فمالَتِ الصَّبِيَّةُ إلى أُمِّها، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ اهْدِهَا". فمالَتْ إلى أبِيها، فأخَذَها. روَاه أبو داودَ (٧). ولَنا، أنَّها وِلايةٌ، فلا تَثْبُتُ لكافرٍ على مُسْلِمٍ، كولايةِ النِّكاحِ والمالِ، ولأنَّها إذا لم تثْبُتْ للفاسقِ، فالكافرُ أوْلَى، فإنَّ ضَرَرَه أكثرُ، فإنَّه يَفْتِنُه عن دينِه، ويُخْرجُه عن الإِسلامِ بتَعْلِيمِه (٨) الكُفْر، وتَزْيينِه له، وتَرْبِيَتِه عليه، وهذا أعظمُ الضَّرَرِ. والحَضانةُ إنَّما تثْبُتُ لحَظِّ الولَدِ، فلا تُشْرَعُ على وَجْهٍ يكونُ فيه (٩) هَلاكُه وهَلاكُ دِينِه. فأمَّا الحديثُ، فقد رُوِىَ على غيرِ هذا الوَجْهِ، ولا يُثْبِتُه أهلُ النَّقْلِ، وفى إسنادِه مَقالٌ. قالَه (١٠) ابنُ المُنْذرِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلِمَ أنَّها تخْتارُ أبَاها بدَعْوَتِه، فكان ذلك خاصًّا في حَقِّه. فأمَّا مَنْ بعضُه حُرٌّ، فإن لم يكُنْ بينَه وبينَ سَيِّدِه مُهايأةٌ، فلا حَضانةَ له؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ عليها، لكَوْنِ مَنافِعِه مُشْتَركةً بَينَه وبينَ سَيِّدِه، وإن كان بينهما مُهايأةٌ، فقياسُ قولِ أحمدَ، أنَّ له الحَضانةَ في أيَّامِه؛ لأنَّه قال: كلُّ ما يتَجَزَّأُ، فعليه النِّصْفُ من كلِّ شيءٍ. وهذا اخْتِيارُ أبى بكرٍ. وقال الشافعيُّ: لا حضانةَ له. لأنَّه كالقِنِّ عندَه. وهذا أصلٌ قد تقَدَّمَ.
١٣٩٩ - مسألة؛ قال (١): (وَالْأُمُّ أَحَقُّ بِكَفَالَةِ الطِّفْلِ وَالْمَعْتُوهِ، إذَا طَلُقَتْ)
وجملتُه أنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا افتَرَقا، ولهما ولدٌ طفلٌ أو مَعْتُوهٌ، فأمُّه أوْلى الناسِ بكَفالَتِه إذا كَمَلَتِ الشَّرائِطُ فيها، ذكَرًا كان أو أنْثَى. وهذا قولُ يحيى الأنْصارىِّ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، ولا نَعْلَمُ أحدًا خالَفَهُم. والأصلُ فيه ما رَوَى عبدُ اللَّه بن عمرِو بن العاصِ، أنَّ امرأةً قالتْ:
стр. 5952
يا رسولَ اللَّه، إن ابْنِى هذا كان بَطْنِى له وِعاءً، وثَدْيِى له سِقاءً، وحِجْرِى له حِواءً، وإنَّ أباه طَلَّقَنِى، وأراد أن يَنْزِعَه مِنِّى. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أنْتِ أحَقُّ بِهِ مَا لَم تَنْكِحِى". روَاه أبو داودَ (٢). ويُرْوَى أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، حَكَمَ على عمرَ بن الخَطَّابِ بعاصمٍ لأُمِّه أُمِّ عاصِمٍ، وقال: رِيحُها وشمُّها ولُطْفُها، خَيْرٌ له منك. روَاه سعيدٌ، في "سُنَنِه" (٣). ولأنَّها أقْرَبُ إليه، وأشْفَقُ عليه، ولا يُشارِكُها في القُرْبِ إلَّا أبُوه، وليس له مثلُ شَفَقَتِها، ولا يَتَولَّى الحَضانةَ بنَفْسِه، وإنَّما يَدْفَعُه إلى امرأتِه، وأُمُّه أوْلَى به من امْرأةِ أَبِيه.
فصل: فإن لم تكُنِ الأمُّ من أهْلِ الحَضانةِ، لِفُقْدانِ الشُّروطِ التي ذكرْنا فيها (٤)، أو بعضِها، فهى كالمَعْدُومةِ، وتَنْتَقِلُ (٥) إلى مَنْ يَلِيها في الاسْتِحْقاقِ. ولو كان الأبَوانِ مِن غيرِ أهلِ الحَضانةِ، انتقلتْ إلى من يَلِيهِمَا؛ لأنَّهما كالمَعْدُومَيْنِ.
فصل: ولا تثْبُتُ الحضانةُ إلَّا على الطِّفْل والمَعْتُوهِ (٦)، فأمَّا البالغُ الرَّشِيدُ، فلا حضانةَ عليه، وإليه الخِيَرَةُ [في الإِقَامةِ] (٧) عند مَنْ شاءَ من أبَوَيْه، فإن كان رَجُلًا، فله الانْفِرادُ بنَفْسِه، لِاسْتِغنائِه عنهما، ويُسْتَحَبُّ أن لا يَنْفَرِدَ عنهما، ولا يَقْطَعَ بِرَّه عنهما، وإن كانتْ جارِيةً لم يكُنْ لها الانْفرادُ، ولأَبِيها مَنْعُها منه؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَدْخُلَ عليها مَنْ يُفْسِدُها، ويُلْحِقُ العارَ بها وبأهْلِها، وإن لم يكنْ لها أبٌ، فلِوَلِيِّها وأهْلِها مَنْعُها من ذلك.
стр. 5953
١٤٠٠ - مسألة؛ قال: (وَإذَا بَلَغ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ، خُيِّرَ بَيْنَ أبَوَيْهِ، فَكَانَ مَعَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا)
وجملتُه أنَّ الغلامَ إذا بَلَغ سَبْعًا، وليس بمَعْتُوهٍ، خُيِّرَ بين أبَوَيْه، إذا تنازَعا فيه، فمَن اختارَ (١) منهما، فهو أَوْلَى به. قضَى بذلك عمرُ، وعلىٌّ، وشُرَيْحٌ. وهو مذهبُ الشافعىِّ، وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُخَيَّرُ. لكنْ قال أبو حنيفةَ: إذا اسْتَقَلَّ بنَفْسِه، فأكَلَ بنَفْسِه، ولَبِسَ بنفسِه، واسْتَنْجىَ بنفسِه، فالأبُ أحَقُّ به. ومالكٌ يقول: الأمُّ أحَقُّ به حتى يُثْغِرَ (٢)، وأمَّا التَّخْييرُ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ الغُلامَ لا قَوْلَ له، ولا يَعْرِفُ حَظَّه، وربَّما اختارَ مَنْ يَلْعَبُ عندَه ويَتْرُكُ تَأْدِيبَه، ويُمَكِّنُهُ من شَهَواتِه، فيُؤَدِّى إلى فَسادِه، ولأنَّه دُونَ البُلُوغِ، فلم يُخَيَّرْ، كمَن دُونَ السَّبْعِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرةَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَيَّرَ غُلامًا بين أبِيه وأُمِّه. روَاه سعيدٌ، بإسْنادِه، والشافعيُّ (٣). وفى لفظٍ عن أبي هُرَيْرةَ، قال: جاءتِ امرأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقالتْ: يا رسولَ اللَّه، إنَّ زَوْجى يريدُ أن يَذْهَبَ بابْنِى، وقد سَقَانِى من بِئْرِ أبى عِنَبَةَ (٤)، وقد نَفَعَنِى. فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "هذَا أبُوكَ، وهذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أيِّهِمَا شِئْتَ". فأخَذَ بيدِ أُمِّه, فانْطَلَقَتْ به. روَاه أبو داودَ (٥)، ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، فرُوِىَ عن عمرَ، أنَّه خَيَّرَ
стр. 5954
غلامًا بين أبِيه وأُمِّه. روَاه سعيدٌ (٦)، ورُوِىَ عن (٧). عُمارةَ الجَرْمِىِّ، أنَّه قال: خَيَّرنِى علىٌّ بين عَمِّى وأُمِّى، وكنتُ ابنَ سَبْعٍ أو ثمانٍ (٨). ورُوِىَ نحوُ ذلك عن أبي هُرَيرْةَ. وهذه قِصَصٌ في مَظِنَّةِ الشُّهْرةِ، ولم تُنْكَرْ، فكانت إجماعًا، ولأنَّ التَّقْديمَ في الحَضانةِ لِحَقِّ (٩) الوَلدِ، فيُقَدَّمُ (١٠) مَنْ هو أشْفَقُ؛ لأنَّ حَظَّ الوَلَدِ عندَه أكثرُ، واعْتَبرْنا الشَّفقةَ بمَظِنَّتِها إذا لم يُمْكِنِ اعْتِبارُها بنَفْسِها، فإذا بَلَغ الغلامُ حَدًّا يُعْرِبُ عن نَفْسِه، ويُمَيِّزُ بينَ الإِكْرامِ وضِدِّه، فمالَ إلى أحدِ الأبَوَيْنِ، دَلَّ على أنَّه أرْفَقُ به، وأشْفَقُ عليه، فقُدِّمَ بذلك. وقَيَّدْناه بالسَّبْعِ؛ لأنَّها أوَّل حالٍ أمَرَ الشرعُ فيها بمُخَاطَبَتِه بالأمْرِ بالصَّلاةِ، ولأنَّ الأُمَّ قُدِّمَتْ في حالِ الصِّغَرِ، لحاجَتِه إلى حَمْلِه، ومُباشَرةِ خِدْمَتِه، لأنَّها أعْرَفُ بذلك، وأقْوَمُ به، فإذا اسْتَغْنَى عن ذلك، تَساوَى والِدَاه، لقُرْبهِما منه، فرَجَّحَ باخْتِيارِه.
فصل: ومتى اخْتارَ أحَدَهما فسُلِّمَ إليه، ثم اختارَ الآخرَ، رُدَّ إليه، فإن عادَ فاختارَ الأوَّلَ، أُعِيدَ إليه، هكذا أبدًا كلَّما اخْتارَ أحَدَهُما صارَ إليه؛ لأنَّه اخْتِيارُ شَهْوةٍ، لحَظِّ نَفْسِه، فأُتْبِعَ ما يَشْتَهيه، كما يُتْبَعُ ما يَشْتَهِيهِ في المأْكولِ والمَشْروبِ، وقد يَشْتَهِى المُقامَ عند أحَدِهما في وقتٍ، وعندَ الآخَرِ في وقتٍ، وقد يَشْتَهِى التَّسْوِيَةَ بينهما، وأن لا يَنْقَطِعَ عنهما. وإن خَيَّرناه، فلم يَخْتَرْ واحدًا منهما، أو اختارَهما معًا، قُدِّمَ أحَدُهما بالقُرْعةِ؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على صاحِبِه، ولا يُمْكِنُ اجْتِماعُهما على حَضانَتِه،
стр. 5955
فقُدِّمَ أحَدُهما بالقُرْعةِ، فإذا قُدِّمَ بها، ثم اخْتارَ الآخَرَ، رُدَّ إليه؛ لأنَّنا قَدَّمْنا اخْتِيارَه الثاني على الأوَّلِ، فعلى القُرْعةِ التي (١١) هي بَدَلٌ أَوْلَى.
فصل: فإن كان الأبُ مَعْدُومًا، أو من غيرِ أهْلِ الحَضانةِ، وحَضَرَ غيرُه من العَصَباتِ، كالأخِ والعَمِّ وابْنِه، قامَ مَقامَ الأبِ، فيُخَيَّرُ الغلامُ بين أُمِّه وعَصَبَتِه؛ لأنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، خَيَّرَ عُمارةَ الجَرْمِىَّ بين أُمِّه وعَمِّه. ولأنَّه عَصَبةٌ، فأشْبَهَ الأبَ. وكذلك إن كانت الأُمُّ (١٢) مَعْدومةً، أو من غيرِ أهلِ الحَضانةِ، فسُلِّمَ (١٣) إلى الجَدَّةِ، خُيِّرَ الغلامُ بينها وبينَ أبِيه، أو مَنْ يقومُ مَقامَه من العَصَباتِ، فإن كان الأبَوانِ مَعْدومَيْنِ، أو من غيرِ أهلِ الحضانةِ، فسُلِّمَ إلى امْرأةٍ، كأُخْتِه أو عَمَّتِه (١٤) أو خالَتِه، قامتْ مقامَ أُمِّه، في التَّخْيِيرِ بينها وبينَ عَصَباتِه، للمعنى الذي ذكَرْناه في الأبوَيْنِ. فإن كان الأبوان رَقِيقَيْنِ، وليس له أحَدٌ من أقارِبه سِواهُما، فقال القاضي: لا حَضانةَ لهما عليه، ولا نفقةَ له عليهما، ونفَقَتُه في بيتِ المالِ، ويُسَلَّمُ إلى من يَحْضُنُه من المسلمين.
فصل: وإنَّما يُخَيَّرُ الغلامُ بشَرْطَيْنِ؛ أحدهما، أن يكوَنا جميعًا من أهلِ الحضانةِ، فإن كان أحَدُهما من غيرِ أهلِ الحضانةِ، كان كالمَعْدُومِ، ويُعَيَّنُ الآخرُ. الثاني، أن لا يكونَ الغلامُ مَعْتُوهًا، فإن كان مَعْتُوهًا كان عندَ الأُمِّ، ولم يُخَيَّرْ؛ لأنَّ المَعْتُوهَ بمنزلةِ الطِّفْلِ وإن كان كبيرًا، ولذلك كانت الأُمُّ أحَقَّ بكفالةِ ولَدِها المَعْتُوهِ بعدَ بُلُوغِه. ولو خُيِّرَ الصَّبِىُّ، فاختار أباه، ثم زال عَقْلُه، رُدَّ إلى الأُمِّ، وبَطَلَ اختيارُه؛ لأنَّه إنما خُيِّرَ حين اسْتَقَلَّ بنَفْسِه، فإذا زال اسْتِقْلالُه بنفسِه، كانت الأُمُّ أوْلَى؛ لأنَّها أشْفَقُ عليه، وأقْوَمُ بمَصالِحِه (١٥)، كما في حالِ طُفُولِيَّتِه.
