← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

كانوا فُقَراءَ وله ما يُنْفِقُ عليهم. وقال القاضي: لا يُشْتَرَطُ في الوالِدين. وهل يُشْتَرَطُ ذلك في الوَلَدِ؟ فكلامُ أحمدَ يقْتَضِى روايتَيْنِ؛ إحداهما، تلْزَمُ (٣٢) نَفقَتُه؛ لأنَّه فقيرٌ. والثانية، أنَّه (٣٣) إن كان يَكْتَسِبُ فيُنْفِقُ على نَفْسِه، لم تَلْزَمْ نفقَتُه. وهذا القولُ يَرْجِعُ إلى أنَّ الذي لا يَقْدِرُ على كَسْبِ ما يَقُومُ به تَلْزَمُ نفقَتُه، روايةً واحدةً، سواءٌ كان ناقِصَ الأحْكامِ، كالصَّغيرِ والمجْنونِ، أو ناقِصَ الخِلْقةِ، كالزَّمِنِ، وإنَّما الرِّوايتان في مَن لا حِرْفةَ له ممَّن يَقْدِرُ على الكَسْبِ ببَدَنِه. وقال الشافعيُّ: يُشْتَرَطُ نُقْصانُه، إمَّا من طريقِ الحُكْمِ، أو من طريقِ الخِلْقَةِ. وقال أبو حنيفةَ: يُنْفَقُ على الغُلامِ حتى يَبْلُغَ، فإذا بَلَغَ صَحِيحًا، انْقَطَعتْ نَفَقَتُه، ولا تسقطُ نَفقةُ الجارِيةِ حتى تَتَزَوَّجَ (٣٤). ونحوَه قال مالكٌ، إلَّا أنَّه قال: يُنْفَقُ على النِّساءِ حتى يتَزَوَّجْنَ، ويَدْخُلَ بهنَّ الأزْواجُ، ثم لا نَفقةَ لَهُنَّ، وإن طُلِّقْنَ، ولو (٣٥) طُلِّقْنَ (٣٦) قبلَ البِنَاءِ بهِنَّ، فهُنَّ على نَفَقَتِهِنَّ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ لهِنْد: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالْمَعْرُوفِ". لم يَسْتَثْنِ منهم بالِغًا ولا صَحِيحًا، ولأنَّه والدٌ أو ولدٌ فقيرٌ، فاسْتَحَقَّ النَّفقةَ على والِدِه أو وَلَدِه الغَنِىِّ، كما لو كان زَمِنًا أو مَكْفُوفًا، فأمَّا الوالدُ، فإنَّ أبا حنيفةَ وافَقَنا على وُجُوبِ نفَقَتِه صَحِيحًا إذا لم يكُنْ ذا كَسْبٍ، وللشافعىِّ في ذلك قَوْلان. ولَنا أنَّه والِدٌ مُحتاجٌ، فأشْبَهَ الزَّمِنَ. فصل: ومَن كان له أبٌ من أهلِ الإِنْفاقِ، لم تجِبْ نفَقَتُه على سِوَاهُ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. وقال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾. وقال النَّبِىُّ ﷺ لهِنْد: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ". فجعل النَّفقةَ على أبِيهِم دُونَها. ولا خِلافَ في هذا نَعْلَمُه، إلَّا أنَّ لأصحابِ الشافعىِّ، فيما إذا اجْتَمَعَ للفقيرِ أبٌ وابنٌ مُوسِرانِ، وَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ النَّفقَةَ على الأبِ وحدَه. والثانى، عليهما جميعًا؛ لتَساوِيهما في القُرْبِ. ولَنا، أنَّ النَّفقةَ على الأبِ مَنْصوصٌ عليها، فيَجِبُ اتِّباعُ النَّصِّ، وَتَرْكُ ما عَدَاهُ.

