← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (٥٦). ولأنَّ القَصْدَ بالتَّرْكِ لكلامِه هِجْرانُه، ولا يَحْصُلُ مع مُواصَلتِه بالرُّسُلِ والكُتُبِ. ويَحْتمِلُ أن لا يَحنَثَ إلَّا أن يَنْوِىَ ترْكَ ذلك؛ لأنَّ هذا ليس بتكْليمٍ حقيقةً، ولو حَلَفَ لَيُكَلِّمَنَّه، لم يَبَرَّ بذلك، إلَّا أن يَنوِيَه، فكذلك لا يحْنَثُ به. ولو حَلَفَ لا يُكلِّمُه، فأرْسلَ إنْسانًا يَسْألُ أهلَ العلمِ عن مسْألةٍ أو حديثٍ، فجاءَ الرَّسولُ، فسألَ المحْلوفَ عليه، لم يَحنَثْ بذلك. وإن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ امْرأتَه، فجامعَها، لم يَحْنَثْ، إلَّا أن تكونَ نِيَّتُه هِجْرانَها. قال أحمدُ، فى رجلٍ قال لامرأتِه: إن كلَّمْتُك خمسةَ أيّامٍ فأنتِ طالقٌ. ألَهُ أن يُجامِعَها ولا يُكلِّمَها؟ فقال: أىُّ شىءٍ كان بُدُوُّ هذا أيَسُوءُها أو يَغِيظُها؟ فإن لم يَكُنْ له نِيَّةٌ، فله أن يُجَامعَها ولا يُكلِّمَها. وإن حَلَفَ لا يَقْرأُ كتابَ فلانٍ. فقرأه فى نفسهِ، ولم يُحَرِّكْ شَفتَيْه به، حَنِثَ؛ لأنَّ هذا قراءةُ الكُتُبِ فى عُرْفِ النَّاسِ، فتَنْصرِفُ يَمينُه إليه، إلَّا أن يَنْوِىَ حقيقةَ القراءةِ. قال أحمدُ: إذا حَلَفَ: لا قَرأْتُ لفلانٍ كتابًا. ففتَحَه حتى اسْتَقْصَى آخِرَه، إلَّا أنَّه لم يُحرِّكْ شَفتَيْه، فإن أراد أن لا يَعْلمَ ما فيه، فقد عَلِمَ ما فيه وقرأه. فصل: فإن قال لامرأتِه: إن بدَأْتُك بالكلامِ فأنتِ طالقٌ. فقالتْ: إن بَدأْتُك بالكلامِ فعَبْدِى حُرٌّ. انْحَلَّتْ يَمينُه؛ لأنَّها (٥٧) لمَّا خاطبَتْه بيَمينِها، فاتَتْه البدايةُ بكلامِها، وبَقِيَتْ يَمينُها مُعلَّقةً، فإن بدَأها بكلامٍ انحَلَّتْ يَمِينُها أيضًا، وإن بَدأَتْه هى، عَتَقَ عبدُها. هكذا ذكرَه أصحابُنا. ويَحْتمِلُ أنَّه إن بَدأَها بالكلامِ (٥٨) فى وقتٍ آخَرَ، حَنِثَ؛ لأنَّ ذلك يُسَمَّى بدايةً، فتناولَتْه يَمينُه، إلَّا أن يَنْوِىَ تركَ البدايةِ فى هذا الوقتِ، أو هذا المجلسِ، فيَتقيَّدَ به. فصل: فإن قال لامرأتَيْه: إن كلَّمْتُما هذينِ الرَّجلَيْنِ فأنتُما طالقتانِ. فكلَّمَتْ كلُّ

стр. 5427

واحدةٍ رجلًا، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ تَكْليمَهما وُجِدَ منهما، فحَنِثَ، كما لو قال: إن حِضْتُما فأنُتما طالقتانِ. فحاضَتْ كلُّ واحدةٍ حَيْضةً. وكذلك لو قال: إن رَكِبْتُما دابَّتَيْكما فأنُتما طالقتانِ. فرَكِبَت كلُّ واحدةٍ دابَّتَهَا. والوجهُ الثانى، لا يَحْنَثُ حتى تُكَلِّمَ كلُّ واحدةٍ منهما الرَّجُلَينِ معًا؛ لأنَّه علَّقَ طلاقَهما بكلامِهما لهما، فلا تَطْلُقُ واحدةٌ بكلامِ الأُخْرَى وحدَها. وهذا أظْهَرُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشَّافعىِّ. وهكذا لو (٥٩) قال: إن دخَلْتُما هاتَيْنِ الدَّارَيْنِ. فالحُكْمُ فيها كالأُولَى. وهذا فيما لم تَجرِ العادةُ بانْفرادِ الواحدِ به، فأمَّا مَا جَرَى العُرْفُ فيه بانْفرادِ الواحدِ فيه بالواحدِ، كنحوِ: رَكِبَا دابَّتَيْهما، ولَبِسا ثوبَيْهما، وتَقَلَّدا سَيْفَيْهما، واعْتَقَلا رُمْحَيْهما، ودخَلا بزَوْجَيْهما. وأشْباه هذا، فإنَّه يَحنَثُ إذا وُجِدَ منهما مُنْفَرِدَيْنِ، وما لم تَجْرِ العادةُ فيه بذلك، فهو على الوَجْهينِ. [واللَّهُ أعلمُ] (٦٠). ولو قال: إن أكْلتُما هذينِ الرَّغِيفَيْنِ. فأكلتْ كلُّ واحدةٍ منهما رغيفًا، حَنِثَ (٦١)؛ لأنَّه يَسْتحيلُ أن تَأْكُلَ كلُّ واحدةٍ منهما الرَّغِيفَيْنِ، بخلافِ الرَّجُلَيْنِ والدَّارينِ. فصل: فإن قال: أنت طالقٌ إن كلَّمتِ زيدًا، ومحمَّدٌ مع خالدٍ. لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَ زيدًا فى حالٍ يَكونُ [فيه محمّدٌ] (٦٢) مع خالدٍ. وذكر القاضى أنَّه يَحْنَثُ بكلامِ زيدٍ فقط؛ لأنَّ قولَه: محمّدٌ مع خالدٍ اسْتِئْنافُ كلامٍ؛ بدليلِ أنَّه مَرْفوعٌ. والصَّحيحُ ما قُلْنا (٦٣)؛ لأنَّه متى أمْكَنَ جَعْلُ الكلامِ مُتَّصِلًا كان أوْلَى مِن قَطْعِه، والرَّفْعُ لا يَنْفِى كوَنه حالًا، فإنّ الجملةَ مِنَ المبتدإِ والخَبرِ تَكونُ حالًا، كقولِه تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (٦٤). وقال: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٦٥). ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ

стр. 5428

الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ (٦٦). وهذا كثيرٌ، فلا يَجُوزُ قَطْعُه عن الكلامِ الذى هو فى سِيَاقِه مع إمْكانِ وَصْلِه به، ولو قال: إن كلَّمتِ زيدًا ومحمّدٌ مع خالدٍ فأنتِ طالقٌ. لم تَطْلُقْ حتى تُكَلِّمَ زيدًا فى حالِ كونِ محمدٍ مع خالدٍ، فكذلك إذا تَأخَّرَ قوله: محمد مع خالدٍ. ولو قال: أنتِ طالقٌ إن (٦٧) كلَّمتِ زيدًا وأنا غائبٌ، لم تَطْلُقْ حتى تُكلِّمَه فى حالِ غَيْبتِه. وكذلك لو قال: أنتِ طالقٌ إن كلَّمتِ زيدًا وأنتِ راكبةٌ. أو وهو راكبٌ. أو: ومحمدٌ راكبٌ. لم تَطْلُقْ حتى تُكلِّمَه فى تلكِ الحالِ. ولو قال: أنتِ طالقٌ إن كلَّمْتِ زيدًا ومحمدٌ أخوه مريضٌ. لم تَطْلُقْ حتى تُكلِّمَه وأخوه محمدٌ مريضٌ. فصل: فإن قال: إن كلَّمْتِينِى (٦٨) إلى أن يَقْدَمَ زيدٌ. أو: حتى يَقْدَمَ زيدٌ، فأنتِ طالقٌ. فكلَّمَتْه قبلَ قُدُومِه، حَنِثَ؛ لأنَّه مَدَّ المَنْعَ إلى غايةٍ هى قُدُومُ زيدٍ، فلا يَحْنَثُ بعدَها. فإن قال: أردتُ إن اسْتَدَمْتِ كلامِى مِن الآن إلى أن يَقْدَمَ زيدٌ. دِينَ. وهل يُقبَلُ فى الحُكمِ؟ يَحْتمِلُ وَجْهَيْنِ. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ إنْ شئتِ. أو: وإذا شئتِ. أو: متى شِئتِ. أو: كلَّما شئتِ. أو: كيف شئتِ. أو: حيث شئتِ. أو: أنَّى شئتِ. لم تَطْلُقْ حتى تشاءَ، وتَنطِقَ بالمشيئةِ بلسانِها، فتقولَ: قد شئتُ. لأنَّ ما فى القلبِ لا يُعْلَمُ حتى يُعبِّرَ عنه اللِّسانُ، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ بما ينْطِقُ (٦٩) به، دونَ ما فى القلبِ، فلو شاءت بقلبِها دونَ نُطْقِها، لم يَقَعْ طلاقٌ، ولو قالت: قد شِئْتُ. بلسانِها وهى كارهةٌ، لَوقعَ الطَّلاقُ، اعتبارًا بالنُّطِق. وكذلك إن علَّقَ الطَّلاقَ بمَشِيئةِ غيرِها. ومتى وُجِدَتِ المَشيئةُ باللِّسانِ، وقعَ الطَّلاقُ، سَواءٌ كان على الفَوْرِ أو التَّراخِى. نصَّ عليه أحمدُ، فى تَعْليقِ

стр. 5429

الطَّلاقِ بمَشِيئةِ فلانٍ، وفيما إذا قال: أنتِ طالقٌ حيث شئتِ. أو: أنَّى (٧٠) شئتِ. ونحوَ هذا قال الزُّهْرِىُّ، وقَتَادَةُ. وقال أبو حنيفةَ دُونَ صاحبَيْه: إذا قال: أنتِ طالقٌ كيف شئتِ. تَطْلُقُ فى الحالِ طلقةً رجْعيَّةً؛ لأنَّ هذا ليس بشَرْطٍ، وإنَّما هو صِفَةٌ للطَّلاقِ الواقعِ بمَشِيئتِها. ولَنا، أنَّه أضاف الطَّلاقَ إلى مَشِيئَتِها، فأشْبَهَ (٧١) ما لو قال: حيثُ شِئْتِ. وقال الشَّافعىُّ فى جميعِ الحروفِ: إن شاءَتْ فى الحالِ، وإلَّا فلا تَطْلُقُ؛ لأنَّ هذا تَمْليكٌ للطَّلاقِ، فكان على الفَوْرِ، كقولِه: اخْتارِى. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ فى "إن" كقولِه، وفى سائرِ الحروفِ كقَوْلِنا؛ لأنَّ هذه الحروفَ صَرِيحةٌ فى التَّراخِى، فحُمِلَتْ على مُقْتَضاها، بخلافِ "إن"، فإنَّها لا تَقْتَضى زمانًا، وإنَّما هى لمُجرَّدِ الشَّرْطِ، فتُقَيَّدُ بالفَوْرِ بقَضِيَّةِ التَّمْليكِ. وقال الحسنُ، وعطاءٌ: إذا قال: أنتِ طالقٌ إن شئتِ. إنَّما ذلك لها ما دامَا فى مَجْلسِهما. ولَنا، أنَّه تَعْليقٌ للطَّلاقِ على شَرْطٍ، فكان على التَّراخِى، كسائرِ التَّعْليقِ، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ مُعَلَّقٍ على المشيئةِ، فكان على التَّراخِى كالعِتْقِ، وفارَقَ: اخْتارِى. فإنَّه ليس بشَرْطٍ، إنَّما هو تَخْييرٌ، فتَقَيَّدَ بالمجلسِ، كخِيَارِ المَجْلسِ. وإن ماتَ مَن له المشيئةُ، أو جُنَّ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ شَرْطَ الطَّلاقِ لم يُوجَدْ. وحُكِىَ عن أبى بكرٍ، أنَّه يَقَعُ (٧٢). وليس بصحيحٍ؛ لأنَّ الطَّلاقَ المُعَلَّقَ على شَرْطٍ لا يَقَعُ إذا تَعذَّرَ شَرْطُه، كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن دَخَلْتِ الدَّارَ، وإن شاءَ. وهو مَجْنونٌ، لم يَقَعْ طلاقُه؛ لأنَّه لا حُكْمَ لكلامِه. وإن شاءَ، وهو سكرانُ. فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَقَعُ؛ لأنَّه زائلُ العقلِ، فهو كالمجنونِ. وقال أصْحابُنا: يُخَرَّجُ على الرِّوايتَيْنِ فى طَلاقِه، والفَرْقُ بينهما أَنَّ إيقاعَ طَلاقِه تَغْليظٌ عليه، كيلا تكونَ المَعْصِيَةُ سببًا للتَّخْفيفِ عنه، وههُنا إنَّما يَقَعُ الطَّلاقُ بغيرِه (٧٣)، فلا يَصِحُّ منه فى حالِ زَوالِ

стр. 5430

عَقْلِه، وإن شاءَ، وهو طِفلٌ، لم يَقَعْ؛ لأنَّه كالمجنونِ. وإن كان يَعقِلُ الطَّلاقَ، وقعَ؛ لأنَّ له مَشِيئةً، ولذلك صَحَّ اختيارُه لأحدِ أبَوَيْهِ. وإن كان أخْرَسَ، فشاءَ بالإِشارةِ، وقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ إشارتَه تَقومُ مَقامَ نُطْقِ النَّاطِقِ، ولذلك وقعَ طلاقُه بها، وإن كان ناطِقًا حالَ التَّعْليقِ، فخَرِسَ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَقَعُ الطَّلاقُ به؛ لأنَّ طَلاقَه فى نفسِه يَقَعُ بها، فكذلك طَلاقُ مَن علَّقَه بمَشِيئةٍ. والثّانى، لا يَقَعُ بها؛ لأنَّه حالَ التَّعليقِ، كان (٧٤) لا يَقَعُ إلَّا بالنُّطْقِ (٧٥)، فلم يَقَعْ بغيرِه، كما لو قال فى التَّعْليقِ: إن نَطَقَ فلانٌ بمشِيئتِه فهى طالقٌ. فصل: فإن قَيَّدَ الْمَشِيئةَ بوَقْتٍ، فقال: أنتِ طالقٌ إن شئتِ اليومَ. تَقَيَّدُ به، فإن خرجَ اليومُ قبلَ مَشِيئتِها لم تَطْلُقْ. وإن علَّقَه على مَشِيئَةِ (٧٦) اثْنَيْنِ، لم يَقَعْ حتى تُوجَدَ مَشِيئتُهما، وخَرَّجَ القاضى وَجْهًا أنَّه يَقَعُ بمَشِيئةِ أحدِهما، كما يَحْنَثُ بفِعْلِ بعضِ المحْلوفِ عليه، وقد بَيَّنَّا فسادَ هذا. فإن قال: أنتِ طالقٌ إن شِئْتِ وشاءَ أبوكِ. فقالتْ: قد شِئْتُ إن شاءَ أبى. فقال أبوها: قد شِئْتُ. لم تَطْلُقْ؛ لأنَّها لم تَشَأُ، فإنَّ المَشِيئةَ أمرٌ خَفِىٌّ (٧٧)، لا يَصحُّ تَعْليقُها على شَرْطٍ. وكذلك لو قال: أنتِ طالقٌ إن شئْتِ. فقالت: قد شئتُ إن شئتَ. فقال: قد شئتُ. أو قالتْ (٧٨): قد شئتُ إن طَلَعَتِ الشَّمسُ. لم يَقَعْ. نَصَّ (٧٩) أحمدُ، على مَعْنَى هذا (٨٠)، وهو قَوْلُ سائرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشَّافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ (٨١)

