم يكُنْ، لم تلزمْهُنَّ إجابتُه؛ لأنَّ عليهنَّ فى ذلك ضَررًا. وإن أَطَعْنَه، لم يكُنْ له أن يتْرُكَ العدلَ بينهنَّ، ولا اسْتِدْعاءُ بعضِهِنَّ دُونَ بعضٍ، كما فى غير الحَبْسِ. ١٢٢٥ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ، وَلَمْ يَطَأِ الأُخْرَى، فَلَيْسَ بِعَاصٍ) لا نعلمُ خلافًا بينَ أهلِ العلمِ، فى أنَّه لا تجبُ التَّسْويةُ بينَ النِّساءِ فى الجِماعِ، وهو مذهبُ مالكٍ، والشَّافعىِّ؛ وذلك لأنَّ الجماعَ طريقُه الشَّهْوةُ والمَيْلُ، ولا سَبِيلَ إلى التَّسْويَةِ بينهنَّ فى ذلك، فإنَّ قلبَه قد يَمِيلُ إلى إحداهُما دونَ الأُخْرَى، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (١). قال عَبِيدَةُ السَّلْمَانِىُّ: فى

стр. 5207

الحُبِّ والجِماعِ. وإن أمْكَنتِ التَّسْويَةُ بينهما فى الجِماعِ، كان أحْسنَ وأوْلَى؛ فإنَّه أبْلغُ فى العَدْلِ، وقد كان النَّبِىُّ ﷺ يقْسِمُ بينهنَّ فيَعْدِلُ، ثم يقولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِى فِيمَا أمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِى فِيمَا لَا أمْلِكُ" (٢). ورُوِىَ أنَّه كان يُسَوِّى بينهنَّ حتى فى القُبَلِ (٣). ولا تجبُ التَّسْويَةُ بينهنَّ فى الاسْتِمْتاعِ فيما (٤) دونَ الفَرْجِ؛ مِنَ القُبَلِ، واللَّمْسِ، ونحوِهما؛ لأنَّه إذا لم تجبِ التَّسْوِيَةُ بينهُنَّ (٥) فى الجماع، ففى دَواعِيه أوْلَى. ١٢٢٦ - مسألة؛ قال: (وَيَقْسِمُ لِزَوْجَتِهِ الأَمَةِ لَيْلَةً، وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً) وبهذا قال علىُّ بنُ أبى طالبٍ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، ومَسْروقٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ. وذكر أبو عُبيدٍ أنَّه مذهبُ الثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعىِّ، وأهلِ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ، فى إحدى الرِّوايتَيْنِ عنه: يُسَوِّى بينَ الحُرَّةِ والأمَةِ فى القَسْمِ؛ لأنَّهما سَواءٌ فى حقوقِ النِّكاحِ؛ مِنَ النَّفقةِ، والسُّكْنَى، وقَسْمِ الابْتداءِ، كذلك هاهُنا. ولنا، ما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يقول: إذا تزوَّجَ الحُرَّةَ على الأَمَةِ، قسَمَ للأمَةِ ليلةً وللحُرَّةِ ليلتَيْنِ. روَاه الدَّارَقُطْنِىُّ (١)، واحْتَجَّ به أحمدُ. ولأنَّ الحُرَّةَ يجبُ تسْليمُها ليلًا ونهارًا، فكان حظُّها أكثرَ فى الإِيوَاءِ، ويُخالِفُ النَّفقةَ والسُّكْنَى، فإنَّه مُقَدَّرٌ بالحاجةِ، وحاجتُها إلى ذلك كحاجةِ الحُرَّةِ. وأمَّا قَسْمُ الابْتِداءِ، فإنَّما شُرِعَ ليزُولَ الاحْتِشامُ مِن كلِّ واحدٍ منهما من صاحبِه، ولا يخْتلِفانِ فى ذلك، وفى مسْألتِنا يَقْسِمُ لهما لتَساوِى حظِّهما.

стр. 5208

فصل: والمسلمةُ والكِتابيَّةُ سَواءٌ فى القَسْمِ، فلو كانتْ (٢) له امرأتانِ، أمَةٌ مسلمةٌ، وحُرَّةٌ كتابيَّةٌ، قسَمَ للأمَةِ ليلةً وللحُرَّةِ ليلتَيْنِ، وإن كانَتا جميعًا حُرَّتَيْنِ، فليلةٌ وليلةٌ. قال ابنُ المنذرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نحْفظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أَنَّ القَسْمَ بينَ المسلمةِ والذِّمِّيَّةِ سَواءٌ. كذلك قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعىُّ، والزُّهْرىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادُ، ومالكٌ، والثَّورىُّ، والأوْزاعىُّ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وذلك لأنَّ القَسْمَ مِن حُقوقِ الزَّوجِيَّةِ، فاسْتَوتْ فيه المُسلمةُ والكِتابيَّةُ، كالنَّفقةِ والسُّكْنَى. ويُفارقُ (٣) الأمَةَ؛ لأنَّ الأمَةَ لا يتمُّ تسْليمُها، ولا يحْصُلُ لها الإِيواءُ التَّامُّ، بخلافِ الكِتابيَّةِ. فصل: فإن أُعْتِقَتِ الأمَةُ فى أثْناءِ مُدَّتِها، أضافَ إلى ليلتها ليلةً أُخْرَى، لتُساوِىَ الحُرَّةَ، وإِنْ كان بعدَ انْقضاءِ مُدَّتِها، استُؤْنِفَ القَسْمُ مُتَساويًا، ولم يَقْضِ لها ما مَضَى؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ حصَلتْ بعدَ اسْتيفاءِ حَقِّها. وإِنْ عَتَقتْ، وقد قَسَمَ للحُرَّةِ ليلةً، لم يَزِدْها على ذلك؛ لأنَّهما تَساوَيا، فيُسَوِّى بينهما. فصل: والحقُّ فى القَسْمِ للأمَةِ دُونَ سيِّدها، فلها أَنْ تَهَبَ ليلتَها لزَوْجِها، ولبَعْضِ ضَرائرِها، كالحُرَّةِ، وليس لسَيِّدِها الاعْتراضُ عليها، ولا أن يَهبَه دُونَها؛ لأنَّ الإِيواءَ والسَّكَنَ حقٌّ لها دونَ سيِّدِها، فملَكتْ إسْقاطَه. وذكرَ القاضى، أَنَّ قياسَ قولِ أحمدَ: إنَّه يَسْتأذِنُ سيِّدَ الأَمَةِ فى العَزْلِ عنها. أَنْ لا تجوزَ هِبَتُها لحقِّها من القَسْمِ إلَّا بإذْنِه. ولا يصحُّ هذا؛ لأنَّ الوَطْءَ لا يتَناولُه القَسْمُ، فلم يكُنْ للولىِّ فيه حَقٌّ، ولأنَّ المُطالبة بالفَيْئَةِ للأمَةِ دونَ سيِّدِها، وفَسْخُ النِّكاحِ بالجَبِّ والعُنَّةِ لها دونَ سيِّدِها، فلا وَجْهَ لإِثباتِ الحقِّ له هاهُنا. فصل: ولا قَسْمَ على الرَّجُلِ فى مِلْكِ يَمِينِه، فمَنْ كان له نِساءٌ وإماءٌ، فله الدُّخولُ