стр. 5917

فصل: ويَلْزَمُ الرَّجُلَ إعْفافُ أبيه، إذا احتاجَ إلى النكاحِ. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ. ولهم في إعْفافِ الأبِ الصَّحيحِ وجهٌ آخرُ، أنَّه لا يَجِبُ. [وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُ الرَّجُلَ إعفافُ أَبيه، سواء وجَبَتْ نفَقَتُه أو لم تَجِبْ؛ لأنَّ ذلك من أعظمِ المَلَاذِّ، فلم تَجبْ للأبِ، كالحَلْواءِ، ولأنَّه أحدُ الأبوَيْنِ، فلم يَجِبْ] (٣٧) له ذلك (٣٨) كالأُمِّ. ولَنا، أنَّ ذلك ممَّا تَدْعُو حاجَتُه إليه، ويَسْتَضِرُّ بفَقْدِه، فلَزِمَ ابْنَه له، كالنَّفقةِ، ولا يُشْبِه الحَلْواءَ؛ لأنَّه لا يَسْتَضِرُّ بفَقْدِها، وإنَّما يُشْبِهُ الطَّعامَ والأُدْمَ، وأمَّا الأُمُّ فإنَّ [إعْفافُها إنّما هو تَزْوِيجُها] (٣٩) إذا طَلَبَتْ ذلك، وخَطَبَها كُفْؤُها، ونحن نقولُ بوُجُوبِ ذلك عليه، وهم يوافِقُونَنا في ذلك. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَجِبُ إعفافُ مَنْ لَزِمَتْ نفَقَتُه من الآباءِ والأجْدادِ، فإن اجْتَمَعَ جَدَّانِ، ولم يُمْكِنْ إلَّا إعْفَافُ أحَدِهما، قُدِّمَ الأقْرَبُ، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما من جهةِ الأبِ والآخرُ من جهةِ الأمِّ، فيُقَدَّمُ الذي من جهةِ الأبِ وإن بَعُدَ؛ لأنَّه عَصَبةٌ، والشَّرْعُ قد اعْتَبَرَ جِهَتَه في التَّوْرِيثِ والتَّعْصِيبِ، فكذلك في الإِنْفاقِ والاسْتِحقاقِ. فصل: وإذا وَجَبَ عليه إعْفافُ أبِيه، فهو مُخَيَّرٌ، إن شاء زَوَّجَه حُرَةً، وإن شاء مَلَّكه أمَةً، أو دَفَعَ إليه ما يتزَوَّجُ به حُرَّةً أو يَشْتَرِى به أمَةً، وليس للأبِ التَّخْييرُ عليه، إلَّا أنَّ الأبَ إذا عَيَّنَ امرأةً، وعَيَّنَ الابنُ أُخْرَى، وصَدَاقُهما واحدٌ، قُدِّمَ تَعْيِينُ الأبِ؛ لأنَّ النكاحَ له، والمُؤْنةَ واحدةٌ، فقُدِّمَ قولُه كما لو عَيَّنَتِ البنتُ كُفْؤًا، وعَيَّنَ الأبُ كُفْؤًا، لقُدِّمَ (٤٠) تَعْيِينُها. وإن اخْتَلَفا في الصَّداقِ، لم يَلْزَم الابْنَ الأكْثَرُ؛ لأنَّه إنَّما يَلْزَمُ أقَلُّ ما تَحْصُلُ به الكِفايةُ، ولكن ليس له أنْ يُزَوِّجَه أو يُمَلِّكَه قَبِيحةً أو كبيرةً لا اسْتِمْتاعَ فيها، وليس له أن يُزَوِّجَه أمَةً؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا عليه، وهو إرْقاقُ ولَدِه، والنَّقْصُ في اسْتِمْتاعِه.

стр. 5918

وإن رَضِىَ الأبُ بذلك لم يَجُزْ، لأنَّ الضررَ يَلْحَقُ بغيرِه، وهو الوَلَدُ، ولذلك لم يكُنْ للمُوسِرِ أن يتزوَّجَ أمَةً. وإذا زَوّجَه زوجةً أو مَلّكَه أمةً، فعليه نفقَتُه ونفقَتُها. ومتى أيْسَرَ الأبُ، لم يكُنْ للوَلَدِ اسْتِرْجاعُ ما دَفَعَه إليه، ولا عِوَضُ ما زَوَّجَه به؛ لأنَّه دَفَعَه إليه في حالِ وُجُوبه عليه، فلم يَمْلِك اسْتِرجاعَه، كالزَّكاةِ. وإن زَوّجَه أو مَلَّكَه أمةً (٤١) فطَلَّقَ الزَّوجةَ أو أعْتَقَ الأمَةَ، لم يكُنْ عليه (٤٢) أن يُزَوِّجَه أو يُمَلِّكَه ثانيًا؛ لأنَّه فَوَّتَ ذلك على نَفْسِه. وإن ماتَتَا، فعليه إعْفافُه ثانيًا؛ لأنَّه لا صُنْعَ له في ذلك. فصل: قال أصحابُنا: وعلى الأبِ إعْفافُ ابْنِه إذا كانت عليه نفَقَتُه، وكان مُحْتاجًا إلى إعْفافِه. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ. وقال بعضُهم: لا يَجِبُ ذلك عليه. ولَنا، أنَّه من عَمُودَىْ نَسَبِه، وتَلْزَمُه نفَقَتُه، فَلزِمَه (٤٣) إعْفافُه عندَ حاجَتِه إليه، كأبِيه. قال القاضي: وكذلك يجىءُ في كلِّ مَنْ لَزِمَتْه نفَقَتُه؛ من أخٍ، أو عَمٍّ (٤٤)، أو غيرِهم؛ لأنَّ أحمدَ قد نَصَّ في العَبْدِ: يَلْزَمُه أن يُزَوِّجَه إذا طَلَبَ ذلك، وإلَّا بِيعَ عليه. وكلُّ من لَزِمَه إعْفافُه، لَزِمَتْه نَفقةُ زَوْجَتِه؛ لأنَّه لا يتَمَكَّنُ من الإِعْفافِ إلَّا بذلك. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه لا يَلْزَمُ الأبَ نَفَقةُ زَوْجةِ الابْنِ. وهذا محمولٌ على أن الابْنَ كان يَجِدُ نفَقَتَها. ١٣٨٣ - مسألة؛ قال: (وَكَذلِكَ الصَّبِىُّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، أُجْبِرَ وَارِثُهُ عَلَى نَفَقَتِهِ، عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ مِنْهُ) ظاهرُ المذهبِ أنَّ النَّفقةَ تجبُ على كلِّ وارثٍ لمَوْرُوثِه، إذا اجْتمَعتِ الشُّروطُ التي تقَدَّمَ [ذكْرُنا لها] (١). وبه قال الحسنُ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادةُ، والحسنُ

