ولا دَلالةِ حالٍ، ولا نَعلمُ خلافًا فى: أنت حُرَّةٌ، أنَّه كنايةٌ. فأمَّا إذا لطمَها، وقال: هذا طلاقُك. فإن كثيرًا مِنَ الفُقَهاءِ قالوا: ليس هذا كنايةً، ولا يَقعُ به طلاقٌ، وإن نَوَى؛ لأنَّ هذا لا يُؤدِّى معنى الطَّلاقِ، ولا هو سببٌ له، ولا حُكمٌ فيه (١)، فلم يَصحَّ التَّعبيرُ به عنه، كقوله: غفرَ اللَّهُ لك. وقال ابنُ حامدٍ: يَقعُ به الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ؛ لأنَّ تقْديرَه: أوقعتُ عليك طلاقًا، هذا الضَّربُ من أجْلِه، فعلَى قوله يَكونُ هذا صريحًا. وقولُ الخِرَقِىِّ مُحتمِلٌ لهذا أيضًا، ويَحْتمِلُ أنَّه إنَّما يُوقِعُه إذا كان فى حالِ الغضَبِ، فيَكونُ الغضبُ قائمًا مَقامَ النِّيَّةِ، كما قامَ مَقامَها فى قوله: أنتِ حُرَّةٌ. ويَحْتمِلُ أن يكونَ لَطْمُه لها قَرِينةً تَقومُ مَقامَ النِّيَّةِ؛ لأنَّه يَصْدُرُ عن الغضبِ، فجرى مَجْراه. والصَّحيحُ أنَّه كنايةٌ فى الطَّلاقِ؛ لأنَّه مُحْتمِلٌ (٢) بالتَّقْديرِ الذى ذكَرَه ابنُ حامدٍ، ويَحْتمِلُ أن يُريدَ أنَّه سببٌ لطلاقِك، لكَوْنِ الطَّلاقِ مُعلَّقًا عليه، فصَحَّ أن يُعبِّرَ به عنه، وليس بصَريحٍ؛ لأنَّه احْتاجَ إلى تقديرٍ، ولو كان صريحًا لم يَحْتَجْ إلى ذلك، ولأنَّه غيرُ موضوعٍ له، ولا مُسْتَعْمَلٌ فيه شرعًا، ولا عُرفًا، فأشبهَ سائرَ الكناياتِ. وعلى قياسِه ما لو أطْعمَها، أو سَقاها، أو كَساها، وقال: هذا طلاقُك. أو لو فَعلتِ المرأةُ فِعلًا مِن قيامٍ، أو قعودٍ، أو فَعلَ هو فِعلًا، وقال: هذا طلاقُك. فهو مثلُ لَطْمِها، إلَّا فى أَنَّ اللَّطْمَ يَدلُّ على الغضبِ القائمِ مَقامَ النِّيَّةِ، فيكونُ هو أيضًا قائمًا مَقامَها فى وَجْهٍ، وما ذكَرُوه (٣) لا يَقومُ مَقامَ النِّيَّةِ عندَ مَن اعتبَرَها.
الفصلُ الثَّانى: أنَّه إذا أتى بالكنايةِ فى حالِ الغضَبِ، [من غَيرِ نِيَّةٍ] (٤)، فذكر الخِرَقِىُّ فى هذا الموضعِ أنَّه يَقعُ الطَّلاقُ. وذكرَ القاضى، وأبو بكرٍ، وأبو الخطَّابِ فى ذلك رِوَايتيْنِ؛ إحْداهما، يَقعُ الطَّلاقُ. قال فى روايةِ المَيْمُونىِّ: إذا قال لزوجتِه: أنتِ
стр. 5322
حُرَّةٌ لوجهِ اللَّهِ. فى الرِّضَى، لا فى الغضبِ، فأخْشَى أن يَكونَ طلاقًا. والرِّوايةُ الأُخْرَى، ليس بطلاقٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ، إلَّا أَنَّ أبا حنيفةَ يَقولُ فى: اعتَدِّى، واخْتارِى، وأمْرُك بيدك. كَقْولِنا فى الوقُوعِ. واحْتجَّا بأنَّ هذا ليس بصريحٍ فى الطَّلاقِ، ولم يَنْوِه (٥) به، فلم يَقَعْ به الطَّلاقُ، كحالِ الرِّضَى، ولأنَّ مُقْتضَى اللَّفظِ لا يَتغيَّرُ بالرِّضَى والغضبِ. ويَحْتَمِلُ أَنَّ ما كان مِن الكناياتِ لا يُسْتعمَلُ فى غيرِ الفُرْقةِ إلَّا نادرًا، نحو توله: أنتِ حُرّةٌ لوجهِ اللَّهِ. واعتَدِّى. واستَبْرِق. وحَبْلُك على غاربِك. وأنت بائنٌ. وأشباهِ ذلك، أنَّه يَقعُ فى حالِ الغضَبِ. وجوابُ سؤالِ الطَّلاقِ مِن غيرِ نِيَّةٍ، وما كَثُرَ استعمالُه لغيرِ ذلك، نحو: اذْهَبِى. واخْرُجى. ورُوحِى. وتَقَنَّعِى. لا يَقعُ الطَّلاقُ به إلَّا بِنِيَّةٍ. ومذهبُ أبى حنيفةَ قريبٌ من هذا. وكلامُ أحمدَ، والخِرَقِىِّ فى الوقوعِ، إنَّما وردَ فى قوله: أنتِ حُرّةٌ. وهو ممَّا لا يَسْتعمِلُه الإنْسانُ فى حقِّ زوجتِه غالبًا إلَّا كنايةً عن الطَّلاقِ، ولا يَلْزمُ مِنَ الاكتفاءِ بذلك بمُجرَّدِ الغضَبِ وُقوعُ غيرِه من غيرِ نِيَّةٍ؛ لأنَّ ما كَثُرَ استعمالُه يُوجَدُ كثيرًا غيرَ مُرادٍ به الطَّلاقُ فى حالِ الرِّضَى، فكذلك فى حالِ الغضَبِ، إذْ لا حَجْرَ (٦) عليه فى اسْتعمالِه، والتَّكلُّمِ به، بخلافِ ما لم تَجْرِ العادةُ بذكْرِه، فإنَّه لمَّا قلَّ اسْتعمالُه فى غيرِ الطَّلاقِ، كان مُجرد ذكْرِه يُظَنُّ منه إرادةُ الطَّلاقِ، فإذا انْضَمَّ إلى ذلك مَجِيئُه عَقِيبَ سؤالِ الطَّلاقِ، أو فى حالِ الغضَبِ، قَوِىَ الظَّنُّ، فصار ظَنًّا غالبًا. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُخْرَى، أَنَّ دَلالةَ الحالِ تُغيِّرُ حُكمَ الأقْوالِ والأفعالِ؛ فإنَّ مَن قال لرجلٍ: يا عفيفُ [ابنَ العفيفِ] (٧). حالَ تعْظيمِه، كان مدحًا له، وإن قالَه فى حالِ شَتْمِه وتَنَقُّصِه، كان قَذْفًا وذَمًّا. ولو قال: إنَّه لا يَغْدُرُ بذِمَّةٍ، ولا يَظْلِمُ حبَّةَ خَرْدَلٍ، وما أحدٌ أوْفَى ذِمَّةً منه. فى حال المَدْحِ، كان مدحًا بليغًا، كما قال حسّانُ (٨):
стр. 5323
فما حَمَلَتْ مِن ناقَةٍ فوقَ رَحْلِها ... أبَرَّ وأوْفَى ذِمَّةً مِن مُحَمَّدِ
ولو قالَه (٩) فى حال الذَّمِّ كان هجاءً قبيحًا، كقول النَّجَاشِىِّ (١٠):
قَبِيلَتُه لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ... ولا يَظلمونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
وقال آخرُ (١١):
كأنَّ ربِّىَ لم يَخلُقْ لخَشْيَتِه ... سِواهُمُ مِن جَميعِ النَّاس إنسانَا
وهذا فى هذا الموضعِ هجاءٌ قَبِيحٌ وذمٌّ، حتى حُكِىَ عن حسّانَ أنَّه قال: ما أراه إلا قد سَلَحَ عليهم (١٢). ولولا القَرِينةُ ودَلالةُ الحالِ، كان من أحْسَنِ المدحِ وأبلغِه. وفى الأفْعالِ لو أن رجلًا قصدَ رجلًا بسيف، والحالُ يدلُّ على المَزْحِ واللَّعِبِ، لم يَجُزْ قتلُه، ولو دلَّتِ الحالُ على الجِدِّ، جازَ دفعُه بالقَتْلِ. والغضبُ ههُنا يَدلُّ على قَصْدِ الطَّلاقِ، فيقومُ مَقامَه.
فصل: وإن أتى بالكنايةِ فى حالِ سُؤالِ الطَّلاقِ، فالحُكمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا أتى بها فى حال الغضَبِ، على ما فيه من الخلافِ والتَّفْصيلِ. والوَجْهُ لذلك ما تَقدَّمَ مِنَ التَّوْجيهِ، إلَّا أَنَّ المنصوصَ عن أحمدَ ههُنا، أنَّه لا يُصَدَّقُ فى عَدَمِ النِّيَّةِ، قال، فى روايةِ أبى الحارثِ: إذا قال: لم أنوِه. صُدِّقَ (١٣) فى ذلك، إذا لم تَكُنْ سألَتْه الطَّلاقَ، فإن كان بينهما غضَبٌ قبلَ ذلك، فيُفرَّقُ بين كونِه جَوابًا للسُّؤالِ، وكَوْنِه فى حال الغضَبِ؛ وذلك لأنَّ الجوابَ يَنْصرِفُ إلى السُّؤالِ، فلو قال: لى عندَك دينارٌ؟ قال: نعم، أو: صدَقْتَ. كان إقرارًا به، ولم يُقبَلْ منه (١٤) تفسيرُه بغيرِ الإِقْرارِ. ولو قال: زَوَّجتُك ابْنتِى
стр. 5324
أو بِعْتُك (١٥) ثَوْبى هذا. فقال: قَبِلتُ. صحَّ وكَفَى، ولم يجْتَجْ إلى زيادةٍ عليه. ولو أراد بالكنايَةِ حالَ الغضَبِ، أو سُؤالِ الطَّلاقِ غيرَ (١٦) الطَّلاقِ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه لو أرادَه بالصَّريحِ لم يَقَعْ، فبالكنايةِ أوْلَى. وإذا ادَّعَى ذلك دِينَ. وهل يُقبَلُ فى الحُكْمِ؟ فظاهرُ كلامِ أحمدَ، فى رواية أبى الحارثِ، أنَّه يُصَدَّقُ إن كان فى الغضَبِ، ولا يُصَدَّقُ إن كان جَوابًا لسؤالِ الطَّلاقِ. ونُقِلَ عنه فى موضعٍ آخرَ، أنَّه إذا قال: أنتِ خَلِيَّةٌ، أو بريئةٌ، أو بائنٌ. ولم يَكُنْ بينهما ذِكْرُ طلاقٍ ولا غضبٌ، صُدِّقَ. فمَفْهومُه أنَّه لا يُصَدَّقُ مع وُجودِهما. وحُكِىَ هذا عن أبى حنيفةَ، إلا فى الأربعةِ المذكورةِ. والصَّحيحُ أنَّه يُصَدَّقُ؛ لما روَى سعيدٌ (١٧) بإسْنادِه، أَنَّ رجلًا خطبَ إلى قومٍ، فقالوا: لا نُزَوِّجُك حتى تُطَلِّقَ امرأتَك. فقال: قد طَلقْتُ ثلاثًا. فزوجُوه، ثم أمْسَكَ امرأتَه، فقالوا: ألم تَقُلْ إنَّك طَلَّقتَ ثلاثًا؟ قال: ألم تَعلمُوا أنِّى تَزوجْتُ فلانةَ وطَلَّقْتُها (١٨)، ثم تَزوّجتُ فلانةَ وطَلَّقْتُها (١٩)، ثم تَزوَّجتُ فلانةَ وطلَّقتُها (٢٠)؟ فسُئِلَ عثمانُ عن ذلك، فقال: له نِيَّتُه. ولأنَّه أمرٌ [تُعْتَبَرُ نِيَّتُه] (٢١) فيه، فقُبِلَ قولُه فيما يَحْتمِلُه، كما لو كرَّرَ لَفْظًا، وقال: أردتُ التَّوكيدَ.