стр. 5209

على الإِماءِ كيف شاءَ، والاسْتِمْتاعُ بهنَّ إن شاءَ كالنِّساءِ، وإن شاءَ أقلَّ، وإن شاء أكثرَ، وإن شاء سَاوَى بين الإِماءِ، وإن شاء فضَّلَ، وإن شاء اسْتَمْتعَ مِن بَعْضهِنَّ دُونَ بعضٍ؛ بدليلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤). وقد كان للنَّبِىِّ ﷺ ماريَّةُ القِبْطيَّةُ، ورَيْحانةُ، فلم يكُنْ يقْسِمُ لهما. ولأنَّ الأمَةَ لا حَقَّ لها فى الاسْتِمْتاعِ، ولذلك لا يثْبُتُ لها الخِيارُ بكَوْنِ السَّيِّد مجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا، ولا تُضْرَبُ لها مُدَّةُ الإيلاءِ، لكنْ إنِ احتاجتْ إلى النِّكاح، فعليه إعْفافُها، إمَّا بوَطْئِها، أو تَزْويجِها، أو بَيْعِها. فصل: ويقْسِمُ بين نسائِه ليلةً ليلةً، فإنْ أحبَّ الزِّيادةَ على ذلك، لم يَجُزْ إلَّا برضَاهُنَّ. وقال القاضى: له أَنْ يقْسِمَ ليلتَيْنِ ليلتينِ، وثلاثًا ثلاثًا. ولا تجوزُ الزِّيادةُ على ذلك إلَّا برضاهُنَّ. والأوْلَى مع هذا ليلةٌ وليلةٌ؛ لأنَّه أقْرَبُ لعَهْدهِنَّ به، وتجُوزُ الثلاثُ لأنَّها فى حدِّ القِلَّةِ، فهى كاللَّيلةِ، وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. ولَنا، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما قسَمَ ليلةً وليلةً، ولأنَّ التَّسْوِيَةَ واجبةٌ، وإنَّما [جُوِّزَ بالبدايةِ] (٥) بواحدةٍ، لتعذُّرِ الجَمْعِ، فإذا بات عندَ واحدةٍ ليلةً، تعيَّنتِ اللَّيلةُ الثانيةُ حقًّا للأُخْرَى، فلم يَجُزْ جَعْلُها للأُولَى بغيرِ رِضَاها، ولأنَّه تأْخيرٌ لحقُوقِ بعْضهنَّ، فلم يَجُزْ بغيرِ رضاهُنَّ، كالزِّيادةِ على الثَّلاثِ، ولأنَّه إذا كان له أربعُ نسوةٍ، فجعلَ لكلِّ واحدةٍ ثلاثًا، حصَلَ تأخيرُ الأخيرةِ فى تسعِ ليالٍ، وذلك كثيرٌ، فلم يجُزْ، كما لو كان له امرأتانِ، فأرادَ أَنْ يجعلَ لكلِّ واحدةٍ تسعًا، ولأنَّ للتَّأْخيرِ آفاتٌ، فلا يجوزُ مع إمْكان التَّعْجيلِ بغيرِ رِضَى المُسْتحِقِّ، كتأْخيرِ الدَّيْنِ الحالِّ، والتَّحْديدُ بالثَّلاثِ تَحَكُّمٌ لا يُسْمَعُ مِن غيرِ دليلٍ، وكونُه فى حَدِّ القِلَّةِ لا يُوجِبُ جوازَ تَأْخِيرِ الحقِّ، كالديونِ الحالَّةِ وسائرِ الحقوقِ. فصل: فإنْ قَسَمَ لإحْداهما، ثم طلَّقَ الأُخْرَى قبلَ قَسْمِها، أثِمَ؛ لأنَّه فوَّتَ حقَّها