стр. 5919

ابن (٢) صالحٍ، وابنُ أبي لَيْلَى، وأبو ثَوْرٍ. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ، عن أحمدَ، في الصَّبِىِّ المُرْضَعِ لا أب له (٢) ولا جَدٌّ، نفقَتُه وأجْرُ رَضاعِه على الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ. وكذلك رَوَى بكرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن أحمدَ: النَّفقةُ على العَصَباتِ. وبه قال الأوْزَاعِىُّ، وإسْحاقُ. وذلك لما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قَضَى على بَنِى عَمّ مَنْفُوس بنَفَقَتِه (٣). احْتَجَّ به أحمدُ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: رُوِىَ عن عمرَ أنَّه حَبَسَ عَصَبةً يُنْفِقُونَ (٤) على صَبِىٍّ، الرجالَ دون النِّساءِ (٥). ولأنَّها مُواساةٌ ومَعُونةٌ تَخْتَصُّ القَرابةَ، فاختصَّتْ [بها العَصَباتُ] (٦)، كالعَقْلِ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: تجبُ النَّفقةُ على كلِّ ذى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، ولا تجبُ على غيرِهم؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٧). وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا نَفقةَ إلَّا على المَوْلُودِينَ والوالِدينَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ [قال لرجلٍ] (٨) سأله: عندى دينارٌ؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ". قال: عندى آخَرُ؟ قال: "أَنْفِقْهُ على وَلَدِكَ" (٩). قال: عندى آخَرُ؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى أهْلِكَ" (١٠). قال: عندى آخَرُ؟ [قال: "أنْفِقْهُ عَلَى خادِمِكَ". قال: عِنْدِى آخَرُ؟ ] (٨). قال: "أنْتَ أعْلَمُ (١١) " (١٢). ولم يَأْمُرْه

стр. 5920

بإنْفاقِه على غيرِ هؤلاءِ، ولأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَدَ بنَفقةِ الوَالدِين والمَوْلُودِينَ، ومَن سِوَاهم لا يَلْحَقُ بهم في الوِلادَةِ وأحْكامِها، فلا يَصِحُّ قِياسُه (١٣) عليهم. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. فأوْجَبَ على الأبِ نَفقةَ الرَّضاعِ، ثم عَطَفَ الوارِثَ عليه، فأوْجَبَ على الوارثِ مثلَ ما أوْجَبَ على الوالِدِ. ورُوِىَ أن رَجُلًا سألَ النَّبِىَّ ﷺ قال (١٤): مَنْ أبَرُّ؟ قال: "أُمَّكَ وَأبَاكَ، وأُخْتَكَ وأخَاكَ". وفى لفظٍ: "ومَوْلَاكَ الَّذِى هُوَ أدْناكَ، حَقًّا واجِبًا، ورَحِمًا مَوْصُولًا". روَاه أبو داودَ (١٥). وهذا نَصٌّ؛ لأنَّ (١٦) النَّبِىَّ ﷺ ألْزَمَه الصِّلَةَ والبِرَّ، والنَّفقةُ من الصِّلَةِ، جَعَلَها حقًّا واجبًا، وما احْتَجَّ به أبو حنيفةَ حُجّةٌ عليه، فإنَّ اللَّفْظَ عامٌّ في (١٧) كل ذِى رَحِمٍ، فيكونُ حُجَّةً عليه [في عدِادِ] (١٨) الرَّحِم المَحْرَمِ، وقد اخْتَصَّتْ بالوارِثِ في الإِرْثِ فكذلك في الإِنْفاقِ. وأما خَبَرُ أصحابِ الشافعىِّ، فقَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أنَّه لم يكُنْ له غيرُ من أُمِرَ بالإِنْفاقِ عليه، ولهذا لم يَذْكُرِ الوالِدَ والأجْدادَ وأولادَ الأولادِ. وقولهم: لا يَصِحُّ القِياسُ. قُلْنا: إنَّما أثْبَتْناه بالنَّصِّ، ثم إنَّهم قد أَلْحَقُوا أولادَ الأولادِ بالأولادِ، مع التفاوُتِ، فبَطَلَ ما قالُوه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَخْتَصُّ بالوارثِ بِفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ، لعُمُومِ الآية، ولا يتَناوَلُ ذَوِى الأرْحامِ، على ما مَضَى بَيانُه، فإن كان اثنان يَرِثُ أحَدُهما الآخَرَ ولا يَرِثُه الآخرُ، كالرَّجُلِ مع عَمَّتِه أو ابْنَةِ عَمِّه وابنةِ أخِيه، والمرأةِ مع ابْنةِ بِنْتِها وابْنِ (١٩) بِنْتِها، فالنَّفقةُ على الوارِثِ دون المَوْرُوثِ. نَصَّ