стр. 5956
١٤٠١ - مسألة؛ قال: (وَإذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ سَبْعَ سِنِينَ، فالْأبُ أحَقُّ بِهَا)
وقال الشافعيُّ: تُخَيَّرُ كالغلامِ؛ لأنَّ كلَّ سِنٍّ خُيِّرَ فيه الغلامُ خُيِّرَتْ فيه الجارِيةُ، كسِنِّ البُلُوغِ. وقال أبو حنيفةَ: الأمُّ أحَقُّ بها، حتى تُزَوَّجَ أو تَحِيضَ. وقال مالكٌ: الأُمُّ أحَقُّ بها حتى تُزَوَّجَ ويَدْخُلَ (١) بها الزَّوجُ؛ لأنَّها لا حُكْمَ لِاخْتِيارِها، ولا يُمْكِنُ انْفِرادُها، فكانت الأمُّ أحَقَّ بها، كما قَبْلَ السَّبْعِ. ولَنا، أنَّ الغَرَضَ بالحضانةِ الحَظُّ، والحَظُّ للجاريةِ بعدَ السَّبْعِ في الكَوْنِ عند أبيها؛ لأنَّها تَحْتاجُ إلى حِفْظٍ، والأبُ أوْلَى بذلك، فإنَّ الأُمَّ تحْتاجُ إلى مَنْ يَحْفَظُها ويَصُونُها، ولأنَّها إذا بَلَغَتِ السَّبْعَ، قارَبَتِ الصَّلَاحِيَةَ للتَّزْوِيجِ، وقد تزوَّجَ النَّبِىُّ ﷺ عائشةَ، وهى ابنةُ سَبْعٍ (٢). وإنَّما تُخْطَبُ الجارِيةُ من أبِيها؛ لأنَّه وَلِيُّها، والمالكُ لتَزْوِيجِها، وهو أعلمُ بالكَفاءةِ، وأقْدَرُ على البَحْثِ، فيَنْبَغِى أن يُقَدَّمَ على غيرِه، ولا يُصارُ إلى تَخْيِيرِها؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ به فيها، ولا يَصِحُّ قِياسُها على الغُلامِ؛ لأنَّه لا يحْتاجُ إلى الحِفْظِ والتَّزْويجِ، كحاجَتِها إليه، ولا على سِنِّ البُلُوغِ؛ لأنَّ قَوْلَها حينئذٍ مُعْتَبرٌ في إذْنِها، وتَوْكِيلِها، وإقْرارِها، واخْتيارِها، بخلافِ مسأَلَتِنا، ولا يَصِحُّ قِياسُ ما بعدَ السَّبْعِ على ما قبلَها؛ لما ذكَرْنا في دَلِيلِنا.
فصل: إذا كانت الجاريةُ عندَ الأُمِّ أو عندَ الأبِ، فإنَّها تكونُ عندَه ليلًا ونهارًا؛ لأنَّ تَأْدِيبَها وتَخْرِيجَها في جَوْفِ البيتِ، من تَعْلِيمِها الغَزْلَ والطَّبْخَ وغيرهما (٣)، ولا حاجةَ بها إلى الإِخْراجِ منه، ولا يُمْنَعُ أحَدُهما من زِيارَتِها عندَ الآخَرِ، من غيرِ أن يَخْلُوَ الزَّوْجُ بأُمِّها، ولا يُطِيلُ، ولا يتَبَسَّطُ؛ لأنَّ الفُرْقةَ بينهما تَمْنَعُ تَبَسُّطَ أحَدِهما في منزلِ الآخَرِ. وإن مَرِضَتْ، فالأُمُّ أحَقُّ بتَمْرِيضِها في بيتِها. وإن كان الغلامُ عندَ الأُمِّ بعدَ السَّبْعِ، لِاخْتِيارِه لها، كان عندَها ليلًا، ويأخذُه الأبُ نَهارًا ليُسَلِّمَه في مكتبٍ، أو
стр. 5957
في صناعةٍ؛ لأنَّ القَصْدَ حَظُّ الغُلامِ، وحَظُّه فيما ذكَرْناه. وإن كان عند الأبِ، كان عندَه ليلًا ونهارًا، ولا يُمْنَعُ من زِيَارةِ أُمِّه؛ لأنَّ مَنْعَه من ذلك إغْراءٌ بالعُقُوقِ، وقَطِيعةٌ للرَّحِمِ (٤). وإن مَرِضَ، كانت الأُمُّ أحَقَّ بتَمْرِيضِه في بَيْتِها؛ لأنَّه صار بالمَرَضِ كالصغيرِ، في الحاجةِ إلى مَنْ يقومُ بأمْرِه، فكانت الأُمُّ أحَقَّ به كالصَّغيرِ. وإن مَرِضَ أحدُ الأبَوَيْنِ، والولدُ عندَ الآخَرِ، لم يُمْنَعْ من عِيادَتِه، وحُضُورِه عندَ مَوْتِه، سواءٌ كان ذكَرًا أو أُنْثَى؛ لأنَّ المَرَضَ يَمْنَعُ المَرِيضَ من المَشْىِ إلى ولَدِه (٥)، فمَشْىُ ولَدِه إليه أَوْلَى. فأمَّا في حالِ الصِّحَّةِ، فإنَّ الغلامَ يَزُورُ أُمَّه؛ لأنَّها عَوْرَةٌ، فسَتْرُها أَوْلَى، والأمُّ تَزُورُ ابْنَتَهَا؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما عورةٌ، تحْتاجُ إلى صِيانةٍ وسَتْرٍ، وسَتْرُ الجاريةِ أوْلَى؛ لأنَّ الأُمَّ قد تخَرَّجَتْ وعَقَلَتْ، بخلافِ الجارِيَةِ.
فصل: وإذا أراد أحدُ الأبَوَيْنِ السَّفَرَ لحاجةٍ ثم يَعُودُ، والآخرُ مُقِيمٌ، فالمُقيمُ أوْلَى بالحضانةِ؛ لأنَّ في المُسافَرَةِ بالوَلَدِ إضْرارًا به، وإن كان مُنْتَقِلًا إلى بلدٍ ليُقِيمَ به، وكان الطَّرِيقُ مَخُوفًا [أو البلدُ] (٦) الذي ينْتَقلُ إليه مَخُوفًا، فالمقيمُ [أحَقُّ بِهِ] (٧)؛ لأنَّ في السَّفَرِ به خَطَرًا به، ولو اخْتارَ الولَدُ السَّفَرَ في هذه الحالِ، لم يُجَبْ إليه؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا به. وإن كان البلَدُ [الذي ينْتقلُ إليه] (٨) آمِنًا، وطَرِيقُه آمِنٌ، فالأبُ أحَقُّ به، سَواءٌ كان هو المُقيمَ أو المُنْتَقِلَ، إلَّا أن يكونَ بين البَلَدَيْنِ قريبٌ، بحيثُ يَرَاهُم الأبُ كلَّ يومٍ، ويَرَوْنَه، فتكونَ الأُمُّ على حَضَانَتِها. وقال القاضي: إذا كان السَّفرُ دُونَ مَسافةِ القَصْرِ، فهو في حُكْمِ الإِقامةِ. وهو قولُ بعضِ (٩) أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ ذلك في حُكْمِ الإِقامةِ في غيرِ هذا الحُكْمِ، فكذلك في هذا، لأنَّ (١٠) مُراعاةَ الأبِ له مُمْكِنةٌ. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ
стр. 5958
ما ذكَرْناه، وهو أوْلَى؛ لأنَّ البُعْدَ الذي يَمْنَعُه من رُؤْيَتِه، يَمْنعُه من تَأْدِيبِه، وتَعْلِيمِه، ومُراعاةِ حالِه، فأشْبَهَ مَسافةَ القَصْرِ. وبما ذكرْناه من تَقْديمِ الأبِ عند افْتراقِ الدارِ بهما، قال شُرَيحٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إن انْتقَلَ الأبُ، فالأمُّ أحَقُّ به، وإن انْتقَلتِ الأمُّ إلى البلدِ الذي (١١) كان فيه أصْلُ النكاحِ، فهى أحَقُّ، وإن انْتقَلتْ إلى غيرِه، فالأبُ أحَقُّ. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ: إن انتقلتْ من بَلَدٍ إلى قريةٍ، فالأبُ أحَقُّ، وإن انتقلتْ إلى بلدٍ آخَرَ، فهى أحَقُّ؛ لأنَّ في البَلَدِ يُمْكِنُ تَعْلِيمُه وَتَخْريجُه. ولَنا، أنَّه اخْتلَفَ مَسْكنُ الأبَوَيْنِ، فكان الأبُ أحَقَّ، كما لو انْتَقَلَتْ من بلدٍ، إلى قريةٍ، أو إلى بلدٍ لم يكُنْ فيه أصْلُ النكاحِ، وما ذكروه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الأبَ في العادةِ هو الذي يقومُ بتَأْدِيبِ ابْنِه وتخريجِه وحِفْظِ نَسَبِه، فإذا لم يكُنْ في بلَدِه ضاعَ، فأشْبَهَ ما لو كان في قَرْيةٍ. وإن انْتَقَلَا جميعًا إلى بلدٍ واحدٍ، فالأُمُّ (١٢) باقيةٌ على حَضَانَتِها. وكذلك إن أخَذَه الأبُ لِافْتراقِ البَلَدَيْنِ، ثم اجْتَمَعا، عادتْ إلى الأُمِّ حضَانَتُها. وغيرُ الأُمِّ ممَّن له الحضانةُ من النِّساءِ، يقومُ مقامَها، وغيرُ الأبِ من عَصَباتِ الوَلَدِ، يقومُ مَقامَه، عند عَدَمِهِما، أو كَوْنِهما من غيرِ أهْلِ الحَضانةِ.
١٤٠٢ - مسألة؛ قال: (فَإنْ لَمْ تَكُنْ أُمٌّ، أوْ تَزَوَّجَتِ الْأُمُّ، فَأُمُّ الْأَبِ أَحَقُّ مِنَ الْخَالَةِ)
في هذه المسألة فَصْلان:
أحدهما: أنَّ الأمَّ إذا تَزوَّجَتْ، سقَطَتْ حَضانَتُها. قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَنْ أحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ. قَضَى به شُرَيحٌ، وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن الحَسَنِ، أنَّها لا تَسْقُطُ بالتَّزْوِيجِ. ونَقَلَ مُهَنَّا عن أحمدَ: إذا تزَوَّجَتِ الأمُّ، وابْنُها صغيرٌ، أُخِذَ منها. قيل له: فالجارِيةُ مثلُ الصَّبِىِّ؟ قال:
стр. 5959
لا، الجاريةُ تكونُ معها إلى سَبْعِ سِنِينَ. فظاهرُ هذا أنَّه لم يُزِلِ الحَضانةَ عن الجاريةِ لتَزْوِيجِ أُمِّها، وأزَالها عن الغُلامِ. ووَجْهُ ذلك ما رُوِىَ، أنَّ عَلِيًّا وجَعْفَرًا وزَيْدَ بن حارِثة، تنَازَعُوا في حضانةِ ابْنةِ حَمْزةَ، فقال علىٌّ: ابنةُ عَمِّى، وأنا أخَذْتُها. وقال زيدٌ: بنتُ أخِى؛ لأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ آخَى بين زيدٍ وحَمْزةَ. وقال جعفرٌ: بنتُ عَمِّى، وعندى خالَتُها. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "الْخَالَةُ أُمٌّ". وسَلّمَها إلَى جَعْفَرٍ. روَاه أبو داودَ (١) بنحوِ هذا المعنى، فَجَعَلَ لها الحضانةَ وهى مُزوَّجَةٌ. والرِّوايةُ الأُولَى هي الصَّحِيحةُ. قال ابنُ أبي موسى: وعليها العَمَلُ؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ للمرأةِ: "أنْتِ أحَقُّ بِهِ، مَا لمْ تَنْكِحِى" (٢). ولأنَّها إذا تزَوَّجَتْ، اشْتَغَلَتْ بحُقُوقِ الزَّوجِ عن الحضانةِ، فكان الأبُ أحَظَّ له، ولأنَّ مَنافِعَها تكونُ مَمْلوكةً لغيرِها، فأشْبهتِ المَمْلوكةَ. فأمَّا بنتُ حمزةَ، فإنَّما قَضَى بها لخالَتِها؛ لأنَّ زَوْجَها من أهلِ الحضانةِ، ولأنَّه لا يُساوِيهِ في الاسْتِحْقاقِ إلَّا علىٌّ، وقد تَرَجَّحَ جعفرٌ بأن امرأتَه من أهلِ الحضانةِ، فكان أوْلَى. وعلى هذا، متى كانت المرأةُ مُتَزَوِّجةً لرَجُلٍ من أهلِ الحضانةِ، كالجَدَّةِ تكونُ متزَوِّجةً للجَدِّ، لم تَسْقُطْ حَضانَتُها؛ لأنَّه يُشارِكُها في الوِلادةِ والشَّفَقةِ على الوَلَدِ، فأشْبهَ الأُمَّ إذا كانتْ مُتزوِّجةً للأبِ. ولو تنازَعَ العَمَّانِ في الحضانةِ، وأحَدُهما مُتزوِّجٌ للأُمِّ، أو الخالةِ، فهو أحَقُّ، لحديثِ بنتِ حمزةَ. وكذلك كلُّ عَصَبَتَيْنِ تساوَيا، وأحدُهما مُتزوِّجٌ بمَن هي من أهْلِ الحضانةِ، قُدِّمَ بها لذلك. وظاهرُ قولِ الْخِرَقِىِّ، أنَّ التَّزْويجَ بأجْنَبِىٍّ يُسْقِطُ الحضانةَ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، وإن عَرِىَ عن الدُّخُولِ. وهو قولُ الشافعىِّ, ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ إلَّا بالدُّخُولِ. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ به تَشْتَغِلُ عن الحضانةِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "أنتِ أحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِى". وقد وُجِدَ النِّكاحُ قبلَ الدُّخولِ،
стр. 5960
ولأنَّ بالعَقْدِ (٣) يَمْلِكُ مَنافِعَها، ويَسْتَحِقُّ زَوْجُها مَنْعَها من حَضانَتِه، فزال حَقُّها، كما لو دَخَلَ بها.