стр. 5210

الواجبَ لها، فإنْ عادت إليه، برَجْعَةٍ (٦) أو نِكَاحٍ؛ قَضَى لها؛ لأنَّه قدَرَ على إيفاءِ حقِّها، فلَزِمَه، كالمُعْسِرِ إذا أيْسَرَ بالدَّيْنِ. فإن قَسَمَ لإِحْداهما، ثم جاء ليَقْسِمَ للثانيةِ، فأغْلَقتِ البابَ دُونَه، أو منَعتْه من الاسْتِمْتاعِ بها، أو قالتْ: لا تدخُلْ علىَّ، أو لا تَبِتْ عندى. أو ادَّعَتِ الطَّلاقَ، سَقَطَ حقُّها من القَسْمِ. فإن عادتْ بعدَ ذلك إلى المُطاوَعةِ، اسْتأْنَفَ القَسْمَ بينهما، ولم يَقْضِ للنَّاشزِ (٧)؛ لأنَّها أسْقَطتْ حَقَّ نفسِها. وإِنْ كان له أرْبَعُ نِسْوةٍ، فأقام عندَ ثلاثٍ منهُنَّ ثلاثينَ ليلةً، لَزِمَه أن يُقيمَ عندَ الرَّابعةِ عشرًا؛ لتُساوِيهِنَّ، فإن نشَزتْ إحْداهُنَّ عليه (٨)، وظلَمَ واحدةً فلم يَقْسِمْ لها، وأقام عندَ الاثنَيْن ثلاثينَ ليلةً، ثمَّ أطاعتْه النَّاشِزُ، وأراد القضاءَ للمظْلومةِ، فإنَّه يَقْسِمُ لها ثلاثًا، وللنَّاشِزِ ليلةً، خمسةَ أدوارٍ، فيُكْمِلُ للمظلومةِ خَمْسَ عشرةَ ليلةً، ويحصُلُ للناشِزِ خَمْسٌ، ثم يسْتأْنِفُ القَسْمَ بينَ الجميعِ، فإنْ كان له ثلاثُ نِسْوةٍ، فقَسَمَ بين اثنتَيْنِ ثلاثينَ ليلةً، وظلَمَ الثالثةَ، ثم تزوَّج جديدةً، ثم أرادَ أن يقْضِىَ للمظلومةِ، فإنَّه يَخُصُّ الجديدةَ بِسَبْعٍ إنْ كانت بِكرًا، وثلاثٍ إن كانت ثَيِّبًا؛ لِحَقِّ العَقْدِ، ثم يَقْسِمُ بينها وبين المظْلومةِ خمسةَ أدْوارٍ، على ما قدَّمْنا للمظْلومةِ مِن كلِّ دورٍ ثلاثًا، وواحدةً للجديدةِ. فصل: فإن كانت (٩) امرأتاه فى بلدَيْنِ، فعليه العَدْلُ بينهما؛ لأنَّه اخْتارَ المُباعدةَ بينهما، فلا يَسْقطُ حقُّهُما عنه بذلك، فإمَّا أن يمْضِىَ إلى الغائبةِ فى أيَّامِها، وإمَّا أن يُقْدِمَها إليه، ويجْمَعَ بينهما فى بلدٍ واحدٍ، فإنِ امتنعتْ مِنَ القُدومِ معَ الإِمكانِ، سقَطَ حقُّها لنُشوزِها. وإن أحبَّ القَسْمَ بينهما فى بلدَيْهما، لم يُمْكِنْ أن يَقْسِمَ ليلةً وليلةً، فيجعلُ المُدَّةَ بِحَسَبِ ما يُمْكِنُ، كشَهْرٍ وشهرٍ، أو أكثر، أو أقلّ، على حَسَبِ ما يُمْكِنُه، وعلى حسَبِ تَقَارُبِ البلديْنِ وتَبَاعُدِهما.

стр. 5211

فصل: ويجوزُ للمرأةِ أن تَهَبَ حقَّها مِنَ القَسْمِ لزوجِها، أو لبعضِ ضَرائرِها، أو لَهُنَّ جميعًا، ولا يجوزُ إلا برِضَى الزَّوجِ؛ لأنَّ حقَّه فى الاسْتِمْتاعِ بها لا يسْقُطُ إلَّا برِضَاه، فإذا (١٠) رَضِيتْ هى والزَّوجُ جازَ؛ لأنَّ الحقَّ فى ذلك لهما، لا يَخرُجُ عنهما، فإن أبَتِ الموْهُوبةُ قَبُولَ الهبةِ، لم يكُنْ لها ذلك؛ لأنَّ حقَّ الزَّوْجِ فى الاسْتِمْتاعِ بها ثابتٌ فى كلِّ وقتٍ، إنَّما منَعتْه المُزاحَمةُ بحقِّ صاحبتِها، فإذا زالتِ المُزاحَمةُ بِهِبَتِها، ثَبتَ حقُّه فى الاسْتِمْتاعِ بها، وإن كرهتْ، كما لو كانت مُنْفرِدةً. وقد ثبتَ أَنَّ سَوْدَةَ وهَبتْ يومَها لعائشةَ، فكان رسولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لعائشةَ يومَها ويومَ سودةَ. مُتَّفَقٌ عليه (١١). ويجوزُ ذلك فى جميعِ الزَّمانِ وفى بعضِه، فإنَّ سَوْدَةَ وهَبتْ يومَها فى جميعِ زَمانِها. ورَوَى ابنُ ماجَه (١٢)، عن عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ على صَفِيَّةَ بنتِ حُيَىٍّ فى شىءٍ، فقالت صَفِيَّةُ لعائشةَ: هل لكِ أَنْ تُرْضِى عَنِّى (١٣) رسولَ اللَّهِ ﷺ ولكِ يَوْمِى؟ فأخذتْ خِمَارًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ، فَرَشَّتْهُ لِيَفُوحَ رِيحُهُ، ثم اخْتَمَرتْ به، وقَعَدَتْ إلى جَنْبِ النَّبِىِّ ﷺ ، فقالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "إِلَيْكِ يَا عَائِشَةُ، إنَّهُ لَيْسَ يَوْمَكِ". قالت: ذلك فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتيه مَنْ يشاءُ. فأخْبَرتْه بالأمْرِ، فَرَضِىَ عنها. فإذا ثبتَ هذا، فإن وهَبتْ ليلتَها لجميعِ ضَرائرِها، صار القَسْمُ بينهنَّ كما لو طلَّقَ الواهِبَةَ. وإن وهَبتْها للزَّوجِ، فله جَعْلُه (١٤) لمن شاءَ؛ لأنَّه لا ضَررَ على الباقياتِ فى ذلك، إن شاءَ جعلَه للجميعِ، وإن شاءَ خَصَّ بها واحدةً منهُنَّ، وإن شاءَ جعلَ لبعْضهِنَّ فيها أكثرَ مِن بعضٍ. وإن وهَبتْها لواحدةٍ منهنَّ (١٥) كفِعْلِ سَوْدَةَ، جازَ. ثم إن كانت تلك الليلةُ تَلِى ليلةَ المَوْهُوبةِ، وَالَى بينهما، وإن كانت لا تلِيهَا، لم يجُزْ له الْمُوَالاةُ بينهما، إلَّا برِضَى