стр. 5431

المُنْذِرِ: أجمعَ كلُّ مَن نَحْفظُ عنه من أهلِ العلمِ على أَنَّ الرَّجلَ إذا قال لزوجتِه: أنتِ طالقٌ إن شئتِ. فقالت: قد شئتُ إن شاءَ فلانً. أنَّها قد رَدَّتِ الأمرَ، ولا يَلْزَمُها الطَّلاقُ وإن شاءَ فلانٌ؛ وذلك لأنَّه لم تُوجَدْ منها مَشِيئةٌ، وإنَّما وُجِدَ منها تَعْليقُ مَشِيئتِها بشَرْطٍ، وليس تعليقُ الْمَشِيئةِ [شَرْطَ مَشِيئةٍ] (٨٢). وإن علَّقَ الطَّلاقَ على مَشِيئةِ اثْنَينِ، فشاءَ أحدُهما على الفَوْرِ، والآخَرُ على التَّراخِى، وقعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ الْمَشِيئةَ قد وُجِدَتْ منهما جميعًا. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ إلَّا أن تَشائِى. أو: يشاءَ زيدٌ. فقالت: قد شِئْتُ. لم تَطْلُقْ. وإن أخَّرَا ذلك طَلُقَتْ. وإن جُنَّ مَن عَلَّقَ الطَّلاقَ بمَشِيئتِه، طَلُقَتْ فى الحالِ؛ لأنَّه أَوْقعَ الطَّلاقَ وعَلَّقَ رَفْعَه بشَرْطٍ لم يُوجَدْ، وكذلك إن ماتَ. فإن خَرِسَ فشاءَ بالإشارةِ، خُرِّجَ فيه وَجْهانِ، بِناءً على وُقوعِ الطَّلاقِ بإشارته إذا علَّقَه على مَشِيئتِه. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ واحدةً إلَّا أن تَشائِى ثلاثًا. فلم تَشَأْ، أو شاءتْ أقلَّ من ثَلاثٍ، طَلُقَتْ واحدةً. وإن قالتْ: قد شئتُ ثلاثًا. فقال أبو بكرٍ: تَطْلُقُ ثلاثًا. وقال أصحابُ الشَّافعىِّ وأبى حنيفةَ: لا تَطْلُقُ إذا شاءتْ ثلاثًا؛ لأنَّ الاستثناءَ مِن الإِثْباتِ نَفْىٌ، فتقديرُه: أنتِ طالقٌ واحدةً إلَّا أن تَشائِى ثلاثًا فلا تَطْلُقِى، ولأنَّه لو لم يَقُلْ: ثلاثًا لما طَلُقَتْ بمَشِيئَتِها ثلاثًا (٨٣)، فكذلك إذا قال: ثلاثًا؛ لأنَّه إنَّما ذكرَ الثَّلاثَ صِفَةً لمَشِيئتِها الرَّافعةِ (٨٤) لطلاقِ الواحدةِ، فيَصيرُ كما لو قال: أنتِ طالقٌ إلَّا أن تُكَرِّرِى مَشِيئَتَكِ (٨٥) ثلاثًا. وقال القاضى: فيها وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا تَطْلُقُ؛ لما ذَكَرْنا. والثَّانى، تَطْلُقُ ثلاثًا؛ لأَنَّ السَّابِقَ إلى الفَهْمِ مِنْ هذا الكلامِ إيقاعُ الثَّلاثِ إذا شاءَتْها، كما لو قال: له عَلَىَّ درهمٌ (٨٦)

стр. 5432

إلَّا أن يُقيمَ البَيِّنَةَ بثلاثةٍ (٨٧)، وخُذْ درهمًا إلَّا أن تُريدَ أكثرَ منه. ومنه قولُ النَّبىِّ ﷺ : "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا (٨٨)، إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ" (٨٩). أى أنّ بيعَ الخيارِ يَثْبُتُ (٩٠) الخيارُ فيه بعدَ تَفَرُّقِهما. وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، إلَّا أن تشائِى واحدةً. فقالت: قد شئتُ واحدةً. طَلُقَتْ واحدةً، على قولِ أبى بكرٍ. وعلى قولِهم: لا تَطْلُقُ شيئًا. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ لِمَشيئةِ فلانٍ. أو: لرِضَاه. أو: له. طَلُقَتْ فى الحالِ؛ لأنَّ مَعْناه أنتِ طالقٌ لكَوْنِه قد شاءَ ذلك، أو رَضِيَه، أو لِيَرْضَى به، كقولِه: هو حُرٌّ لوجهِ اللَّهِ، أو لرِضَى اللَّهِ. فإن قال: أردتُ به الشَّرْطَ. دِينَ. قال القاضى: يُقبَلُ فى الحُكْمِ؛ لأنَّه مُحْتمِلٌ؛ فإنَّ ذلك يُسْتَعْمَلُ للشَّرْطِ، كقولِه: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ. وهذا أظهرُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشَّافعىِّ. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ إن أحْبَبْتِ. أو: إن أردتِ. أو: إن كَرِهْتِ. [احْتمَلَ أن يَتعلَّقَ الطَّلاقُ بقولِها بلسانِها: قد أحببتُ. أو: أردتُ. أو: كَرِهتُ] (٩١). لأنَّ هذه المعانى فى القلبِ، لا يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليها إلَّا مِن قِبَلِهَا (٩٢)، فتَعَلَّقَ الحُكمُ بقَوْلِها (٩٣)، كالمَشِيئةِ. ويَحْتَمِلُ أن يَتعلَّقَ الحُكْمُ بما فى القلبِ مِنْ ذلك، ويكونَ اللسانُ دليلًا عليه. فعلى هذا، لو أقرَّ الزَّوجُ بوُجودِه، وقَعَ طلاقُه، وإن لم يَتَلَفَّظْ به، ولو قالتْ: أنا (٩٤) أُحِبُّ ذلك. ثم قالت: كنتُ كاذبةً. لم تَطْلُقْ. وإن قال: إن كُنْتِ تُحبِّينَ أن يُعذِّبَكِ اللَّهُ بالنَّارِ فأنتِ طالقٌ. فقالت: أنا (٩٤) أُحِبُّ ذلك.

стр. 5433

فقد سُئِلَ أحمدُ عنها (٩٥)، فلم يُجِبْ فيها بشىءٍ، وفيها احْتمالان؛ أحدُهما، لا تَطْلُقُ. وهو قول أبى ثورٍ؛ لأنَّ المحبَّةَ فى القلبِ، ولا تُوجَدُ من أحدٍ محبَّةُ ذلك، وخبرُها بحُبِّها (٩٦) له كذبٌ معلومٌ، فلم يَصْلُحْ دليلًا على ما فى قلبِها. والاحْتمالُ الثَّانِى، أنَّها تَطْلُقُ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ ما فى القلبِ لا يُوقَفُ عليه إلَّا مِن لسانِها، فاقْتَضَى تَعْليقَ الحُكْمِ بلَفْظِها به، كاذبةً كانتْ أو صادقةً، كالْمَشِيئةِ، ولا فَرْقَ بين قولِه: إن كُنتِ تُحبِّينَ ذلك. وبين قوله: إن كنتِ تُحبِّينه بقلبِك. لأنَّ المحبَّةَ لا تَكونُ إلَّا بالقلبِ. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ إن شاءَ اللَّهُ تعالى. طَلُقَتْ زوجتُه (٩٧). وكذلك إن قال: عبدى حُرٌّ إن شاءَ اللَّهُ تعالى. عَتَقَ، نصَّ عليه أحمدُ، فى روايةِ جماعةٍ، وقال: ليس هما من الأيْمانِ. وبهذا قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومَكْحولٌ، وقَتادةُ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزاعِىُّ، وأبو عُبَيدٍ. وعن أحمدَ ما يدلُّ على أَنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ، وكذلك العَتَاقُ. وهو قولُ طاوُسٍ، والحَكَمِ، وأبى حنيفةَ، والشّافعىِّ؛ لأنَّه علَّقه على مَشِيئةٍ لم يَعْلَمْ وُجودَها، فلم يَقَعْ، كما لو علَّقه على مَشِيئةِ زيدٍ، وقد قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَحْنَثْ". روَاه التِّرْمذىُّ (٩٨). وقال حديثٌ حسنٌ. ولَنا، ما رَوَى أبو جَمْرَةَ، قال: سَمِعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقول: إذا قال الرَّجُلُ لامرأتِه: أنتِ طالقٌ إن شاء اللَّهُ. فهى طالقٌ. رواه أبو حفصٍ بإسنادِه. [وعن أبى بُرْدَة نحوُه] (٩٩). ورَوَى ابنُ عمرَ، وأبو سعيدٍ، قالا (١٠٠):

стр. 5434

كُنَّا مَعاشِرَ أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ ، نَرَى الاسْتثناءَ جائزًا فى كلِّ شىءٍ، إلَّا فى العَتَاقِ والطَّلاقِ. ذكرَه أبو الخطَّابِ. وهذا نقلٌ للإِجْماعِ، وإن قُدِّرَ أنَّه قولُ بعضِهم فانْتشَرَ (١٠١)، ولم يُعْلَمْ له مخالفٌ، فهو إجماعٌ (١٠٢)، ولأنَّه اسْتثناءٌ يَرْفعُ جُمْلةَ الطَّلاقِ، فلم يَصِحَّ، كقولِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إِلَّا ثلاثًا. ولأنَّه اسْتثناءُ حُكْمٍ (١٠٣) فى مَحَلٍّ، فلم يَرْتفِعْ بالمَشِيئةِ، كالبَيْعِ والنِّكاحِ، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ، فلم يَصِحَّ تَعْليقُه على مَشِيئةِ اللَّهِ، كما لو قال: أبْرَأتُك إن شاءَ اللَّهُ، أو تعليقٌ على ما لا سبيلَ إلى عِلْمِه، فأشْبَهَ تَعْليقَه على المُسْتحيلاتِ. والحديثُ لا حُجَّةَ لهم فيه؛ فإنَّ الطَّلاقَ والعَتَاقَ إنْشاءٌ (١٠٤)، وليس بيَمِينٍ حقيقةً، وإن سُمِّىَ بذلك فَمجازٌ، لا تُتْرَكُ الحقيقةُ [من أجْلِه] (١٠٥)، ثم إنَّ الطَّلاقَ إنَّما سُمِّىَ يَمِينًا إذا كان مُعَلَّقًا على شَرْطٍ يُمْكِنُ تَرْكُه وفِعْلُه، ومُجرَّدُ قولِه: أنتِ طالقٌ. ليس بيَمِينٍ حقيقةً، ولا مَجازًا، فلم يُمْكِنْ (١٠٦) الاسْتثناءُ بعدَ يَمِينٍ. وقولُهم: علَّقَه على مَشِيئةٍ لا تُعْلَمُ. قُلْنا: قد عُلِمَتْ مشيئةُ اللَّهِ الطَّلاقَ بمُباشرةِ الآدَمِىِّ سَببَه. قال قتادةُ: قد شاءَ اللَّهُ حين أذِنَ أن يُطَلِّقَ. ولو سلَّمْنَا أَنَّها لم (١٠٧) تُعْلَمْ، لكنْ قد علَّقَه على شَرْطٍ يَستحيلُ عِلْمُه، فيَكونُ كتَعْليقِه على المُسْتحيلاتِ، يَلْغُو (١٠٨)، ويَقَعُ الطّلاقُ فى الحالِ. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدَّارَ إن شاءَ اللَّهُ. فعن أحمدَ فيه روايتانِ؛ إحْدَاهما، يَقَعُ الطَّلاقُ بدخولِ الدَّارِ، ولا يَنفعُه الاسْتثناءُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ والعَتاقَ ليسا

стр. 5435

من الأيْمانِ، ولِمَا ذكرْناه فى ال فصلِ الأوَّلِ. والثَّانيةُ، لا تَطْلُقُ. وهو قولُ أبى عُبَيدٍ؛ لأنَّه إذا علَّقَ الطَّلاقَ بشَرْطٍ صار يَمِينًا وحَلِفًا، فصَحَّ الاسْتثناءُ فيه، لعُمومِ قولِه ﵇: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ". وفارَقَ ما إذا لم يُعَلِّقْه، فإنَّه ليس بيَمِينٍ، فلا يَدخُلُ فى العمومِ. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ إلَّا أَنْ يشاءَ اللَّهُ. طَلُقَتْ، ووافَقَ أصحابُ الشَّافعىِّ على هذا فى الصَّحِيحِ من المذهبِ؛ لأنَّه أوْقعَ الطَّلاقَ. وعَلَّقَ رَفْعَه بمشيئةٍ لم تُعْلَمْ. وإن قال: أنتِ طالقٌ إن لم يَشَأِ اللَّهُ. أو: ما (١٠٩) لم يَشَأِ اللَّهُ. وقَعَ أيضًا فى الحالِ؛ لأنَّ وُقوعَ طلاقِها إذا لم يَشَأِ اللَّهُ مُحالٌ، فَلَغَتْ هذه الصِّفةُ، ووقَعَ الطَّلاقُ. ويَحْتمِلُ أن لا يَقَعَ، بناءً على تَعْليقِ الطَّلاقِ على المُحَالِ، مثل قولِه: أنتِ طالقٌ إن جَمَعْتِ بين الضِّدَّينِ. أو: شَرِبْتِ الماءَ الذى فى الكُوزِ. ولا ماءَ فيه. وإن قال: أنتِ طالقٌ لَتَدْخُلِنَّ الدَّارَ إن شاءَ اللَّهُ. لم تَطْلُقْ، دخلَتْ أو لم تَدْخُلْ؛ لأنَّها إن دخلَتْ، [فقد فعَلتِ المحْلوفَ عليه، وإن لم تدخُلْ] (١١٠)، عَلِمْنا أَنَّ اللَّه لم يَشَأْه؛ لأنَّه لو شَاءَه لوُجِدَ، فإنَّ ما شاءَ اللَّهُ كانَ. وكذلك إنْ قال: أنتِ طالقٌ لا تَدْخُلِى الدَّارَ إنْ شاءَ اللَّهُ. لما ذكَرْنا. وإن أرادَ بالاسْتثناءِ والشَّرْطِ رَدَّهُ إلى الطَّلاقِ دُونَ الدُّخولِ، خُرِّجَ فيه من الخلافِ ما ذكَرْنا فى المُنْجَزِ. وإن لم تُعْلَمْ نِيَّتُه، فالظَّاهرُ رُجوعُه إلى الدُّخولِ، ويَحْتمِلُ أن يَرجِعَ إلى الطَّلاقِ. فصل: فإن علَّقَ الطَّلاقَ على مُسْتحيلٍ (١١١)، فقال: أنتِ طالقٌ إن قَتَلْتِ المَيِّتَ. أو شَرِبْتِ الماءَ الذى فى الكُوزِ. ولا ماءَ فيه. أو: جَمَعْتِ بينَ الضِّدَّينِ. أو: كانَ الواحدُ أكثرَ مِنِ اثنينِ. أو على ما يَستحيلُ عادةً، كقولِه: إن طِرْتِ. أو: صَعَدْتِ