ال فصل الثاني: أنَّ الأُمَّ إذا عُدِمَتْ، أو تزَوَّجَتْ، أو لم تكُنْ من أهلِ الحضانةِ، واجتمعَتْ أمُّ أبٍ وخالةٌ، فأمُّ الأبِ أحَقُّ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في الجديدِ. وحُكِىَ ذلك عن مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ الأُخْتَ والخالةَ أحَقُّ من الأبِ. فعلى هذا، يَحْتَملُ أن تكونَ الخالةُ أحَقَّ من أُمِّ الأبِ. وهو قولُ الشافعىِّ القديمُ؛ لأنَّها تُدْلِى بأُمٍّ، وأُمُّ الأبِ تُدْلِى به (٤)، فقُدِّمَ مَنْ يُدْلِى بالأُمِّ، كتَقْدِيم أُمِّ الأمِّ على أمِّ الأبِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى ببِنْتِ حمزةَ لخالَتِها، وقال: "الْخَالَةُ أُمٌّ". ولَنا، أنَّ أُمَّ الأبِ جَدّةٌ وارِثةٌ، فقُدِّمَتْ على الخالةِ، كأُمِّ الأُمِّ، ولأنَّ لها وِلادةً ووِراثةً، فأشْبهَتْ أُمَّ الأُمِّ. فأمَّا الحديثُ، فيَدُلُّ على أن للْخالةِ حَقًّا في الجملةِ، وليس النِّزاعُ فيه، إنَّما النِّزاعُ في التَّرْجيحِ عندَ الاجْتماعِ. وقولُهم: تُدْلِى بأُمٍّ. قُلْنا: لكنْ لا وِلادةَ لها، فيُقَدَّمُ عليها مَنْ له ولادةٌ، كتَقْدِيم أُمِّ الأُمِّ على الخالةِ. فعلى هذا، متى وُجِدَتْ جَدَّةٌ وارِثةٌ، فهى أوْلَى ممَّن هو من غيرِ عَمُودَىِ النَّسَبِ بكلِّ حالٍ وإن عَلَتْ دَرَجَتُها؛ لفضيلةِ الوِلادةِ والوِرَاثةِ، فأمَّا أُمُّ أبى الأُمِّ، فلا حَضانةَ لها؛ لأنَّها تُدْلِى بأبِى الأُمِّ، ولا حَضانةَ له (٤)، ولا لمنْ (٥) أَدْلَى به.
فصل: فإن اجْتمَعتْ أُمُّ أمٍّ وأمُّ أبٍ، فأُمُّ الأُمِّ أحَقُّ، وإن عَلَتْ دَرَجَتُها؛ لأنَّ لها وِلادةً، وهى تُدْلِى بالأُمِّ التي تُقَدَّمُ على الأبِ، فوَجَبَ تقدِيمُها عليها، كتَقْديمِ الأُمِّ على الأبِ. وعن أحمدَ أنَّ أُمَّ الأبِ أحَقُّ. وهو قياسُ قول الْخِرَقِىِّ؛ لأنَّه قَدَّمَ خالةَ الأبِ على خالةِ الأُمِّ، وخالةُ الأَبِ أُخْتُ أُمِّه، وخالةُ الأُمِّ أخْتُ أُمِّها، فإذا قَدَّمَ
стр. 5961
أخْتَ أُمِّ الأبِ، دَلّ على تَقْدِيمِها، وذلك لأنَّها تُدْلِى بعَصَبةٍ، مع مُساواتِها للأُخْرَى في الوِلادةِ، فوَجَبَ تقدِيمُها، كتَقْدِيمِ الأُخْتِ من الأبِ على الأُخْتِ من الأُمِّ، وإنما قُدِّمَتِ الأمُّ على الأبِ؛ لأنَّها أُنْثَى (٦) تَلِى الحضانةَ بنَفْسِها، فكذلك أُمُّه، فإنَّها أُنْثَى تَلِى بنَفْسِها، فقُدِّمَتْ لما ذكرْناه.
١٤٠٣ - مسألة؛ قال: (والْأُخْتُ مِنَ الْأَبِ أَحَقُّ مِن الْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ، وأحَقُّ مِنَ الْخَالَةِ)
وجملتُه أنَّه إذا عُدِمَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الحضانةَ، من الآباءِ والأُمَّهاتِ وإن عَلَوْا، انْتقَلتْ إلى الأخَوَاتِ، وقُدِّمْنَ على سائرِ القَراباتِ، كالخالاتِ والعَمَّاتِ وغيرِهِنَّ؛ لأنَّهُنَّ شارَكْنَ في النَّسَبِ، وقُدِّمْنَ في الميراثِ، ولأنَّ العَمَّاتِ والخالاتِ إنَّما يُدْلِينَ بأُخُوَّةِ الآباءِ والأُمّهاتِ، ولا مِيراثَ لهنَّ مع ذِى فَرْضٍ ولا عَصَبةٍ، فالمُدْلِى إلى نفسِ المَكْفُولِ ويَرِثُه، أقْرَبُ وأشْفَقُ، فكان أَوْلَى. وأَوْلَى الأَخَواتِ مَنْ كان لأبَوَيْنِ، لقُوّةِ قَرابَتِها، [ثم مَنْ كان لأبٍ] (١)، ثم مَنْ كان لأُمٍّ، نَصَّ عليه أحمدُ، وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: الأخْتُ من الأُمِّ أَوْلَى من الأُخْتِ من الأبِ. وهو قولُ الْمُزَنِىِّ، وابنِ سُرَيْجٍ؛ لأنَّها أدْلَتْ بالأُمِّ، فقُدِّمَتْ على المُدْلِيةِ بالأبِ، كأُمِّ الأُمِّ مع أُمِّ الأبِ. وقال ابن سُرَيْجٍ: تُقَدَّمُ الخالةُ على الأُخْتِ من الأبِ؛ لذلك. ولأبِى حنيفةَ فيه (٢) رِوَايتان. ولَنا، أنَّ الأُخْتَ من الأبِ أقْوى في الميراثِ، فقُدِّمَتْ، كالأُخْتِ من الأبَوَيْنِ، ولا تَخْفَى قُوَّتُها، فإنَّها أُقِيمَتْ مُقامَ الأخْتِ من الأبَوَيْنِ عندَ عَدَمِها، وتكونُ عَصبةً مع البَناتِ، وتُقاسِمُ الجَدَّ، وما ذكَرُوه من الإِدْلاءِ لا يَلْزَمُ؛ لأنَّ الأُخْتَ تُدْلِى بنَفْسِها؛ لكَوْنِهما خُلِقَا من ماءٍ واحدٍ، ولها (٣) تَعْصِيبٌ، فكانتْ أَوْلَى. واللهُ أعلم.
стр. 5962
١٤٠٤ - مسألة؛ قال: (وخَالَةُ الْأَبِ أحَقُّ مِنْ خَالَةِ الْأُمِّ)
وجملتُه أنَّه إذا عُدِمَتِ الأمَّهاتُ والآباءُ والأخواتُ، انْتَقَلتِ الحضانةُ إلى الخالاتِ، ويُقَدَّمْنَ على العَمَّاتِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ويَحْتَمِلُ (١) كَلامُ الْخِرَقِىِّ تَقْدِيمَ العَمّاتِ؛ لأنَّه قَدَّمَ خالةَ الأبِ، وهى أخْتُ أُمِّه، على خالةِ الأُمِّ، وهى أخْتُ أُمِّها، فيَدُلُّ ذلك على تَقْدِيمِ قَرابةِ الأبِ على قَرابةِ الأُمِّ، ولأنَّهن يُدْلِينَ بعَصَبةٍ، فقُدِّمْنَ، كتَقْديمِ الأُخْتِ من الأبِ على الأُخْتِ من الأُمِّ. وقال القاضي: مُرَادُ الْخِرَقِىِّ بقَوْلِه: خالة الأَبِ. أي الخالةُ من الأَبِ تُقَدَّمُ على الخالةِ من الأُمِّ، كتَقْديمِ الأُخْتِ من الأبِ على الأُخْتِ من الأُمِّ؛ لأنَّ الخالاتِ أخواتُ الأُمِّ، فيَجْرِينَ في الاسْتِحْقاقِ والتَّقْديمِ فيما (٢) بينَهُنَّ مَجْرَى الأَخَواتِ المُفْتَرِقاتِ، وكذلك الحكمُ في العَمَّاتِ المُفْترِقاتِ. فإن قُلْنا بتَقديمِ (٣) الخالاتِ، فإذا انْقَرَضْنَ فالعَمَّاتُ بَعْدَهُنَّ، وإن قُلْنا بتَقْديمِ العَمَّاتِ، فالخالاتُ بعدَهُنَّ، فإذا عُدِمْنَ، انتقلَتْ إلى خالاتِ الأبِ، على قولِ الْخِرَقِىِّ، وعلى القولِ الآخَرِ، إلى خالاتِ الأُمِّ. وهل يُقَدّمُ خالاتُ الأبِ على عَمَّاتِه؟ على وَجْهَيْنِ، بناءً على ما ذكرْنا في الخالاتِ والعَمَّاتِ. فأمَّا عَمَّاتُ الأُمِّ، فلا حَضانةَ لهُنَّ؛ لأنَّهُنَّ يُدْلِينَ بأبِى الأُمِّ، وهو رَجُلٌ من ذَوِى الأرْحامِ، لا حَضانةَ له، ولا لمن أَدْلَى به.
فصل: وللرِّجالِ من العَصَباتِ مَدْخَلٌ في الحَضانةِ، وأَوْلاهُم الأَبُ، ثم الجَدُّ أبو الأبِ وإن عَلَا، ثم الأخُ من الأبَوَيْنِ، ثم الأخُ من الأبِ، ثم بَنُوهم وإن سَفَلُوا، على تَرْتيبِ المِيراثِ، ثم العُمُومةُ، ثم بَنُوهم كذلك، ثم عُمُومةُ الأبِ، ثم بَنُوهم. وهذا قولُ الشافعىِّ. وقال بعضُ أصحابِه: لا حَضانةَ لغيرِ الآباءِ والأجْدادِ؛ لأنَّهم لا مَعْرِفةَ لهم بالحضانةِ، ولا لهم وِلايةٌ بأنْفُسِهِم، فلم يكُنْ لهم حَضانةٌ، كالأجانِبِ. ولَنا،
стр. 5963
أن عَلِيًّا وجَعْفَرَا اخْتَصَما في حَضانةِ ابنةِ حمزةَ، فلم يُنْكِرْ عليهما (٤) النَّبِىُّ ﷺ ادِّعاءَ الحضانةِ (٥). ولأنَّ لهم وِلايةً وتَعْصِيبًا بالقَرابةِ، فتَثْبُتُ لهم الحضانةُ، كالأبِ والجَدِّ، وفارَقَ الأجانبَ؛ فإنَّهم ليستْ لهم قَرابةٌ ولا شَفَقةٌ، ولأنَّ الأجانبَ تَسَاوَوْا في عَدَمِ، القرابةِ، فليس واحدٌ منهم أوْلَى بالتَّقْديمِ من الآخَرِ، والعَصَباتُ لهم قرابةٌ يَمْتازُون بها، وأحَقُّهُم بالحضانةِ أحَقُّهُم بالميراثِ بعدَ الآباءِ والأجدادِ، ويَقُومونَ مَقامَ الأبِ في التَّخْيِيرِ للصَّبِىِّ بينَه وبينَ الأُمِّ، أو غيرِها (٦) ممَّن له الحَضانةُ من النِّساءِ، ويكونُون أحَقَّ بالجاريةِ إذا بَلَغَتْ سَبْعًا، إلَّا ابنَ العَمِّ، فإنَّ الجارِيةَ لا تُسَلَّمُ إليه إذا بَلَغتْ سَبْعًا؛ لأنَّه ليس بمَحْرَمٍ لها.
فصل: فأمَّا الرِّجالُ من ذَوِى الأرْحامِ، كالخالِ، والأخِ من الأُمِّ، وأبى الأُمِّ، وابنِ الأُخْتِ، فلا حَضانةَ لهم مع وُجُودِ أحدٍ من أهلِ الحَضانةِ سِوَاهم؛ لأنَّه ليس بامرأةٍ يتَوَلَّى الحضانةَ، ولا له قُوّةُ قَرابةٍ كالعَصَباتِ، ولا حَضانةَ (٧) لمن (٨) يُدْلِى بهم، كأُمِّ أبى الأُمِّ، وابنةِ الخالِ، وابنةِ الأَخِ من الأُمِّ؛ لأنَّهُنَّ يُدْلِينَ بمَن لا حَضانةَ له، فإذا لم تَثْبُتْ للمُدْلَى به (٩)، فللمُدْلِينَ به أَوْلَى. فإن لم يكُنْ هناك غيرُهم، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، هم أوْلَى؛ لأنَّ لهم رَحِمًا وقَرابةً يَرِثُون بها عندَ عَدَمِ مَنْ هو أوْلَى منهم، كذلك الحضانةُ تكونُ لهم عند عَدَمِ مَنْ هو أوْلى بها منهم. والثانى، لا حَقَّ لهم في الحضانةِ، ويَنْتَقِلُ الأمرُ إلى الحاكمِ. والأَوّلُ أوْلَى.
فصل: في بيانِ الأَوْلَى فالأَوْلَى من أهلِ الحضانةِ، عندَ اجتماعِ الرِّجالِ والنِّساءِ.
стр. 5964
أَوْلَى الكُلِّ بها الأُمُّ، ثم أُمَّهاتُها وإن عَلَوْنَ، يُقَدَّمُ مِنْهنَّ الأَقْرَبُ فالأقْربُ؛ لأنهن نساءٌ ولادَتُهُنَّ مُتَحَقِّقةٌ، فهى في معنى الأُمِّ. وعن أحمدَ: أنَّ أُمَّ الأبِ وأمَّهاتِها مُقَدَّمَاتٌ (١٠) على أُمِّ الأُمِّ. فعلى هذه الروايةِ، يكونُ الأبُ أَوْلَى بالتَّقْديمِ؛ لأنَّهُنَّ يُدْلِينَ به، فيكون الأبُ بعد الأُمِّ، ثم أُمَّهاتُه. والأُولَى هي المشهورةُ عندَ أصحابِنا، وأنَّ المُقَدَّمَ الأُمُّ، ثم أُمَّهاتُها، ثم الأبُ، ثم أُمَّهاتُه، ثم الجَدُّ، ثم أُمَّهاتُه، ثم جَدُّ الأبِ، ثم أُمَّهاتُه وإن كُنَّ غيرَ وارِثاتٍ؛ لأنَّهُنَّ يُدْلِينَ بعَصَبةٍ من أهلِ الحَضانةِ، بخِلافِ أُمِّ أبِى الأُمِّ. وحُكِى عَن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى؛ أنَّ الأُخْتَ من الأُمِّ والخالةَ أحَقُّ من الأبِ. فتكونُ الأختُ من الأبَوَيْنِ أحَقَّ منه ومنهما ومن جميع العَصَباتِ. والأُولَى هي المَشْهُورةُ في المَذْهب. فإذا انْقَرَضَ الآباءُ والأُمَّهاتُ، انْتقَلتِ الحضانةُ إلى الأخَواتِ، وتُقَدَّمُ الأُخْتُ من الأبَوَيْنِ، ثم الأُخْتُ من الأبِ، ثم الأُخْتُ من الأمِّ، وتقدَّمُ الأُخْتُ على الأخِ؛ لأنَّها امرأةٌ من أهلِ الحَضانةِ، فقُدِّمَتْ على مَنْ في دَرَجَتِها من الرِّجالِ، كالأُمِّ تُقَدَّمُ على الأبِ، وأُمِّ الأَبِ على أبِى الأبِ، وكلُّ جَدّةٍ في دَرَجةِ جَدٍّ تُقَدَّمُ عليه؛ لأنَّها تَلِى الحضانةَ بنَفْسِها، والرَّجُلُ لا يَلِيها بنَفْسِه. وفيه وجهٌ آخرُ، أنَّه يُقَدَّمُ عليها؛ لأنّه عَصَبةٌ بنَفْسِه. والأَوّلُ أوْلى. وفى تَقْديمِ الأُخْتِ من الأبَوَيْنِ، أو من الأبِ على الجَدِّ، وَجْهان. وإذا لم تكُنْ أُخْتٌ، فالأخُ للأبَوَيْنِ أوْلَى، ثم الأخُ للأبِ، ثم أبْناؤُهما، ولا حَضانةَ للأخِ للأُمِّ؛ لما ذكرْنا. فإذا عُدِمُوا، صارتِ الحضانةُ للخالاتِ، على الصَّحِيحِ، وتَرْتِيبُهُنَّ فيها كتَرْتيبِ الأخَواتِ. ولا حضانةَ للأخْوالِ، فإذا عُدِمْنَ (١١) صارتْ للعَمَّاتِ، ويُقَدَّمْنَ على الأعْمام، كتَقْديمِ الأَخَواتِ على الإِخْوَةِ، ثم للعَمِّ للأبَويْنِ، ثم للعَمِّ للأبِ، ولا حَضانةَ للعَمِّ [من الأُمِّ] (١٢)، ثم أبناؤُهما، ثم إلى خَالاتِ الأَبِ، على قولِ الخِرَقِىِّ، وعلى الْقَوْلِ (١٣) الآخَرِ، إلى خالاتِ الأُمِّ، ثم إلى عَمَّاتِ الأبِ، ولا حَضانةَ
стр. 5965
لعَمَّاتِ الأُمِّ؛ لأنَّهُنَّ يُدْلِينَ بأبِى (١٤) الأُمِّ، ولا حَضانةَ له. وإن اجتمَعَ شَخْصان أو أكثرُ من أهلِ الحَضانةِ في دَرَجةٍ، قُدِّمَ المُسْتَحِقُّ منهم بالقُرْعةِ.
