← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

فأنتُنَّ طَوالِقُ. ثم أعادَ ذلك مَرّةً ثانيةً، طَلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا؛ لأنَّه بإعادتِه حالِفٌ بطلاقِ كلِّ واحدةٍ منهنَّ، وحَلِفُه بطلاقِ كلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ (٥٣) شَرْط لطلاقِهنَّ جميعًا. وإن قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ واحدةٍ مِنكُنَّ، فأنتُنَّ طوالِقُ. ثم أعادَ ذلك، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهنَّ طلقةً؛ لأنَّ "إنْ" لا تَقْتضِى التَّكْرارَ. وإن قال بعدَ ذلك لإحداهُنَّ: إن قُمْتُ فأنتِ طالقٌ. طَلُقَتْ كلُّ واحدة منهنَّ طلقةً أُخْرَى. ولو قال: كلَّما حَلَفْتُ بطلاقِكنَّ، فأنْتُنَّ طَوالِقُ. ثم أعادَ ذلك، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ طلقةً. وإن قال بعدَ ذلك لإِحْدَاهُنَّ: إن قُمْتُ فأنتِ طالقٌ. لم تَطلقْ واحدةٌ منهنَّ. وإن قال ذلك للاثْنتَيْنِ الباقِيَتَيْنِ، طَلُقَ الجميعُ طَلْقةً طلقةً. فصل: وإن قال لزوجتِه: إن حَلَفْتُ بعِتْقِ عبدِى، فأنتِ طالقٌ. ثم قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِك، فعَبْدِى (٥٤) حُرٌّ. طَلُقَتْ. ثم إن قال لعبدِه: إن حَلَفْتُ بعِتْقِكَ، فامْرأتى طالِقٌ. عَتَقَ العبدُ. وإن قال له: إن حَلَفْتُ بطلاقِ امرأتى، فأنتَ حُرٌّ. ثم قال لها: إن حَلَفْتُ بعِتْقِ عَبْدِى، فأنتِ طالقٌ. عَتَقَ العبدُ. ولو قال لعبِدِه: إن حَلَفْتُ بعِتْقِكَ، فأنتَ حُرٌّ، ثم أعادَ ذلك، عَتَقَ العبدُ. فصل: وقد استُعْمِلَ الطَّلاقُ والعَتَاقُ اسْتِعْمالَ القسم، وجُعِلَ (٥٥) جوابًا له، فإذا قال: أنتِ طالقٌ لأقُومَنَّ. وقامَ، لم تَطْلُقْ زوجتُه، فإنْ لم يَقُمْ فى الوقتِ الذى عيَّنَه حَنِثَ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والشَّعْبِىُّ، والثَّوْرِى، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال شُرَيحٌ: يَقَعُ طلاقُه وإن قامَ؛ لأنَّه طلَّقَ طلاقًا غيرَ مُعَلَّقٍ بشَرْطٍ، فوقَعَ، كما لو لم يَقُمْ. ولَنا، أنَّه حَلِفٌ بَرَّ فيه، فلم يَحْنَثْ، كما لو حَلَفَ باللَّهِ تعالى. وإن (٥٦) قال: أنتِ طالقٌ إنَّ أخاك لعاقلٌ.

стр. 5392

وكان أخوها عاقلًا، لم يَحْنَثْ، وإن لم يَكنْ عاقلًا، حَنِثَ، كما لو قال: واللَّهِ إِنَّ أخاك لعاقلٌ، وإِنْ شُكَّ فى عقلِه لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ النِّكاحِ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ. وإن قال: أنتِ طالقٌ لا (٥٧) أكلتُ هذا الرّغيفَ. فأكلَه، حَنِثَ، وإلَّا فلا. وإن قال: أنتِ طالقٌ [ما أكلْتُه] (٥٨). وكان صادقًا، لم يحْنَثْ، وإن كان كاذِبًا، حَنِثَ، كما لو قال: واللَّهِ ما أكلْتُه. وإن قال: أنتِ طالقٌ لولا أبوك لَطلَّقتُك. وكان صادِقًا، لم تَطلُقْ، وإن كان كاذبًا طَلُقَتْ. ولو قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِكِ، فأنتِ طالقٌ. ثم قال: أنتِ طالقٌ كرِمَنَّك. طَلُقَتْ فى الحالِ. ولو قال: إن حَلَقْتُ بِعِتْقِ عَبْدِى، فأنتِ طالقٌ. ثم قال: عَبْدِى حُرٌّ لأقُومَنَّ (٥٩). طَلُقَتِ المرأة. وإن قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِ امرأتِى، فعَبْدِى حُرٌّ. ثم قال: أنتِ طالقٌ لقد صُمْتُ أمسِ. عَتَقَ العبدُ. فصل: وإن قال: إن طَلَّقْتُ حَفْصةَ فعَمْرةُ طالقٌ. ثم قال: إن طَلَّقْتُ عَمرةَ فحفصةُ طالقٌ. [ثم طَلَّقَ حفصةَ] (٦٠). طَلُقَتا معًا؛ حفصةُ بالمُبَاشِرَةِ، وعَمْرَةُ بالصِّفَةِ، ولم تَزِدْ كلُّ واحدةٍ منهما على طَلْقةٍ. وإن بدأ بطلاقِ عَمْرةَ، طَلُقَتْ طَلْقتَيْنِ، وطَلُقَتْ حفصةُ طلقةً واحدةً؛ لأنَّه إذا طلَّقَ حفصةَ طَلُقَتْ عَمْرَةُ بالصِّفَةِ، لكَوْنِه (٦١) علَّقَ طلاقَها على طلاقِ حفصةَ، ولم يَعُدْ على حفصةَ طَلاق آخَرُ؛ لأنَّه ما أحْدثَ فى عَمْرَةَ طلاقًا، إنَّما طَلُقَتْ بالصِّفَةِ السَّابقةِ على تَعْليقِه طلاقَها. وإن بدأ بطلاقِ عَمْرَةَ، طَلُقَتْ حفصةُ؛ لِكَوْنِ طلاقِها مُعَلَّقًا على طلاقِ عَمْرَةَ، ووُقوعُ الطَّلاق بها، تطْليقٌ منه لها؛ لأنَّه أحْدثَ فيها طلاقًا، بتَعْليمه طلاقَها على تَطْليقِ عَمْرَةَ، بعدَ قولِه: إن طَلَّقْتُ حفصةَ فعَمْرَة طالقٌ. ومتى وُجِدَ التَّعليقُ والوقوعُ معًا، فهو تطْليقٌ. فإن وُجِدا

стр. 5393

معًا بعدَ تعْليقِ الطَّلاقِ بطلاقِها، وقعَ الطَّلاقُ المُعَلَّقُ بطلاقِها. وطَلاقُ عَمْرَةَ ههُنا مُعَلَّقٌ بطلاقِها، فوجَبَ القولُ بوُقوعِه. ولو قال لعَمْرَةَ: كلَّما طَلَّقْتُ حفصةَ، فأنتِ طالقٌ. ثم قال لحفصةَ: كلَّما طَلَّقْتُ عمرةَ، فأنتِ طالقٌ. ثم قال لعَمْرةَ: أنتِ طالقٌ. طَلُقَتْ طَلْقتَينِ، وطَلُقَتْ حفصةُ طلقةً واحدةً. وإن طلَّقَ حفصةَ ابتداءً، لم يَقَعْ بكلِّ واحدةٍ منهما إلَّا طلقةٌ؛ لأنَّ هذه المسألةَ كالتى قبلَها سَواءً، فإنَّه بدأ بتَعْليقِ طلاقِ عَمْرَةَ على تطْليقِ حفصةَ، ثم ثَنَّى بتعْليقِ طلاقِ حفصةَ على تطْليقِ عمرةَ. ولو قال لعَمْرةَ: إن طلَّقتُكِ، فحفصةُ طالقٌ. ثم قال لحفصةَ: إن طلَّقْتُكِ، فعَمْرَةُ طالقٌ. ثم طلَّقَ حفصةَ، طَلُقَتْ طَلْقتينِ، وطَلُقَتْ عَمْرَةُ طَلقةً. وإن طَلَّقَ عمرةَ، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهما طلقةً؛ لأنَّها عكسُ التى قبلَها. ذكر هاتَيْنِ المسألتَيْنِ القاضى، فى "المُجَرَّدِ". ولو قال لإحْدَى زوجتَيْه: كلَّما طَلَّقْتُ ضَرتكِ، فأنتِ طالقٌ. ثم قال للأُخْرَى مثلَ ذلك، ثم طلَّقَ الأُولى، طَلُقَتْ طَلْقتينِ، وطَلُقَتِ الثَّانيةُ طلقةً. وإن طلَّقَ الثَّانيةَ، طَلُقَتْ [كُلُّ واحدةٍ منهما طَلْقةً] (٦٢). وإن قال: كلما طلَّقتُك فضَرَّتُك طالقٌ. ثم قال للأُخْرَى مثلَ ذلك، ثم طلَّقَ الأُولى، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهما طلقةً طلقةً. وإن طلَّقَ الثَّانيةَ، طَلُقَتْ طَلْقتينِ، وطَلُقَتِ الأُولَى طلقةً، وتعليلُ ذلك على ما ذكَرْنا فى المسألةِ الأُولى. فصل: وإن كان له ثلاثُ نسوةٍ، فقال: إن طلَّقتُ زينبَ فَعَمْرَةُ طالقٌ، وإن طلَّقتُ عمرةَ فحفصةُ طالقٌ، وإن طَلَّقْتُ حفصةَ فزينبُ طالقٌ. ثم طلَّقَ زينبَ، طَلُقَتْ عَمْرَةُ، ولم تَطْلُقْ حفصةُ؛ لأنَّه ما أحدثَ فى عَمْرَةَ طلاقًا بعدَ تَعْليقِ طلاقِ حفصةَ بتَطْليقِها، وإنَّما طَلُقَتْ بالصِّفةِ السَّابقةِ على ذلك، فيَكونُ وُقوعًا للطَّلاقِ، وليس بتَطْليقٍ. وإن طلَّقَ عَمْرَةَ، طَلُقَتْ حفصةُ، ولم تَطْلُقْ زينبُ لذلك. وإن طلَّقَ حفصةَ، طَلُقَتْ زينبُ، ثم طَلُقَتْ عَمْرةُ، فيَقَعُ الطّلاقُ بالثَّلاثِ؛ لأنَّه أحْدَثَ فى زينبَ طلاقًا

стр. 5394

بعدَ تَعْليقِه طلاقَ عَمْرَةَ بطلاقِها، فإنَّه علَّقَ طلاقَها بعد ذلك على تَطْليقِ حفصةَ، ثم طلَّقَ حَفْصةَ، والتَّعليقُ مع تَحَقُّقِ شَرْطِه تَطْليقٌ، وقد وُجِدَ التَّعليقُ وشرطُه معًا بعدَ تعْليقِه طلاقَ عَمْرَةَ بتَطْليقِها، فكان وقوعُ الطَّلاقِ بزينبَ تَطْليقًا، فطَلُقَتْ به عَمْرَةُ، بخلافِ غيرِها. وإن قال لزينبَ: إن طَلَّقْتُ عَمْرةَ فأنتِ طالقٌ. ثم قال لعَمْرةَ: إن طَلَّقْتُ حفصةَ فأنت طالقٌ. ثم قال لحفصةَ: إن طَلَّقْتُ زينبَ فأنتِ طالقٌ. ثم طلَّقَ زينبَ، طَلُقَ (٦٣) الثَّلاثُ؛ زينبُ بالمُباشِرَةِ، وحفصةُ بالصِّفةِ، ووقوعُ الطَّلاقِ بحفصةَ تطليقٌ لها، وتَطْليقُها شرطُ طلاقِ عَمْرَةَ، فتَطْلُقُ به أيضًا. والدَّليلُ على أنَّه تطْليقٌ لحفصةَ، أنَّه أحْدَثَ فيها طلاقًا، بتَعْليقِه طلاقَها على تطْليقِ زينبَ، بعدَ تعليقِ طلاقِ عَمْرَةَ بتطليقِها، وتَحَقُّقِ شرطِه، والتَّعليقُ مع شرطِه تطليقٌ، وقد وُجِدا معًا بعدَ جَعْلِ تَطْليقِها صفةً لطلاقِ عَمْرَةَ. وإن طلَّقَ عَمرةَ، طَلُقَتْ هى وزينبُ، ولم تَطْلُقْ حفصةُ. وإن طلَّقَ حفصةَ، طَلُقَتْ هى وعَمْرَةُ، ولم تَطْلُقْ زينبُ؛ لما ذكَرْنا فى المسألةِ التى قبلَها. وإن قال لزينبَ: إن طلَّقتُك فضَرَّتاك طالقتانِ. ثم قال لعَمْرَةَ مثلَ ذلك، ثم قال لحفصةَ مثلَ ذلك، ثم طلَّقَ زينبَ، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهن طلقةً واحدةً (٦٤)؛ لأنَّه لم يُحْدِثْ فى غيرِ (٦٤) زينبَ طلاقًا، إنَّما طَلُقَتا بالصِّفةِ السَّابقةِ على تَعْليقِ الطَّلاقِ بطلاقِها (٦٥). وإن طَلَّقَ (٦٦) عَمْرةَ، طَلُقَتْ زينبُ طلقةً، وطَلُقَتْ عَمْرَةُ وحفصةُ كلُّ واحدةٍ منهما طَلْقتينِ؛ لأنَّ عمرةَ طَلُقَتْ واحدةً بالمُبَاشِرَةِ، وطَلُقَتْ زينبُ وحفصةُ بطلاقِها واحدةً واحدةً، وطَلاقُ زينبَ تَطْليق لهما؛ لأنَّه وقعَ بها بِصَفِةٍ أحْدَثَها بعدَ تَعْليقِ طَلاقِهما بتَطْليقِها، فعادَ على عَمْرَةَ وحفصةَ بذلك طَلْقتانِ، ولم يَعُدْ على زينبَ بطلاقهما طلاقٌ؛

стр. 5395

لما تَقَدَّمَ. وإن طلَّقَ حفصةَ، طَلُقَتْ ثلاثًا؛ لأنَّها طَلُقَت واحدةً بالمُبَاشِرةِ، فطَلُقَتْ بها ضَرَّتاها (٦٧)، ووقوعُ الطَّلاقِ بكِل واحدةٍ منهما تَطْليق؛ لأنَّه بصفةٍ أحْدَثَها فيها بعدَ تعليقِ طلاقِها بطلاقِهما، فعادَ عليها من طَلاقِ كل واحدةٍ منهما طلقةٌ، فكَمُلَ لها ثلاثٌ، وطَلُقَتْ عَمْرَةُ طَلْقتَيْنِ، واحدةً بتَطْليقِ حفصةَ، وأُخْرَى بوُقوعِ الطَّلاقِ على زينبَ؛ لأنَّه تَطْليقٌ لزينبَ؛ لما ذكرناه، وطَلُقَتْ (٦٨) زينبُ واحدةً؛ لأنَّ طلاقَ ضَرَّتَيْها بالصِّفةِ، ليس بتَطْليقٍ فى حقِّها. وإن قال لكلِّ واحدةٍ منهنَّ: كلَّما طَلُقَتْ إحْدَى ضَرَّتيْكِ، فأنت طالقٌ. ثم طلَّقَ الأُولَى، طَلُقَت ثلاثًا، وطَلُقَتْ الثَّانيةُ. طَلْقتَيْنِ، والثَّالثةُ طَلْقةً (٦٩) واحدةً؛ لأنَّ [تَطْليقَه للأُولَى] (٧٠) شَرْط لطلاقِ ضَرَّتَيْها، ووقوعَ الطَّلاقِ بهمَا تطليق بالنِّسبةِ إليها، لكَوْنه واقعًا بصِفَةٍ أحْدثَها بعدَ تَعْليقِ طَلاقِها بطلاقِهما، فعادَ عليها من تَطْليقِ كلِّ واحدةٍ منهما طَلْقة، فكَمُلَ لها الثَّلاثُ، وعاد على الثَّانيةِ من طلاقِ الثَّالثةِ طلقةٌ ثانيةٌ لذلك، ولم يَعُدْ على الثَّالثةِ (٧١) من طلاقِهما الواقعِ بالصِّفةِ شىءٌ؛ لأنَّه ليس (٧٢) بتطْليقٍ فى حقِّها. وإن طلَّقَ الثانيةَ طَلُقَتْ أيضًا [طَلْقَتَيْنِ، وطَلُقَتِ] (٧٣) الأُولَى ثلاثًا، والثَّالثةُ طلقةً. وإن طلَّقَ الثَّالثةَ، طَلُقَتِ الأُولى طَلْقتَيْنِ، وطَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ من الباقيتَيْنِ طَلْقةً طلقةً. فصل: ولو قال لامرأتِه: إن طَلَّقْتُك فعَبْدِى حُرٌّ. ثم قال لعبدِه: إن قُمتَ فامرأتى طالقٌ. فقام، طَلُقَتِ المرأةُ، وعَتَقَ العبدُ. ولو قال لعبدِه: إن قُمتَ فامرأتى طالقٌ. ثم قال لامرأتِه: إن طلَّقتُك فعَبْدِى حُرٌّ. فقامَ العبدُ، طَلُقَتِ المرأةُ، ولم يَعْتِقِ العبدُ؛ لأنَّ