стр. 5436

إلى (١١٢) السَّماءِ. أو: قَلَبْتِ الحجرَ ذَهَبًا. أو: شَرِبْتِ هذا النَّهرَ كلَّه. أو: حَمَلْتِ الجَبَلَ. أو: شاءَ المَيِّتُ. ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَقَعُ الطَّلاقُ فى الحالِ؛ لأنَّه أرْدفَ الطَّلاقَ بما يَرْفعُ جُمْلتَه، ويَمْنعُ وُقوعَه فى الحالِ وفى الثَّانى، فلم يَصِحَّ، كاسْتثناءِ الكلِّ، وكما (١١٣) لو قال: أنتِ طالقٌ طلقةً لا تَقَعُ عليكِ. أو: لا تَنْقُصُ عَدَدَ طلاقِك. والثَّانى، لا يَقَعُ؛ لأنَّه علَّقَ الطَّلاقَ بصِفَةٍ لم تُوجَدْ، ولأنَّ ما يُقْصَدُ تَبْعيدُه يُعَلَّقُ على المُحَالِ، كقولِه (١١٤): إذا شابَ الغرابُ أتَيْتُ أهلى ... وصارَ القَارُ كاللَّبَنِ الحليبِ أى لا آتِيهم أبدًا. وقيلَ: إنْ عَلَّقَه على ما يَسْتحيلُ عقلًا، وقع فى الحالِ؛ لأنَّه لا وُجودَ له، فلم تُعَلَّقْ به الصِّفةُ، وبَقِىَ مُجرَّدُ الطَّلاقِ، فوقَعَ. وإن عَلَّقَه على مُسْتحيلٍ عادةً، كالطَّيرانِ، وصُعودِ السَّماءِ، لم يَقَعْ؛ لأنَّ (١١٥) له وُجودًا (١١٦)، وقد وُجِدَ جنسُ ذلك فى (١١٧) مُعْجِزاتِ الأنْبياءِ ﵈، وكراماتِ الأوْلياءِ، فجازَ تعْليقُ الطَّلاقِ به، ولم يَقَعْ قبلَ وُجودِه. فأمَّا إن عَلَّقَ طلاقَها على نَفْى فِعْلِ المُسْتحيلِ، فقال: أنتِ طالقٌ إن لم تَقتُلِى المَيِّتَ. أو: تَصْعَدِى السَّماءَ. طَلُقَتْ فى الحالِ؛ لأنَّه عَلَّقَه على عَدَمِ ذلك، وعدَمُهُ معلومٌ فى الحالِ وفى الثانى، فوقعَ الطَّلاقُ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن لم أبِعْ عبدى. فمات العبدُ. وكذلك لو قال: [أنتِ طالقٌ] (١١٨) لأشْرَبَنَّ الماءَ الذى فى الكُوزِ. ولا ماءَ فيه. أو: لأقتُلَنَّ المَيِّتَ. وقعَ الطَّلاقُ فى الحالِ، لما ذكَرْناه. وحَكَى أبو

стр. 5437

الخطَّابِ، عن القاضى، أنَّه لا يَقَعُ طلاقُه، كما لو حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّماءَ، أو لَيَطِيرَنَّ، فإنَّه لا يَحْنَثُ. والصَّحيحُ أنَّه يَحنَثُ؛ فإنَّ الحالِفَ على فِعْلِ المُمْتَنِعِ كاذِبٌ حانِثٌ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾. إلى قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ (١١٩). ولو حَلَفَ على فِعْلٍ مُتَصَوَّرٍ، فصار مُمْتَنِعًا، حَنِثَ بذلك، فَلأنْ يَحْنَثَ بكونِه مُمْتنعًا حالَ يَمِينِه أولَى. فصل: وإذا حَلَفَ: لا شَرِبتُ مِن هذا النَّهْرِ. فاغترفَ منه، وشَرِبَ، حَنِثَ. وإن حَلَفَ: لا شَرِبتُ من هذا الإناءِ. فصَبَّ منه فى إناءٍ آخرَ، وشَرِبَ، وكان الإِناءُ كبيرًا لا يُمْكِنُ الشُّربُ به، حَنِثَ أيضًا، وإن كان الشُّرْبُ به مُمْكِنًا، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الإِناءَ الصَّغيرَ آلةٌ للشُّربِ، فتَنْصَرِفُ يَمينُه إلى الشُّرْبِ به، بخلافِ النَّهْرِ والإِناءِ الكبيرِ، فإنَّه لا تَنْصرِفُ يَمِينُه إِلَّا إلى الشُّرْبِ مِن مائِه. ولو حَلَفَ لا يَشرَبُ مِن بَرَدَى، فشَرِبَ مِن نَهرٍ يَأخذُ منه، لم يَحْنَثْ. وإن حَلَفَ لا يَشربُ مِن ماءِ بَرَدَى، فشَرِبَ مِن نَهْرٍ يَأخذُ منه، حَنِثَ. ذكرَ نحوَ ذلك القاضى؛ لأنَّ بَرَدَى اسمٌ لمكانٍ خاصٍّ، فإذا تجاوزَهُ (١٢٠) إلى مكانٍ سِوَاهُ، فشَرِبَ منه، فما شَرِبَ من بَرَدَى، وإذا كانتْ يَمِينُه على مائِه، فماؤُه ماؤُه حيثُ كانَ، وأينَ نُقِلَ. وكذلك (١٢١) لو حَلَفَ لا يَأكلُ من تَمرِ البَصْرَةِ، فأكلَه فى غيرِها، حَنِثَ. وإن اغترفَ مِن بَرَدَى بإناءٍ، ونقلَه إلى مكانٍ آخرَ، فشَرِبَه، حَنِثَ فى المسْألتينِ جميعًا؛ لأنَّ اغترافَ الماءِ من بَرَدَى. ولو حَلَفَ لا يَشربُ من ماءِ الفُرَاتِ، لم يَحْنَثْ إلَّا بالشُّربِ من ماءِ النَّهْرِ (١٢٢) بالفُرَاتِ. وإن حَلَفَ لا يَشربُ من ماءٍ فُرَاتٍ، حَنِثَ بالشُّربِ من كلِّ ماءٍ عَذْبٍ؛ لأنَّه إذا عَرَّفَه بلامِ التَّعْريفِ انْصَرفَ

стр. 5438

إلى النَّهرِ المعروفِ، وإذا نَكَّرَه صارَ للعُمومِ، فيَتناولُ كلَّ ما يُسَمَّى فُرَاتًا، وكلُّ عذبٍ فراتٌ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ (١٢٣). وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ (١٢٤). ومتى نَوَى بيَمِينِه (١٢٥) المُحْتمِلَ الآخَرَ، انْصَرفَ إليه، ويُقْبَلُ منه ذلك؛ لأَنَّه قريبٌ لا تَبعُدُ إرادتُه. فصل: ولو حَلَفَ لا يَشتُمُه، ولا يُكَلِّمُه فى المسجدِ، ففعلَ ذلك (١٢٦) فى المسجدِ، والمحْلوفُ عليه فى غيرِه، حَنِثَ، وإن فعلَه (١٢٧) فى غيرِ المسجدِ، والمحْلوفُ عليه فى المسجدِ، لم يَحْنَثْ. ولو حَلَفَ لا يَضْرِبُه، ولا يَشُجُّه، ولا يَقتُلُه فى المسجدِ، ففَعلَه، والحالفُ فى المسجدِ، والمحْلوفُ عليه فى غيرِه، لم يَحْنَثْ، وإن كان الحالِفُ فى غيرِ المسجدِ، والمحلوفُ عليه فى المسجدِ، حَنِثَ؛ لأنَّ الشَّتْمَ والكلامَ قولٌ يَستقِلُّ به القائلُ، فلا يُعتبَرُ فيه حُضورُ المشْتومِ، فيُوجَدُ مِنَ الشَّاتمِ فى المسجدِ وإن لم يَكُنِ المشْتُومُ فيه، والكلامُ قولٌ؛ فهو كالشَّتمِ، وسائرُ الأفعالِ المذكورةِ فعلٌ مُتَعَدٍّ محلُّه المضروبُ والمقتولُ والمشجوجُ، فإذا كان مَحَلُّه فى غيرِ المسجدِ كان الفعلُ فى غيرِه، فيُعْتبَرُ محلُّ المفعولِ به. ولو حَلَفَ لَيَقتُلَنَّه يومَ الْجُمُعَةِ، فجرحَه يومَ الخميسِ، وماتَ يومَ الجمعةِ. فقال القاضى: لا يَحْنَثُ. وإن جرَحَه يومَ الْجُمُعَةِ فماتَ يومَ السَّبْتِ، فقال: يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يَكونُ مقتولًا حتى يموتَ، فاعْتُبِرَ يومُ مَوْتِه لا يومُ ضَرْبِه. ويَتَوجَّهُ أن يكونَ الحُكمُ بالعكسِ فى المسْألتينِ، فيُعْتبَرَ يومُ جَرْحِه لا يومُ مَوْتِه؛ لأنَّ القتلَ فعلُ القاتلِ، ولهذا يَصِحُّ الأمرُ به والنَّهْىُ عنه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا

стр. 5439

الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٨). ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ (١٢٩). والأمرُ والنَّهىُ إنَّما يَتَوَجَّهُ إلى فعلٍ مُمْكِنٍ فعلُه وتَرْكُه، وذلك فعلُ الآدمِىِّ مِن الجَرْحِ ونحوِه، أمَّا الزُّهُوقُ ففِعْلُ اللَّهِ تعالى لا يُؤمَرُ به، ولا يُنْهَى عنه، ولا سبيلَ للآدمىِّ إلَّا (١٣٠) تَعاطِى سَبَبِه، وهو شَرْطٌ فى القتلِ، فإذا وُجِدَ تَبَيَّنَّا أَنَّ الفِعْلَ المُفْضِىَ إليه كان قتلًا، ولذلك جازَ تَقْديمُ الكَفَّارةِ بعدَ الجَرْحِ، وقبلَ الزُّهُوقِ. ولو حَلَفَ لأقْتُلَنَّه، [فماتَ مِنْ جُرْحٍ كان جَرَحَه، لم يَبَرَّ. ولو حَلَفَ لا يَقتُلُه] (١٣١)، لم يَحْنَثْ بذلك أيضًا. ويَحتمِلُ أَنْ لا يَبَرَّ حتى يُوجَدَ السَّببُ والزُّهُوقُ معًا فى يومٍ (١٣٢)؛ لأنَّ القتلَ لا يَتِمُّ إلَّا بسَببِه وشَرْطِه (١٣٣)، فأمَّا بنِسْبتِه إلى الشَّرْطِ وحدَه دُونَ السَّببِ، فبعيدٌ. فصل: إذا قال: مَن بَشَّرَتْنِى بِقُدُومِ أخِى، فهى طالِقٌ، فَبَشَّرَتْه إحْداهُنَّ، وهى صادقةٌ، طَلُقَتْ، وإن كانت كاذبةً، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ التَّبْشِيرَ خَبَرُ صِدْقٍ، يَحصُلُ به ما يُغَيِّرُ الْبَشَرَةَ مِن سُرورٍ أو غَمٍّ. وإن أخْبرَتْه به أُخْرَى، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّ السُّرورَ إنَّما يَحْصُلُ بالخَبَرِ الأوَّلِ، فإن كانتِ الأُولَى كاذبةً، والثَّانيةُ صادقةً، طَلُقَتِ الثَّانيةُ؛ لأنَّ السُّرورَ إنَّما يَحْصُلُ بخبرِها، فكان هو البِشَارَةَ. وإن بَشَّرَهَ بذلك اثْنتانِ، أو ثلاثٌ، أو الأربعُ (١٣٤) فى دَفْعَةٍ واحدةٍ، طَلُقْنَ كلُّهنَّ؛ لأنَّ "مَنْ" تَقَعُ على الواحدِ فما زادَ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١٣٥). وقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (١٣٦).

стр. 5440

ولو قال: مَنْ أخبرَتْنِى بقُدُومِ أخى، فهى طالقٌ. فقال القاضى: هو كالبِشَارَةِ، لا تَطْلُقُ إلَّا المُخْبِرَةُ الأُولَى الصَّادقةُ دونَ غيرِها؛ لأنَّ مُرَادَه خَبَرٌ يَحْصُلُ له به العلمُ بِقُدُومِه، ولا يَحْصُلُ ذلك بكَذِبٍ، ولا بغيرِ الأوَّلِ. ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ كلُّ مُخْبِرَةٍ، صادقةً كانتْ أو كاذبةً، أوَّلًا كانَ أو غيرَه؛ لأنَّ الخبرَ يَكونُ صِدْقًا وكَذِبًا، وأوَّلًا ومُكرَّرًا. وهو اختيارُ أبى الخطَّابِ. والأوّلُ قَوْلُ القاضى. ومذهبُ الشَّافعىِّ على نحوِ هذا التَّفصيلِ. فصل: وإن قالَ: أوَّلُ مَنْ تَقومُ مِنكُنَّ، فهى طالقٌ. أو قال لِعَبيدِه: أوَّلُ مَن قامَ مِنْكمْ، فهو حُرٌّ. فقامَ الكُلُّ دَفْعَةً واحدةً، لم يَقَعْ طلاقٌ ولا عِتْقٌ؛ لأنَّه لا أوّلَ فيهم. وإن قامَ واحدٌ أو واحدةٌ، ولم يَقُمْ بعدَه أحدٌ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، يَقَعُ الطَّلاقُ أو العِتْقُ (١٣٧)؛ لأنَّ الأوَّلَ ما لم يَسْبِقْه شىءٌ، وهذا كذلك. والثَّانى، لا يَقَعُ طلاقٌ ولا عِتْقٌ؛ لأنَّ الأوَّلَ ما كان بعدَه شىءٌ، ولم يُوجَدْ. فعلى هذا لا يُحْكَمُ بوُقوعِ ذلك ولا انْتفائِه، حتى يَتَبَيَّنَ من قيامِ أحدٍ منهم بعدَه، فَتَنْحَلَّ يَمِينُه، وإن قامَ اثنانِ، أو ثلاثةٌ، دَفْعَةً واحدةً، وقامَ بعدَهم (١٣٨) آخَرُ، وقَعَ الطَّلاقُ والعِتْقُ بالجماعةِ الَّذينَ قامُوا فى الأوَّلِ؛ لأنَّ الأوَّلَ يَقَعُ على الكثيرِ والقليلِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ (١٣٩). وحُكِىَ عن القاضى فى مَن قال: أوّلُ مَنْ يَدخلُ مِن عَبيدِى، فهو حُرٌّ. فدخلَ اثنانِ دَفعَةً واحدةً، ثم دخلَ بعدَهما (١٤٠) ثالثٌ، لم يَعْتِقْ واحدٌ منهم. وهذا بعيدٌ؛ فإنَّهم قد دخلَ بعضُهم بعدَ بعضٍ، ولا أوّلَ فيهم، وهذا لا يَستقيمُ إلَّا أن يَكونَ قالَ: أوّلُ مَن يَدخلُ منكم وَحْدَه. ولم يَدخلْ بعدَ الثَّالثِ أحدٌ؛ فإنَّه لو دخلَ بعدَ الثالثِ أحدٌ، عَتَقَ الثَّالثُ، لكَوْنِه أوّلَ مَنْ دَخَلَ وحدَه، وإذا لم يَقُلْ وحدَه، فإنَّ لفظَةَ الأوَّلِ