стр. 5212

الباقياتِ، ويجعلُها لها فى الوقتِ الذى كان للواهِبَةِ؛ لأنَّ الموهُوبةَ قامت مَقامَ الواهبةِ فى لَيْلتِها، فلم يجُزْ تغْييرُها عن مَوْضعِها، كما لو كانت باقيةً للواهبةِ، ولأنَّ فى ذلك [تأخيرًا لِحَقِّ] (١٦) غيرِها، وتغييرًا لليلتِها بغيرِ رِضَاها، فلم يجُزْ. وكذلك الحُكْمُ إذا وهَبتْها للزَّوجِ، فآثرَ بها امرأةً منهُنَّ بعَيْنِها. وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه يجوزُ الموالاةُ بين الليلتيْنِ؛ لعدَمِ الفائدةِ فى التَّفريقِ. والأوَّلُ أصحُّ، وقد ذكَرْنا فيه فائدةً، فلا يجوزُ اطِّرَاحُها. ومتى رجَعتِ الواهبةُ فى لَيْلتِها، فلها ذلك فى المُسْتَقْبَلِ؛ لأنَّها هِبَةٌ لم تُقْبَضْ، وليس لها الرُّجوعُ فيما مَضى؛ لأنَّه بمنزلةِ المَقْبوضِ. ولو رجَعتْ فى بعضِ اللَّيلِ، كان على الزَّوجِ أن ينتقلَ إليها، فإنْ لم يعْلَمْ حتى أتمَّ اللَّيلةَ، لم يَقْضِ (١٧) لها شيئًا؛ لأنَّ التَّفْريطَ منها. فصل: فإن بذَلتْ ليلتَها بمالٍ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ حقَّها فى كونِ الزَّوجِ عندَها، وليس ذلك بمالٍ، فلا يجُوزُ مُقابلتُه بمالٍ، فإذا أخذتْ عليه مالًا، لزمَها ردُّه، وعليه أن يقضِىَ لها؛ لأنَّها تركتْه بشَرْطِ العِوَضِ، ولم يَسْلَمْ لها، وإن كان عِوَضُها غيرَ المالِ، مثلَ إرْضاءِ زَوْجِها، أو غيرِه عنها، جازَ؛ فإنَّ عائشةَ أرْضَتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن صَفِيَّةَ، وأخَذتْ يومَها، وأخبرتْ بذلك رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فلم يُنْكِرْهُ. ١٢٢٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا سَافَرَتْ زَوْجَتُهُ بِإِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا قَسْمَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَشْخصَهَا، فَهِىَ عَلَى حَقِّهَا مِنْ ذَلِك) وجملةُ الأمرِ أنَّها إذا سافرتْ فى حاجتِها، بإذْنِ زَوْجِها، لتجارةٍ لها، أو زيارةٍ، أو حَجِّ تطَوُّعٍ، أو عُمْرَةٍ (١)، لم يَبْقَ لها حَقٌّ فى نَفَقةٍ ولا قَسْمٍ. هكذا ذكر الخِرَقِىُّ،

стр. 5213

والقاضى. وقال أبو الخَطَّابِ: فى ذلك وَجْهانِ. وللشَّافعىِّ فيه قَوْلانِ؛ أحدُهما، لا يَسقطُ حقُّها؛ لأنَّها سافَرتْ بإذْنِه، أشْبَهَ ما لو سافَرتْ معَه. ولَنا، أَنَّ القَسْمَ للأُنْسِ، والنَّفقةَ للتَّمْكينِ من الاسْتِمْتاعِ، وقد تعذَّرَ ذلك بسبَبٍ من جِهَتِها، فسقَطَ، كما لو تعذَّرَ ذلك قبلَ دُخولِه بها. وفارَقَ ما إذا سافَرتْ معَه؛ لأنَّه لم يتعذَّرْ ذلك. ويَحْتَمِلُ أن يسْقُطَ القَسْمُ، وجهًا واحدًا؛ لأنَّه لو سافرَ عنها لَسقطَ قَسْمُها، والتَّعَذُّرُ مِن جِهَتِه، فإذا تعذَّرَ من جهتِها بسَفَرِها، كان أوْلَى، ويكونُ فى النَّفقةِ الوَجْهانِ (٢). وفى هذا تَنْبيهٌ على سُقوطِهما إذا سافَرتْ بغيرِ إذنِه، فإنَّه إذا سقَطَ حقُّها من ذلك لعَدَمِ التَّمْكِينِ بأمرٍ ليس فيه نُشوزٌ ولا مَعْصِيَةٌ، فَلأنْ يَسْقُطَ بالنُّشوزِ والمعصيةِ أوْلَى. وهذا لا خلافَ فيه نعْلمُه. فأمَّا إنْ أشْخَصَها (٣)، وهو أن (٤) يبعثَها لحاجتِه، أو يأمرَها بالنُّقْلَةِ مِن بلدِها، لم يَسْقُطْ حقُّها من نَفَقةٍ ولا قَسْمٍ؛ لأنَّها لم تُفَوِّتْ عليه التَّمْكِينَ، ولا فاتَ مِن جِهَتِها، وإنَّما حصَلَ بتَفْوِيتِه، فلم يَسْقُطْ حقُّها، كما لو أتْلَفَ المُشْتَرِى المبيعَ، لم يَسْقُطْ حقُّ البائعِ من تسْليمِ ثمنِه إليه. فعلَى هذا، يَقْضِى لها بحَسَبِ ما أقام عندَ ضَرَّتِها. وإن سافرتْ معَه، فهى على حقِّها منهما جميعًا. ١٢٢٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا، فَلَا يَخرُجُ مَعَهُ مِنْهُنَّ إِلَّا بِقُرْعَةٍ، فَإِذَا قَدِمَ ابْتَدأَ الْقَسْمَ بَيْنَهُنَّ) وجملتُه أَنَّ الزَّوْجَ إذا أرادَ سفرًا، فأحَبَّ حَمْلَ نسائِه معَه كلِّهِنَّ، أو تَرْكَهُنَّ كُلَّهُنَّ، لم يَحْتَجْ إلى قُرْعةٍ؛ لأَنَّ القُرْعةَ لتعْيِينِ المخْصُوصةِ منهُنَّ بالسَّفَرِ، وهاهُنا قد سَوَّى، وإن أرادَ السَّفَرَ ببعْضِهِنَّ، لم يَجُزْ له أن يُسافِرَ بها إلَّا بقُرْعةٍ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.