стр. 5396

وُقوعَ الطَّلاقِ بالصِّفَةِ إنَّما يَكونُ تطلْيقًا مع وُجودِ الصِّفةِ، ففى الصُّورةِ الأُولى وُجِدَتِ الصِّفَةُ والوقوعُ بعدَ قولِه: إن طلَّقتُكِ فعَبْدِى حُرٌّ. وفى الصُّورةِ الأُخْرَى لم يُوجَدْ بعدَ ذلك إلَّا الوقوعُ وحدَه، فكانت الصِّفةُ سابقةً، فلذلك لم يَعْتِقِ العبدُ. ولو قال لعبدِه: إن أعْتَقْتُكَ (٧٤) فامرأتى طالِقٌ. ثم قال لامرأتِه: إن حَلَفْتُ بطلاقِك فعَبْدِى حُرٌّ. ثم قال لعبدِه: إن لم أضْرِبْكَ فامرأتى طالقٌ. عَتَقَ العبدُ، وطَلُقَتِ المرأةُ. فصل: ومتى علَّقَ الطَّلاقَ على صفاتٍ، فاجْتَمعْنَ فى شىءٍ واحدٍ، وقعَ بكلِّ صِفةٍ ما عُلِّقَ عليها، كما لو وُجِدَتْ مُفتَرِقَةً، وكذلك العَتاقُ، فلو قال لامرأتِه: إنْ كَلَّمْتِ رجلًا [فأنت طالقٌ] (٧٥)، وإن كلَّمتِ طويلًا فأنتِ طالقٌ، وإن كلَّمْتِ أسْودَ فأنتِ طالقٌ. فكَلَّمَتْ رجلًا أسودَ طويلًا، طَلُقَتْ ثلاثًا. وإن (٧٦) قال: إن ولدتِ بِنْتًا فأنتِ طالقٌ، وإن ولدْتِ سوداءَ فأنتِ طالقٌ، وإن ولدتِ ولدًا فأنتِ طالقٌ. فولدت بنتًا سوداءَ [وولدًا] (٧٧)، طَلُقَتْ ثلاثًا. وإن قال: إن أكلتِ رُمَّانَةً فأنتِ طالقٌ، وإن أكلْتِ نصفَ رُمَّانةٍ فأنتِ طالقٌ. فأكلَتْ رُمَّانةً، طَلُقَتْ اثنتَيْنِ. وإن قال: كلَّما أكلْتِ رمَّانةً فأنتِ طالقٌ، وكلَّما أكلْتِ نصفَ رُمَّانةٍ [فأنتِ طالقٌ] (٧٥). فأكلَتْ رُمَّانةً، طَلُقَتْ ثلاثًا؛ لأنَّ كلَّما تَقْتضِى التَّكْرارَ، وفى الرُّمَّانةِ نِصْفانِ، فتَطْلُقُ بأكْلِهما طَلْقتينِ، وبأكْلِ الرُّمَّانةِ طلقةً. فإن نَوَى بقولِه: نصفَ رُمَّانةٍ. نِصْفًا مُفْرَدًا عَنِ الرُّمّانةِ المَشْرُوطَةِ، أو كانت مع الكلامِ قرينةٌ تَقْتضِى ذلك، لم يَحْنَثْ حتى تَأْكلَ ما نَوَى تَعْليقَ الطَّلاقِ به؛ لأنَّ مَبْنَى الأيْمانِ على النِّيَّةِ. فصل: فإن قال: إن دخلَ الدَّارَ رجلٌ فعبدٌ من عَبِيدى حُرٌّ، وإن دخلَها طويلٌ فعبدانِ حُرَّانِ، وإن دخلَها أسودُ فثلاثةُ أعْبُدٍ أحرارٌ، وإن دخلَها فقيهٌ فأربعةُ أعبُدٍ أحرارٌ. فدخلَها فقيهٌ طويلٌ أسودُ، عَتَقَ من عَبِيده عشرةٌ. وإن كان له أربعُ نِسْوةٍ،

стр. 5397

فقال: إن طَلَّقْتُ امرأةً مِنكُنَّ فعبدٌ من عَبِيدى حُرٌّ، وإن طَلَّقْتُ اثنتَيْنِ فعبدانِ حُرَّانِ، وإن طَلَّقْتُ ثلاثةً، فثلاثةُ أعْبُدٍ [أحرارٌ، وإن طَلقْتُ أربعًا، فأربعةُ أعْبُدٍ] (٧٨) أحرارٌ، ثم طلَّقَ الأربعَ مُجْتمِعاتٍ أو مُتَفَرِّقاتٍ، عَتَقَ من عَبِيدِه عشرةٌ؛ بالواحدةِ واحدٌ، وبالاثنتَيْنِ اثنانِ، وبالثَّلاثِ ثلاثةٌ، وبالأربعِ أربعةٌ؛ لاجتماعِ هذه الصِّفاتِ الأربعِ فيهنَّ. ولو علَّقَ ذلك بلفظةِ "كلَّما"، فقد قِيلَ: يَعْتِقُ عشرة أيضًا. والصَّحيحُ أنَّه يَعْتِقُ خمسةَ عشرَ عبدًا؛ لأنَّ فيهِنَّ أرْبَعَ صفاتٍ، هُنَّ أربعٌ، فيَعْتِقُ أربعةٌ، وهُنَّ أربعةُ آحادٍ، فيَعْتِقُ بذلك أربعةٌ، [وهُنَّ اثْنتان واثْنتان، فَيَعْتِقُ بذلك أربعة] (٧٨)، وفيهنَّ ثلاثٌ، فيَعْتِقُ بهن ثلاثةٌ. وإن شئتَ قلتَ: يَعْتِقُ بالواحدةِ واحدٌ، وبالثَّانيةِ ثلاثةٌ؛ لأنَّ فيها صِفَتيْنِ هى واحدةٌ، وهى مع الأولَى اثْنتانِ، ويَعْتِقُ بالثَّالثةِ أربعةٌ؛ لأنَّها واحدةٌ، وهى مع الأُولى والثَّانيةِ ثلاثٌ، ويَعْتِقُ بالرَّابعةِ سبعةٌ؛ لأنَّ فيها ثلاثَ صفاتٍ، هى واحدةٌ، وهى مع الثَّالثةِ اثْنَتانِ، وهى مع الثَّلاثِ التى قبلَها أربعٌ. وهذا أوْلَى مِنَ الأوَّلِ؛ لأنَّ قائلَه لا يَعْتَبِرُ صفةَ طلاقِ الواحدةِ فى غيرِ الأُولَى، ولا صفةَ التَّثْنِيَةِ فى الثَّالثةِ والرَّابعةِ، ولفظُ (٧٩) "كلَّما" يَقْتضِى التَّكْرارَ، فيَجِبُ تَكْرارُ الطَّلاقِ بِتَكْرارِ (٨٠) الصِّفاتِ. وقِيلَ: يَعْتِقُ سبعةَ عشرَ؛ لأنّ صفةَ التَّثْنيةِ قد وُجدَتْ ثلاثَ مرَّاتٍ، فإنَها تُوجَدُ بضَمِّ الثَّانيةِ إلى الثَّالثةِ. وقِيلَ: يَعْتِقُ عشرونَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ صفةَ الثَّلاثِ وُجِدَتْ مرّةً ثانيةً بِضَمِّ الثَّانيةِ والثَّالثةِ إلى الرَّابعةِ، وكلا القَوْلينِ غيرُ سَدِيدٍ؛ لأنَّهم عَدُّوا الثَّانيةَ مع الأُولى فى صفةِ التَّثْنيةِ مرَّةً، ثم عَدُّوها مع الثَّالثةِ مرّةً أُخْرَى، وعَدُّوا الثّانيةَ والثّالثةَ فى صفةِ التَّثلِيْثِ مرَّتينِ، مَرَّةً مع الأُولى، ومَرَّةً مع الرّابعةِ، وما عُدَّ فى صِفَةٍ مَرَّةً، لا يَجوزُ عَدُّه فى تلك الصِّفةِ مَرَّة أُخرى. ولذلك لو قال: كلَّما أكَلْتِ نصفَ رُمَّانَةٍ فأنتِ طالقٌ. فأكلَتْ رُمَّانَةً، لم

стр. 5398

تَطْلُقْ إلا اثْنتَيْنِ؛ لأنَّ الرُّمّانةَ نِصْفانِ. ولا يُقالُ: إنَّها تَطْلُقُ ثالثةً، بأنْ يُضَمَّ الرُّبعُ الثَّانى إلى الرُّبعِ الثَّالثِ (٨١) فيَصيرانِ نصفًا ثالثًا، وكذلك فى مسألتِنا، لم تُضَمَّ الأُولَى إلى الرَّابعةِ، فيَصيرانِ اثنَتيْنِ. وعلى سياقِ هذا القولِ، يَنْبغِى أن يَعْتِقَ اثنانِ وثلاثونَ؛ واحدٌ بطلاقِ واحدةٍ، وثلاثةٌ بطلاقِ الثَّانيةِ، وثمانيةٌ بطلاقِ الثَّالثةِ؛ لأنَّها واحدةٌ، وهى مع ما قبلَها ثلاثةٌ، وهى مع ضَمِّها إلى الأُولَى اثنتانِ، ومع ضَمها إلى الثَّانيةِ اثنتانِ، ففيها صفةُ الثَّثنيةِ مرَّتانِ، ويَعْتِقَ بطلاقِ الرَّابعةِ عشرونَ؛ لأنَّ فيها ثمانِىَ صفاتٍ، هى واحدةٌ، وهى مع ما قبلَها أربعٌ، وفيها صفةُ التَّثليثِ ثلاثُ مراتٍ، هى مع الأُولى والثَّانيةِ ثلاثٌ، ومع الثَّانيةِ والثَّالثةِ ثلاثٌ، ومع الأُولى والثَّالثةِ ثلاثٌ، فيَعْتِقُ بذلك تسعةٌ، وفيها صفةُ التَّثْنيةِ ثلاثُ مرّاتٍ، هى الأُولى اثْنَتانِ، وهى مع الثَّانيةِ اثنتانِ، وهى مع الثَّالثةِ اثنتانِ، فيَعْتِقُ بذلك (٨٢) سِتَّة، ويَصيرُ الجميعُ اثنينِ وثلاثينَ، وما نعْلمُ بهذا قائلًا، وهذا مع الإِطلاقِ. فأمَّا إن نَوَى بلفظِه غيرَ ما يَقْتضِيه الإِطْلاقُ، مثل أن يَنْوِىَ بقولِه: اثنتَيْنِ. غيرَ الواحدةِ، فيَمِينُه على ما نَوَاه، ومتى لم يُعَيِّنِ العبيدَ المُعْتَقِينَ، أُخْرِجُوا بالقُرْعَةِ. ولو قال: كلَّما أعْتَقْتُ عبدًا مِن عَبِيدِى فامرأةٌ مِن نسائِى طالقٌ، وكلَّما أعْتقْتُ اثنيْنِ فامْرأتانِ طالِقتانِ (٨٣). ثم أعتقَ اثنَيْنِ، طَلُقَ الأرْبعُ، على القولِ الصَّحيحِ، وعلى القولِ الأوَّلِ، يَطْلُقُ ثلاث، ويُخْرَجْنَ بالقُرعةِ. ولو قال: كلَّما أعْتَقْتُ عبدًا من عَبيدى فجاريةٌ مِن جَوَارِىَّ حُرَّةٌ، كلَّما أعْتَقْتُ اثنَيْنِ فجاريتانِ حُرَّتانِ، وكلَّما أعْتَقْتُ ثلاثةً فثلاثٌ أحرارٌ، وكلَّما أعْتقتُ أربعةً فأربعٌ أحْرارٌ، ثم أعْتَقَ أربعةً، عَتَقَ من جَوَارِيه بعَدَدِ ما طلَّقَ مِنَ النِّساءِ على ما ذكرنا. وإن أعْتقَ خمسًا فعلى القولِ الأوَّلِ، يَعْتِقُ مِن جَوارِيه ههنا خمسَ عشرةَ. وعلى القولِ الثَّانى، يَعْتِقُ إحْدَى

стр. 5399

وعشرونَ؛ لأنَّ عِتْقَ الخامس عَتَقَ به سِتٌّ، لكَوْنِه واحدًا، وهو مع ما قبلَه خمسةٌ، ولم يُمْكِنْ (٨٤) عَدُّه فى سائرِ الصِّفاتِ؛ لأنَّ ما قبلَه قد عُدَّ فى ذلك مَرَّةً، فلا يُعَدُّ ثانيةً. ١٢٧٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ: إِنْ لَمْ أُطَلقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَلَمْ يَنْوِ وَقْتًا، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا حَتَّى مَاتَ أَوْ مَاتَتْ، وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهَا فِى آخِرِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ) وجملةُ ذلك أَنَّ حرفَ "إنْ" موضوعٌ للشَّرْطِ، لا يَقْتضِى زمنًا، ولا يَدُلُّ عليه إلَّا مِن حيثُ إنَّ الفعلَ المُعَلَّقَ به مِنْ ضَرُورته الزَّمانُ، وما حصَلَ ضرورةً لا يَتَقَيَّدُ بزمنٍ مُعَيَّنٍ، ولا يَقْتضِى تَعْجيلًا، فما عُلقَ عليه كان على التَّراخِى، سواءٌ فى ذلك الإثْباتُ والنَّفىُ. فعلى هذا إذا قال: إن لم أُطَلقْكِ فأنتِ طالقٌ. ولم يَنْوِ وقتًا، ولم يُطَلِّقها، كان ذلك على التَّراخِى، ولم يَحْنَثْ بتأْخيرِه؛ لأنَّ كلَّ وقتٍ يُمْكِنُ أن يفعلَ ما حَلَفَ عليه، فلم يَفُتِ الوقتُ، فإذا مات أحدُهما عَلِمْنا حِنْثَه حينئذٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ إيقاعُ الطَّلاقِ بها بعدَ موتِ أحدِهما، فتَبَيَّنَ أنَّه وقعَ، إذْ لم يَبقَ من حياتِه ما يَتَّسِعُ لتَطْليقها. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشّافعىُّ، ولا نَعلمُ فيه بين أهلِ العلمِ خلافًا. ولو قال: إن لم أُطَلِّقْ عَمْرَةَ فحفصةُ طالقٌ. فأىُّ الثَّلاثةِ ماتَ أولًا، وقعَ الطّلاقُ قُبَيْلَ (١) موتِه؛ لأنَّ تطْليقَه لحفصةَ على وَجْهٍ تَنحَلُّ به يَمينُه، إنَّما يَكونُ فى حياتِهم جميعًا. وكذلك لو قال: إن لم أَعْتِقْ عَبْدِى، أو إن لم أضرْبه، فامرأتى طالقٌ. وقعَ بها الطَّلاقُ فى آخرِ جزءٍ من حياةِ أوَّلهِم مَوْتًا. فأمَّا إن عيَّنَ وقتًا بلَفْظِه، أو بنِيَّتِه، تَعَيَّنَ، وتَعلَّقَتْ يَمينُه به. قال أحمدُ، ﵀: إذا قال: إن لم أضْرِبْ فلانًا، فأنتِ طالقٌ ثلاثًا. فهو على ما أرادَ من ذلك؛ وذلك لأنَّ الزَّمان المحْلوفَ على