١٢٥٩ - مسألة؛ (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ خلِيَّةٌ، أَوْ أَنْتِ بَرِيَّةٌ، أَوْ أَنْتِ بَائِنٌ، أَوْ حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، أَو الْحَقِى بِأَهْلِكِ. فَهُوَ عِنْدِى ثَلَاثٌ وَلَكِنِّى (١) أَكْرَهُ أَنْ أُفْتِىَ بِهِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ)
стр. 5325
أكثرُ الرِّواياتِ عن أبى عبدِ اللَّهِ، كَراهيةُ الفُتْيا فى هذه الكناياتِ، مع مَيْلِه إلى أنَّها ثلاثٌ، وحَكَى ابنُ أبى موسى، فى "الإِرْشادِ" عنه روايتيْنِ؛ إحْداهما، أنَّها ثلاثٌ. والثَّانيةُ، يُرْجَعُ إلى ما نَواه. اختارَها أبو الخَطَّابِ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ، قال: يُرْجَعُ إلى ما نَوَاهُ (٢)، فإن لم يَنْوِ شيئًا وقَعتْ واحدةٌ. ونحوُه قولُ النَّخَعِىِّ، إلَّا أنَّه قال: يَقَعُ طلقةٌ بائنةٌ؛ لأنَّ لفظَه يَقْتَضِى البَيْنُونةَ، ولا يَقْتضِى عَدَدًا. ورَوَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، ما يَدلُّ على هذا؛ فإنَّه قال: يَزِيدُها فى مهرِها إن أرادَ رَجْعتَها. ولو وقَعَ ثلاثًا لم يُبَحْ له رَجْعتُها، ولو لم تَبِنْ لم يَحْتَجْ إلى زيادهٍ فى مَهْرِها. واحتجَّ الشّافعىُّ بما رَوَى أبو داودَ (٣) بإسنادِه، أنَّ رُكَانَةَ بنَ عبدِ يَزِيدَ طلَّقَ امرأتَه سُهَيْمَةَ الْبتَّةَ، فأخْبَرَ النَّبِىَّ ﷺ بذلك، وقال: واللَّه ما أردتُ إلَّا واحدةً. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "آللَّه ما أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً؟ " فقال رُكانةُ: آللَّهِ ما أردتُ إلَّا واحدةً. فردَّها إليه رسولُ اللَّه ﷺ ، فطلَّقَها الثّانيةَ فى زمنِ عمرَ، والثَّالثةَ فى زمنِ عثمانَ. قال علىُّ بنُ محمدٍ الطَّنَافِسِىُّ: ما أشْرفَ هذا الحديثَ. ولأنّ النَّبِىَّ ﷺ قال لابنةِ الْجَوْنِ: "الْحَقِى بِأَهْلِكِ" (٤). ولم يَكُنِ النَّبىُّ ﷺ ليُطَلِّقَ ثلاثًا وقد نَهَى أُمَّتَه (٥) عن ذلك، ولأنَّ الكناياتِ مع النِّيَّةِ كالصَّريحِ، فلم يَقَعْ به عندَ الإِطْلاقِ أكثرُ مِن واحدةٍ، كقوله: أنتِ طالقٌ. وقال الثَّورِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: إن نَوَى ثلاثًا فثلاثٌ، وإن نَوَى اثنتَيْنِ أو واحدةً وقَعت واحدةٌ، ولا يَقعُ اثنتان؛ لأنَّ الكنايةَ تَقْتضِى البَيْنُونةَ دونَ العَدَدِ، والبَيْنُونةُ بَيْنُونَتانِ صُغْرَى وكُبْرَى، فالصُّغْرَى بالواحدةِ، والكُبْرَى بالثَّلاثِ، ولو أوْقَعْنا اثنَتيْنِ كان مُوجِبُه العَدَدَ، وهى لا تَقْتضِيه. وقال رَبيعةُ،
стр. 5326
ومالكٌ: يَقَعُ بها الثَّلاثُ، وإن لم يَنْوِ إلَّا فى خُلعٍ أو قبلَ الدُّخولِ، فإنَّها (٦) تَطْلُقُ واحدةً؛ لأنَّها تَقْتضِى البَيْنُونةَ، والبَيْنُونةُ تَحْصُلُ فى الخُلْعِ وقبلَ الدخولِ بواحدةٍ، فلم يُزَدْ عليها؛ لأنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتضِى زيادةً عليها، وفى غيرهما يَقعُ الثَّلاثُ ضرورةَ أَنَّ البَيْنُونةَ لا تَحْصُلُ إلَّا بها، ووَجْهُ أنَّها ثلاثٌ أنَّه (٧) قولُ أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فرُوِىَ عن علىٍّ، وابنِ عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّها ثلاثٌ. قال أحمدُ فى الخَلِيَّةِ والْبَرِيَّةِ والبتَّةِ: قولُ علىٍّ وابنِ عمرَ قولٌ صحيحٌ ثلاثًا. وقال (٨) علىٌّ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ، فى البائنِ: إنَّها ثلاثٌ. وروَى النَّجَّادُ، بإسنادِه عن نافِعٍ، أَنَّ رجلًا جاء إلى عاصمٍ وابنِ الزُّبير [فقال]: إنَّ ظِئْرِى هذا طلَّقَ امْرأتَه البَتَّةَ قبلَ أن يَدخلَ بها، فهل تَجِدانِ له رُخْصةً؟ فقالا: لا، ولكنَّا ترَكْنا ابنَ عبَّاسٍ وأبا هُرَيْرَةَ عندَ عائشةَ، فسَلْهُم، ثم ارْجِعْ (٩) إلينا، فأخْبِرْنا. فسأَلهم، فقال أبو هُرَيْرةَ: لا تَحِلُّ له حتى تَنكِحَ زوجًا غيره. وقال ابنُ عبَّاسٍ: هى ثلاثٌ. وذَكَرَ عن عائشةَ مُتابعَتَهما (١٠). وروَى النَّجَّادُ بإسْنادِه، أَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، جعل الْبَتَّةَ واحدةً، ثم جعلَها بعدُ ثلاثَ تَطْليقاتٍ (١١). وهذه أقوالُ عُلَماءِ الصَّحابةِ، ولم يُعْرَف لهم مخالفٌ فى عصرِهم، فكان إجماعًا، ولأنَّه طلَّقَ امرأتَه بلفظٍ يَقْتضِى البَيْنُونةَ، فوَجَبَ الحُكْمُ بطلاقٍ تَحصُلُ به البَيْنُونةُ، كما لو طلَّقَ ثلاثًا، أو نَوَى الثَّلاثَ، واقْتضاوة للبَيْنُونةِ ظاهرٌ فى قولِه: أنتِ بائنٌ. وكذا فى قوله: البتَّةَ؛ لأنَّ البَتَّ القَطْعُ، فكأنَّه قطَعَ النِّكاحَ كلَّه، ولذلك يُعبَّرُ به عن الطَّلاقِ الثَّلاثِ، كما قالتِ امرأةُ رِفاعةَ: إنَّ رِفاعةَ طلَّقَنى فبَتَّ طلاقى (١٢). وبَتْلُه هو القطعُ أيضًا؛ ولذلك قيل فى
стр. 5327
مريمَ: الْبَتُولُ؛ لانْقطاعِها عن النِّكاحِ. ونَهَى النَّبىُّ ﷺ عن التَّبَتِّلِ، وهو الانْقِطاعُ عَنِ النِّكاحِ بالكُلِّيَّةِ. وكذلك الخَلِيَّةُ والبَرِيَّةُ يَقْتضيانِ الخُلُوَّ مِنَ النِّكاحِ والبَراءةَ منه، وإذا كان للَّفظِ (١٣) معنًى، فاعتبرَه الشَّرْعُ، إنَّما يُعتبَرُ (١٤) فيما يَقْتضِيه ويُؤدِّى مَعْناه، ولا سبيلَ إلى البَيْنُونةِ بدونِ الثَّلاثِ، فوقَعتْ ضرورةَ الوفاءِ بما يَقْتضِيه لفظُه، ولا يُمْكِنُ إيقاعُ واحدةٍ بائنٍ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على ذلك بصريحِ الطَّلاقِ، فكذلك بكناياتِه. ولم يُفرِّقُوا (١٥) بين المدْخُولِ بها وغيرِها؛ لأنَّ الصَّحابةَ لم يُفرِّقُوا، ولأنَّ كلَّ لفظةٍ أوْجَبتِ الثَّلاثَ فى المدخولِ بها، أوجبَتْها فى غيرِها، كقوله: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. فأمَّا حديثُ رُكَانَةَ؛ فإنَّ أحمدَ ضعَّفَ إسنادَه، فلذلك تَرَكَه. وأما قولُه ﷺ لابْنةِ الجَوْنِ: "الْحَقِى بِأَهْلِكِ". فيَدلُّ على أَنَّ هذه اللَّفظةَ لا تَقْتضِى الثَّلاثَ، وليست مِنَ اللَّفظاتِ التى قال الصَّحابةُ فيها بالثَّلاثِ، ولا هى مثلُها، فيُقصَرُ (١٦) الحُكمُ عليها (١٧). وقولُهم: إنَّ الكنايةَ بالنِّيَّةِ كالصَّريحِ. قُلْنا: نَعم، إلَّا أنَّ الصَّريحَ يَنْقسِمُ إلى ثلاثٍ تَحصُلُ بها (١٨) البَينُونةُ، وإلى ما دونَها ممَّا لا تَحْصُلُ به البَيْنُونةُ، فكذلك الكنايةُ تَنقسِمُ كذلك، فمنها ما يَقومُ مَقامَ الصَّريحِ المُحَصِّلِ للبَيْنُونةِ، وهو هذه الظَّاهرةُ، ومنها ما يَقومُ مَقامَ الواحدةِ، وهو ما عَداها، واللَّهُ أعلمُ.
فصل: وذكَرَ القاضى أنَّ ظاهرَ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِىِّ؛ أنّ الطَّلاقَ يَقعُ بهذه الكناياتِ من غيرِ نِيَّةٍ، كقولِ مالكٍ؛ لأنَّه اشتَهَرَ استعمالُهْا فيه، فلم تَحْتَجْ إلى نِيّةٍ كالصَّريحِ. ومفهومُ كلامِ الْخِرَقىِّ أنَّه لا يَقَعُ إلَّا بنيَّةٍ؛ لقوله: وإذا أتى بصريحِ الطَّلاقِ
стр. 5328
وقعَ، نَواه أو لم يَنْوِه. فمفهومُه أَنَّ غيرَ الصَّريحِ لا يَقعُ إلَّا بنِيَّةٍ، ولأنَّ هذا كنايةٌ، فلم يَثْبُتْ حُكمُه بغيرِ نيَّةٍ، كسائرِ الكناياتِ.
فصل: والكنايةُ (١٩) ثلاثةُ أقسامٍ، ظاهرةٌ، وهى ستَّةُ ألفاظٍ؛ خَلِيَّةٌ، وبَرِيَّةٌ، وبائنٌ، وبَتَّةٌ، وبَتْلَةٌ، وأمرُك بيدِك. والحُكمُ فيها ما بيناه فى هذا (٢٠) الفصلِ. وإن قال: أنتِ طالقٌ بائنٌ، أو البتَّةَ. فكذلك إلَّا أنَّه لا يَحْتاجُ إلى نِيَّةٍ؛ لأنَّه وَصَف بها الطَّلاقَ الصَّريحَ. وإن قال: أنتِ طالقٌ لا رَجْعَةَ لى عليك. وهى مَدْخولٌ بها، فهى ثلاثٌ. قال أحمدُ: إذا قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ لا رجعةَ فيها، ولا مَثْنَوِيَّةَ. هذه مثلُ الخَلِيَّةِ والبَرِيَّةِ ثلاثًا، هكذا هو عندى. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وإن قال: ولا رَجْعةَ لى فيها. بالواوِ، فكذلك. وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: تَكونُ رَجْعيَّةً؛ لأنَّه لم يَصِفِ الطَّلْقَةَ بذلك، وإنَّما عَطَفَ عليها. ولَنا، أَنَّ الصِّفةَ تَصِحُّ مع العطِف، كما لو قال: بِعْتُك بعشرةٍ وهى مَغرِبِيّةٌ. صحَّ، وكان صِفةً للثَّمَنِ. قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٢١). وإن قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بائنًا، أو واحدةً بَتَّةً. ففيها ثلاثُ رواياتٍ؛ إحداهُنَّ (٢٢)، أنَّها واحدةٌ رَجْعيَّةٌ، ويَلْغُو ما بعدَها. قال أحمدُ: لا أعْرِفُ شيئًا مُتَقَدِّمًا، إن [نَوَى واحدةً] (٢٣) تَكونُ بائنًا. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه وصفَ الطَّلْقَةَ بما لا تَتَّصِفُ به، فلغتِ الصِّفةُ، كما لو قال: أنتِ طالق طَلقةً لا تَقعُ عليك. والثَّانية: هى ثلاثٌ. قالَه أبو بكرٍ، وقال: هو قولُ أحمدَ؛ لأنَّه أتَى بما يَقْتضِى الثَّلاثَ، فوقعَ، ولَغَا قولُه: واحدةً. كما لو قال: أنت طالقٌ [واحدةً ثلاثًا] (٢٤). والثَّالثةُ، رَواها حَنْبَلٌ عن
стр. 5329
أحمدَ، إذا طلَّقَ امرأتَه واحدةً البَتَّةَ، فإنَّ أمرَها بيدِها، يَزِيدُها فى مَهْرِها إن أرادَ رَجْعتَها. فهذا يَدلُّ على أنَّه أوقعَ بها واحدةً بائنًا؛ لأنَّه جعل أمرَها بيَدِها، ولو كانت رَجْعِيَّةً لما جعلَ (٢٥) أمرَها بيَدِها، ولا احْتاجتْ إلى زيادةٍ فى مَهْرِها، ولو وقعَ ثلاثٌ لمَا حلَّتْ له رَجْعتُها. وقال أبو الخَطَّابِ: هذه الرِّوايةُ تُخَرَّجُ فى جميعِ الكناياتِ الظَّاهرةِ، فيكونُ ذلك مثلَ قولِ إبراهيمَ النَّخَعِىِّ. ووَجْهُه أنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ بصِفَةِ البَيْنُونةِ، فوقعَ على ما أوْقعَه، ولم يَزِدْ على واحدةٍ؛ لأنَّ لفظَه لم يَقْتضِ عددًا، فلم يَقَعْ أكثرُ من واحدةٍ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ. وحملَ القاضى روايةَ حَنْبَلٍ على أَنَّ ذلك بعدَ انْقضاءِ العِدَّةِ. القسمُ الثَّانى، مُخْتلَفٌ فيها، وهى ضَرْبانِ؛ مَنْصوصٌ عليها، وهى عشرَةٌ (٢٦)؛ الْحَقِى بأهلِك. وحبلُك على غارِبِك. ولا سبيلَ لى عليك. وأنتِ علىَّ حَرَجٌ. وأنتِ علىَّ حَرَامٌ. واذْهبى فتَزوَّجى مَن شِئْتِ. وغَطِّى شَعْرَك. وأنتِ حُرّةٌ. وقد أعتقتُك. فهذه عن أحمدَ فيها روايتانِ؛ إحداهما، أنَّها ثلاثٌ. والثّانيةُ، تَرْجِعُ إلى ما نَوَاه، وإن لم يَنْوِ شيئًا، فواحدةٌ، كسائرِ الكناياتِ. والضَّرْبُ الثَّانى، مَقِيسٌ على هذه، وهى اسْتَبْرِئى رَحِمَك. وحَلَلْتِ للأَزْواجِ. وتَقَنَّعِى. ولا سلطانَ لى عليك. فهذه فى معنى المنصوصِ عليها، فيكونُ حُكْمُها حُكْمَها. والصَّحيحُ فى قوله: الْحَقِى بأهْلِك. أنَّها واحدةٌ، ولا تَكونُ ثلاثًا إلَّا بنِيَّةٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لابْنةِ الجَوْن: "الْحَقِى بِأَهلِكِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٧)، ولم يَكُنِ النَّبىُّ ﷺ ليُطلِّقَ ثلاثًا وقد نَهَى أُمَّتَه عن ذلك. قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: إنَّ النَّبىَّ ﷺ قال لابْنَةِ الجَوْنِ: "الْحَقِى بِأَهْلِكِ". ولم يَكُنْ طلاقًا غيرَ هذا، ولم يَكُنِ النَّبِىُّ ﷺ ليُطَلِّقَ ثلاثًا، فيكونَ غيرَ طلاقِ السُّنَّةِ. فقال: لا أدْرِى. وكذلك قولُه: اعْتَدِّى واسْتَبْرِئِى رَحِمَك. لا يَخْتَصُّ الثَّلاثَ؛ فإنَّ ذلك يَكون مِنَ الواحدةِ، كما يكونُ مِنَ الثَّلاثِ. وقد رَوَى أبو هُرَيْرةَ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه قال
стр. 5330
لسَوْدَةَ ابنةِ زَمْعَةَ: "اعْتَدِّى"، فجعلَها تطليقةً (٢٨). ورَوَى هُشَيمٌ، أنْبأنا الأعْمَشُ، عن المِنهالِ بنِ عمرٍو، أَنَّ نُعَيمَ بنَ دَجَاجَةَ الأَسَدِىَّ طلقَ امرأتَه تطليقتَيْنِ، ثم قال: هى علىَّ حَرَجٌ. وكتبَ فى ذلك إلى عمرَ بنِ الخطّابِ، فقال: أمَا إنَّها ليستْ بأهْونِهنَّ (٢٩). وأمَّا سائرُ اللَّفظاتِ، فإن قُلْنا: هى ظاهرةٌ؛ فلأنَّ معناها معنى الظَّاهرةِ، فإنَّ قولَه: لا سبيلَ لى عليك، ولا سلطانَ لى عليك. إنَّما يَكونُ فى المَبْتُوتةِ، أمَّا الرَّجْعِيَّةُ فله عليها سبيلٌ وسلطانٌ. وقوله: أنتِ حُرَّةٌ، أو أعتقتُك. يَقْتضِى ذَهابَ الرِّقِّ عنها، وخُلُوصَها منه، والرِّقُّ ههُنا النِّكاحُ. وقولُه: أنتِ حَرَامٌ. يَقْتضِى بَينُونَتَها منه؛ لأنَّ الرَّجْعيَّةَ (٣٠) غيرُ مُحَرَّمةٍ. وكذلك: حَلَلْتِ للأَزْواجِ؛ لأنَّك بِنْتِ منِّى. وكذلك سائرُها. وإن قُلْنا: هى واحدةٌ (٣١). فلأنَّها مُحْتمِلَةٌ، فإنَّ قولَه: حَلَلْتِ للأزْواجِ. أى بعدَ انْقِضاءِ عِدّتِك، إذ لا يُمْكِنُ حِلها قبلَ ذلك، والواحدةُ تُحِلُّها. وكذلك (٣٢): انكحِى مَن شِئْتِ. وسائرُ الألفاظِ، يَتحقَّقُ مَعْناها بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها. القسمُ الثَّالثُ، الْخَفِيَّةُ نحوُ: اخْرُجِى. واذْهَبِى. وذُوقِى. وتَجرَّعِى. وأنتِ مُخَلَّاةٌ. واخْتارِى. ووَهَبْتُك لأهلِك. وسائرُ ما يَدلُّ على الفُرْقةِ، ويُؤَدِّى معنى الطَّلاقِ سِوَى ما تقدَّمَ ذكرُه، فهذه ثلاث إن نَوَى ثلاثًا، واثنتانِ إن نَوَاهما، وواحدةٌ إن نَوَاها أو أطْلَقَ. قال أحمدُ: ما ظهرَ مِن الطَّلاقِ فهو على ما ظهرَ، وما عَنَى به الطَّلاق فهو على ما عَنَى، مثلُ: حَبْلُك على غاربكِ. إذا نوَى واحدةً، أو اثنتينِ، أو ثلاثًا،
стр. 5331
فهو على ما نَوَى، ومثلُ: لا سبيلَ لى عليك. وإذا نصَّ فى هاتَيْنِ على أنَّه يرجَعُ إلى نيَّتِه، فكذلك سائرُ الكناياتِ. وهذا قولُ الشَّافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَقَعُ اثنتانِ، وإن نَوَاهما وقَعَ واحدةٌ. وقد تقدّمَ ذكرُ ذلك. وإن قال: أنتِ واحدةٌ. فهى كنايةٌ خَفِيَّةٌ، لكنَّها لا تَقعُ بها إلَّا واحدة. وإن نَوَى ثلاثًا؛ لأنَّها لا تَحْتمِلُ غيرَ الواحدةِ. وإن قال: أغْناكِ اللَّهُ. فهى كناية خَفِيَّة؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ: أغْناكِ اللَّه بالطَّلاقِ. لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣٣).