стр. 5214

وحُكِىَ عن مالكٍ، أَنَّ له ذلك مِن غيرِ قُرْعةٍ. وليس بصَحِيحٍ، فإنَّ عائشةَ رَوَتْ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان إذا أرادَ سفرًا، أقْرَعَ بين نِسائِه، وأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها، خرَجَ بها معَه. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّ فى المُسافَرةِ ببعْضهِنَّ من غيرِ قُرْعةٍ تفْضيلًا لها، ومَيْلًا إليها، فلم يَجُزْ بغيرِ قُرْعةٍ، كالبدايةِ بها فى القَسْمِ. وإن أحَبَّ المُسافرةَ بأكثرَ من واحدةٍ، أقْرَعَ أيضًا، فقد رَوَتْ عائشةُ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، كان إذا خرَجَ أقْرَعَ بين نِسائِه، فصارتِ القُرْعةُ لعائشةَ وحَفْصةَ. رَوَاه البُخارِىُّ (٢). ومتى سافَرَ بأكثرَ مِن واحدةٍ، سَوَّى بينهُنَّ كما يُسوِّى بينهنَّ فى الحَضَرِ، ولا يَلْزمُه القضاءُ للحاضِراتِ بعدَ قُدومِه. وهذا معنى قولِ الْخِرَقِىِّ: "فإذا قَدِمَ ابْتدأَ القَسْمَ بينهنَّ". وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وحُكِى عن داودَ أنَّه يَقْضِى؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (٣). ولَنا، أَنَّ عائشةَ لم تذْكُرْ قضاءً فى حديثِها، ولأنَّ هذه التى سافرَ بها يَلْحقُها مِن مَشَقَّةِ السَّفَرِ بإزاءِ ما حصَلَ لها مِنَ السَّكَنِ، ولا يحصُلُ لها من السَّكَنِ مثلُ ما يحْصُلُ فى الحَضَرِ، فلو قَضَى للحاضراتِ، لَكان قد مالَ على المُسافِرةِ كلَّ المَيْلِ، لكن إن سافرَ بإحْداهُنَّ بغيرِ قُرْعةٍ، أثِمَ، وقَضَى للبواقى بعدَ سَفَرِه. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يَقْضِى؛ لأنَّ قَسْمَ الحَضَرِ ليس بمثلٍ لقَسْمِ السَّفَرِ، فيتعذَّرُ القضاءُ. وَلنا، أنَّه خَصَّ بعضَهُنَّ بمُدَّةٍ، على وَجْهٍ تلحقُه التُّهْمةُ فيه، فلَزِمَه القضاءُ، كما لو كان حاضرًا. إذا ثبتَ هذا، فينْبَغِى أن لا يَلْزَمَه قضاءُ المُدَّةِ، وإنَّما يقْضِى منها ما أقامَ منها معها بمَبِيتٍ ونحوِه، فأمَّا زمانُ السَّيْرِ، فلم يحْصُلْ لها (٤) منه إِلَّا التَّعَبُ والمشقَّةُ، فلو جَعلَ للحاضرةِ فى مُقابَلةِ ذلك مَبِيتًا عندَها، واسْتِمْتاعًا بها، لَمالَ كلَّ المَيْلِ. فصل: إذا خرَجتِ القُرْعةُ لإحْداهُنَّ، لم يجبْ عليه السَّفْرُ بها، وله تَركُها والسَّفَرُ