стр. 5400

تَرْكِ الفعلِ فيه تَعَيَّنَ بِنِيَّتِه وإرادتِه، فصار كالمُصَرَّحِ به فى لفظِه؛ فإنَّ مَبْنَى الأيْمانِ على النِّيَّةِ، لقولِ النَّبىِّ ﷺ : "إنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى" (٢). فصل: ولا يُمْنَعُ من وَطْءِ زوجتِه قبلَ فِعْلِ ما حَلَفَ عليه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشّافعىُّ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، ويحيى الأنْصارىُّ، وربيعةُ، ومالكٌ، وأبو عُبيدٍ: لا يَطأُ حتى يفْعلَ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الفعلِ، ووقوعُ الطَّلاقِ. ورَوَى الأثرمُ عن أحمدَ مثلَ ذلك. وقال الأنْصارىُّ، ورَبِيعةُ، ومالكٌ: يُضْربُ له أجلُ المُولِى، كما لو حَلَفَ أَنْ لا يَطأَها. ولَنا، أنَّه نكاحٌ صحيحٌ، لم يَقَعْ فيه طلاقٌ ولا غيرُه من أسبابِ التَّحريمِ، فحَلَّ له الوَطْءُ فيه، كما لو قال: إن طلَّقتُك فأنتِ طالق. وقولُهم: الأصلُ عدمُ [الفعلِ ووقوعُ] (٣) الطَّلاقِ. قُلْنا: هذا الأصلُ لم يَقْتَضِ وُقوعَ الطَّلاقِ، فلم يَقْتَضِ حُكمَه، ولو وقعَ الطَّلاقُ بعدَ وَطْئِه لم يَضُرَّ، كما لو طلَّقَها ناجزًا، وعلى أَنَّ الطَّلاقَ ههُنا إنَّما يَقَعُ فى زَمن لا يُمْكِنُ الوَطْءُ بعدَه، بخلافِ قولِه: إن وَطِئْتُكِ فأنتِ طالقٌ. فصل: إذا كان المُعَلَّقُ طلاقًا بائنًا فماتَت، لم يَرِثْها؛ لأنَّ طلاقَه أبانَها منه، فلم يَرِثْها، كما لو طلقَها ناجزًا عندَ موتِها. وإن مات وَرثته. نصَّ عليه أحمدُ، فى روايةِ أبى طالبٍ، إذا قال لزوجتِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إن لم أتُزوَّجْ عليك. وماتَ ولم يَتزوَّجْ عليها، وَرِثَتْه، وإن ماتتْ لم يَرِثْها؛ وذلك لأنَّها تَطْلُقُ فى آخرِ حياتِه، فأشْبَهَ طلاقَه لها فى تلك الحالِ. ونحوَ هذا مَال عطاءٌ، ويحيى الأنْصارىُّ. ويَتَخَرَّجُ لنا أنَّها لا تَرِثُه أيضًا. وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، والشَّعبِىِّ، وأبى عُبَيدٍ؛ لأنَّه إنَّما طلَّقَها فى صحَّتِه، وإنَّما تَحَقَّقَ شَرْطُ وُقوعِه فى المرضِ، فلم (٤) تَرِثْه، كما لو علَّقَه على فِعْلِها، فَفَعَلَتْه فى

стр. 5401

مرضِه. وقال أبو حنيفةَ: إن حَلَفَ إن لم تَأتِ الْبَصْرَةَ فأنت طالقٌ. فلم تَفعلْ، فإنَّهما (٥) لا يَتَوَارَثانِ. وإن قال: إن لم آت البصرةَ فأنتِ طالقٌ. فماتَ، وَرِثَتْه، وإن ماتت لم يَرِثْها؛ لأنَّه فى الأُولَى علَّقَ الطّلاقَ على فِعْلِها، فإذا امتنعَتْ منه فقد حَقَّقَتْ شرطَ الطَّلاقِ، فلم تَرِثْه، كما لو قال: إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ. فدخلَتْها. وإذا علَّقَه على فِعْلِ نفسهِ، فامْتَنعَ، كان الطَّلاقُ منه، فأشْبَهَ ما لو نَجَزَهُ فى الحالِ. ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه طلاقٌ فى مرضِ مَوْتِه، فمنعَه ميراثَه، ولم يَمْنعْها، كما لو طلَّقَها ابتداءً، ولأنَّ الزَّوجَ أخَّرَ الطّلاقَ اخْتيارًا منه حتى وقعَ ما علَّقَ عليه فى مرضِه، فصارَ كالمُبَاشِرِ (٦) له. فأمَّا ما ذُكِرَ عن أبى حنيفةَ، فحَسَنٌ إذا كان الفعلُ ممَّا لَا مَشَقَّةَ عليها فيه؛ لأنَّ تَرْكَها له كفِعْلِها لِمَا حَلَفَ عليها لِتَتْرُكَه، وإِنْ كانَ ممَّا فيه مَشَقَّةٌ، فلا يَنْبغِى أن يَسْقُطَ ميراثُها بتَرْكِه، كما لو حَلَفَ عليها لتَرْكِ ما لا بُدَّ لها مِن فعلِه، ففعلَتْه (٧). فصل: إذا حَلَفَ لَيَفعلَنَّ شيئًا، ولم يُعَيِّنْ له وقتًا بلفظِه ولا بِنِيَّتِه، فهو على التَّراخِى أيضًا؛ فإنَّ لفظَه مُطْلَقٌ بالنِّسبةِ إلى الزَّمانِ كلِّه، فلا يَتَقَيَّدُ بدونِ تَقْييدِه، ولذلك لمَّا قالَ اللَّهُ تعالى فى السَّاعةِ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٨). وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ (٩). ولما قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (١٠). كان ذلك على التَّراخِى؛ فإنَّ الآيةَ أُنزِلَتْ فى نَوْبَةِ الْحُدَيْبِيَةِ فى سنةِ ستٍّ، وتَأخَّرَ الفتحُ إلى سنةِ ثَمَانٍ. ولذلك رُوِىَ عن عمرَ أنَّه قال: قلتُ للنَّبِىِّ ﷺ : أو ليس كنتَ تُحدِّثُنا أنَّا سنأتى البيتَ فنَطُوفُ (١١) به؟ قال: "بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ

стр. 5402

آتِيهِ الْعَامَ؟ ". قلتُ: لا. قال: "فَإِنَّكَ آتِيهِ، وَمُطَوِّفٌ بِهِ" (١٢). وهذا ممَّا لا خِلافَ فيه نَعلمُه. فصل: إذا قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ اليومَ، إن لم أُطَلِّقْك اليومَ. ولم يُطَلِّقْها، طَلُقَتْ إذا بَقِىَ مِنَ اليومِ ما لا يَتَّسِعُ لتَطْليقِها فيه، على مُقْتَضَى هذه المسألةِ. وهذا اختيارُ أبى الخَطَّابِ، وقولُ أصحابِ الشّافعىِّ. وحَكَى القاضى فيها وَجْهينِ؛ هذا، ووَجهًا آخرَ أَنَّ الطَّلاقَ لا يَقعُ. وحُكِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وابنِ سُرَيْجٍ؛ لأنَّ مَحَلَّ الطَّلاقِ اليوم، ولا يُوجَدُ شرطُ طلاقِها إلَّا بخُروجِه، فلا يَبْقَى مِن مَحَلِّ طَلاقِها ما يَقَعُ الطَّلاقُ فيه. ولَنا، أَنَّ خُروجَ اليوم يَفُوتُ به طلاقُها، فوَجَبَ وقوعُه قبلَه فى آخرِ وقتِ الإِمْكانِ كمَوْتِ أحدِهما فى اليومِ؛ وذلك لأنَّ معنى يَمِينِه؛ إن فاتَنِى طلاقُكِ اليومَ فأنتِ طالقٌ فيه. فإذا بَقِىَ من اليومِ ما لا (١٣) يَتَّسِعُ لتطْليقِها، فقد فاتَه طَلاقُها فيه، فوقعَ حينئذٍ، كما يَقَعُ طلاقُه (١٤) فى مسْألتِنا فى آخرِ حياةِ أوَّلِهما مَوْتًا. وما ذكَرُوه باطلٌ بما لو ماتَ أحدُهما فى اليومِ؛ فإنَّ مَحَلَّ طلاقِها يَفُوتُ بمَوْتِه، ومع ذلك فإنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ قُبَيْلَ مَوْتِه، كذا ههُنا. ولو قال لها: أنتِ طالقٌ اليومَ، إن لم أتَزوَّجْ عليك اليومَ، أو إن لم أشْتَرِ لك (١٤) اليومَ ثوبًا. ففيه الوَجْهان. والصَّحيحُ منهما وقوعُ الطَّلاقِ بها، إذا بَقِىَ من اليومِ ما لا يَتَّسِعُ لفِعْلِ المحْلوفِ عليه فيه. [وإن قال لها: أنتِ طالقٌ إن لم أُطَلِّقْك اليومَ. طَلُقَتْ، بغيرِ خلافٍ. وفى مَحَلِّ وقوعِه وَجْهانِ؛ أحدُهما، فى آخرِ اليومِ. والثَّانى، بعدَ خروجِه] (١٥). وإن قال لها (١٦): أنتِ طالقٌ اليومَ، إن لم أُطَلِّقْكِ. فهو كقولِه: أنتِ

стр. 5403

طالقٌ اليومَ، إن لم أُطَلِّقْكِ اليومَ. لأنَّه جَعلَ عَدَمَ طلاقِها شَرْطًا لطلاقِها اليومَ، والشَّرطُ يَتَقَدَّمُ المشْروطَ. فصل: وإن قال لعبدِه: [إنْ] (١٧) لم أبِعْكَ اليومَ، فامْرأتى طالقٌ اليومَ. ولم يَبِعْه حتى خَرَجَ اليومُ، ففيه الوَجْهانِ. وإن أعْتَقَ العبدَ، أو ماتَ، أو ماتَ الحالفُ، أو المرأةُ، فى اليومِ، طَلُقَتْ زوجتُه حينئذٍ؛ لأنَّه قد فاتَ بَيْعُه، وإن دَبَّرَه، أو كاتبَه، لم تَطْلُق امرأتُه؛ لأنَّ بَيْعَه جائزٌ. ومن مَنَعَ بَيْعَهُما (١٨) قال: يَقَعُ الطَّلاقُ بذلك، كما لو ماتَ. وإن وهَبَ العبدَ لإِنسانٍ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ عَوْدُه إليه، فيَبيعُه، فلم يَفُتْ بَيْعُه. ولو قال: إن لم أبعْ عَبْدِى، فامرأتى طالقٌ. ولم يُقَيِّدْه باليومِ، فكاتبَ العبدَ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه يُمْكِنُ عَجْزُه، فلم يُعْلَمْ فَوَاتُ البيعِ، فإن عَتَقَ بالكتابةِ أو غيرِها، وَقَعَ الطَّلاقُ حينئذٍ؛ لأنَّه قد (١٩) فاتَ بيعُه. ١٢٧٣ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ. [وَقَعَ بِهَا الثَّلَاثُ فِى الحَالِ، إِذَا كَانَ] (١) مَدْخُولًا بِهَا) إنَّما كان كذلك؛ لأنَّ كلَّما تَقتضِى التَّكْرارَ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ (٢). وقال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ (٣). فيَقْتضِى تَكْرَارَ الطَّلاقِ بتَكَرُّرِ (٤) الصِّفةِ، والصِّفةُ عدمُ تَطْليقِه لها، فإذا مَضَى بعدَ يَمِينِه زمنٌ يُمْكِنُ أن يُطَلِّقَها فيه، فلم يُطلِّقْها، فقد وُجِدَتِ الصِّفَةُ، فيَقَعُ طَلْقةٌ، وتَتْبعُها الثَّانيةُ

стр. 5404

والثَّالثةُ، إن كانتْ مَدْخولًا بها، وإن لم تَكُنْ مَدْخولًا بها، بانَتْ بالأُولَى، ولم يَلْزَمْها ما بعدَها؛ لأنَّ البائنَ لا يَلْحَقُها طلاقٌ. فأمَّا [إن قال: إذا] (٥) لم أُطلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ. أو: متى لم أُطلِّقْكِ [فأنْتِ طالِقٌ] (٦). أو: أىُّ وقتٍ لم أُطلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ. فإنَّها تَطْلُقُ واحدةً، ولا يَتَكَرَّرُ إلَّا على قَوْل أبى بكرٍ فى "مَتَى"، فإنَّه يراها للتِّكْرارِ، فيتَكَرَّرُ الطَّلاقُ بها مثلُ "كُلَّمَا"، إلَّا أَنَّ "مَتَى" و"أىَّ وقتٍ" يَقْتضيانِ الطَّلاقَ على الفَوْرِ، فمتى مَضَى زمنٌ يُمْكِنُ أن يُطلِّقَها فيه، ولم يُطلِّقْها، طَلُقَتْ فى الحالِ. وأمَّا "إِذَا" ففيها وَجْهانِ؛ أحدُهما، هى على الفَوْرِ؛ لأنَّها اسمُ وقتٍ، فهى كمَتَى. والثَّانى، أنَّها على التَّراخِى؛ لأنَّها كَثُرَ استعمالُها فى الشَّرْطِ، فهى كإِنْ. فعلى هذا إذا قالَ: إذا لم أُطلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ. ولم يَنْوِ وَقْتًا، لم تَطْلُقْ إلَّا فى آخرِ جُزْءٍ مِنْ حياةِ أحدِهما. وإن قال: متى لم أحْلِفْ بطلاقكِ فأنتِ طالقٌ. أو: أىُّ وقتٍ لم أحلفْ بطَلاقِكِ (٧) فأنتِ طالقٌ. وكَرَّرَه ثلاثًا مُتوالياتٍ، طَلُقَتْ مرَّةً واحدةً؛ لأنَّه لم يَحْنَثْ (٨) فى المرّةِ الأُولَى، ولا الثَّانيةِ، لكَوْنِه حَلَفَ عَقِيبَيْهما، وحَنِثَ فى الثَّالثةِ. وإن سكتَ بين كل يَمينَيْنِ (٩) سُكُوتًا يُمْكِنُه الحَلِفُ فيه، طَلُقَتْ ثلاثًا. وإن قال ذلك بلفظة إذا، وقُلْنا: هى على الفَوْرِ. فهى كمَتَى، وإلَّا لم تَطْلُقْ إلَّا واحدةً فى آخِرِ حياةِ أحدِهما. فصل: والحروفُ المُستَعْملةُ للشَّرْطِ وتَعْليقِ الطَّلاقِ بها سِتَّةٌ؛ إِنْ، وإِذَا، ومَتَى، ومَنْ، وأىّ، وكُلَّمَا. فمتى علَّقَ الطَّلاقَ بإيجادِ فعْلٍ بواحدٍ منها، كان على التَّراخِى، مثل قولِه: إنْ خَرَجْتِ، وإذا خرجتِ، ومتى خرجتِ، وأىّ حِيْنٍ، وأىّ زمانٍ، وأىّ وقتٍ خرَجْتِ، وكلَّما خرَجْتِ، ومَنْ خَرَجَتْ مِنكُنَّ، وأيَّتُكُنَّ خَرَجَتْ فهى طالقٌ. فمتى وُجِدَ الخروجُ طَلُقَتْ. وإن ماتَ أحدُهما، سقَطتِ اليمينُ. فأمَّا إن علَّقَ الطَّلاقَ