فصل: وإن تَرَكتِ الْأمُّ الحضانةَ مع اسْتِحْقاقِها لها، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، تَنْتقِلُ إلى الأبِ؛ لأنَّ أُمَّهاتِها فَرْعٌ عليها في الاسْتِحْقاقِ، فإذا أسْقَطَتْ حَقَّها، سَقَطَ فُرُوعُها. والثانى، تنْتَقِلُ إلى أُمَّهاتِها (١٥) وهو أصَحُّ؛ لأنَّ الأبَ أبعدُ، فلا تنْتقِلُ الحضانةُ إليه مع وُجُودِ أقْرَبَ منه، كما لا تنْتِقلُ إلى الأُخْتِ، وكَوْنُهُنَّ فُرُوعًا (١٦) لها، لا يُوجِبُ سُقُوطَ حُقُوقِهِنَّ بسُقُوطِ حَقِّها، كما لو سَقَطَ (١٧) حقُّها لكَوْنِها من غيرِ أهلِ الحَضانةِ، أو لتَزَوُّجِها. وهكذا الحكمُ في الأبِ إذا أسْقَطَ حَقَّه، هل يَسْقُط حَقُّ أُمَّهاتِه؟ على وَجْهَيْن. وإن كانت أخْتٌ من أبَوَيْنِ، وأختٌ من أبٍ، فأسْقَطَتِ الأختُ من الأبَوَيْنِ حَقَّها، لم يَسْقُطْ حَقُّ الأختِ من الأبِ؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَها من غيرِ جِهَتِها، وليست فَرْعًا عليها.
١٤٠٥ - مسألة؛ قال: (وَإذَا أُخِذَ الْوَلَدُ مِنَ الْأُمِّ إذَا تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ طَلُقَتْ، رَجَعَتْ عَلَى حَقِّهَا مِنْ كَفَالَتِهِ)
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ والْمُزَنىَّ قالا (١): إن كان الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، لم يَعُدْ حَقُّها؛ لأنَّ الزَّوجِيَّةَ (٢) قائمةٌ، فأشْبَهَ ما لو كانتْ في صُلْبِ النكاحِ. ولَنا، أنَّها مُطلَّقةٌ، فعادَ حَقُّها من الحضانةِ، كالبائِنِ. وقولُهم: إنَّها زَوجةٌ. قُلْنا: إلَّا أنَّه قد عَزَلَها عن فِراشِه، ولم يَبْقَ لها عليه قَسْمٌ، ولا لها به شُغْلٌ، وعُقِدَ
стр. 5966
سَبَبُ زَوَالِ نِكاحِها، فأشْبَهَتِ (٣) البائِنَ في عِدَّتِها. ويُخَرَّجُ عندَنا مثلُ قَوْلِهما (٤)، لكَوْنِ النكاحِ قبلَ الدُّخولِ مُزِيلًا لحَقِّ الحضانةِ، مع عَدَمِ القَسْمِ والشُّغْلِ بالزَّوْجِ.
فصل: وكلُّ قَرابةٍ تُسْتَحَقُّ بها الحضانةُ، مَنَعَ منها مانِعٌ، كَرِقٍّ، أو كُفْرٍ، أو فِسْقٍ (٥)، أو جُنُونٍ، أو صِغَرٍ، إذا زال المانعُ، مثل أن عَتَقَ الرَّقِيقُ، وأسْلَمَ الكافرُ، وعَدَلَ الفاسقُ، وعَقَلَ المجنونُ، وبَلَغَ الصغيرُ، عاد حَقُّهُم من الحضانةِ؛ لأنَّ سَبَبهَا قائمٌ، وإنَّما امْتَنَعَتْ لمانعٍ، فإذا زال المانعُ، عاد الحقُّ بالسَّببِ السَّابقِ المُلازمِ، كالزَّوْجةِ إذا طَلُقَتْ.
١٤٠٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا تزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ، فَلِزَوْجِهَا أنْ يَمْنَعَهَا مِنْ (١) رَضَاعِ ولَدِهَا، إلَّا أن يُضْطَرَّ إلَيْهَا، ويُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفَ)
وجملةُ ذلك أنَّ للزَّوجِ مَنْعَ امرأتِه من رَضاعِ ولَدِها من غيرِه، ومن رَضاعِ ولَدِ غيرِها، إلَّا أن يُضْطَرَّ إليها؛ لأنَّ عَقْدَ النكاحِ يَقْتَضِى تَمَلُّكَ (٢) الزَّوجِ الاسْتِمْتاعَ في كلِّ الزَّمَانِ، من كلِّ الجهاتِ، سِوَى أوْقاتِ الصَّلَواتِ، والرَّضاعُ يُفَوِّتُ عليه الاسْتِمْتاعَ في بعضِ الأوْقاتِ، فكان له المَنْعُ كالخُرُوجِ من مَنْزِلِه. فإن اضْطُرَّ الولدُ إليها (٣)، بأنْ لا تُوجَدَ مُرْضِعةٌ سِوَاها، أو لا يَقْبَلُ الولدُ الارْتِضاعَ من غيرِها، وجَبَ التَّمْكِينُ من إرْضاعِه؛ لأنَّها حالُ ضَرُورةٍ، وحِفْظٌ لنَفْسِ ولَدِها، فقُدِّمَ على حَقِّ الزَّوجِ، كتَقْديمِ المُضْطَرِّ على المالِكِ إذا لم يكُنْ بالمالكِ مثلُ ضَرُورَتِه.
فصل: فإن أرادتْ إرْضاعَ ولَدِها منه، فكلامُ الْخِرَقِىِّ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن؛
стр. 5967
أحدهما، أنَّ له مَنْعَها من رَضاعِه؛ لعمومِ لَفْظِه. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يُخِلُّ باسْتِمْتاعِه منها، فأَشْبَهَ ما لو كان الولَدُ من غيرِه. والثانى، ليس له مَنْعُها؛ فإنَّه قال: وإن أرادَتْ رَضاعَ ولَدِها بأُجْرَةِ مثلِها، فهى أحَقُّ به من غيرِها، سواءٌ كانتْ في حِبَالِ الزَّوجِ أو مُطَلَّقَةً، وذلك لقول اللَّه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٤). وهذا خَبَرٌ يُرَادُ به الأمْرُ (٥)، وهو عامٌّ في كلِّ والدةٍ، ولا يَصِحُّ من أصْحابِ الشافعىِّ حَمْلُه على المُطَلَّقاتِ؛ لأنَّه جَعَلَ لهُنَّ رِزْقَهُنَّ وكُسْوَتَهُنَّ، وهم لا يُجِيزُونَ جَعْلَ ذلك أجْرَ الرَّضاعِ ولا غيرَه. وقولُنا، في الوَجْهِ الأوَّلِ: إنَّه يُخِلُّ باسْتِمتاعِه. قُلْنا: ولكنْ لإِيفاءِ حَقٍّ عليه، وليس ذلك مُمْتَنِعًا، كما أنَّ قَضاءَ دَيْنِه بدَفْعِ مالِه فيه واجبٌ، سِيَّما إذا تعَلَّقَ به حَقُّ الوَلَدِ، في كَوْنِه مع أمِّهِ، وحَقُّ [الأُمِّ في الجَمْعِ] (٦) بينها (٧) وبينَ ولَدِها. وهذا الوَجْهُ ظاهِرُ كلامِ ابنِ أبي موسى، والأوَّلُ (٨) ظاهرُ كلامِ القاضِى أبى يَعْلَى.
فصل: وإن أجَرَتِ المرأةُ نَفْسَها للرَّضاعِ، ثم تزَوَّجَتْ، صَحَّ النِّكاحُ، ولم يَمْلِك الزَّوجُ فَسْخَ الإِجَارةِ، ولا (٩) مَنْعَها من الرَّضاعِ حتى تَنْقَضِىَ المُدَّةُ؛ لأنَّ مَنافِعَها مُلِكَتْ بعَقْدٍ سابقٍ على نكاحِه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى أمَةً مُسْتَأْجَرَةً، أو دارًا مَشْغُولةً. فإن نامَ الصَّبِىُّ، أو اشْتَغَلَ بغيرِها، فللزَّوْجِ الاسْتِمتاعُ، وليس لوَلِىِّ الصبىِّ مَنْعُه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال مالكٌ: ليس له وطْؤُها إلَّا برِضَى (١٠) الوَلِىِّ؛ لأنَّ ذلك يَنْقُصُ اللَّبَنَ. ولَنا، أنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ بالعَقْدِ، فلا يَسْقُطُ بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه، كما لو أذِنَ الوَلِىُّ
стр. 5968
فيه، ولأنَّه يجوزُ له الوَطْءُ مع إذْنِ الوَلِىِّ، فجاز مع عَدَمِه؛ لأنَّه ليس للوَلِىِّ الإِذْنُ فيما يَضُرُّ الصَّبِىَّ، ويُسْقِطُ حُقُوقَه.
فصل: وإن أجَرَتِ المرأةُ المُزَوَّجةُ نَفْسَها للرَّضاعِ، بإذْنِ زَوْجِها، جاز، ولَزِمَ العَقْدُ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، ولا يَخْرُجُ عنهما. وإن أجَرَتْها بغير إذْنِ الزَّوْجِ، لم يَصِحَّ؛ لما يتَضَمَّنُ من تَفْوِيتِ حَقِّ زَوْجِها. وهذا أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصحابِ الشافعىِّ. والآخرُ، يَصِحُّ؛ لأنَّه تناوَلَ مَحَلًّا غيرَ مَحَلِّ النكاحِ، لكنْ للزَّوجِ فَسْخُه؛ لأنَّه يَفُوتُ به الاسْتِمتاعُ ويَخْتَلُّ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يَفُوتُ به (١١) حَقُّ مَنْ ثَبَتَ له الْحَقُّ بعَقْدٍ سابِقٍ، فلم يَصِحَّ، كإجَارَةِ المُسْتَأْجَرِ.
١٤٠٧ - مسألة؛ قال: (وعَلَى الْأَبِ أنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهِ، إلَّا أنْ تَشَاءَ الْأُمُّ أنْ تُرْضِعَهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، فَتَكُونَ أحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، سَواءٌ كَانَتْ في حِبَالِ الزَّوْجِ، أوْ مُطَلَّقةً)
الكلام في هذه المسألة في فَصْلين:
أولهما: أنَّ رَضاعَ الولَدِ على الأبِ وَحْدَه، وليس له إجبارُ أُمِّه على رَضاعِه، دَنِيئةً كانت أو شريفةً، سواءٌ كانت في حِبالِ الزَّوجِ أو مُطَلَّقةً. ولا نَعْلَمُ في عَدَمِ إجْبارِها على ذلك إذا كانتْ مُفَارَقَةً خلافًا، فأمَّا إن كانتْ مع الزَّوجِ، فكذلك عندَنا، وبه يقول الثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال ابنُ أبي (١) لَيْلَى، والحسنُ ابن صالحٍ: له إجْبارُها على رَضاعِه (٢). وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، وروايةٌ عن مالكٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٣).
стр. 5969
والمشْهورُ عن مالكٍ، أنَّها إن كانت شَرِيفةً لم تَجْرِ عادةُ مثلِها بالرَّضاعِ لوَلَدِها، لم تُجْبَرْ عليه، وإن كانت ممَّن تُرْضِعُ في العادةِ، أُجْبِرَتْ عليه. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (٤). وإذا اخْتلَفا فقد تَعاسَرا، ولأنَّ الإِجْبارَ على الرَّضاعِ لا يَخْلُو، إمَّا أن يكونَ لحَقِّ الوَلَدِ، أو لحقِّ الزَّوجِ، أولهما، لا يجوزُ أن يكونَ لحَقِّ الزَّوجِ، فإنَّه لا يَمْلِكُ إجْبارَها على رَضَاعِ ولَدِه من غيرِها، ولا على خِدْمَتِه فيما يَخْتَصُّ به. ولا يجوزُ أن يكونَ لحقِّ الولَدِ، لأنَّه (٥) لو كان له، للَزِمَها بعدَ الفُرْقةِ، ولأنَّه ممَّا يَلْزَمُ الوالدَ لوَلدِه، فلَزِمَ الأبَ على الخُصُوصِ، كالنَّفقةِ، أو كما بعدَ الفُرْقةِ. ولا يجوزُ أن يكونَ لهما؛ لأنَّ ما لا مُناسبةَ فيه، لا يَثْبُتُ الحكمُ بانْضِمامِ بعضِه إلى بعضٍ، ولأنَّه لو كان لهما، لَثَبَتَ الحكمُ به بعدَ الفُرقةِ، والآيةُ مَحْمُولةٌ على حالِ الإِنْفاقِ وعَدَمِ التَّعاسُرِ.