стр. 5921

عليه أحمدُ، في روايةِ ابنِ زِيَادٍ، فقال: يَلْزَمُ الرَّجُلَ نَفقةُ [بنتِ عمِّه] (٢٠)، ولا يَلْزَمُه نَفقةُ بنتِ أُخْتِه. وذكَرَ أصحابُنا رِوايةً أُخْرَى، لا تجبُ النَّفقةُ على الوارِثِ ههُنا؛ لقولِ أحمدَ: العَمَّةُ والخالةُ لا نفقةَ لهما. إلَّا أنَّ القاضىَ قال: هذه الرِّوايةُ محمولةٌ على العَمَّةِ من الأُمِّ، فإنَّه (٢١) لا يَرِثُها؛ لكوْنِه ابنَ أخِيها من أُمِّها. وقد ذكَرَ الْخِرَقِىُّ، أنَّ على الرَّجُلِ نَفقةَ مُعْتِقِه؛ لأنَّه وارِثُه. ومعلومٌ أنَّ المُعْتَقَ لا يَرِثُ مُعْتِقَه، ولا تَلْزَمُه نفَقَتُه. فعلى هذا، يَلْزَمُ الرجلَ نفقةُ عَمَّتِه لأبَوَيْه أو لأبِيه وابْنةِ عَمِّه وابْنةِ أُخْتِه كذلك، ولا يَلْزَمُهُنَّ نفَقَتُه. وهذا هو الصَّحِيحُ إن شاء اللَّه تعالى؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. وكل واحدٍ من هؤلاء وارِثٌ. ١٣٨٤ - مسألة؛ قال: (فَإنْ كَانَ لِلصَّبِىِّ أُمٌّ وَجَدٌّ، فَعَلَى الأُمِّ ثُلُثُ النَّفَقَةِ، وَعَلَى الْجَدِّ ثُلُثَا النَّفَقَةِ) وجملتُه أنَّه إذا لم يكُنْ للصبىِّ أَبٌ، فالنَّفقةُ على وارِثِه. فإن كان له وارِثانِ، فالنَّفقةُ عليهما على قَدْرِ إرْثِهِما منه، وإن كانوا ثلاثةً أو أكثرَ، فالنَّفقةُ بينهم على قَدْرِ إرْثِهِم منه؛ فإذا كان له أُمٌّ وجَدٌّ، فعلى الأُمِّ الثلثُ والباقى على الجَدِّ؛ لأنَّهما يَرِثانِه كذلك. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: النَّفقةُ كلُّها على الْجَدِّ؛ لأنَّه يَنْفَرِدُ بالتَّعْصيبِ، فأشْبَهَ الأبَ. وقد ذكرْنا رِوايةً أخرى عن أحمدَ، أنَّ النَّفقةَ على العَصَباتِ خاصَّةً. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (١). والأُمُّ وارِثَةٌ، فكَان عليها بالنَّصِّ، ولأنَّه مَعْنًى يُسْتَحَقُّ بالنَّسَبِ، فلم يَخْتَصَّ به الجَدُّ دُونَ الأُمِّ، كالوارِثةِ.