стр. 5405

بالنَّفْىِ بواحدٍ من هذه الحروفِ، كانت "إنْ" على التَّراخِى، ومَتَى، وأىّ، ومَن، وكُلَّمَا، على الفَوْرِ؛ لأنَّ قولَه: مَتَى دخلتِ فأنتِ طالقٌ. يَقْتضِى أىَّ زمانٍ دخلتِ فأنتِ طالقٌ. وذلك شائعٌ فى الزَّمانِ كلِّه، فأىّ زمنٍ دَخَلَتْ وُجِدَتِ الصِّفةُ. وإذا قال: متى لم تَدْخُلِى فأنتِ طالقٌ. فإذا مضى عَقِيبَ اليمين زمنٌ لم تَدْخُلْ فيه، وُجِدَتِ الصِّفةُ؛ لأنَّها (١٠) اسمٌ لوقتِ الفعْلِ، فيُقَدَّرُ به، ولهذا يَصِحُّ السُّؤالُ به، فيُقَالُ: متى دَخَلْتِ؟ أَىْ: أىّ وقتٍ دخلتِ. وأمّا "إنْ" فلا تَقْتضِى وقتًا، فقولُه: إن لم تَدخُلى. لا يَقْتضِى وقتًا، إلا ضرورةَ أَنَّ الفعلَ لا يَقَعُ إلَّا فى وقتٍ، فهى مُطْلَقَةٌ فى الزَّمانِ كلِّه. وأمَّا إذا، ففيها (١١) وجهانِ؛ أحدُهما، هى على التَّراخِى. وهو قولُ أبى حنيفةَ. ونَصَرَه القاضى؛ لأنَّها تُسْتعمَلُ شَرْطًا بمعنى إنْ، قالَ الشَّاعرُ (١٢): اسْتَغْنِ مَا أغْنَاكَ رَبُّك بالغِنَى ... وإذا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ (١٣) فجَزَمَ بها كما يَجزمُ بإنْ، ولأنَّها تُسْتعمَلُ بمعنى متى وإِنْ، وإذا احْتَمَلَتِ الأمْرَيْنِ، فاليقينُ بقاءُ النِّكاحِ، فلا يَزولُ بالاحْتمالِ. والوجهُ الآخَرُ أنَّها على الفَوْرِ. وهو قولُ أبى يوسفَ، ومحمدٍ. وهو المنصوصُ عن الشّافعىِّ؛ لأنَّها اسمٌ لزمنٍ مُستَقْبَلٍ، فتَكونُ كمتى. وأمَّا المُجازَاةُ بها فلا تُخرِجُها عن موضوعِها، فإنّ متى يُجازَى بها، ألا تَرَى إلى (١٤) قولِ الشَّاعرِ (١٥): مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نَارِه ... تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيرُ مُوقِدِ و"مَنْ" يُجازَى بها أيضًا، وكذلك "أىّ" وسائرُ الحروفِ، وليس فى هذه الحروفِ ما

стр. 5406

يَقْتضِى التِّكْرَارَ إلَّا كلَّما، وذكر أبو بكرٍ فى متى أنَّها تَقْتضِى التّكرارَ أيضًا؛ لأنَّها تُستعمَلُ للتَّكرارِ، بدليلِ قولِه: متى تَأتِه تَعشُو إلى ضَوْءِ نارِه ... تَجدْ خيرَ نارٍ عندَها خيرُ مُوقِدِ أى: فى كلِّ وقتٍ. ولأنَّها تُستعمَلُ فى الشَّرْطِ والجزاءِ، ومتى وُجِدَ الشَّرطُ تَرَتَّبَ عليه جَزاؤُه. والصَّحيحُ أنَّها لا تَقْتضِيه؛ لأنَّها اسمُ زمنٍ بمعنى أىّ وقتٍ، وبمعنى إذا، فلا تَقْتضِى ما لا يَقْتضِيَانِه، وكونُها تُسْتعمَلُ للتكْرارِ (١٦) فى بعضِ أحْيانِها، لا يَمْنعُ استعمالَها فى غيرِهِ، مثل إذا وأىّ وقتٍ، فإنَّهما يُسْتعمَلانِ فى الأمرينِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (١٧). ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (١٨). ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ (١٩). وقال الشَّاعرُ (٢٠): قَومٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْه لهمْ ... سَارُوا إليه زُرَافاتٍ ووُحْدانَا وكذلك أىّ وقتٍ وأىّ زمانٍ، فإنَّهما يُسْتعمَلانِ للتَّكرارِ، وسائرُ الحروفِ يُجازَى بها، إلَّا أنَّها لمَّا كانتْ تُسْتعمَلُ للتَّكْرارِ وغيرِه، لا تُحْمَلُ على التَّكرارِ إلَّا بدليلٍ، كذلك متى. فصل: وهذه الحروفُ إذا تَقَدَّمَ جَزاؤُها عليها، لم تَحْتَجْ إلى حرفٍ فى الْجَزاءِ، كقوله: أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدَّارَ. وإن تَأخَّرَ جَزاؤُها، احْتاجتْ فى الجزاءِ إلى حرفِ الفاءِ إذا كان جُمْلةً مِن مبتدأٍ وخَبَرٍ، كقولِه: إن دخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ. وإنَّما اختُصَّتْ بالفاءِ لأنَّها للتَّعْقيبِ، فتَرْبِطُ بينَ الجزاءِ وشَرْطِه، وتَدلُّ على تَعْقيبِه به. فإن

стр. 5407

قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ أنتِ (٢١) طالقٌ. لم تَطْلُقْ حتى تَدخُلَ. وبه قال بعضُ الشّافعيَّةِ. وقال محمَّدُ بنُ الحسنِ: تَطْلُقُ فى الحالِ؛ لأنَّه لم يُعَلِّقْه بِدُخولِ الدَّارِ؛ لأنَّه إنَّما يُعلَّقُ (٢٢) بالفاءِ، وهذه لا فاءَ فيها، فيكونَ كلامًا مُستأنَفًا غيزَ مُعَلَّقٍ بشَرْطٍ، فيَثْبُتَ حُكمُه فى الحالِ. ولَنا، أنَّه أتَى بحَرْفِ الشَّرْطِ، فيَدُلُّ ذلك على أنَّه أراد التَّعْليقَ به، وإنَّما حذَفَ الفاءَ وهى مُرَادةٌ، كما يُحْذَفُ المبتداُ تارةً، ويُحْذَفُ الخبرُ أُخْرَى، لدَلالةِ باقى الكلامِ على المحذوفِ، ويَجوزُ أن يَكونَ حَذْفُ الفاءِ على التَّقْديمِ والتَّأْخيرِ، فكأنَّه أرادَ: أنتِ طالقٌ إن دَخَلْتِ الدَّارَ. فقَدَّمَ الشَّرطَ، ومُرادُه التَّأخيرُ، ومَهْما أمْكَنَ حملُ كلامِ العاقلِ على فائدةٍ، وتَصْحيحُه عَنِ الفسادِ، وَجَبَ، وفيما ذكَرْنا تَصحيحُه، وفيما ذكَرُوه إلْغاؤُه. وإن قال: أردتُ الإِيقاعَ فى الحالِ. وقَعَ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفسِه بما هو أغْلَظُ. وإن قال: أنتِ طالقٌ وإن دخلتِ الدَّارَ. وقعَ الطَّلاقُ فى الحالِ؛ لأنَّ معناه أنتِ طالقٌ فى كلِّ حالٍ، ولا يَمنعُ من ذلك دخولُك الدَّارَ، كقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ" (٢٣). وقال: "صلْهُمْ وإِنْ قَطَعُوكَ، وَأَعْطِهِمْ وَإِنْ حَرَمُوكَ (٢٤) ". وإن قال: أردتُ الشَّرْطَ، دِينَ. وهل يُقْبَلُ فى الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على روايتَيْنِ. فإذا قال: إن دخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ وإن دَخَلَتِ الأُخْرَى.

стр. 5408

فمتى دخلَتِ الأُولَى طَلُقَتْ (٢٥)، سواءٌ دخَلَتِ الأُخْرَى أو لم تَدْخُلْ، ولا تَطْلُقُ بدُخولِ (٢٦) الأُخْرَى. وقال ابنُ الصَّبَّاغِ: تَطْلُقُ بدُخولِ كلِّ واحدةٍ منهما. وقد ذكَرْنا أَنَّ مُقْتَضَى اللُّغةِ ما قُلْناه. وإن قال: أردتُ جَعْلَ الثَّانى شَرْطًا لطلاقِها أيضًا. طَلُقَتْ بكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه بما هو أغْلَظُ. وإن قال: أردتُ أَنَّ دُخولَ الثَّانيةِ شَرْطٌ لطلاقِ الثَّانيةِ، فهو على ما أرادَه (٢٧). وإن قال: أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدَّارَ وإن دَخَلْتِ الأُخْرَى. طَلُقَتْ بدُخولِ إحْداهما؛ لأنَّه عَطَفَ شَرْطًا على شَرْطٍ. فإن قال: أردتُ أَنَّ دُخُولَ الثّانيةِ لا (٢٨) يَمنعُ وقوعَ الطّلاقِ. قُبِلَ منه؛ لأنَّه مُحْتمِلٌ، وطَلُقَتْ بدُخولِ الأُولَى وحدَها. وإن قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ وإن دَخَلَتْ هذه الأُخْرَى فأنتِ طالقٌ. فقد قِيلَ: لا تَطْلُقُ إلَّا بدُخولِهما؛ لأنَّه جَعَلَ طلاقَها جزاءً لهذَيْنِ الشَّرطَيْنِ. ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ بأحدِهما (٢٩) أيِّهما كان؛ لأنَّه ذكَرَ شَرْطَيْنِ بحَرْفينِ، فيَقْتَضِى كلُّ واحدٍ منهما [جَزاءً، فتَركَ ذِكْرَ] (٣٠) جزاءِ الأوَّلِ، وكان الجزاءُ الآخَرُ دَالًّا عليه، كما لو قال: ضَربْتُ وضَرَبَنِى زيدٌ. قال (٣١) الفَرَزْدَقُ (٣٢): ولَكِنَّ نِصْفًا لو سَبَبْتُ وسَبَّنِى ... بَنُوعَبْدِ شَمْسٍ مِنْ قُرَيشٍ وَهَاشِمِ (٣٣) والتَّقديرُ سبَّنى هؤلاء وسَبَبْتُهم. وقال اللَّه تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ (٣٤). أى عن اليَمينِ قَعِيدٌ وعن الشِّمالِ قَعِيدٌ. وإن قال: إن دخلتِ الدَّارَ وأنتِ

стр. 5409

طالقٌ. طَلُقَتْ؛ لأنَّ الواوَ ليست للجزاءِ، وقد تَكونُ للابتداءِ. فإن قال: أردتُ بها الجزاءَ. أو قال: أردتُ أن أجْعلَ دُخولَها فى حالِ كَوْنِها طالِقًا شَرْطًا لِشَىءٍ، ثم أمْسَكْتُ. دِينَ. وهل يُقبَلُ فى الحُكمِ؟ يُخَرَّجُ على روايتَيْنِ. وإن جَعلَ لهذا جَزاءً، فقال: إن دخَلْتِ الدَّارَ وأنتِ طالقٌ فعبْدِى حُرٌّ. صَحَّ، ولم يَعْتِقِ العبدُ حتى تَدخُلَ الدَّارَ. وهى طالقٌ؛ لأنَّ الواوَ ههُنا للحالِ، كقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٣٥). وقولِه: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٣٦). ولو قال: أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدَّارَ طالِقًا. فدَخَلَتْ وهى طالِقٌ، طَلُقَتْ أُخْرَى، وإِنْ دَخَلَتْها غيرَ طالِقٍ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ هذا حالٌ، فجَرى مَجْرَى قولِه: أنت طالقٌ إن دخلتِ الدَّارَ راكبةً. وإن قال: أنتِ طالقٌ لو قُمتِ. كان ذلك شَرْطًا بمنزلَةِ قولِه: إن قُمْتِ. وهذا يُحْكَى عن أبى يوسفَ، ولأنَّها لو لم تَكُنْ للشَّرطِ كانت لَغْوًا، والأصلُ اعتبارُ كَلامِ المُكَلَّفِ. وقِيلَ: يَقَعُ الطَّلاقُ فى الحالِ. وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّها بعدَ الإِثباتِ تُسْتعمَلُ لغيرِ المَنْعِ، كقولِه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (٣٧)، ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ (٣٨). وإن قال: أرَدْتُ أن أجْعلَ لها جوابًا. دِينَ. وهل يُقْبَلُ فى الحُكمِ؟ يُخَرَّجُ على روايتَيْنِ. فصل: فإن قال: إن أَكَلْتِ ولَبِسْتِ فأنتِ طالقٌ. لم تَطْلُقْ إلَّا بوُجودِهما جميعًا، سَواءٌ تَقَدَّمَ الأكلُ أو تَأخَّرَ؛ لأنَّ الواوَ للعطفِ ولا تَقْتضِى ترتيبًا. وإن قال: إن أكلتِ أو لَبِسْتِ فأنتِ طالقٌ. طَلُقَتْ بوُجودِ أحدِهما؛ لأنَّ أو لأحَدِ الشَّيئينِ. وكذلك إن قال: إن أكَلْتِ، أو إن لَبسْتِ، أو لا أكَلْتِ ولا لَبِسْتِ. وإن قال: أنتِ طالقٌ لا أكَلْتِ ولَبِسْتِ. لم تَطْلُق إلَّا بفِعْلِهما، إلَّا على الرِّوايةِ التى تقول: يَحْنَثُ (٣٩) بفعلِ بعضِ

стр. 5410

المحْلوفِ عليه. فإنَّه يَحْنَثُ بأحدِهما ههُنا. وإن قال: أنتِ طالقٌ إن أكلتِ فلَبِسْتِ، أوإن أكَلْتِ ثم لَبِسْتِ. لم تَطْلُقْ حتى تأكلَ ثم تَلْبَسَ؛ لأنَّ الفاءَ وثَمَّ للتَّرْتيبِ. وإن قال: أنتِ طالقٌ إنْ أكَلْتِ، إذا لَبِسْتِ. أو: إن أكلْتِ متى لَبِسْتِ. أو: إن أكَلْتِ إن لَبِسْتِ. لم تَطْلُقْ حتى تَلْبَسَ ثم تَأكلَ؛ لأنَّ اللَّفظَ اقْتَضى تعْليقَ (٤٠) الطَّلاقِ بالأكْلِ بعدَ اللّبْسِ، ويُسمِّيه النَّحْويُّونَ اعْتراضَ الشَّرْطِ [على الشَّرْطِ] (٤١)، فيَقْتَضِى تقْديمَ المُتأخِّرِ وتأخيرَ المُتَقَدِّمِ؛ لأنَّه جعلَ الثَّانىَ فى اللَّفظِ شَرْطًا للذى قبلَه، والشَّرْطُ يتَقدَّمُ المشْروطَ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (٤٢). فلو قال لامرأتِه: إن أعطيتُك، إن وعدتُك، إن سألْتِينى (٤٣)، فأنتِ طالقٌ. لم تَطْلُقْ حتى تسْألَه، ثم يَعِدَها ثم يُعطيَها؛ لأنَّه شَرَطَ فى العَطِيَّةِ الوَعْدَ، وفى الوعدِ السُّؤالَ، فكأنَّه قال: إن سألْتِينِى (٤٣)، فوعَدْتُك، فأعطيتُك، فأنتِ طالق. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ. وقال القاضى إذا كان الشَّرْطُ بإذا كقولنا، وفيما إذا كان بإنْ مثلَ قولِه: إن شربتِ إن أكلتِ. أنَّها تَطْلُقُ بوُجودِهما كيْفما وُجِدا؛ لأنَّ أهلَ العُرْفِ لا يَعرفُون ما يقَولُه أهلُ العربيَّةِ فى هذا، فتَعلَّقتِ اليَمينُ بما يَعْرِفُه أهلُ العُرفِ، بخلافِ ما إذا كان الشَّرطُ بإذا. والصَّحيحُ الأوَّلُ، وليس لأهلِ العُرْفِ فى هذا عُرْفٌ؛ فإنَّ هذا الكلامَ غيرُ مُتَدَاوَلٍ بينهم، ولا يَنْطِقُون به إلَّا نادرًا، فيَجبُ الرُّجوعُ فيه إلى مُقْتَضاه عندَ أهلِ اللِّسانِ (٤٤)، كسائرِ مسائلِ هذا ال فصلِ . فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ أن قُمْتِ. بفتحِ الهمزةِ، فقال أبو بكرٍ: تَطْلُقُ فى

