← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ". وفى لَفْظٍ روَاه الدَّارَقُطْنِىُّ (١٢)، بإسْنادِاه عن ابنِ عمرَ، أنَّه طَلَّقَ امرأتَه تطليقةً وهى حائضٌ، ثم أرادَ أن يُتْبِعَها بتَطْليقتَيْنِ آخِرَتَيْنِ عندَ القَرْأَيْنِ، فبلغَ ذلك رسولَ اللَّهِ ﷺ فقال: "يَا ابْنَ عُمَرَ، مَا هَكَذَا أَمَرَكَ اللَّهُ، إِنَّكَ أَخْطَأْتَ السُّنَّةَ، وَالسُّنَّةُ أن تَسْتَقْبِكَ الطُّهْرَ، فتُطَلِّقَ لِكُلِّ قَرْءٍ". ولأنَّه إذا طلَّقَ فى الحَيْضِ طَوَّل العِدَّةَ عليها؛ فإنّ الحَيْضَةَ التى طلَّقَ فيها لا تُحْسَبُ مِن عِدَّتِها، ولا الطُّهْرَ الذى بعدَها عندَ مَنْ يَجْعلُ الأقْراءَ الحِيَضَ، وإِذا طلَّقَ فى طُهْرٍ أصابَها فيه، لم يَأمنْ أن تكونَ حاملًا، فيَنْدمَ، وتكونَ مرتابةً لا تَدْرِى أتعتَدُّ بالحَمْلِ أو الأقْراءِ؟ ١٢٤٧ - مسألة؛ قال: (وَطَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَها طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَاحِدَةً، ثُمَّ يَدعَهَا حَتَّى تَنْقَضِىَ عِدَّتُهَا) معنى طَلاقِ السُّنَّةِ الطَّلاقُ الذى وافَقَ أمرَ اللَّهِ تعالى وأمْرَ رسولهِ ﷺ ، فى الآيةِ والخَبَريْنِ المذكورينِ، وهو الطَّلاقُ فى طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، ثم يَتركُها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها. ولا خلافَ فى أنَّه إذا طلقَها فى طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، ثم تركَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، أنَّه مُصيبٌ للسُّنَّةِ، مُطَلِّقٌ للعِدَّةِ التى أمرَ اللَّه تعالى بها. قالَه ابنُ عبدِ البَرِّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ مسعودٍ: طلاقُ السُّنَّةِ أن يُطَلِّقَها مِن غيرِ جِمَاعٍ (١). وقال فى قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢). قال: طَاهِرًا من غيرِ جِمَاعٍ (١). ونحوُه عن ابنِ

стр. 5287

عبَّاسٍ (٣). وفى حديثِ ابنِ عمرَ الذى رَوَيناه: "لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" (٤). فأمَّا قولُه: ثم يدعَها حتى تَنقضِىَ عِدَتُّها. فمَعْناه أنَّه لا يُتْبِعُها طَلاقًا آخرَ قبلَ قَضاءِ عِدَّتِها، ولو طلَّقَها ثلاثًا فى ثلاثةِ أطهارٍ، كان حُكْمُ ذلك حُكْمَ جَمْعِ الثَّلاثِ فى طُهْرٍ واحدٍ. قال أحمدُ: طلاقُ السُّنَّةِ واحدةٌ، ثم يَتركُها حتى تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ. وكذلك قال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ. وقال أبو حَنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: السُّنَّةُ (٥) أن يُطَلِّقَها ثلاثًا، فى كلِّ قَرْءٍ طَلْقةٌ. وهو قولُ سائرِ الكُوفِيِّيْنَ، واحتجُّوا بحديثِ ابنِ عمرَ، حين قال له النَّبِىُّ ﷺ : "رَاجِعْهَا، ثُمَّ أَمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ". قالوا: وإنَّما أمرَه بإمْساكِها فى هذا الطُّهْرِ؛ لأنَّه لم يَفْصِلْ بينه وبينَ الطَّلاقِ طُهْرٌ كاملٌ، فإذا مضَى ومَضَتِ الحَيْضَةُ التى بعدَه، أمرَه بطلاقِها، وقولُه (٦) فى حديثِه الآخَرِ: "وَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ، فيطَلِّقَ لِكُلِّ قَرْءٍ" (٧). ورَوَى النَّسائىُّ (٨) بإسْنادِه عن عبدِ اللَّهِ، قال: طلاقُ السُّنَّةِ أن يُطَلِّقَها تطليقةً، وهى طاهرٌ، فى غيرِ جِمَاعٍ، فإذا حاضَتْ وطَهُرَتْ، طلَّقَها أُخرى، [فإذا حاضَت وطَهُرَتْ طلَّقَها أُخْرَى] (٩)، ثم تَعْتدُّ بعدَ ذلك بِحَيْضَةٍ. ولَنا، ما رُوِىَ عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لا يُطلِّقُ أحدٌ للسُّنَّةِ فيَنْدَمُ. رَوَاه الأثْرَمُ (١٠). وهذا

стр. 5288

إنَّما يَحصُلُ فى حقِّ مَن لم يُطَلِّقْ ثلاثًا. وقال ابنُ سِيرينَ: إن عليًّا، كرَّم اللَّهُ وَجْهَه، قال: لو أنَّ النَّاسَ أخَذُوا بما أمرَ اللَّه مِنَ الطَّلاقِ، ما يُتبعُ رجلٌ نفسَه امرأةً أبدًا، يُطَلِّقُها تطليقةً، ثم يَدَعُها ما بينها وبينَ أن تَحيضَ ثلاثةً، فمتى شاءَ راجعَها. رَواه النَّجَّادُ بإسْنادِه (١١). ورَوَى ابنُ عبدِ البَرِّ، بإسْنادِه عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال: طلاقُ السُّنَّةِ أن يُطَلِّقَها وهى طاهرٌ، ثم يَدَعَها حتى تَنْقضِى عِدَتُّها، أو يُراجعَها إن شاءَ (١٢). فأمَّا حديثُ ابنِ عمرَ الأوَّلُ، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ لأنَّه ليس فيه جمعُ الثَّلاثِ، وأمَّا حديثُه الآخِرُ، فيَحْتَمِلُ أن يَكونَ ذلك بعد ارْتجاعِها، ومتى ارْتَجعَ بعدَ الطَّلْقَةِ ثم طلَّقَها، كان للسُّنَّةِ على كلِّ حالٍ، حتى قد قال أبو حنيفةَ: لو أمْسَكَها بيَدِه لشهوةٍ، ثم والَى بينَ الثَّلاثِ، كان مُصِيبًا للسُّنَّةِ؛ لأنَّه يكون مُرْتجِعًا لها. والمعنى فيه أنَّه إذا ارْتجعَها، سقَطَ حُكْمُ الطَّلْقةِ الأُولَى، فصارتْ كأنَّها لم تُوجَدْ، ولا غِنَى به عن الطَّلْقَةِ الأُخْرَى إذا احْتاج إلى فِرَاقِ امرأتِه، بخلافِ ما إذا لم يَرْتجِعْها؛ فإنَّه مُسْتَغْنٍ عنها، لإفْضائِها إلى مَقْصودِه من إبانتِها، فافْتَرقا، ولأنَّ ما ذكرُوه إرْدافُ طلاقٍ من غيرِ ارْتجاعٍ، فلم يكُنْ للسُّنَّةِ، كجَمْعِ الثَّلاثِ فى طُهْرٍ واحدٍ، وتَحريمُ المرأةِ لا يَزولُ إلَّا بِزَوْجٍ وإصابةٍ من غيرِ حاجةٍ، فلم يكُنْ للسُّنَّةِ، كجَمْعِ الثَّلاثِ. فصل: فإن طَلَّقَ للبِدْعةِ، وهو أن يُطَلِّقَها حائضًا، أو فى طُهْرٍ أصابَها فيه، أثِمَ، ووقعَ طلاقُه. فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المنذرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ: لم يُخالِفْ فى ذلك إلَّا أهلُ البِدعِ والضَّلالِ. وحَكاه أبو نَصْر عن ابنِ عُلَيَّةَ، وهشامِ بنِ الحَكَمِ، والشِّيعة قالوا: لا يَقَعُ طلاقُه؛ لأنَّ اللَّه تعالى أمرَ به فى قبلِ العِدَّةِ، فإذا طلَّقَ فى غيرِه لم يَقَعْ، كالوكيلِ إذا أوْقَعَه فى زمنٍ أمرَه موكِّلُه بإيقاعِه فى غيرِه. ولَنا، حديثُ ابنِ عمرَ، أنَّه طلَّقَ امرأتَه وهى حائضٌ، فأمرَه النَّبِىُّ ﷺ أن يُراجِعَها. وفى روايةِ الدَّارَقُطْنِىِّ (١٣) قال:

стр. 5289

فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أفرأيتَ لو أنِّى طلَّقْتُها ثلاثًا، أكانَ يَحِلُّ لى أن أُراجعَها؟ قال: "لَا، كَانَتْ تَبِينُ مِنْكَ، وَتَكُونُ مَعْصِيَةً". وقال نافعٌ: وكان عبدُ اللَّه طلَّقَها تطليقةً، فحُسِبَتْ من طَلاقِه، وراجعَها كما أمرَه رسولُ اللَّهِ ﷺ (١٤). ومن روايةِ يُونُسَ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: أفتُعْتَدُّ عليه، أو تُحتسَبُ عليه؟ قال: نعم، أرأيتَ إن عَجَزَ واسْتَحْمَقَ (١٥)! كلها أحاديثُ صحاحٌ. ولأنَّه طلاقٌ مِن مُكَلَّفٍ فى مَحَلِّ الطَّلاقِ، فوقَعَ، كطلاقِ الحاملِ، ولأنَّه ليس بِقُرْبَةٍ، فيُعتَبَرُ لوقوعِه مُوافقةُ السُّنَّةِ، بل هو (١٦) إزالةُ عِصْمَةٍ، وقَطْعُ مِلْكٍ، فإيقاعُه فى زمنِ البدْعةِ أوْلَى، تغْليظًا عليه، وعُقوبةً له، أمَّا غيرُ الزَّوجِ، فلا يَمْلِكُ الطَّلاقَ، والزَّوجُ يَمْلِكُه بمِلْكِه مَحَلَّه. فصل: ويُسْتحَبُّ أن يُراجعَها، لأمرِ النَّبِىِّ ﷺ بمُراجعتِها، وأقلُّ أحوالِ الأمرِ الاسْتِحْبابُ، ولأنَّه بالرَّجْعَةِ يُزيلُ المعنى الذى حَرَّمَ الطَّلاقَ. ولا يَجبُ ذلك فى ظاهرِ المذهبِ. وهو قولُ الثَّورِى، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافعىِّ، وابنِ أبى لَيْلَى، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وحَكَى ابنُ أبى موسى، عن أحمدَ، روايةً أُخْرَى، أَنَّ الرَّجْعةَ تَجبُ. واختارَها. وهو قولُ مالكٍ، وداودَ؛ لظاهرِ الأمرِ فى الوجوبِ، ولأنَّ الرَّجْعةَ تَجرى مَجْرَى اسْتِبْقاءِ

стр. 5290

النِّكاحِ، واسْتِبْقاؤُه ههُنا واجِبٌ؛ بدليلِ تحْريمِ الطَّلاقِ، ولأنَّ الرَّجعةَ إمْساكٌ للزَّوجةِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١٧). فوَجَبَ ذلك، كإمْساكِها قبلَ الطَّلاقِ. وقال مالكٌ، وداودُ: يُجْبَرُ على رَجْعتِها. قال أصحابُ مالكٍ: يُجْبَرُ على رَجْعتِها ما دامتْ فى العِدَّةِ. إلَّا أشْهَبَ، قال: ما لم تَطهُرْ، ثم تَحِيضُ، ثم تَطهُرُ؛ لأنَّه لا يَجبُ عليه إمْساكُها فى تلك الحالِ، فلا يَجبُ عليه رَجْعتُها فيه. ولَنا، أنَّه طلاقٌ لا يَرْتفعُ بالرَّجْعةِ، فلم تَجبْ عليه الرَّجعةُ فيه، كالطَّلاقِ فى طُهْرٍ مَسَّها فيه، فإنَّهم أجْمعُوا على أنَّ الرَّجعةَ لا تَجبُ. حكاه ابنُ عبدِ البَرِّ عن جميعِ العلماءِ. وما ذكروه مِنَ المعنى ينْتقِضُ بهذه الصُّورةِ. وأما الأمرُ بالرَّجعةِ فمحمولٌ على الاستحبابِ؛ لما ذكَرْنا. فصل: فإن راجعَها، وجبَ إمْساكُها حتى تَطهُرَ، واستُحِبَّ إمْساكُها حتى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى ثم تَطهُرَ، على ما أمرَ به النَّبِىُّ ﷺ فى حديث ابنِ (١٨) عمرَ الذى روَيْناه. قال ابنُ عبدِ البرِّ: ذلك مِن وُجوهٍ عندَ أهلِ العلمِ؛ منها، أن الرَّجعةَ لا تَكادُ تُعلَمُ صِحَّتُها إلا بالوَطْءِ؛ لأنَّه المُبْتَغَى (١٩) مِنَ النِّكاحِ، ولا يحصُلُ الوَطْءُ إلَّا فى الطُّهْرِ، فإذا وَطِئَها حَرُمَ طلاقُها فيه حتى تَحِيضَ ثم تَطْهُرَ، واعتبرْنا مَظِنَّةَ الوَطْءِ ومَحَلَّه لا حقيقَتَه، ومنها أنّ الطَّلاقَ كُرِهَ فى الحيض لتَطْويلِ العِدَّةِ، فلو طلَّقَها عَقِيبَ الرَّجعةِ مِنْ غيرِ وَطْءٍ، كانت فى معنى المُطلَّقَةِ قبلَ الدُّخولِ، وكانت تَبْنِى على عِدَّتِها، فأرادَ رسولُ اللَّهِ ﷺ قَطْعَ حُكْمِ الطَّلاقِ بالوَطْءِ، واعتبرَ الطُّهْرَ الذى هو موضعُ الوَطْءِ، فإذا وَطئَ حَرُمَ طَلاقُها حتى تَحِيضَ ثم تَطهُرَ، وقد جاء فى حديثٍ عن ابنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ مَسَّهَا، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ أُخْرَى، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا". رَوَاه ابنُ عبدِ البَرِّ. ومنها، أنَّه عُوقِبَ على إيقَاعِه فى الوقتِ المُحَرَّمِ بِمَنْعِه منه فى الوقتِ الذى يُباحُ له. وذكَر غيرَ هذا. فإن طلَّقَها فى الطُّهْرِ