стр. 5922

فصل: وإن اجْتَمَعَ ابنٌ وبنتٌ، فالنَّفقةُ بينهما أثْلاثًا، كالمِيراثِ. وقال أبو حنيفةَ: النَّفقةُ عليهما سَواءٌ؛ لأنَّهما سَواءٌ في القُرْبِ. وإن كانتْ (٢) أُمٌّ وابْنٌ، فعلى الأُمِّ السُّدسُ، والباقى على الابْنِ. وإن كانت بنتٌ وابْنُ ابنٍ، فالنَّفقةُ بينهما نِصْفان (٣). وقال أبو حنيفةَ: النَّفقةُ على البِنْتِ؛ لأنَّها أقْرَبُ. وقال الشافعيُّ في هذه المسائلِ الثلاث: النَّفقةُ على الابْنِ؛ لأنَّه العَصَبةُ. وإن كانتْ له أُمٌّ وبنتٌ، فالنَّفقةُ بينهما أرْباعًا؛ لأنَّهما يَرِثانِه كذلك. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: النَّفقةُ على البنْتِ؛ لأنَّها تكونُ عَصَبةً مع أخِيها. وإن كانت له (٤) بِنْتٌ وابنُ بِنْتٍ، فالنَّفقةُ على البنتِ. وقال أصْحابُ الشافعىِّ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ: النفقةُ على ابْنِ البنتِ؛ لأنَّه ذَكَرٌ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. فرَتَّبَ النَّفقةَ على الإِرْثِ، فيجبُ أن تَتَرَتَّبَ في المِقْدارِ عليه، وإيجابُها على ابنِ البنتِ يُخالِفُ (٥) النَّصَّ والمعنى، فإنَّه ليس بعَصَبةٍ ولا وارثٍ، فلا معنى لإِيجابِها عليه دُونَ البنتِ الوارثةِ. ١٣٨٥ - مسألة؛ قال: (فَإنْ كَانَتْ جَدَّةً وأَخًا، فَعَلَى الْجَدَّةِ سُدسُ النَّفَقَةِ والْبَاقِى عَلَى الْأَخِ، وَعَلَى هذَا الْمَعْنَى حِسَابُ النَّفَقَاتِ) يعني أنَّ تَرْتِيبَ النَّفقاتِ (١) على تَرْتيبِ الميراثِ، فكما أنَّ للجَدَّةِ ههُنا سُدسَ الميراثِ، فعليها سُدسُ النَّفقةِ، وكما أنَّ الباقِىَ للأخِ، فكذلك الباقِى من النَّفقةِ عليه. وعنَد مَنْ لا يَرَى النَّفقةَ على غيرِ عَمُودَىِ النَّسَبِ، يَجْعَلُ النَّفقةَ كلَّها على الْجَدَّةِ. وهذا أصْلٌ قد سَبَقَ الكلامُ فيه. فإن اجْتَمَعَ بنتٌ وأختٌ، أو بنتٌ وأخٌ، أو بنتٌ وعَصَبةٌ، أو أختٌ وعَصَبةٌ، أو أختٌ وأمٌّ، أو بنتٌ وبنتُ ابْنٍ، أو أختٌ لأَبَويْنِ وأختٌ لأبٍ، أو

стр. 5923

ثلاثُ أخواتٍ مُفْتَرِقات (٢)، فالنَّفقةُ بينهم على قَدْرِ الميراثِ في ذلك، سواءٌ كان في المسألةِ رَدٌّ أو عَولٌ أو لم يكُنْ. وعلى هذا تَحْسِبُ ما أتَاك من المسائلِ (٣). وإن اجْتَمَعَ أمُّ أُمٍّ وأمُّ أبٍ، فهما سواءٌ في النَّفقةِ؛ لِاسْتِوائِهِما في الميراثِ. فصل: فإن اجْتَمَعَ أبَوَا (٤) أُمٍّ، فالنَّفقةُ على أُمِّ الأُمِّ؛ لأنَّها الوارِثةُ. وإن اجْتَمَعَ أبوَا (٤) أبٍ، فعلى أُمِّ الأبِ السُّدسُ، والباقى على الجَدِّ. وإن اجْتمَع جَدٌّ وأخٌ، فهما سَواءٌ. وإن اجتمعتْ أُمٌّ وأخٌ وجَدٌّ، فالنَّفقةُ بينهم أثْلاثًا. وقال الشافعيُّ: النَّفقةُ على الْجَدِّ في هذه المسائلِ كلِّها، إلَّا المسألةَ الأُولَى، فالنَّفقةُ عليهما بالسَّوِيّةِ. وقد مَضَى الكلامُ على أصلِ هذا فيما تقَدَّمَ. فصل: فإن كان في مَن عليه النَّفقةُ خُنْثَى مُشْكِلٌ، فالنَّفقةُ عليه بقَدْرِ مِيرِاثه، فإن انْكَشَفَ بعدَ ذلك حالُه، فبانَ أنَّه أنْفَقَ أكثرَ من الواجِبِ عليه، رَجَعَ بالزِّيادةِ على شَرِيكه في الإِنْفاقِ، وإن بانَ أنَّه أنْفَقَ أقلَّ، رَجَعَ عليه، فلو كان للرجلِ ابنٌ وولدٌ خُنْثَى، عليهما نفقَتُه، فأنْفَقَا عليه، ثم بان أنَّ الخُنْثَى ابنٌ، رَجعَ عليه أخوه بالزِّيادةِ، وإن بان بِنْتًا، رَجَعَتْ على أخِيها بفَضْلِ نَفَقَتِها؛ لأنَّ مَن له الفَضْلُ أدَّى ما لا يَجِبُ عليه أداؤُه، مُعْتَقِدًا وُجُوبَه (٥)، فإذا تبَيَّنَ خِلافُه، رَجَع بذلك، كما لو أدَّى ما يَعْتَقِدُه دَيْنًا [فبَان خِلافُه] (٦). فصل: فإن كان له قَرَابتانِ مُوسِرَانِ، وأحَدُهُما مَحْجوبٌ عن مِيراثِه بفَقِيرٍ (٧)، فقد ذكرْنا أنَّه إن كان المَحْجُوبُ من عَمُودَىِ النَّسَبِ، فالظَّاهرُ أنَّ الحَجْبَ لا يُسْقِطُ