стр. 5411

الحالِ؛ لأنَّ أن المفتوحةَ ليست للشَّرْطِ، وإنَّما هى للتَّعليلِ، فمعناه: أنتِ طالقٌ لأنَّكِ قُمتِ، أو لقيامِك. كقولِ اللَّه تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ (٤٥). ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (٤٦). و ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ (٤٧). وقال القاضى: قياسُ قولِ أحمدَ، أنَّه إن كان نَحْوِيًّا وقعَ طلاقُه، وإن لم يَكُنْ نحويًّا فهى للشَّرط؛ لأنَّ العامِّىَّ لا يُريدُ بذلك إلَّا الشَّرْطَ، ولا يَعْرِفُ أَنَّ مُقْتَضاها التَّعليلُ، فلا يُريدُه، فلا يَثْبُتُ له حُكْمُ ما لا يَعْرِفُه، ولا يُريدُه، كما لو نَطَقَ بكلمةِ الطَّلاقِ بلسانٍ لا يَعْرِفُه. وحُكِىَ عن ابنِ حامدٍ، أنَّه قال فى النَّحوىِّ أيضًا: لا يَقَعُ طلاقُه بذلك، إلَّا أن يَنْوِيَه؛ لأنَّ الطّلاقَ يُحْمَلُ على العُرْفِ فى حقِّهما جميعًا. واخْتلَف أصْحابُ الشَّافعىِّ على ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يَقَعُ طَلاقُه فى الحالِ. والثَّانى، يَكونُ شَرْطًا فى حقِّ العامِّىِّ، وتعْليلًا فى حقِّ النَّحْوىِّ. والثَّالث، يَقعُ الطّلاقُ إلَّا أن لا (٤٨) يَكونَ من أهلِ الإِعرابِ، فيقول: أردتُ الشَّرْطَ. فيُقْبَلُ؛ لأنَّه لا يَجوزُ صَرْفُ الكلامِ عمَّا يَقتضيه إلَّا بقَصْدِه. وإن قال: أنتِ طالقٌ إذْ دخَلْتِ الدَّارَ. طَلُقَتْ فى الحالِ؛ لأنَّ إذ للماضى. ويَحْتمِلُ أن لا يَقعَ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا يَقعُ فى زمنٍ ماضٍ، فأشْبَهَ قولَه: أنتِ طالقٌ أمسِ. فصل: وإذا علَّقَ الطَّلاقَ بشَرْطينِ، لم يَقعْ قبلَ وُجودِهما جميعًا، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. وخرَّجَ القاضى وَجْهًا فى وُقوعِه بُوجودِ أحدِهما، بناءً على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ فى مَن حَلَف أن لا يَفْعلَ شيئًا، ففعلَ بعضَه. وهذا بعيدٌ جدا (٤٩)، يُخالِفُ الأُصُولَ ومُقْتضَى اللُّغةِ والعُرفَ وعامَّةَ أهلِ العلمِ؛ فإنَّه لا خلافَ بينهم فى المسائلِ التى ذكرْناها فى الشَّرطَيْنِ

стр. 5412

جميعًا، وإذا اتَّفَقَ العلماءُ على أنَّه لا يَقعُ طلاقُه (٥٠)؛ لإِخْلالِه بالتَّرتيبِ. فى الشَّرْطَيْنِ المُرتَّبَيْنِ فى مثلِ قولِه: إن أكلْتِ ثم لَبِسْتِ. فلإِخْلالِه بالشَّرْطِ كلِّه أوْلَى، ثم يَلْزَمُ على هذا ما لو قال: إن أعْطْيتِنى درهمينِ فأنَتِ طالقٌ، وإذا مضَى شهرانِ فأنتِ طالقٌ. فإنَّه لا خلافَ [فى أنَّها] (٥١) لا تَطلُقُ قبلَ وُجودِهما جميعًا، وكان قولُه يَقْتَضِى [أن يَقَعَ] (٥٢) الطَّلاقُ بإعطائِه بعضَ (٥٣) درهمٍ، ومُضِىِّ بعضِ يومٍ، وأصولُ الشَّرعِ تَشْهدُ بأنَّ الحُكمَ المُعلَّقَ بشَرْطينِ لا يَثْبُتُ إلَّا بهما، وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّه إذا قال: إذا (٥٤) حِضْتِ حَيْضةً فأنتِ طالقٌ. وإذا قال: إذا صُمْتِ يومًا فأنتِ طالقٌ. أنَّها لا تَطْلُقُ حتى تَحِيضَ حَيْضةً كاملةً، وإذا غابتِ الشَّمسُ مِن اليومِ الذى تَصومُ فيه طَلُقَتْ، وأمَّا اليَمِينُ، فإنَّه متى كان فى لفظِه أو نِيَّتِه ما يَقتَضِى (٥٥) جميعَ المحْلوفِ عليه، لم يَحْنَثْ إلَّا بفِعْلِ جميعِه، وفى مَسْألتِنا ما يَقْتَضِى تَعْليقَ الطَّلاقِ بالشَّرْطينِ معًا، لتَصْريحِه بهما، وجَعْلِهما شَرْطًا للطَّلاقِ، والحُكمُ لا يَثْبُتُ بدونِ شَرْطِه، على أَنَّ اليَمِينَ مُقْتَضاها المنعُ ممَّا حَلَفَ عليه، فيقْتضِى المنعَ مِن فِعْلِ جميعِه، لنَهْىِ (٥٦) الشَّارعِ عن شىءٍ يَقْتضِى المنعَ مِن كلِّ جزءٍ منه، كما يَقْتضِى المنعَ من جُمْلتِه، وما عُلِّقَ على شَرْطٍ جُعِلَ جَزاءً وحُكمًا له، والجزاءُ لا يُوجَدُ بدونِ شَرْطِه، والحُكْمُ لا يَتَحَقَّقُ قبلَ تمامِ شَرْطِه، لُغَةً وعُرفًا وشرعًا.

стр. 5413

فُصُولٌ فى تَعْلِيقِ الطَّلاق إذا قال لامرأتِه: إن حِضْتِ فأنتِ طالقٌ، فقالت: قد حِضْتُ. فصدَّقَها، طَلُقَتْ، وإن كذَّبَها، ففيه روايتانِ؛ إحْداهما، يُقْبَلُ قولُها؛ لأنَّها أمِينةٌ على نفسِها. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ. وهو ظاهرُ المذهبِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ﴾ (١). قيلَ: هو الحَيْضُ والحَمْلُ. ولولا أَنَّ قَوْلَها فيه مقبولٌ، لَما حَرُمَ عليها كِتْمانُه، وصار هذا كما قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٢). لَمَّا حَرَّمَ كتمانَها دلَّ على قَبُولِها، كذا ههُنا. ولأنَّه معنًى فيها لا يُعْرَفُ إلَّا مِن جِهَتِها، فوجبَ الرُّجوعُ إلى قولِها فيه، كقَضاءِ عِدَّتِها. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يُقبَلُ قولُها، ويَختبرُها النِّساءُ، بإدْخالِ قُطْنَةٍ فى الفَرْجِ فى الزَّمانِ الذى ادَّعَتِ الحَيْضَ فيه، فإن ظهرَ الدَّمُ فهى حائِضٌ، وإلَّا فلا. قال أحمدُ، فى روايةِ مُهَنَّا، فى رجلٍ قال لامرأتِه: إذا حِضْتِ فأنتِ طالقٌ وعَبْدِى حُرٌّ. فقالت: قد حِضْتُ: يَنْظُرُ إليها النِّساءُ، فتُعْطى قُطْنَةً وتُخرِجُها، فإن خرَجَ الدَّمُ فهى حائضٌ، تَطْلُقُ ويَعْتِقُ العبدُ. قال أبو بكرٍ: وبهذا أقولُ. وهذا لأنَّ الحَيْضَ يُمْكِنُ التَّوصُّلُ إلى معرفتِه من غيرِها، فلم يُقْبَلْ فيه مُجَرَّدُ قَوْلِها، كدُخولِ الدَّارِ. والأوَّلُ المذهبُ، ولعل أحمدَ إنَّما اعْتَبرَ البَيِّنَةَ فى هذه الرِّوايةِ من أجْلِ عِتْقِ العبدِ، فإنَّ قولَها إنَّما يُقْبَلُ فى حقِّ نفسِها دونَ غيرِها. وهل يُعْتبَرُ يَمِينُها إذا قُلْنا: القَوْلُ قولُها؟ على وَجْهينِ، بِناءً على ما إذا ادَّعَتْ أَنَّ زوجَها طَلَّقَها، فأنكرَها. ولا يُقبَلُ قولُها إلَّا فى حقِّ نفسِها خاصَّةً دُونَ غيرِها، مِن طلاقِ أُخْرَى، أو عِتْقِ عبدٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رجلٍ قال لامرأتِه: إذا حِضْتِ فأنتِ طالقٌ وهذه معك.

стр. 5414

[لامرأتِه الأُخْرَى] (٣). قالت: قد حِضْتُ. من ساعتِها أو بعدَ ساعةٍ، تَطْلُقُ هى، ولا تَطْلُقُ هذه حتى تَعْلَمَ؛ لأنَّها مُؤْتَمَنَةٌ على نفسِها، ولا يُجْعَلُ طلاقُ هذه بيدِها. وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ وغيرِه؛ لأنَّها مُؤْتَمنةٌ فى حقِّ نفسِها دونَ غيرِها، فصارت كالمُودَعِ يُقْبَلُ قولُه فى الرَّدِّ على المُودِعِ دُونَ غيرِه. ولو قال: قد حِضْتِ. فأنْكرتْ (٤). طَلُقَتْ بإقْرارِه. فإن قال: إن حِضْتِ فأنتِ وضَرَّتُك طالقتانِ. فقالتْ: قد حِضْتُ. فصدَّقَها، طَلُقَتَا بإقْرارِه. وإن كذَّبَها، طَلُقَتْ وحدَها. وإن ادَّعتِ الضَّرَّةُ أنَّها قد (٥) حاضَتْ، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ مَعْرفتَها بحَيْض غيرِها كمعرفةِ الزَّوجِ به، وإنَّما اؤْتُمِنَتْ على نفسِها فى حَيْضِها. وإن قال: قد حِضْتِ. فأنكرَتْ، طَلُقَتَا بإقْرارِه. ولو قال لامرأتَيْه: إن حِضْتُما فأنتُما طالقتانِ. فقالتا: قد حِضْنا. فصدَّقَهما، طَلُقَتَا، وإن كذَّبَهما، لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما (٥)؛ لأنَّ طلاقَ كلِّ واحدةٍ منهما مُعَلَّقٌ على شَرْطينِ، حَيْضِها، وحَيْضِ ضَرَّتِها، ولا يُقبَلُ قولُ ضَرَّتِها عليها، فلم يُوجَدِ الشَّرْطانِ. وإن صَدَّقَّ إحْدَاهما، وكذَّبَ الأُخْرَى، طَلُقَتِ المُكَذَّبَةُ وَحْدَها؛ لأنَّ قولَها مقبولٌ فى حقِّها. وقد صدَّقَ الزَّوجُ ضَرَّتَها، فوُجِدَ الشَّرْطانِ فى طَلاقِها، ولم تَطْلُقِ المُصَدَّقَةُ؛ لأنَّ قولَ ضَرَّتِها غيرُ مَقْبولٍ فى حقِّها، وما صدَّقَها الزَّوجُ، فلم يُوجَدْ شَرْطُ طلاقِها. فصل: فإن قال لأرْبَعٍ: إن حِضْتُنَّ فأنتُنَّ طَوالِقُ. فقُلْنَ: قد حِضْنا. فصدَّقَهنّ، طَلُقْنَ. وإن كذَّبَهُنَّ، لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهنَّ؛ لأنَّ شَرْطَ طلاقِهِنَّ حَيْضُ الأرْبعِ، ولم يُوجَدْ. وإن صدَّقَ واحدةً أو اثنتَيْنِ، لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهنَّ؛ لأنَّه لم يُوجَدِ الشَّرطُ. وإن صدَّقَ ثلاثًا، طَلُقَتِ المُكَذَّبَةُ وحدَها؛ لأنَّ قولَها مقبولٌ فى حَيْضِها، وقد صدَّقَ الزَّوجُ صَواحبَها، فوُجِدَ حَيْضُ الأرْبعِ فى حقِّها، فطَلُقَتْ، ولا يَطْلُقُ المُصَدَّقاتُ؛ لأنَّ قولَ المُكَذَّبةِ غيرُ مَقْبولٍ فى حقِّهنّ.

стр. 5415

فصل: وإن قال لهنَّ: كلَّما حاضَتْ إحْداكُنَّ، أو أيَّتُكنَّ حاضَتْ، فضَرَّاتُها طَوالِقُ. فقُلْنَ: قد حِضْنا، فصدَّقَهنَّ، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ منهن ثلاثًا ثلاثًا. وإن كذَّبَهنَّ، لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهنَّ. وإن صدَّقَ واحدةً، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ من ضَرائرِها طلقةً طلقةً، ولم تَطْلُقْ هى؛ لأنَّه لم يَثبُتْ حَيْضُ ضَرَّةٍ لها. وإن صدَّقَ اثنتَيْنِ، طَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ من المُصَدَّقَتَيْنِ (٦) طلقةً طلقةً؛ لأنَّ لكلِّ واحدةٍ منهما ضَرَّةً مُصَدَّقَةً، وطَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ من المُكَذَّبَتَينِ طَلْقتيْنِ طلقتينِ. وإن صدَّقَ ثلاثًا، طَلُقَتِ المُكَذَّبَةُ ثلاثًا، وطَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ من المُصَدَّقاتِ طَلْقتيْنِ طلقتينِ. فصل: إذا قال لطاهرٍ: إذا حِضْتِ فأنتِ طالقٌ. فرأتِ الدَّمَ فى وقتٍ يُمْكِنُ أن يكونَ حَيْضًا، حَكَمْنا بوُقوعِ الطَّلاقِ، كما يُحْكَمُ بكَوْنِه حَيْضًا فى المنْعِ مِنَ الصَّلاةِ وغيرِها ممَّا يَمْنَعُ منه (٧) الحيضُ. وإن بانَ أنَّه ليس بحَيْضٍ، لانقطاعِه لدُونِ أقلِّ الحَيْضِ، بانَ أَنَّ الطَّلاقَ لم يَقَعْ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعلمُ أحدًا قال غيرَ ذلك إلَّا مالكًا، فإنَّ ابنَ القاسمِ روَى عنه، أنَّه يَحْنَثُ حينَ تَكَلَّمَ به. وقد سَبقَ الكلامُ معه فى هذا. وإن قال لحائضٍ: إذا حِضْتِ فأنتِ طالقٌ، لم تَطْلُقْ حتى تَطْهُرَ ثم تَحيضَ. ولو قال لطاهرٍ: إذا طَهُرْتِ (٨) فأنتِ طالقٌ. لم تَطْلُقْ حتى تَحِيضَ ثم تَطْهُرَ. وهذا يُحْكَى عن أبى يوسفَ. وقال بعضُ أصحابِ الشَّافعىِّ: الذى يَقْتَضيه مذهبُ الشّافعىِّ أنَّها تَطْلُقُ بما يَتَجَدَّدُ مِن حَيْضِها وطُهرِها فى المسْألتينِ؛ لأنَّه قد وُجِدَ منها الحَيْضُ والطُّهرُ، فوَقَعَ الطَّلاقُ لوُجودِ صفتِه. ولنا، أَنَّ إذا اسمُ زمنٍ مُستَقْبَلٍ، يَقْتَضِى فعلًا مُستَقْبَلًا، وهذا الحيضُ والطُّهرُ مُسْتَدامٌ غيرُ مُتَجَدِّدٍ، ولا يُفْهَمُ من إطْلاقِ: حاضَتِ المرأةُ وطَهُرَتْ. إلَّا ابتداءُ ذلك، فتَعلّقَتِ الصِّفَةُ به. ولو قال لطاهرٍ: إذا حِضْتِ حَيْضةً فأنتِ طالقٌ. لم تَطْلُقْ حتى تَحِيضَ ثم تَطهُرَ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لا تُوجَدُ حَيْضةٌ كاملةٌ إلَّا بذلك. ولو (٩) قال