فصل: والطَّلاقُ الواقعُ بالكناياتِ رَجْعِىٌّ، ما لم يَقَعِ الثلاثُ، فى ظاهرِ المذهبِ. وهو قولُ الشَّافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: كلُّها بَوائنُ، إلَّا: اعْتَدِّى. واستبرِئى رَحِمَك. وأنتِ واحدةٌ؛ لأنَّها تَقْتضِى البَيْنونةَ، فتقَعُ البَيْنُونةُ، كقوله: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. ولَنا، أنَّه طلاقٌ صادَفَ مَدْخُولًا بها من غيرِ عِوَضٍ، ولا اسْتيفاءِ عِدَدٍ، فوَجَبَ أن يكونَ رَجْعِيًّا، كصريحِ الطَّلاقِ، وما سلَّمُوه مِنَ الكناياتِ. وقولُهم: إنَّها تَقْتضِى البَيْنُونةَ قُلْنا: فينْبغِى أن تَبينَ بثلاثٍ؛ لأنَّ المدخولَ بها لا تَبِينُ إلَّا بثلاثٍ أو عِوَضٍ.
فصل: فأمَّا ما لا يُشْبِهُ الطَّلاقَ، ولا يَدُلُّ على الفِراقِ، كقولِه: اقْعُدِى. وقُومِى. وكُلِى. واشْرَبِى. واقْرُبِى. وأطْعمِينِى. واسْقِينِى. وبارَكَ اللَّهُ عليك. وغفرَ اللَّهُ لك. وما أحسنَكِ. وأشباهِ ذلك، فليس بكنايةٍ، ولا تَطْلُقُ به، وإن نَوَى؛ لأنَّ اللَّفظَ لا يَحْتمِلُ الطَّلاقَ، فلو وقَعَ الطَّلاقُ به لَوقَعَ (٣٤) بِمُجرَّدِ النِّيِّةِ، وقد ذكَرْنا أنَّه لا يَقَعُ بها. وبهذا قال أبو حنيفةَ. واختلَف أصْحابُ الشَّافعىِّ فى قولِه: كُلِى. واشْرَبِى. فقال بعضُهم كقَوْلنا، وقال بعضُهم: هو كنايةٌ؛ لأنَّه يَحْتمِلُ: كُلِى ألَمَ الطَّلاقِ. واشْرَبِى كأسَ الفِراقِ. فوقعَ به، كقولنا (٣٥): ذُوقِى، وتَجرَّعِى. ولَنا، أَنَّ هذا اللَّفظَ
стр. 5332
لا يُسْتعمَلُ بمُفْردِه إِلَّا فيما لا ضَرَرَ فيه، كنَحْوِ قولِه تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣٦). وقال: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٣٧). فلم يكُنْ كنايةً، كقوله: أطْعِمينى. وفارقَ: ذُوقى. وتَجرَّعِى؛ فإنَّه يُستعمَلُ فى المَكارهِ، كقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٣٨). ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٣٩). و ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (٤٠). وكذلك التَّجرُّعُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ (٤١). فلم يَصِحَّ أن يلحَقَ بهما ما ليس مثلَهما.
فصل: فإن قال: أنا منكِ طالقٌ. أو جعلَ أمْرَ امرأتِه بيدِها، فقالتْ: أنتَ طالقٌ. لم تَطْلُقْ زوجتُه. نَصَّ عليه، فى روايةِ الأثْرَمِ. وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ، والثَّورِىِّ، وأبى عُبَيدٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ. ورُوِىَ ذلك عن عثمانَ بنِ عفان، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال مالكٌ، والشَّافعىُّ: تَطْلُقُ إذا نَوَى به الطَّلاقَ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، والقاسمِ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ الطَّلاقَ إزالةُ النِّكاحِ، وهو مُشْتَرَكٌ بينهما، فإذا صَحَّ فى أحدِهما صحَّ فى الآخَرِ. ولا خِلافَ فى أنَّه لا يَقعُ به الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ. ولَنا، أنَّه مَحَلٌّ لا يَقعُ الطَّلاقُ بإِضافتِه إليه مِن غيرِ نِيَّةٍ، فلم يَقَعْ وإن نَوَى، كالأجنبىِّ، ولأنه لو قال: أنا طالقٌ. ولم يَقُلْ: منكِ. لم يَقَعْ، ولو كان مَحَلًّا للطَّلاقِ لوقَعَ (٤٢) بذلك، كالمرأةِ، ولأنَّ الرَّجلَ مالكٌ فى النِّكاحِ، والمرأةَ مَمْلوكةٌ، فلم يَقعْ إزالةُ المِلْكِ بإضافةِ الإزالةِ إلى المالكِ، كالعِتْقِ، ويَدلُّ على (٤٣) هذا أن الرَّجل لا يُوصَفُ بأنَّه مُطلَّقٌ، بخلافِ المرأةِ. وجاء رجلٌ إلى ابنِ عبّاس فقال: ملَّكتُ امرْأتِى أمْرَها، فطَلَّقَتْنى
стр. 5333
ثلاثًا. فقال ابنُ عبَّاسٍ: خَطَّأَ اللَّهُ نَوْءَهَا (٤٤)، إنَّ الطَّلاقَ لكَ وليس لها عليك. روَاه أبو عُبَيْدٍ (٤٥)، والأَثْرَمُ، واحْتجَّ به أحمدُ.
فصل: وإن قال: أنا منكِ بائنٌ. أو برىءٌ. فقد تَوَقَّف أحمدُ فيه. قال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ: يَتَخَرَّجُ على وَجْهينِ؛ أحدُهما، لا يَقعُ؛ لأنَّ الرَّجلَ مَحَلٌّ لا يَقعُ الطَّلاقُ بإضافةِ صريحِه إليه، فلم يَقَعْ بإضافةِ كنايتهِ إليه، كالأجْنَبىِّ. والثَّانى، يَقعُ؛ لأنَّ لفظَ البَيْنُونةِ والبَراءةِ يُوصَفُ بهما كل واحدٍ مِنَ الزَّوجَيْنِ، يُقالُ: بانَ منها، وبانت منه. وبَرِىءَ منها، وبَرِئَتْ منه. وكذلك لفظُ الفُرقةِ يُضافُ إليهما، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾. وقال تعالى: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (٤٦). ويُقالُ: فارقَتْه المرأةُ وفارقَها. ولا يُقالُ: طلَّقَتْه. ولا سَرَّحَتْه. ولا تَطَلَّقا. ولا تَسَرَّحا. وإن قال: أنتَ بائنٌ. ولم يَقُلْ: منك. فذكَر القاضى فيما إذا قال لها: أمرُكِ بيدِك. فقالتْ: أنتَ بائنٌ. ولم تَقُلْ: منِّى. أنَّه لا يَقعُ، وجهًا واحدًا. وإن قالت: أنا بائنٌ. ونَوَتْ، وقعَ. وإن قالت: أنتَ منِّى بائنٌ. فعلى الوَجْهينِ، فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُ ذلك.
١٢٦٠ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ، لَزِمَهُ، نَوَاهُ، أَوْ لَمْ يَنْوِهِ)
قد ذكَرْنا أَنَّ صَرِيحَ الطَّلاقِ لا يَحْتاجُ إلى نِيَّةٍ، بل يَقَعُ مِن غيرِ قَصْدٍ، ولا خلافَ فى
стр. 5334
ذلك. ولأنَّ ما يُعتبَرُ له القَول يُكْتَفَى فيه به، مِن غيرِ نِيَّةٍ، إذا كان (١) صريحًا فيه، كالبيعِ. وسواء قَصَدَ المَزْحَ أو الجِدَّ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ؛ النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ". روَاه أبو داودَ، والتِّرمِذِىُّ (٢)، وقال: حديثٌ حَسَنٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ (٣) مَن أحفظُ عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ جِدَّ الطَّلاقِ وهَزْلَه سواءٌ. رُوِىَ هذا عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، وابنِ مسعودٍ. ونحوُه عن عَطاءٍ، وعَبِيدَةَ (٤). وبه قال الشَّافعىُّ، وأبو عُبَيدٍ. قال أبو عُبَيْدٍ: وهو قولُ سفيانَ، وأهلِ العراقِ. فأَمَّا لفظُ الفِرَاقِ والسَّراحِ، فيَنْبَنِى على الخلافِ فيه؛ فَمَنْ جعله صَريحًا أوقعَ به الطَّلاقَ مِن غيرِ نِيَّةٍ، ومَن لم يَجْعلْه صريحًا لم يُوقِعْ به الطَّلاقَ حتى يَنْوِيَه، ويَكونُ بمنزلةِ الكناياتِ الخَفِيَّةِ.
فصل: فإن قال الأعْجَمِىُّ لامرأتِه: أنتِ طالقٌ، ولا يَفْهَمُ معناه، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه ليس بمُخْتارٍ للطَّلاقِ، فلم يَقَعْ طلاقُه، كالمُكْرَهِ. فإن نَوَى مُوجِبَه عندَ أهلِ العربيَّةِ، لم يَقعْ أيضًا؛ لأنَّه لا يَصحُّ منه اخْتيارُ ما لا يَعلمُه، ولذلك لو نطقَ بكلمةِ الكُفْرِ مَنْ لا يَعلمُ معناها لم يَكْفُرْ. ويَحْتمِلُ أن تَطْلُقَ إذا نَوَى مُوجِبَها؛ لأنَّه لَفَظَ بالطَّلاقِ ناويًا مُوجِبَه، فأشْبَهَ العربِىَّ. وكذلك الحُكمُ إذا قال العربِىُّ: بهشتم. وهو لا يَعلمُ معناها.
فصل: فإن قال لزوجتِه وأجْنبِيَّةٍ: إحداكما طالقٌ. أو قال لحَماتِه: ابنتُك طالقٌ. ولها بنتٌ سِوَى امرأتِه. أو كان اسمُ زوجتِه زينبُ، فقال: زينبُ طالقٌ. طَلُقَتْ زوجتُه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ طلاقَ غيرِها. فإن قال: أرَدْتُ الأجْنبِيَّةَ. لم يُصَدَّقْ. نَصَّ عليه
стр. 5335
أحمدُ، فى رجلٍ تَزوَّجَ امرأةً، فقال لحَماتِه: ابنتُك طالقٌ. وقال: أردتُ ابنتَك الأُخْرَى، التى ليست بزوجتى (٥)، فقال: يَحْنَثُ، ولا يُقبَلُ منه. وقال، فى روايةِ أبى داودَ، فى رجلٍ له امرأتانِ، اسْماهما فاطمة، فماتَتْ إحداهما، فقال: فاطمةُ طالقٌ. يَنْوِى المَيِّتَةَ، فقال: المَيِّتةُ تَطْلُقُ! قال أبو داودَ: كأنَّه لا يُصَدِّقُه فى الحُكْمِ. وقال القاضى، فيما إذا نظرَ إلى امرأتِه، وأجنبيَّةٍ، فقال: إحداكما طالقٌ. وقال: أرَدْتُ الأجْنبيَّةَ. فهل يُقبَلُ؟ على رِوَايتَيْنِ. وقال الشَّافعىُّ: يُقْبَلُ ههُنا، ولا يُقبَلُ فيما إذا قال: زينبُ طالقٌ. وقال: أردتُ أجْنبِيَّة اسمُها زينبُ. لأنَّ زينبَ لا يَتناولُ الأجْنبِيَّةَ بصَرِيحِه، بل مِن جهةِ الدَّليلِ، وكد عارضَه دليلٌ آخرُ -وهو أنَّه لا يُطلِّقُ غيرَ زوجتِه- أظهرُ، فصارَ اللَّفظُ فى زَوْجتِه أظهرَ، فلم يُقبَلْ خلافُه، أمَّا إذا قال: إحْداكما (٦). فإنَّه يَتناوَلُ الأجْنبيَّةَ بصَريحِه. وقال أصحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثورٍ: يُقْبَلُ فى الجميعِ؛ لأنَّه فسَّرَ كَلامَه بما يَحْتمِلُه. ولَنا، أنَّه لا يَحْتَمِلُ غيرَ امرأتِه على وجهٍ صحيحٍ، فلم يُقبَلْ تفسيرُه بها، كما لو فسَّرَ كَلامَه بما لا يَحْتمِلُه، وكما لو قال: زينبُ طالقٌ. عندَ الشَّافعىِّ، وما ذكروه من الفَرْقِ لا يَصِحُّ، فإن إحداكما ليس بصَرِيحٍ فى واحدةٍ منهما، إنَّما يَتناولُ واحدةً لا بِعَيْنِها، وزينبُ يتَناولُ واحدةً [من الزَّيانِبِ] (٧) لا بعَيْنِها، ثم تعيَّنتِ الزَّوجةُ لكَوْنِها مَحَلَّ الطَّلاقِ، وخِطابُ غيرِها به عَبَثٌ، كما إذا قال: إحْداكما طالقٌ. ثم لو تناوَلَها بصريحهِ لكنَّه صرفَه عنها دليلٌ، فصار ظاهرًا فى غيرِها، ولمَّا قال النَّبِىُّ ﷺ للمُتَلاعِنَيْنِ: "أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ" (٨). لم يَنْصرِفْ إلَّا إلى الكاذبِ منهما وحدَه، ولمَّا قال حَسَّانُ (٩)، يعنى النَّبِىَّ ﷺ وأبا سفيانَ:
стр. 5336
* فشَرُّكما لخيركما الفِداءُ *
لم ينْصَرِفْ شَرُّهما (١٠) إلَّا إلى أبى سفيانَ وحدَه، وخيرُهما النَّبِىُّ ﷺ وحدَه. وهذا فى الحُكمِ، فأمَّا فيما بينَه وبينَ اللَّه تعالى، فيَدينُ فيه، فمتى عَلِمَ مِنْ نفسِه أنَّه أرادَ الأَجْنَبيَّةَ، لم تَطْلُقْ زوجتُه؛ لأنَّ اللَّفظَ مُحْتمِلٌ له، وإن كان غيرَ مُقَيَّدٍ. ولو كانت ثَمَّ قَرِينةٌ دالَةٌ على إرادتِه الأجْنبيَّةَ، مثل أن يَدْفعَ بيمينِه ظُلْمًا، أو يَتخلَّصَ بها مِن مَكْروهٍ، قُبِلَ قولُه فى الحُكْمِ؛ لوُجودِ الدَّليلِ الصارفِ إليها. وإن لم يَنْوِ زوجتَه، ولا الأجْنبيَّةَ، طَلُقَتْ زوجتُه؛ لأنّها مَحَلُّ الطَّلاقِ، واللفظُ يَحْتمِلُها ويَصْلُحُ لها، ولم يَصْرِفْه عنها، فوقَعَ به، كما لو نَوَاها.