стр. 5441

تَتناولُ الجماعةَ كما ذَكَرْنا، وقال النَّبىُّ ﷺ : "أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ" (١٤١). ولو قالَ: آخِرُ مَن يَدْخلُ مِنكُنَّ الدَّارَ، فهى طالقٌ. فدخلَ بعضُهُنَّ، لم يُحْكَمْ بطَلاقِ واحدةٍ مِنهُنَّ، حتى يَتَبَيَّنَ من دُخولِ غيرِها بمَوْتِه، أو مَوْتِهنّ، أو غيرِ ذلك، فيَتَبَيَّنُ وُقوعُ الطَّلاقِ بآخرِهنَّ دخولًا، من حينَ دخلتْ، وكذلك الْحُكْمُ فى العِتْقِ. فصل: وإذا حَلَفَ يمينًا على فِعْلٍ بلفظٍ عامٍّ، وأرادَ به شيئًا خاصًّا؛ مثل أن حَلَفَ لا يَغتسِلُ اللَّيلةَ، وأرادَ من (١٤٢) الجنابةِ، أو: لا قَرُبْتِ لى فراشًا. وأرادَ تَرْكَ جِمَاعِها. أو قال: إن تَزَوَّجْتُ، فعبدِى (١٤٣) حُرٌّ. وأرادَ امرأةً مُعَيَنَّةً. أو قال: إن دخلَ إلىَّ رجلٌ. أو قال: أحدٌ، فامرأتى طالقٌ. وأرادَ رجلًا بعَيْنِه. أو حَلَفَ لا يَأكلُ خُبْزًا. يُريدُ خُبْزَ الْبُرِّ. أو لا يَدخلُ دارًا، يُريدُ دارَ فلانٍ. أو قال: إن خَرَجْتِ فأنتِ طالقٌ. يُريدُ الخروجَ إلى الحَمَّامِ. أو قال: إن مَشَيْتِ. وأرادَ اسْتِطْلاقَ البَطْنِ؛ فإنَّ ذلك يُسَمَّى مَشْيًا، قالَ النَّبىُّ ﷺ لامرأةٍ: "بِمَ (١٤٤) تَسْتَمْشِينَ" (١٤٥). ويُقالُ: شَرِبتُ مَشْيًا، ومَشْوًا. إذا شَرِبَ دواءً يُمْشِيه، فإنَّ يَمِينَه فى ذلك على ما نَواهُ، ويَدينُ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى. وهل يُقبَلُ فى الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ على روايتَيْنِ. قال أحمدُ فى الظِّهارِ، فى مَن قال لامرأتِه: إن قَرُبْتِ لى فراشًا، فأنتِ علىَّ كظهرِ أُمِّى، فجاءتْ فقامَتْ على فِرَاشِه، فقال: أرَدْتُ الجِمَاعَ. لا يَلزمُه شىءٌ. وقال الشَّافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: لا يُقْبَلُ قولُه فى الحُكْمِ فى هذا كلِّه؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهرِ. ولَنا، أَنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتمِلُه، فقُبِلَ، كما لو قال:

стр. 5442

أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ. وقال: أردتُ بالثَّانيةِ التَّوكيدَ. فصل: وإن حَلَفَ يَمِينًا عَامّةً، لسَببٍ خَاصٍّ، وله نِيَّةٌ، حُمِلَ عليها، ويُقْبَلُ قَوْلُه فى الحُكْمِ؛ لأنَّ السَّببَ دَلِيلٌ على صِدْقِه. وإن لم يَنْوِ شيئًا، فقد رُوِىَ عن أحمد ما يدُلُّ على أَنَّ يَمِينَه تَخْتَصُّ بما وُجِدَ فيه السَّببُ. وذكره الخِرَقىُّ، فقال فإنْ لم يَكُنْ له نِيَّةٌ، رُجِعَ إلى سَبَبِ اليَمينِ وما هَيَّجَها. فظَاهِرُ هذا أَنَّ يَمِينَه مَقْصُورَةٌ على محلِّ السَّببِ. وهذا قولُ أصْحَابِ أبى حَنِيفةَ. ورُوِىَ (١٤٦) عن أحمدَ ما يدُلُّ على أَنَّ يَمِينَه تُحْمَلُ على العُمُومِ؛ فإنَّه قال، فى مَن قال: للَّهِ علىَّ أَنْ لا أصِيدَ فى هذا النَّهرِ. لظُلْمٍ رَآهُ، فتغيَّرَ حَالُه، فقال: النَّذْرُ يُوَفَّى به. وذلك لأنَّ اللَّفْظَ دَلِيلُ الحُكْمِ، فيَجبُ الاعتِبارُ به فى الخُصُوصِ والعُمُومِ، كما فى لفْظِ الشَّارِعِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أَنَّ السَّببَ الخَاصَّ يَدُلُّ على قَصْدِ الخُصُوصِ، ويقُومُ مَقامَ النِّيَّةِ عند عَدَمِها؛ لدِلالَتِه عليها، فوَجَبَ أن يخْتَصَّ به اللَّفْظُ العَامُّ كالنِّيَّةِ، وفارقَ لفْظَ الشَّارِعِ؛ فإنَّه يُريدُ بيانَ الأَحْكامِ، فلا يَخْتَصُّ بمحلِّ السَّببِ، لكَوْنِ الحاجَةِ داعِيةً إلى معْرِفةِ الحُكمِ فى غيرِ محلِّ السَّبَبِ. فعلى هذا، لو قامتِ امْرَأتُه لتَخْرُجَ، فقال: إنْ خَرَجْتِ فأنتِ طالِقٌ. فرجَعَتْ، ثم خَرَجَتْ بعد ذلك؛ أو دَعَاه إنسانٌ إلى غَدَائِه، فقال: امرَأتِى طالِقٌ إنْ تَغَدَّيْتُ. ثم رَجَعَ فتغَدَّى فى منزِلِه، لم يَحْنَثْ على الأوَّلِ، ويَحْنَثُ على الثَّانِى. وإِنْ حَلَفَ لعَاملٍ أَنْ لا يخْرُجَ إلَّا بإذْنِه، أو حَلَفَ بذلك على امرَأتِه أو مَمْلُوكهِ، فعزَلَ العامِلَ، وطَلَّقَ المرأةَ، وبَاعَ المَمْلُوكَ، أو حَلَفَ على وَكيلٍ فعَزَلَه، خُرِّجَ فى ذلك كُلِّه وَجْهَانِ. فصل: وإِنْ قال: إنْ دَخَلَ دارِى أحدٌ، فامرَأتِى طالِقٌ. فدَخَلَها هو. أو قال لإنسانٍ: إنْ دَخَلَ دَارَك أحدٌ، فعبْدِى حُرٌّ. فدخَلَها صاحِبُها، فقال القاضِى: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ قرِينَةَ حالِ المُتكلِّمِ تدُلُّ على أنَّه إنَّما يَحْلِفُ على غيرِه، ويَمْنَعُ مَنْ سِوَاهُ، فيخْرُجُ هو مِن العُمُومِ بالقَرينةِ، ويَخْرُجُ المُخاطَبُ من اليمينِ بها أيضًا. ويَحتمِلُ

стр. 5443

الحِنْثَ (١٤٧) أخْذًا بعُمُومِ اللَّفْظِ، وإعْرَاضًا عن السَّببِ، كما فى التى قبلَها. فصل: وإذا قال لامرأتِه: إنْ وَطِئْتُك فأنتِ طَالِقٌ. انْصَرفَتْ يَمِينُه إلى جِماعِها. وقال محمدُ بن الحسنِ: يَمِينُه على الوَطْءِ بالقَدَمِ؛ لأنَّه الحقِيقَةُ. وحُكِىَ عنه (١٤٨) أنَّه لو قال: أرَدْتُ به الجِماعَ. لم يُقبَلْ فى الحُكْمِ. ولَنا، أَنَّ الوَطْءَ إذا أُضِيفَ إلى المَرْأةِ، كان فى العُرْفِ عبارةً عن الجماعِ؛ [ولهذا يُفْهَمُ منه الجماعُ] (١٤٩) فى لفظِ الشَّارعِ، فى مثلِ قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا تُوْطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ (١٥٠) حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ" (١٥١). فيَجِبُ حَمْلُه عندَ الإِطْلاقِ عليه، كسائرِ الأسماءِ العُرْفِيَّةِ، من الظَّعِينَةِ، والرَّاوِيَةِ، وأشْباهِهما. ولا يَحْنَثُ حتى تَغِيبَ الحَشَفَةُ فى الفَرْجِ. وإن حَلَفَ لَيُجامِعُها، أو لا يُجامِعُهما، انْصَرف إلى الوَطْءِ فى الفَرْجِ، ولم (١٥٢) يَحْنَثْ بالجِماعِ دُونَ الفَرْجِ، وإِنْ أنزلَ؛ لأنَّ مَبْنَى الأَيْمَانِ على العُرْفِ، والعُرفُ (١٥٣) ما قُلْناه. وإن حَلَفَ لافْتَضَضْتُكِ، فَافْتَضَّهَا بِأُصْبُعٍ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ المعهودَ مِن إطْلاقِ هذه اللَّفظةِ وَطْءُ البِكْرِ. وإن حلَفَ على امرأةٍ لا يَمْلِكُها، أَنْ لا يَنْكِحَها، فيَمِينُه على العَقْدِ؛ لأنَّ إطْلاقَ النِّكاحِ يَنْصرِفُ إليه. وإِنْ كان مالكًا لها بنِكاحٍ أو مِلْكِ يَمِينٍ، فهو على وَطْئِها؛ لأنَّ قَرِينةَ الحالِ صارفةٌ عن العَقْدِ عليها؛ لكَوْنِها مَعْقودًا عليها. فصل: وإِنْ قال: إنْ أمرتُكِ فخالَفْتِينىِ (١٥٤)، فأنتِ طالقٌ. ثم نَهاها، فخالفَتْه، فقال أبو بكرٍ: لا يَحْنَثُ. وهو (١٥٥) قولُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّها خالَفتْ نَهْيَه لا أمْرَه. وقال

стр. 5444

أبو الخطّابِ: يَحْنَثُ، إذا قصدَ أَنْ لا تُخالِفَه، أو لم يَكُنْ مِمَّنْ يَعرفُ حقيقةَ الأمرِ والنَّهْى؛ لأنَّه إذا كان كذلك، فإنَّما يُريدُ نَفْىَ المُخالَفَةِ. ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّ الأمْرَ بالشَّىءِ نَهْىٌ عن ضِدِّه، والنَّهْىَ عنه أمرٌ بضدِّه، فقد خالفَتْ أمرَه. وإِنْ قال لها: إنْ نَهَيْتِنى عن نَفْعِ أُمِّى، فأنتِ طالقٌ. فقالت له: لا تُعْطِها مِن مالى شيئًا. لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ إعطاءَها مِن مالِها لا يَجوزُ، [ولا يَجوزُ] (١٥٦) النَّفعُ به، فيكونُ هذا النَّفْعُ مُحَرَّمًا، فلا يَتناوَلُه يَمِينُه. ويَحْتمِلُ أَنْ يَحْنَثَ؛ لأنَّه نَفْعٌ، ولفظُه عامٌّ، فَيَدْخُلُ المُحَرَّمُ فيه. فصل: فإن قال لامرأتِه: إنْ خرجْتِ إلى غيرِ الحَمَّامِ، فأنتِ طالقٌ. فخرجَتْ إلى غيرِ الحَمّامِ، طَلُقَتْ، سَواءٌ عدَلتْ إلى الحمَّامِ، أو لم تَعدِلْ. وإِنْ خرجتْ إلى الحمَّامِ، ثم عَدَلَتْ إلى غيرِه، فقياسُ المذهبِ أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّ ظاهرَ هذه اليَمِينِ المَنْعُ مِن غيرِ الحمَّامِ، فكيْفما صارتْ إليه حَنِثَ، كما لو خالَفَتْ لَفْظَه. ويَحتمِلُ أَنْ لا يَحْنَثَ. وهو قولُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّها لم تَفعلْ [ما حَلَفَ عليه] (١٥٧) ويَتناولُه لفظُه. وإن خرجتْ إلى الحَمَّامِ وغيرِه، وجَمَعَتْهما فى القَصْدِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَحْنثُ؛ لأنَّها خرَجتْ إلى غيرِ الحمَّامِ، وانْضَمَّ إليه غيرُه، فَحَنَثَ بما حَلَفَ عليه، كما لو حلفَ لا يُكلّمُ زيدًا، فكلمَ زيدًا وعمرًا. والثانى، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّها ما خَرَجَتْ إلى غيرِ الحمَّامِ، بل الخُروجُ مُشتَرَكٌ. ونَقَلَ الفَضْلُ بنُ زيَادٍ، عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ: إذا حَلَفَ بالطّلاقِ أَنْ لا يَخْرُجَ مِن بغدادَ إلَّا لِنُزْهَةٍ. فخرجَ إلى النُّزهةِ، ثم مَرَّ (١٥٨) إلى مكَّةَ، فقال: النُّزهةُ لا تَكونُ إلى مكةَ. فظاهرُ هذا أنَّه أحْنَثَه، ووَجْهُه ما تَقدَّمَ، وقال، فى رجُلٍ حلفَ بالطّلاقِ أَنْ لا يَأتىَ أرْمِينِيَةَ (١٥٩) إلَّا بإذْنِ امرأتِه. فقالت له (١٦٠) امرأتُه: اذهبْ حيثُ

стр. 5445

شئتَ. فقال: لا، حتى تقولَ: إلى أرْمِيِنيةَ. والصّحيحُ أنَّها (١٦١) متى أذِنَتْ له إذنًا عامًّا، لم يَحْنَثْ. قال القاضى: وهذا من (١٦٢) كلامِ أحمدَ، محمولٌ على أَنَّ هذا خَرَجَ مَخْرَجَ الغضَبِ والكَرَاهةِ، ولو قالتْ هذا بِطِيبِ قَلْبِها، كان إذْنًا منها، وله الخُروجُ، وإِنْ كان بلفظٍ عامٍّ. فصل: فإنْ حَلَفَ لَيَرْحَلَنَّ مِن هذه الدّارِ، أو لَيَخْرُجَنَّ مِن هذه المدينةِ. ففعلَ ثم عادَ إليها، لم يَحْنَثْ، إلَّا أن تكونَ نِيَّتُه أو سببُ يمينِه يَقْتضِى عَدَمَ الرُّجوعِ إليها؛ لأنَّ الحَلِفَ على الخُرُوجِ والرَّحيلِ، وقد فَعَلَهما. وقد نَقَلَ عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، إذا حلفَ على رجُلٍ أَنْ يَخرُجَ مِن بغدادَ، فخرجَ ثم رجَعَ: قد مَضَت يَمينُه، لا شىءَ عليه. ونقلَ عنه مُثَنَّى بنُ جامِعٍ، فى من قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ، إنْ لم نَرْحَلْ مِن هذه الدّارِ: إنْ (١٦٣) لم يُدْرِكْه الموتُ، ولم يَنْوِ شيئًا، هى إلى أن تموتَ، فإن رحلَ لم يَرجِعْ. ومعنى هذا، أنَّه إنْ أدْرَكَه الموتُ قبلَ إمكانِ الرَّحِيلِ، لم يَحْنَثْ، وإن أمكنَه الرَّحيلُ، فلم يَفعلْ، لم يَحنثْ حتى يموتَ أحدُهما، فَيَقَعَ بها الطّلاقُ فى آخرِ أوْقاتِ الإِمكانِ. وأمَّا قولُه: إن رحلَ لم يَرجِعْ. فمَحْمُولٌ على مَن كان ليَمِينِه سببٌ يَقْتضِى هِجْرانَ الدَّارِ على الدَّوامِ. ونقل مُهَنَّا، فى رجُلٍ قال لامرأتِه: إن وَهَبْتِ كذا فأنتِ طالقٌ. فإذا هى قد وَهَبَتْهُ (١٦٤). قال: أخافُ أن يَكونَ قد حَنِثَ. قال القاضى: هذا مَحْمولٌ على أنَّه قال: إن كُنتِ وهَبْتِيه (١٦٥). وإلَّا فلا يَحْنَثُ حتى تَبْتَدِىَّ هِبَتَه؛ لأنَّ اليَمينَ تَقْتضِى فِعلًا مُسْتَقْبَلًا يَحْنَثُ به، وما فعلَتْ ما حَلَفَ عليه بعدَ يَمينِه. ونُقِلَ عنه أيضًا، فى رجلٍ قال لامرأتِه: إن رأيتُك تَدخُلينَ الدَّارَ، فأنتِ طالقٌ: فهو على نِيَّتِه، إن أرادَ أَنْ لا تَدْخُلَها