стр. 5291

الذى يَلِى الحَيْضةَ قبلَ أن يمسَّها، فهو طلاقُ سُنَّةٍ. وقال أصحابُ مالكٍ: لا يُطَلِّقُها حتى تَطْهُرَ، ثم تَحِيضَ، ثم تَطْهُرَ، على ما جاء فى الحديثِ. ولَنا، قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. وهذا مُطَلِّقٌ للعِدَّةِ، فيَدْخلُ فى الأمرِ. وقد رَوَى يُونُسُ بنُ جُبَيْرٍ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وابنُ سيرينَ، وزيدُ بنُ أسْلَمَ، وأبو الزُّبَيْرِ، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أمرَه أن يُراجعَها حتى تَطْهُرَ، ثم إن شاءَ طلَّقَ، وإن شاءَ أمسكَ. ولم يذكروا تلك الزِّيادةَ. وهو حديثٌ صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه. ولأنَّه طُهْرٌ لم يَمسَّها فيه، فأشْبَهَ الطُّهْرَ (٢٠) الثَّانِىَ، وحديثُهم محمولٌ على الاسْتِحْبابِ. ١٢٤٨ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ طَلَّقَها ثَلَاثًا فِى طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيه، كَانَ أَيْضًا لِلسُّنَّةِ، وَكَانَ تارِكًا لِلاخْتِيَارِ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فى جَمْعِ الثَّلاثِ؛ فرُوِىَ عنه أنَّه غيرُ مُحَرَّمٍ. اخْتارَه الخِرَقِىُّ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وداودَ. ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ بنِ عَلِىٍّ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، والشَّعْبِىِّ؛ لأنَّ عُويْمِرَ العَجْلَانِىَّ لمَّا لَاعَنَ امرأته، قال: كذبتُ عليها يا رسولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها. فطَّلَقها ثلاثًا قبلَ أن يأمُرَه رسولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّفَقٌ عليه (١). ولم يُنْقَلْ إنكارُ النَّبِىِّ ﷺ . وعن عائشةَ أنَّ امرأةَ رِفَاعةَ جاءتْ إلى رسولِ

стр. 5292

اللَّهِ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ رِفاعةَ طَلَّقَنِى، فبَتَّ طَلاقِى. مُتَّفقٌ عليه (٢). وفى حديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ، أن زَوجَها أرسلَ إليها بثلاثِ تَطْليقاتٍ (٣). ولأنَّه طلاقٌ جازَ تَفْرِيقُه، فجازَ جمعُه، كطلاقِ النِّسَاءِ. والروايةُ الثانيةُ، أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ طلاقُ بِدْعَةٍ، مُحَرَّمٌ. اختارَها أبو بكرٍ، وأبو حفصٍ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعَلِىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عبَّاس، وابنِ عمرَ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ. قال عَلِىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا يُطَلِّقُ أحدٌ للسُّنَّةِ فَيَندمُ. وفى روايةٍ قال: يُطَلِّقُها واحدةً، ثم يَدَعُها ما بينَها وبينَ أن تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، فمتى شاءَ راجعَها (٤). وعن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان إذا أُتِىَ برجلٍ طلَّقَ ثلاثًا، أوْجَعَه ضَرْبًا (٥). وعن مالكِ بنِ الحارِثِ قال: جاء رجلٌ إلى ابنِ عبَّاسٍ فقال: إنَّ عَمِّى طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا. فقال: إنَّ عمَّك عصَى اللَّه، وأطاعَ الشَّيطانَ، فلم يَجْعلِ اللَّهُ له مَخْرجًا (٦). ووجهُ ذلك قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٧). ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٨). ﴿وَمَنْ

стр. 5293

يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٩). [ومَن جمعَ الثَّلاثَ لم يَبْقَ له أمرٌ يَحْدثُ، ولا يجْعَلُ اللَّهُ له مخرجًا ولا مِن أمْرِه يُسْرًا] (١٠). ورَوى النَّسائى (١١)، بإسنادِه عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ قال: أُخْبرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عن رجلٍ طلَّقَ امرأتَه ثلاثَ تطليقاتٍ جميعًا، فغَضِبَ، ثم قال: "أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ ". حتى قامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه، ألَا أقْتُلُه. وفى حديثِ ابنِ عمرَ قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ لو طلَّقْتُها ثلاثًا؟ قال: "إذًا عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ" (١٢). ورَوَى الدَّارَقُطنىُّ (١٣)، بإسْنادِه عن عَلِىٍّ، قال: سمعَ النَّبِىُّ ﷺ رجلًا طلُّقَ امْرَأتَه (١٤) ألْبَتَّةَ، فغَضِبَ، وقال: "تَتَّخِذُونَ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا، أَوْ دِينَ اللَّهِ هُزُوًا أو لَعِبًا (١٥)؟ مَنْ طَلَّقَ البَتَّةَ أَلْزَمْنَاهُ ثَلاثًا، لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ". ولأنَّه تَحْريمٌ للبُضْعِ بقولِ الزَّوجِ من غيرِ حاجةٍ، فحُرِّمَ كالظِّهَارِ، بل هذا أوْلَى؛ لأنَّ الظِّهارَ يَرْتفعُ تحْرِيمُه بالتَّكفيرِ، وهذا لا سبيلَ للزَّوجِ إلى رَفْعِه بحالٍ، ولأنَّه ضَرَرٌ وإضرارٌ بنَفْسِه وبامْرأتِه من غيرِ حاجةٍ، فيَدْخُلُ فى عُمومِ النَّهْى، ورُبَّما كان وسيلةً إلى عَوْدِه إليها حَرامًا، أو بحِيلَةٍ لا تُزيلُ التَّحريمَ، ووقوعِ النَّدمِ، وخَسارةِ الدُّنيا والآخرةِ، فكان أوْلَى بالتَّحريمِ مِنَ الطَّلاقِ فى الحَيْضِ، الذى ضَرَرُه بَقاؤُها فى العِدَّةِ أيامًا يَسِيرةً، أو الطَّلاقِ فى طُهرٍ مَسَّها فيه، الذى ضَررُه احتْمالُ النَّدمِ بظُهورِ الحملِ؛ فإنَّ ضَرَرَ جَمْعِ الثَّلاثِ يَتضاعفُ على ذلك أضْعافًا كثيرةً، فالتَّحْريمُ ثَمَّ تَنْبِيهٌ على التَّحريمِ ههُنا، ولأنَّه قولُ مَن سمَّينا من الصَّحابةِ، رَوَاه الأثرمُ وغيرُه، ولم يَصِحَّ عنَدنا فى عَصْرِهم خِلافُ قولِهم، فيكونُ ذلك إجماعًا.

стр. 5294

وأمَّا حديثُ المُتلاعِنَيْنِ فغيرُ لازمٍ؛ لأنَّ الفُرْقَةَ لم تَقَعْ بالطَّلاقِ، فإنَّها وقَعتْ بِمُجرَّدِ لِعَانِهما. وعندَ الشَّافعىِّ بمُجرَّدِ لِعانِ الزَّوجِ، فلا حُجَّةَ فيه. ثم إنَّ اللعانَ يُوجِبُ تَحْريمًا مؤبَّدًا، فالطَّلاقُ بعدَه كالطَّلاقِ بعدَ انْفساخِ النِّكاحِ بالرَّضاعِ أو غيرِه، ولأنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ إنَّما حَرُمَ لما يَعْقُبُه (١٦) مِنَ النَّدمِ، ويَحصُلُ به مِنَ الضَّرَرِ، ويَفُوتُ عليه مِن حِلِّ نكاحِها، ولا يَحصُلُ ذلك بالطَّلاقِ بعدَ اللِّعَانِ، لحُصولِه باللِّعانِ، وسائرُ الأحاديثِ لم يَقعْ فيها جَمْعُ الثَّلاثِ بينَ يَدَى النَّبِىِّ ﷺ ، فيكون مُقِرًّا عليه، ولا حضرَ المُطَلِّقُ عندَ النَّبِىِّ ﷺ حين أُخْبِرَ بذلك لِيُنْكِرَ عليه. على أنَّ حديثَ فاطمةَ، قد جاء فيه أنَّه أرْسلَ إليها بتَطْليقةٍ كانت بَقِيَتْ لها مِن طلاقِها، وحديثُ امرأةِ رفاعةَ جاء فيه أنَّه طلَّقَها آخِرَ ثلاثِ تَطْليقاتٍ، مُتَّفَقٌ عليه، فلم يَكُنْ فى شىءٍ مِن ذلك جَمْعُ الثَّلاثِ، ولا خلافَ بين الجميعِ فى أَنَّ الاخْتِيارَ والأوْلَى أن يُطلِّقَ واحدةً، ثم يَدعَها حتى تَنْقضِىَ عِدَّتُها، إلا ما حَكَيْنا من قولِ مَنْ قال: إنَّه يُطَلِّقُها فى كلِّ قَرْءٍ طَلْقةً. والأوَّلُ أوْلَى؛ فإنَّ فى ذلك امْتثالًا لأمرِ اللَّهِ سبحانه، ومُوَافقةً لقولِ السَّلَفِ، وأمْنًا مِنَ النَّدمِ، فإنَّه متى نَدِمَ راجعَها، فإن فاتَه ذلك بانْقِضاءِ عِدَّتِها، فله نكاحُها. قال محمدُ بنُ سِيرِينَ: إنَّ عليًّا كرَّم اللَّهُ وجهَه، قال: لو أَنَّ النَّاسَ أخَذُوا بما أمرَ اللَّه مِنَ الطَّلاقِ، ما يُتْبِعُ رجلٌ نفسَه امرأةً أبدًا، يُطَلِّقُها تَطْليقةً ثم يَدعُها، ما بينها وبين أن تَحِيضَ ثلاثًا، فمتى شاءَ راجعَها. روَاه النَّجَّادُ بإسْنادِه (١٧). وعن عبدِ اللَّهِ قال: مَن أرادَ أن يُطَلِّقَ الطَّلاقَ الذى هو الطَّلاقُ، فليُمْهِلْ، حتى إذا حاضَتْ ثم طَهُرَتْ، طلَّقَها تَطْليقةً فى غيرِ جِمَاعٍ، ثم يَدعُها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها (١٨)، ولا يُطلِّقْها ثلاثًا وهى حامِلٌ، فيجْمَعُ اللَّه عليه نَفقتَها وأجرَ رَضاعِها، ويُندِمُه اللَّهُ، فلا يَستطيعُ إليها سبيلًا (١٩).

стр. 5295

فصل: وإن طلَّقَ ثلاثًا بكلمةٍ واحدةٍ، وقعَ الثَّلاثُ، وحَرُمَتْ عليه حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه، لا (٢٠) فرقَ بينَ قبلِ الدُّخولِ وبعدِه. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ، وأبى هُرَيْرةَ، وابن عمرَ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عمروٍ، وابنِ مسعودٍ، وأنَسٍ. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ مِنَ التَّابعِينَ والأئَّمةِ بعدَهم. وكان عطاءٌ، وطاوسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وأبو الشَّعْثَاءِ (٢١)، وعمرُو بنُ دينارٍ، يقولون: مَن طلَّقَ البِكْرَ ثلاثةً فهى واحدةٌ. وَرَوَى طاوسٌ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، قال: كان الطَّلاقُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وأبى بكرٍ وسَنتَينِ مِن خلافةِ عمرَ، طلاقُ الثَّلاثِ واحدةً. رَوَاه أبو داود (٢٢). وروىَ سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وعمرو بنُ دينارٍ، ومُجَاهِدٌ، ومالكُ بنُ الحارثِ، عن ابنِ عبَّاسٍ، خلافَ روايةِ طَاوُسٍ، أخْرَجه أيضًا أبو داودَ (٢٣). وأفْتَى ابنُ عبَّاسٍ بخلافِ ما رَوَاه (٢٤) عنه طاوسٌ. وقد ذكرْنا حديثَ ابنِ عمرَ: أرأيتَ لو طلَّقْتُها ثلاثًا. ورَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٢٥)، بإسْنادِه عن عُبَادَةَ بنِ الصَّامتِ، قال: طلَّقَ بعضُ آبائى امرأتَه ألفًا، فانْطلقَ بَنُوه إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أبانا طلَّقَ أُمُّنا ألفًا، فهل له مَخْرَجٌ؟ فقال: "إنَّ أَبَاكُمْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ مَخْرَجًا، بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ، وَتِسْعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُوْنَ إثْمٌ فِى عُنُقِهِ". ولأنَّ النِّكاحَ مِلْكٌ يَصِحُّ إزالتُه مُتَفَرِّقًا، فصَحَّ مُجتمِعًا، كسائرِ الأملاكِ. فأمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ، فقد صحَّتِ الرِّوايةُ عنه بخلافِه، وأفْتَى أيضًا بخلافِه. قال الأثْرمُ: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ، عن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ، بأىِّ شىءٍ تدْفَعُه؟ فقال: أدْفَعُه برواية النَّاس عن ابنِ عبَّاسٍ مِن وجُوهٍ خلافَه. ثم ذكَرَ عن عِدَّةٍ، عن ابن

стр. 5296

عبَّاسٍ من وُجوهٍ، أنَّها ثلاثٌ. وقيل: معنى حديثِ ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ النَّاسَ كانوا يُطَلِّقُونَ واحدةً على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وأبى بكرٍ، وإلَّا فلا يَجوزُ أن يُخالفَ عمرُ ما كان فى عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ وأبى بكرٍ، ولا يَسُوغُ لابنِ عبَّاسٍ أن يَرْوِىَ هذا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ويُفْتِىَ بخلافِه. فصل: وإن طلَّقَ اثنتَيْنِ فى طُهرٍ واحدٍ (٢٦)، ثم تركَها حتى انْقَضَتْ عِدَّتُها، فهو للسُّنَّةِ؛ لأنَّه لم يُحَرِّمْها على نفسِه، ولم يَسُدَّ على نفسِه المَخْرَجَ مِنَ النَّدَمِ، ولكنَّه تركَ الاختيارَ؛ لأنَّه فَوَّتَ على نفسِه طَلْقةً جعلَها اللَّه له من غيرِ فائدةٍ تحصُلُ بها، فكان مكروهًا، كتَضْيِيعِ المالِ. ١٢٤٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ. وَكَانَتْ حَامِلًا أَوْ طَاهِرًا طُهْرًا (١) لَمْ يُجَامِعْهَا فِيه، فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا، لَزِمَهَا الطَّلاقُ إذَا طَهُرَتْ، وَإِنْ كَانَتْ [طَاهِرًا طُهْرًا] (٢) مُجَامَعَةً فِيهِ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، لَزِمَهَا الطَّلَاقُ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ. فَمْعناه فى وَقْتِ السُّنَّةِ، فإن كانت طاهرًا غيرَ مُجَامَعَةٍ فيه، فهو وقتُ السُّنَّةِ على (٣) ما أسْلَفْناه، وكذلك إن كانت حامِلًا. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا خلافَ بين العلماءِ أنَّ الحَمْلَ (٤) طلاقُها للسُّنَّةِ. وقال أحمدُ: أذهبُ إلى حديثِ سالمٍ عن أبيه: "ثُمَّ ليُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أو حَامِلًا". أخْرَجه مسلمٌ وغيرُه (٥). فأمرَه بالطَّلاقِ فى الطُّهْرِ أو فى الحملِ، فطلاقُ السُّنَّةِ ما وافقَ الأمرَ، ولأنَّ مُطَلِّقَ