стр. 5215

وحدَه؛ لأنَّ القُرْعةَ لا تُوجِبُ، وإنَّما تُعَيِّنُ مَن تسْتَحِقُّ التَّقْديمَ. وإن أراد السَّفَرَ بغيرِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّها تَعَيَّنَتْ بالقُرْعةِ، فلم يَجُزِ العُدولُ عنها إلى غيرِها. وإن وهبتْ حقَّها من ذلك لغيرِها، جاز إذا رَضِىَ الزَّوجُ؛ لأنَّ الحقَّ لها، فصَحَّتْ هِبَتُها له، كما لو وهَبتْ ليلتَها فى الحَضَرِ. ولا يجوزُ بغيرِ رِضَى الزَّوْجِ، لما ذكَرْنا فى هِبَةِ الليلةِ فى الحَضَرِ. وإِنْ وهَبتْه للزَّوجِ، أو للجميعِ، جازَ. وإنِ امْتنَعتْ مِنَ السَّفَرِ معه، سقطَ حقُّها إذا رَضِىَ الزَّوجُ، وإن أبَى، فله إكْراهُها على السَّفَرِ معَه؛ لما ذكَرْنا. وإن رَضِىَ بذلك، اسْتأْنفَ القُرْعةَ بين البَواقِى. وإن رَضِىَ الزَّوْجاتُ كُلُّهُنَّ بسَفرِ واحدةٍ معَه مِن غيرِ قُرْعةٍ، جازَ؛ لأنَّ الحقَّ لهُنَّ، إلَّا أن لا يَرْضَى الزَّوجُ، ويريدَ غيرَ مَن اتَّفقْنَ عليها، فيُصارُ إلى القُرْعةِ. ولا فَرْقَ فى جميعِ ما ذكَرْنا بين السَّفَرِ الطَّويلِ والقصيرِ؛ لعُمومِ الخبرِ والمعنى. وذكرَ القاضى احْتمالًا ثانيًا، أنَّه يَقْضِى للبواقِى فى السَّفَرِ القصيرِ؛ لأنَّه فى حُكْمِ الإقامةِ، وهو وَجْهٌ لأصْحابِ الشَّافعىِّ. ولَنا، أنَّه سافرَ بها بقُرْعةٍ، فلم يَقْضِ كالطَّويلِ، ولو كان فى حُكمِ الإقامةِ لم يجُزِ المُسافَرةُ بإحْداهُنَّ دُونَ الأُخْرَى، كما لا يجوزُ إفرادُ إحْداهُنَّ بالقَسْمِ دونَ الأُخْرَى. ومتى سافرَ بإحْداهُنَّ بقُرْعةٍ، ثم بَدَا له فأبْعَدَ السفرَ، نحو أن يُسافرَ إلى بيتِ المقدسِ، ثم يَبْدُو له فيَمْضِى إلى مصرَ، فله اسْتِصْحابُها معه؛ لأنَّه سفرٌ واحدٌ (٥) قد أقْرَعَ له. وإن أقامَ فى بلدةٍ مُدَّةَ إحْدَى وعشرينَ صلاةً فما دونَ، لم يُحتَسَبْ عليه بها؛ لأنَّه فى حُكمِ السفرِ، تَجْرى عليه أحْكامُه. وإن زادَ على ذلك، قَضَى الجميعَ ممَّا أقامَه؛ لأنَّه خرجَ عن حُكْمِ السفرِ. وإن أزْمَعَ على المُقامِ قَضَى ما أقامَه، وإِنْ قلَّ؛ لأنَّه خرَجَ عن حُكمِ السفرِ. ثم إذا خرجَ بعد ذلك إلى بلدِه، أو بلدٍ أُخْرَى، لم يَقْضِ ما سافرَه؛ لأنَّه فى حُكمِ السفرِ الواحدِ، وقد أقْرَعَ له. فصل: وإذا أرادَ الانْتِقالَ بنسائِه إلى بلدٍ آخَرَ، فأمْكَنَه اسْتِصْحابُهُنَّ كلَّهُنَّ فى سَفَرِه فعَلَ، ولم يكُنْ له إفْرادُ إحداهُنَّ به؛ لأنَّ هذا السفرَ لا يخْتَصُّ بواحدةٍ، بل يحْتاجُ إلى نَقْلِ جميعهِنَّ، فإن خَصَّ إحْداهُنَّ، قَضَى للباقياتِ كالحاضرِ، فإن لم يُمْكنْه صُحْبةُ

стр. 5216

جميعِهِنَّ، أو شقَّ عليه ذلك، وبعثَ بهنَّ جميعًا معَ غيرِه مِمَّن هو مَحْرَمٌ لهُنَّ، جازَ، ولا يَقْضِى لأحدٍ، ولا يحْتاجُ إلى قُرْعةٍ؛ لأنَّه سَوَّى بينهُنَّ. وإن أرادَ إفْرادَ بعضِهِنَّ بالسفرِ معه، لم يجُزْ إلَّا بقُرْعةٍ. فإذا وصلَ إلى البلدِ الذى انْتقَل إليه، فأقامتْ معه فيه، قَضَى للباقياتِ مُدَّةَ كَوْنِها معه فى البلد خاصةً؛ لأنَّه صارَ مُقِيمًا، وانقطعَ حُكمُ السفرِ عنه. فصل: إذا كانت له امرأةٌ، فتزوَّجَ أُخْرَى، وأراد السفرَ بهما جميعًا، قسَمَ للجديدةِ سَبْعًا إن كانت بِكرًا، وثلاثًا إن كانت ثَيِّبًا، ثم يقْسِمُ بعدَ ذلك بينها وبين القديمةِ. وإن أرادَ السفرَ بإحْداهما، أقْرَعَ بينهما، فإن خرَجتْ قُرْعةُ الجديدةِ، سافرَ بها معه، ودخلَ حقُّ العَقْدِ فى قَسْمِ السفرِ؛ لأنَّه نَوْعُ قَسْمٍ. وإن وقعَتِ القُرْعةُ للأُخْرَى، سافرَ بها، فإذا (٦) حضرَ، قَضَى للجديدةِ حقَّ العَقْدِ؛ لأنَّه سافرَ بعدَ وُجوبِه علته. وإن تزوَّجَ اثنتيْنِ، وعزمَ على السفرِ، أقْرَعَ بينهما، فسافرَ بالتى تخْرُجُ لها القُرْعةُ، ويدْخُلُ حقُّ العَقْدِ فى قَسْمِ السفرِ، فإذا قَدِمَ، قَضَى للثَّانيةِ حقَّ العَقْدِ، فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه حَقٌّ وجبَ لها قبلَ سفرِه، لم يُؤدِّه إليها، فلَزمَه قضاؤُه، كما لو لم يُسافِرْ بالأُخْرَى معه. والثانى، لا يقْضِيه؛ لئلَّا يكونَ تَفْضيلًا لها على التى سافرَ بها؛ لأنَّه لا يحْصُلُ للمُسافِرَةِ من الإِيواءِ والسَّكَنِ والمبيتِ عندَها، مثلُ ما يحْصُلُ فى الحَضَرِ، فيكونُ مَيْلًا، فيتعذَّرُ قَضاؤُه. فإن قَدِمَ من سفرِه قَبْلَ مُضِىِّ مُدَّةٍ يَنقضى فيها حقُّ عَقْدِ الأُولى، أتَمَّهُ فى الحَضَرِ، وقَضى للحاضرةِ مثلَه، وَجْهًا واحدًا، وفيما زاد الوَجْهانِ. ويَحْتَمِلُ فى المسألةِ الأُولى وَجْهًا ثالثًا، وهو أن يسْتأْنِفَ قَضاءَ حقِّ العَقْدِ لكلِّ واحدةٍ منهما، ولا يَحْتَسِبُ على المُسافِرةِ بمُدَّةِ سَفرِها، كما لا يحتَسِبُ به عليها فيما عَدَا حقِّ العَقْدِ. وهذا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ مِن إسْقاطِ حَقِّ العَقْدِ الواجبِ بالشَّرعِ بغيرِ مُسْقِطٍ. ١٢٢٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أَعْرَسَ عِنْدَ بِكْرٍ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ دَارَ ،