стр. 5446

حَنِثَ، وإِنْ كان نَوَى إذا رآها، لم يَحْنَثْ حتى يَرَاها تَدخُلُ. وهو كما قال؛ فإنَّ مَبْنَى اليَمِينِ على النِّيَّاتِ، سِيَّما والرُّؤْيَةُ تُطْلَقُ على العِلمِ، كقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ (١٦٦). ونحوِه. ومتى لم تَكُنْ له نِيَّةٌ ولا [هناكَ سَبَبٌ] (١٦٧) يَدُلُّ على إرادتِه مَنْعَ (١٦٨) الدُّخولِ بِمُجَرَّدِه، لم يَحْنَثْ حتى يَراها تَدخُلُ الدّارَ؛ لأنَّه الذى تناولَه لَفْظُه (١٦٩). ونَقَلَ عنه المَرُّوذِىُّ، فى رجُلٍ أقْرَضَ رجلًا دَرَاهِمَ، فحلَفَ أن لا يَقْبَلَها، وكان الرَّجُلُ مَيّتًا: تُعْطَى الوَرَثَةَ. يعنى إذا ماتَ الحالِفُ يُوَفَّى الورثةُ، ولا يَبْرأُ بِيَمِينِه (١٧٠)؛ لأنَّها ليستْ إبْراءً، فلا يَسْقُطُ الحقُّ بها. فصل: ولو قال: امْرأتِى طالقٌ، إن كُنتُ أمْلِكُ إلَّا مائةً. وكان يَملِكُ أكثرَ مِن مائةٍ، أو أقلَّ، حَنِثَ. فإنْ نَوَى أنِّى لا أمْلِكُ أكثرَ من مائةٍ، لم يَحْنَثْ بِمِلْكِ ما دُونَها. وإن قال: إن كُنتُ أملكُ أكثرَ من مائةٍ، فامرأتى طالقٌ. وكان يَمْلِكُ أقلَّ من المائةِ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه صادقٌ. فصل: فإن قال لامرأتِه: يا طالقُ، أنتِ طالقُ إن دخَلْتِ الدّارَ. [طَلُقَتْ واحدةً] (١٧١) بقولِه: يا طالقُ. وبَقِيَتْ أُخْرَى مُعَلَّقةً بدُخولِ الدَّارِ. ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا يا طالقُ، إن دخلْتِ الدَّارَ. فإن كانت له نِيَّةٌ، رُجِعَ إليها، وإلَّا وقَعَتْ واحدةٌ بالنداءِ، وبَقِيَتِ الثّلاثُ مُعلَّقةً على دُخولِ الدَّارِ. وكذا لو قال: أنتِ طالقٌ يا زانيةُ، إن دخلْتِ الدَّارَ. وعادَ الشرطُ إلى الطَّلاقِ، دُونَ القَذْفِ. وقال محمدُ بنُ الحَسنِ: يَرْجِعُ الشَّرْطُ إليهما فى المسْألتينِ، فلا يَقَعُ بها فى الحالِ شىءٌ. والأَوْلَى أن يَرْجعَ الشَّرطُ إلى الخبرِ

стр. 5447

الذى يَصحُّ فيه التَّصْديقُ والتَّكْذيبُ، وجرتِ العادةُ بتَعْليقِه بالشَّرْطِ، بخلافِ النِّداءِ والقَذْفِ، الذى لا يُوجَدُ ذلك فيه. فصل: فإن قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ مَرِيضة. بالنَّصبِ، أو الرَّفعِ، ونَوَى به وَصْفَها بالمرض فى الحالِ، طَلُقَتْ فى الحالِ. وإن نَوَى به أنتِ طالقٌ فى حالِ مَرَضِكِ. لم تَطْلُقْ حتى تَمْرَضَ؛ لأنَّ هذا حالٌ، والحالُ مفْعول فيه، كالظَّرفِ، ويَكونُ الرَّفعُ لَحْنًا؛ لأنّ الحالَ منصوبٌ. وإِنْ أطْلَقَ ونَصَبَ، انصرفَ إلى الحالِ؛ لأنَّ مريضةً اسمٌ نكرةٌ، جاء بعدَ تمامِ الكلامِ وصفًا لمعرفة، فيَكونُ حالًا، وإن رَفَعَ، فالأوْلَى، وقوعُ الطّلاقِ فى الحالِ، ويَكونُ ذلك وصفًا لطالقٍ، الذى هو خَبَرُ المُبتَدَأِ، وإن أسْكَنَ احتَمَلَ وَجْهينِ؛ أحدُهما؛ وقوعُ الطَّلاقِ فى الحالِ؛ [لأنّ قولَه: أنت طالقٌ. يَقْتضِى وقوعَ الطّلاقِ فى الحالِ] (١٧٢)، فقد تَيَقَّنَّا وُجودَ المُقْتَضِى، وشَكَكْنَا فيما يَمْنعُ حُكْمَه (١٧٣)، فلا نَزُولُ عن اليَقينِ بالشَّكِّ. والثَّانى، لا يَقعُ إلَّا فى حالِ مَرَضِها؛ لأنَّ ذِكْرَه للمرَضِ فى سِيَاقِ الطَّلاقِ يدلًّ على تَعَلُّقِه (١٧٤) به، وتأْثيرِه فيه، ولا يُؤثِّرُ فيه إلَّا إذا كان حالًا. ١٢٧٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لَهَا (١): أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا قَدِمَ فُلَانٌ. فَقُدِمَ بهِ مَيِّتًا، أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ تَطْلُقْ) أمَّا إِذا قُدِمَ به مَيِّتًا، أو مُكرَهًا محمولًا، فلا تَطْلُقُ؛ لأنَّه لم يَقْدَمْ، إنّما قُدِمَ به. وهذا قولُ الشَّافعىِّ. ونقِلَ عن أبى بكرٍ، أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّ الفِعْلَ يُنْسَبُ إليه، ولذلك يُقالُ: دَخَلَ الطّعامُ البلدَ. إذا حُمِلَ إليه. ولو قال: أنتِ طالقٌ إذا دخلَ الطّعامُ البلدَ. طَلُقَتْ إذا

стр. 5448

حُمِلَ إليه. ولَنا، أَنَّ الفِعْلَ ليس منه، والفعلُ لا يُنْسَبُ إلى غيرِ فاعلِه إلَّا مَجازًا، والكلامُ عند إطْلاقِه [لحقيقتِه إذا أمْكَنَ، وأمَّا الطَّعامُ، فلا يُمْكِنُ وجودُ الفعلِ منه] (٢) حقيقةً، فتَعَيَّنَ حَمْلُ الدُّخولِ فيه على مَجازِه. وأمَّا إن قَدِمَ بنفسِه لإِكْراهٍ، فَعَلَى قولِ الخِرَقِىّ: لا يَحْنَثُ. وهو أحدُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشَّافعىِّ. وقال أبو بكرٍ: يَحْنَثُ. وحَكاه عن أحمدَ؛ لأنَّ الفعلَ منه حقيقةً، ويُنْسَبُ إليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ (٣). ويَصِحُّ أمْرُ المُكْرَه بالفعلِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿ادْخُلُوَاْ أبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ (٤). ولولا أَنَّ الفعلَ يَتحقَّقُ منه، لما صَحَّ أمرُه به. ووجهُ الأوَّلِ، أنَّه بالإِكْراهِ زالَ اختيارُه، فإذا وُجِدَتِ الصِّفَةُ منه، كان كوُجودِ الطَّلاقِ منه مُكْرَهًا، وهذا فيما إذا أطْلَقَ. وإن كانت له نِيَّةٌ، حُمِلَ عليها كلامُه، وتَقَيَّدَ بها. فصل: وإن قَدِمَ مُخْتارًا، حَنِثَ الحالفُ، سواءٌ عَلِمَ القادمُ باليَمِينِ أو جَهِلَها. قال أبو بكرٍ الخَلَّالُ: يَقعُ الطَّلاقُ، قولًا واحدًا. وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ: إن كان القادمُ ممَّن لا يَمْتنِعُ مِن القُدُومِ بيَمينِه، كالسُّلطانِ، والحاجِّ، والرجُلِ الأجْنَبِىِّ، حَنِثَ الحالفُ، ولا يُعْتبَرُ عِلْمُه ولا جَهْلُه، وإن كان ممَّن يَمْتنِعُ باليمينِ (٥) من القُدُومِ، كقَرابةٍ لهما، أو لأحدِهما، [أو غلامٍ لأحدِهما] (٦)، فجهِلَ اليمينَ، أو نَسِيَها، فالحُكْمُ فيه كما لو حَلَفَ على فِعْلِ نفسِه، ففَعَلَه ناسيًا أو جاهِلًا، وفى ذلك رِوَايتانِ، كذلك هاهُنا؛ وذلك لأنَّه إذا لم يَكُنْ ممَّن تَمْنعُه اليمينُ، كان تَعْليقًا للطَّلاقِ على صِفَةٍ، ولم يكن يَمِينًا، فأشْبَهَ مالو علَّقَه على طلوعِ الشمسِ، وإن كان ممَّن يَمْتنِعُ، كان يمينًا، فيُعذَرُ

стр. 5449

فيها (٧) بالنِّسْيانِ والجهلِ، ويَنْبغِى أن تُعْتَبَرَ على هذا القولِ نِيَّةُ الحالفِ، وقَرَائنُ أحْوالِه، الدَّالَّةُ على قَصْدِه، فإن كان قَصْدُه بيَمِينِه مَنْعَ القادمِ من القُدُومِ، كان يَمِينًا، وإن كان قَصْدُه جَعْلَه صِفَةً فى طَلاقِها مُطْلَقَةً، لم يَكُنْ يمِينًا، ويَسْتوِى فيه عِلمُ القادم وجَهْلُه، ونِسْيانُه، وجُنُونُه وإِفاقَتُه، مثل أن يَقْصِدَ طلاقَها إذا حَصَلَ معها مَحْرَمُها، ولا يُطَلِّقُها وحْدَها، وتُعْتَبَرُ قَرائنُ الأحْوالِ؛ فمتى علَّقَ اليَمِينَ على قُدومِ غائبٍ بعيدٍ، يَعلمُ (٨) أنَّه لا يَعْلمُ اليَمِينَ ولا يَمتنِعُ بها، أو على فعلِ صغيرٍ، أو مَجْنونٍ، أو مَن (٩) لا يَمْتنِعُ بها، لم تَكُنْ يمينًا. وإن علّقَ ذلك على فِعْلِ حاضر يَعْلمُ بيَمِينِه، ويَمْتنِعُ لأجلِها مِن (١٠) فِعْلِ ما علَّقَ الطَّلاقَ عليه، كان يَمِينًا. ومتى أشْكَلَتِ الحالُ، فينْبغِى أن يَقَعَ الطّلاقُ؛ لأنَّ لَفْظَه يَقْتَضِى وُقوعَ الطَّلاقِ عندَ وُجودِ هذه الصِّفَةِ على العُمومِ، وإنَّما يَنْصَرِفُ عن ذلك بدليلٍ، فمتى شَكَكْنا فى الدَّليلِ المُخَصِّصِ، وجبَ العملُ بِمُقْتَضَى العُمومِ. فصل: فإن قال: إن تركْتِ هذا الصَّبِىَّ يَخرُجُ، فأنتِ طالقٌ. فانْفلَتَ الصَّبِىُّ بغيرِ اخْتيارِها، فخرجَ، فإن كان نَوَى أن لا يَخْرُجَ فقد حَنِثَ، وإن نَوَى أن لا تَدَعَه، لم يَحنثْ. نَصَّ أحمدُ على معنى هذا؛ وذلك لأنَّ اليَمِينَ إذا وقَعتْ على فِعْلِها، فقد فَعَلَ الخروجَ على (١١) غيرِ اخْتيارٍ منها، فكانت كالمُكرَه (١٢) إذ (١٣) لم يُمْكِنْها حِفْظُه ومَنْعُه. وإن نَوَى فِعْلَه، فقد وُجِدَ، وحَنِثَ. وإن لم تُعْلَمْ نِيَّتُه، انْصَرفَتْ يمينُه إلى فِعْلِها؛ لأنَّه الذى تَناوَلَه لفظه، فلا يَحْنَثُ إلا (١٤) إذا خرجَ بتَفْرِيطِها فى حِفْظِه أو باخْتيارِها (١٥)

стр. 5450

فصل: فإن حَلَفَ لا تَأْخُذُ حقَّك منِّى، فأُكرِهَ على دَفْعِه إليه، وأخَذَه منه قهرًا، حَنِثَ؛ لأنَّ المحْلوفَ عليه فِعْلُ الأخْذِ، وقد أخَذَه مُخْتارًا. وإن أُكْرِهَ صاحبُ الحقِّ على أخْذِه، خُرِّجَ على الوَجْهَينِ، فى مَن أُكْرِهَ على القُدُومِ. وإن وضَعَه الحالِفُ فى حِجْرِه، أو بيِنَ يَدَيْه، أو إلى جَنْبِه، فلم يَأخُذْه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الأخْذَ ما وُجِدَ. وإِنْ أخَذَه الحاكمُ أو السُّلطانُ من الغَرِيمِ، فدفَعَه إلى المُسْتَحِق فأخَذَه، فقال القاضى: لا يَحْنَثُ. وهو مَذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه ما أخَذَه منه. وإن قال: لا تَأخُذْ حقَّك عَلَىَّ. حَنِثَ؛ لأنَّه قد أخَذَ حقَّه الذى عليه. والمنْصوصُ عن أحمدَ، أنَّه يَحْنَثُ فى الصُّورتَيْنِ. قالَه (١٦) أبو بكرٍ. وهو الذى يَقْتَضِيه مذهبُه؛ لأنَّ الأيْمانَ عندَه على الأسْبابِ، لا على الأسْماءِ، ولأنَّه لو وكَّلَ وكيلًا، فأخَذَه منه، كان آخِذًا لحقِّه منه عُرْفًا، ويُسَمى آخِذًا؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَأخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَقًا غَلِيظًا﴾ (١٧). وقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (١٨). وإِنْ كانت اليمينُ مِن صاحبِ الحقِّ، فحَلَفَ (١٩): لا أخَذْتُ حقِّى منك. فالتَّفْريغُ فيها كالتى قبلَها. فإنْ تركَها الغَرِيمُ فى أثْناءِ مَتاعٍ فى خُرْجٍ، ثم دَفَعَ الخُرْجَ إلى الحالفِ، فأخذَه ولم يَعلمْ أنَّها فيه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ هذا ليس بمَعْدودٍ أخْذًا، ولا يَبْرَأُ به الغريمُ منها. فإن كانت اليَمِينُ: لا أعطيتُك حقَّك. فأخَذَه الحاكمُ منه كُرْهًا، فدفَعَه إلى الغريمِ، لم يَحْنَثْ. وإن أكرَهَه على دفعِه إليه، فدفعَه، خُرِّجَ على الوَجْهينِ فى المُكْرَهِ. وإن أعْطاه باخْتيارِه، حَنِثَ. وإن وضعَه فى حِجْرِه، أو جَيْبِه، أو صندوقِه، وهو يَعلمُ، حَنِثَ؛ لأنَّه أعْطاه (٢٠). وإن دفعَه إلى (٢١) الحاكمِ اختيارًا، ليدْفَعَه إلى الغَرِيمِ، فدفعَه، أو أخذَه من مالِه باخْتيارِه،