فصل: فإن كانت له امْرأتانِ؛ حَفْصَةُ وعَمْرَةُ، فقال: يا حفصةُ. فأجابَتْه عمرةُ، فقال: أنتِ طالقٌ. فإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ، أو نَوَى المُجِيبةَ وحدَها، طَلُقَتْ وحدَها؛ لأنَّها المُطَلَّقةُ دونَ غيرِها. وإن قال: ما خاطبتُ بقولى: أنتِ طالقٌ. إلَّا حفصةَ، وكانت حاضرةً، طَلُقَتْ وحدَها. وإن قال: علمتُ أنّ المُجيبةَ عَمْرةُ، فخاطَبْتُها بالطَّلاقِ، وأردتُ طلاقَ حَفْصةَ. طَلُقَتَا معًا، فى قولِهم جميعًا. وإن قال: ظَنَنْتُ المُجيبةَ حَفْصةَ فطلَّقْتُها. طَلُقَتْ حفصةُ، روايةً واحدةً، وفى عَمرةَ رِوَايتانِ؛ إحْداهما، تَطْلُقُ أيضًا. وهو قولُ النَّخَعِىِّ، وقَتادةَ، والأوْزاعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. واختاره ابنُ حامدٍ؛ لأنَّه خاطبَها بالطَّلاقِ، وهى مَحَلٌّ له، فطَلُقَتْ، كما لو قَصَدَها. والثَّانية، لا تَطْلُقُ. وهو قولُ الحَسَنِ، والزُّهْرِىِّ، وأبى عُبَيدٍ. قال أحمدُ، فى رواية مُهَنَّا، فى رجلٍ له امرأتانِ، فقال: فلانةُ، أنتِ طالقٌ. فالْتفَتتْ، فإذا هى غيرُ التى حَلَفَ عليها، قال: قال إبراهيمُ: يَطْلُقانِ. والحَسَنُ يقول: تَطْلُقُ التى نَوَى. قيل له: ما تقولُ أنتَ؟ قال: تَطْلُقُ التى نَوَى. ووَجْهُه أنَّه لم يَقْصِدْها بالطَّلاقِ، فلم تَطْلُقْ، كما لو أرادَ أن يقولَ: أنتِ (١١) طاهرٌ. فسَبَقَ لسانُه، فقال: أنتِ طالقٌ. وقال أبو
стр. 5337
بكرٍ: لا يَخْتلِفُ كلامُ أحمدَ أنَّها لا تَطْلُقُ. وقال الشَّافعىُّ: تَطْلُقُ المُجيبةُ وحدَها؛ لأنَّها مُخَاطَبَةٌ بالطَّلاقِ، فطَلُقَتْ، كما لو لم يَنْوِ غيرَها، ولا تَطْلُقُ المَنْوِيَّةُ؛ لأنَّه لم يُخاطِبْها بالطَّلاقِ، ولم تَعترِفْ بطلاقِها، وهذا يَبطُلُ بما لو علمَ أَنَّ المُجيبةَ عَمْرةُ، فإنَّ المَنْوِيَّةَ تَطْلُقُ بإرادتِها بالطَّلاقِ (١٢)، ولولا ذلك لم تَطْلُقْ بالاعْترافِ به؛ لأنَّ الاعْترافَ بما لا يُوجِبُ لا يُوجِبُ، ولأنًّ الغائبةَ مقصودة بلَفْظِ الطَّلاقِ، فطَلُقَتْ، كما لو علمَ الحالَ.
فصل: وإن أشار إلى عَمرةَ، فقال: يا حَفْصةُ، أنتِ طالقٌ. وأرادَ طلاقَ عَمْرةَ، فسَبَقَ لسانُه إلى نِداءِ حَفْصةَ، طَلُقَتْ عَمْرةُ وحدَها؛ لأنَّه لم يُرِدْ بلفظِه إلَّا طلاقَها، وإنَّما سبَقَ لسانُه إلى غيرِ ما أرادَه، فأشْبَهَ ما لو أرادَ أن يقولَ: أنتِ طاهرٌ. فسبقَ لسانُه إلى أنتِ طالقٌ. وإن أتَى باللَّفظِ مع علمِه أَنَّ المُشارَ إليها عَمرةُ، طَلُقَتَا معًا، عمرةُ بإشارتِه (١٣) إليها، [وإضافةِ الطَّلاقِ إليها] (١٤)، وحَفْصةُ بِنِيَّتِه، وبلَفْظِه بها. وإن ظنَّ أَنَّ المُشارَ إليها حفصةُ، طَلُقَتْ حفصةُ، وفى عَمْرةَ رِوَايتانِ، كالتى قبلَها.
فصل: وإن لَقِىَ أجْنبيّةً، ظنَّها زوجتَه، فقال: فلانةُ، أنتِ طالقٌ. فإذا هى أجْنبيَّة، طَلُقَتْ زوجتُه، نَصَّ عليه أحمدُ. وقال الشَّافعىُّ: لا تَطْلُقُ؛ لأنَّه خاطبَ بالطَّلاقِ غيرَها، [فلم يَقَعْ] (١٥)، كما لو علمَ أنَّها أجنبيَّة، فقال: أنتِ طالقٌ. ولَنا، أنَّه قصدَ زوجتَه بلفظِ الطَّلاقِ، فطَلُقَتْ، كما لو قال: علمتُ أنَّها أجنبيَّةٌ، وأردتُ طلاقَ زوجتى. وإن قال لها: أنتِ طالقٌ. ولم يَذكُرِ اسمَ زَوْجتِه، احْتمَلَ؛ وذلك أيضًا لأنَّه قصدَ امرأته بلفظِ الطَّلاقِ، واحْتمَلَ أن لا تَطْلُقَ؛ لأنَّه لم يُخاطِبْها بالطَّلاقِ، ولا ذكَرَ
стр. 5338
اسمَها معه. وإن عَلِمَها أجْنبيَّةً، وأرادَ بالطَّلاقِ زوجتَه، طَلُقَتْ. وإن لم يُرِدْها بالطَّلاقِ، لم تَطْلُقْ.
فصل: وإن لَقِىَ امرأتَه، فظنها أجنبيَّةً، فقال: أنت طالقٌ، أو تَنَحَّىْ يا مُطَلَّقةُ. أو لَقِىَ أمَتَه، فطها أجْنبيَّةً، فقال: أنتِ حُرّةٌ، أو تَنْحَّىْ يا حُرَّةُ. فقال أبو بكرٍ، فى مَن لَقِىَ امْرأةً (١٦)، فقال: تَنَحَّى يا مُطَلَّقةُ، أو يا حُرَّةُ. وهو لا يَعرفُها، فإذا هى زوجتُه أو أمتُه: لا يَقعُ بهما طلاقٌ ولا حُرِّيَّةٌ؛ لأنَّه لم يُرِدْ بهما ذلك، فلم يَقعْ بهما شىءٌ، كسَبْقِ اللِّسانِ إلى ما لم يُرِدْه. ويَحْتَمِلُ أن لا تَعْتِقَ الأمَةُ؛ لأنَّ العادةَ مِن النّاس مُخاطبةُ مَنْ لا يَعرفُها بقوله: يا حُرَّةُ. وتَطْلُقَ الزَّوجةُ؛ لعدمِ العادةِ بالمُخاطبةِ بقوله: يا مُطَلَّقةُ.
فصل: فأمَّا غيرُ الصَّريحِ؛ فلا يَقَعُ الطَّلاقُ به إلَّا بِنِيَّةٍ، أو دَلالةِ حالٍ. وقال مالكٌ: الكناياتُ الظَّاهرةُ، كقوله: أنتِ بائنٌ، وبَتَّةٌ، وبَتْلَةٌ، وحرامٌ. يَقَعُ بها الطَّلاقُ مِن غير نِيَّةٍ. قال القاضى، فى "الشَّرحِ": وهذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِىِّ؛ لأنَّها مُسْتعمَلَةٌ فى الطَّلاقِ فى العُرْفِ، فصارت كالصَّريحِ. ولَنا، أَنَّ هذه كنايةٌ لم تُعْرَفْ بإرادةِ الطَّلاقِ بها، ولا اخْتصَّتْ به، فلم يَقعِ الطَّلاقُ بها بِمُجَرَّدِ اللَّفظِ، كسائرِ الكناياتِ، وإذا ثَبَتَ اعتبارُ النِّيَّةِ، فإنَّها تُعْتبَرُ مُقارِنَةً للَّفظِ، فإن وُجدَتْ فى ابتدائِه، وعَرِيَتْ عنه فى سائرِه، وقعَ الطَّلاقُ. وقال بعضُ أصحاب الشَّافعىِّ: لا يَقعُ، فلو قال: أنت بائنٌ يَنوِى الطَّلاقَ، وعَرِيَتْ نِيَّتُه حين قال: أنت بائنٌ، لا يَقعُ؛ لأنَّ القَدْرَ الذى صاحبَتْه النِّيَّةُ لا يَقعُ به شىءٌ. ولَنا، أن ما تُعتبَرُ له النِّيَّةُ يُكْتَفَى فيه بوُجودِها فى أوَّلِه، كالصلاةِ وسائرِ العباداتِ، فأمَّا إن تَلَفظَ بالكنايةِ غيرَ ناوٍ، ثم نَوَى بها بعدَ ذلك، لم (١٧) يقعْ بها الطَّلاقُ، وكما (١٨) لو نَوَى الطَّهارةَ بالغُسلِ بعدَ فَراغِه منه.
стр. 5339
١٢٦١ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأةٌ؟ فَقَالَ: لَا. وَأَرَادَ بِهِ الْكَذِبَ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَىْءٌ. وَلَوْ قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُهَا. وَأَرَادَ بِهِ الْكَذِبَ، لَزِمَهُ الطَّلَاقُ)
إنَّما لم يَلزمْه إذا أرادَ الكَذِبَ؛ لأنَّ قولَه: مالى امرأةٌ. كنايةٌ تَفتقِرُ إلى نِيَّةِ الطَّلاقِ، وإذا نَوَى الكَذِبَ فما نَوَى الطَّلاقَ، فلم يَقَعْ. وهكذا لو نَوَى أنَّه ليس لى امرأةٌ تَخْدُمُنى، أو تُرضِينى، أو أنِّى كَمَن لا امرأةَ له، أو لم يَنْوِ شيئًا، لم تَطْلُق؛ لعَدَمِ النِّيَّةِ المُشْتَرَطَةِ فى الكنايةِ، وإن أرادَ بهذا اللَّفظِ طلاقَها، طَلُقَتْ؛ لأنَّها كنايةٌ صَحِبتْها النِّيَّةُ. وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وحَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ، وأبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ. وقال أبو يوسفَ، ومحمَّدٌ: لا تَطْلُقُ؛ فإن هذا ليس بكنايةٍ، وإنَّما هو خَبَرٌ هو كاذبٌ فيه، وليس بإيقاع. ولَنا، أنَّه مُحْتَمِلُ الطَّلاقِ؛ لأنَّه إذا طلَّقَها فليست له بامرأةٍ، فأشْبَهَ قولَه: أنتِ بائنٌ. وغيرَها من الكناياتِ الظَّاهرةِ، وهذا يُبْطِلُ قولَهم. فأمَّا إن قال: طلَّقتُها. وأراد الكَذِبَ، طَلُقَتْ؛ لأنَّ لفظَ الطَّلاقِ صريحٌ، يَقَعُ به الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ. وإن قال: خَلَّيْتُها، أو ابنْتُها. افتقَرَ إلى النِّيَّةِ؛ لأنَّه كنايةٌ لا يَقَعُ به الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ.
فصل: فإن قِيلَ له: أطلَّقْتَ امرأتَك؟ فقال: نعم. أو قِيلَ له: امرأتُك طالقٌ؟ فقال: نعم. طَلُقَتْ امرأتُه، وإن لم يَنْوِ. وهذا الصَّحيحُ مِن مذهبِ الشَّافعىِّ، واخْتِيَارُ المُزَنِىِّ؛ لأنَّ نَعَم صريحٌ فى الجوابِ، والجوابُ الصَّريحُ لِلَّفظِ الصَّريحِ صريحٌ، ألا تَرَى أنَّه لو قِيلَ له: ألِفُلانٍ عليك ألفٌ؟ فقال: نَعَمْ. وَجَبَ عليه. وإن قِيلَ له: طَلَّقْتَ امرأتَك؟ فقال: قد كان بعضُ ذلك. وقال: أردتُ الإيقاعَ. وقعَ. وإن قال: أردتُ أنِّى علَّقتُ طلاقها بشرطٍ. قُبِل؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ لما قاله. وإن قال: أردتُ الإِخبارَ عن شىءٍ ماضٍ. أو قِيلَ له: ألك امرأةٌ؟ فقال: قد طلَّقْتُها. ثم قال: إنما أردتُ أنِّى طلَّقْتُها فى نكاحٍ آخر. دِينَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، فأمَّا فى الحُكْمِ؛ فإن لم يَكُنْ ذلك وُجِدَ
стр. 5340
منه، لم يُقبَلْ؛ لأنَّه لا يَحْتمِلُ ما قالَه، وإن (١) كان وُجدَ، فعلى وَجْهينِ.
فصل: فإن قال: حَلَفتُ بالطَّلاقِ. أو قال: على يَمِينٌ بالطَّلاقِ. ولم يَكُنْ حَلَفَ، لم يَلزمْه شىءٌ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، ولَزِمَه ما أقرَّ به فى الحُكْمِ. ذكَرَه القاضى، وأبو الخَطَّابِ. وقال أحمدُ، فى رواية محمدِ بنِ الحَكَم، فى الرَّجلِ يَقولُ: حَلَفْتُ بالطَّلاقِ. ولم يَكُنْ حَلَفَ: هى كِذْبةٌ، ليس عليه يَمِينٌ. وذلك لأنَّ قولَه: حَلَفتُ. ليس بِحَلفٍ، وإنَّما هو خبرٌ عن الحَلِفِ، فإذا كان كاذبًا فيه، لم يَصِرْ حالِفًا، كما لو قال: حَلَفتُ باللَّهِ. وكان كاذبًا. واختار أبو بكرٍ أنَّه يَلزمُه ما أقرَّ به [فى الحُكْمِ] (٢). وحَكَى فى "زادِ المُسافرِ" عن المَيْمُونِىِّ، عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا قال: حَلَفْتُ بالطَّلاقِ. ولم يَكُنْ حَلَفَ، يَلزمُه الطَّلاقُ، ويُرْجَعُ (٣) إلى نِيَّتِه فى الطَّلاقِ الثَّلاثِ أو الواحدِ (٤). وقال القاضى: مَعْنى قولِ أحمدَ: يَلزمُه الطَّلاقُ. [أى فى الحُكمِ، ويَحْتمِلُ أنَّه أرادَ يَلزمُه الطَّلاقُ] (٥) إذا نَوَى به الطَّلاقَ، فجعلَه كنايةً عنه؛ ولذلك قال: يُرْجَعُ إلى نِيّتِه. أمَّا الذى قصَدَ الكَذِبَ، فلا نِيَّةَ له فى الطَّلاقِ، فلا يَقعُ به شىءٌ؛ لأنَّه ليس بصَرِيحٍ فى الطَّلاقِ، ولا نَوَى به (٦) الطَّلاقَ، فلم يَقَعْ به طلاق كسائرِ الكناياتِ. وذكر القاضى، فى كتابِ الأيمانِ، فى من قال: حَلَفتُ بالطَّلاقِ. ولم يكُنْ حَلَفَ، فهل يَقعُ به الطَّلاقُ؟ على رِوَايتَيْنِ.