стр. 5297

الحاملِ التى اسْتَبانَ حَمْلُها قد دخلَ على بَصِيرةٍ، فلا يَخافُ ظُهورَ أمرٍ يَتجدَّدُ به النَّدمُ، وليست مُرْتابةً؛ لعَدَمِ اشْتباهِ الأمْرِ عليها، فإذا قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ. فى هاتين الحالتَيْن، طَلُقَتْ؛ لأنَّه وَصَفَ الطَّلْقَةَ بصِفَتِها، فوَقَعَتْ (٦) فى الحالِ. وإن قال ذلك لحائضٍ، لم تقَعْ فى الحالِ؛ لأنَّ طلاقَها طلاقُ بِدْعةٍ. لكنْ إذا طَهُرتْ طَلُقَتْ؛ لأنَّ الصِّفةَ وُجِدَتْ حينئذٍ، فصارَ كأنَّه قال: أنتِ طالقٌ فى النَّهارِ. فإن كانت فى النَّهارِ طَلُقَتْ، وإن كانت فى اللَّيلِ طَلُقَتْ إذا جاءَ النَّهارُ. وإن كانت فى طُهرٍ جامعَها فيه، لم يَقَعْ حتى تَحِيضَ ثم تَطْهُرَ؛ لأنَّ الطُّهْرَ الذى جامعَها فيه والحيضَ بعدَه زمانُ بدعةٍ، فإذا طَهُرَتْ مِنَ الحَيْضةِ المُسْتقبَلَةِ، طَلُقَتْ حينئذٍ؛ لأنَّ الصِّفةَ وُجِدَتْ. وهذا كلُّه مذهبُ الشَّافعىِّ، وأبى حنيفةَ، ولا أعلمُ فيه مُخالِفًا. فإن أوْلَجَ فى آخرِ الحَيْضَةِ (٧)، واتَّصلَ بأوَّلِ الطُّهرِ، أو أوْلَجَ مع أوَّلِ الطُّهرِ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ فى ذلك الطُّهْرِ، لكنْ متى جاء طُهْرٌ لم يُجامِعْها فيه، طَلُقَتْ فى أوَّلِه. وهذا كله مذهبُ الشَّافعىِّ، ولا أعلمُ فيه مُخالِفًا. فصل: إذا انْقَطعَ الدَّمُ مِنَ الحَيْضِ، فقد دخلَ زمانُ السُّنَّةِ، ويَقعُ عليها طلاقُ السُّنَّةِ وإن لم تَغتسلْ. كذلك قال أحمدُ. وهو ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ. وبه قال الشَّافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن طَهُرَتْ لأكْثرِ الحَيْض مثلَ ذلك، وإن انقطعَ الدَّمُ لِدُونِ أكْثرِه، لم يَقَعْ حتى تَغتسلَ، أو تَتيمَّمَ عندَ عدمِ الماءِ وتُصَلِّىَ، أو يَخْرُجَ عنها وقتُ صلاةٍ؛ لأنَّه متى لم يُوجَدْ ذلك (٨)، فما حكَمْنا بانْقطاعِ حَيْضِها. ولَنا، أنَّها طاهرٌ. فوقَعَ بها طلاقُ السُّنَّةِ، كالتى طَهُرَتْ لأكثرِ الحَيْض؛ والدَّليلُ على أنها طاهرٌ، أنَّها تُؤْمرُ بالغُسْلِ، ويَلْزَمُها ذلك، ويَصِحُّ منها، وتُؤْمَرُ بالصَّلاةِ، وتَصِحُّ صلاتُها، ولأنَّ فى حديثِ ابنِ عمرَ: "فإذَا طَهُرَتْ، طَلَّقَها إنْ شَاءَ". وما قالَه غيرُ صحيحٍ، فإنَّنا لو لم نَحْكُمْ بالطُّهرِ، لمَا أُمرْناها بالغُسْلِ، ولا صَحَّ منها.

стр. 5298

١٢٥٠ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ. وَهِىَ فِى طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيه، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يُصِيبَهَا أَوْ تَحِيضَ) هذه المسألةُ عكسُ تلك؛ فإنَّه وصفَ الطَّلْقةَ بأَنَّها لِلبدْعةِ، إن قال ذلك لحائضٍ أو طاهرٍ مُجَامَعَةٍ فيه، وقعَ الطَّلاقُ فى الحالِ؛ لأنَّه وصَفَ الطَّلقةَ بصِفَتِها. وإن كانت فى طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، لم يَقعْ فى الحالِ، فإذا حاضتْ طَلُقَتْ بأوَّلِ جُزْءٍ مِنَ الحَيْضِ، وإن أصابَها طَلُقَتْ بالْتقاءِ الخِتَانَيْنِ، فإن نَزَعَ مِن غيرِ تَوقُّفٍ، فلا شىءَ عليهما (١)، وإن أوْلَجَ بعدَ النَّزْعِ، فقد وَطِئَ مُطلَّقَتَه، ويأتى بيانُ حُكْمِ ذلك. وإن أصابَها، واسْتدامَ ذلك، فسنذْكُرُها أيضًا إن شاءَ اللَّهُ تعالى فيما بَعْدُ. فصل: فإن قال لطاهرٍ: أنتِ طالقٌ للبِدْعةِ فى الحالِ. فقد قيل: إنَّ الصِّفةَ تَلْغُو، ويَقعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّه وصَفَها بما لا تَتَّصِفُ به، فلَغَتِ الصِّفَةُ دونَ الطَّلاقِ. ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ فى الحالِ ثلاثًا؛ لأنَّ ذلك طَلاقُ بِدْعةٍ، فانْصرَفَ الوَصْفُ بالبدْعةِ إليه، لتَعذُّرِ صِفَةِ البِدْعةِ من الجهةِ الأُخْرَى. وإن قال لحائضٍ: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ فى الحالِ، لَغَتِ الصِّفةَ، ووقعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّه وصَفَ الطَّلْقةَ بما لا تَتَّصِفُ به. وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ، وثلاثًا للبِدْعةِ. طَلُقَتْ ثلاثًا فى الحالِ، بِناءً على ما سنذكُرُه. فصل: وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ. فالمنْصوصُ عن أحمدَ، أنَّها تَطْلُقُ ثلاثًا إن كانت طاهرًا طُهْرًا (٢) غيرَ مُجَامَعَةٍ فيه، وإن كانت حائضًا، طَلُقَتْ ثلاثًا إذا طَهُرَتْ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. وقال القاضى، وأبو الخطَّابِ: هذا على الرِّوايةِ التى قال فيها: إنَّ جَمْعَ الثلاثِ يكون سُنَّةً، فأما على الرِّوايةِ الأُخْرَى، فإذا طَهُرَتْ طَلُقَتْ واحدةً، وتَطْلُقُ الثَّانيةَ والثَّالثةَ فى نِكاحَيْنِ آخَرَيْنِ، أو بعد رَجْعتَيْنِ. وقد أنْكرَ أحمدُ هذا، فقال فى روايةِ مُهَنَّا: إذا قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا للسُّنَّةِ. قد اخْتلَفُوا فيه،

стр. 5299

فمنهم مَن يقولُ: يَقَعُ عليها السَّاعةَ واحدةٌ، فلو راجعَها تَقعُ عليها تَطْليقةٌ أُخْرَى، وتكونُ عندَه على أُخْرَى. وما يُعْجبُنى قولُهم هذا. فيَحْتمِلُ أَنَّ أحمدَ أوقعَ الثَّلاثَ؛ لأنَّ ذلك عندَه سُنَّةٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّه أوْقعَها لوَصْفِه الثَّلاثَ بما لا تَتَّصِفُ به، فألْغَى الصِّفةَ، وأوْقعَ الطَّلاقَ، كما لو قال لحائضٍ: أنت طالقٌ فى الحالِ للسُّنَّةِ. وقد قال، فى روايةِ أبى الحارثِ، ما يَدلُّ على هذا، قال: يَقَعُ عليها الثَّلاثُ، ولا معنى لقولِه: للسُّنَّةِ. وقال أبو حنيفة: يقَعُ فى كَلِّ قَرْءٍ طَلْقةٌ، وإن كانت من ذواتِ الأشْهُرِ وقعَ فى كلِّ شهرٍ طلقةٌ. وبَناهُ على أصْلِه فى أنَّ السُّنَّةَ تَفْريقُ الثَّلاثِ عل الأطْهارِ، وقد بَيَّنَّا أنَّ ذلك فى حُكمِ جَمْعِ الثَّلاثِ. وإن (٣) قال: أرَدْتُ بقَوْلِى: للسُّنَّةِ إيقاعَ واحدةٍ فى الحالِ، واثْنتَيْن فى نكاحَيْنِ آخَرَيْنِ. قُبِلَ منه، وإن قال: أرَدْتُ أن يقَعَ فى كُل قَرْءٍ طَلْقةٌ. قُبِلَ أيضًا؛ لأنَّه مذهبُ طائفةٍ من أهلِ العلمِ، وقد وردَ به الأثرُ، فلا يَبْعُدُ أن يُريدَه. وقال أصحابُنا: يَدِينُ (٤). وهل يُقبَلُ فى الحُكمِ؟ على وَجْهينِ؛ أحدهما، لا يُقبَلُ؛ لأنَّ ذلك ليس بِسُنَّةٍ. والثانى، يُقْبَلُ؛ لما قدَّمْنا. فإن كانت فى زمنِ البِدْعةِ، فقال: سبَقَ لسانِى إلى [قَوْلِى: للسُّنَّةِ] (٥)، ولم أُرِدْه؛ وإنَّما أرَدْتُ الإيقاعَ فى الحالِ. وقعَ فى الحالِ؛ لأنَّه مالكٌ لإيقاعِها، فإذا اعْترفَ بما يُوقِعُها، قُبِلَ منه. فصل: إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا بعضُهنَّ للسُّنَّةِ، وبعضُهنَّ للبِدْعةِ. طَلُقَتْ فى الحالِ طَلْقتَيْنِ، وتأخَّرتِ الثَّالثةُ إلى الحالِ (٦) الأُخْرَى؛ لأنَّه سَوَّى بين الحالَينِ، فاقْتضَى الظَّاهرُ أن يكُونا سَواءً، فيقَعُ فى الحالِ طَلْقةٌ ونصفٌ، ثم يَكْمُلُ النِّصْفُ؛ لكَوْنِ الطَّلاقِ لا يَتَبَعَّضُ، فيقَعُ طَلْقتانِ. ويَحْتمِلُ أن تَقعَ طَلْقةٌ، وتتأخَّرَ اثْنَتانِ إلى الحالِ الأُخْرَى؛ لأنَّ البَعْضَ يَقَعُ على ما دونَ الكُلِّ، ويتنَاولُ القليلَ مِن ذلك والكثيرَ، فيقَعُ أقلُّ

стр. 5300

ما يقَعُ عليه الاسمُ؛ لأنَّه اليَقِينُ، وما زاد لا يَقعُ بالشَّكِّ، فيتَأخَّرُ إلى الحالِ الأُخْرَى. فإن قيل: فلم لا يَقَعُ مِن كلِّ طَلْقةٍ بعضُها، ثم تَكْمُلُ، فيقَعُ الثَّلاثُ؟ قُلْنا: متى أمْكنَتِ القِسْمَةُ مِن غيرِ تكْسيرٍ، وجَبَتِ (٧) القِسْمةُ على الصِّحَّةِ. وإن قال: نِصْفُهنَّ للسُّنَّةِ، ونصفُهنَّ للبِدْعةِ. وقعَ فى الحالِ طَلْقتانِ، وتأخَّرتِ الثَّالثةُ. وإن قال: طَلْقتانِ للسُّنَّةِ، وواحدة للبِدْعةِ، أو طَلْقتانِ للبدْعةِ، وواحدةٌ للسُّنَّةِ. فهو على ما قال. وإن أطْلَقَ، ثم قال: نوَيتُ ذلك. فإن فسَّرَ نِيتَّهَ بما يُوقِعُ فى الحالِ طَلْقَتَيْن (٨)، قُبِلَ؛ لأنَّه مُقْتَضَى الإِطلاقِ، ولأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ فيه. وإن فسَّرَها بما يُوقِعُ طَلْقةً واحدةً، ويُؤخِّرُ اثْنتَيْنِ، دِينَ فيما بينه وبينَ اللَّه تعالى. وهل يُقبَلُ فى الحُكْمِ؟ فيه وَجْهان؛ أظْهرُهما، أنَّه يُقبَلُ؛ لأنَّ البعضَ حقيقةٌ فى القليلِ والكثيرِ، فما فسَّرَ كلامَه به لا يُخالِفُ الحقيقةَ، فيَجبُ أن يُقبَلَ. والثانى، لا يُقبَلُ؛ لأنَّه فسَّرَ كلامَه بأخَفَّ ممَّا يَلْزمُه حالةَ الإِطلاقِ. ومذهبُ الشَّافعىِّ على نحوِ هذا. فإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، بعضُها للسُّنَّةِ. ولم يَذكُرْ شيئًا آخَرَ، احْتمَلَ أن تكونَ كالتى قبلَها؛ لأنَّه يَلْزمُ مِن ذلك أن يكونَ بعضُها للبِدْعةِ، فأشْبَهَ ما لو صَرَّحَ به. ويَحْتَمِلُ أنَّه (٩) لا يقَعُ فى الحالِ إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّه لم يُسَوِّ بين الحالَيْنِ، والبعضُ لا يَقْتَضِى النِّصْفَ، فتَقعُ الواحدةُ؛ لأنَّها (١٠) اليقينُ، والزَّائدُ لا يَقَعُ بالشَّكِّ. وكذلك لو قال: بعضُها للسُّنَّةِ وباقِيها للبِدْعةِ، أو سائرُها للبِدْعةِ. فصل: إذا قال: أنتِ طالقٌ إذا قَدِمَ زيدٌ. فقَدِمَ زيدٌ (١١) وهى حائضٌ، طَلُقَتْ للبِدْعةِ، ولم يَأثَمْ؛ لأنَّه لم يَقْصِدْه. وإن قال: أنتِ طالقٌ إذا قَدِمَ زيدٌ للسُّنَّةِ. فقَدم زيدٌ (١٢) فى زَمانِ السُّنَّةِ، طَلُقَتْ. وإن قَدِمَ فى زمانِ البِدْعةِ، لم يَقَعْ، حتى إذا صارَت إلى