стр. 5217

وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهَا بمَا أَقَامَ عِنْدَهَا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ دَارَ، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهَا أَيْضًا بِمَا أَقَامَ عِنْدَهَا) متى تزوَّجَ صاحبُ النِّسْوةِ امرأةً جديدةً، قطَعَ الدَّوْرَ، وأقامَ عندَها سبعًا إن كانت بكرًا، ولا يَقْضِيها للباقياتِ، وإن كانت ثَيِّبًا أقامَ عندَها ثلاثًا، ولا يَقضيها، إلَّا أن تشاءَ هى أن يُقِيمَ عندها سَبْعًا، فإنَّه يُقيمُها عندَها، ويَقْضِى الجميعَ للباقياتِ. رُوِىَ ذلك عن أنسٍ. وبه قال الشَّعْبىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، وخِلَاسِ بنِ عمرٍو، ونافعٍ مولى ابنِ عمرَ: للبكرِ ثلاثٌ وللثَّيِّبِ ليلتانِ. ونحوَه قال الأوْزَاعىُّ. وقال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا فضلَ للجديدةِ فى القَسْمِ، فإن أقام عندَها شيئًا قَضاهُ للباقياتِ؛ لأنَّه فضَّلَها بمُدَّةٍ، فوجبَ قَضاؤُها، كما لو أقام عند الثَّيِّبِ سَبْعًا. ولَنا، ما رَوَى أبو قِلَابةَ، عن أنسٍ، قال: مِنَ السُّنَّةِ إذا تزوَّجَ البِكْرَ على الثِّيِّبِ، أقام عندها سبعًا وقَسَمَ (١)، وإذا تزوَّجَ الثَّيِّبَ، أقام عندَها ثلاثًا، ثم قَسَمَ. قال أبو قِلَابةَ: لو شئتُ لقلتُ: إنَّ أنسًا رفعَه إلى النَّبِىِّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ لمَّا تزوَّجَ أُمّ سلمة، أقام عندَها ثلاثًا، وقال: "لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ

стр. 5218

سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِى". روَاه مسلمٌ (٣). وفى لفظٍ (٤): "وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ ثُمَّ دُرْتُ". وفى لفظٍ (٥): "وَإِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ، ثُمَّ حَاسَبْتُكِ بِهِ، لِلبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ". وفى لفظٍ روَاه الدَّارَقُطْنِىُّ (٦): "إِنْ شِئْتِ أَقَمْتُ عِنْدَكِ ثَلَاثًا خَالِصَةً لَكِ، وَإِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، ثُمَّ سَبَّعْتُ لِنِسَائِى". وهذا يَمْنَعُ قياسَهم. ويُقَدَّمُ عليه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: الأحاديثُ المرفوعةُ فى هذا البابِ على ما قُلْناه، وليس مع مَن خالفَنا حديثٌ مَرْفوعٌ، والحُجَّةُ مع من أدْلَى (٧) بالسُّنَّةِ (٨). فصل: والأمَةُ والحُرَّةُ فى هذا سَواءٌ. ولأصحابِ الشَّافعىِّ [فى هذا] (٩) ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، كقَوْلنا. والثَّانى، الأمَةُ على [النِّصْفِ من] (١٠) الحُرَّةِ، كسائرِ القَسْمِ. والثَّالثُ، للبِكْرِ من الإِماءِ أربعٌ، وللثَّيِّبِ ليلتانِ، تكْميلًا لبعْضِ اللَّيلةِ. ولَنا، عُمومُ قولِه ﵇: "لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَللثَّيِّبِ ثَلَاثٌ". ولأنَّه يُرادُ للأُنْسِ وإزالةِ الاحْتِشَامِ، والأمَةُ والحُرَّةُ سواءٌ فى الحاجةِ إليه، فاسْتَويا فيه، كالنَّفَقةِ. فصل: يُكْرَهُ أَنْ يُزَفَّ إليه امرأتانِ فى ليلةٍ واحدةٍ، أو فى مدَّةِ حَقِّ عَقْدِ إحداهُما؛