١٢٦٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا وَهَبَ زوْجَتَهُ لِأَهْلِهَا، فَإِنْ قَبِلُوهَا فَوَاحِدَةٌ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ إِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلًا بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوْهَا فَلَا شَىْءَ)
стр. 5341
هذا المنصوصُ عن أحمدَ فى هذه المسألةِ. وبه قال ابنُ مسعودٍ، وعَطاءٌ، ومَسْرُوقٌ، والزُّهْرِىُّ، ومَكْحُولٌ، ومالكٌ، وإسحاقُ. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والنَّخَعِىِّ: إن قَبِلُوها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن لم يَقْبَلُوها فواحدةٌ رَجعِيَّةٌ. وعن زيدِ بنِ ثابتٍ، والحَسَنِ: إن قَبِلُوها فثلاثٌ، وإن لم يَقْبَلُوها فواحدةٌ رجعِيَّةٌ. ورُوِىَ عن أحمدَ مثلُ ذلك. وقال رَبِيعةُ، ويحيى بنُ سعيدٍ، وأبو الزِّنَادِ، ومالكٌ: هى ثلاثٌ على كلِّ حالٍ، قَبِلُوها أو رَدُّوها. وقال أبو حنيفةَ فيها كقوله فى الكنايةِ الظَّاهرةِ، قَبِلُوها أو رَدُّوها. وكذلك قال الشَّافعىُّ. واخْتلَفا ههُنا بِناءً على اخْتلافِهما. ولَنا، على أنَّها لا تَطْلُقُ إذا لم يَقْبَلُوها، أنَّه تَمْليكٌ للبُضْعِ، فافتقَرَ (١) إلى القَبُولِ، كقولِه: اخْتارِى، وأمرُك بيدِك. وكالنِّكاحِ. وعلى أنَّها لا تَكونُ ثلاثًا أنَّه لفظٌ مُحْتمِلٌ، فلا يُحْمَلُ على الثَّلاثِ عندَ الإِطْلاقِ، كقوله: اخْتارِى. وعلى أنَّها رَجْعِيَّة، أنَّها طَلْقةٌ لمِنْ عليها عِدَّةٌ بغيرِ عِوَض، قبلَ اسْتيفاءِ العَدَدِ، فكانت رَجْعِيَّةً كقوله: أنتِ طالقٌ. وقولُه: إنَّها واحدةٌ. محمولٌ على ما إذا [أطْلَقَ النِّيَّةَ] (٢)، أو نَوَى واحدةً، فأمَّا إن نَوَى ثلاثا، أو اثْنتَيْنِ، فهو على ما نَوَى؛ لأنَّها كنايةٌ غيرُ ظاهرةٍ، فيُرْجَعُ إلى نِيَّتِه فى عَدَدِها كسائرِ الكناياتِ. ولابُدَّ مِن (٣) أن يَنوِىَ بذلك الطَّلاقَ، أو تكونَ ثَمَّ دَلالةُ حالٍ؛ لأنَّها كنايةٌ، والكناياتُ لابُدَّ فيها مِنَ النِّيَّةِ كذلك. قال (٤) القاضى: ويَنْبَغِى أن تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ مِن الذى يقبَلُ أيضًا (٣)، كما تُعْتبَرُ فى اخْتيارِ الزَّوجةِ إذا قال لها: اخْتارِى، أو أمرُك بيدِك. إذا ثَبَتَ هذا؛ فإنَّ صِيغةَ القَبُولِ أن يقولَ أهلُها: قَبِلْنَاها. نصَّ عليه أحمدُ. والحُكْمُ فى هبتِها لنفسِها، أو لأجنبىٍّ، كالحُكْمِ فى هِبَتِها لأهلِها.
فصل: فإن باعَ امرأتَه لغيرِه، لم يَقعْ به طلاقٌ، وإن نَوَى. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ،
стр. 5342
وإسحاقَ. وقال مالكٌ: تَطْلُقُ واحدةً، وهى أمْلَكُ بنفسِها؛ لأنَّه أتَى بما يَقْتضِى خُروجَها عن مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو وَهَبَها. ولَنا، أَنَّ البيعَ لا يَتَضَمَّنُ معنى الطَّلاقِ؛ لأنَّه نقلُ مِلْكٍ بِعِوَضٍ، والطَّلاقُ مُجرَّدُ إسْقاطٍ لا يَقْتضِى العِوَضَ، فلم يَقَعْ به طلاقٌ، كقولِه: أطْعِمينى، واسْقِينى.
١٢٦٣ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَمْرُكِ بِيَدِكِ. فَهُوَ بِيَدِهَا، وَإِنْ تَطَاوَلَ، مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْهَا (١))
وجملةُ ذلك أَنَّ الزَّوجَ مُخيَّرٌ بينَ أن يُطلِّقَ بنفسِه، وبينَ أن يُوَكِّلَ فيه، وبينَ أن يُفوِّضَه إلى المرأةِ، ويجعلَه إلى اخْتيارِها؛ بدليلِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خيَّرَ نَساءَه، فاخْتَرْنَه (٢). ومتى جعلَ أمرَ امرأتِه بيدِها، فهو بيدِها أبدًا، لا يَتَقَيَّدُ ذلك بالمجلسِ. رُوِىَ ذلك عن عَلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال الحَكَمُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالكٌ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: هو مقصورٌ على المجلسِ، ولا طلاقَ لها بعد مُفارقتِه؛ لأنَّه تَخْيِيرٌ لها، فكان مقصورًا على المجلسِ، كقوله: اخْتارِى. ولَنا، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى رجلٍ جعلَ أمرَ امرأتِه بيدِها، قال: هو لها حتى تَنْكِلَ. ولا نَعرفُ له فى الصحابة مُخالِفًا، فيَكونَ إجماعًا. ولأنَّه نَوْعُ توكيل فى الطَّلاقِ، فكان على التَّراخِى، كما لو جعَلَه لأجْنبىٍّ، وفارقَ قولَه: اخْتارِى. فإنَّه تَخْيِيرٌ. فإن رجعَ الزَّوجُ فيما جَعَلَ إليها، أو قال: فَسَخْتُ ما جعلتُ إليك. بَطَلَ. وبذلك قال عطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وإسحاقُ. وقال الزُّهْرِىُّ، والثَّورِىُّ، ومالكٌ، وأصحابُ
стр. 5343
الرَّأْىِ: ليس له الرُّجوعُ؛ لأنَّه مَلَّكَها ذلك، فلم يَمْلكِ الرُّجوعَ، كما لو طَلُقَتْ. ولَنا، أنَّه توكيلٌ.، فكان له الرُّجوعُ فيه، كالتَّوكيلِ فى البيعِ، وكما لو خاطبَ بذلك أجْنبيًّا. وقولهم: تَمْليكٌ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الطَّلاقَ لا يَصِحُّ تَمْليكهُ، ولا يَنْتقِلُ عن الزَّوجِ، وإنَّما يَنُوبُ فيه غيرُه عنه، فإذا استنابَ غيرَه فيه كان توكيلًا لا غيرُ، ثم وإِنْ سُلِّمَ أنَّه تَمْلِيكٌ، فالتَّمْليكُ يَصِحُّ الرُّجوعُ فيه قبلَ اتِّصالِ القبُولِ به، كالبيعِ. وإن وَطِئهَا الزَّوجُ كان رجوعًا؛ لأنَّه نوعُ توكيلٍ، والتَّصرُّفُ فيما وَكَّلَ فيه يُبطِلُ الوكالةَ. وإن ردَّتِ المرأةُ ما جُعِلَ إليها بَطَلَ، كما تَبْطُلُ الوكالةُ بفَسْخِ الوكيلِ.
فصل: ولا يَقعُ الطَّلاقُ بمُجرَّدِ هذا القولِ، ما لم يَنْوِ به إيقاعَ طَلاقِها فى الحالِ، أو تُطَلِّقْ نفسَها. ومتى رَدَّتِ الأمرَ الذى جُعِلَ إليها، بَطَلَ، ولم يَقعْ شىءٌ، فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ عمرَ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومسروقٌ، وعَطاءٌ، ومُجاهدٌ، والزُّهرِىُّ، والثَّورِىُّ، والأوزاعِىُّ، والشَّافعىُّ. وقال قَتادةُ: إن رَدَّتْ، فواحدةٌ رَجعِيَّةٌ. ولَنا، أنَّه توكيلٌ ردَّه الوكيلُ، أو تَمْليكٌ لم يَقْبَلْه الْمُمَلَّكُ، فلم يَقَعْ به شىءٌ، كسائرِ التَّوكيلِ والتَّمْليكِ، فأمَّا إن نَوَى بهذا تطليقَها فى الحالِ، طَلُقَتْ فى الحالِ، ولم يَحْتَجْ إلى قَبُولِها، كما لو قال: حَبْلُك على غارِبِك.
١٢٦٤ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِى، فَوَاحِدَةٌ، تَمْلِكُ الرَّجْعَةَ)
وجملةُ الأمرِ أَنَّ المُمَلَّكَةَ والمُخَيرَّةً إذا قالت: اخْتَرْتُ نفسى. فهى واحدةٌ رَجْعِيَّةٌ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عبَّاسٍ. وبه قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والثَّورِىُّ، وابنُ أبى ليلى، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ. ورُوِىَ عن علىٍّ أنَّها واحدةٌ بائنةٌ. وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابُه؛ لأنَّ تَمْليكَه إيَّاها أمرَها يَقْتضِى زوالَ سُلْطانِه عنها، وإذا قَبِلَتْ ذلك بالاخْتيارِ، وجَبَ أن يزُولَ عنها، ولا يَحصُلُ ذلك مع بَقاءِ الرَّجْعَةِ. وعن زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّها ثَلاثٌ. وبه قال الحَسَنُ، ومالكٌ، واللَّيثُ، إلَّا أَنَّ
стр. 5344
مالكًا قال: إذا لم تَكُنْ مَدْخولًا بها قُبِلَ منه، إذا أراد واحدةً أو اثْنتَيْنِ، وحُجَّتُهم أَنَّ ذلك يَقْتضِى زوالَ سُلْطانِه عنها، ولا يَكونُ ذلك إلَّا بثَلاثٍ. وفى قولِ مالكٍ أَنَّ غيرَ المدخولِ بها يَزولُ سُلْطانُه عنها بواحدةٍ، فاكْتُفِىَ بها. ولَنا، أنَّها لم تُطَلِّقْ بلفظِ الثَّلاثِ، ولا نَوَتْ ذلك، فلم تَطْلُقْ ثلاثًا، كما لو أتَى الزَّوجُ بالكنايةِ الخَفِيَّةِ.
فصل: وهذا إذا لم تَنْوِ أكثرَ مِن واحدةٍ، فإن نَوَتْ أكثرَ مِن واحدةٍ، وقعَ ما نَوَتْ؛ لأنَّها تَمْلكُ الثَّلاثَ بالتَّصْريحِ، فتَمْلِكُها بالكنايةِ، كالزَّوجِ. وهكذا إن أتَتْ بشىءٍ من الكناياتِ، فحُكْمُها فيها حُكْمُ الزَّوجِ، إن كانت ممَّا يَقعُ بها الثَّلاثُ مِنَ الزَّوجِ، وقَعَ بها الثَّلاثُ إذا أتَتْ بها، وإن كَانتْ من الكناياتِ الخَفِيَّةِ، نحوَ قولِها: لا يَدخُلْ علىَّ. ونحوَها، وقعَ ما نَوَتْ. قال أحمدُ: إذا قال لها: أمْرُك بيدِك. فقالت: لا يَدخُلْ علىَّ إلَّا، بإذْنٍ. تَنْوِى فى ذلك، إن قالت: واحدةً، فواحدةٌ، وإن قالت: أردتُ أن أغيظَه. قُبِلَ منها. يعنى لا يَقعُ شىءٌ. وكذلك لو جعلَ أمْرَها فى يَد أجْنَبىٍّ، فأتَى بهذه الكناياتِ، لا يَقعُ شىءٌ حتى يَنْوِىَ الوكيلُ الطَّلاقَ. ثم إن طلَّقَ بلفظٍ صريحٍ ثلاثًا، أو بكنايةٍ ظاهرةٍ. طَلُقَتْ ثلاثًا، وإن كان بكنايةٍ خَفِيَّةٍ، وقعَ ما نَوَاه.
فصل: وقولُه: أمْرُكِ بيَدِك. وقولُه: اخْتارِى نفسَكِ. كنايةٌ فى حقِّ الزَّوْجِ، يَفتقِرُ إلى نِيَّةٍ أو دَلالةِ حالٍ، كما فى سائرِ الكناياتِ، فإن عُدِمَ لم يَقَعْ به طلاقٌ؛ لأنَّه ليس بصريحٍ، وإنَّما هو كنايةٌ، فيَفتقِرُ إلى ما يَفتقِرُ إليه سائرُ الكناياتِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ. وقال مالكٌ: لا يفتقِرُ إلى نِيَّةٍ؛ لأنَّه مِن الكناياتِ الظَّاهرةِ. وقد سبقَ الكلامُ معه فيها. وهو أيضًا كنايةٌ فى حقِّ المرأةِ، إن قَبِلَته بلفظِ الكنايةِ. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَفْتقِرُ وُقوعُ الطَّلاقِ إلى نِيَّتِها، إذا نَوَى الزَّوجُ؛ لأنَّ الزَّوجَ علَّقَ الطَّلاقَ بفعلٍ مِنْ جِهَتِها، فلم يَفْتقِرْ إلى نِيَّتِها، كما لو قال: إن تَكلَّمْتِ فأنتِ طالقٌ. فتكلَّمَتْ، وقال: لا يَقعُ إلَّا واحدةٌ بائنٌ. وإن نَوَتْ ثلاثًا؛ لأنَّ ذلك تخْيِيرٌ، والتَّخْيِيرُ لا يَدْخلُه عَدَدٌ، كخيارِ المُعْتَقَةِ. ولَنا، أنَّها مُوقِعَةٌ للطَّلاقِ بلفظِ الكنايةِ، فافْتَقرَ إلى نِيَّتِها، كالزَّوجِ. وعلى أنَّه يَقعُ الثَّلاثُ إذا نَوَتْ، أَنَّ اللَّفظَ يَحْتمِلُ
стр. 5345
الثَّلاثَ؛ لأنَّها تخْتارُ نفسَها بالواحدةِ، وبالثَّلاثِ، فإذا نَوَياه وقعَ، كقولِه: أنتِ بائنٌ.
١٢٦٥ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا، وقَالَ: لَمْ أَجْعَلْ إِلَيهَا إِلَّا وَاحِدَةً. لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ، وَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ)
وممَّن قال: الْقَضاءُ ما قَضَتْ عثمانُ، وابنُ عمرَ، وابنُ عبَّاسٍ. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وفَضَالَةَ بنِ عُبَيدٍ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، والزُّهرِىُّ. وعن عمرَ، وابنِ مسعودٍ: أنَّها تَطْليقةٌ واحدةٌ. وبه قال (١) مُجاهِدٌ، والقاسمُ، ورَبِيعةُ، ومالكٌ، والأوْزاعىُّ، والشَّافعىُّ. وقال الشَّافعىُّ: إن نَوَى ثلاثًا، فلها أن تُطَلِّقَ ثلاثًا، وإن نَوَى غيرَ ذلك، لم تُطَلِّقْ ثلاثةً، والقولُ قولُه فى نِيَّتِه. قال القاضى: ونقلَ عبدُ اللَّهِ عن أحمدَ، ما يَدلُّ على أنَّه إذا نَوَى واحدةً، فهى واحدةٌ؛ لأنَّه نَوْعُ تخييرٍ، فيُرْجَعُ إلى نِيَّتِه فيه، كقولِه: اخْتارِى. ولَنا، أنَّه لفظٌ يَقْتضِى العمومَ فى جميعِ أمْرِها؛ لأنَّه اسمُ جنسٍ مُضافٌ، فيَتناولُ الطَّلقاتِ الثَّلاثَ، كما لو (٢) قال: طَلِّقِى نفسَك (٣) ما شِئْتِ. ولا يُقبَلُ قولُه: أردتُ واحدةً؛ لأنَّه خِلافُ ما يَقْتضِيه اللَّفظُ، ولا يَدِينُ فى هذا؛ لأنَّه من الكناياتِ الظَّاهرةِ، والكناياتُ الظَّاهرةُ تَقْتضِى ثلاثًا.