стр. 5301

زمانِ السُّنَّةِ وقَعَ، ويَصيرُ كأنَّه قال حينَ قَدِمَ زيدٌ: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ؛ لأنَّه أوْقعَ الطَّلاقَ بقُدومِ زيدٍ على صِفَةٍ، فلا يقَعُ إلَّا عليها. وإن قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ إذا قَدِمَ زيدٌ. قبلَ أن يَدْخُلَ بها، طَلُقَتْ عند قُدومِه، حائضًا كانت أو طاهرًا؛ لأنَّها لا سُنَّةَ لطَلاقِها ولا بِدْعة. وإن قَدِمَ بعدَ دُخولِه بها، وهى فى (١٣) طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، طَلُقَتْ. وإن قَدِمَ فى زمنِ البِدْعةِ، لم تَطْلُقْ حتى يَجِىءَ زمنُ السُّنَّةِ؛ لأنها صارت مِمَّن لطَلاقِها سُنَّةٌ وبِدْعةٌ. وإن قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ للسُّنَّةِ. فكان رأسُ الشَّهْرِ فى زمانِ السُّنَّةِ، وقَعَ، وإلَّا وقَعَ إذا جاءَ زمانُ السُّنَّةِ. ١٢٥١ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ قَالَ لَهَا، وَهِىَ حَائِضٌ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ. طَلُقَتْ مِنْ وَقْتِهَا، لأَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِيهِ وَلَا بِدْعَةَ) قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العلماءُ أَنَّ طلاقَ السُّنَّةِ إنَّما هو للمَدْخولِ بها، أمَّا غيرُ المَدْخولِ بها، فليس لطلاقِها سُنَّةٌ ولا بِدْعةٌ، إلا فى عَدَدِ الطَّلاقِ، على اخْتلافٍ بينهم فيه؛ وذلك لأنَّ الطَّلاقَ فى حَقِّ المدخولِ بها إذا كانت من ذَواتِ الأقْرَاءِ إنَّما كان له سُنَّةٌ وبدعةٌ؛ لأنَّ العِدَّةَ تَطولُ عليها بالطَّلاقِ فى الحَيْضِ، وتَرْتابُ بالطَّلاقِ فى الطُّهْرِ الذى جامَعَها فيه، ويَنْتَفِى عنها الأمْرانِ بالطَّلاقِ فى الطُّهْرِ الذى لم يُجامِعْها فيه، أمَّا غيرُ المدخولِ بها، فلا عِدَّةَ عليها تَنْفِى تَطْويلَها أو الارْتيابَ فيها، وكذلك ذَواتُ الأشْهُرِ؛ كالصَّغيرةِ التى لم تَحِضْ، والآيِسَاتِ من (١) الْمَحِيض لا سُنَّةَ لطلاقِهِنَّ ولا بِدْعةَ؛ لأنَّ العِدَّةَ لا تَطُولُ بطلاقِها فى حالٍ، ولا تَحملُ فتَرْتابُ. وكذلك الحامِلُ التى اسْتبانَ حَمْلُها، فهؤلاء كلُّهنَّ ليس لطلاقِهنَّ سُنَّةٌ ولا بِدْعةٌ مِن جهَةِ الوقتِ، فى قَوْلِ أصحابِنا. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ، كثير مِن أهلِ العلمِ. فإذا قالَ لإحْدَى هؤلاءِ: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ أو للبِدْعةِ. وقَعتِ الطَّلْقةُ فى الحالِ، ولَغَتِ الصِّفةُ؛ لأنَّ طلاقَها لا يَتَّصِفُ بذلك،

стр. 5302

فصار كأنَّه قال: أنتِ طالقٌ. ولم يَزِدْ. وكذلك إن قال: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ والبِدْعةِ. أو قال: أنتِ طالقٌ لا للسُّنَّةِ ولا للبِدْعةِ. طَلُقَتْ فى الحالِ؛ لأنَّه وصَفَ الطَّلْقةَ بصِفَتِها. ويَحْتَمِلُ كلامُ الْخِرَقِىِّ أن يكونَ للحاملِ طلاقُ سُنَّةٍ؛ لأنَّه طلاقٌ أُمِرَ به بقولِه ﷺ : "ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا" (٢). وهو أيضًا ظاهرُ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال: أذْهَبُ إلى حديثِ سالمٍ عن أبيه. يعنى هذا الحديثَ. ولأنَّها فى حالٍ انْتقلتْ (٣) إليها بعدَ زَمَنِ البِدْعةِ، ويُمْكِنُ أن تَنتقِلَ عنها إلى زمانِ البِدْعةِ، فكان طلاقُها طلاقَ سُنَّةٍ، كالطَّاهرِ مِنَ الحَيْض مِن غيرِ مُجَامَعَةٍ. ويَتَفَرَّعُ مِن هذا، أنَّه لو قال لها: أنتِ طالقٌ للبِدْعةِ. لم تَطْلُقْ فى الحالِ، فإذا وضَعتِ الحَمْلَ طَلُقَتْ؛ لأنَّ النِّفَاسَ زمانُ بِدْعةٍ، كالحَيْضِ. فصل: وإن قال لصغيرةٍ أو غيرِ مدخولٍ بها: أنتِ طالقٌ للبِدْعةِ. ثم قال: أرَدْتُ إذا حاضتِ الصَّغيرةُ، أو أُصيبتْ غيرُ المدخولِ بها. أو قال لهما: أنتُما طالقتانِ للسُّنَّةِ. وقال: أرَدْتُ طلاقَهما فى زمن يَصيرُ طلاقُهما فيه للسُّنَّةِ. دِينَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى. وهل يُقْبَلُ فى الحُكمِ؟ فيه وَجْهانِ، ذكَرَهُما القاضى؛ أحدُهما، لا يُقبَلُ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهرِ، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ. ثم قال: أردتُ إذا دخَلتِ الدَّارَ. والثانى. يُقبَلُ. وهو أشْبَهُ (٤) بمذهبِ أحمدَ؛ لأنَّه فسَّرَ كلامَه بما يَحْتمِلُه، فقيل: كما لو قال: أنتِ طالقٌ، أنت طالقٌ. وقال: أرَدْتُ بالثَّانيةِ إفْهامَها. فصل: وإذا قال لها فى طُهْرٍ جامعَها فيه: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ. فيَئِستْ مِنَ الْمَحِيض، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه وَصَفَ طلاقَها بأنَّه للسُّنَّةِ فى زمنٍ يَصْلُحُ له، فإذا صارت آيِسَةً، فليس لطلاقِها سُنَّةٌ، فلم تُوجَدِ الصِّفَةُ، فلا يَقَعَ. وكذلك إن اسْتبانَ حَمْلُها،

стр. 5303

لم يقَعْ أيضًا، إلَّا على قولِ مَنْ جعلَ طلاقَ الحاملِ طلاقَ سُنَّةٍ، فإنّه يَنْبَغِى أن يَقَعَ؛ لوُجودِ الصِّفَةِ، كما لو حاضَتْ ثم طَهُرَتْ. فصل: إذا قال لها (٥): أنتِ طالقٌ فى كلِّ قَرْءٍ طَلْقةً. وهى مِن ذَواتِ القَرْءِ، وقعَ فى كلِّ قَرْءٍ طلقةٌ. فإن كانت فى القَرْءِ، وقَعتْ بها واحدةٌ فى الحالِ، ووقَعَ بها طَلْقتانِ فى قَرْأيْنِ آخَرينِ فى أوَّلِهما، سَواءٌ قُلْنا: القَرْءُ الحيضُ أو الأطْهَارُ. وسَواءٌ كانت مَدْخولًا بها أو غيرَ مَدْخولٍ بها، إلا أَنَّ غيرَ المدخولِ بها تَبِينُ بالطَّلْقةِ الأُولَى، فإن تَزوَّجَها، وقَعَ بها فى القَرْءِ الثَّانى طَلْقةٌ أُخْرَى. وكذلك الحُكْمُ فى الثَّالثةِ. وإن كانت صغيرةً، وقُلْنا: القَرْءُ الحَيْضُ. لم تَطْلُقْ حتى تَحِيضَ، فَتَطْلُقَ فى كلِّ حَيْضةٍ طَلْقةً. وإن قُلْنا: القَرْءُ الأطْهارُ. احْتَمَلَ أن تَطْلُقَ فى الحالِ واحدةً، ثم لا تَطْلُقُ حتى تَحِيضَ، ثم تَطْهُرَ فتَطْلُقَ الثَّانيةَ، ثم الثَّالثةَ فى الطُّهْرِ الآخَرِ (٦)؛ لأنَّ الطُّهْرَ قبلَ الحَيْضِ كلَّه قَرْءٌ واحدٌ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَطْلُقَ حتى تَطْهُرَ بعدَ الحَيْضِ؛ لأنَّ القَرْءَ هو الطُّهْرُ بينَ الحَيْضتَيْنِ (٧). وكذلك لو حاضتِ الصَّغيرةُ فى عِدَّتِها، لم تَحْتسبْ بالطُّهْرِ الذى قبلَ الحَيْض مِن عِدَّتِها، فى أحدِ الوَجْهينِ. والحُكمُ فى الحاملِ كالحُكْمِ فى الصَّغيرةِ؛ لأنَّ زمنَ الحمْلِ كلَّه قَرْءٌ واحدٌ، فى أحد الْوَجْهَيْنِ، إذا قُلْنا: الأقْراءُ الأطْهارُ. والوَجْهُ الآخَرُ، ليس بقَرْءٍ على كلِّ حالٍ. وإن كانت آيِسَةً، فقال القاضى: تَطْلُقُ واحدةً على كل حالٍ؛ لأنَّه علَّقَ طلاقَها بصِفَةٍ تَسْتحِيلُ فيها، فلَغَتِ الصِّفَةُ (٨) ووقعَ بها الطَّلاقُ، كما لو قال لها: أنتِ طالقٌ للبِدْعةِ. وإذا طَلُقَتِ الحاملُ فى حالِ حَمْلِها، بانَتْ بوَضْعِه؛ لأنَّ عِدَّتَها تَنْقضِى به، فلم يَلْحَقْها طلاقٌ آخَرُ. فإن اسْتأْنَفَ نكاحَها، أو رَاجعَها قبلَ وَضْعِ حَمْلِهْا، ثم طَهُرَتْ مِنَ النِّفاسِ، طَلُقَتْ أُخْرَى، ثم إذا حاضَتْ ثم طَهُرَتْ، وقَعتِ الثَّالثةُ.

стр. 5304

فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ، إن كان الطَّلاقُ يَقعُ عليكِ للسُّنَّةِ. وهى فى زمنِ السُّنَّةِ، طَلُقَتْ بوُجودِ الصِّفَةِ. وإن لم تكُنْ فى زمنِ السُّنَّةِ، انْحلتِ الصِّفَةُ، ولم يَقَعْ بحالٍ؛ لأنّ الشَّرْطَ ما وُجِدَ. وكذلك إن قال: أنتِ طالقٌ للبِدْعةِ، إن كان الطَّلاقُ يقَعُ عليكِ للبِدْعةِ. إن كانت فى زمنِ البِدْعةِ، وقعَ، وإلَّا لم يَقَعْ بحالٍ. فإن كانت مِمَّن لا سُنَّةَ لطلاقِها ولا بِدْعةَ، فذكَرَ القاضى فيها احْتمالَيْن؛ أحدهما، لا يَقعُ فى المسألتَيْنِ؛ لأنَّ الصِّفَةَ ما وُجِدَتْ، فأشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالقٌ، إن كُنتِ هاشِميَّةً. ولم تَكُنْ هاشِميَّةً. والثَّانى، تَطْلُقُ؛ لأنَّه شَرَطَ لوِقُوعِ الطَّلْقةِ شَرْطًا مُسْتحِيلًا، فلَغَى، ووَقعَ الطَّلاقُ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ. والأوَّلُ أشْبَهُ. وللشَّافعيَّةِ وَجْهانِ كهذيْنِ. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ أحسنَ الطَّلاقِ، أو أجْمَلَه، أو أعْدَلَه، أو أكْملَه، أو أتَمَّه، أو أفْضلَه، أو قال: طَلْقة حَسَنةً، أو جميلةً، أو عَدْلَةً، أو سُنِّيَّةً. كان ذلك كلُّه عبارةً عن طَلاقِ السُّنَّةِ. وبه قال الشَّافعىُّ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إذا قال: أعْدلَ الطَّلاقِ أو أحْسنَه، ونحوَه، كقَوْلِنا. وإن قال: طَلْقةً سُنِّيةً أو عَدْلَةً. وقَعَ الطَّلاقُ فى الحالِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا يَتَّصِفُ بالوَقْتِ، والسُّنَّةُ والبِدْعةُ وقتٌ، فإذا وصفَها بما لا تَتَّصِفُ به، سقَطتِ الصِّفَةُ، كما لو قال لغيرِ المدخولِ بها: أنتِ طالقٌ طَلْقةً رجعيَّةً (٩). أو قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ والبِدْعةِ (١٠). ولَنا، أنَّ ذلك عبارةٌ عن طلاقِ السُّنَّةِ، ويَصِحُّ وَصْفُ الطَّلاقِ بالسُّنَّةِ والحُسْنِ؛ لكَوْنِه فى ذلك الوقتِ مُوافِقًا للسُّنَّةِ، مُطَابِقًا للشَّرْعِ، فهو كقولِه: أحْسَنَ الطَّلاقِ. وفارقَ قولَه: طَلْقةً (١١) رَجْعيَّةً؛ لأنَّ الرَّجْعةَ لا تَكونُ إلَّا فى عِدَّةٍ، ولا عِدَّةَ لها، فلا يَحْصُلُ ذلك بقولِه. فإن قال: نَويْتُ بقولِى: أعْدلَ الطَّلاقِ. وُقوعَه فى حالِ الحيضِ؛ لأنَّه أشْبَهُ بأخْلاقِها القَبِيحةِ، ولم أُرِدِ الوقتَ. وكانت فى الحَيْضِ، وقعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّه إقْرارٌ على نفسِه بما فيه تغْلِيظٌ. وإن