стр. 5416

لحائضٍ: إذا طَهُرْتِ فأنتِ طالقٌ. طَلُقَتْ بأوَّلِ الطُّهرِ، وتَطْلُقُ فى المَوْضِعَينِ بانْقطاعِ دمِ الحَيْضِ قبلَ الغُسْلِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى روايةِ إبراهيم الحَرْبِىِّ. وذكر أبو بكرٍ، فى "التَّنْبيهِ" فيها قولًا، أنَّها لا تَطْلُقُ حتى تَغتسِلَ، بناءً على أَنَّ العِدَّةَ لا تَنْقضِى بانْقطاعِ الدَّمِ حتى تَغتسِلَ. ولَنا، أَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (١٠). أى: ينقطعَ دَمُهنَّ، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (١٠). أى: اغْتسَلْنَ. ولأنَّه قد ثَبَتَ لها أحكامُ الطَّاهراتِ فى وُجوبِ الصَّلاةِ وصِحَّةِ الطَّهارةِ والصِّيامِ، وإنَّما بَقِىَ بعضُ الأحكامِ موقوفًا على وُجودِ الغُسْلِ، ولأنَّها ليستْ حائضًا فيَلْزَمُ أن تكونَ طاهرًا؛ لأنَّهما ضِدَّانِ على التَّعْيينِ، فيَلْزمُ [من انتفاءِ أحدِهما وُجودُ] (١١) الآخرِ. فصل: فإن قال لها: إذا حِضْتِ حَيْضةً فأنتِ طالقٌ، وإذا حِضْتِ حَيْضتيْنِ فأنتِ طالقٌ. فحاضت حَيْضةً، طَلُقَتْ واحدةً، فإذا حاضتِ الثَّانيةَ، طَلُقَتْ الثَّانيةَ عندَ طُهرِها منها. وإن قال إذا حِضْتِ حَيْضةً فأنتِ طالقٌ، ثم إذا حضْتِ حَيْضتيْنِ فأنتِ طالقٌ. لم تَطْلُقْ الثَّانيةَ حتى تَطهُرَ مِنَ الحَيْضةِ الثالثةِ؛ لأنَّ ثُمَّ للتَّرْتيبِ، فتَقْتضِى حَيْضتَيْنِ بعدَ الطَّلْقةِ الأُولَى، لكَوْنِهما مُرَتَّبَتَيْنِ عليها. فصل: فإن قال: إذا حِضْتِ نصفَ حَيْضةٍ فأنتِ طالقٌ. طَلُقَتْ إذا ذهبَ نصفُ الحَيْضةِ، ويَنْبغِى أن يُحْكَمَ بوُقوعِ الطَّلاقِ إذا حاضَتْ نصفَ عادتِها؛ لأنَّ الأحكامَ تَعَلَّقَتْ بالعادةِ، فيَتعلَّقُ بها وقوعُ الطَّلاقِ. ويَحْتمِلُ أنَّه لا يُحْكَمُ بوقوعِ الطَّلاقِ حتى يَمْضِىَ سبعةُ أيّامٍ ونصفٌ؛ لأنَّنا لا نَتَيَقَّنُ مُضِىَّ نصفِ الحَيْضةِ إلَّا بذلك، إلَّا أن تَطْهُرَ لأقلَّ من ذلكِ، ومتى طَهُرَتْ تَبَيَّنَّا وُقوعَ الطَّلاقِ فى نصفِ الحَيْضةِ. وقيل: يَلْغُو قولُه: نصفُ حيضةٍ. ويَبْقَى طلاقُها مُعَلَّقًا (١٢) بوُجودِ الحَيْضِ. والأوَّلُ أصحُّ؛ فإنَّ

стр. 5417

الحَيْضَ له مُدَّةٌ، أقلُّها يومٌ وليلةٌ، وله نصفٌ حقيقةً، والجهلُ بقَدْرِ ذلك لا يَمْنَعُ وُجودَه، وتَعَلُّقَ الحُكْمِ به، كالحَمْلِ. فصل: وإن قال لامرأتَيْه: إذا (١٣) حِضْتُما حَيْضةً واحدةً، فأنتُما طالقتانِ. لم تَطْلُقْ واحدةٌ منهما حتى تَحِيضَ كلُّ واحدةٍ منهما حَيْضةً واحدةً، ويَكونُ التَّقديرُ: إن حاضَتْ كلُّ واحدةٍ منكما حَيْضةً واحدةً، فأنتُما طالقتانِ. كقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١٤). أى: اجْلِدُوا كلَّ واحدٍ منهم ثمانينَ (١٥). ويَحْتمِلُ أن يَتَعَلَّقَ الطَّلاقُ بحَيْضِ إحْداهما حيضةً؛ لأنَّه لمَّا تَعذَّرَ وُجودُ الفعلِ منهما، وَجَبَتْ إضافتُه إلى إحْداهما، كقولِه تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (١٦). وإنَّما يَخرجُ مِن أحدِهما. وقال القاضى: يَلْغُو قولُه: حيضة واحدة؛ لأنّ حَيْضةً واحدةً من امْرأتَيْنِ مُحَالٌ، فيَبْقَى كأنَّه قال: إن حِضْتُما فأنتُما طالقتانِ. وهذا أحدُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشَّافعىِّ، والوجهُ الآخرُ (١٧)، لا تَنْعقِدُ هذه الصِّفَةُ؛ لأنَّها مُسْتحيلةٌ، فتَصيرُ كتَعْليقِ الطَّلاقِ بالمُسْتحيلاتِ. والوجهُ الأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ فيه تَصْحيحَ كلامِ المُكَلَّفِ بحَمْلِه على مَحْمَلٍ سائغٍ، وتَبْعيدًا (١٨) لوُقوعِ الطَّلاقِ، واليقينُ بَقاءُ النِّكاحِ، فلا يَزولُ حتى يُوجَدَ ما يَقَعُ به الطَّلاقُ يقينًا، وغيرُ هذا الوجهِ لا يَحْصُلُ به اليقينُ. فإن أرادَ بكلامِه أحدَ هذه الوُجوهِ، حُمِلَ عليه، وإذا ادَّعى ذلك، قُبِلَ منه. وإذا قال: أردتُ أن تكونَ الحَيْضةُ الواحدةُ منهما، فهو تَعْليقٌ للطَّلاقِ (١٩) بمُسْتحيلٍ، فيَحْتمِلُ أن يَلْغُوَ قولُه: حيضةً. ويَحتمِلُ أن لا يَقعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ هذه الصِّفةَ لا تُوجَدُ، فلا يُوجَدُ ما

стр. 5418

عُلِّقَ عليها، ويَحْتمِلُ أن يَقعَ الطَّلاقُ (٢٠) فى الحالِ، ويَلْغُوَ الشَّرْطُ، بِناءً على ما ذكَرْناه فى تَعْليقِ الطَّلاقِ على المُسْتحيلِ. فصل: وإذا كان له أربعُ نِسْوةٍ، فقال: أيَّتُكنَّ لم أطَأْها، فضَرَائِرُها طوالقُ. وقَيَّدَه بوقتٍ، فمَضَى الوقتُ ولم يَطأْهُنَّ، طَلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا؛ لأنَّ لكلِّ واحدةٍ ثلاثَ ضَرائرَ غيرَ مَوطُوءاتٍ. وإن وَطِئَ ثلاثًا وتركَ واحدةً، لم تَطْلُقِ المتْروكةُ؛ لأنَّها ليستْ لها ضَرَّةٌ (٢١) غيرُ مَوْطُوءةٍ، وتَطْلُقُ كلُّ واحدةٍ من المَوْطوءاتِ طلقةً طلقةً. وإن وَطِئَ اثنتَيْنِ طَلُقَتَا طَلْقتينِ طلقتينِ، وطَلُقَتِ المتْرُوكتانِ طلقةً طلقةً. وإن وَطِئَ واحدةً طَلُقَتْ ثلاثًا، وطَلُقَتْ كلُّ واحدةٍ من المتْرُوكاتِ طلقتينِ طلقتينِ. وإن لم يُقَيِّدْهُ بوقتٍ، كان وقتُ الطَّلاقِ مُقَيَّدًا بعُمْرِه وعُمْرِهنَّ (٢٢)، فأيَّتُهنّ ماتتْ طَلُقَتْ (٢٣) كلُّ واحدةٍ مِنْ ضرائرِها طلقةً طلقةً، وإذا ماتت أُخْرَى فكذلك، وإن مات هو طَلُقْنَ كلُّهنَّ فى آخرِ جُزْءٍ من حياتِه. فصل: فإن قال: إن لم تَكُونِى حاملًا فأنتِ طالقٌ. ولم تكن حاملًا، طَلُقَتْ. وإن أتتْ بولدٍ لأقلَّ من ستّةِ أشْهُرٍ من حينِ الْيَمينِ، أو لأقلَّ مِن أربعِ سِنينَ، ولم يَكُنْ يَطأُها، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّا تَبَيَّنّا أنَّها كانت حاملًا بذلك الولدِ. وإن مَضَتْ أربعُ سنينَ ولم تَلِدْ، تَبَيَّنَّا أنَّها طَلُقَتْ حِينَ عَقْدِ اليَمينِ. وإن كان يطَأُها، وأتتْ بولدٍ لأكثرَ مِنْ سِتَّةِ أشهُرٍ وأقلَّ من أربعِ سِنينَ، نَظَرْتَ؛ فإن ظهرَتْ علاماتُ الحَمْلِ، من انْقطاعِ الحَيْضِ ونحوِه، قبلَ وَطْئِه، أو قريبًا منه، بحيثُ [لا يَحْتمِلُ] (٢٤) أن يَكونَ من الوَطْءِ الثَّانى، لم تَطْلُقْ. وإن حاضَتْ أو وُجِدَ ما يَدلُّ على بَراءتِها من الحَمْلِ، طَلُقَتْ. وإن لم يَظْهَرْ ذلك، واحْتمَلَ

стр. 5419

أن يَكونَ من الثَّانى، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، تَطْلُقُ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الحَمْلِ (٢٥) قبلَ الوَطْءِ. والثَّانى، لا تَطْلُقُ؛ لأنَّ اليَقينَ بقاءُ النِّكاحِ، فلا يَزولُ بِشَكٍّ واحْتمالٍ، ولا يَجوزُ للزَّوْجِ وَطؤُها قبلَ الاسْتِبْراءِ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الحَمْلِ ووُقوعُ الطَّلاقِ، والاسْتِبْراءُ (٢٦) ههُنا بحَيْضةٍ، فإن وُجِدَتِ الحَيْضةُ على عادتِها، تَبَيَّنَّا وُقوعَ طلاقِها (٢٧)، وإن لم تَأْتِ فى عادتِها، كان ذلك دليلًا على حَمْلِها وحِلِّ وَطْئِها. وإن قال: إن كُنتِ حاملًا فأنتِ طالقٌ. فهى عَكْسُ المسألةِ التى قبلَها، ففى الموضعِ الذى يَقَعُ الطَّلاقُ ثَمَّ لا يَقَعُ ههُنا، وفى الموضعِ الذى لا يَقَعُ ثَمَّ يَقَعُ ههُنا، إلَّا أنَّها إذا أتتْ بولدٍ لأكثرَ من سِتَّةِ أشهُرٍ، من حينِ وَطْءِ الزَّوجِ بعدَ اليمينِ، ولأقلَّ من أربعِ سِنينَ من حينِ عَقْدِ الصِّفَةِ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ تَعَيُّنَ النِّكاحِ باقٍ، والظَّاهرُ حدوثُ الولدِ من الوطءِ؛ لأنّ الأصلَ عَدَمُه قبلَه. ولا يَحِلُّ له الوَطْءُ حتى يَسْتبْرِئَها. نَصَّ عليه أحمدُ. قال القاضى: يَحْرُمُ الوَطْءُ، سواءٌ قُلْنا: الرَّجْعِيَّةُ مُباحةٌ أو مُحَرَّمةٌ؛ لأنَّه يَمْنعُ المعرفةَ بوُقوعِ الطَّلاقِ وعَدَمِه. وقال أبو الخطَّابِ: فيه روايةٌ أُخْرَى، لا يَحْرُمُ الوَطْءُ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ، وبَراءةُ الرَّحِمِ مِنَ الحَمْلِ. وإذا اسْتَبْرأها، حَلَّ وَطْؤُها على الرِّوايتَيْنِ. ويكونُ الاسْتِبْراءُ بحَيْضةٍ. قال أحمدُ، فى روايةِ أبى طالبٍ: إذا قال لامرأتِه: متى حَمَلْتِ فأنتِ طالقٌ. لا يَقْرَبُها حتى تَحِيضَ، فإذا طَهُرَتْ وَطِئَها، فإن تَأخَّرَ حَيْضُها أُرِيَتِ النِّساءَ مِن أهلِ المعرفةِ، فإن لم يُوجَدْنَ أو خَفِىَ عَلَيْهِنَّ، انْتَظَرَ عليها تسعةَ أشهُرٍ غالبَ مُدَّةِ الحَمْلِ. وذكرَ القاضى فيها روايةً أُخْرَى، أنَّها تُسْتَبْرأُ بثلاثةِ قُرُوءٍ (٢٨)؛ لأنَّه (٢٩) اسْتِبْراءُ الحُرَّةِ (٣٠). وهو أحدُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشّافعىِّ. والصَّحيحُ ما ذكَرْناه؛ لأنّ المقصودَ معرفةُ بَراءةِ

стр. 5420

رَحِمِها، وقد حَصَلَ بحَيْضةٍ، ولهذا قال ﵇: "لَا تُوْطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ" (٣١). يعنى: تُعلَمُ بَراءتُها بحَيْضةٍ، ولأنَّ ما يُعْلَمُ به الْبَراءةُ فى حقِّ الأَمَةِ والحُرَّةِ واحدٌ؛ لأنَّه أمرٌ حقيقىٌّ لا يَختلِفُ بالحُرِّيَّةِ والرِّقِّ. وأمَّا العِدَّةُ، ففيها نوعُ تَعَبُّدٍ لا يَجوزُ أن يُعَدَّى بالْقياسِ. وهل تَعْتَدُّ (٣٢) بالاسْتِبْراءِ قبلَ عَقْدِ اليَمِينِ، أو بالحَيْضةِ التى حَلَفَ فيها؟ على وَجْهينِ، أصَحُّهما الاعْتِدادُ به؛ لأنَّه يَحْصُلُ به ما يَحْصُلُ بالاسْتِبْراءِ بعدَ اليَمينِ. والثَّانى، لا يُعْتَدُّ به؛ لأنَّ الاسْتِبْراءَ لا يَتقدَّمُ على سَببِه، ولأنَّه لا يُعْتَدُّ به فى اسْتِبْراءِ الأَمَةِ (٣٣). قال أحمدُ؛ إذا قال لامرأتِه: إذا حَبِلْتِ فأنتِ طالقٌ. يطأُها فى كلِّ طُهْرٍ مرَّةً. يعنى إذا حاضَتْ ثم طَهُرَتْ حلَّ وَطْؤُها؛ لأنَّ الحيضَ عَلَمٌ على بَراءتِها مِنَ الحَمْلِ، ووَطْؤُها سببٌ له، فإذا وَطِئَها اعْتزَلَها، لاحْتمالِ أن تكونَ قد حَمَلَتْ مِن وَطْئِه، فطَلُقَتْ به. فصل: إذا قال: إن كنتِ حامِلًا بغُلامٍ فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإن وَلَدْتِ أُنْثَى فأنتِ طالقٌ اثنتَيْنِ. فوَلَدَتْ غُلامًا، كانت حامِلًا به وقتَ اليمينِ. تَبَيَّنَّا أنَّها طَلُقَتْ واحدةً حِينَ حَلَفَ، وانقَضَتْ عِدَّتُها بوَضْعِه. وإن وَلَدَتْ أُنْثَى، طَلُقَتْ بولادتِها طَلْقتينِ، واعْتدَّتْ بالقُرُوءِ. وإن وَلَدَتْ غلامًا وجاريةً، وكان الغلامُ أوَّلَهما ولادةً، تَبَيَّنَّا أنَّها طَلُقَتْ واحدةً، وبانَتْ بوضعِ الجاريةِ، ولم تَطْلُقْ بها، وإن كانتِ الجاريةُ أوَّلَهما ولادةً، طَلُقَتْ ثلاثًا؛ واحدةً بحَمْلِ الغلامِ، واثنتَيْنِ بولادةِ الجاريةِ، وانْقَضَتْ عِدَّتُها بوَضْعِ الغلامِ. وإن قال لها: إن كنتِ حامِلًا بغلامٍ فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإن كنتِ حاملًا بجاريةٍ، فأنتِ طالقٌ اثنتَيْنِ. فوَلَدَتْ غلامًا وجاريةً، طَلُقَتْ ثلاثًا. وإن قال: إن كان حَمْلُكِ غلامًا فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإن كان حَمْلُكِ جاريةً فأنتِ طالقٌ اثنتَيْنِ. فوَلَدَتْ غلامًا وجاريةً، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ حَمْلَهَا كلَّه ليس بغلامٍ ولا هو جاريةٌ. ذكَره القاضى، فى