١٢٦٦ - مسألة؛ قال: (وَكَذَلِك الْحُكْمُ إِذَا جَعَلَهُ فِى يَدِ غَيْرِهَا)
وجملةُ ذلك أنَّه إذا جعلَ أمْرَ امْرأتِه بيَد غيرِها، صحَّ، وحُكْمُه حُكْمُ ما لو جعلَه بيدِها، فى أنَّه بيَدِه فى المجلس وبعدَه. ووافقَ الشَّافعىُّ على هذا فى حقِّ غيرِها؛ لأنَّه توكيلٌ. وسَواءٌ قال له: أمْرُ امرأتى بيَدك. أو قال: جعلتُ لك الخِيَارَ فى طلاقِ امْرأتِى.
стр. 5346
أو قال: طَلَّقِ امْرأتِى. وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: ذلك مَقْصورٌ على المجلسِ؛ لأنَّه نَوْعُ تَخْييرٍ، أشْبَهَ ما لو قال: اخْتارِى. ولَنا، أنَّه توكيلٌ مُطْلَقٌ، فكان على التَّراخِى، كالتَّوْكيلِ فى البيعِ. وإذا ثَبَتَ هذا فإنَّ له أن يُطَلِّقَها، ما لم يَفْسَخْ أو يَطَأْها، وله أن يُطلِّقَ واحدةً وثلاثًا كالمرأةِ، وليس له أن يَجْعلَ الأَمْرَ إلَّا بيَدِ مَن يَجوزُ تَوكيلُه، وهو العاقلُ، فأمَّا الطِّفلُ والمجنونُ، فلا يَصِحُّ أن يَجْعَلَ الأمْرَ بأيْدِيهم، فإن فعلَ، فطَلَّقَ واحدٌ منهم، لم يَقَعْ طلاقُه. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: يَصِحُّ. ولَنا، أنَّهما ليسا مِن أهلِ التَّصَرُّفِ، فلم يَصِحَّ تَصرُّفُهم، كما لو وَكَّلَهم فى العِتْقِ. وإن جعلَه فى يَد كافرٍ، أو عبدٍ، صَحَّ؛ لأنَّه ممَّن يَصِحُّ طلاقُه لنفسِه، فصَحَّ توكيلُهما فيه. وإن جعلَه فى يَدِ امْرأةٍ، صَحَّ؛ لأنَّه يَصِحُّ توكيلُها فى العِتْقِ، فصحَّ فى الطَّلاقِ، كالرَّجلِ. وإن جعَلَه فى يد صَبِىٍّ يَعْقِلُ الطَّلاقَ، انْبَنَى ذلك على صِحَّةِ طَلاقِه لزَوْجتِه، وقد مَضَى ذلك. وقد نصَّ أحمدُ ههُنا على اعْتبارِ وكالتِه بطلاقِه، فقال: إذا قال الصَّبِىُّ: طلِّقِ امرأتى ثلاثًا. فطَلَّقَها ثلاثًا، لا يَجوزُ عليها حتى يَعْقِلَ الطَّلاقَ، أرأيتَ لو كان لهذا الصَّبِىِّ امرأةٌ فطلَّقَها، أكان يَجوزُ طلاقُه؟ فاعْتَبَرَ طلاقَه بالوكالةِ بطلاقِه لنفسِه. وهكذا لو جَعلَ أمْرَ الصَّغيرةِ والمجنونةِ بيدها، لم تَمْلِكْ ذلك. نصَّ عليه أحمدُ، فى امرأةٍ صغيرةٍ قال لها: أمْرُك بيدِك. فقالت: اخْتَرْتُ نفسى. ليس بشىءٍ حتى يكونَ مثلُها يَعْقِلُ. وهذا لأنَّه تَصَرُّفٌ بحُكْمِ التوكيلِ، وليست مِن أهلِ التَّصَرُّفِ وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّها إذا عَقَلَتِ الطَّلاقَ، وقَعَ طلاقُها. وإن لم تَبلُغْ، كما قَرَّرْناه فى الصَّبِىِّ إذا طلَّقَ. وفى الصَّبِىِّ روايةٌ أُخْرَى: لا يَقعُ طَلاقُه حتى يَبلُغَ، فكذلك يُخَرَّجُ فى هذه؛ لأنَّها مثلُه فى المعنى. واللَّهُ أعلمُ.
فصل: فإن جعَلَه فى يَدِ اثنينِ، أو وكَّلَ اثنينِ فى طَلاقِ زوجتِه، صَحَّ، وليس لأحَدِهما أن يُطَلِّقَ على الانْفرادِ، إلا أن يَجْعَلَ إليه ذلك؛ لأنَّه إنَّما رَضِىَ بتَصرُّفِهما جميعًا. وبهذا قال الحسنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافعىُّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وإن طلَّقَ أحدُهما واحدةً (١)، والآخَرُ ثلاثًا، وقَعتْ واحدةٌ، وبهذا قال
стр. 5347
إسحاقُ. وقال الثَّورِىُّ: لا يَقعُ شىءٌ. ولَنا، أنَّهما طلَّقا جميعًا واحدةً، مأْذونًا فيها، فصَحَّ لو جَعَلَ إليهما واحدةً.
فصل: ويَصحُّ تَعْليقُ: أمرُك بيدك، واخْتارِى نفسَك. بالشُّروطِ، وكذلك إن جَعلَ ذلك إلى أجْنَبِىٍّ، صحَّ مُطْلقًا ومُقَيَّدًا ومُعَلَّقًا؛ نحو أن يقولَ: اخْتارِى نفسَك، أو أمْرُك (٢) بيدِك، شهرًا، أو إذا قَدِمَ فلانٌ فأمْرُك بيدك. أو اخْتارِى نفسَك يومًا. أو يَقولَ ذلك لأجْنَبِىٍّ. قال أحمدُ: إذا قال: [إذا] (٣) كان سنةٌ، أو أجلٌ مُسَمًّى. فأمْرُك بيدِك. فإذا وُجِدَ (٤) ذلك. فأَمْرُها بيدِها، وليس لها قبلَ ذلك أمرٌ. وقال أيضًا: إذا تَزوَّجَ امرأةً، وقال لأبيها: إن جاءَكَ (٥) خَبَرِى إلى ثلاثِ سنينَ، وإلَّا فأمْرُ ابْنَتِكَ إليكَ. فلما مَضَتِ السُّنونَ لم يأتِ خَبَرُه، فطلَّقَها الأبُ، فإن كان الزَّوجُ لم يَرْجِعْ فيما جَعلَ إلى الأبِ، فطَلاقُه جائزٌ، ورُجوعُه أن يُشْهِدَ أنَّه قد رَجَعَ فيما جَعلَ إليه. ووَجْهُ هذا أنَّه فوَّضَ أمْرَ الطَّلاقِ إلى مَن يَمْلِكُه، فصحَّ تَعْليقُه على شَرْطٍ، كالتَّوكيلِ الصَّرِيحِ، فإذا صَحَّ هذا، فإنَّ الطَّلاقَ إلى مَن فَوَّضَ إليه، على حَسَبِ ما جعَلَه إليه، فى الوقتِ الذى عيَّنَه له، لا قبلَه ولا بعدَه، وللزَّوجِ الرُّجوعُ فى هذا؛ لأنَّه عقدٌ (٦) جائزٌ. قال أحمدُ: ولا تُقْبَلُ دَعْواه للرُّجوعِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّه ممَّا يُمْكِنُ إقامةُ البَيِّنَةِ عليه. فإن طلَّقَ الوكيلُ والزَّوجُ غائبٌ، كُرِهَ للمرأةِ التَّزوُّجُ (٧)؛ لأنَّه يَحْتمِلُ أن الزَّوجَ رَجَعَ فى الوكالةِ. وقد نصَّ أحمدُ على مَنْعِها مِنَ التّزوُّجِ لهذه العلَّةِ. وحملَه القاضى على الاسْتحْبابِ والاحْتِياطِ. فإن غابَ
стр. 5348
الوكيلُ، كُرِهَ للزَّوجِ الوَطْءُ، مَخافةَ أن يكونَ الوكيلُ طلَّقَ، ومَنَعَ منه أحمدُ أيضًا؛ لهذه العلَّةِ. وحملَه القاضى أيضًا على الاسْتِحْبابِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ النِّكاحِ، فحُمِلَ الأمرُ فيه على اليَقينِ. وقولُ أحمدَ: رُجوعُه أن يُشْهِدَ على (٨) أنَّه قد رجَعَ فيما جَعَلَ إليه. مَعْناه أنَّه لا يُقبَلُ قولُه إنَّه قد رجعَ (٩)، إِلّا بِبَيِّنَةٍ. ولو صدَّقَته المرأةُ فى أنَّه قد رَجَعَ، قُبِلَ، وإن لم تَكُنْ له بَيِّنَةٌ.
١٢٦٧ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ خَيَّرَهَا، فَاخْتَارَتْ فُرْقَتَهُ مِنْ وَقْتِهَا، وَإِلَّا فَلَا خِيَارَ لَهَا)
أكثرُ أهلِ العلمِ على أَنَّ التَّخْييرَ على الفَوْرِ، إن اختارَتْ فى وَقْتِها، وإِلَّا فلا خِيَارَ لها بعدَه. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وابنِ مسعودٍ، وجابرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال الزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ، وأبو عُبَيْد، وابنُ المنذرِ، ومالكٌ فى إحدى الرِّوايتينِ (١) عنه (٢): هو على التَّراخِى، ولها الاختِيارُ فى المجلسِ وبعدَه، ما لم يَفْسَخْ أو يَطَأْ. واحتجَّ ابنُ المنْذرِ بقَوْلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ لعائشةَ لَمَّا خيَّرَهَا: "إِنِّى ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِى حَتَّى تَسْتَأْمِرِى أَبَوَيْكِ" (٣). وهذا يَمْنَعُ
стр. 5349
قَصْرَه على المجْلِسِ، ولأنَّه جَعَلَ أَمْرَها إليها، فأشْبَهَ أمْرُكِ بيَدك. ولَنا، أنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِنَ الصَّحابةِ. روَى النَّجَّادُ، بإسنادِه عن سعيد بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: قضى عمرُ وعثمانُ، فى الرَّجلِ يُخيِّرُ امراتُه، أَنَّ لها الخِيارَ ما لم يَتَفَرَّقا (٤). وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، قال: ما دامتْ فى مَجْلِسِها. ونحوُه عن ابنِ مسعودٍ، وجابرٍ، ولم نَعرفْ لهم (٥) مُخالِفًا فى الصَّحابةِ، فكان إجْماعًا. ولأنَّه خِيارُ تَمْليكٍ، فكان على الفَوْرِ، كخيارِ القَبُولِ. فأمَّا الخَبَرُ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ جعلَ لها الخيارَ على التَّراخِى، وخِلافُنا فى المُطْلَقِ. وأمَّا أمْرُكِ بيدِك، فهو توكيلٌ، والتَّوكيلُ يَعُمُّ الزَّمانَ ما لم يُقَيِّدْه بقَيْدٍ، بخلافِ مَسْألتِنا.
فصل: وقولُه: فى وقتِها. أى عَقِيبَ كلامِه، ما لم يَخْرُجا مِنَ الكلامِ الذى كانا فيه إلى غيرِ ذِكْرِ الطَّلاقِ، فإن تَفَرَّقا عن ذلك الكلامِ إلى كلامٍ غيرِه، بَطَلَ خِيَارُها. قال أحمدُ: إذا قال لامرأتِه: اختارى. فلها الخيارُ ما دامُوا فى ذلك الكلامِ، فإن طال المجلسُ، وأخذُوا فى كلامٍ غيرِ ذلك، ولم تَخْتَرْ، فلا خِيَارَ لها. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. ونحوُه مذهبُ الشَّافعىِّ، على اختلافٍ عنه، فقِيلَ عنه: إنَّه يَتَقَيَّدُ بالمجلس. وقِيلَ: هو على الفَوْرِ. وقال أحمدُ أيضًا: الخِيارُ غلى مُخاطَبَةِ الكلامِ أن تُجاوبَه ويُجاوبَها، إنَّما هو جوابُ كلامٍ، إن أجابَتْه مِن ساعتِه، وإلَّا فلا شىءَ. ووَجْهُه أنَّه تَمْليكٌ مُطْلَقٌ، تَأخَّرَ قبولُه عن أوَّلِ حالِ الإِمْكانِ، فلم يَصحَّ، كما لو قامَتْ من مَجْلسِها، فإن قامَ أحدُهما عن المجلس قَبْلَ اخْتيارِها، بَطَلَ خِيَارُها. وقال أبو حنيفةَ: يَبْطُلُ بقيامِها دُونَ قيامِه؛ بِناءً على أصلِه فى أَنَّ الزَّوجَ لا يَمْلِكُ الرُّجوعَ. وعنْدَنا أنَّه يَمْلِكُ الرُّجوعَ، فبَطَلَ بقيامِه، كما يَبطُلُ بقيامِها. وإن كان أحدُهما قائمًا، فركبَ (٦) أو مَشَى، بَطَلَ الخيارُ، وإن قَعَدَ، لم يَبْطُلْ. والفَرْقُ بين القيامِ والقُعُودِ، أنَّ القيامَ يُبْطِلُ الفِكْرَ والارْتياءَ فى الخيارِ،
стр. 5350
فيَكونُ إِعْراضًا، والقُعُودَ بخلافِه. ولو كانت قاعدةً فاتَّكَأت، أو مُتَّكِئَةً فقَعَدَتْ، لم يَبْطُلْ؛ لأنَّ ذلك لا يُبطِلُ الفِكْرَةَ. وإن تشاغلَ أحدُهما بالصَّلاةِ، بَطَلَ الخيارُ. وإن كانت فى صَلاةٍ فأتمَّتْها، لم يَبْطُلْ خيارُها. وإن أضافَتْ إليها ركعتينِ أُخْرَيَيْنِ، بَطَلَ خيارُها. وإن أكلَتْ شيئًا يَسِيرًا، أو قالت (٧): بسمِ اللَّهِ. أو سبَّحَتْ شيئًا يسيرًا، لم يَبْطُل؛ لأنَّ ذلك ليس بإعْراضٍ. وإن قالت: ادْعُ لى شُهُودًا أُشْهِدُهم على ذلك. لم يَبْطُلْ خيارُها. وإن كانت راكبةً فسارتْ، بَطَلَ خيارُها. وهذا كلُّه قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ.