стр. 5305

كانت فى حالِ السُّنَّةِ، دِينَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى. وهل يُقبَلُ فى الحُكمِ؟ على وَجْهَيْنِ، كما تقدَّم. فصل: فإن عَكَسَ، فقال: أنتِ طالقٌ أقْبَحَ الطَّلاقِ، وأسْمَجَه، أو أفحشَه، أو أنْتَنَه، أو أرْدأَه. حُمِلَ على طَلاقِ البِدْعةِ، فإن كانت فى وقتِ البِدْعةِ، وإلَّا وقفَ على مَجىءِ زمانِ البِدْعةِ. وحُكِىَ عن أبى بكرٍ، أنَّه يَقَعُ ثلاثًا، إن قُلْنا: إنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ بدْعةٌ. ويَنْبغِى أن تَقَعَ الثَّلاثُ فى وقتِ البِدْعةِ؛ ليكونَ جامعًا لبِدْعَتَى الطَّلاقِ، فيكونُ أَقْبَحَ الطَّلاقِ. وإن نَوَى بذلك غيرَ طلاقِ البِدْعةِ، نحوَ أن يَقولَ: إنَّما أرَدْتُ أَنَّ طلاقَك أقبحُ الطَّلاقِ؛ لأنَّك لا تَسْتحِقِّينَه؛ لحُسْنِ عِشْرَتِك، وجَميلِ طَريقتِك. وقعَ فى الحالِ. وإن قال: أرَدْتُ بذلك طلاقَ السُّنَّةِ، ليتأخَّرَ الطَّلاقُ عن نفسِه إلى زمنِ السُّنَّةِ. لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ لفظَه لا يَحْتمِلُه. وإن قال: أنتِ طالق طَلْقةً حَسَنةً قَبِيحةً، فاحِشَةً جميلةً، تامَّة ناقِصةً. وقعَ فى الحالِ؛ لأنَّه وصَفَها بصِفَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ، فلَغَيا، وبَقِىَ مُجرَّدُ الطَّلاقِ. فإن قال: أردتُ أنَّها حسنةٌ لكونِها فى زمانِ السُّنَّةِ، وقبيحةٌ (١٢) لإِضْرارِها بك. أو قال: أرَدْتُ أنَّها حَسَنةٌ لتخْليصِى مِن شَرِّك وسُوءِ [عِشْرَتَكِ و] (١٣) خُلُقكِ، وقبيحةٌ لكَوْنِها فى زمانِ البِدْعةِ. وكان ذلك يُؤخِّرُ وُقوعَ الطَّلاقِ عنه، دِينَ. وهل يُقْبَلُ فى الحُكمِ؟ يُخَرَّجُ على وَجْهَيْنِ. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طلاقَ الحَرَجِ، فقال القاضى: معناه طلاقُ البِدْعةِ؛ لأنَّ الحَرَجَ الضِّيقُ والإثْمُ، فكأنَّه قال: طلاقُ الإِثْمِ، وطلاقُ البدعةِ طلاقُ إثمٍ. وحَكَى ابنُ الْمُنذِرِ، عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه يَقَعُ ثلاثًا؛ لأنَّ الحَرَجَ الضِّيقُ، والذى يُضَيِّقُ عليه، ويَمْنعُه الرُّجوجَ إليها، ويَمْنعُها الرُّجوعَ إليه، هو الثَّلاثُ، وهو مع ذلك طلاقُ بِدْعةٍ، وفيه إثْمٌ، فيَجْتمِعُ عليه الأمرانِ: الضِّيقُ والإِثْمُ. وإن قال: طلاقَ

стр. 5306

الحَرَجِ والسُّنَّةِ. كان كقولِه: طلاقَ البِدْعةِ والسُّنَّةِ. ١٢٥٢ - مسألة؛ قال: (وَطَلَاقُ الزَّائِلِ الْعَقْلِ بِلَا سُكْرِ، لَا (١) يَقَعُ) أجْمعَ أهلُ العلمِ على أَنَّ الزَّائلَ العقلِ بغيرِ (٢) سُكرٍ، أو ما فى مَعْناه، لا يَقَعُ طَلاقُه. كذلك قال عمانُ، وعلىٌّ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبىُّ، وأبو قِلابَةَ، وقَتَادَةُ، والزُّهْرِىُّ، ويحيى الأنصارِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وأجْمَعُوا على أَنَّ الرَّجُلَ إذا طلَّقَ فى حالِ نومِه، فلا طَلاقَ له. وقد ثَبَتَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ (٣) " (٤). ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ، إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ". روَاه النَّجَّادُ (٥). وقال التِّرْمِذِىُّ: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ عَطاءِ بن عَجْلانَ، وهو ذاهِبُ الحديثِ. ورَوَى بإسنادِه عن علِىٍّ مثلَ ذلك (٦). ولأنَّه قولٌ يُزيلُ المِلْكَ، فاعتُبِرَ له العقلُ، كالبيعِ. وسواءٌ زال عقلُه لجنونٍ، أو إغْماءٍ، أو نَومٍ، أو شُرْبِ دَاوءٍ، أو إكْراهٍ على شُربِ خمرٍ، أو شَرِبَ ما يُزيلُ [عَقْلَه شُرْبُه] (٧)، ولا يَعلمُ أنَّه مُزِيَلٌ للعقلِ، فكلُّ هذا يَمْنَعُ وقوعَ الطَّلاقِ، روايةً واحدةً، ولا نَعلمُ فيه خلافًا. فأمَّا إن شَرِبَ

стр. 5307

البَنْجَ ونحوَه ممَّا يُزيلُ عَقْلَه، عالِمًا به، مُتَلاعِبًا، فحُكْمُه حُكْمُ السَّكرانِ فى طَلاقِه. وبهذا قال أصحابُ الشَّافعىِّ، وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: لا يَقَعُ طلاقُه؛ لأنَّه لا يَلتذُّ بِشُرْبِها. ولَنا، أنَّه زالَ عقلُه بمَعْصِيَةٍ، فأشْبَهَ السَّكرانَ. فصل: قال أحمدُ، فى المُغْمَى عليه إذا طلَّقَ، فلمَّا أفاقَ عَلِمَ أنَّه كان مُغْمًى عليه، وهو ذاكرٌ لذلك، فقال: إذا كان ذاكِرًا لذلك، فليس هو مُغْمًى عليه، يَجوزُ طلاقُه. وقال، فى روايةِ أبى طالبٍ، فى المجنونِ يُطَلِّقُ، فقيل له بعدَ ما أفاقَ: إنَّك طَلَّقْتَ امرأتُك. فقال: أنا أذكُرُ أنِّى طَلَّقْتُ، ولم يَكُنْ عقلى معى. فقال: إذا كان يَذكُرُ أنَّه طلَّقَ، فقد طَلُقَتْ. فلم يَجْعلْه مجنونًا إذا كان يذَكُرُ الطَّلاقَ، ويَعلمُ به. وهذا، واللَّهُ أعلمُ، فى مَن جُنونُه بِذَهابِ معرفتِه بالكُلِّيَّةِ، وبُطْلانِ حَواسِّه، فأمَّا مَن كان جنونُه لنشافٍ أو كان مُبَرْسَمًا، فإنَّه يَسقطُ حُكمُ تَصَرُّفِه، مع أَنَّ معرفتَه غيرُ ذاهبةٍ بالكُلِّيَّةِ، فلا يَضُرُّه ذكْرُه للطَّلاقِ، إن شاءَ اللَّه تعالى. ١٢٥٣ - مسألة؛ قال: (وَعَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ، ﵀، فِى السَّكْرَانِ رِوَايَاتٌ؛ رِوَايَةٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ. وَرِوَايَةٌ لَا يَقَعُ. وَرِوَايَةٌ يَتَوَقَّفُ عَنِ الْجَوَابِ، وَيَقُولُ: قَدِ اخْتَلَفَ فِيه أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -) أمَّا التَّوقُّفُ عن الجوابِ، فليس بقولٍ فى المسألةِ، إنَّما هو تَرْكٌ للقَوْلَ فيها، وتَوقُّفٌ عنها، لتَعارُض الأدلَّةِ فيها، وإشكالِ دليلِها. ويَبقَى فى المسألةِ روايَتانِ؛ إحداهما، يَقَعُ طلاقُه. اخْتارَها أبو بكرٍ الْخَلَّالُ، والقاضى. وهو مذهبُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، ومُجاهدٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، ومَيْمُونِ بنِ مِهْرَانَ، والحَكَمِ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافعىِّ [فى أحدِ قولَيْه] (١) وابنِ شُبْرُمةَ، وأبى حنيفةَ، وصاحبَيْه، وسليمانَ بنِ حربٍ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "كُلُّ الطَّلَاقِ

стр. 5308

جَائِزٌ، إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوْهِ" (٢). ومثلُ هذا عن عَلِىٍّ، ومعاويةَ، وابن عبَّاسٍ، قال ابنُ عبَّاسٍ (٣): طلاقُ السَّكْرانِ جائزٌ، إن رَكِبَ مَعْصيةً مِن مَعَاصِى اللَّهِ نَفَعَه ذلك! ولأنَّ الصَّحابةَ جعلوه كالصَّاحى فى الحَدِّ بالقَذْفِ؛ بدليلِ ما روَى أبو وَبْرَة الكَلْبِىُّ، قال: أرْسَلِنى خالدٌ إلى عمرَ، فأتيتُه فى المسجدِ، ومعه عثمانُ، وَعَلِىٌّ، وعبدُ الرَّحمنِ، وطَلْحَةُ، والزَّبَيْرُ، فقلتُ: إنَ خالدًا يقولُ: إنَّ النَّاسَ انْهَمكُوا فى الخمرِ، وتَحَاقَرُوا العُقُوَبةَ. فقال عمرُ: هؤلاءِ عندَك فسَلْهُم. فقال عَلِىٌّ: نَراه إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْترَى، وعلى الْمُفْتَرِى ثمانون. فقال عمرُ: أبلِغْ صاحبَك ما قالَ (٤). فجعلوه كالصَّاحِى، ولأنَّه إيقاعٌ للطَّلاقِ مِن مُكَلَّفٍ غيرِ مُكْرَهٍ صَادفَ مِلْكَه، فوجبَ أن يَقعَ، كطلاقِ الصَّاحِى، ويَدُلُّ على تكْليفِه أنَّه يُقتَلُ بالقَتْلِ، ويُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ، وبهذا فَارقَ المجنونَ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يَقعُ طَلاقُه. اخْتارَها أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ. وهو قولُ عثمانَ (٥)، رَضِىَ اللَّهُ عنه. ومذهبُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والقاسمِ، وطاوُسٍ، ورَبِيعةَ، ويحيى الأنْصارِىِّ، واللَّيْثِ، والعَنْبَرِىِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثورٍ، والمُزَنِىِّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا ثابتٌ عَن عثمانَ، ولا نَعلمُ أحدًا مِنَ الصَّحابةِ خالفَه. وقال أحمدُ: حديثُ عثمانَ أرْفَعُ شىءٍ فيه، وهو أصَحُّ. يعنى مِن حديثِ عَلِىٍّ، وحديثُ الْأَعْمَشِ، منصورٌ لا يَرفعُه إلى عَلِىٍّ. ولأنَّه زائلُ العقلِ، أشْبَهَ المجنونَ، والنَّائمَ، ولأنَّه مفقودُ

стр. 5309

الإِرادةِ، أشْبَهَ المُكْرَه، ولأنَّ العقلَ شرطُ التَّكْليفِ (٦)؛ إذ هو عبارةٌ عن الخطابِ بأمْرٍ أو نَهْىٍ، لا يَتوجَّهُ ذلك إلى مَنْ لا يَفْهَمُه، ولا فرقَ بين زوالِ الشَّرْطِ بمَعْصِيَةٍ أِو غيرِها؛ بدليلِ أَنَّ مَن كسَرَ ساقَيْه جازَ له أن يُصلِّىَ قاعدًا، ولو ضرَبتِ المرأةُ بطنَها، فنَفِسَتْ، سقَطتْ عنها الصَّلاةُ، ولو ضربَ رأسَه فجُنَّ، سقطَ التَّكليفُ. وحديثُ أبى هريرة لا يَثْبُتُ، وأمَّا قَتْلُه وسَرِقتُه، فهو كمسْألتِنا. فصل: والحُكمُ فى عِتْقِه، ونذرِه، وبَيْعِه، وشِرَائِه، ورِدَّتِه، وإقْرارِه، وقَتْلِه، وقَذْفِه، وسَرِقَتِه، كالحُكمِ فى طَلاقِه؛ لأنَّ المعنى فى الجميعِ واحدٌ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ فى بيعِه وشرائِه الرِّواياتُ الثَّلاثُ. وسأله ابنُ منصورٍ: إذا طلقَ السّكرانُ، أو سَرَقَ، أو زَنَى، أو افْتَرى، أو اشْتَرى، أو باعَ. فقال: أجْبُنُ عنه، لا يَصِحُّ مِن أمرِ السَّكرانِ شىءٌ. وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامد: حُكمُ السَّكْرانِ حُكْمُ الصَّاحِى فيما له وفيما عليه؛ فأمَّا فيما له وعليه، كالبيعِ، والنِّكاحِ، والمُعَاوَضَاتِ، فهو كالمجنونِ، لا يَصِحُّ له شىءٌ. وقد أوْمأَ إليه أحمدُ، والأَوْلَى أن مالَه أيضًا لا يَصِحُّ منه؛ لأنَّ تَصْحِيحَ تَصرُّفاتِه فيما عليه مُؤَاخَذَةْ له، وليس مِنَ المؤاخذةِ تصْحِيحُ تَصرُّفٍ له. فصل: وحَدُّ السُّكْرِ الذى يَقعُ الخلافُ فى صاحبِه، هو الذى يَجْعلُه يَخْلِطُ فى كلامِه، ولا يَعْرِفُ رِدَاءَه مِن رداءِ غيرِه، ونَعْلَه مِن نعلِ غيرِه، ونحوه؛ ذلك لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٧). فجَعَلَ علامةَ زَوَالِ السُّكرِ عِلْمَه ما يَقولُ. ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: اسْتَقْرِئُوه القرآنَ، أو ألْقُوا رداءَه فى الأرْدِيَةِ، فإنْ قرأ أُمَّ القرآنِ، أو عَرَفَ رداءَه، وإلَّا فأقِمْ عليه الحَدَّ (٨). ولا يُعْتَبَرُ أن لا يَعرِفَ السَّماءَ مِنَ الأَرضِ، ولا الذَّكرَ مِنَ الأُنثَى؛ لأنَّ ذلك لا يَخْفَى على المجنونِ، فعليه أَوْلَى. ١٢٥٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِىُّ الطَّلَاقَ، فَطَلَّقَ، لَزِمَهُ) أمَّا الصَّبِىُّ الذى لا يَعْقِلُ؛ فلا خلافَ فى أنَّه لا طلاقَ له، وأمَّا الذى يَعقِلُ (١)