стр. 5451

فدفعَه إلى الغَرِيمِ، حَنِثَ. وقال القاضى: لا يَحْنَثُ. وقياسُ المذهبِ أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه أوصلَه إليه مُخْتارًا، فأشْبَهَ ما لو دفعَه إلى وكيلِه، فأعْطاه إيَّاه، ولأنَّ الأيمانَ على الأسْبابِ، لا على الأسْماءِ، على ما ذَكَرْناه فيما مَضَى. فصل: فإن قال: إن رأيتِ أباكِ، فأنتِ طالقٌ. فرأتْهُ ميِّتًا، أو نائمًا، أو مُغْمًى عليه، أو رأَتْه من خَلْفِ زُجاجٍ، أو جِسْمٍ شَفَّافٍ، طَلُقَتْ؛ لأنَّها رأَتْه، وإن رأتْ خَيالَه فى ماءٍ، أو مِرْآةٍ، أو صُورتَه على حائطٍ، أو غيرِه، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّها لم تَرَه، وإن أُكرِهَتْ على رُؤْيتِه، خُرِّجَ على الوَجْهينِ. ١٢٧٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لمَدْخُولٍ (١) بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ. لَزِمَهُ تطْلِيْقَتَانِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالثَّانِيَةِ إِفْهَامَهَا أَنْ وقَعتْ بِهَا الأُولَى، فَتَلْزَمهُ وَاحِدَةٌ. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخولٍ بِهَا، بَانَتْ بِالأُولَى، وَلَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا قالَ لامرأتِه المدْخُولِ بها: أنتِ طالقٌ. مرَّتَيْنِ. وَنوَى بالثَّانيةِ إيقاعَ طَلْقةٍ ثانيةٍ، وقعتْ بها طَلْقتانِ بلا خلافٍ، وإن نَوَى بها إفْهامَها أنَّ الأُولَى قد وقَعتْ بها، أو التَّأكيدَ (٢)، لم تَطْلُقْ إلَّا واحدةً. وإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ، وقعَ طَلْقتانِ. وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ. وهو الصَّحيحُ مِن قولَى الشَّافعىِّ، وقال فى الآخَرِ: تَطْلُقُ واحدةً؛ لأنَّ التكرارَ يَكُونُ للتّأكيدِ والإِفْهامِ، ويَحْتَمِلُ الإيقاعَ، فلا تُوقَعُ طَلْقةٌ بالشَّكِّ. ولَنا، أنَّ هذا اللّفظَ للإِيقاعِ، ويَقْتَضِى الوُقوعَ، بدليلِ ما لو لم يَتَقَدَّمْه مثلُه، وإنَّما يَنْصرفُ عن ذلك بنيَّةِ التَّأْكيدِ والإِفْهامِ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك وقعَ مُقْتضاه، كما يجب العملُ بالعُمومِ

стр. 5452

فى العامِّ إذا لم يُوجَد المُخصَّصُ، وبالإِطْلاقِ فى المُطْلَقِ إذا لم يوجَدِ المُقَيِّدُ. فأمَّا غيرُ المدخولِ بها، فلا تُطْلُقُ إلَّا طلقةً واحدةً، سَواءٌ نَوَى الإِيقاعَ أو غيَره، وسَواءٌ قال ذلك مُنْ فَصِلً ا، أو متَّصِلًا. وهذا قولُ أبى بكرٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بن الحارثِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعىّ، وحَمَّادِ بنِ أبى سليمانَ، والحَكَمِ، والثَّورىِّ، والشَّافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وأبى عُبَيدٍ، وابن المُنْذِرِ. وذكره الحَكَمُ عن علىٍّ، وزيدٍ بنِ ثابتٍ، وابنِ مَسْعودٍ. وقال مالكٌ، والأوزاعىُّ، واللَّيثُ: يقَعُ بها طَلْقتان (٣)، وإن قال ذلك ثلاثًا، طَلُقَتْ ثلاثًا، إذا كان مُتَّصِلًا؛ لأنَّه طَلَّقَ ثلاثًا بكلامٍ مُتَّصلٍ، أشْبَهَ قولَه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. ولَنا، أنَّه طلاقٌ مُفَرَّقٌ، فى غيرِ المدْخولِ بها، فلم تَقَعْ إلَّا (٤) الأُولَى، كما لو فَرَّقَ كلامَه، ولأنَّ غيرَ المدْخولِ بها تَبِينُ بطَلْقةٍ؛ لأنَّه لا عِدَّةَ عليها، فتُصَادِفُها الطَّلْقةُ الثَّانيةُ بائنًا، فلم يُمْكِنْ وُقوعُ الطَّلاقِ بها؛ لأنَّها غيرُ زوجةٍ، وإنَّما تَطْلُقُ الزَّوْجةُ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابةِ، ولا نَعْلمُ لهم مُخالِفًا فى عصرِهم، فيَكونُ إجْماعًا. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ. ثم مضى زمنٌ طويلٌ، ثم أعادَ ذلك للمَدْخُولِ بها، طَلُقَتْ ثانيةً، ولم يُقْبَلْ قولُه: نَوَيتُ التَّوْكيدَ؛ لأنَّ التَّوكيدَ تابعٌ للكلامِ، فشَرْطُه أن يكون مُتَّصِلًا به، كسائرِ التَّوابِع؛ من العطِف، والصِّفة، والبَدَلِ. فصل: وكلُّ طلاقٍ يتَرتَّبُ فى الوُقوعِ، ويأْتِى بعضُه بعدَ بعضٍ، لا يقَعُ بغيرِ المدْخُولِ بها منه أكثرُ من طَلْقةٍ واحدةٍ؛ لما ذكَرْناه. ويقَعُ بالمدْخُولِ بها ثلاثٌ إذا أوْقَعَها، مثل قولِه: أنتِ طالقٌ، فطالقٌ، فطالقٌ. أو: أنت طالقٌ، ثم طالقٌ، ثم طالقٌ. أو: أنتِ طالقٌ ثم طالقٌ وطالقٌ. أو: فطالقٌ. وأشْباهُ ذلك؛ لأنَّ هذه حروفٌ تقْتضِى التَّرْتيبَ، فتقَعُ بها الأُولَى فَتُبِينُها، فتَأْتِى الثَّانيةُ فتُصَادِفُها بائنًا غيرَ زوجةٍ، فلا تقَعُ بها. وأمَّا المدْخُولُ بها، فتأْتِى الثَّانيةُ فتُصادِفُ محلَّ النِّكاحِ، فتَقَعُ، وكذلك الثّالثةُ. وكذلك لو قال: أنتِ

стр. 5453

طالقٌ، بل طالقٌ، وطالقٌ (٥). ذكَره أبو الخطَّابِ. ولو قال: أنتِ طالقٌ طلقةً قبلَ طلقةٍ. أو: بعدَ طلقةٍ. أو: بعدَها طلقةٌ. أو: طلقةً فطلقةً. أو: طلقةً ثم طلقةً. وقعَ بغيرِ المدْخُولِ بها طلقةٌ، وبالمدْخُولِ بها طَلْقتانِ؛ لما ذكَرْنا مِن أنَّ هذا يَقْتضِى طلقةً بعدَ طلقةٍ. فصل: وإن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً قبلَها طلقةٌ. فكذلك، ذكَرَه القاضى. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشَّافعىِّ. وقال بعضُهم: لا يَقعُ بغيرِ المدْخولِ بها شىءٌ، بِناءً على قولِهم فى مسألة (٦) السُّرَيْجِيَّةِ. وقال أبو بكر: يَقعُ طلقتانِ. وهو (٧) قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتحالَ وقوعُ الطّلقةِ الأُخْرَى قبلَ الطَّلْقةِ (٨) المُوقَعَةِ، فوقعَتْ معها؛ لأنَّها لمَّا تأخَّرتْ عن الزَّمنِ الذى قَصدَ إيقاعَها فيه لكونِه زمنا ماضيًا، وَجَبَ إيقاعُها فى أقْربِ الأزْمِنَةِ إليه، وهو معها، ولا يَلْزمُ تأخُّرُها إلى ما بعدَها؛ لأنَّ قبلَه زمنٌ يُمْكِنُ الوُقوعُ فيه، وهو زمن قريبٌ، فلا يُؤخَّرُ إلى البعيد مع إمْكانِ القريبِ. ولَنا، أَنَّ هذا طلاقٌ بعضُه قبلَ بعضٍ، فلم يَقَعْ بغيرِ المدْخُولِ بها جميعُه، كما لو قال: طلقةً بعدَ طلقةٍ. ولا يَمْتنِعُ أن يقعَ المتأخِّرُ فى لفظِه مُتقدِّمًا، ؛ كما لو قال: طلقةً بعدَ طلقةٍ. أو قال: أنتِ طالقٌ طلقةً غدًا، وطلقةً اليومَ. ولو قال: جاء زيدٌ بعد عمرٍو. أو: جاء زيدٌ وقبلَه عمرٌو. أو: أعْطِ زيدًا بعدَ عمرٍو. كان كلامًا صحيحًا، يُفيدُ تأخيرَ المتقدَّمِ لفظًا، عن المذكورِ بعدَه، وليس هذا طَلاقًا فى زمن ماضٍ، وإنَّما يقعُ إيقاعُه فى المُسْتقْبَلِ مرتَّبًا على الوَجْهِ الذى رتَّبَه، ولو قُدِّرَ أَنَّ إحْداهما مُوقَعَةً فى زَمن ماضٍ، لَامْتنعَ وُقوعُها وحدَها، ووقَعتِ الأُخْرَى وحدَها (٩)، وهذا تعليلُ القاضِى؛ لكَوْنِه لا يَقعُ إِلَّا واحدةٌ، والأوَّلُ من التَّعليلِ أصحُّ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.

стр. 5454

فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طلقةً معها طلقةٌ. وقعَ بها طَلْقتانِ. وإن قال: معها اثْنَتانِ. وقع بها ثلاثٌ، فى قياسِ المذهبِ. وهو أحدُ الوَجْهينِ لأصْحابِ الشّافعىِّ. وقال أبو يوسفَ: يَقعُ طلقةٌ؛ لأنَّ الطَّلقةَ إذا وقَعتْ مُفْرَدةً، لم يُمْكِنْ أن يكونَ معها شىءٌ. ولَنا، أنَّه أوْقَعَ ثلاثَ طَلْقاتٍ، بلفظٍ يَقْتضِى وُقوعَهُنَّ معًا، فوقَعْنَ كلُّهنَّ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. ولا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّلقةَ تقَعُ مُفْرَدةً، فإنَّ الطَّلاقَ لا يَقعُ بمُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ (١٠) به، إذ لو وَقَعَ بذلك، لَما صحَّ تَعْليقُه بشَرْطٍ، ولا صحَّ وَصْفُه بالثَّلاث، ولا بغيرِها، وكذلك الحُكمُ لو (١١) قال: إذا طَلَّقتُك فأنتِ طالقٌ معها طلقةٌ. ثم قال: أنتِ طالقٌ. فإنَّها تَطْلُقُ طَلْقتَينِ؛ لما ذكَرْنا. فصل: فإن قال: أنتِ طالِقٌ طلقةً بعدَها طلقةٌ. ثم قال: أردتُ أنِّى أُوقِعُ بعدَها طلقةً. دِينَ، وهل يُقبَلُ فى الحُكمِ؛ يُخَرَّجُ على رِوَايتَيْنِ. وإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقةً قبلَها طلقةٌ. وقال: أردتُ أنِّى طَلَّقْتها قبلَ هذا فى نكاحٍ آخرَ، أو أنّ زوجًا قبلى طلَّقَها. دِينَ، وهل يُقبَلُ فى الحُكمِ؟ على ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يُقبَلُ. والآخَرُ، لا يُقبَلُ. والثَّالثُ، يُقبَلُ إن كان وُجِدَ، وإن لم يكُنْ وُجِدَ لم يُقبَلْ. والصَّحيحُ أنَّه إذا لم يَكُنْ وُجِدَ لا يُقبَلْ؛ لأنَّه لا يَحْتمِلُ ما قالَه. فصل: فإن قال: أنتِ طالِقٌ (١٢) طالقٌ طالقٌ. وقال: أردتُ التَّوْكيدَ. قُبِلَ منه؛ لأنَّ الكلامَ يُكرَّرُ للتَّوكيدِ (١٣)، كقولِه ﵇: "فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ" (١٤). وإن قصَدَ الإِيقاعَ، وكرَّرَ (١٥) الطَّلقاتِ، طَلُقَتْ ثلًاثًا. وإن لم ينوِ

стр. 5455

شيئًا، لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّه لم يأْتِ بينهما بحَرْفٍ يَقْتضِى المُغايَرَةَ، فلا يَكُنَّ مُتغايِرَاتٍ. وإن قال: أنت طالِقٌ وطالقٌ وطالقٌ. وقال: أردتُ بالثَّانيةِ التّأكيدَ. لم يُقبَلْ؛ لأنَّه غايَرَ بينها وبينَ الأُولَى بحَرْفٍ يقْتضِى العطفَ والمُغايرَةَ، وهذا يَمْنَعُ التَّأْكيدَ، وأمَّا الثَّالثةُ فهى كالثَّانيةِ فى لَفْظِها. فإن قال: أردتُ بها التّوكيدَ (١٦). دِينَ، وهل يُقبَلُ فى الحُكمِ؟ يُخَرَّجُ على روايتَيْنِ؛ إحْداهما، يُقبَلُ. وهى (١٧) مذهبُ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه كرَّرَ لفظَ الطَّلاقِ مثلَ الأوَّلِ، فقُبِلَ تفْسيرُه بالتَّأْكيد. كما لو قال: أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ. والثّانيةُ، لا يُقبَلُ؛ لأنَّ حرفَ العطِف للمُغَايَرةِ، فلا يُقْبَلُ منه (١٨) ما يُخالِفُ ذلك، كما لا يُقْبَلُ فى الثَّانيةِ. ولو قال: أنتِ طالقٌ فطالقٌ فطالقٌ. أو: أنت طالِقٌ، ثم طالقٌ، [ثم طالقٌ] (١٩). فالحُكْمُ فيها كالتى عطَفَها بالواوِ. وإن غايَرَ بين الحروفِ، فقال: أنت طالِقٌ وطالقٌ، [ثم طالقٌ] (٢٠). أو: طالِقٌ ثم طالقٌ وطالقٌ. أو: طالقٌ وطالقٌ فطالقٌ. ونحو ذلك، لم يُقْبَلْ فى شىءٍ منها إرادةَ التَّوْكيدِ؛ لأنَّ كلَّ كلمةٍ مُغايِرَةٌ لما قبلَها (٢١)، مُخالِفةٌ لها فى لفظِها، والتَّوْكيدُ (٢٢) إنَّما يكونُ بتَكْريرِ الأوَّلِ بصُورَتِه. فصل: ولو قال: أنتِ مُطَلَّقةٌ، أنتِ مُسَرَّحةٌ، أنت مُفارَقَةٌ. وقال: أردتُ التَّوكيدَ بالثَّانيةِ والثالثة. قُبِلَ؛ لأنَّه لم يُغايِرْ بينها بالحروفِ الموْضوعةِ للمُغايرةِ بين الألْفاظِ، بل أعادَ اللَّفْظةَ بمَعْناها، ومثلُ هذا يُعادُ تَوْكيدًا. وإن قال: أنتِ مُطلَّقةٌ، ومُسرَّحةٌ،