الفصل الثاني: أنَّ الأُمَّ إذا طَلَبَتْ إرْضاعَه بأَجْرِ مثلِها، فهى أحَقُّ به، سواءٌ كانت في حالِ الزَّوْجِيَّةِ أو بعدَها، وسواءٌ وَجَدَ الأبُ مُرْضِعةً مُتَبَرِّعةً (٦) أو لم يَجِدْ. وقال أصْحابُ الشافعىِّ: إنْ كانتْ في حِبَالِ الزَّوجِ، فلِزَوْجها مَنْعُها من إرْضاعِه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّ الاسْتِمْتاعِ بها في بعضِ الأحيانِ، وإن اسْتَأْجَرَها على رَضاعِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ المَنافِعَ حَقٌّ له، فلا يجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ منها ما هو أو بعضُه حَقٌّ له. وإن أرْضَعَتِ الولَدَ، فهل لها أجْرُ المِثْلِ؟ على وَجْهَيْن. وإن كانت مُطَلَّقةً، فطَلَبَتْ أجْرَ المِثْلِ، فأراد انْتِزَاعَه منها ليُسَلِّمَه إلى مَنْ تُرْضِعُه بأجْرِ المثلِ أو أكثرَ، لم يكُنْ له ذلك، وإن وَجَدَ مُتَبرِّعةً، أو مَنْ تُرْضِعُه بدُونِ أجْرِ المثلِ، فله انْتِزاعُه منها، في ظاهرِ المذهبِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه الْتِزامُ المُؤْنةِ مع دَفْعِ حاجةِ الوَلَدِ بدُونِها. وقال أبو حنيفةَ: إن طَلَبَتِ الأجْرَ، لم يَلْزَمِ الأبَ [بَذْلُه لها] (٧)، ولا يَسْقُطُ حَقُّها من الحضانةِ، وتأْتِى المُرْضِعةُ تُرْضِعُه
стр. 5970
عندَها؛ لأنَّه أمْكَنَ الجَمْعُ بين الحَقَّيْنِ، فلم يَجُز الإِخْلالُ بأحَدِهما. ولَنا، على الأوَّلِ، ما تقَدَّمَ، وعلى جوازِ الاسْتِئْجارِ، أنَّه عَقْدُ إجَارَةٍ يَجُوزُ مع (٨) غيرِ الزَّوجِ إذا أَذِنَ فيه، فجاز مع الزَّوجِ، كإجَارةِ نفسِها للخِياطةِ أو الخِدْمةِ. وقولُهم: إنَّ المنافِعَ مملوكةٌ له. غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّه لو مَلَكَ مَنْفعةَ الحضانةِ، لَمَلَكَ إجْبارَها عليها، ولم تَجُزْ إجارةُ نفسِها لغيرِه بإذْنِه، ولكانتْ الأُجْرَةُ له، وإنَّما امْتَنَعَتْ (٩) إجارةُ نفسِها لأجْنَبِىِّ بغيرِ إذْنِه، لما فيه من تَفْوِيتِ الاسْتِمْتاعِ في بعضِ الأوْقاتِ، ولهذا جازَتْ بإذْنِه، وإذا اسْتأجَرَها، فقد أذِنَ لها في إجارةِ نفسِها، فصَحَّ، كما يَصِحُّ من الأجْنَبِىِّ. وأمَّا الدليلُ على وُجُوبِ تَقْديمِ الأُمِّ، إذا طَلَبَتْ أجْرَ مثلِها، على المُتَبَرِّعةِ، فقولُه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقولُه سبحانه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١٠). ولأنَّ الأُمَّ أحْنَى وأشْفَقُ، ولَبَنَها أمْرَأُ من لَبَنِ غيرِها، فكانت أحَقَّ به من غيرِها، كم لو طَلَبَتِ الأجْنَبِيَّةُ رَضاعَه بأجْرِ مثلِها، ولأنَّ في رَضاعِ غيرِها تَفْوِيتًا لحَقِّ الأُمِّ من الحضانةِ، وإضْرارًا بالوَلَدِ، ولا (١١) يجوزُ تَفْويتُ حَقِّ الحضانةِ الواجبِ، والإِضْرارُ بالولدِ لغرَضِ إسْقاطِ (١٢) حَقٍّ أوْجَبَه اللهُ تعالى على الأَبِ. وقولُ أبى حنيفةَ يُفْضِى إلى تَفويتِ حَقِّ الولدِ من لَبَنِ أُمِّه، وتَفْويتِ [حَقِّ] الأُمِّ في إرْضاعِه لَبَنَهَا، فلم يَجُز ذلك، كما لو تَبَرَّعَتْ برَضاعِه. فأمَّا إن طَلَبتِ الأمُّ أكثرَ من أجْرِ مثلِها، ووَجَدَ الأبُ مَنْ تُرْضِعُه بأجْرِ مثلِها، أو مُتَبَرِّعةً، جاز انْتِزاعُه منها؛ لأنَّها أسْقَطَتْ حَقَّها باشْتِطاطِها، وطَلَبِها ما ليس لها، فدَخَلَتْ في عُمُومِ قوله: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. وإن لم يَجِدْ
стр. 5971
مُرْضِعَةً (١٣) إلَّا بمثلِ تلك الأُجْرةِ، فالأمُّ أحَقُّ؛ لأنهما تساوَتا في الأجْرِ، فكانت الأمُّ أحَقَّ، كما لو طَلَبَتْ كلُّ واحدةٍ منهما أجْرَ مِثْلِها.
فصل: وإن طَلَبَتْ ذاتُ الزَّوجِ الأجْنَبِىِّ إرْضاعَ ولَدِها، بِأُجْرَةِ مثلِها، بإذْنِ زَوْجِها، ثَبَتَ حَقُّها، وكانتْ أحَقَّ به من غيرِها؛ لأنَّ الأمَّ إنَّما مُنِعَتْ من الإِرْضاعِ لحَقِّ الزوجِ، فإذا أذِنَ فيه، زال المانِعُ، فصارَتْ كغيرِ ذاتِ الزَّوجِ، وإن مَنَعَها الزَّوجُ، سَقَطَ حَقُّها؛ لتَعَذُّرِ وُصُولِها إلى ذلك.
فصل: وإن أرْضَعَتِ المرأةُ ولَدَها، وهى في حِبالِ والِدِه، فاحتاجَتْ إلى زيادةِ نَفقةٍ، لَزِمَه؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١٤). ولأنَّها تَسْتَحِقُّ عليه قَدْرَ كِفَايَتِها، فإذا زادتْ حاجَتُها، زادتْ كِفَايَتُها. واللَّه أعلمُ.
стр. 5972
باب نَفَقةِ المَماليكِ
١٤٠٨ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وعَلَى مُلَّاكِ الْمَمْلُوكِينَ أنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ ويَكْسُوهُمْ بالْمَعْرُوفِ)
وجملةُ ذلك أنَّ نَفقةَ المَمْلُوكِينَ على مُلّاكِهم ثابتةٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا السُّنَّةُ، فما رَوَى أبُو ذَرٍّ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إخْوانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُم اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فمَنْ كَانَ (١) أخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْه مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فإنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ عَلَيْهِ (٢) ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وروَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لِلْمَمْلُوكِ طَعامُهُ وكُسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ". روَاه الشَّافعىُّ، في "مُسْنَدِه" (٤). وأجْمعَ العلماءُ على
стр. 5973
وُجوبِ نَفقةِ المَمْلُوكِ على سَيِّدِه، ولأنَّه لا بُدَّ له من نَفقةٍ، ومَنافِعُه لسَيِّدِه، وهو أخَصُّ الناسِ به، فوَجَبَتْ نفقَتُه عليه، كَبَهِيمَتِه. والواجبُ من ذلك قَدْرُ كِفَايَتِه مِن غالِبِ قُوتِ البَلدِ، سواءٌ كان قُوتَ سَيِّدِه، أو دُونَه، أو فَوْقَه، وأُدْمِ مِثْلِه بالمَعْرُوفِ؛ لقولِه ﷺ : "لِلْمَمْلُوكِ طَعامُه وكُسْوتُهُ بالْمَعْرُوفِ". والمُسْتَحَبُّ أن يُطْعِمَه من جِنْسِ طَعامِه؛ لقوله: "فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ". فجمَعْنا بين الخَبَرَيْنِ، وحَمَلْنا خبرَ أبى هُرَيْرةَ على الإِجْزاءِ، وحديثَ (٥) أبى ذَرٍّ على الاسْتِحْبابِ. والسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بينَ أن يَجْعَلَ نفقَتَه من كَسْبِه، إن كان له كَسْبٌ، وبينَ أن يُنْفِقَ عليه من مالِه ويَأْخُذَ كَسْبَه، أو يَجْعَلَه برَسْمِ خِدْمَتِه؛ لأنَّ الكُلَّ مالُه، فإن جَعَلَ نفقَتَه في كَسْبِه، فكانتْ وَفْقَ الكَسْبِ، صَرَفَه إليها، وإن فَضَلَ من الكَسْبِ شيءٌ، فهو لسيِّدِه، وإن كان فيه عَوَزٌ، فعلى سَيِّدِه تَمامُها. وأمَّا الكُسْوةُ فبالمَعْرُوفِ من غالبِ الكُسْوةِ لأمثالِ العَبْدِ، في ذلك البلدِ الذي هو به، والأَوْلَى أن يُلْبِسَه بن لِباسِه؛ لقولِه ﵇: "ولْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ". ويُسْتَحَبُّ أن يُساوِىَ بين عَبِيدِه الذُّكورِ في الكُسْوةِ والإِطعامِ، وبينَ إمائِه إن كُنَّ للخِدْمةِ أو الاسْتِمْتاعِ، وإن كان فيهنَّ مَنْ هو للخِدْمةِ، وفيهنَّ مَنْ هو للاسْتِمْتاعِ، فلا بأسَ بزِيادةِ من يُرِيدُهَا للاسْتِمْتاعِ [في الكُسْوةِ؛ لأنَّ ذلك حُكْمُ العُرْفِ، ولأنَّ غَرَضَه تَجْمِيلُ مَنْ يُرِيدُهَا للاسْتِمْتاعِ] (٦)، بخِلافِ الخادِمَةِ (٧).
فصل: إذا تَوَلَّى أحَدُهم طَعامَه، اسْتُحِبَّ له أن يُجْلِسَه معهْ، فيأكُلَ، فإن لم يَفْعَلْ، اسْتُحِبَّ أن يُطْعِمَه منه، ولو لُقْمةً أو لُقْمَتَيْنِ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذَا كَفَى أحَدَكُمْ خَادِمُه طَعامَهُ (٧)، حَرَّهُ ودُخَانَهُ، فَلْيَدْعُهُ، وْليُجْلِسْهُ مَعَهُ (٨)،
стр. 5974
فإنْ أبَى، فَلْيُرَوِّغْ لَهُ اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ". روَاه البُخارِىُّ (٩). ومعنى تَرْوِيغِ اللُّقْمةِ، غَمْسُها في المَرَقِ والدَّسمِ، وتَرْوِيَتُها بذلك، ويَدْفَعُها (١٠) إليه. ولأنَّه يَشْتَهِيه لحُضُورِه فيه، وتَوَلِّيه إيَّاه, وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (١١). الآية (١٢)، ولأنَّ نَفْسَ الحاضرِ تَتُوقُ ما لا تَتُوقُ نفسُ الغائِبِ.
فصل: ولا [يجوزُ أن] (١٣) يُكَلِّفَه من العَمَلِ ما لا يُطِيقُ، وهو ما يَشُقُّ عليه، ويَقْرُبُ من العَجْزِ عنه؛ لحديثِ أبى ذَرٍّ، ولأنَّ ذلك يَضُرُّ به ويُؤْذِيه، وهو مَمْنوعٌ من الإِضْرارِ به.
فصل: ولا يُجْبَرُ المملوكُ على المُخارَجةِ، ومعناه أن يَضْربَ عليه خَرَاجًا مَعْلُومًا يُؤَدِّيه، وما فَضَلَ للعَبْدِ؛ لأنَّ ذلك عَقْدٌ بينهما، فلا يُجْبَرُ عليه، كالكِتابةِ. وإن طَلَبَ العبدُ ذلك، وأبَاهُ السَّيِّدُ (١٤)، لم يُجْبَرْ عليه أيضًا؛ [لما ذكَرْنا] (١٥). فإن اتَّفَقَا على ذلك،
стр. 5975
جاز؛ لما رُوِىَ أنَّ أبا ظَبْيَةَ حَجَمَ النَّبِىَّ ﷺ ، فأعْطاه أجْرَهُ، وأمَرَ مَوَالِيه أن يُخَفِّفُوا عنه مِن خَراجِه (١٦). وكان كثيرٌ من الصَّحابةِ يَضْرِبُونَ على رَقِيقِهم خَرَاجًا، فرُوِىَ أنَّ الزُّبَيْرَ كان له ألْفُ مملوكٍ، على كلِّ واحدٍ منهم كلَّ يومٍ دِرْهَمٌ (١٧). وجاء أبو لُؤْلُؤةَ أميرَ المؤمنين عمرَ بن الخطَّابِ، فسأَله أن يَسْأَلَ المُغِيرَةَ بن شُعْبةَ يُخَفِّفُ عنه من خَرَاجِه (١٨). ثم يَنْتَظِرُ، فإن كان ذا كَسْبٍ، فجَعَل (١٩) عليه بقَدْرِ ما يَفْضُلُ من كَسْبِه عن نفَقَتِه وخَراجِه شيءٌ، جاز، فإنَّ لهما به نَفْعًا، فإنَّ العَبْدَ يَحْرِصُ على الكَسْبِ، ورُبَّما فَضَلَ معه شيءٌ يزِيدُه في نفَقَتِه، ويَتَّسِعُ به. وإن وضَعَ عليه أكثرَ من كَسْبِه بعدَ نفَقَتِه، لم يَجُزْ. وكذلك إن كَلّفَ مَنْ لا كَسْبَ له (٢٠) المُخارَجةَ، لم يَجُزْ؛ لما رُوِىَ عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: لا تُكَلِّفُوا الصَّغيرَ الكَسْبَ، فإنَّكم متى كَلَّفْتُمُوه (٢١) الكَسْبَ سَرَقَ، ولا تُكَلِّفُوا المرأةَ غيرَ ذاتِ الصَّنْعةِ الكَسْبَ، فإنَّكم متى كَلَّفْتُمُوها الكَسْبَ كَسَبَتْ بفَرْجِها (٢٢)، ولأنَّه متى كَلّفَ غيرَ ذى الكَسْبِ خَراجًا، كَلَّفَه ما يَغْلِبُه، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا تُكَلِّفُوهُم مَا يَغْلِبُهم". ورُبّما حَمَلَه ذلك على أن يَأَتِىَ به من غيرِ وَجْهِه، فلم يَكُنْ للسَّيِّدِ أخْذُه.