стр. 5310

الطَّلاقَ، ويَعْلمُ أَنَّ زَوْجتَه تَبِينُ به، وتَحْرُمُ عليه، فأكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ أَنَّ طلاقَه يَقعُ. اختارَها أبو بكرٍ، والخِرَقِىُّ، وابنُ حامدٍ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعطاءٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِىِّ، وإسحاقَ. ورَوَى أبو طالبٍ، عن أحمدَ: لا يَجوزُ طلاقُه حتى يَحتَلِمَ. وهو قولُ النَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، وحمَّادٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ. وذكَرَ أبو عُبَيْدٍ، أنَّه قولُ أهلِ العراقِ وأهلِ الحجازِ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ" (٢). ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فلم يَقَعْ طلاقُه كالمجنونِ. ووَجْهُ الأُولَى قولُه ﵇: "الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ" (٣). وقولُه: "كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ" (٤). ورُوِىَ عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: اكْتُمُوا الصِّبيانَ النِّكاحَ (٥). فيُفْهَمُ منه أَنَّ فائدتَه أن لا يُطَلِّقُوا. ولأنَّه طلاقٌ مِن عاقلٍ صادفَ مَحَلَّ الطَّلاقِ، فوقَعَ، كطلاقِ البالغِ. فصل: وأكْثرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ، تحديدُ مَن يَقعُ طلاقُه مِنَ الصِّبيانِ بكونِه يَعْقِلُ. وهو اختيارُ القاضى. ورَوَى عن أحمدَ أبو الحارثِ: إذا عَقَلَ الطَّلاقَ، جازَ طلاقُه، ما بين عَشْرٍ إلى اثنَتَىْ عَشْرَةَ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا يَقَعُ لِدُونِ العَشْرِ. وهو اخْتيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّ العَشْرَ حدٌّ للضَّربِ على الصَّلاةِ والصِّيَامِ، وصحَّةِ الوصِيَّةِ، فكذلك هذا. وعن سعيدِ بن المُسَيَّبِ: إذا أحْصَى الصَّلاةَ، وصامَ رمضانَ، جازَ طلاقُه. وقال عطاءٌ: إذا بَلَغ أنَّ يُصِيبَ النِّساءَ. وعن الحسنِ: إذا عَقَلَ، وحَفِظَ الصَّلاةَ، وصامَ رمضانَ. وقال إسحاقُ: إذا جَازَ (٦) اثْنَتَىْ عَشْرَةَ. فصل: ومَن أجازَ طلاقَ الصَّبِىِّ، اقْتَضَى مذهبُه أن يَجُوزَ تَوْكيلُه فيه، وتَوَكُّلُه لغيرِه. وقد أَوْمَأَ إليه أحمدُ، فقال، فى رجلٍ قال لصَبىٍّ: طَلِّقِ امرأتى. فقال: قد طَلَّقْتُكِ

стр. 5311

ثلاثًا. لا يَجوزُ عليها (٧) حتى يَعْقِلَ الطَّلاقَ. فقيل له: فإن كانت له زَوْجةٌ صبِيَّةٌ، فقالت: صَيِّرْ أمْرِى إلىَّ. فقال لها: أمرُك بيدك. فقالت: قد اخترتُ نفسى. فقال أحمد: ليس بشىءٍ حتى يكونَ مثلُها يَعقِلُ الطَّلاقَ. وقال أبو بكرٍ: لا يَصِحُّ أن يُوكِّلَ حتى يَبلُغَ. وحكاه عن أحمدَ. [ولَنا، أَنَّ مَن صَحَّ تَصرُّفُه فى شىءٍ ممَّا تَجوزُ الوِكَالةُ فيه بنفسِه، صحَّ تَوكيلُه ووكالتُه فيه، كالبالغِ، وما رُوِىَ عن أحمدَ مِن مَنْعِ ذلك، فهو على الرِّوايةِ التى لا تُجيزُ طَلاقَه، إن شاءَ اللَّهُ تعالى] (٨). فصل: فأمَّا السَّفِيهُ، فيَقعُ طلاقُه، فى قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم القاسِمُ بنُ محمَّدٍ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه. ومَنَعَ منه عطاءٌ. والأوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّه مُكلَّفٌ، مَالِكٌ لمَحَلِّ الطَّلاقِ، فوقعَ طلاقُه كالرَّشيدِ، والحَجْرُ عليه فى مالِه لا يَمْنَعُ تَصرُّفَه فى غيرِ ما هو محجورٌ عليه فيه، كالمُفْلِس. ١٢٥٥ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ، لَمْ يَلْزَمْهُ) لا تخْتلِفُ الرِّوايةُ عن أحمدَ، أَنَّ طلاقَ المُكْرَهِ لا يَقعُ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعَلِىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عبَّاسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وجابرِ بنِ سَمُرَةَ. وبه قال عبدُ اللَّه بنُ عُبَيدِ ابن عُميَرٍ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وشُرَيحٌ، وعطاءٌ، وطاوُسٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وابنُ عَوْنٍ، وأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِىُّ، ومالكٌ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وأبو عُبَيدٍ. وأجازَه أبو قِلَابةَ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والثَّورِىُّ، وأبو حنيفةَ وصاحباه؛ لأنَّه طلاقٌ مِن مُكلَّفٍ، فى مَحَلٍّ يَمْلِكُه، فيَنْفُذُ (١)، كطلاقِ غيرِ المُكْرَهِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِى الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوْا عَلَيْهِ". رَوَاه ابنُ ماجَه (٢). وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها،

стр. 5312

قالتْ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "لَا طَلَاقَ فِى إِغْلَاقٍ". رواه أبو داودَ (٣)، والأَثْرَمُ، قال أبو عُبَيدٍ، والقُتَيْبِىُّ (٤): معناه: فى إكراهٍ. وقال أبو بكرٍ: سألتُ ابنَ دُرَيدِ وأبا طاهرٍ النَّحْوِيَّيْنِ، فقالا: يُريدُ الإِكْراهَ؛ لأنَّه إذا أُكرِهَ انْغلَقَ (٥) عليه رأيه. ويَدخلُ فى هذا المعنى المُبَرْسَمُ إجماعًا؛ ولأنَّه قولٌ حُمِلَ عليه بغيرِ حقٍّ، فلم يَثْبُتْ له. حُكمٌ، ككلمةِ الكُفرِ إذا أكرِهَ عليها. فصل: وإن كان الإِكْراهُ بحقٍّ، نحو إكْراهِ الحاكمِ المُولِى على الطَّلاقِ بعدَ التَّربُّصِ إذا لم يَفِئْ، وإكراهِه الرَّجُلَيْنِ اللذَيْنِ زَوَّجَهُما وَلِيَّانِ، ولم (٦) يُعْلَمِ السابقُ منهما على الطَّلاقِ، وَقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّه قولٌ حُمِلَ عليه بحقٍّ، فصَحَّ، كإسْلامِ المُرتَدِّ إذا أُكْرِهَ عليه، ولأنه إنَّما جازَ إكْراهُه على الطَّلاقِ ليَقعَ طلاقُه، فلو لم يَقَعْ لم [يَحْصُلِ المقصودُ] (٧). ١٢٥٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَكُوْنُ مُكْرَهًا حَتَّى يُنَالَ بِشَىْءٍ مِنَ الْعَذَابِ، مِثْلِ الضَّرْبِ أَو الْخَنْقِ أَوْ عَصْرِ السَّاقِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَلَا يَكُونُ التَّوَاعُدُ إِكْرَاهًا (١)) أمَّا إذا نِيلَ بشىءٍ مِنَ العذابِ، كالضَّربِ، والخَنْقِ، والعَصْرِ، والحَبْسِ، والغَطِّ فى الماءِ مع الوعيدِ، فإنَّه يكونُ إكراهًا بلا إشْكالٍ، لما رُوِىَ أن المشركِينَ أخذوا عمَّارًا، فأرادُوه على الشِّرْكِ، فأعْطاهم، فانْتهىَ إليه النَّبِىُّ ﷺ وهو يَبْكِى، فجعلَ يَمْسَحُ الدُّموعَ عن

стр. 5313

عينَيْه، ويقولُ: "أَخَذَكَ الْمُشْركُونَ فَغَطُّوكَ فِى الْمَاءِ، وَأَمَرُوكَ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، فَفَعَلْتَ، فَإِنْ أخَذُوكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَافْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ". رَوَاه أبو حفصٍ بإسْنادِه (٢). وقال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ليس الرَّجلُ أمينًا على نفسِه إذا أجَعْتَه (٣)، أو ضربْتَه، أو أوثقْتَه (٤). وهذا يَقْتِضى وجودَ فعلٍ يكونُ به إكراهًا. فأمَّا الوَعِيدُ بمُفْرَدِه، فعن أحمدَ فيه رِوَايتانِ؛ إحداهما، ليس بإكْراهٍ؛ لأنَّ الذى وردَ الشَّرعُ بالرُّخْصةِ معه، هو ما وردَ فى حديثِ عمَّارٍ، وفيه أنَّهم: "أَخَذُوكَ فَغَطُّوكَ فِى الْمَاءِ". فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ إلَّا فيما كان مثلَه. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أَنَّ الوَعيدَ بمُفْرَدِه إكْراهٌ. قال فى روايةِ ابنِ منصورٍ: حَدُّ الإِكْراهِ إذا خافَ القَتْلَ، أو ضربًا شديدًا. وهذا قولُ أكثرِ الفقهاءِ. وبه يقولُ أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ؛ لأنَّ الإِكْراهَ لا يَكونُ إلَّا بالوعيد، فإنَّ الماضِىَ مِن العُقُوَبةِ لا يَنْدفِعُ بفِعْلِ ما أُكْرِهَ عليه، ولا يَخْشَى مِن وُقوعِه، وإنَّما أُبِيحَ له فِعلُ المُكْرَهِ عليه دَفْعًا لما يَتَوعَّدُه به مِنَ العقوبةِ فيما بعدُ، وهو فى الموضِعَيْنِ واحدٌ، ولأنَّه متى تَوعَّدَه بالقَتْلِ، وعَلِمَ أنَّه يَقتُلُه، فلم يُبَحْ له الفِعْلُ، أفْضَى إلى قَتْلِه، وإلْقائِه بيده إلى التَّهْلُكَةِ، ولا يُفيدُ ثُبُوتُ الرُّخْصةِ بالإِكْراهِ شيئًا؛ لأنَّه إذا طَلَّقَ فى هذه الحالِ، وقَع طلاقُه، فيَصِلُ المُكْرِهُ إلى مُرادِه، ويَقَعُ الضَّررُ بالمُكْرَهِ، وثبوتُ الإكْراهِ فى حقِّ مَن نِيلَ بشىءٍ مِنَ العذابِ لا يَنْفِى ثُبُوتَه فى حقِّ غيرِه، وقد رُوِىَ عن عُمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فى الذى تَدَلَّى يَشْتارُ عَسَلًا (٥)، فوقَفتِ امرأتُه على الحَبْلِ، وقالت: طلِّقْنِى ثلاثًا، وإلا قطَعْتُه، فذكَّرَها اللَّهَ والإِسْلامَ، فقالت: لَتَفْعَلَنَّ أو لأفْعلَنَّ. فطلَّقَها ثلاثًا، فرَدَّه إليها. رواه سعيدٌ (٦) بإسْنادِه. وهذا كان وَعِيدًا.

стр. 5314

فصل: ومِن شَرْطِ الإِكْراهِ ثلاثةُ أُمورٍ؛ أحدُها: أن يكونَ مِن قادرٍ بسُلْطانٍ، أو تَغَلُّبٍ، كاللِّصِّ ونحوِه. وحُكِىَ عَنِ الشَّعْبِىِّ: إن أكْرَهَه اللِّصُّ، لم يَقَعْ طلاقُه، وإن أكْرهَه السُّلطانُ وقَعَ. قال ابنُ عُيَيْنَةَ: لأَنَّ اللِّصَّ يَقتُلُه. وعمومُ ما ذكَرْناه فى دليلِ الإِكْراهِ يَتناولُ الجميِعَ، والذين أكْرَهُوا عَمَّارًا لم يكونوا لُصُوصًا، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ لعمَّارٍ: "إنْ عَادُوا فعُدْ". ولأنَّه إكراهٌ، فمَنَعَ وُقوعَ الطَّلاقِ، كإكْراهِ اللِّصِّ (٧). الثَّانى، أن يَغْلِبَ على ظَنِّه نزولُ الوعيدِ به، إن لم يُجِبْه إلى ما طلَبَه. الثَّالثُ، أن يكونَ ممَّا يسْتَضِرُّ به ضررًا كثيرًا، كالقَتْلِ، والضَّربِ الشَّدِيدِ، والقَيْدِ، والحَبْسِ الطَّوِيلِ (٨)، فأَمَّا الشَّتْمُ، والسَّبُّ، فليس بإكراهٍ، روايةً واحدةً، وكذلك أخْذُ المالِ اليَسِيرِ. فأمَّا الضَّرْبُ (٩) اليَسِيرُ فإن كان فى حَقِّ مَنْ لا يُبالِى به، فليس بإكْراهٍ، وإن كان [فى بعض] (١٠) ذوِى المَرُوءاتِ، على وَجْهٍ يكونُ إخراقًا (١١) بصاحبِه، وغَضًّا له، وشُهْرةً فى حَقِّه، فهو كالضَّرْبِ الكثيرِ فى حَقِّ غيرِه. وإن تُوُعِّدَ بتَعْذيبِ وَلَدِه، فقد قِيلَ: ليس بإكْراهٍ (١٢)؛ لأنَّ الضَّررَ لاحِقٌ بغيرِه، والأَوْلَى أن يكونَ إكراهًا؛ لأنَّ ذلك عندَه أعظمُ مِن أخْذِ مالِه، والوعيدُ بذلك إكراهٌ، فكذلك هذا. فصل: وإن أُكْرِهَ على طلاقِ امرأةٍ، فطلَّقَ غيرَها، وقعَ؛ لأنَّه غيرُ مُكْرَهٍ عليه. وإن أُكْرِهَ على طَلْقةٍ، فطلَّقَ (١٣) ثلاثًا، وقعَ أيضًا؛ لأنّه لم يُكْرَه على الثَّلاثِ. وإن طلَّقَ مَنْ أُكْرِهَ على طَلاقِها وغيرَها، وقعَ طلاقُ غيرِها دونَها. وإن خَلَصَتْ نِيَّتُه فى إيقاعِ (١٤) الطَّلاقِ

стр. 5315

دونَ دَفْعِ الإِكْراهِ، وقعَ؛ لأنَّه قصَدَه واختارَه، ويَحتمِلُ أن لا يَقَعَ؛ لأنَّ اللَّفظَ مَرْفوعٌ عنه، فلا يَبْقَى إلَّا مُجرّدُ النِّيَّةِ، فلا يَقعُ بها طلاقٌ. وإن طلَّقَ، ونَوَى بقلبِه غيرَ امرأتِه، أو تَأوَّلَ فى يمينِه، فله تأْويلهُ، ويُقبَلُ قولُه فى نِيَّتِه؛ لأنَّ الإِكْراهَ دليلٌ له على تَأْويلِه. وإن لم يتَأوَّلْ وقصدَها بالطَّلاقِ، لم يَقعْ؛ لأنَّه معذورٌ. وذكرَ أصحابُ الشَّافعىِّ وجهًا أنَّه يَقعُ؛ لأنَّه لا مُكْرِهَ له على نِيَّتِه. ولَنا، أنَّه مُكْرهٌ عليه، فلم يَقَعْ؛ لعُمومِ ما ذكَرْنا مِنَ الأدِلَّةِ، ولأنَّه قد لا يَحْضُرُه التَّأويلُ فى تلك الحالِ، فتفُوتُ الرُّخْصةُ.