فصل: فإن جَعلَ لها الخيارَ متى شاءَت، أو فى مُدَّةٍ، فلها ذلك فى تلك المُدَّةِ. وإذا قال: اخْتارِى إذا شئتِ، أو متى شئتِ، [أو متى ما شئتِ] (٨). فلها ذلك؛ لأنَّ هذه تُفِيدُ جَعْلَ الخيارِ لها فى عُمومِ الأوْقاتِ. وإن قال: اخْتارِى اليومَ وغدًا وبعدَ غدٍ. فلها ذلك، فإن رَدَّتِ الخيارَ فى الأوَّلِ، بَطَلَ كلُّه. وكذلك إن قال: لا تَعْجَلى حتى تَسْتَأْمِرِى أبوَيْك. ونحوَه، فلها الخيارُ على التَّراخِى؛ فإنَّ النَّبىَّ ﷺ قال ذلك لعائشةَ، فدَلَّ على أَنَّ خيارَها لا يَبْطُلُ بالتَّأْخيرِ. وإن قال: اخْتارِى نفسَك اليومَ، واخْتارِى نفسَك غدًا. فرَدَّتْه فى اليوم الأَوّلِ، لم يَبْطُلْ فى الثَّانى. وقال أبو حنيفةَ: لا يَبْطُلُ فى المسألةِ الأولَى أيضًا؛ لأنَّهما خِيَارانِ فى زمَنَيْنِ، فلم يَبْطُلْ أحدُهما بِرَدِّ الآخرِ، قياسًا على المسألةِ الثَّانيةِ. ولَنا، أنَّه خِيَارٌ واحدٌ، فى مُدَّةٍ واحدةٍ، فإذا بَطَلَ أوّلُه بَطَلَ ما بعدَه، كما لو كان الخيارُ فى يومٍ واحدٍ، كخيارِ الشَّرطِ وخيارِ المُعْتَقَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّهما خيارانِ، وإنَّما هو خيارٌ واحدٌ فى يَوْمَيْنِ، وفارقَ ما إذا قال: اخْتارِى نفسَكِ اليومَ، واختارى نفسك غدًا. فإنَّهما خيارانِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ ثَبَتَ بسببٍ مُفْرَدٍ. ولو خيَّرَها شهرًا، فاخْتارتْ نفسَها، ثم تَزوَّجَها، لم يَكُنْ لها عليه خيارٌ، وعندَ أبى حنيفةَ لها الخيارُ. ولَنا، أنَّها اسْتَوْفَتْ ما جَعلَ لها فى هذا العَقْدِ، فلم يَكُنْ لها فى عقدٍ ثانٍ، كما لو اشْتَرطَ الخِيارَ فى
стр. 5351
سِلْعةٍ مُدَّةً، ثم فسَخَ، ثم اشْتَراها بعَقدٍ آخَرَ فى تلك المُدَّةِ. ولو لم تَختَرْ نفسَها، أو اخْتارتْ زوجَها، وطلَّقَها الزَّوجُ، ثم تَزَوَّجَها، بَطلَ خيارُها؛ لأنَّ الخيارَ المشروطَ فى عَقْدٍ لا يَثْبُتُ فى عقدٍ سِوَاه، كما فى البيعِ. والحُكمُ فى قولِه: أمْرُكِ بيدِك. فى هذا كلِّه، كالحُكمِ فى التَّخْييرِ؛ لأنَّه نوعُ تَخْييرٍ. ولو قال لها: اخْتارِى، أو أمرُكِ بيدِك، اليومَ وبعدَ الغدِ، فردَّت فى اليومِ الأوَّلِ، لم يَبْطُلْ بعدُ فى غدٍ؛ لأنَّهما خيارانِ يَنْفَصِلُ أحدُهما من صاحبِه، فلم يَبْطُلْ أحدُهما بِبُطْلانِ الآخرِ، بخلافِ ما إذا كان الزَّمانُ مُتَّصِلًا واللَّفظُ واحدًا، فإنَّه خيارٌ واحدٌ، فبطَلَ كلُّه بِبُطْلَانِ بعضِه. وإن قال: لكِ الخيارُ يومًا. أو أمرُكِ بيدِك يومًا. فابْتداؤُه من حين نَطَقَ به إلى مِثْلِه مِنَ الغدِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتكمالُ يومٍ بتَمامِه إلَّا بذلك. وإن قال: شهرًا. فمِن ساعةِ نطقَ إلى اسْتِكْمالِ ثلاثينَ يومًا إلى مثلِ تلك السَّاعةِ. وإن قال: الشَّهرَ. أو اليومَ. أو السَّنةَ. فهو على ما بَقِىَ مِن (٩) الشَّهْرِ واليومِ والسَّنةِ.
١٢٦٨ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدةٍ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)
وجملةُ الأمرِ أنَّ لَفْظةَ التَّخْييرِ لا تَقْتضِى بِمُطْلَقِها أَكثرَ مِن تَطْليقةٍ رجعِيَّةٍ. قال أحمدُ: هذا قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وعمرَ، وعائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. ورُوِىَ ذلك عن جابرٍ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ (١). وقال أبو حنيفةَ: هى واحدةٌ بائنٌ. وهو قولُ ابنِ شُبْرُمَةَ؛ لأنَّ اخْتيارَها نفسَها يَقْتضِى زوالَ سُلْطانِه عنها، ولا يَكونُ إلَّا بالبَيْنُونةِ. وقال مالكٌ: هى ثلاثٌ فى المَدْخُولِ (٢) بها؛ لأنَّ المدْخُولَ بها لاتَبِينُ بأقلَّ مِن ثلاثٍ، إلَّا أن تكونَ بعِوَضٍ. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّ مَن سَمَّيْنَا منهم قالوا: إِنِ اخْتارَتْ نفسَها، فهى واحدةٌ، وهو أحقُّ بها. رواه النَّجَّادُ عنهم بأسَانيدِه.
стр. 5352
ولأنَّ قولَه: اخْتارِى. تَفْويضٌ مُطلَقٌ، فيَتناوَلُ أقلَّ ما يَقَعُ عليه الاسمُ، وذلك طَلْقةٌ واحدةٌ، ولا يَجوزُ أن تَكونَ بائنًا؛ لأنَّها طَلْقةٌ بغيرِ عِوَضٍ، لم يُكَمَّلْ بها العَدَدُ بعدَ الدُّخولِ، فأشَبهَ ما لو طلَّقَها واحدةً. ويُخالِفُ قولَه: أمْرُكِ بيدِك. فإنَّه للعُمومِ، فإنَّه اسمُ جنسٍ مُضافٌ (٣)، فيتناولُ جميعَ أمْرِها، لكنْ إن جَعلَ إليها أكثرَ مِن ذلك، فلها ما جعلَ إليها، سَواءٌ جعلَه بلفظِه، مثل أن يقولَ: اخْتارِى ما شئتِ. أو اخْتارِى الطَّلقاتِ الثلاثَ إن شِئْتِ. فلها أن تختارَ ذلك. فإن قال: اخْتارِى مِنَ الثَّلاثِ ما شِئْتِ. فلها أن تَخْتارَ واحدة أو اثنتَيْنِ، وليس لها اخْتيارُ الثلاثِ بكمالِها (٤)؛ لأنَّ مِنْ للتَّبْعيضِ، فقد جَعلَ لها اخْتيارَ بعضِ الثَّلاثِ، فلا يَكونُ لها اختيارُ الجميعِ، أو جعَلَه نِيَّتَه، وهو أن يَنْوِىَ بقولِه: اخْتارِى. عَدَدًا، فإنَّه يَرْجِعُ إلى ما نَوَاه؛ لأنَّ قولَه: اخْتارى. كنايةٌ خَفِيَّةٌ، فيَرْجِعُ فى قَدْرِ ما يَقَعُ بها إلى نِيَّتِه، كسائرِ الكناياتِ الخَفِيَّةِ، فإن نَوَى ثلاثًا، أو اثنتَيْنِ، أو واحدةً، فهو على ما نَوَى، وإن أطلقَ النِّيَّةَ، فهى واحدةٌ، وإن نَوَى ثلاثًا، فطَلقَتْ أقلَّ منها، وقعَ ما طلَّقَتْه؛ لأنَّه يُعْتبَرُ قولُهما جميعًا، فيَقَعُ ما اجْتَمعا عليه، كالوكيلينِ إذا طلَّقَ واحدٌ منهما واحدةً والآخَرُ ثلاثًا.
فصل: وإن خيَّرَها، فاخْتارتْ زوجَها، أو رَدَّتِ الخيارَ، أو الأمْرَ، لم يَقَعْ شىءٌ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رواية الجماعةِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عبّاسٍ، وعمر بنِ عبدِ العزيزِ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وابنِ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىِّ، والشَّافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وعن الحَسَنِ: تَكونُ واحدةً رَجْعِيَّةً، ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ. وروَاه إسحاقُ بنُ منصورٍ عن أحمدَ. قال: فإن اخْتارَت (٥) زوجَها، فواحدةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، وإن اخْتارتْ نفسَها فثلاثٌ. قال أبو بكرٍ: انْفَردَ بهذا إسحاقُ بنُ منصورٍ، والعملُ على ما رَوَاه الجماعةُ. ووَجْهُ هذه الرِّوايةِ، أَنَّ التَّخْيِيرَ كنايةٌ نَوَى بها الطَّلاقَ،
стр. 5353
فوَقعَ بها بِمُجَرَّدِها، كسائرِ كناياتِه. كقوله: انْكِحى مَن شِئْتِ. ولَنا، قولُ عائشةَ: قد خَيَّرَنا رسولُ اللَّه ﷺ ، أفكان (٦) طلاقًا! وقالت: لمَّا أُمِرَ النَّبِىُّ ﷺ بتَخْييرِ أزْواجِه، بدأ بى، فقال: "إنِّى لَمُخْبِرُكِ خَبَرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِى حَتَّى تَسْتَأْمِرِى أَبَوَيْكِ". ثم قال: "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. حَتَّى بَلَغ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٧) ". فقلتُ (٨): فى أىِّ هذا أسْتأمِرُ أُبَوَىَّ! فإنِّى أريدُ اللَّه ورسولَه والدَّارَ الآخرةَ. قالتْ: ثم فَعَلَ أزْوَاجُ النَّبِىِّ ﷺ مثلَ ما فعلتُ. مُتَّفَقٌ عليهما (٩). قال مَسْروقٌ: ما أُبالِى خَيَّرْتُ امرأتى واحدةً، أو مِائَةً، أو ألفًا، بعدَ أن تختارَنِى. ولأنَّها مُخَيَّرَةٌ اخْتارتِ النِّكاحَ، فلم يَقَعْ بها الطَّلاقُ، كالمُعْتَقَةِ تحتَ عبدٍ. فأمَّا إن قالتْ: اخْتَرْتُ نفسِى. فيَفتقِرُ (١٠) إلى نِيَّتِها؛ لأنَّه لفظُ كنايةٍ منها. فإن نَوَى أحدُهما دونَ الآخَرِ، لم يَقَعْ؛ لأنَّ الزَّوجَ إذا لم يَنْوِ فما فوَّضَ إليها الطَّلاقَ، فلا يَصحُّ أن يُوقِعَه، وإن نَوَى ولم تَنْوِ هى، فقد فوَّضَ إليها الطَّلاقَ، فما أوْقعَتْه، فلم يَقَعْ شىءٌ، كما لو وكَّلَ وكيلًا (١١) فى الطَّلاقِ، فلم يُطَلِّقْ. وإن نَوَيا جميعًا، وقعَ ما نَوَياه مِنَ العَدَدِ إن اتَّفقا فيه، وإن نَوَى أحدُهما أقلَّ مِنَ الآخرِ، وقعَ الأقلُّ؛ لأنَّ ما زادَ انْفرَدَ به أحدُهما، فلم يَقَعْ.
فصل: وإن قال: أمْرُكِ بيدِك، أو اخْتارِى. فقالت: قَبِلْتُ. لم يَقَعْ شىءٌ؛ لأنَّ أمْرَك بيدِك. توكيلٌ، فقولُها فى جوابه: قبلتُ. يَنْصرِفُ إلى قبولِ الوكالةِ، فلم يَقَعْ شىءٌ، كما لو قال لأجْنَبِىٍّ: أمْرُ امرأَتِى بيَدِك. فقال: قبلتُ. وقولُه: اخْتارِى. فى معناه. وكذلك إنْ قالت: أخَذْتُ أمْرِى. نَصَّ عليهما أحمدُ، فى روايةِ إبراهيم بنِ
стр. 5354
هانىء، إذا قال لامرأتِه: أمْرُكِ بيدِك. فقالت: قبلتُ. ليس بشىءٍ حتى تُبَيِّنَ. وقال: إذا قالت: أخذتُ أمْرِى. ليس بشىءٍ. قال: وإذا قال لامرأتِه: اخْتارِى. فقالت: قَبِلتُ نفسى. أو قالت: اخْتَرْتُ نفسِى. كان أبْيَنَ. قال القاضى: ولو قالت: اخْتَرْتُ. ولم تَقُلْ: نفسى. لم تَطْلُقْ، وإن نَوَتْ. ولو قال الزَّوجُ: اخْتارِى. ولم يَقُلْ: نفسَكِ. ولم يَنْوِه، لم تَطْلُقْ، ما لم تَذكُرْ نفسَها، ما لم يَكُنْ فى كلامِ الزَّوجِ أو جوابِها (١٢) ما يَصْرِفُ الكلامَ إليه؛ لأنَّ ذلك فى حُكْمِ التَّفسيرِ، فإذا عَرِىَ عن ذلك لم يَصِحَّ. وإن قالت: اخْتَرْتُ زوجى. أو اخْتَرْتُ البقاءَ على النِّكاحِ. أو رَدَدْتُ الخيارَ، أو رَدَدْتُ عليك سَفْهتَكَ. بَطَلَ الخيارُ. وإن قالتْ: اخْتَرْتُ أهلِى. أو أبَوَىَّ. ونَوَت، وقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ هذا يَصْلُحُ كنايةً مِنَ الزَّوجِ، فيما إذا قال: الْحَقِى بأهلِك. فكذلك منها. وإن قالت: اخْتَرْتُ الأزْواجَ. فكذلك؛ لأنَّهم لا يَحِلونَ إلَّا بمُفارقةِ هذا الزَّوجِ، ولذلك كان كنايةً منه فى قوله: انْكِحِى مَن شِئْتِ.
فصل: فإن كرَّرَ، لَفْظةَ الخيارِ، فقال: اخْتارِى، اخْتارِى، اختارى. فقال أحمدُ: إن كان إنَّما يُرَدِّدُ عليها ليُفْهِمَها (١٣)، وليس نِيَّتُه ثلاثًا، فهى واحدة، وإن كان أرادَ بذلك ثلاثًا، فهى ثلاثٌ. فرَدَّ الأمْرَ إلى نِيَّتِه فى ذلك. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قَبِلَتْ، وقَع ثلاثًا؛ لأنَّه كرَّرَ ما يَقَعُ به الطَّلاقُ، فتَكَررَ، كما لو كَرَّرَ الطَّلاقَ. ولَنا، أنَّه يَحْتمِلُ التَّأْكِيدَ، فإذا قصَدَه قُبِلَ منه، كما لو قال: أنتِ طالقٌ الطَّلاقَ. وإن أطْلَقَ، فقد رُوِىَ عن أحمدَ ما يَدل على أنَّها واحدةٌ، يَمْلِك الرَّجعةَ. وهذا اخْتيارُ القاضى، ومذهبُ عطاءٍ، وأبى ثورٍ؛ لأنَّ تكْرِيرَ (١٤) التَّخْييرِ لا يَزيدُ به الخِيَارُ، كشَرْطِ الخيارِ فى البيعِ. ورُوِىَ عن أحمدَ، إذا قال لامْرأتِه: اخْتارِى. فقالتْ: اخْتَرْتُ نفسى. هى واحدة، إلَّا أن يقولَ: اخْتارِى، اختارِى، اخْتارِى (١٥). وهذا
стр. 5355
يَدُلُّ على أنَّها تَطْلُقُ ثلاثًا. ونحوَه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ، ومالكٌ؛ لأنَّ [اللَّفظةَ الواحدةَ] (١٦) تَقْتضِى طَلْقةً، فإذا تَكَرَّرَتْ اقْتَضَتْ ثلاثًا، كلَفْظةِ الطَّلاقِ.