فصل: وإذا مَرِضَ المملوكُ، أو زَمِنَ، أو عَمِىَ، أو انْقَطَعَ كَسْبُه، فعلى سَيِّدِه القِيامُ به، والإِنفاقُ عليه؛ لأنَّ نفقَتَه تجبُ بالمِلْكِ، ولهذا تجبُ مع الصِّغَرِ، والمِلْكُ باقٍ
стр. 5976
مع العَمَى والزَّمَانةِ، فتَجِبُ نفقَتُه معهما (٢٣)، مع عمومِ النُّصُوصِ المذكورةِ في أوَّلِ الباب.
١٤٠٩ - مسألة؛ قال: (وأنْ يُزَوِّجَ الْمَمْلُوكَ إذَا احْتَاجَ إلَى ذلِكَ)
وجملةُ ذلك أنَّه يَجِبُ على السَّيِّدِ إعْفافُ مَمْلُوكِه، إذا طَلَبَ ذلك. وهو أحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يُجْبَرُ عليه؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا عليه، وليس ممَّا تَقُومُ به البِنْيَةُ، فلم يُجْبَرْ عليه، كإطْعامِ الحَلْواء. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (١). والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ، ولا يَجِبُ إلَّا عند الطَّلَبِ. ورَوَى (٢) عِكْرِمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: مَنْ كانت له جارِيةٌ، فلم يُزَوِّجْها، ولم يُصِبْها، أو عَبْدٌ فلم يُزَوِّجْهُ، فما صَنَعَا مِن شيءٍ كان على السَّيِّدِ. ولولا وُجُوب إعْفافِهِما لَما لَحِقَ السَّيِّدَ الإِثْمُ بفِعْلِهِما، ولأنَّه مُكَلَّفٌ، مَحْجُورٌ عليه، دَعَا إلى تَزْوِيجِه، فلَزِمَتْه إجَابَتُه، كالمَحْجُورِ عليه للسَّفَهِ، ولأنَّ النِّكاحَ ممَّا تَدْعُو إليه الحاجةُ غالبًا، ويتَضَرَّرُ (٣) بفَواتِه، فأُجْبِرَ عليه، كالنَّفقةِ، بخِلافِ الحَلْواء. إذا ثَبَتَ هذا، فالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بين تَزْوِيجِه، أو تَمْلِيكِه أمَةً يتَسَرَّاها. وله أن يُزَوِّجَه [أمَتَهُ؛ لأنَّ نكاحَ الأمةِ مُباحٌ للعَبْدِ من غيرِ شَرْطٍ. ولا يجبُ عليه تَزْوِيجُه إلَّا] (٤) عندَ طَلَبِه؛ لأنَّ هذا ممَّا يَخْتَلِفُ الناسُ فيه، وفى الْحاجةِ إليه، ولا تُعْلَمُ حاجَتُه إلَّا بطَلَبِه. ولا يجوزُ تَزْوِيجُه إلَّا باخْتِيارِه، فإنَّ إجْبارَ العَبْدِ الكبيرِ على النِّكاحِ غيرُ جائزٍ. فأمَّا الأمةُ، فالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بين تَزْوِيجِها إذا طَلَبَتْ ذلك، وبينَ أن يَسْتَمْتِعَ بها، فيُغْنِيَهَا باسْتِمْتاعِه عن غيرِه؛ لأنَّ المقْصودَ قَضاءُ الحاجةِ، وإزالةُ ضَرَرِ الشَّهْوةِ، وذلك يَحْصُلُ بأحَدِهما، فلم يتَعَيَّنْ أحَدُهُما.
стр. 5977
١٤١٠ - مسألة؛ قال: (فَإنِ امْتَنَعَ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ إذَا طَلَبَ الْمَمْلُوكُ ذلِكَ)
وجملتُه أنَّ السَّيِّدَ إذا امْتَنَعَ ممَّا يَجِبُ للعَبْدِ عليه، من نَفَقةٍ أو كُسْوَةٍ أو تَزْويجٍ، فطَلَبَ العبدُ البَيْعَ، أُجْبِرَ سَيِّدُه عليه، [سَواءٌ كان امْتناعُ (١) السَّيِّدِ من ذلك لعَجْزِه عنه أو مع قُدْرَتِه عليه] (٢)؛ لأنَّ بقاءَ مِلْكِه عليه مع الإِخْلالِ (٣) بِسَدِّ خَلَّاتِه إضرارٌ به، وإزالةُ الضَّرَرِ (٤) واجِبةٌ، فوَجَبَتْ (٥) إزالَتُه، ولذلك أبَحْنَا للمرأَةِ فَسْخَ النكاحِ عندَ عَجْزِ زَوْجِها عن الإِنْفاقِ عليها. وقد رُوِىَ في بعضِ الحديثِ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "عَبْدُكَ يَقُولُ: أَطْعِمْنِى وإلَّا فَبِعْنِى. وامْرَأتُكَ تَقُولُ: أَطْعِمْنِى أَوْ طَلِّقْنِى" (٦). وهذا يَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّ السَّيِّدَ متى وَفَّى بحُقُوقِ عَبْدِه، فطَلَبَ العبدُ بَيْعَه، لم يُجْبَرِ السَّيِّدُ عليه. وقد نَصَّ عليه أحمدُ، قال أبو داودَ: قِيلَ لأبي عبدِ اللَّه، ﵀: اسْتَباعَتِ المَمْلُوكةُ، وهو يَكْسُوها ممَّا يَلْبَسُ، ويُطْعِمُها مما يَأْكُلُ. قال: لا تُباعُ، وإن أكْثَرَتْ من ذلك، إلَّا أن تحْتاجَ إلى زَوْجٍ، فتقولَ: زَوِّجْنِى. وقال عَطاءٌ، وإسْحاقُ، في العبدِ يُحْسِنُ إليه سَيِّدُه، وهو يَسْتَبيعُ: لا يَبِعْه؛ لأنَّ المِلْكَ للسَّيِّدِ، والحَقَّ له، فلا يُجْبَرُ على إزالَتِه من غيرِ ضَرَرٍ (٧) بالعَبْدِ، كما لا يُجْبَرُ على طَلَاقِ زَوْجَتِه مع القِيامِ بما يَجِبُ لها، ولا على بَيْعِ بَهِيمَتِه مع الإِنْفاقِ عليها.
١٤١١ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ مُكَاتَبِهِ، إلَّا أنْ يَعْجِزَ)
لا خِلافَ في أنَّ المُكاتَبَ لا تَلْزَمُ سَيِّدَه نفَقَتُه؛ لأنَّ الكِتابةَ عَقْدٌ أوْجَبَ مِلْكَ
стр. 5978
المُكاتَبِ إكْسابَ نَفْسِه ومَنافِعَه، ومَنَعَ السَّيِّدَ من التَّصَرُّفِ فيهما، فلا يَمْلِكُ اسْتِخْدامَه، ولا إجارَتَه، ولا إعارَتَه، ولا أخْذَ كَسْبِه، ولا أرْشَ الجِنايةِ عليه، ولا يَلْزَمُه أداءُ أرْشِ جِنايَتِه، فسَقَطَتْ نفقَتُه عنه، كما لو باعَه أو أعْتَقَه، فإذا عَجَزَ، عادَ رَقِيقًا قِنًّا، وعاد إليه مِلْكُ نَفْعِه (١)، وأكسابُه، فعادت عليه نفقَتُه، كما لو اشْتَراه بعد بَيْعِه.
١٤١٢ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ لَهُ أنْ يَسْتَرْضِعَ الْأمَةَ لِغَيْرِ ولَدِهَا، إلَّا أنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رِيِّهِ)
أمَّا إذا أراد اسْتِرْضاعَ أمَتِه لغيرِ ولَدِها، مع كَوْنِه لا يَفْضُلُ عنه، فليس له ذلك؛ لأنَّ فيه إضْرارًا بولَدِها؛ لِنَقْصِه من كِفايَتِه، وصَرْفِ اللَّبَنِ المَخْلُوقِ لوَلَدِها إلى غيرِه، مع حاجَتِه إليه، فلم يَجُزْ، كما لو أراد أن يَنْقُصَ الكَبِيرَ من كِفايَتِه ومُؤْنَتِه. فإن كان فيها فَضْلٌ عنْ رِىِّ ولَدِها، جازَ؛ لأنَّه مَلَكَه، وقد اسْتَغْنَى عنه الولَدُ، فكان له اسْتِيفاؤُه، كالفاضِلِ من كَسْبِها عن مُؤْنَتِها، أو كما (١) لو مات ولَدُها، وبَقِىَ لَبَنُها.
١٤١٣ - مسألة (١)؛ قال: (وإذا رُهِنَ المَمْلُوكُ، أَنْفَقَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ)
وذلك لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ، لَهُ غُنْمُهُ، وعَلَيْهِ غُرْمُهُ" (٢). ونَفَقَتُه مِنْ غُرْمِه. ولأنَّه مِلْكٌ للرَّاهنِ (٣)، ونماؤُه له، فكانتْ عليه نفقَتُه، كغيرِ الرَّهْنِ. وقد ذكرتُ هذه المسألة في باب الرَّهْنِ (٤).
١٤١٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا أَبَقَ الْعَبْدُ، فَلِمَنْ جَاءَ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ مَا أنْفَقَ عَلَيْهِ)
стр. 5979
إنَّما كان كذلك؛ لأنَّ نفقَةَ العَبْدِ على سَيِّدِه، وقد قام الذي جاء به مَقامَ سَيِّدِه في أداءِ (١) الواجِبِ عليه، فرَجَعَ به عليه، كما لو أَذِنَ له. وقال الشافعيُّ: لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه مُتَبَرِّعٌ بإنفاقٍ لم يَجِبْ عليه. ولَنا، أنَّه أدَّى عنه ما وَجَبَ عليه عندَ تَعَذُّرِ أدائِه منه، فرَجَعَ به عليه، كما لو أدَّى الحاكمُ عن المُمْتَنِعِ من الإِنْفاقِ على امرأتِه ما يَجِبُ عليه من النَّفقةِ. ويتَخَرَّجُ أن لا يَرْجِعَ بشيءٍ، بناءً على الرِّوايةِ الأُخْرَى، في مَن أنْفَقَ على الرَّهْنِ الذي عندَه، أو الوَدِيعةِ، أو الجِمالِ إذا هَرَبَ الجَمَّالُ وتَرَكَها مع المُسْتأجِرِ.
فصل: وله تَأْديبُ عَبْدِه وأمَتِه إذا أَذْنَبَا، بالتَّوْبِيخِ، والضَّرْبِ الخفيفِ، كما يُؤَدِّبُ ولَدَه، وامرأتَه في النُّشُوزِ، وليس له ضَرْبُه على غيرِ ذنْبٍ، ولا ضَرْبُه ضَرْبًا مُبَرِّحًا وإن أذْنَبَ، ولا لَطْمُه في وَجْهِه، وقد رُوِىَ عن ابن مُقَرِّنٍ الْمُزَنىِّ، قال: لقَدْ رَأَيْتُنِى سابِعَ سَبْعةٍ، ليس لنا إلَّا خادِمٌ واحدٌ، فلَطَمَها أحَدُنا، فأمَرَنا رسولُ اللَّه ﷺ بإعْتاقِها، فأعْتَقْناها (٢). ورُوِىَ عن أبي مَسْعودٍ، قال: كنتُ أضْرِبُ غُلَامًا لي، فإذا رَجُلٌ من خَلْفِى يقول: "اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ". فالْتَفَتُّ، فإذا النَّبِىُّ ﷺ يقول: "اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ، أنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هذَا الغُلَامِ" (٣).
فصل: ومَنْ مَلَكَ بَهِيمةً، لَزِمَه القيامُ بها، والإِنْفاقُ عليها ما تحتاجُ إليه، من عَلْفِها، أو إقامةِ مَنْ يَرْعاها؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "عُذِّبَتِ امْرَأةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا، حَتَّى ماتَتْ جُوعًا، فَلَا هِىَ أطْعَمَتْها، ولا هِىَ (٤) أرْسَلَتْها تأكُلُ مِنْ
стр. 5980
خَشَاشِ الْأرْضِ" (٥). مُتَّفَقٌ عليه (٦). فإن امْتَنَعَ من الإِنْفاقِ عليها، أُجْبِرَ على ذلك، فإن أبَى أو عَجَزَ، أُجْبِرَ على بَيْعِها، أو ذَبْحِها إن كانتْ ممَّا يُذْبَحُ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُجْبِرُه السُّلْطانُ، بل يَأْمُرُه (٧)، كما يأمرُه بالمَعْرُوفِ، ويَنْهاهُ عن المُنْكَرِ؛ لأنَّ البَهيمةَ لا يَثْبُتُ لها حَقٌّ من جهةِ الحُكْمِ، ألا تَرَى أنَّه لا تَصِحُّ منها الخُصومةُ، ولا يُنْصَبُ عنها (٨) خَصْمٌ، فصارتْ كالزَّرْعِ والشَّجَرِ. ولَنا، أنَّها نَفَقةُ حَيوانٍ واجبةٌ عليه، فكان للسُّلطانِ إجبارُه عليها، كنَفقةِ العَبِيدِ، ويُفارِقُ نَفقةَ الشَّجَرِ والزَّرْعِ، فإنَّها لا تَجِبُ. فإن عَجَزَ عن الإِنْفاقِ، وامْتنعَ من البَيْعِ، بيعَتْ عليه، كما يُباعُ العَبْدُ إذا طَلَبَ البَيْعَ عندَ إعْسارِ سَيِّدِه بنَفَقَتِه، وكما نَفْسَخُ (٩) نِكَاحَه إذا أعْسَرَ بنَفَقةِ امْرأتِه. وإن عَطِبَتِ البَهيمةُ فلم يَنْتَفِعْ بها، فإن كانت ممَّا يُؤْكَلُ، خُيِّرَ بين ذَبْحِها والإِنْفاقِ عليها، وإن كانتْ ممَّا لا يُؤْكَلُ، أُجْبِرَ على الإِنْفاقِ عليها، كالعَبْدِ الزَّمِنِ، على ما ذكرْناه فيما مضَى. ولا يجوزُ أن يُحَمِّلَ البَهِيمةَ ما لا تُطِيقُ؛ لأنَّها في معنى العَبْدِ، وقد مَنَعَ النَّبِىُّ ﷺ تَكْلِيفَ العَبْدِ ما لَا يُطِيقُ (١٠). ولأنَّ فيه تَعْذِيبًا للحيوانِ الذي له حُرْمةٌ في نَفْسِه، وإضرارًا به، وذلك غيرُ جائزٍ. ولا يَحْلِبُ من لَبَنِها إلَّا ما يَفْضُلُ عن كِفَايةِ وَلَدِها؛ لأنَّ كِفَايَتَه واجبةٌ على مالِكِه، ولَبَنُ أُمِّه مَخْلُوقٌ له، فأشْبَهَ وَلَدَ الأَمَةِ.