стр. 5456

ومُفارَقةٌ. وقال: أردتُ التَّوْكيدَ. احْتَمَلَ أن يُقْبَلَ منه؛ لأنَّ اللَّفْظَ المُختَلِفَ يُعطَفُ بعضُه على بعضٍ توكيدًا، كقوله (٢٣): * فَألْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا ومَيْنَا * ويَحْتمِلُ أن لا يُقْبَلَ؛ لأنَّ الواوَ تَقْتضِى المُغايَرةَ، فأشْبَهَ ما لو كان بلفظٍ واحدٍ. ١٢٧٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لِغيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ. لَزِمَهُ الثَّلَاثُ؛ لِأنَّهُ نَسَقٌ، وَهُوَ مِثْلُ قَولِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا) وبهذا قال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيثُ، ورَبيعةُ، وابنُ أبى لَيْلَى. وحُكِىَ عن الشَّافعىِّ فى القديمِ ما يَدُلُّ عليه. وقال الثَّورىُّ، ؤابو حنيفةَ، والشَّافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا يَقَعُ إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّه أوْقعَ الأُولَى قبلَ الثانيةِ، فلم يَقَعْ عليها شىءٌ آخَرُ، كما لو فرَّقَها. ولَنا، أَنَّ الواوَ تَقْتضِى الجَمْعَ، ولا تَرْتيبَ فيها، فيكونُ مُوقِعًا للثَّلاثِ جميعًا، فيَقَعْنَ عليها، كقولِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. أو: طلقةً معها طَلْقتانِ. ويُفارِقُ ما إذا فرَّقَها، فإنَّها لا تَقعُ جميعًا، وكذلك إذا عطَفَ بعضَها على بَعْضٍ بحَرْفٍ يَقْتضِى التَّرْتيبَ، فإِنَّ الأُولَى تقعُ قبلَ الثَّانيةِ بمُقْتضَى إيقاعِه، وههُنا لا تَقَعُ الأولَى حينَ نُطْقِه بها حتى يَتِمَّ كلامُه، بدليلِ أنَّه لو (٢٤) ألْحقَه اسْتِثْناءً، أو شَرْطًا، أو صِفَةً، لَحِقَ به، [ولم تَقَع الأُوَلى] (٢٥) مُطْلَقًا، ولو كان يقعُ حين نُطْقِه (٢٦)، لم يَلْحَقْه شىءٌ من ذلك، وإذا ثَبَتَ أنَّه يَقِفُ وُقوعُه على تَمامِ الكلامِ، فإنَّه يقعُ عندَ تَمامِ كلامِه على الوَجْهِ الذى اقْتَضاه لَفْظُه، ولَفْظُه يَقْتضِى وُقوعَ الطَّلقاتِ الثَّلاثِ مُجْتمِعاتٍ، وهو معنى قولِ الخِرَقِىِّ: لأنَّه نَسَقٌ. أى

стр. 5457

غيرُ مُفْتَرِقٍ. فإن قِيلَ: إنما وقفَ (٢٧) أوَّلُ الكلامِ على آخرِه، مع الشَّرْطِ والاسْتِثْناءِ؛ لأنَّه (٢٨) مُغيَّرٌ له، والعَطْفُ لا يُغيِّرُ، فلا يَقِفُ عليه، ونَتَبيَّنُ أنَّه وقع أوَّلَ ما لَفَظَ به، ولذلك لو قال لها (٢٩): أنتِ طالِقٌ، أنتِ طالقٌ. لم يقَعْ إلَّا واحدةٌ. قُلْنا: ما لم يَتمَّ الكلامُ، فهو عُرضَةٌ للتّغييرِ، إمّا بما يَخُصُّه بزمنٍ، أو يُقَيِّدُه بقَيْدٍ كالشَّرْطِ، وإمَّا بما (٣٠) يَمْنَعُ بعضَه كالاسْتِثْناءِ، وإمَّا بما يُبَيِّنُ عددَ الواقعِ، كالصِّفةِ بالعَدَدِ، وأشْباهِ هذا، فيجبُ أن يكونَ واقعًا، ولولا ذلك لَما وقعَ بغيرِ المدْخولِ بها ثلاثٌ بحالٍ؛ لأنَّه لو قال لها: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. فوقَعتْ بها طَلقةٌ قبلَ قولِه ثلاثًا، لم يُمْكِنْ أن يقعَ بها شىءٌ آخَرُ. وأمَّا (٣١) إذا قال: أنتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ. فهاتانِ جُمْلتانِ لا تَتعلَّقُ إحْداهما بالأُخْرَى، ولو تَعَقَّبَ إحْداهما شرطٌ أو اسْتِثْناءٌ أو صِفَةٌ، لم يَتَناوَلِ الأُخْرَى، ولا وَجْهَ لوُقوفِ إحْداهما على الأُخْرَى، والمعطوفُ مع المعطوفِ عليه شىءٌ واحدٌ، لو تَعَقَّبَه شرطٌ لعادَ إلى الجميعِ، ولأنَّ المعْطوفَ لا يَستْقِلُّ بنفسِه، ولا يُفيدُ بِمُفْردِه، بخلافِ قولِه: أنتِ طالقٌ. فإنَّها جملةٌ مُفِيدةٌ، لا (٣٢) تَعَلُّقَ لها بالأُخْرَى، فلا يَصحُّ قياسُها عليها. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقتين ونِصْفًا. فهى عندَنا كالتى قبلَها، يقَعُ الثلاثُ. وقال مُخالِفُونا: يقَعُ طَلْقتانِ. وإن قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ. وكرّرَ ذلك ثلاثًا، فدخلَتْ، طَلُقَتْ (٣٣)، فى قولِ الجميعِ؛ لأنَّ الصِّفةَ وُجِدَتْ، فاقْتضَى وُقوعَ الثّلاثِ (٣٤) دَفْعَةً واحدةً. وإن (٣٥) قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ وطالقٌ

стр. 5458

وطالقٌ، فدخَلتِ الدَّارَ، طَلُقَتْ ثلاثًا. وبه قال أبو يوسفَ، ومحمّدٌ، وأصحابُ الشَّافعىِّ فى أحَدِ الوَجْهينِ. وقال أبو حنيفةَ: يقعُ واحدةٌ؛ لأنَّ الطَّلاقَ المُعَلَّقَ إذا وُجدتِ الصِّفةُ، يكونُ كأنَّه أوْقَعَه فى تلك الحالِ على صِفَتِه، ولو أوْقعَه كذلك، لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ. ولَنا، أنَّه وُجِدَ شَرْطُ وُقوعِ ثلاثِ طَلقاتٍ، غيرِ مُرَتَّباتٍ، فوقعَ الثَّلاثُ، كالتى قبلَها. وإن قال: إذا (٣٦) دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ طلقةً معها طَلْقتانِ. فدخَلتْ، طَلُقَتْ ثلاثًا. وذكَرَ مثلَ هذا بعضُ أصْحابِ الشَّافعىِّ، ولم يَحْكِ عنهم فيه خلافًا. فصل: وإن قال لغيرِ مَدْخُولٍ بها: أنتِ طالقٌ ثم طالقٌ ثم طالقٌ، إن دخَلْتِ الدَّارَ. أو: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ ثم طالقٌ ثم طالقٌ. أو: إن دخلتِ فأنتِ طالقٌ فطالقٌ فطالقٌ (٣٧). فدخَلَتْ، طَلُقَتْ واحدةً، فبانَتْ بها، ولم يقَعْ غيرُها (٣٨). وبهذا قال الشَّافعىُّ. وذهبَ القاضى إلى أنَّها تَطْلُقُ فى الحالِ واحدةً، تَبينُ بها. وهو قولُ أبى حنيفةَ فى الصُّورةِ الأُولى؛ لأنَّ "ثُمَّ" تقْطعُ الأُولَى عما بعدَها، لأَنَّها للمُهْلَةِ، فتكونُ الأُولى مُوقَعَةً، والثَّانيةُ مُعَلَّقةً (٣٩) بالشَّرْطِ. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: لا يَقَعُ حتى تَدْخُلَ الدَّارَ، فيقَعَ بها ثلاثٌ؛ لأنَّ دُخولَ الدَّارِ شَرْطٌ لثَلاثٍ، فوقَعتْ، كما لو قال: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ. ولَنا، أَنَّ "ثُمَّ" للعطِف، وفيها تَرْتيبٌ، فتعلَّقتِ التَّطْليقاتُ كلُّها بِالدُّخولِ؛ لأنَّ العطفَ لا يَمْنعُ تَعْليقَ (٤٠) الشَّرطِ بالمعْطوفِ عليه (٤١)، ويَجِبُ التَّرْتيبُ فيها، كما يجبُ لو لم يُعلِّقْه بالشَّرْطِ، وفى هذا انْفِصالٌ عما ذكَرُوه، ولأنَّ الأُولَى تَلِى الشَّرْطِ، فلم يجبُ وُقوعُها بدُونِه، كما لو (٤٢) لم يَعْطِفْ عليها،

стр. 5459

ولأَنَّه جعلَ الأُولَى جَزاءً للشَّرْطِ، وعقَّبه إيَّاها بفَاءِ التَّعْقيبِ، الموضوعةِ للجزاءِ، فلم يَجُزْ تقْديمُها (٤٣) عليه كسائرِ نَظائِرِه، ولأنَّه لو قال: إن دخلَ زيدٌ دارِى، فأعْطِه دِرْهمًا [ثُمَّ دِرْهَمًا] (٤٤). لم يَجُزْ أن يُعْطِيَه قبلَ دُخولِه، فكذا ههُنا. وما ذكَرُوه تَحَكُّمٌ، ليس له شاهِدٌ فى اللُّغةِ، ولا أصل (٤٥) فى الشَّرعِ. فصل: وإن قال لمَدْخُول بها: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ ثم طالقٌ ثم طالقٌ. لم يقَعْ بها شىءٌ حتى تَدْخُلَ الدّارَ، فتقعَ بها الثَّلاثُ. وبهذا قال الشّافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. [وذهب القاضِى إلى وُقوعِ طَلْقَتيْنِ] (٤٦) فى الحالِ، وتَبْقَى الثَّالثةُ مُعلَّقةً بالدُّخولِ (٤٧). وهو ظاهرُ الفسادِ، فإنَّه يجْعلُ الشَّرْطَ المُتقدِّمَ للمَعْطوفِ، دونَ المعطوفِ عليه، ويُعلِّقُ به ما يَبْعُدُ عنه، دونَ ما يَلِيه، ويجعلُ جَزاءَهُ (٤٨) ما لم تُوجَدْ فيه الفاءُ التى يُجازَى بها، دونَ ما وُجِدَتْ فيه، تَحَكُّمًا [لا يَعْرِفُ عليه دليلًا] (٤٩)، ولا نَعْلمُ له نَظِيرًا. وإن قال لها: إن دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ فطالقٌ فطالقٌ. فدخلَتْ، طَلُقَتْ ثلاثًا. فى قولِهِم جميعًا. ١٢٧٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا طَلَّقَ ثَلاثًا، وَهُوَ يَنْوِى وَاحِدةً، فَهِىَ ثَلَاثٌ) وجملةُ ذلك أنَّ الرَّجُلَ إذا قال لامرأتِه: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا. فهى ثلاثٌ، وإن نَوَى واحدةً، لا نَعْلمُ فيه خلافًا؛ لأنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فى الثَّلاثِ، والنِّيّةُ لا تُعارِضُ الصَّريحَ؛ لأنَّها أضْعفُ مِن اللّفظِ، ولذلك لا نَعْملُ بِمُجَرَّدِها، والصَّريحُ قوىٌّ يُعمَلُ بمُجَرَّدِه،

стр. 5460

من غيرِ نِيَّةٍ، فلا يُعارَضُ القوىُّ بالضَّعيفِ، كما لا يُعارضُ النَّصُّ بالقياسِ، ولأنَّ النِّيَّةَ إنَّما تَعْملُ فى صَرْفِ اللَّفظِ إلى بعض مُحْتَمِلَاتِه، والثّلاثُ نصٌّ فيها، لا يَحْتمِلُ الواحدةَ بحالٍ، فإذا نَوَى واحدةً، فقد نَوَى ما لا يَحْتمِلُه، فلا يَصحُّ، كما لو قال: له علىَّ ثلاثةُ دَرَاهِمَ. وقال: أردتُ واحدًا. ١٢٧٨ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدةً، وَهُوَ يَنْوِى ثَلاثًا، فَهِىَ وَاحِدةٌ) أمَّا إذا قال: أنتِ طالقٌ (١) واحدةً. ونَوَى ثلاثًا (٢)، لم يَقعْ إِلَّا واحدةٌ؛ لأنَّ لَفْظَه لا يَحْتَمِلُ أكثرَ منها، فإذا نَوَى ثلاثًا، فقد نَوَى ما لا يَحْتَمِلُه لفظُه، فلو وقعَ أكثرُ من ذلك، لوقعَ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، ومُجرَّدُ النِّيَّةِ لا يَقعُ بها طلاقٌ (٣). وقال أصحابُ الشافعىِّ، فى أحدِ الوَجْهينِ: يقَعُ ثلاثٌ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ واحدة معها اثْنتانِ وهذا فاسدٌ، فإنَّ قولَه: معها اثنتانِ. لا يُؤذِّيه معنى الواحدةِ، ولا يَحْتمِلُه، فَنِيَّتُه فيه نِيَّةٌ (٤) مُجرَّدةٌ، فلا تَعْملُ، كما لو نَوَى الطَّلاقَ من غيرِ لفظٍ. وأمَّا إذا قال: أنتِ طالقٌ. ونَوَى ثلاثًا، فهذا فيه رِوَايتانِ؛ إحْداهما، لا يَقعُ إلَّا واحدةٌ، وهو قولُ الحسنِ، وعمرو بنِ دينارٍ، والثَّورىِّ، والأوْزاعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ هذا اللَّفظَ لا يَتَضَمَّنُ عددًا، ولا بَيْنُونَةً، فلم تَقَع به الثَّلاثُ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً. بيانُه أَنَّ قولَه: أنتِ طالقٌ. إخبارٌ عن صِفَةٍ هى عليها، فلم يَتَضمّنِ العَدَدَ، كقولِه: قائمةٌ، وحائضٌ، وطاهِرٌ. والرِّوايةُ الثّانيةُ، إذا نَوَى ثلاثًا، وقَع الثَّلاثُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيدٍ، وابنِ المُنْذرِ؛ لأنَّه لفظٌ لو قُرِنَ به لفظُ الثَّلاثِ، كان ثلاثًا، فإذا نَوَى به الثَّلاثَ، كان ثلاثًا، كالكناياتِ، ولأنَّه نَوَى بلفْظِه ما يَحْتمِلُه، فوقَع ذلك به، كالْكنايةِ. وبيانُ احْتمالِ اللَّفظِ للعَدَدِ (٥)، أنَّه يَصِحُّ تفْسيره به؛ فيقولُ: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. ولأنَّ قولَه:

стр. 5461

طالقٌ. اسمُ فاعلٍ، واسمُ الفاعلِ يَقْتَضِى المصدرَ، كما يَقْتضيه الفِعْلُ، والمصدرُ يَقَعُ على القليلِ والكثيرِ، وفارَقَ قولَه: أنتِ حائضٌ وطاهِرٌ؛ لأنَّ الحَيْضَ والطُّهْرَ لا يُمْكِنُ تَعَدُّدُه فى حقِّها، والطَّلاقُ يُمكِنُ تَعدُّدُه. فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ طلاقًا. ونَوَى ثلاثًا، وقعَ؛ لأنَّه صَرَّحَ بالمصْدرِ، والمصدرُ يَقَعُ على القليلِ والكثيرِ، فقد نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه، وإن نَوَى واحدةً، فهى واحدةٌ، وإن أطلقَ فهى واحدةٌ؛ لأنَّه اليقينُ. وإن قال: أنتِ طالِقٌ الطَّلاقَ. وقعَ ما نَواهُ، وإن لم يَنْوِ شيئًا، فحكى فيها (٦) القاضى روايتَيْنِ؛ إحْداهما: يَقَعُ الثَّلاثَ. نَصَّ عليها أحمدُ، فى روايةِ مُهَنَّا؛ لأنَّ الألفَ واللّامَ للاسْتِغْراقِ، فيقْتَضِى اسْتغراقَ الكُلِّ، وهو ثلاثٌ. والثّانيةُ، أنَّها واحدةٌ؛ لأنَّه يَحْتمِلُ أن تعودَ الألفُ واللَّامُ إلى مَعْهودٍ، يُريدُ الطَّلاقَ الذى أوْقَعْتُه. ولأنَّ اللَّامَ فى أسْماءِ الأجْناسِ تُسْتعمَلُ لغيرِ الاسْتِغْراقِ كثيرًا، كقوله: ومن أُكْرِهَ على الطَّلاقِ. وإذا عَقَلَ الصَّبىُّ الطَّلاقَ (٧). واغْتَسَلْتُ بالماءِ. وتَيَمَّمْتُ بالتُّرَابِ. وقرأتُ العلمَ والحديثَ والفِقْهَ. وأشْباهِ (٨) هذا ممَّا يُرادُ به ذلك الجنسُ، ولا يُفْهَمُ منه الاسْتِغْراقُ، فعند ذلك لا يُحْمَلُ على التَّعْميمِ، إلَّا بِنِيَّةٍ صارفةٍ إليه. وهكذا لو قال لامرأتِه: أنتِ الطَّلاقُ. فإنَّ أحمدَ قال: إن أرادَ ثلاثًا، فهى ثلاثٌ، وإن نَوَى واحدةً، فهى واحدةٌ، وإن لم يَنْوِ شيئًا، فكلامُ أحمدَ يَقْتضِى أن تكون ثلاثًا؛ لأنَّه إذا (٩) قال: أنتِ الطّلاقُ. فهذا قد بَيَّنَ. أىُّ شىءٍ بَقِىَ. هى ثلاثٌ. وهذا اختيارُ أبى بكرٍ. ويُخَرَّجُ فيها أنَّها واحدةٌ، بناءً على المسألةِ قبلَها. ووَجْهُ القولَيْنِ ما تَقَدّمَ، وممَّا يُبَيِّنُ أنَّه يُرادُ بها الواحدُ قولُ الشّاعرِ:

стр. 5462

فأنتِ الطَّلاقُ وأنتِ الطّلاقُ ... وأنتِ الطَّلاقُ ثلاثًا تَمَامَا (١٠) فجعَلَ المُكَرَّرَ ثلاثًا ثلاثًا (١١)، ولو كان (١٢) للاسْتِغْراقِ لَكان ذلك تِسْعًا. فصل: ولو قال: الطَّلاقُ يَلزمُنِى. أو: الطَّلاقُ لى لازمٌ. فهو صريحٌ؛ فإنَّه يُقالُ لمن وقَعَ طلاقُه: لَزِمَه الطَّلاقُ. وقالوا: إذا عَقَلَ الصَّبِىُّ الطّلاقَ، فطَلَّقَ، لَزِمَه. ولعلهم أرادوا: لَزِمَه حُكْمُه. فحذفُوا المضافَ، وأقاموا المُضافَ إليه مُقامَه، ثم اشْتَهَرَ ذلك، حتى صارَ من الأسماءِ العُرْفيَّةِ، وانغَمَرَتِ الحقيقةُ فيه. ويَقَعُ به ما نَواهُ مِن واحدةٍ، أو اثنتَيْنِ، أو ثلاثٍ. وإن أَطْلَقَ ففيه روَايتانِ، وَجْهُهما ما تقدَّمَ. وإن قال: علىَّ الطَّلاقُ. فهو بِمَثَابَةِ قوله: الطَّلاقُ يَلْزمُنِى؛ لأنَّ مَن لَزِمَه شىءٌ فهو عليه كالدَّيْنِ، وقد اشْتَهَرَ اسْتِعْمالُ هذا فى إيقاعِ الطَّلاقِ. ويُخَرَّجُ (١٣) فيه فى حالةِ الإِطْلاقِ الرِّوايتانِ؛ هل هو ثلاثٌ أو واحدةٌ؟ والأشْبَهُ فى هذا جميعِه أنّ يكونَ واحدةً؛ لأنَّ أهلَ العُرفِ لا يَعتَقِدُونَه ثلاثًا، ولا يَعْلمونَ أَنَّ الألفَ واللَّامَ للاسْتِغْراقِ، ولهذا يُنْكِرُ أحدُهم أن يكونَ طلَّقَ ثلاثًا، ولا يَعْتقِدُ أنَّه طلَّقَ إلَّا واحدةً، فَمُقْتَضَى اللّفظِ فى ظنِّهِم واحدةٌ، فلا يُريدونَ إلَّا ما يَعْتقِدُونَه مُقْتَضًى لِلَفْظِهِم (١٤)، فيَصِيرُ كأنَّهم نَوَوْا الواحدةَ. فصل: وإن قال: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ. طَلُقَتْ واحدةً فى وقتِ السُّنَّةِ. وذهب أبو حنيفةَ إلى أنَّها تَطْلُقُ ثلاثًا، فى ثلاثةِ قُرُوءٍ، بِناءً منه على أَنَّ هذا هو السُّنّةُ. وقد بَيَّنَّا أَنَّ طلاقَ السُّنَّةِ طلقةٌ واحدةٌ، فى طُهْرٍ لم يُصِبْهَا فيه. وإن قال: أنتِ طالقٌ طلاقَ السُّنّةِ. وقعَتْ بها واحدةٌ فى طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه أيضًا، إلَّا أن يَنْوِىَ الثَّلاثَ، فتكونَ ثلاثًا؛ لأنَّه ذكَرَ المصدرَ، والمصدرُ يَقَعُ على الكثيرِ والقليلِ، بخلافِ التى قبلَها.

стр. 5463

فصل: وإن قال العَجَمِىُّ: بهشتم بسيار (١٥). طَلُقَتْ امرأتُه ثلاثًا. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنّ معناه: أنتِ طالقٌ كثيرًا. وإن قال: بهشيم. فحَسْبُ (١٦)، طَلُقَتْ واحدةً، إلَّا أن يَنْوِىَ ثلاثًا، فتكونَ ثلاثًا. نَصَّ عليه أحمدُ، فى روايةِ ابن منصورٍ. وقال القاضى: يَتَخَرَّجُ (١٧) فيه روايتانِ؛ بناءً على قوله: أنت طالقٌ. لأنَّ هذا صريحٌ، وذاك صريحٌ، فهما سواءٌ. والصّحيحُ أنَّه يَقَعُ ما نَواه؛ لأنَّ معناها خَلَّيْتُكِ، وخَلّيتُكِ يَقعُ بها ما نَواه، وكذا ههُنا، وإنَّما صارتْ صريحةً لشُهرةِ استعمالِهَا فى الطَّلاقِ، وتَعَيُّنِهَا له، وذلك لا يَنْفِى معناها، ولا يمْنَعُ العملَ به إذا أرادَه. وإِنْ قال: فارقتُكِ. أو: سرَّحتُكِ. ونَوَى واحدةً، أو أطْلَقَ، فهى واحدةٌ. وإن نَوَى ثلاثًا، فهى ثلاثٌ؛ لأنَّه فِعْلٌ يُمْكِنُ أن يُعَبرَّ به عن القليلِ والكثيرِ، وكذلك لو قال: طَلَّقتُكِ. فصل: ولا يقعُ الطَّلاقُ بغيرِ لفظ الطَّلاقِ، إلَّا فى مَوْضِعَيْنِ؛ أحدُهما، مَن لا يَقْدِرُ على الكلامِ، كالأخْرَس إذا (١٨) طلَّقَ بالإِشارةِ، طَلُقَت زوجتُه. وبهذا قال مالكٌ، والشّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلك لأنَّه لا طريقَ له إلى الطَّلاقِ إلَّا بالإِشارةِ، فقامت إشارتُه مَقامَ الكلامِ مِن غَيْرِه (١٩) فيه (٢٠)، كالنِّكاحِ، فأمَّا القادِرُ (٢١)، فلا يَصِحُّ طلاتُه بالإِشارةِ، كما لا يَصِحُّ نكاحُه بها، فإن أشارَ الأخْرَسُ بأصابِعِه الثّلاثِ إلى الطَّلاقِ، طَلُقَتْ ثلاثًا؛ لأنَّ إشارتَه جَرَتْ مَجْرَى نُطْقِ غيرِه. ولو قال النَّاطقُ: أنتِ طالِقٌ. وأشارَ بأصابعِه الثَّلاثِ. لم يَقَعْ إِلَّا واحدةٌ؛ لأنَّ إشارتَه لا تَكْفِى. وإن قال: أنتِ طالقٌ هكذا. وَأشارَ بأصابِعِه الثَّلاثِ، طَلُقَتْ ثلاثًا؛ لأنَّ قولَه

стр. 5464

هكذا، تصْريحٌ (٢٢) بالتَّشْبيهِ بالأصابعِ فى العَدَدِ، وذلك يَصْلُحُ بيانًا، كما قال النَّبِىُّ ﷺ : "الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا". وأشار بيَدَيْه (٢٣) مرّةً ثلاثينَ، ومرّةً تسعًا وعشرينَ (٢٤). وإن قال: أردتُ الإِشارةَ بالأُصْبُعَيْنِ المقْبوضَتَيْنِ. قُبِلَ منه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما يَدَّعِيه. الموضعُ الثّانى، إذا كتبَ الطَّلاقَ، فإن نَوَاهُ طَلُقَتْ زوجتُه. وبهذا قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ. وهو المنصوصُ عن الشَّافعىِّ. وذكرَ بعضُ أصحابِه، أَنَّ له قولًا آخرَ، أنَّه لا يَقَعُ به طلاقٌ (٢٥)، وإن نَواهُ؛ لأنَّه فِعْلٌ مِن قادرٍ على النُّطْقِ (٢٦)، فلم يَقَعْ به الطَّلاقُ، كالإِشارةِ. ولَنا، أَنَّ الكتابةَ حروفٌ، يُفهَمُ منها الطَّلاقُ، فإذا أتى فيها بالطَّلاقِ، وفُهِمَ منها، ونَواهُ، وقعَ كاللَّفْظِ، ولأنَّ الكتابةَ تَقومُ مَقامَ قولِ الكاتبِ، بدلَالةِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان مأْمورًا بتَبْليغِ رسالَتِه، فَحَصَلَ ذلك فى حقِّ البعض بالقولِ، وفى حَقِّ (٢٧) آخَرِينَ بالكتابةِ إلى مُلُوكِ الأطْرافِ، ولأنَّ كتابَ القاضى يَقومُ مَقامَ لَفْظِه فى إثْباتِ الدُّيونِ والحقوقِ؛ فأمّا إن كان (٢٨) كتبَ ذلك من غيرِ نِيَّةٍ، فقال أبو الخطَّابِ: قد خَرَّجَها القاضى الشَّرِيفُ فى

стр. 5465

"الإِرشاد" على روايتَيْنِ؛ إحْداهما، يَقَعُ. وهو قولُ الشَّعْبىِّ، والنّخَعىِّ، والزُّهْرِىِّ، والحَكَمِ؛ لما ذكَرْنا. والثّانيةُ، لا يَقَعُ إلَّا بِنِيَّةٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، ومَنْصوصُ الشّافعىِّ؛ لأنَّ الكتابةَ مُحْتَمِلَةٌ، فإنَّه يُقصَدُ بها تَجْرِبةُ القَلَمِ، وتجْويدُ الخَطِّ، وغَمُّ الأهلِ، فلم يَقَعْ [مِن غيرِ] (٢٩) نِيَّةٍ، ككناياتِ الطَّلاقِ. فإن نَوَى بذلك تَجْويدَ خَطِّه، أو تَجْرِبَةَ قَلَمِه، لم يَقَعْ؛ لأنَّه لو نَوَى باللَّفْظِ غيرَ الإِيقاعِ، لم يَقَعْ، فالكتابةُ أوْلَى. وإذا ادَّعى ذلك، دِينَ فيما بينَه وبين اللَّهِ تعالى، ويُقبَلُ أيضًا فى الحُكمِ فى أصَحِّ الوجهَيْنِ؛ لأنَّه يُقْبَلُ ذلك فى اللَّفظِ الصَّريحِ، فى أحدِ الوجهَيْنِ؛ فههُنا مع أنَّه ليس بلفظٍ أوْلَى. وإن قال: نَوَيتُ غمَّ أهلى. فقد قال، فى روايةِ أبى طالبٍ، فى مَن كتبَ طلاقَ زوجتِه، ونَوَى الطَّلاقَ: وقَعَ، وإن أرادَ أَنْ يَغُمَّ أهلَه، فقد عَمِلَ فى ذلك أيضًا. يعنى أنَّه يُؤاخَذُ به؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّ اللَّه عَفَا لِأُمَّتِى عَما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ" (٣٠). فظاهِرُ هذا أنَّه أوْقَعَ الطّلاقَ؛ لأنّ غَمَّ أهلِه يَحْصُلُ بالطّلاقِ، فيَجتَمِعُ غمُّ أهلِه ووُقُوعُ (٣١) طلاقِه، كما لو قال: أنتِ طالقٌ. يريدُ به غَمَّها. ويَحْتَمِلُ أن لا يقعَ؛ لأنَّه أرادَ غمَّ أهلِه بِتَوَهُّمِ الطَّلاقِ، دُونَ حقيقتِه، فلا يَكونُ ناويًا للطَّلاقِ، والخبرُ إنَّما يَدُلُّ على مؤاخذتِه بما نَواهُ عندَ العملِ به، أو الكلامِ، وهذا لم يَنْوِ طَلاقًا، فلا يُؤاخَذُ به. فصل: وإن كتَبَه بشىءٍ لا يَبِينُ، مثل أَنْ كتَبَ (٣٢) بأُصْبُعِه على وِسادَةٍ، أو فى (٣٣) الهواءِ، فظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يَقعُ. وقال أبو حفصٍ العُكْبَرِىُّ: يَقَعُ (٣٤). ورَوَاه الأثْرَمُ عن الشَّعْبىِّ؛ لأنَّه كَتَبَ حروفَ الطَّلاقِ، فأشْبَهَ ما لو كتَبَه بشىءٍ يَبِينُ. والأوَّلُ
следующие страницы →