стр. 5421

"المُجَرَّدِ"، وأبو الخطَّابِ. وبه قال الشَّافعىُّ، وأبو ثورٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال: القاضى، فى "الجامعِ": فى وقوعِ الطَّلاقِ وَجْهانِ؛ بناءً على الرِّوايتَيْنِ فى مَن حَلَف: لا لَبِسْتُ ثوبًا مِن غَزْلِها. فَلبِسَ ثوبًا فيه (٣٤) مِن غَزْلِها. فصل: فإن قال: كلَّما وَلَدْتِ ولدًا فأنتِ طالقٌ. فوَلَدَتْ ثلاثًا، دَفْعَةً واحدةً، طَلُقَتْ ثلاثًا؛ لأنَّ صفةَ الثَّلاثِ وُجِدَتْ وهى زوجةٌ. وإن وَلَدَتْهم فى دَفعاتٍ من حَمْلٍ واحدٍ، طُلُقَتْ بالأوَّلَيْنِ، وبانَتْ بالثَّالثِ (٣٥)، ولم تَطْلُقْ. ذكَره أبو بكرٍ. وهو قولُ الشّافعىِّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن ابنِ حامدٍ أنَّها تَطْلُقُ؛ لأنَّ زمانَ البَيْنونةِ زمنُ الوُقوعِ، ولا تَنافِىَ بينَهما. ولنا، أَنَّ العِدَّةَ انقَضَتْ بوضْعِ الحَمْلِ، فصادفَها الطَّلاقُ بائنًا ولم يَقَعْ، كما لو قال: إذا مِتُّ فأنتِ طالقٌ. وقد نصَّ أحمدُ، فى من قال: أنت طالِقٌ (٣٦) مع مَوْتِى. أنَّها لا تَطْلُقُ. فهذا أوْلَى. وإن قال: إن وَلَدْتِ ذكرًا فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإن وَلَدْتِ أُنْثَى فأنتِ طالقٌ اثنتَيْنِ. فوَلَدَتْهما دَفْعَةً واحدةً، طَلُقَتْ ثلاثًا. وإن وَلَدَتْهما فى دَفعتينِ، وقَعَ بالأوَّلِ ما عُلِّقَ عليه، وبانتْ بالثَّانى، ولم يَقَعْ به شىءٌ، إلَّا على قولِ ابنِ حامدٍ. فإن أشْكَلَ الأوّلُ منهما، أو كَيْفِيَّةُ وَضْعِهما، طَلُقَتْ واحدةً بيَقينٍ، ولا تَلْزمُه الثَّانيةُ، والوَرَعُ أن يَلْتزِمَها. وهذا قولُ الشَّافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال القاضى: قياسُ المذهبِ أن يُقْرَعَ بينَهما. وإن قال: إن كان أوَّلُ ما تَلِدِينَ ذكرًا فأنتِ طالقٌ واحدةً، وإن كان أُنْثَى فأنتِ طالقٌ اثنتَيْنِ. فوَلَدَتْهما دَفعَةً واحدةً، لم يَقَعْ بها شىءٌ؛ لأنَّه لا أوَّلَ فيهما، فلم تُوجَدِ الصِّفةُ. وإن وَلَدَتْهما فى دَفْعتَيْنِ، وقَعَ بالأوَّلِ ما عُلِّقَ عليه، ولم يَقَعْ بالثَّانى شىءٌ. فصل: فإن كان له أَرْبعُ نِسْوةٍ، فقال: كلَّما وَلَدتْ واحدةٌ مِنكُنَّ، فضَرَائِرُها

стр. 5422

طوالقُ. فوَلَدْنَ دَفْعَةً واحدةً، طَلُقْنَ كلُّهُنَّ ثلاثًا ثلاثًا. وإن وَلَدْنَ فى دُفعاتٍ، وقَعَ بضرائرِ الأُوَلى (٣٧) طلقةٌ طلقةٌ، فإذا وَلَدَتِ الثَّانيةُ بانتْ بوَضْعِه، ولم تَطْلُقْ. وهل يَطْلُقُ سائرُهنَّ؟ فيه احْتمالانِ؛ أحدُهما، لا يَقَعُ بهنَّ طلاقٌ؛ لأنَّها لمَّا انقَضَتْ عِدَّتُها بانَتْ، فلم يَبْقَيْنَ ضَرائرَها (٣٨)، والزَّوجُ إنما علَّقَ على ولادتِها طلاقَ ضَرائرِها. والوَجْهُ الثَّانى، يَقَعُ بكلِّ واحدةٍ طَلْقةٌ؛ لأنَّهنَّ ضَرائرُها فى حالِ وِلادتِها. فعلى هذا يَقَعُ بكلِّ واحدةٍ مِنَ اللَّتَيْنِ لم يَلِدْنَ طَلْقتانِ طلقتانِ، وتَبِينُ هذه، وتَقعُ بالوالدةِ الأُولى طلقةٌ، فإذا وَلَدَتِ الثالثةُ (٣٩) بانَتْ. وفى وقوعِ الطَّلاقِ بالباقيتَيْنِ وَجْهانِ؛ فإذا قُلْنا: يَقعُ بهنّ. طَلُقَتِ الرَّابعةُ ثلاثًا، والأُولى (٤٠) طَلْقتينِ، وبانتِ الثَّانيةُ والثَّالثةُ، وليس فيهنَّ مَنْ له رَجْعتُها إلَّا الأُولَى، ما لم تَنْقَضِ عِدَّتُها، وإذا وَلَدَتِ الرَّابعةُ لم تَطْلُقْ واحدةٌ مِنهنَّ، وتَنْقَضِى عِدَّتُها بذلك. وإن قال: كلَّما وَلَدَتْ واحدةٌ مِنكُنَّ، فسائرُكنَّ طَوالِقُ. أو: فبَاقِيكُنَّ طَوالِقُ. فكلَّما وَلَدَتْ واحدةٌ، وقَعَ بباقيهِنَّ طلقةٌ طلقةٌ، وتَبِينُ الوالدةُ بوضعِ وَلَدِها إلَّا الأُولَى. والفرقُ بينَ هذه وبينَ التى قبلَها، أَنَّ الثَّانيةَ والثَّالثةَ يَقعُ الطَّلاقُ بباقيهِنَّ بولادتِهما (٤١) ههُنا، وفى الأُولَى لا يَقَعُ؛ لأنَّهُنَّ لم يَبْقَيْنَ ضَرائرَها، وههُنا لم يُعلِّقْه بذلك. وإن قال: كلَّما وَلَدَتْ واحدةٌ مِنكُنَّ فأنْتُنَّ طَوالِقُ. فكذلك، إلَّا أنَّه يَقَعُ على الأُولَى طلقةٌ بولادتِها، فإن كانتِ الثَّانيةُ حاملًا باثْنَيْنِ، فوضَعتِ الأوّلَ (٤٢) منهما، وقعَ بكلِّ واحدةٍ من ضَرائرِها طَلْقةٌ فى المسائلِ كلِّها، ووقَعَ بها طلقةٌ فى المسألةِ الثَّالثةِ. وإذا وضَعتِ الثَّالثةُ، أو كانتْ حاملًا باثنَيْنِ، فكذلك، فتَطْلُقُ الرَّابعةُ ثلاثًا، وتَطْلُقُ كُلُّ واحدةٍ من الوالداتِ طَلْقتينِ طلقتينِ، فى المسْألتينِ الأُولَيَينِ، ؤثلاثًا ثلاثًا، فى

стр. 5423

المسألةِ الثَّالثةِ، [ثم كُلَّما] (٤٣) وضَعتْ واحدةٌ مِنهُنَّ تَمامَ حَمْلِهَا، انْقَضَتْ به عِدَّتُها. قال القاضى: إذا كانت له زَوْجتانِ، فقال: كلَّما وَلَدَتْ واحدةٌ منكما، فأنتُما طالقتانِ. فولَدتْ إحْداهما يومَ الخميسِ، طَلُقَتَا جميعًا، ثم وَلَدَتِ الثَّانيةُ يومَ الجمعةِ، بانَتْ، وانقَضَتْ عِدَّتُها، ولم تَطْلُقْ، وطَلُقَتْ الأُولَى ثانيةً، فإن كانت كلُّ واحدةٍ منهما حامِلًا باثنَيْنِ، طَلُقَتَا (٤٤) بوَضْعِ الثَّانيةِ طَلْقةً طلقةً أيضًا، ثم إذا وَلَدَتِ الأُولَى تَمامَ حَمْلِها، انْقَضَتْ عِدَّتُها به (٤٥)، وطَلُقَتِ الثَّانيةُ ثلاثًا، فإذا وَلَدَتِ الثَّانيةُ تَمامَ حملِها، انْقَضَتْ عِدّتُها به، وطَلُقَتِ الثّانيةُ ثلاثًا. فصل: وإذا قال لامرأتِه: إن كلَّمْتُك فأنتِ طالقٌ. ثم أعادَ ذلك ثانيةً، طَلُقَتْ واحدةً؛ لأنَّ إعادتَه تكْليمٌ لها وشَرْطٌ لطَلاقِها، فإن أعادَه ثالثةً، طَلُقَتْ ثانيةً، إلَّا أن تَكونَ غيرَ مَدْخولِ بها فتَبِين بالأُولَى، ولا يَلْحقُها طلاقٌ ثانٍ، وإن أعادَه رابعةً، طَلُقَتِ الثَّالثةَ. وإن قال: إن كلَّمْتُك فأنتِ طالقٌ، فاعْلَمِى ذلك، أو فتَحَقَّقِى ذلك. حَنِثَ لأنَّه كَلَّمَها (٤٦) بعدَ عَقْدِ اليَمِينِ، إلَّا أن يَنْوِىَ كلامًا مُبتَدَأً، وإن زَجَرَها، فقال: تَنَحَّىْ، أو اسْكُتى أو اذْهبِى. حَنِثَ؛ لأنَّه كلامٌ. وإن سَمِعَها تَذْكُرُهُ (٤٧)، فقال: الكاذبُ عليه لعنةُ اللَّهِ. حَنِثَ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه كلَّمَها. وإن كلّمَها وهى نائمةٌ، أو مغلوبةٌ على عَقْلِها بإغماءٍ أو جنونٍ، لا تَسْمَعُ، أو بعيدةٌ لا تَسْمَعُ كلامَه، أو صَمَّاءُ بحيثُ لا تَفْهَمُ كلامَه ولا تَسمَعُ، أو حَلَفَ لا يُكلِّمُ فلانًا، فكلَّمَه مَيِّتًا، لم يَحْنَثْ. وقال أبو بكرٍ: يَحْنَثُ فى جميعِ ذلك؛ لقولِ أصحابِ النَّبِىِّ ﷺ : كيف تُكلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ فيها (٤٨)؟ . ولَنا، أَنَّ التَّكلُّمَ فِعْلٌ يَتَعدَّى إلى المُتَكَلَّمِ، وقد قِيلَ:

стр. 5424

إنَّه مأخوذٌ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ؛ لأنَّه يُؤَثِّرُ فيه كتأثيرِ الجَرْحِ، ولا يَكونُ ذلك إلَّا بإسْماعِه، فأمَّا تكْليمُ النَّبِىِّ ﷺ المَوْتَى، فمِن مُعْجِزَاتِه (٤٩)، فإنَّه قال: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ". ولم يَثبُتْ هذا لغيرِه، وقولُ أصحابِ النَّبِىِّ ﷺ : كيف تُكلمُ أجسادًا لا أرْواحَ فيها؟ حُجَّةٌ لنا، فإنَّهم قالوا ذلك اسْتِبْعادًا، أو سؤالًا عمَّا خَفِىَ عنهم سَببُه وحِكْمتُه (٥٠)، حتى كَشَفَ لهم النَّبِىُّ ﷺ حِكْمةَ ذلك بأمْرٍ مُخْتَصٍّ به، فيَبْقَى الأمرُ فى حقِّ مَنْ سِواهُ على النَّفْىِ. وَإِنْ حَلَفَ: لا كَلَّمْتِ فُلانًا. فكلَّمَتْه سَكْرانَ، حَنِثَ؛ لأنَّ السَّكرانَ يُكَلَّمُ ويَحْنَثُ، وربَّما كان تَكْليمُه فى حالِ سُكْرِه أضَرَّ من تكْليمِه فى صَحْوِه، وإن كلّمَتْه سَكْرانةً، حَنِث؛ لأنَّ حُكْمَها حُكْمُ الصَّاحِى، وإن كلَّمَتْه، وهو صَبِىٌّ أو مجنونٌ يَسْمَعُ (٥١)، ويَعلمُ أَنَّهُ مُكَلَّمُ حَنِثَ. وإن جُنَّتْ هى، ثم كلَّمَتْه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ القلَمَ مَرْفوعٌ عنها، ولم يَبْقَ لكلامِها حُكْمٌ. فصل: فإن حَلَفَ لا يُكلِّمُ إنْسانًا، فكلّمَه بحيثُ يَسْمَعُ، فلم يَسمَعْ لتَشَاغُلِه أو غَفْلتِه، حَنِثَ؛ لأنَّه كلَّمَه، وإنما لم يَسمَعْ لغَفْلتِه، أو شُغْلِ قلبِه. وإن كلَّمَه، ولم يَعرِفْه؛ فإن كانتْ يَمينُه بالطَّلاقِ، حَنِثَ. قال أحمدُ، فى رجلٍ حَلَفَ بالطَّلاقِ، أَنْ لا يُكلِّمَ حَماتَه، فرآها بالليلِ، فقال: مَنْ هذا؟ : حَنِثَ، قد كلَّمَها. وإن كانت يَمينُه باللَّهِ تعالى، أو يَمِينًا مُكَفَّرَةً، فالصَّحيحُ أنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَقْصِدْ تكْليمَه، فأشْبَهَ النَّاسِىَ، ولأنَّه ظَنَّ المحْلوفَ عليه غيرَه، فأشْبَهَ لَغْوَ اليمينِ. وإن سَلَّمَ عليه، حَنِثَ؛ لأنَّه كلَّمَه بالسَّلامِ. وإن سلَّمَ على جماعةٍ هو فيهم، وأرادَ جميعَهم بالسَّلامِ، حَنِثَ؛

стр. 5425

لأنَّه كلَّمَهم كُلَّهم، وإن قصدَ بالسَّلامِ مَنْ عَداه، لم يَحنَثْ؛ لأنَّه إنَّما كلَّمَ غيرَه وهو يَسْمَعُ، وإن لم يَعلمْ أنَّه فيهم، ففيه روايتانِ؛ إحْدَاهما: يَحْنَثُ؛ لأنَّه كلَّمَهم جميعَهم وهو فيهم. والثَّانيةُ، لا يَحنَثُ؛ لأنَّه لم يَقْصِدْه. ويُمْكِنُ حَمْلُ قولِه فى الحِنْثِ على اليَمينِ بالطَّلاقِ والعَتَاقِ؛ لأنَّه لا يُعذَرُ فيهما (٥٢) بالنِّسيَانِ والجهلِ، فى الصَّحيحِ مِن المذهبِ، وعَدَمِ الحِنثِ على الْيَمينِ المُكَفَّرَةِ. فإن كان الحالِفُ إمامًا، والمحْلوفُ عليه مأمومًا، لم يَحْنَثْ بتسْليمِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه للخُروجِ منها، إلَّا أن يَنْوِىَ بتسْليمِه المَأْمُومينَ يخَكون حُكمُه حُكْمَ ما لو سَلَّمَ عليهم فى غيرِ الصَّلاةِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ بحالٍ؛ لأنَّ هذا لا يُعَدُّ تكليمًا، ولا يُريدُه الحالِفُ. وإن حَلَفَ لا يُكلِّمُ فلانًا، فكلَّمَ إنسانًا، وفلانًا يَسمَعُ، يَقْصِدُ بذلك إسْماعَه، كما قال: * إِيَّاكِ أعْنِى واسْمَعِى يا جارَه (٥٣) * حَنِثَ. نَصَّ عليه أحمدُ، قال: إذا حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فلانًا، فكلَّمَ إنسانًا، وفلانٌ يَسْمَعُ، يُريدُ بكلامِه إيَّاه المحْلوفَ عليه، حَنِثَ؛ لأنَّه قد أرادَ تكليمَه. ورُوِىَ عن أبى بَكْرةَ ما يَدلُّ على أنَّه لا يَحْنَثُ، فإنَّه كان حَلَفَ أن لا يُكلِّمَ أخاه زيادًا، فعزمَ زيادٌ على الحَجِّ، فجاء أبو بَكْرةَ فدخلَ قصرَه، وأخذ ابنَه فى حِجْرِه، فقال: إنّ أباكَ يُريدُ الحَجَّ والدُّخولَ على زَوْجِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بهذا السَّبَبِ، وقد علمَ أنَّه غيرُ صحيحٍ. ثم خرجَ، ولم يَرَ أنَّه كلَّمَه (٥٤). والأوَّلُ الصَّحيحُ؛ لأنَّه أسْمعَه كلامَه يُريدُه به، فأشْبَهَ ما لو خاطبَه به، ولأنَّ به مَقْصودَ تكْليمِه قد حَصَلَ بإسْماعِه كلامَه. فصل: فإن كتبَ إليه، أو أرسلَ إليه رَسولًا، حَنِثَ، إلَّا أن يكونَ قَصَدَ أَنْ لا يُشافِهَه. نَصَّ عليه أحمدُ، وذكرَه الخِرَقِىُّ [فى] (٥٥) مَوْضِعٍ آخرَ، وذلك لقولِ اللَّهِ