стр. 5981
كتاب الجِرَاح
يعني كتابَ الجِناياتِ، وإنما عَبَّرَ عنها بالجراحِ لغَلَبةِ وُقُوعِها به، والجِنايةُ: كلُّ فِعْلٍ عُدْوانٍ على نَفْسٍ أو مالٍ. لكنَّها في العُرْفِ مَخْصوصةٌ بما يَحْصُلُ فيه التَّعَدِّى على الأبْدانِ، وسَمَّوُا الجِناياتِ على الأموالِ غَصْبًا، ونَهْبًا، وسَرِقةً، وخِيَانةً، وإتْلافًا.
فصل: وأجمعَ المسلمونَ على تَحْريمِ القَتْلِ بغيرِ حقٍّ، والأصلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (٢). وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٣). الآية. وأمَّا السُّنّةُ، فروَى عبدُ اللَّه بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلمٍ، يَشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وأَنِّى رَسُولُ اللهِ، إلَّا بِإحْدَى ثَلَاثٍ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِى، والنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَماعَةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). وروَى عثمانُ، وعائشةُ، عن النَّبِيِّ ﷺ مثلَه، في آىٍ وأخبارٍ سِوَى هذه كثيرة (٥). ولا خلافَ بينَ الأُمَّةِ في تَحْرِيمِه، فإنْ فَعَلَه إنسانٌ مُتعمِّدًا، فَسَقَ، وأَمْرُه إلى اللَّه، إن شاءَ عَذَّبَه، وإن شاء غَفَر له، وتَوْبَتُه مَقْبولةٌ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وقال ابنُ عباسٍ: إنَّ تَوْبَتَه لا تُقْبَلُ (٦). للآية التي ذكرْناها، وهى من آخِرِ ما نَزَلَ. قال ابنُ عباسٍ: ولم يَنْسَخْها شيءٌ (٦).
стр. 5982
ولأنَّ لَفْظَ الآيةِ لفظُ الخَبَرِ، والأخبارُ لا (٧) يَدْخُلُها نَسْخٌ ولا تغييرٌ؛ لأنَّ خبرَ اللَّه تعالى لا يكونُ إلَّا صِدْقًا. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٨). فجعَله داخلا في المَشِيئةِ. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٩). وفى الحديثِ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ رَجُلًا قَتَلَ مِائَةَ رَجُلٍ ظُلْمًا، ثُمَّ سَأَلَ: هَلْ لَه منْ تَوْبةٍ؟ فَدُلَّ عَلَى عَالِمٍ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ومَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، ولكِن اخْرُجْ مِنْ قَرْيَةِ السَّوْءِ، إلَى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، فَاعْبُدِ اللهَ فِيهَا. فخَرَجَ تَائِبًا، فأدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي الطَّرِيقِ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَبَعَثَ اللَّه إلَيْهِمْ مَلَكًا، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ، فَإلَى أيِّهمَا كَانَ أقْرَبَ، فَاجْعَلُوهُ مِنْ أهْلِهَا. فوَجَدُوهُ أقْرَبَ إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بِشِبْرٍ، فَجَعَلوهُ مِنْ أهْلِهَا". [مُتَّفَقٌ عليه] (١٠). ولأنَّ التَّوْبةَ تَصِحُّ من الكُفْرِ، فمن القَتْلِ (١١) أَوْلَى. والآيةُ مَحْمولةٌ على مَنْ لم يَتُبْ، أو على أنَّ هذا جَزاؤُه إن جَازاهُ، وله العَفْوُ إذا شاء. وقوله: لا يَدْخُلُها النَّسْخُ. قُلْنا: لكنْ يَدْخُلُها التَّخْصِيصُ والتَّأْوِيلُ.
١٤١٥ - مسألة؛ قال أبو القاسم، ﵀: (والقَتْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ عَمْدٌ، وشِبْهُ الْعَمْدِ، وخَطَأٌ)
стр. 5983
أكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ القَتْلَ مُنْقَسِمًا إلى هذه الأقْسامِ الثَّلاثةِ، رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادةُ، وحَمَّادٌ، وأهلُ العِراقِ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وأَنكَرَ مالكٌ شِبْهَ العَمْدِ، وقال: ليس في كتابِ اللهِ إلَّا العَمْدُ والخَطَأُ، فأمَّا شِبْهُ العَمْدِ، فلا يُعْمَلُ به عندَنا. وجعَله من قِسْمِ العَمْدِ. وحُكِىَ عنه مثلُ قَوْلِ الجماعةِ. وهو الصَّوابُ؛ لما رَوَى عبدُ اللَّه بن عمرِو بن العاصِ, أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أَلا إنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهَ الْعَمْدِ، مَا كَانَ بِالسَّوْطِ والْعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ في بُطُونِها أوْلَادُها". روَاه أبو داودَ (١). وفِي لفظٍ: "قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ". وهذا نَصٌّ يُقَدَّمُ على ما ذكَره. وقَسَّمَه أبو الخَطَّابِ أرْبعةَ أقسامٍ، فزاد قِسْمًا رابعًا، وهو ما أُجْرِىَ مُجْرَى الْخَطَإِ، نحو أن يَنْقَلِبَ نائمٌ على شَخْصٍ فيَقْتُلَه, أو يَقَعَ عليه من عُلْوٍ، والقَتْل بالسَّبَبِ، كحَفْرِ البِئْرِ ونَصْبِ (٢) السِّكِّين، وقَتْلِ غيرِ المُكلَّفِ، أُجْرِىَ مُجْرَى (٣) الخَطَإِ وإن كان عَمْدًا. وهذه الصُّورةُ التي ذكَرها عندَ الأَكْثَرِينَ من قِسْمِ الخَطَإِ، فإنَّ صاحِبَها لم يَعْمِدِ الفِعْلَ، أو عَمَدَه وليس هو من أهْلِ القَصْدِ الصَّحِيحِ، فسَمَّوْه (٤) خَطَأً (٥)، فأعْطَوْه حُكْمَه. وقد صَرَّحَ الْخِرَقِىُّ بذلك، فقال في الصَّبِىِّ والمجنونِ: عَمْدُهما خَطَأٌ.
١٤١٦ - مسألة؛ قال: (فَالْعَمْدُ مَا ضَرَبَهُ بِحَدِيدَةٍ، أوْ خشَبَةٍ كَبِيرَةٍ فَوْقَ عَمُودِ الفُسْطَاطِ، أو حَجَرٍ كَبِيرٍ الْغَالِبُ أنْ يَقْتُلَ مِثْلُهُ، أوْ أعَادَ الضَّرْبَ بخَشَبَةٍ صَغِيرَةٍ، أوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا الْغَالِبُ مِنْ ذلِكَ الْفِعْلِ أنَّه يُتْلِفُ)
وجملةُ ذلك أن العَمْدَ نوعان:
стр. 5984
أحدُهما، أن يَضْرِبَه بمُحَدَّدٍ (١)، وهو ما يَقْطَعُ، ويَدْخُلُ في البَدَنِ، كالسَّيْفِ والسِّكِّينِ والسِّنَانِ، وما في معناه ممَّا يُحَدِّدُ فيَجْرَحُ، من الحَدِيدِ، والنُّحاسِ، والرَّصَاصِ، والذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والزُّجَاج، والحَجَرِ، والقَصَبِ، والخَشَبِ، فهذا كلُّه إذا جَرَحَ به جُرْحًا كبيرًا، فمات (٢)، فهو قَتْلٌ عَمْدٌ، لا خِلافَ (٣) فيه بينَ العُلماءِ، فيما عَلِمْناه. فأمَّا إنْ جَرَحَه جُرْحًا صغيرًا، كشَرْطَةِ الحَجَّامِ، أو غَرَزَهُ بإبْرَةٍ، أو شَوْكةٍ، نَظَرْتَ؛ فإن كان في مَقْتَلٍ، كالعَيْنِ، والفُؤادِ، والخاصِرَةِ، والصُّدْغِ، وأصْلِ الأُذُنِ، فمات، فهو عَمْدٌ أيضًا؛ لأنَّ الإِصابةَ بذلك في المَقْتَلِ، كالجَرْحِ بالسِّكِّينِ في غيرِ المَقْتَلِ، وإن كان في غيرِ مَقْتَلٍ؛ نَظَرْتَ، فإن كان قد بالَغَ في إدْخالِها في البَدَنِ، فهو كالجُرْحِ الكبيرِ؛ لأنَّ هذا يَشْتَدُّ ألَمُه، ويُفْضِى إلى القَتْلِ، كالكبيرِ، وإن كان الغَرْزُ (٤) يَسِيرًا، أو جَرَحَهُ بالكبيرِ (٥) جَرْحًا لَطِيفًا، كشَرْطةِ الحَجَّامِ فما دُونَها، فقال أصحابُنا: إن بَقِىَ من ذلك ضَمِنًا (٦) حتى مات، ففيه القَوَدُ؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه مات منه، وإن مات في الحالِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا قِصَاصَ فيه. قاله ابنُ حامدٍ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّه لم يَمُتْ منه، ولأنَّه لا يَقْتُلُ غالِبًا، فأشْبَهَ العَصَا والسَّوْطَ. والتَّعْلِيلُ الأَوَّلُ أَجْوَدُ؛ لأنَّه لمَّا احْتَمَلَ حُصُولَ الموتِ بغيرِه ظاهِرًا، كان ذلك شُبْهةً في دَرْءِ القِصَاصِ، ولو كانت العِلَّةُ كَوْنَه لا يَحْصُلُ به القَتْلُ غالِبًا، لم يَفْتَرِق الحالُ بين مَوْتِه في الحالِ، وموتِه مُتَراخِيًا عنه، كسائرِ ما لا يَجِبُ به القِصَاصُ. والثانى، فيه القِصاصُ؛ لأنَّ المُحَدَّدَ لا يُعْتَبَرُ فيه غَلَبَةُ الظَّنِّ في حُصُولِ القَتْلِ به، بدليلِ ما لو قَطَعَ شَحْمَةَ أُذُنِه، أو قَطَعَ أُنْمُلَتَه، ولأنَّه لمَّا لم يُمْكِنْ إدارةُ الحُكْمِ، وضَبْطُه بغَلَبةِ الظَّنِّ،
стр. 5985
وَجَبَ رَبْطُه بكَوْنِه مُحَدَّدًا، ولا يُعْتَبَرُ ظُهورُ الحِكْمةِ (٧) في آحادِ صُوَرِ (٨) المَظِنَّةِ، بل يَكْفِى احْتمالُ الحِكْمةِ، ولذلك ثَبَتَ الحكمُ به فيما إذا بَقِىَ ضَمِنًا، مع أنَّ العَمْدَ لا يخْتلِفُ مع اتِّحادِ الآلةِ والفِعْلِ، بسُرْعةِ الإِفضاءِ وإبْطائِه، ولأنَّ في البَدَنِ مَقاتِلَ خَفِيَّةً، وهذا له سِرَايةٌ ومَوْرٌ، فأشْبَهَ الجُرْحَ الكبيرَ. وهذا ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ فإنَّه لم يُفَرِّقْ بين الصغيرِ والكبيرِ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، وللشافعىِّ، من التفصيلِ نحوٌ ممَّا ذكَرْنا.
النَّوعُ الثاني، القتلُ بغيرِ المُحَدَّدِ، ممَّا يَغْلِبُ على الظَّنِّ حُصُولُ الزُّهُوقِ به عندَ استعمالِه، فهذا عَمْدٌ مُوجِبٌ للقِصَاصِ أيضًا. وبه قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ سِيرِينَ، وحَمَّادٌ، وعمرُو بن دِينارٍ، وابنُ أبي لَيْلَى، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال الحسنُ: لا قَوَدَ في ذلك. ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ. وقال ابنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وطَاوُسٌ: العَمْدُ ما كان بالسِّلاحِ. وقال أبو حنيفةَ: لا قَوَدَ [في ذلك] (٩)، إلَّا أن يكونَ قَتَلَه بالنَّارِ. وعنه في مُثَقَّل الحَدِيدِ رِوَايتَان. واحْتَجَّ بقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَلَا إنَّ في قَتِيلِ عَمْدِ الْخَطَإِ، قَتِيلِ السَّوْطِ والْعَصَا والْحَجَرِ، مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ" (١٠). فسَمَّاهَ عَمْدَ الخَطإِ، وأوْجَبَ فيه الدِّيَةَ دُونَ القِصَاصِ، ولأنَّ العَمْدَ لا يُمْكِنُ اعْتبارُه بنَفْسِه، فيَجِبُ ضَبْطُه بمَظِنَّتِه، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه بما يَقْتُلُ غالِبًا، لحُصُولِ العَمْدِ بدُونِه في الجُرْحِ الصغيرِ، فوَجَبَ ضَبْطُه بالجرْحِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (١١). وهذا مَقْتُولٌ ظُلْمًا، وقال اللَّه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (١٢). وروى أَنَسٌ، أنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ
стр. 5986
جارِيةً على أَوْضاحٍ (١٣) لها بحَجَرٍ، فقَتَلَه رسولُ اللَّه ﷺ بينَ حَجَرَيْنِ. مُتَّفَقٌ عليه (١٤). ورَوَى أبو هُرَيْرةَ، قال: قام رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال: "وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمَّا يُودَى، وإمَّا (١٥) يُقَادُ". مُتَّفَقٌ عليه (١٦). ولأنَّه يقْتُل غالبًا، فأشْبَهَ المُحَدَّدَ. وأمَّا الحديثُ، فمَحْمولٌ على المُثَقَّل الصَّغِيرِ؛ لأنَّه ذَكَرَ العَصَا والسَّوْطَ، وقَرَنَ به الحَجَرَ. فدَلَّ على أنَّه أراد ما يُشْبِهُهما. وقولُهم: لا يُمْكِنُ ضَبْطُه. ممنوعٌ؛ فإنَّنا نُوجِبُ القِصَاصَ بما نتَيَقَّنُ حُصُولَ الغَلَبةِ به، وإذا شَكَكْنا، لم نُوجِبْه مع الشَّكِّ، وصغيرُ الجُرْحِ قد سَبَقَ القولُ فيه، ولأنَّه لا يَصِحُّ ضَبْطُه بالجُرْحِ، بدلِيل ما لو قَتَلَه بالنارِ، أو بمُثَقَّلِ (١٧) الحدِيدِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ هذا النَّوْعَ يتَنَوّعُ أنواعًا؛ أحدها، أن يَضْرِبَه بمُثَقَّلٍ كبيرٍ، يَقْتُلُ مِثْلُه غالبًا، سواءٌ كان من حديدٍ، كاللَّتِّ (١٨)، والسَّنْدَانِ، والمِطْرَقَةِ، أو حَجَرٍ ثقيلٍ، أو خَشَبةٍ كبيرةٍ. وحَدَّ الخِرَقِيُّ الخشبةَ الكبيرةَ، بما فَوْقَ عَمُودِ الفُسْطاطِ، يعني العُمُدَ التي تَتَّخِذُها الأعْرابُ (١٩) لِبُيُوتِها،
стр. 5987
وفيها دِقَّةٌ، فأمَّا عُمُدُ الخِيامِ فكبيرةٌ، تَقْتُلُ غالبًا، فلم يُرِدْها الْخِرَقِيُّ، وإنما حَدَّ المُوجِبَ للقِصاصِ بما (٢٠) فَوْقَ عَمُودِ الفُسْطاطِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمَّا سُئِلَ عن المرأةِ التي ضَرَبَتْ جارِيَتَها بعَمُودِ فُسْطاطٍ فقَتَلَتْها وجَنِينَها، قَضَى النَّبِيُّ ﷺ في الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ، وقَضَى بالدِّيَةِ على عاقِلَتِها (٢١). والعاقِلةُ لا تَحْمِلُ العَمْدَ، فدَلَّ على أنَّ القَتْلَ بعَمُودِ الفُسْطاطِ ليس بعَمْدٍ. وإن كان أعْظَمَ منه، فهو عَمْدٌ؛ لأنَّه يَقْتُلُ غالبًا. ومن هذا النَّوعِ أن يُلْقِىَ عليه حائطًا، أو صخرةً، أو خشبةً عظيمةً، أو ما أشْبَهَ ممَّا يُهْلِكُه غالبًا، فيُهلِكَه، ففيه القَوَدُ؛ لأنَّه يَقْتُلُ غالبًا. النَّوع الثاني، أن يَضْرِبَه بمُثَقَّلٍ صغيرٍ، كالعَصَا، والسَّوْطِ (٢٢)، والحجَرِ الصغيرِ، أو يَلْكُزَه بيَدَيْه في مَقْتَلٍ، أو في حالِ ضَعْفٍ من المَضْرُوبِ؛ لمَرَضٍ أو صِغَرٍ، أو في زَمَنٍ مُفْرِطِ الْحَرِّ أو البَرْدِ، بحيث تَقْتُلُه تلك الضَّرْبةُ، أو كَرّرَ الضربَ حتى قتَلَه بما يَقْتُلُ غالبًا، ففيه القَوَدُ؛ لأنَّه قَتَلَه بما يَقْتُلُ مثلُه غالبًا، فأشْبَهَ الضَّرْبَ بمُثَقَّلٍ كبيرٍ. ومن هذا النَّوعِ، لو عَصَرَ خُصْيَتَه عَصْرًا شديدًا، فقَتلَه بعَصْرٍ يَقْتُلُ مثلُه غالبًا، فعليه القَوَدُ. وإن لم يكُن كذلك في جميعِ ما ذكرناه، فهو عَمْدُ الخطَإِ، وفيه الدِّيَةُ، إلَّا أن يَصْغُرَ جدًّا، كالضَّرْبةِ بالقَلَمِ والإِصْبَعِ في غيرِ مَقْتَلٍ، ونحوِ هذا ممَّا لا يُتَوَهَّمُ القَتْلُ به، فلا قَوَدَ فيه، ولا دِيَةَ؛ لأنَّه لم يَمُتْ به. وكذلك إن مَسَّهُ بالكبيرِ، ولم يَضْرِبْه به؛ لأن الدِّيةَ إنما تَجِبُ بالقَتْلِ، وليس هذا بقَتْلٍ.