стр. 5316

بابُ تصْريحِ الطَّلاقِ وغيره وجملةُ ذلك أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلا بلَفْظٍ، فلو نَوَاهُ بقَلْبِه مِن غيرِ لفظٍ، لم يَقَعْ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيْدٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، ويحيى بنُ أبى كَثِيرٍ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ أيضًا عن القاسِمِ، وسالِمٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِىِّ. وقال الزُّهرِىُّ: إذا عزَمَ على ذلك طَلُقَتْ. وقال ابنُ سِيرينَ، فى من طَلَّقَ فى نفسِه: أليس قد عَلِمَه اللَّهُ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ نَفْسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ". رَوَاه النَّسائىُّ، والتِّرمذىُّ (١). وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. ولأنَّه تَصرُّف يُزيلُ المِلكَ، فلم يَحْصُلْ بالنِّيَّةِ كالبيعِ والهِبَةِ. وإن نَواهُ بقلبه، وأشارَ بأصابعِه، لم يَقعْ أيضًا؛ لما ذكَرْناه. إذا ثَبَتَ أنَّه يُعتبرُ فيه اللَّفظُ، فاللَّفظُ يَنْقسِمُ فيه إلى صريحٍ وكنايةٍ، فالصَّريحُ يقَعُ به الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ، والكنايةُ لا يَقعُ بها الطَّلاقُ حتى يَنْوِيَه، أو يَأْتِىَ بما يَقومُ مقامَ نِيَّتِه. ١٢٥٧ - مسألة؛ قال: (وإِذَا قَالَ: قَدْ طَلَّقْتُكِ، أَوْ قَدْ فَارَقْتُكِ، أَوْ قَدْ سَرَّحْتُكِ. لَزِمَهَا الطَّلَاقُ) هذا يَقْتضِى أَنَّ صَرِيحَ الطَّلاقِ ثلاثةُ ألفاظٍ؛ الطَّلاقُ، والفِراقُ، والسَّرَاحُ، وما تَصرَّفَ مِنهنَّ. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. وذهبَ أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ، إلى أَنَّ صَرِيحَ الطَّلاقِ لفظُ الطَّلاقِ وحدَه، وما تَصرَّفَ منه لا غيرُ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، إلَّا أَنَّ مالكًا يُوقِعُ الطَّلاقَ به بغيرِ نِيَّةٍ؛ لأنَّ الكِناياتِ الظَّاهرةَ لا تَفْتقرُ عندَه إلى النِّيَّةِ. وحُجَّةُ هذا القولِ أنَّ لفظَ الفِراقِ والسَّراحِ يُسْتَعْملانِ فى غيرِ الطَّلاقِ كثيرًا، فلم يكونا

стр. 5317

صَرِيحيْنِ فيه كسائرِ كِنَاياتِه. ووَجْهُ الأوَّلِ أَنَّ هذه الألفاظَ ورد بها الكتابُ بمَعْنَى الفُرْقةِ بينَ الزَّوجينِ، فكانا صَرِيحينِ فيه، كلفظِ الطَّلاق، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٤). وقولُ ابنِ حامد أصَحُّ؛ فإنَّ الصَّريحَ فى الشَّىءِ ما كان نصا فيه، لا يَحْتمِلُ غيرَه، إلَّا احْتمالًا بعيدًا، ولفظةُ (٥) الفراقِ والسَّراحِ إنْ ورَدا فى القرآنِ بمعنى الفُرقةِ بينَ الزَّوْجَيْنِ، فقد وردا (٦) لغيرِ ذلك المعنى [فى القرآنِ] (٧) وفى العُرفِ كثيرًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٨). وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٩). فلا مَعْنَى لتَخْصِيصِه بفُرْقةِ (١٠) الطَّلاقِ، على أَنَّ قوله: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١١). لم يُرِدْ به الطَّلاقَ، وإنَّما هو تَرْكُ ارْتجاعِها، وكذلك قولُه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. ولا يَصِحُّ قياسُه على لفظِ الطَّلاقِ، فإنَّه مُخْتَصٌّ بذلك، سابِقٌ إلى الأفهامِ مِنْ غيرِ قرينةٍ ولا دَلالةٍ، بخلافِ الفِرَاقِ والسَّراحِ. فعلى كلا القولينِ، إذا قال: طلّقتُك، أو أنتِ طالقٌ، أو مُطلَّقةٌ. وقعَ الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ. وإن قال (١٢): فارَقتُك. أو قال (١٣): أنتِ مُفارَقةٌ، أو سرَّحتُك،

стр. 5318

أو أنتِ مُسَرَّحَةٌ. فمَنْ رَآهُ (١٤) صريحًا أوقعَ به الطَّلاقَ مِن غيرِ نِيَّةٍ، ومَن لم يَرَهُ صريحًا لم يُوقِعْه به، إلَّا أن يَنْوِيَه. فإن قال: أردتُ بقَوْلِى: فارقتُكِ أى بجسْمِى، أو بقلبى أو بمَذْهبِى، أو سَرَّحتُك منِ يَدِى، أو شُغْلِى، أو من حَبْسِى، أو أى سَرَّحْتُ شعرَك. قُبِلَ قولُه. وإن قال: أردتُ بقولى: أنت طالقٌ. أى مِن وَثاقِى. أو قال: أردتُ أن أقول: طلبتُك. فسَبَقَ لسانى، فقلتُ: طَلَّقْتُكِ. ونحو ذلك، دِينَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، فمتى عَلِمَ مِن نفسِه ذلك، لم يَقعْ عليه فيما بينَه وبين ربِّه. قال أبو بكرٍ: لا خِلافَ عن أبى عبدِ اللَّه، أنَّه إذا أرادَ أن يقولَ لزَوْجتِه: اسْقِينى ماءً. فسبقَ لسانُه فقال: أنتِ طالقٌ، أو أَنتِ حُرَّةٌ. أنَّه لا طلاقَ فيه. ونقلَ ابنُ منصورٍ عنه، أنَّه سُئِلَ عن رجلٍ حَلَفَ، فجَرى على لسانِه غيرُ ما فى قلِبه، فقال: أرْجُو أن يكونَ الأمرُ فيه واسعًا. وهل تُقبَلُ دعواه فى الحُكْمِ؟ يُنظَرُ؛ فإن كان فى حالِ الغضب، أو سُؤالِها الطَّلاقَ، لم يُقبَلْ فى الحُكمِ؛ لأنَّ (١٥) لَفْظَه ظاهرٌ فى الطَّلاقِ، وقَرينةُ حالِه تَدلُّ عليه، فكانت دَعْواه مُخالِفةً للظَّاهرِ من وجهيْنِ، فلا تُقبَلُ، وإن لم يَكُنْ فى هذه الحالِ، فظاهرُ كلامِ أحمدَ، فى روايةِ ابنِ منصورٍ، وأبى الحارثِ، أنَّه يُقبَلُ قولُه. وهو قولُ جابرِ (١٦) بنِ زيدٍ، والشَّعْبِىِّ، والحَكَمِ، حَكاه عنهم أبو حفصٍ؛ لأنَّه فسَّرَ كَلامَه بما يَحْتمِلُه احتمالًا غيرَ بعيدٍ، فقيل: كما لو (١٧) قال؛ أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ. وقال: أردتُ بالثَّانيةِ إفْهامَها. وقال القاضى: فيه روَايتانِ، هذه التى ذكرْنا، قال: وهى ظاهرُ كلامِ أحمدَ. والثَّانيةُ، لا يُقبَلُ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه خلافُ ما يَقْتضيه الظَّاهرُ فى العُرفِ، فلم يُقبَلْ فى الحُكمِ، كما لو أقرَّ بعشرةٍ، ثم قال: زُيُوفًا، أو صِغارًا، أو إلى شهرٍ. فأمَّا إن صرَّحَ بذلك فى اللَّفظِ، فقال: طَلَّقتُك مِن وَثاقِى، أو فارقتُك بجسمِى، أو سرَّحتُك مِن يَدِى. فلا شكَّ فى أَنَّ الطَّلاقَ لا يَقعُ؛ لأنَّ ما يَتَّصِلُ بالكلامِ يَصْرِفُه عن مُقْتضاه،

стр. 5319

كالاسْتِثْناءِ والشَّرطِ. وذكَرَ أبو بكرٍ، فى قولِه: أنتِ مُطلَّقةٌ. أنَّه إنْ نَوَى أنَّها مُطلَّقةٌ طلاقًا ماضِيًا، أو مِن زَوْجٍ كان قبلَه، لم يَكُنْ عليه شىءٌ، وإن لم يَنوِ شيئًا، فعلى قَوْلَيْن؛ أحدُهما، يَقعُ. والثَّانى، لا يَقعُ. وهذا مِن قولِه يَقتضى أن تكونَ هذه اللَّفظةُ غيرَ صريحةٍ، فى أحَدِ القَوْلينِ. قال القاضى: والمنْصوصُ عن أحمدَ، أنَّه صريحٌ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ هذه مُتَصَرِّفةٌ مِن لفظِ الطَّلاقِ، فكانتْ صَرِيحةً فيه، كقوله: أنتِ طالقٌ. فصل: فأمَّا لَفْظةُ الإِطْلاقِ، فليست صريحةً فى الطَّلاقِ؛ لأنَّها لم يَثبُتْ لها عُرْفُ الشَّرعِ، ولا الاسْتعمالُ، فأشْبَهتْ سائرَ كِناياتِه. وذكر القاضى فيها احتمالًا، أنَّها صَرِيحةٌ؛ لأنَّه لا فرقَ بين فَعَّلْتُ وأفْعَلْتُ، نحو عَظَّمْتُه وأعْظَمْتُه، وكَرَّمْتُه وأكْرَمْتُه. وليس هذا الذى ذكَرَه بمُطَّرِدٍ؛ فإنَّهم يقولون: حَيَّيْتُه مِنَ التَّحِيَّةِ، وأحْيَيْتُه مِنَ الحَيَاةِ، وأصدَقْتُ المرأةَ صَدَاقًا، وصَدَّقْتُ حديثَها تَصديقًا، ويُفَرِّقُونَ بين أقبَلَ وقَبِلَ، وأدبَرَ ودَبَرَ، وأبصَرَ وبَصُرَ، ويُفَرِّقُونَ بين المعانى المُخْتلِفَةِ بحَرَكةٍ أو حرفٍ، فيقولونَ: حَمْلٌ لما فى البطنِ، وبالكسرِ لما على الظَّهْرِ، والوَقْرُ بالفتحِ الثِّقْلُ فى الأذُنِ، وبالكسرِ لِثِقْلِ الحِمْلِ. وههُنا فَرَّقُوا (١٨) بين حَلِّ قَيْدِ النِّكاحِ وبين غيرِه، بالتَّضعيفِ فى أحدِهما، والهمزةِ فى الآخَرِ، ولو كان معنى اللفظينِ واحدًا لقِيلَ: طَلَّقْتُ الأسِيرَ (١٩)، والفَرَسَ، والطَّائرَ، فهو طالقٌ، وطلَّقتُ الدَّابَّةَ، فهى طالقٌ، ومُطلَّقَةٌ. ولم يُسْمَعْ هذا فى كلامِهم، وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ. فصل: فإن قال: أنتِ الطَّلاقُ. فقال القاضى: لا تَخْتلِفُ الرِّوايةُ عن أحمدَ فى أَنَّ الطَّلاقَ يَقعُ به، نَواهُ أو لم يَنْوِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ. ولأصحابِ الشَّافعىِّ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، أنَّه غيرُ صَرِيحٍ (٢٠)؛ لأنَّه مصدرٌ، والأعْيانُ لا تُوصَفُ بالمصادرِ إلَّا

стр. 5320

مَجازًا. والثَّانى، أَنَّ الطَّلاقَ لفظٌ صريحٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى نِيَّةٍ، كالمُتَصَرِّفِ منه، وهو مُستَعْمَلٌ فى عُرفِهم، قال الشَّاعرُ (٢١): أنَوَّهْتِ باسْمِىَ فى العالَمِينَ ... وأفْنَيْتِ عُمْرِىَ عامًا فعامَا (٢٢) فأنتِ الطَّلاقُ وأنتِ الطَّلاقُ ... وأنتِ الطَّلاقُ ثلاثًا تَمامَا وقولهم: إنه مجازٌ. قُلْنا: نعم، [إلَّا أنَّه] (٢٣) يتعيّنُ (٢٤) حملُه على الحقيقةِ، ولا مَحْمَلَ له يَظهرُ سِوَى هذا المحملِ، فتَعَيَّنَ فيه. فصل: وصريحُ الطَّلاقِ بالعَجَمِيَّةِ بهشتم، فإذا أتى بها العَجمِىُّ، وقعَ الطَّلاقُ منه بغيرِ نِيَّةٍ. وقال النَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: هو كنايةٌ، لا يُطلّقُ به إلا بِنِيَّةٍ؛ لأنَّ معناه خَلَّيْتُك، وهذه اللَّفظةُ كنايةٌ. ولَنا، أَنَّ هذه اللَّفظةَ بلسانِهم موضوعةٌ للطَّلاقِ، يَسْتعملونَها فيه، فأشبهَتْ لفظَ الطَّلاقِ بالعربيَّةِ، ولو لم تكُنْ هذه صريحةً، لم يكُنْ فى العجميَّةِ صريحٌ للطَّلاقِ، وهذا بعيدٌ، ولا يَضُرُّ كونُها (٢٥) بمعنى خَلَّيْتُكِ، فإنَّ معنى طلَّقتُك خَلَّيْتُك أيضًا، إلّا أنَّه لمَّا كان موضوعًا له، يُسْتعمَلُ فيه، كان صَرِيحًا، كذا هذه. ولا خلافَ فى أنَّه إذا نَوَى بها الطَّلاقَ، كانت طلاقًا، كذلك قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَسَنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وزُفَرُ، والشَّافعىُّ. ١٢٥٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لَهَا فِى الْغَضَبِ: أَنْتِ حُرَّةٌ، أَوْ لَطَمَهَا، فَقَالَ: هَذَا طَلَاقُكِ. فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ) الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فصلينِ: أحدُهما: فى أَنَّ هذا اللَّفظَ كنايةٌ فى الطَّلاقِ، إذا نَواه به وقعَ، ولا يَقعُ مِن غيرِ نِيَّةٍ،