стр. 5219

لأنَّه لا يُمْكنُه أن يُوَفِّيَهما حَقَّهما، وتَسْتَضِرُّ التى لا يُوَفِّيها حقَّها (١١) وتَسْتَوحِشُ. فإن فَعَلَ، فأُدْخلتْ إحداهُما قبلَ الأُخْرَى، بَدَأ بِها، فوفَّاها حقَّها، ثم عاد فوَفَّى الثَّانيةَ، ثم ابْتدأ القَسْمَ. وإن زُفَّتِ الثَّانيةُ فى أثْناءِ مُدَّةِ حَقِّ (١٢) العَقْدِ، أتمَّه للأُولى، ثم قضَى حقَّ الثَّانيةَ. وإن أُدْخِلتَا عليه جميعًا فى مكانٍ واحدٍ، أقْرَعَ بينهما، وقدَّمَ مَن خرجتْ لها القُرْعةُ منهما، ثم وَفَّى الأُخْرَى بعدَها. فصل: وإذا كانت عندَه امْرأتانِ، فباتَ عندَ إحداهُما ليلةً، ثم تزوَّجَ ثالثةً قبلَ ليلةِ الثَّانيةِ، قَدَّمَ المزفوفةَ بليالِيها؛ لأنَّ حقَّها آكَدُ؛ لأنَّه ثبتَ بالعَقْدِ، وحقُّ الثَّانيةِ ثبتَ بفِعْلِه، فإذا قضَى حقَّ الجديدةِ، بدأَ بالثَّانيةِ، فوفَّاها لِيلَتَها، ثم يَبيتُ عندَ الجديدةِ، ثم يبْتدِئُ القَسْمَ. وذكر القاضى أنَّه إذا وَفَّى الثَّانيةَ ليلتَها، باتَ عندَ الجديدةِ نصفَ ليلةٍ، ثم يبْتدئُ القَسْمَ؛ لأنَّ اللَّيلةَ التى يُوَفِّيها للثَّانيةِ نصفُها مِن حقِّها ونصفُها مِن حقِّ الأُخْرَى، فيثْبُتُ للجديدةِ فى مُقابلَةِ ذلك نِصْفُ ليلةٍ بإزاءِ ما حصَلَ لكلِّ واحدةٍ مِن ضَرَّتَيْها (١٣)، وعلى هذا القولِ يَحتاجُ أن ينْفَردَ بنفسِه فى نِصْفِ ليلةٍ، وفيه حَرَجٌ؛ فإنَّه ربَّما لا يجدُ مكانًا ينْفَرِدُ فيه، أو لا يقْدِرُ على الخُروجِ إليه فى نِصْفِ اللَّيلةِ، أو المجىءِ منه، وفيما ذكرْناه من البدايَةِ بها بعدَ الثَّانيةِ وفاءٌ بحقِّها (١٤) بدونِ هذا الحَرَجِ، فيكونُ أوْلَى، إن شاءَ اللَّهُ. فصل: وحُكْمُ السَّبعةِ والثَّلاثةِ (١٥) التى يقيمُها عندَ المَزْفُوفةِ حكمُ سَائرِ القَسْمِ، فى أنَّ عِمَادَه اللَّيلُ، وله الخروجُ نهارًا لمعاشِه، وقَضاءِ حُقوقِ النَّاسِ. وإن تعذَّر عليه المُقامُ عندَها ليلًا؛ لشُغْلٍ، أو حَبْسٍ، أو تَرَكَ ذلك لغيرِ (١٦) عُذْرٍ، قَضاهُ لها، وله الخروجُ

стр. 5220

لصلاةِ الجماعةِ؛ فإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يكُنْ يتْرُكُ الجماعةَ لذلك، ويخْرُجُ لما لا بُدَّ له منه، فإنَّ أطالَ قَضاهُ، وإن كان يسيرًا فلا قَضاءَ عليه. ١٢٣٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا مَا يَخَافُ مَعَهُ نُشُوزَهَا وَعَظَهَا، فَإِنْ أَظْهَرَتْ نُشُوزًا هَجَرَهَا، فَإِنْ أَرْدَعَها، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا لَا يَكُونُ مُبَرِّحًا) معنى النُّشُوزِ مَعْصيةُ الزَّوجِ فيما فرَضَ اللَّهُ عليها مِن طاعتِه، مأخوذٌ من النَّشْزِ، وهو الارْتفاعُ، فكأنَّها ارْتفَعتْ وتعالتْ عمَّا فَرَضَ (١) اللَّهُ عليها مِن طاعتِه، فمتى ظَهرتْ منها أمَاراتُ النُّشُوزِ، مثل أن تتثاقلَ وتُدَافِعَ إذا دعاها، ولا تصيرَ إليه إلَّا بِتَكَرُّهٍ ودَمْدَمَةٍ، فإنَّه يَعِظُها، فيُخَوِّفُها اللَّهَ سبحانَه، ويَذْكُرُ ما أوْجَبَ اللَّهُ له عليها مِن الحقِّ والطاعةِ، وما يلْحَقُها مِن الإثْمِ بالمُخالفةِ والمعصيةِ، وما يَسْقُطُ بذلك مِن حُقوقِها (٢)، مِن النَّفقةِ والكُسْوةِ، وما يُباحُ له من ضَرْبِها وهَجْرِها، لقول اللَّهِ تعالى: ﴿وَاللَّاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ (٣). فإن أظْهرَتِ النُّشُوزَ، وهو (٤) أن تعْصِيَه، وتَمْتنعَ من فِراشِه، أو تخْرُجَ من منزلِه بغير إذْنِه، فله أن يهْجُرَها فى المَضْجَعِ، لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾ (٣). قال ابنُ عباسٍ: لا تُضاجِعْها فى فِرَاشِك (٥). فأمَّا الهِجْرانُ فى الكلامِ، فلا يجوزُ أكثرَ مِن ثلاثةِ أيَّامٍ؛ لما رَوَى أبو هُريرةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لَا يَحِلُّ لِمسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ" (٦). وظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه ليس له ضَرْبُها فى النُّشُوزِ فى أوَّلِ مرَّةٍ. وقد رُوى عن أحمدَ: إذَا عَصَتِ
следующие страницы →