стр. 5924

النَّفقةَ عنه، وإن كان من غيرِهِما، فلا نَفقةَ عليه. فعلى هذا، إذا كان له أبَوانِ وجَدٌّ، والأبُ مُعْسِرٌ، كان الأبُ كالمَعْدُومِ، فيكونُ على الأُمِّ ثُلُثُ النَّفقةِ، والباقى على الجَدِّ. وإن كان معهم زَوْجةٌ، فكذلك. وإن قُلْنا: لا نَفَقةَ على الْمَحْجُوبِ. فليس على الأُمِّ ههُنا إلَّا رُبعُ النَّفقةِ، ولا شىءَ على الْجَدِّ. وإن كان أبَوانِ وأخَوَان وجَدٌّ، والأبُ مُعْسِرٌ فلا شىءَ على الأخَويْنِ؛ لأنَّهما مَحْجُوبانِ، وليسا من عَمُودَىِ النَّسَبِ، ويكونُ على الأُمِّ الثلثُ، والباقى على الجَدِّ، كما لو لم يكُنْ أحَدٌ غيرَهما. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَجِبَ على الأُمِّ إلَّا السُّدسُ؛ لأنَّه لو كان الأبُ مَعْدُومًا، لم تَرِثْ إلَّا السُّدسَ. وإن قُلْنا: إنَّ كلَّ مَحْجُوبٍ لا نَفَقةَ عليه. فليس على الأُمِّ إلَّا السُّدسُ، ولا شىءَ على غيرِها. وإن لم يكُنْ في المسألةِ جَدٌّ، فالنَّفقةُ كلُّها على الأُمِّ. على القَوْلِ الأوَّلِ. وعلى الثاني، ليس عليها إلَّا السُّدسُ. وإن قُلْنا: إنَّ على المَحْجُوبِ بالمُعْسِرِ النَّفقةَ، وإن كان من غيرِ عَمُودَىِ النَّسَبِ. فعلى الأُمِّ السُّدسُ، والباقى على الجَدِّ والأخَوَيْنِ أثْلاثًا، كما يَرِثُونَ إذا كان الأبُ مَعْدومًا. وإن كان بعضُ مَنْ عليه النَّفَقةُ غائبًا، وله مالٌ حاضرٌ، أنْفَقَ الحاكمُ منه حِصَّتَه، وإن لم يُوجَدْ له مالٌ حاضرٌ، فأمْكَن الحاكمَ الاقْتِراضُ عليه، اقْتَرَضَ، فإذا قَدِمَ، فعليه وَفاؤُه. فصل: ومَنْ لم يَفْضُلْ عن قُوتِه إلَّا نَفَقةُ شَخْصٍ، وله امرأةٌ، فالنَّفقةُ لها دُونَ الأقارِبِ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، في حديثِ جابرٍ: "إِذَا كَانَ أحَدُكُم فَقِيرًا، فَلْيَبْدَأْ بنَفْسِه، [فَإنْ كَانَ (٩) فَضْلٌ، فَعَلَى عِيَالِهِ] (٨)، فإنْ كَانَ (٩) فَضْلٌ، فَعَلَى قَرَابَتِهِ" (١٠). ولأنَّ نَفقةَ القَرِيبِ مُواساةٌ، ونَفقةَ المرأةِ تَجِبُ على سبيلِ المُعَاوَضةِ، فقُدِّمَتْ على مُجَرَّدِ المُواساةِ، ولذلك وَجَبَتْ مع يَسَارِهما وإعْسارِهما، ونفقةُ القَرِيبِ بخلافِ ذلك، ولأنَّ