стр. 5321

ولا دَلالةِ حالٍ، ولا نَعلمُ خلافًا فى: أنت حُرَّةٌ، أنَّه كنايةٌ. فأمَّا إذا لطمَها، وقال: هذا طلاقُك. فإن كثيرًا مِنَ الفُقَهاءِ قالوا: ليس هذا كنايةً، ولا يَقعُ به طلاقٌ، وإن نَوَى؛ لأنَّ هذا لا يُؤدِّى معنى الطَّلاقِ، ولا هو سببٌ له، ولا حُكمٌ فيه (١)، فلم يَصحَّ التَّعبيرُ به عنه، كقوله: غفرَ اللَّهُ لك. وقال ابنُ حامدٍ: يَقعُ به الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ؛ لأنَّ تقْديرَه: أوقعتُ عليك طلاقًا، هذا الضَّربُ من أجْلِه، فعلَى قوله يَكونُ هذا صريحًا. وقولُ الخِرَقِىِّ مُحتمِلٌ لهذا أيضًا، ويَحْتمِلُ أنَّه إنَّما يُوقِعُه إذا كان فى حالِ الغضَبِ، فيَكونُ الغضبُ قائمًا مَقامَ النِّيَّةِ، كما قامَ مَقامَها فى قوله: أنتِ حُرَّةٌ. ويَحْتمِلُ أن يكونَ لَطْمُه لها قَرِينةً تَقومُ مَقامَ النِّيَّةِ؛ لأنَّه يَصْدُرُ عن الغضبِ، فجرى مَجْراه. والصَّحيحُ أنَّه كنايةٌ فى الطَّلاقِ؛ لأنَّه مُحْتمِلٌ (٢) بالتَّقْديرِ الذى ذكَرَه ابنُ حامدٍ، ويَحْتمِلُ أن يُريدَ أنَّه سببٌ لطلاقِك، لكَوْنِ الطَّلاقِ مُعلَّقًا عليه، فصَحَّ أن يُعبِّرَ به عنه، وليس بصَريحٍ؛ لأنَّه احْتاجَ إلى تقديرٍ، ولو كان صريحًا لم يَحْتَجْ إلى ذلك، ولأنَّه غيرُ موضوعٍ له، ولا مُسْتَعْمَلٌ فيه شرعًا، ولا عُرفًا، فأشبهَ سائرَ الكناياتِ. وعلى قياسِه ما لو أطْعمَها، أو سَقاها، أو كَساها، وقال: هذا طلاقُك. أو لو فَعلتِ المرأةُ فِعلًا مِن قيامٍ، أو قعودٍ، أو فَعلَ هو فِعلًا، وقال: هذا طلاقُك. فهو مثلُ لَطْمِها، إلَّا فى أَنَّ اللَّطْمَ يَدلُّ على الغضبِ القائمِ مَقامَ النِّيَّةِ، فيكونُ هو أيضًا قائمًا مَقامَها فى وَجْهٍ، وما ذكَرُوه (٣) لا يَقومُ مَقامَ النِّيَّةِ عندَ مَن اعتبَرَها. الفصلُ الثَّانى: أنَّه إذا أتى بالكنايةِ فى حالِ الغضَبِ، [من غَيرِ نِيَّةٍ] (٤)، فذكر الخِرَقِىُّ فى هذا الموضعِ أنَّه يَقعُ الطَّلاقُ. وذكرَ القاضى، وأبو بكرٍ، وأبو الخطَّابِ فى ذلك رِوَايتيْنِ؛ إحْداهما، يَقعُ الطَّلاقُ. قال فى روايةِ المَيْمُونىِّ: إذا قال لزوجتِه: أنتِ

стр. 5322

حُرَّةٌ لوجهِ اللَّهِ. فى الرِّضَى، لا فى الغضبِ، فأخْشَى أن يَكونَ طلاقًا. والرِّوايةُ الأُخْرَى، ليس بطلاقٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ، إلَّا أَنَّ أبا حنيفةَ يَقولُ فى: اعتَدِّى، واخْتارِى، وأمْرُك بيدك. كَقْولِنا فى الوقُوعِ. واحْتجَّا بأنَّ هذا ليس بصريحٍ فى الطَّلاقِ، ولم يَنْوِه (٥) به، فلم يَقَعْ به الطَّلاقُ، كحالِ الرِّضَى، ولأنَّ مُقْتضَى اللَّفظِ لا يَتغيَّرُ بالرِّضَى والغضبِ. ويَحْتَمِلُ أَنَّ ما كان مِن الكناياتِ لا يُسْتعمَلُ فى غيرِ الفُرْقةِ إلَّا نادرًا، نحو توله: أنتِ حُرّةٌ لوجهِ اللَّهِ. واعتَدِّى. واستَبْرِق. وحَبْلُك على غاربِك. وأنت بائنٌ. وأشباهِ ذلك، أنَّه يَقعُ فى حالِ الغضَبِ. وجوابُ سؤالِ الطَّلاقِ مِن غيرِ نِيَّةٍ، وما كَثُرَ استعمالُه لغيرِ ذلك، نحو: اذْهَبِى. واخْرُجى. ورُوحِى. وتَقَنَّعِى. لا يَقعُ الطَّلاقُ به إلَّا بِنِيَّةٍ. ومذهبُ أبى حنيفةَ قريبٌ من هذا. وكلامُ أحمدَ، والخِرَقِىِّ فى الوقوعِ، إنَّما وردَ فى قوله: أنتِ حُرّةٌ. وهو ممَّا لا يَسْتعمِلُه الإنْسانُ فى حقِّ زوجتِه غالبًا إلَّا كنايةً عن الطَّلاقِ، ولا يَلْزمُ مِنَ الاكتفاءِ بذلك بمُجرَّدِ الغضَبِ وُقوعُ غيرِه من غيرِ نِيَّةٍ؛ لأنَّ ما كَثُرَ استعمالُه يُوجَدُ كثيرًا غيرَ مُرادٍ به الطَّلاقُ فى حالِ الرِّضَى، فكذلك فى حالِ الغضَبِ، إذْ لا حَجْرَ (٦) عليه فى اسْتعمالِه، والتَّكلُّمِ به، بخلافِ ما لم تَجْرِ العادةُ بذكْرِه، فإنَّه لمَّا قلَّ اسْتعمالُه فى غيرِ الطَّلاقِ، كان مُجرد ذكْرِه يُظَنُّ منه إرادةُ الطَّلاقِ، فإذا انْضَمَّ إلى ذلك مَجِيئُه عَقِيبَ سؤالِ الطَّلاقِ، أو فى حالِ الغضَبِ، قَوِىَ الظَّنُّ، فصار ظَنًّا غالبًا. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُخْرَى، أَنَّ دَلالةَ الحالِ تُغيِّرُ حُكمَ الأقْوالِ والأفعالِ؛ فإنَّ مَن قال لرجلٍ: يا عفيفُ [ابنَ العفيفِ] (٧). حالَ تعْظيمِه، كان مدحًا له، وإن قالَه فى حالِ شَتْمِه وتَنَقُّصِه، كان قَذْفًا وذَمًّا. ولو قال: إنَّه لا يَغْدُرُ بذِمَّةٍ، ولا يَظْلِمُ حبَّةَ خَرْدَلٍ، وما أحدٌ أوْفَى ذِمَّةً منه. فى حال المَدْحِ، كان مدحًا بليغًا، كما قال حسّانُ (٨):

стр. 5323

فما حَمَلَتْ مِن ناقَةٍ فوقَ رَحْلِها ... أبَرَّ وأوْفَى ذِمَّةً مِن مُحَمَّدِ ولو قالَه (٩) فى حال الذَّمِّ كان هجاءً قبيحًا، كقول النَّجَاشِىِّ (١٠): قَبِيلَتُه لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ... ولا يَظلمونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ وقال آخرُ (١١): كأنَّ ربِّىَ لم يَخلُقْ لخَشْيَتِه ... سِواهُمُ مِن جَميعِ النَّاس إنسانَا وهذا فى هذا الموضعِ هجاءٌ قَبِيحٌ وذمٌّ، حتى حُكِىَ عن حسّانَ أنَّه قال: ما أراه إلا قد سَلَحَ عليهم (١٢). ولولا القَرِينةُ ودَلالةُ الحالِ، كان من أحْسَنِ المدحِ وأبلغِه. وفى الأفْعالِ لو أن رجلًا قصدَ رجلًا بسيف، والحالُ يدلُّ على المَزْحِ واللَّعِبِ، لم يَجُزْ قتلُه، ولو دلَّتِ الحالُ على الجِدِّ، جازَ دفعُه بالقَتْلِ. والغضبُ ههُنا يَدلُّ على قَصْدِ الطَّلاقِ، فيقومُ مَقامَه. فصل: وإن أتى بالكنايةِ فى حالِ سُؤالِ الطَّلاقِ، فالحُكمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا أتى بها فى حال الغضَبِ، على ما فيه من الخلافِ والتَّفْصيلِ. والوَجْهُ لذلك ما تَقدَّمَ مِنَ التَّوْجيهِ، إلَّا أَنَّ المنصوصَ عن أحمدَ ههُنا، أنَّه لا يُصَدَّقُ فى عَدَمِ النِّيَّةِ، قال، فى روايةِ أبى الحارثِ: إذا قال: لم أنوِه. صُدِّقَ (١٣) فى ذلك، إذا لم تَكُنْ سألَتْه الطَّلاقَ، فإن كان بينهما غضَبٌ قبلَ ذلك، فيُفرَّقُ بين كونِه جَوابًا للسُّؤالِ، وكَوْنِه فى حال الغضَبِ؛ وذلك لأنَّ الجوابَ يَنْصرِفُ إلى السُّؤالِ، فلو قال: لى عندَك دينارٌ؟ قال: نعم، أو: صدَقْتَ. كان إقرارًا به، ولم يُقبَلْ منه (١٤) تفسيرُه بغيرِ الإِقْرارِ. ولو قال: زَوَّجتُك ابْنتِى

стр. 5324

أو بِعْتُك (١٥) ثَوْبى هذا. فقال: قَبِلتُ. صحَّ وكَفَى، ولم يجْتَجْ إلى زيادةٍ عليه. ولو أراد بالكنايَةِ حالَ الغضَبِ، أو سُؤالِ الطَّلاقِ غيرَ (١٦) الطَّلاقِ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه لو أرادَه بالصَّريحِ لم يَقَعْ، فبالكنايةِ أوْلَى. وإذا ادَّعَى ذلك دِينَ. وهل يُقبَلُ فى الحُكْمِ؟ فظاهرُ كلامِ أحمدَ، فى رواية أبى الحارثِ، أنَّه يُصَدَّقُ إن كان فى الغضَبِ، ولا يُصَدَّقُ إن كان جَوابًا لسؤالِ الطَّلاقِ. ونُقِلَ عنه فى موضعٍ آخرَ، أنَّه إذا قال: أنتِ خَلِيَّةٌ، أو بريئةٌ، أو بائنٌ. ولم يَكُنْ بينهما ذِكْرُ طلاقٍ ولا غضبٌ، صُدِّقَ. فمَفْهومُه أنَّه لا يُصَدَّقُ مع وُجودِهما. وحُكِىَ هذا عن أبى حنيفةَ، إلا فى الأربعةِ المذكورةِ. والصَّحيحُ أنَّه يُصَدَّقُ؛ لما روَى سعيدٌ (١٧) بإسْنادِه، أَنَّ رجلًا خطبَ إلى قومٍ، فقالوا: لا نُزَوِّجُك حتى تُطَلِّقَ امرأتَك. فقال: قد طَلقْتُ ثلاثًا. فزوجُوه، ثم أمْسَكَ امرأتَه، فقالوا: ألم تَقُلْ إنَّك طَلَّقتَ ثلاثًا؟ قال: ألم تَعلمُوا أنِّى تَزوجْتُ فلانةَ وطَلَّقْتُها (١٨)، ثم تَزوّجتُ فلانةَ وطَلَّقْتُها (١٩)، ثم تَزوَّجتُ فلانةَ وطلَّقتُها (٢٠)؟ فسُئِلَ عثمانُ عن ذلك، فقال: له نِيَّتُه. ولأنَّه أمرٌ [تُعْتَبَرُ نِيَّتُه] (٢١) فيه، فقُبِلَ قولُه فيما يَحْتمِلُه، كما لو كرَّرَ لَفْظًا، وقال: أردتُ التَّوكيدَ. ١٢٥٩ - مسألة؛ (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ خلِيَّةٌ، أَوْ أَنْتِ بَرِيَّةٌ، أَوْ أَنْتِ بَائِنٌ، أَوْ حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، أَو الْحَقِى بِأَهْلِكِ. فَهُوَ عِنْدِى ثَلَاثٌ وَلَكِنِّى (١) أَكْرَهُ أَنْ أُفْتِىَ بِهِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ)

стр. 5325

أكثرُ الرِّواياتِ عن أبى عبدِ اللَّهِ، كَراهيةُ الفُتْيا فى هذه الكناياتِ، مع مَيْلِه إلى أنَّها ثلاثٌ، وحَكَى ابنُ أبى موسى، فى "الإِرْشادِ" عنه روايتيْنِ؛ إحْداهما، أنَّها ثلاثٌ. والثَّانيةُ، يُرْجَعُ إلى ما نَواه. اختارَها أبو الخَطَّابِ. وهو مذهبُ الشَّافعىِّ، قال: يُرْجَعُ إلى ما نَوَاهُ (٢)، فإن لم يَنْوِ شيئًا وقَعتْ واحدةٌ. ونحوُه قولُ النَّخَعِىِّ، إلَّا أنَّه قال: يَقَعُ طلقةٌ بائنةٌ؛ لأنَّ لفظَه يَقْتَضِى البَيْنُونةَ، ولا يَقْتضِى عَدَدًا. ورَوَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، ما يَدلُّ على هذا؛ فإنَّه قال: يَزِيدُها فى مهرِها إن أرادَ رَجْعتَها. ولو وقَعَ ثلاثًا لم يُبَحْ له رَجْعتُها، ولو لم تَبِنْ لم يَحْتَجْ إلى زيادهٍ فى مَهْرِها. واحتجَّ الشّافعىُّ بما رَوَى أبو داودَ (٣) بإسنادِه، أنَّ رُكَانَةَ بنَ عبدِ يَزِيدَ طلَّقَ امرأتَه سُهَيْمَةَ الْبتَّةَ، فأخْبَرَ النَّبِىَّ ﷺ بذلك، وقال: واللَّه ما أردتُ إلَّا واحدةً. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "آللَّه ما أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً؟ " فقال رُكانةُ: آللَّهِ ما أردتُ إلَّا واحدةً. فردَّها إليه رسولُ اللَّه ﷺ ، فطلَّقَها الثّانيةَ فى زمنِ عمرَ، والثَّالثةَ فى زمنِ عثمانَ. قال علىُّ بنُ محمدٍ الطَّنَافِسِىُّ: ما أشْرفَ هذا الحديثَ. ولأنّ النَّبِىَّ ﷺ قال لابنةِ الْجَوْنِ: "الْحَقِى بِأَهْلِكِ" (٤). ولم يَكُنِ النَّبىُّ ﷺ ليُطَلِّقَ ثلاثًا وقد نَهَى أُمَّتَه (٥) عن ذلك، ولأنَّ الكناياتِ مع النِّيَّةِ كالصَّريحِ، فلم يَقَعْ به عندَ الإِطْلاقِ أكثرُ مِن واحدةٍ، كقوله: أنتِ طالقٌ. وقال الثَّورِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: إن نَوَى ثلاثًا فثلاثٌ، وإن نَوَى اثنتَيْنِ أو واحدةً وقَعت واحدةٌ، ولا يَقعُ اثنتان؛ لأنَّ الكنايةَ تَقْتضِى البَيْنُونةَ دونَ العَدَدِ، والبَيْنُونةُ بَيْنُونَتانِ صُغْرَى وكُبْرَى، فالصُّغْرَى بالواحدةِ، والكُبْرَى بالثَّلاثِ، ولو أوْقَعْنا اثنَتيْنِ كان مُوجِبُه العَدَدَ، وهى لا تَقْتضِيه. وقال رَبيعةُ،
следующие страницы →