النَّوع الثالث، أن يَمْنَعَ خُرُوجَ نَفَسِه، وهو ضَرْبانِ؛ أحَدُهما، أن يَجْعَلَ في عُنُقِه خِرَاطةً (٢٣)، ثم يُعَلِّقَه في خَشَبةٍ أو شيءٍ، بحيثُ يرْتَفِعُ عن الأرضِ، فيَخْتَنِقُ
стр. 5988
ويمُوتُ، فهذا عَمْدٌ، سواءٌ مات في الحالِ، أو بَقِيَ زَمَنًا؛ لأنَّ هذا أَوْحَى (٢٤) أنْواعِ الخَنْقِ، وهو الذي جَرَتِ العادةُ بفِعْلِه من الوُلاةِ في اللُّصُوصِ وأشْباهِهِم من المُفْسِدِينَ. والضَّرْبُ الثانِي، أن يَخْنُقَه وهو علَى الأرْضِ بيَدَيْه، أو مِنْدِيلٍ، أو حَبْلٍ، أو يَغُمَّه بوِسَادةٍ، أو شيءٍ يَضَعُه على فِيهِ وأنْفِه، أو يَضَعَ يَدَيْه عليهما فيَمُوتَ، فهذا إن فَعَلَ به ذلك مُدَّةً يَمُوتُ في مِثْلِها غالِبًا فمات، فهو عَمْدٌ فيه القِصاصُ. وبه قال عمرُ بن عبد العزيزِ، والنَّخَعِيُّ، والشافعيُّ. وإن فَعَلَه في (٢٥) مُدَّةٍ لا يموتُ في مثلِها غالبًا فمات، فهو عَمْدُ الخَطَإِ، إلَّا أن يكونَ ذلك يَسِيرًا في العادةِ (٢٦)، بحيثُ لا يُتَوَهَّمُ الموتُ منه، فلا يُوجِبُ ضمانًا؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ لَمْسِه. وإن خَنَقَه، وترَكه مُتأَلِّمًا (٢٧) حتى مات، ففيه القَوَدُ؛ لأنَّه مات من سِرَايةِ جِنايَتِه، فهو كالمَيِّتِ من سِرَايةِ الجُرْحِ، وإن تَنَفّسَ وصَحَّ، ثم مات، فلا قَوَدَ؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه لم يَمُتْ منه، فأشْبَهَ ما لو انْدَمَلَ الجُرْحُ ثم مات.
النَّوع الرابع، أن يُلْقِيَه في مَهْلَكةٍ، وذلك على أربعةِ أضْرُبٍ، أحدها؛ أن يُلْقِيَه من شاهِقٍ، كرَأْسِ جَبَلٍ، أو حائطٍ عالٍ، يَهْلِكُ به غالبًا، فيَمُوتَ، فهو عَمْدٌ (٢٨). الثاني، أن يُلْقِيَهُ في نارٍ، أو ماءٍ يُغْرِقُه، ولا يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ منه، إمَّا لكَثْرةِ الماءِ والنَّارِ (٢٩)، وإمَّا لعَجْزِه عن التَّخَلُّصِ، لمَرَضٍ، [أو ضَعْفٍ] (٣٠)، أو صِغَرٍ، أو كَوْنِه مَرْبُوطًا، أو مَنَعَه الخُروجَ، أو كَوْنِه في حُفْرةٍ (٣١) لا يَقْدِرُ على الصُّعودِ منها، ونحو هذا، أو ألْقاهُ في بئرٍ ذاتِ نَفَسٍ (٣٢)، فمات به، عالِمًا بذلك، فهذا كله عَمْدٌ؛ لأنَّه يَقْتُلُ غالبًا. وإن ألْقاهُ في ماءٍ يَسِيرٍ، يَقْدِرُ على الخُرُوجِ منه، فلَبِثَ فيه اخْتيارًا حتى مات،
стр. 5989
فلا قَوَدَ فيه ولا دِيَةَ؛ لأنَّ هذا الفعلَ لم يَقْتُلْه، وإنَّما حَصَلَ موتُه بلُبْثِه فيه، وهو فِعْلُ نَفْسِه، فلم يَضْمَنْه غيرُه. وإن تَرَكه في نارٍ يُمْكِنُه التَّخلُّصُ منها لقِلَّتِها، أو كَوْنِه في طَرَفٍ منها يُمْكِنُه الخُروجُ بأدْنَى حَرَكة؛ فلم يَخْرُجْ حتى مات، فلا قَوَدَ؛ لأنَّ هذا لا يَقْتُلُ غالبًا، وهل يَضْمَنُه؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه مُهْلِكٌ لنَفْسِه بإقامَتِه، فلم يَضْمَنْه، كما لو ألْقاهُ في ماءٍ يسيرٍ، لكنْ (٣٣) يضْمَنُ ما أصابتِ النَّارُ منه. والثاني، يضمنُه؛ لأنَّه جاء بالإِلْقاءِ المُفْضِى إلى الهلاكِ، وتَرْكُ التخلُّصِ لا يُسْقِطُ الضَّمانَ، كما لو فَصَدَه فتَرَكَ شَدَّ فِصَادِه مع إمكانِه، أو جَرَحَه فتركَ مُداواةَ جُرْحِه، وفارَقَ الماءَ؛ لأنَّه لا يُهْلِكُ بنَفْسِه، ولهذا يَدْخُلُه الناسُ للغُسْلِ والسِّباحةِ والصَّيْدِ، وأمَّا النَّارُ فيَسِيرُها يُهْلِكُ. وإنَّما تُعْلَمُ قُدْرَتُه على التخلُّصِ بقَوْلِه: أنا قادرٌ على التخلُّصِ. أو نحو هذا؛ لأنَّ النَّارَ لها حَرارةٌ شديدةٌ، فربَّما أزْعَجَتْه حَرارَتُها عن مَعْرِفةِ ما يَتَخلَّصُ به، أو أَذْهَبَتْ عقلَه بأَلَمِها ورَوْعَتِها. وإن ألْقاه في لُجَّةٍ لا يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ منها، فالْتَقَمَه حُوتٌ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، عليه القَوَدُ؛ لأنَّه ألْقاهُ في مَهْلَكةٍ فهَلَكَ، فأشْبَهَ ما لو غَرِقَ فيها. والثاني، لا قَوَدَ عليه؛ لأنَّه لم يَهْلِكْ بها، أشْبَهَ ما لو قَتَلَه آدَمِيٌّ آخرُ. وإن ألْقاهُ في ماءٍ يَسِيرٍ، فأكَلَه سَبُعٌ، أو الْتَقَمَه حُوتٌ أو تِمْساحٌ، فلا قَودَ عليه؛ لأنَّ الذي فَعَلَه لا يَقْتُلُ غالِبًا، وعليه ضَمانُه؛ لأنَّه هَلَكَ بفِعْلِه. الضَّرْب الثالث، أن يَجْمَعَ بينَه وبينَ أسَدٍ أو نَمِرٍ، في مكانٍ ضَيِّقٍ، كزُبْيَةٍ (٣٤) ونحوِها، فيَقْتُلَه، فهذا عَمْدٌ، فيه القِصاصُ إذا فعَل السَّبُعُ به فِعْلًا يَقْتُلُ مثلُه، وإن فَعَلَ به فِعْلًا لو فَعَلَه الآدَمِيُّ لم يكُنْ عَمْدًا، لم يجبِ القِصاصُ به؛ لأنَّ السَّبُعَ صار آلَةً للآدَمِيِّ، فكان فِعْلُه كفِعْلِه. وإن ألْقاهُ مَكْتوفًا بينَ يَدَيِ الأسَدِ، أو النَّمِرِ، في فَضاءٍ، فأكَلَه، فعليه القَوَدُ. وكذلك إن جَمَعَ بينَه وبين حَيَّةٍ في مكانٍ ضَيِّقٍ، فنَهَشَتْه فقَتَلَتْه، فعليه القَوَدُ. وقال القاضي: لا ضَمانَ عليه في
стр. 5990
الصُّورتينِ. وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الأسَدَ والحَيَّةَ يَهْرُبانِ من الآدَمِيِّ، ولأنَّ هذا سَبَبٌ غيرُ مُلْجِئٍ. ولَنا، أنَّ هذا يَقْتُلُ غالبًا، فكان عَمْدًا مَحْضًا، كسائرِ الصُّوَرِ. وقولُهم: إنَّهما يَهْرُبانِ غيرُ صحيحٍ، فإنَّ الأسدَ يأخُذُ الآدَمِيَّ المُطْلَقَ، فكيف يَهْرُبُ من مكتوفٍ أُلْقِىَ إليه (٣٥) ليَأْكُلَه! والحَيّةُ إنَّما تَهْرُبُ في مكانٍ واسعٍ، أمَّا إذا ضاق المكانُ، فالغالبُ أنَّها تَدْفَعُ عن نَفْسِها بالنَّهْشِ، على ما هو العادةُ. وقد ذكر القاضي في مَن أُلْقِيَ مكتوفًا في أرضٍ مَسْبَعَةٍ، أو ذاتِ حَيَّاتٍ، فقَتَلَتْه، أنَّ في وُجُوبِ القِصاصِ روايتَيْن. وهذا تَناقُضٌ شديدٌ؛ فإنَّه نَفَى الضَّمانَ بالكُلِّيَّةِ في صُورةٍ كان القتلُ فيها أغْلَبَ، وأوْجَبَ القِصاصَ في صُورةٍ كان فيها أنْدَرَ. والصَّحِيحُ أنَّه لا قِصاصَ ههُنا، ويجبُ الضَّمانُ؛ لأنَّه فَعَل به فِعْلًا مُتَعَمّدًا تَلِفَ به. لا يَقْتُلُ مثلُه غالِبًا. وإن أنْهَشَه حَيّةً أو سَبُعًا فقَتَلَه، فعليه القَوَدُ إذا كان ذلك ممَّا يَقْتُلُ غالِبًا، فإن كان ممَّا لا يقْتلُ غالبًا، كثُعبانِ الحِجازِ، أو سَبُعٍ صغيرٍ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، فيه القَوَدُ؛ لأنَّ الجُرْحَ لا يُعْتَبرُ فيه غَلَبةُ حُصُولِ القَتْلِ به، وهذا جُرْحٌ، ولأنَّ الحَيَّةَ من جِنْسِ ما يَقْتُلُ غالبًا. والثاني، هو [شِبْهُ عَمْدٍ] (٣٦)؛ لأنَّه لا يقتلُ غالبًا، أشْبَهَ الضَّرْبَ بالعَصَا والحَجَرِ. وإن كَتَفه وألْقاه في أرْضٍ غيرِ مُسْبَعَةٍ، فأكلَه سَبُعٌ، أو نَهَشَتْه حَيَّةٌ، فمات (٣٧)، فهو شِبْهُ عَمْدٍ (٣٨). وقال أصحابُ الشافعيِّ: هو خَطَأٌ مَحْضٌ. ولَنا، أنَّه فَعَلَ به فِعْلًا لا يَقْتُلُ مثلُه غالبًا عَمْدًا، فأَفْضَى إلى هَلاكِه، أشْبَهَ ما لو ضَرَبَه بِعَصًا فمات. وكذلك إن ألْقاه مَشْدُودًا في موضعٍ لم يَعْهَدْ وُصُولَ زِيادةِ الماءِ إليه. فأمَّا إن كان في مَوْضعٍ يعْلَمُ وصولَ زيادةِ الماءِ إليه في ذلك الوقتِ، فمات بها، فهو عَمْدٌ مَحْضٌ. وإن كانتْ غيرَ مَعْلُومةٍ، إمَّا لكَوْنِها تَحْتَمِلُ (٣٩) الوُجُودَ (٤٠) وعَدَمَه، أو لا تُعْهَدُ أصْلًا،