стр. 5925

نَفقةَ الزَّوجةِ تجبُ لحاجَتِه، فقُدِّمَتْ على نَفقةِ القَرِيبِ (١١)، كنفقةِ نَفْسِه، ثم من (١٢) بعدِها (١٣) نَفقةُ الرَّقيقِ؛ لأنَّها تجبُ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، فقُدِّمَتْ على مُجَرَّدِ المُوَاساةِ، ثم من بعدِ ذلك الأقْرَبُ فالأقْرَبُ. فإن اجْتَمَعَ أبٌ وجَدٌّ، أو ابنٌ (١٤) وابنُ ابنٍ، قُدِّمَ الأبُ على الجَدِّ، والابنُ على ابْنِه. وقال أصحابُ الشافعىِّ، في أحَدِ الوَجْهينِ: يَسْتَوِى الأبُ والجَدُّ، والابنُ وابْنُه؛ لتَساوِيهم في الوِلَادةِ والتَّعْصِيبِ. ولَنا، أنَّ الأبَ والابنَ أقْرَبُ وأحَقُّ بميراثِه، فكان أحَقَّ، كالأَبِ مع الأخِ. وإن اجتمعَ ابنٌ وجَدٌّ، أو أبٌ وابنُ ابنٍ، احْتَمَلَ وَجْهيْن؛ أحدهما، تقديمُ الابْنِ والأبِ؛ لأنَّهما أقْرَبُ، فإنَّهما يَلِيَانِه بغيرِ واسطةٍ، ولا يَسْقُطُ إرْثُهما بحالٍ، والجَدُّ وابنُ الابنِ بخِلافِهما، ويَحْتَملُ التَّسْوِيةَ بينهما؛ لأنَّهما (١٥) سواءٌ في الإِرْثِ والتَّعْصِيبِ والوِلادةِ. وإن اجْتمَع جَدٌّ وابنُ ابنٍ، فهما سواءٌ؛ لتَساوِيهما في القُرْبِ والإِرْثِ والوِلادةِ والتَّعْصِيبِ. ويَحْتَمِلُ فيهما ما يَحْتَمِلُ في الأبِ والابْنِ، على ما سنذكرُه. فصل: وإن اجتمعَ أبٌ وابنٌ، فقال القاضي: إن كان الابنُ (١٦) صغيرًا، أو مجنونًا، قُدِّمَ؛ لأنَّ نَفَقَتَه وجَبَتْ بالنَّصِّ، مع أنَّه عاجِزٌ عن الكَسْبِ، والأبُ قد يَقْدِرُ عليه، وإن كان الابنُ كبيرًا، والأبُ زَمِنٌ (١٧)، فهو أحَقُّ؛ لأنَّ حُرْمَتَه آكدُ، وحاجَتَه أشَدُّ. ويَحْتَمِلُ تقديمَ الابْنِ؛ لأنَّ نَفَقَتَه وَجَبَتْ بالنَّصِّ. وإن (١٨) كانا صَحِيحَيْنِ فقِيرَيْنِ، ففيهما ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدها، التَّسْوِيَةُ بينهما؛ لتَساوِيهِما في القُرْبِ، وتَقَابُلِ