стр. 5426

تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (٥٦). ولأنَّ القَصْدَ بالتَّرْكِ لكلامِه هِجْرانُه، ولا يَحْصُلُ مع مُواصَلتِه بالرُّسُلِ والكُتُبِ. ويَحْتمِلُ أن لا يَحنَثَ إلَّا أن يَنْوِىَ ترْكَ ذلك؛ لأنَّ هذا ليس بتكْليمٍ حقيقةً، ولو حَلَفَ لَيُكَلِّمَنَّه، لم يَبَرَّ بذلك، إلَّا أن يَنوِيَه، فكذلك لا يحْنَثُ به. ولو حَلَفَ لا يُكلِّمُه، فأرْسلَ إنْسانًا يَسْألُ أهلَ العلمِ عن مسْألةٍ أو حديثٍ، فجاءَ الرَّسولُ، فسألَ المحْلوفَ عليه، لم يَحنَثْ بذلك. وإن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ امْرأتَه، فجامعَها، لم يَحْنَثْ، إلَّا أن تكونَ نِيَّتُه هِجْرانَها. قال أحمدُ، فى رجلٍ قال لامرأتِه: إن كلَّمْتُك خمسةَ أيّامٍ فأنتِ طالقٌ. ألَهُ أن يُجامِعَها ولا يُكلِّمَها؟ فقال: أىُّ شىءٍ كان بُدُوُّ هذا أيَسُوءُها أو يَغِيظُها؟ فإن لم يَكُنْ له نِيَّةٌ، فله أن يُجَامعَها ولا يُكلِّمَها. وإن حَلَفَ لا يَقْرأُ كتابَ فلانٍ. فقرأه فى نفسهِ، ولم يُحَرِّكْ شَفتَيْه به، حَنِثَ؛ لأنَّ هذا قراءةُ الكُتُبِ فى عُرْفِ النَّاسِ، فتَنْصرِفُ يَمينُه إليه، إلَّا أن يَنْوِىَ حقيقةَ القراءةِ. قال أحمدُ: إذا حَلَفَ: لا قَرأْتُ لفلانٍ كتابًا. ففتَحَه حتى اسْتَقْصَى آخِرَه، إلَّا أنَّه لم يُحرِّكْ شَفتَيْه، فإن أراد أن لا يَعْلمَ ما فيه، فقد عَلِمَ ما فيه وقرأه. فصل: فإن قال لامرأتِه: إن بدَأْتُك بالكلامِ فأنتِ طالقٌ. فقالتْ: إن بَدأْتُك بالكلامِ فعَبْدِى حُرٌّ. انْحَلَّتْ يَمينُه؛ لأنَّها (٥٧) لمَّا خاطبَتْه بيَمينِها، فاتَتْه البدايةُ بكلامِها، وبَقِيَتْ يَمينُها مُعلَّقةً، فإن بدَأها بكلامٍ انحَلَّتْ يَمِينُها أيضًا، وإن بَدأَتْه هى، عَتَقَ عبدُها. هكذا ذكرَه أصحابُنا. ويَحْتمِلُ أنَّه إن بَدأَها بالكلامِ (٥٨) فى وقتٍ آخَرَ، حَنِثَ؛ لأنَّ ذلك يُسَمَّى بدايةً، فتناولَتْه يَمينُه، إلَّا أن يَنْوِىَ تركَ البدايةِ فى هذا الوقتِ، أو هذا المجلسِ، فيَتقيَّدَ به. فصل: فإن قال لامرأتَيْه: إن كلَّمْتُما هذينِ الرَّجلَيْنِ فأنتُما طالقتانِ. فكلَّمَتْ كلُّ

стр. 5427

واحدةٍ رجلًا، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ تَكْليمَهما وُجِدَ منهما، فحَنِثَ، كما لو قال: إن حِضْتُما فأنُتما طالقتانِ. فحاضَتْ كلُّ واحدةٍ حَيْضةً. وكذلك لو قال: إن رَكِبْتُما دابَّتَيْكما فأنُتما طالقتانِ. فرَكِبَت كلُّ واحدةٍ دابَّتَهَا. والوجهُ الثانى، لا يَحْنَثُ حتى تُكَلِّمَ كلُّ واحدةٍ منهما الرَّجُلَينِ معًا؛ لأنَّه علَّقَ طلاقَهما بكلامِهما لهما، فلا تَطْلُقُ واحدةٌ بكلامِ الأُخْرَى وحدَها. وهذا أظْهَرُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشَّافعىِّ. وهكذا لو (٥٩) قال: إن دخَلْتُما هاتَيْنِ الدَّارَيْنِ. فالحُكْمُ فيها كالأُولَى. وهذا فيما لم تَجرِ العادةُ بانْفرادِ الواحدِ به، فأمَّا مَا جَرَى العُرْفُ فيه بانْفرادِ الواحدِ فيه بالواحدِ، كنحوِ: رَكِبَا دابَّتَيْهما، ولَبِسا ثوبَيْهما، وتَقَلَّدا سَيْفَيْهما، واعْتَقَلا رُمْحَيْهما، ودخَلا بزَوْجَيْهما. وأشْباه هذا، فإنَّه يَحنَثُ إذا وُجِدَ منهما مُنْفَرِدَيْنِ، وما لم تَجْرِ العادةُ فيه بذلك، فهو على الوَجْهينِ. [واللَّهُ أعلمُ] (٦٠). ولو قال: إن أكْلتُما هذينِ الرَّغِيفَيْنِ. فأكلتْ كلُّ واحدةٍ منهما رغيفًا، حَنِثَ (٦١)؛ لأنَّه يَسْتحيلُ أن تَأْكُلَ كلُّ واحدةٍ منهما الرَّغِيفَيْنِ، بخلافِ الرَّجُلَيْنِ والدَّارينِ. فصل: فإن قال: أنت طالقٌ إن كلَّمتِ زيدًا، ومحمَّدٌ مع خالدٍ. لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَ زيدًا فى حالٍ يَكونُ [فيه محمّدٌ] (٦٢) مع خالدٍ. وذكر القاضى أنَّه يَحْنَثُ بكلامِ زيدٍ فقط؛ لأنَّ قولَه: محمّدٌ مع خالدٍ اسْتِئْنافُ كلامٍ؛ بدليلِ أنَّه مَرْفوعٌ. والصَّحيحُ ما قُلْنا (٦٣)؛ لأنَّه متى أمْكَنَ جَعْلُ الكلامِ مُتَّصِلًا كان أوْلَى مِن قَطْعِه، والرَّفْعُ لا يَنْفِى كوَنه حالًا، فإنّ الجملةَ مِنَ المبتدإِ والخَبرِ تَكونُ حالًا، كقولِه تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (٦٤). وقال: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٦٥). ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ

стр. 5428

الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ (٦٦). وهذا كثيرٌ، فلا يَجُوزُ قَطْعُه عن الكلامِ الذى هو فى سِيَاقِه مع إمْكانِ وَصْلِه به، ولو قال: إن كلَّمتِ زيدًا ومحمّدٌ مع خالدٍ فأنتِ طالقٌ. لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَ زيدًا فى حالِ كونِ محمدٍ مع خالدٍ، فكذلك إذا تَأخَّرَ قوله: محمد مع خالدٍ. ولو قال: أنتِ طالقٌ إن (٦٧) كلَّمتِ زيدًا وأنا غائبٌ، لم تَطْلُقْ حتى تُكلِّمَه فى حالِ غَيْبتِه. وكذلك لو قال: أنتِ طالقٌ إن كلَّمتِ زيدًا وأنتِ راكبةٌ. أو وهو راكبٌ. أو: ومحمدٌ راكبٌ. لم تَطْلُقْ حتى تُكلِّمَه فى تلكِ الحالِ. ولو قال: أنتِ طالقٌ إن كلَّمْتِ زيدًا ومحمدٌ أخوه مريضٌ. لم تَطْلُقْ حتى تُكلِّمَه وأخوه محمدٌ مريضٌ. فصل: فإن قال: إن كلَّمْتِينِى (٦٨) إلى أن يَقْدَمَ زيدٌ. أو: حتى يَقْدَمَ زيدٌ، فأنتِ طالقٌ. فكلَّمَتْه قبلَ قُدُومِه، حَنِثَ؛ لأنَّه مَدَّ المَنْعَ إلى غايةٍ هى قُدُومُ زيدٍ، فلا يَحْنَثُ بعدَها. فإن قال: أردتُ إن اسْتَدَمْتِ كلامِى مِن الآن إلى أن يَقْدَمَ زيدٌ. دِينَ. وهل يُقبَلُ فى الحُكمِ؟ يَحْتمِلُ وَجْهَيْنِ. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ إنْ شئتِ. أو: وإذا شئتِ. أو: متى شِئتِ. أو: كلَّما شئتِ. أو: كيف شئتِ. أو: حيث شئتِ. أو: أنَّى شئتِ. لم تَطْلُقْ حتى تشاءَ، وتَنطِقَ بالمشيئةِ بلسانِها، فتقولَ: قد شئتُ. لأنَّ ما فى القلبِ لا يُعْلَمُ حتى يُعبِّرَ عنه اللِّسانُ، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ بما ينْطِقُ (٦٩) به، دونَ ما فى القلبِ، فلو شاءت بقلبِها دونَ نُطْقِها، لم يَقَعْ طلاقٌ، ولو قالت: قد شِئْتُ. بلسانِها وهى كارهةٌ، لَوقعَ الطَّلاقُ، اعتبارًا بالنُّطِق. وكذلك إن علَّقَ الطَّلاقَ بمَشِيئةِ غيرِها. ومتى وُجِدَتِ المَشيئةُ باللِّسانِ، وقعَ الطَّلاقُ، سَواءٌ كان على الفَوْرِ أو التَّراخِى. نصَّ عليه أحمدُ، فى تَعْليقِ

стр. 5429

الطَّلاقِ بمَشِيئةِ فلانٍ، وفيما إذا قال: أنتِ طالقٌ حيث شئتِ. أو: أنَّى (٧٠) شئتِ. ونحوَ هذا قال الزُّهْرِىُّ، وقَتَادَةُ. وقال أبو حنيفةَ دُونَ صاحبَيْه: إذا قال: أنتِ طالقٌ كيف شئتِ. تَطْلُقُ فى الحالِ طلقةً رجْعيَّةً؛ لأنَّ هذا ليس بشَرْطٍ، وإنَّما هو صِفَةٌ للطَّلاقِ الواقعِ بمَشِيئتِها. ولَنا، أنَّه أضاف الطَّلاقَ إلى مَشِيئَتِها، فأشْبَهَ (٧١) ما لو قال: حيثُ شِئْتِ. وقال الشَّافعىُّ فى جميعِ الحروفِ: إن شاءَتْ فى الحالِ، وإلَّا فلا تَطْلُقُ؛ لأنَّ هذا تَمْليكٌ للطَّلاقِ، فكان على الفَوْرِ، كقولِه: اخْتارِى. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ فى "إن" كقولِه، وفى سائرِ الحروفِ كقَوْلِنا؛ لأنَّ هذه الحروفَ صَرِيحةٌ فى التَّراخِى، فحُمِلَتْ على مُقْتَضاها، بخلافِ "إن"، فإنَّها لا تَقْتَضى زمانًا، وإنَّما هى لمُجرَّدِ الشَّرْطِ، فتُقَيَّدُ بالفَوْرِ بقَضِيَّةِ التَّمْليكِ. وقال الحسنُ، وعطاءٌ: إذا قال: أنتِ طالقٌ إن شئتِ. إنَّما ذلك لها ما دامَا فى مَجْلسِهما. ولَنا، أنَّه تَعْليقٌ للطَّلاقِ على شَرْطٍ، فكان على التَّراخِى، كسائرِ التَّعْليقِ، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ مُعَلَّقٍ على المشيئةِ، فكان على التَّراخِى كالعِتْقِ، وفارَقَ: اخْتارِى. فإنَّه ليس بشَرْطٍ، إنَّما هو تَخْييرٌ، فتَقَيَّدَ بالمجلسِ، كخِيَارِ المَجْلسِ. وإن ماتَ مَن له المشيئةُ، أو جُنَّ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ شَرْطَ الطَّلاقِ لم يُوجَدْ. وحُكِىَ عن أبى بكرٍ، أنَّه يَقَعُ (٧٢). وليس بصحيحٍ؛ لأنَّ الطَّلاقَ المُعَلَّقَ على شَرْطٍ لا يَقَعُ إذا تَعذَّرَ شَرْطُه، كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن دَخَلْتِ الدَّارَ، وإن شاءَ. وهو مَجْنونٌ، لم يَقَعْ طلاقُه؛ لأنَّه لا حُكْمَ لكلامِه. وإن شاءَ، وهو سكرانُ. فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَقَعُ؛ لأنَّه زائلُ العقلِ، فهو كالمجنونِ. وقال أصْحابُنا: يُخَرَّجُ على الرِّوايتَيْنِ فى طَلاقِه، والفَرْقُ بينهما أَنَّ إيقاعَ طَلاقِه تَغْليظٌ عليه، كيلا تكونَ المَعْصِيَةُ سببًا للتَّخْفيفِ عنه، وههُنا إنَّما يَقَعُ الطَّلاقُ بغيرِه (٧٣)، فلا يَصِحُّ منه فى حالِ زَوالِ

стр. 5430

عَقْلِه، وإن شاءَ، وهو طِفلٌ، لم يَقَعْ؛ لأنَّه كالمجنونِ. وإن كان يَعقِلُ الطَّلاقَ، وقعَ؛ لأنَّ له مَشِيئةً، ولذلك صَحَّ اختيارُه لأحدِ أبَوَيْهِ. وإن كان أخْرَسَ، فشاءَ بالإِشارةِ، وقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ إشارتَه تَقومُ مَقامَ نُطْقِ النَّاطِقِ، ولذلك وقعَ طلاقُه بها، وإن كان ناطِقًا حالَ التَّعْليقِ، فخَرِسَ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَقَعُ الطَّلاقُ به؛ لأنَّ طَلاقَه فى نفسِه يَقَعُ بها، فكذلك طَلاقُ مَن علَّقَه بمَشِيئةٍ. والثّانى، لا يَقَعُ بها؛ لأنَّه حالَ التَّعليقِ، كان (٧٤) لا يَقَعُ إلَّا بالنُّطْقِ (٧٥)، فلم يَقَعْ بغيرِه، كما لو قال فى التَّعْليقِ: إن نَطَقَ فلانٌ بمشِيئتِه فهى طالقٌ. فصل: فإن قَيَّدَ الْمَشِيئةَ بوَقْتٍ، فقال: أنتِ طالقٌ إن شئتِ اليومَ. تَقَيَّدُ به، فإن خرجَ اليومُ قبلَ مَشِيئتِها لم تَطْلُقْ. وإن علَّقَه على مَشِيئَةِ (٧٦) اثْنَيْنِ، لم يَقَعْ حتى تُوجَدَ مَشِيئتُهما، وخَرَّجَ القاضى وَجْهًا أنَّه يَقَعُ بمَشِيئةِ أحدِهما، كما يَحْنَثُ بفِعْلِ بعضِ المحْلوفِ عليه، وقد بَيَّنَّا فسادَ هذا. فإن قال: أنتِ طالقٌ إن شِئْتِ وشاءَ أبوكِ. فقالتْ: قد شِئْتُ إن شاءَ أبى. فقال أبوها: قد شِئْتُ. لم تَطْلُقْ؛ لأنَّها لم تَشَأُ، فإنَّ المَشِيئةَ أمرٌ خَفِىٌّ (٧٧)، لا يَصحُّ تَعْليقُها على شَرْطٍ. وكذلك لو قال: أنتِ طالقٌ إن شئْتِ. فقالت: قد شئتُ إن شئتَ. فقال: قد شئتُ. أو قالتْ (٧٨): قد شئتُ إن طَلَعَتِ الشَّمسُ. لم يَقَعْ. نَصَّ (٧٩) أحمدُ، على مَعْنَى هذا (٨٠)، وهو قَوْلُ سائرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشَّافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ (٨١)
следующие страницы →