فصل: فإن قال لزوجتِه: طَلِّقِى نفسَك. وَنوَى عَدَدًا، فهو على ما نَوَى. وإن أطلقَ مِن غيرِ نِيَّةٍ، لم يَمْلِكْ إلَّا واحدةً؛ لأنَّ الأَمْرَ المُطْلَقَ يَتَناولُ أقلَّ ما يَقعُ عليه الاسْمُ. وكذلك الحُكْمُ لو وكَّل أجْنَبِيًّا، فقال: طَلِّقْ زوجتِى. فالحُكْمُ على ما ذكَرْناه. قال أحمدُ: إذا قال لامرأتِه: طَلِّقِى نفسَكِ. ونَوَى ثلاثًا، فَطَلَّقَتْ نفسَها ثلاثًا، فهى ثلاث، وإن كان نَوَى واحدةً، فهى واحدةٌ؛ وذلك لأنَّ الطَّلاقَ يَكونُ واحدةً وثلاثًا، فأيُّهما نَوَاهُ فقد نَوَى بلَفْظِه ما احْتمَلَه، وإن لم يَنْوِ تَناولَ اليَمينَ، وهو الواحدةُ. فإن طَلقَت نفسَها، أو طلَّقَها الوكيلُ فى المجلس، أو بعدَه، وقعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّه توكيلٌ. وقال القاضى: إذا قال لها: طَلِّقِى نفسَك، تَقَيَّدَ بالمجلسِ؛ لأنَّه تَفْويضٌ للطَّلاقِ إليها، فتَقيَّدَ بالمجلسِ، كقوله: اخْتارِى. ولَنا، أنَّه توكيلٌ فى الطَّلاقِ، فكان على التَّراخِى، كتَوكيلِ الأجْنَبِىِّ، كقولِه: أمْرُكِ بيدكِ. وفارقَ: اخْتارِى. فإنَّه تَخْييرٌ. وما ذكَرَه (١٧) يَنْتَقِضُ بقولِه: أمْرُكِ بيَدكِ. ولها أن تُوقِعَ الطَّلاقَ بلَفْظِ الصَّريحِ، وبالكنايةِ مع النِّيَّةِ. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافعىِّ: ليس لها أن تُوقِعَه بالكنايةِ؛ لأنَّه فوَّضَه إليها بلَفْظِ الصَّرِيحِ، فلا يَصِحَّ أن تُوقِعَ غيرَ ما فوضَ إليها. ولَنا، أنَّه فوَّضَ إليها الطَّلاقَ، وقد أوْقعَتْه، فوقَعَ، كما لو أوْقعَتْه بلفظِ الصَّرِيحِ. وما ذكَرَه غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ التَّوكيلَ فى شىءٍ لا يَقْتضِى أن يكونَ إيقاعُه بلفظِ الأمرِ مِن جهتِه، كما لو قال لوكيلِه: بعْ دارى. جازَ له بيعُها بلفظِ التَّمْليكِ. وإن قال لها: طَلِّقِى (١٨) ثلاثًا. فطلَّقَتْ واحدةً، وقَعَ. نَصَّ عليه. وقال مالكٌ: لا يَقعُ شىءٌ؛ لأنَّها لم تَمْتَثِلْ أمرَه. ولَنا، أنَّها مَلَكَتْ إيقاعَ ثلاثٍ، فمَلَكَتْ
стр. 5356
إيقاعَ واحدةٍ، كالمُوكَّلِ، ولأنَّه لو قال: وهَبْتُك هؤلاء العبيدَ الثَّلاثةَ. فقالتْ (١٩): قَبِلْتُ واحدًا منهم. صَحَّ. كذا ههُنا. وإن قال: طلِّقى واحدةً. فطلَّقَت ثلاثًا، وقَعت واحدةٌ. نَصَّ عليه أيضًا. وبه قال مالكٌ، والشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَقعُ شىءٌ؛ لأنَّها لم تأْتِ بما يَصْلُحُ قبولًا، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ نصفَ هذا العبدِ. فقال: قَبِلتُ البيعَ فى جميعِه. ولَنا، أنَّها وقَّعَتْ طلاقًا مَأْذونًا فيه، وغيرَه، فوقعَ المأذونُ فيه دونَ غيرِه، كما لو قال: طَلِّقِى نفسَك. فطلَّقَت نفسَها وضرائرَها. فإن قال: طلِّقِى نفسَك. فقالت: أنا طالقٌ إن قَدِمَ زيدٌ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ إذْنَه انْصَرفَ إلى المُنْجَزِ، فلم يَتناولِ المُعلَّقَ على شرطٍ. وحُكْمُ توكيلِ الأجنبىِّ فى الطَّلاقِ، كحُكْمِها فيما ذكَرْناه كلِّه.
فصل: نقَل عنه أبو الحارثِ، إذا قال: طلِّقى نفسَكِ طلاقَ السُّنَّةِ. قالتْ: قد طلَّقتُ نفسى ثلاثًا. هى واحدة، وهو أحقُّ برَجْعَتِها. إنَّما كان كذلك؛ لأنَّ التَّوكيلَ بلفظٍ يتَناوَلُ أقلَّ ما يَقَع عليه اللَّفظُ، وهو طَلْقةٌ واحدةٌ، لا (٢٠) سِيَّما وطلاقُ السُّنَّةِ فى الصَّحيحِ طَلْقةٌ واحدةٌ، فى طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه.
فصل: ويَجوزُ أن يَجْعلَ أمْرَ امْرأتِه بيدها بِعِوَضٍ، وحُكمُه حُكمُ ما لا عِوَضَ له، فى أَنَّ له الرُّجوعَ فيما جَعلَ لها، وأنَّه يَبطُلُ بالوَطْءِ. قال أحمدُ: إذا قالت امرأتُه: اجْعَلْ أمرِى بيَدى، وأُعْطيكَ عَبْدِى [هذا. قَبَضَ العبدَ] (٢١)، وجَعَلَ أمرَها بيدِها، فلها أن تخْتارَ ما لم يَطاها أو يَنقضْه؛ وذلك لأنَّه توكيلٌ، والتوكيلُ لا يَلزمُ [بدخولِ العِوَضِ فيه، وكذلك التَّمْليكُ بعوضٍ لا يَلْزَمُ] (٢٢)، ما لم يَتَّصِلْ به القَبُولُ كالبيعِ.
стр. 5357
فصل: إِذَا اخْتلَفا، فقال الزَّوجُ: لم أنْوِ الطَّلاقَ بلفظِ الاخْتيارِ وأمرُكِ بيدِك. وقالت: بل نَوَيْتَ. كان القوُل قولَه؛ لأنَّه أعلمُ بِنِيَّتِه، ولا سبيلَ إلى مَعْرفتِها (٢٣) إِلَّا مِن جِهَتِه، ما لم يَكُنْ جوابَ سؤالٍ، أو معها دَلالةُ حالٍ. وإن قال: لم تَنْوِى (٢٤) الطَّلاقَ باخْتِيارِكِ (٢٥) نفسَك. وقالتْ: بل نَوَيْتُ. فالقولُ قولُها؛ لما ذكَرْناه. وإن قالتْ: قد اخْتَرْتُ نفسِى. وأنْكَرَ وجودَ الاخْتيارِ منها، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ له، وهو ممَّا يُمْكِنُه عِلْمُه، ويُمْكِنُها إقامةُ البَيِّنَةِ عليه، فأشْبَهَ ما لو علَّقَ طلاقَها على دُخولِ الدَّار، فادَّعَتْه، فأنْكَرَه.
فصل: إذا قال لزَوْجتِه: أنتِ علىَّ حرامٌ. وأطلقَ، فهو ظِهَارٌ. وقال الشَّافعىُّ: لا شىءَ عليه. وله قولٌ آخَرُ: عليه كفارةُ يَمِينٍ، وليس بِيَمِينٍ. وقال أبو حنيفةَ: هو يَمينٌ. وقد رُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ بنْ الخطّابِ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّه عنهم. وقال سعيدٌ (٢٦): حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، أَنَّ أبا بكرٍ، وعمرَ، وابنَ مسعودٍ قالوا فى الحرامِ: يمينٌ. وبه قال ابنُ عبّاسٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ. وعن أحمدَ ما يدَلُّ. على ذلك؛ لأنَّ اللَّه تعالى قالَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٢٧). ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢٨). وقال ابنُ عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢٩). ولأنَّه تَحْريمٌ للحلالِ، أشْبَهَ تحريمَ الأَمَةِ. ولَنا، أنَّه تَحْريمٌ للزَّوجةِ بغيرِ طَلاقٍ، فوَجَبَتْ به كفَّارةُ
стр. 5358
الظِّهارِ، كما لو قال: أنتِ علىَّ (٣٠) حرامٌ كظهرِ أُمِّى. فأمَّا إن نَوَى غيرَ الظِّهارِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، فى روايةِ جماعةٍ، أنَّه ظِهارٌ، نَوَى الطَّلاقَ أو لم ينْوِه. وذكَرَه الخِرَقِىُّ فى موضعٍ غيرِ هذا. وممَّن قال إنَّه ظهارٌ؛ عثمانُ بنُ عفانَ، وابنُ عبّاسٍ، وأبو قِلَابَةَ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وميمونُ بنُ مِهْرَانَ، والبَتِّىُّ. رَوَى الأثْرَمُ، بإسنادِه عن ابنِ عبَّاسٍ، فى الحرامِ، أنَّه تَحْرِيرُ رَقَبةٍ، فإن لم يَجِدْ فصيامُ شهرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أو إطْعامُ سِتِّينَ مسكينًا (٣١). ولأنَّه صَرِيحٌ فى تَحْرِيمِها، فكان ظِهارًا، وإن نَوَى غيرَه، كقوله: أنتِ علىَّ كظهرِ أُمِّى. وعن أحمد؛ أنَّه إذا نَوَى به (٣٢) الطَّلاقَ، كان طلاقًا. وقال (٣٣): إذا قال: ما أحَلَّ اللَّهُ علىَّ (٣٤) حَرامٌ. يَعْنِى به الطَّلاقَ، أخافُ أن يكونَ ثلاثًا، ولا أُفْتِى به. وهذا مثلُ قولِه فى الكناياتِ الظَّاهرةِ، فكأنَّه جَعلَه مِن كناياتِ الطَّلاقِ، يَقَعُ به الطَّلاقُ إذا نَوَاه. ونقلَ عنه البَغَوِىُّ (٣٥) فى رجلٍ قال لامرأتِه: أمْرُكِ بيدِكِ. فقالتْ: أنا عليك حَرامٌ. فقد حُرِّمَتْ عليه. فجعلَه منها كنايةً فى الطَّلاقِ، فكذلك مِن الرَّجلِ. واختارَه ابنُ عَقِيلٍ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ. وممن رُوِىَ عنه أنَّه طلاقُ ثلاثٍ؛ عَلِىٌّ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو هُرَيْرةَ، والحَسَنُ البَصْرِىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى. وهو مذهبُ مالكٍ فى المَدْخُولِ بها؛ لأنَّ الطَّلاقَ نوعُ تَحْريمٍ، فصحَّ أن يُكْنَى به عنه، كقولِه: أنتِ بائنٌ. فأمَّا إن لم يَنْوِ الطَّلاقَ، فلا يَكونُ طلاقًا بحالٍ؛ لأنَّه ليس بصَرِيحٍ فى الطَّلاقِ، فإذا لم يَنْوِ معه، لم يَقَعْ به طلاقٌ، كسائرِ الكناياتِ. وإن قُلْنا: إنَّه كنايةٌ فى الطَّلاقِ. وَنوَى به، فحُكْمُه حُكْمُ الكناياتِ
стр. 5359
الظَّاهرةِ، على ما مَضَى من الاخْتلافِ فيها. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ، كلٌّ على أصْلِه، ويُمْكِنُ حَمْلُه على الكناياتِ الخفِيَّةِ إذا قُلْنا: إنَّ الرَّجْعةَ (٣٦) مُحرَّمَةٌ؛ لأنَّ أقلَّ ما تَحْرُمُ به الزَّوجةُ طلقةٌ رَجْعِيَّةٌ، فحُمِلَ على اليقينِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ ما يَدلُّ عليه؛ فإنَّه قال: إذا قال: أنتِ علىَّ حَرامٌ، أعنى به طلاقًا. فهى واحدةٌ. ورُوِىَ هذا عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والزُّهْرِىِّ. وقد رُوِىَ عن مَسْروقٍ، وأبى سَلَمَةَ ابنِ عبدِ الرَّحمنِ، والشَّعْبِىِّ: ليس بشىءٍ؛ لأنَّه قولٌ هو كاذبٌ فيه. وهذا يَبْطُلُ بالظِّهارِ؛ فإنَّه مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ، وقد أوْجَبَ (٣٧) الكفَّارةَ، ولأنَّ هذا إيقاعٌ للطَّلاقِ، فأشْبَهَ قولَه: أنتِ بائنٌ. أو أنتِ طالقٌ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه إذا نَوَى اليمينَ كان يمينًا. فإنَّه قال، فى روايةِ مُهَنَّا: إنَّه إذا قال: أنتِ علىَّ حرامٌ. وَنوَى يَمِينًا، ثم ترَكَها أربعةَ أشْهُرٍ، قال: هو يمِينٌ، وإنَّما الإِيلاءُ أن يَحْلِفَ باللَّهِ أن لا يَقْرَبَ امرأتَه. فظاهرُ هذا أنَّه إذا نَوَى اليمينَ كانت يمينًا. وهذا مذهبُ ابنِ مسعودٍ، وقولُ أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ. وممَّن رُوِىَ عنه: عليه كفّارةُ يَمِينٍ. أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وعمرُ، وابنُ عبّاسٍ، وعائشةُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسليمانُ بنُ يَسارٍ، وقتادة، والأوْزَاعىُّ. وفى المُتَّفَقِ عليه (٣٨)، عن سعيد بنِ جبَيرٍ، أنَّه سمِعَ ابنَ عبَّاسٍ يَقولُ: إذا حرَّم الرَّجلُ عليه امرأتَه، فهى يَمِينٌ يُكَفرُها. وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣٩). ولأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا
стр. 5360
أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٤٠). فجعل الحرامَ يَمِينًا. ومعنى قولِه: نَوَى يمينًا -واللَّه أعلم- أنَّه نَوَى بقوله: أنتِ علىَّ حرامٌ. تَرْكَ وَطْئِها، واجْتنابَها، وأقامَ ذلك مُقامَ قولِه: واللَّهِ لا وَطِئْتُك.
فصل: وإن قال: أنتِ علىَّ حرامٌ. أعنى به الطَّلاقَ. فهو طلاق. رَوَاه الجماعةُ عن أحمدَ. ورَوَى عنه أبو عبدِ اللَّه النَّيْسَابُورِىُّ (٤١)، أنَّه قال (٤٢): إذا قال: أنتِ علىَّ حرامٌ، أُريدُ به الطَّلاقَ. كنتُ أَقولُ: إنَّها طَلاقٌ (٤٣)، يُكَفِّرُ كفَّارةَ الظِّهارِ. وهذا كأنَّه رُجوعٌ عن قولِه: إنَّه طَلاقٌ. ووَجْهُه أنَّه صَرِيحٌ فى الظِّهارِ، فلم يَصِرْ طلاقًا بقوله: أُريدُ به الطَّلاقَ. كما لو قال: أنتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّى، أعْنِى به الطَّلاقَ. قال القاضى: ولَكِنْ جماعةُ أصحابِنا على أنَّه طَلاقٌ. وهى الرِّوايةُ المشهورةُ التى روَاها عنه الجماعةُ؛ لأنَّه صَرَّحَ بلفظِ الطَّلاقِ، فكان طلاقًا، كما لو ضربَها، وقال: هذا طلاقُكِ. وليس هذا صريحًا فى الظِّهارِ، إنَّما هو صريحٌ فى التَّحْريمِ، والتَّحْريمُ يَتَنوَّعُ إلى تَحْريمٍ بالظِّهارِ، وإلى تحريمٍ بالطَّلاقِ، فإذا بيَّن بلَفْظِه إرادةَ تحريمِ الطَّلاقِ، وَجَبَ صرفُه إليه، وفارقَ قولَه: أنتِ علىَّ كظهْرِ أُمِّى. فإنَّه صريحٌ فى الظِّهارِ، وهو تَحْريمٌ لا يَرْتَفِعُ إلَّا بالكفَّارةِ، فلم يُمْكِنْ جعلُ ذلك طلاقًا، بخلافِ مَسْألتِنا. ثم إن قال: أعْنِى به الطَّلاقَ. أو نَوَى به ثلاثًا، فهى ثلاث. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه أتَى بالألفِ واللَّامِ التى للاسْتِغْراقِ، تفسيرًا للتَّحْريمِ، فيَدخُلُ فيه الطَّلاقُ كلُّه، وإذا نَوَى الثَّلاثَ فقد نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه مِنَ الطَّلَاقِ، فوقَعَ، كما لو قال: أنتِ بائنٌ. وعنه: لا يَكونُ