стр. 5926

مَرْتَبَتِهِما. والثانى، تَقْديمُ الابْنِ؛ لوُجُوبِ نفَقَتِه بالنصِّ. والثالث، تَقْديمُ الأبِ، لتأكُّدِ حُرْمَتِه. وإن اجتمَعَ أبوان، ففيهما الوُجُوهُ الثلاثةُ؛ أحدها، التَّسْوِيَةُ؛ لما ذكرْنا. والثانى، تَقْديمُ الأُمِّ؛ لأنَّها أحَقُّ بالبِرِّ، ولها فَضِيلةُ الْحَملِ والرَّضاعِ والتَّرْبيَةِ، وزيادةِ الشَّفَقةِ، وهى أضْعَفُ وأعْجَزُ. والثالثُ، تَقْديمُ الأبِ، لفضيلَتِه، وانْفِرادِه بالوِلايةِ على ولَدِه، واسْتِحقاقِ الأخْذِ من مالِه، وإضافةِ النَّبِيِّ ﷺ الوَلدَ ومالَه إليه بقَوْلِه: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" (١٩). والأوَّلُ أوْلَى. وإن اجْتَمَعَ جَدٌّ وأخٌ، احْتَمَلَ التَّسْوِيةَ بينهما؛ لِاسْتِوائِهِما في اسْتِحْقاقِ مِيراثِه، والصَّحِيحُ أنَّ الجَدَّ أحَقُّ؛ لأنَّ به مَزِيَّةَ الوِلادةِ والأُبُوَّةِ، ولأنَّ ابنَ ابنِه يَرِثُه مِيراثَ ابْنٍ، ويَرِثُ الأخُ مِيراثَ أخٍ، وميراثُ الابْنِ آكَدُ، فالنَّفقةُ الواجبةُ به تكونُ آكدَ. وإن كان مَكانَ الأخِ ابنُ أخٍ أو عَمٌّ، فالْجَدُّ أَوْلَى بكلِّ حالٍ. فصل: والواجبُ في نفَقةِ القريبِ قَدْرُ الكِفَايةِ من الخُبْزِ والأُدْمِ والكُسْوَةِ، بقَدْرِ العادةِ، على ما ذكرْناه في الزَّوْجةِ، لأنَّها وجَبَتْ للحاجةِ، فتقَدَّرَتْ بما تَنْدَفِعُ به الحاجةُ، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ لهِنْدٍ: "خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" (٢٠). فقَدَّرَ نفقَتَها ونفقةَ وَلَدِها بالكِفَايةِ. فإن احْتاجَ إلى خادِمٍ فعليه إخْدامُه، كما قُلْنا في الزَّوجةِ؛ لأنَّ ذلك من تَمامِ كِفايَتِه. ١٣٨٦ - مسألة؛ قال: (وَعَلَى الْمُعْتِقِ نَفَقةُ مُعْتَقِهِ، إذَا كَانَ فَقِيرًا؛ لأنَّه وَارِثُهُ) هذا مبنيٌّ على الأصلِ الذي تقَدَّمَ، وأنَّ النَّفقةَ تجبُ على الوارثِ، والمُعْتِقُ وارثُ عَتِيقِه، فتَجِبُ عليه نفقَتُه إذا كان فقيرًا، ولمَوْلاه يَسارٌ يُنْفِقُ عليه منه. وقال مالك، والشافعيُّ، وأصْحاب الرَّأْيِ: لا تجبُ عليه نَفقتُه، بِناءً على أصُولِهم التي ذكَرْناها.

стр. 5927

ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (١). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "أُمَّكَ وأبَاكَ، وأُخْتَكَ وأخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أدْنَاكَ، ومَوْلَاكَ الَّذِى يَلى ذَاكَ، حَقًّا واجِبًا، ورَحِمًا مَوْصُولًا" (٢). ولأنَّه يَرِثُه بالتَّعْصِيبِ، فكانتْ عليه نفَقَتُه كالأبِ. ويُشْتَرَطُ في وُجُوبِ الإِنْفاقِ عليه الشُّرُوطُ المذكورةُ في غيرِه. فصل: فإن مات مَوْلاه، فالنَّفقةُ على الوارثِ مِن عَصَباتِه، على ما بُيِّنَ في باب الوَلَاءِ (٣). ويجبُ على السيِّدِ نَفقةُ أولادِ عَتِيقِه، إذا كان له عليهم وَلاءٌ؛ لأنَّه عَصَبَتُهم ووارِثُهم، وعليه نفقةُ أولادِ مُعْتَقَتِه (٤) إذا كان أبُوهم عَبْدًا كذلك، فإن أُعْتِق أبُوهم فانْجَرَّ الولاءُ إلى مُعتقِه، صار وَلاؤُهم (٥) لمُعْتِقِ أبيهم، ونفقَتُهم عليه، إذا كَمَلَتِ الشُّروطُ، وليس على العَتِيقِ (٦) نَفقةُ مُعْتِقِه وإنْ (٧) كان فقيرًا؛ لأنَّه لا يَرِثُه، فإن كان كلُّ واحدٍ منهما مَوْلَى صاحِبِه، مثل أن يَعْتِقَ الحَرْبِىُّ عبدًا، ثم يَسْبِى العبدُ سَيِّدَه فيَعْتِقُه، فعلى كلِّ واحدٍ منهما نَفقةُ الآخَرِ؛ لأنَّه يَرِثُه. ١٣٨٧ - مسألة؛ قال: (وَإذَا زُوِّجَتِ الْأَمَةُ، لَزِمَ زَوْجَهَا أوْ سَيِّدَه، إنْ كانَ مَمْلُوكًا، نَفَقَتُها) وجملتُه أنَّ زَوْجَ الأمَةِ لا يَخْلُو من (١) أن يكونَ حُرًّا أو عَبْدًا، أو بعضُه حُرًّا (٢) وبعضُه عَبْدًا (٣)، فإن كان حُرًّا، فنفَقَتُها عليه، للنَّصِّ، واتِّفاقِ أهلِ العلمِ على وُجُوبِ نَفقةِ

стр. 5928

الزَّوْجاتِ على أزْواجِهِنَّ البالغِينَ، والأمَةُ داخلةٌ في عُمُومِهِنَّ، ولأنَّها زَوْجةٌ مُمَكِّنَةٌ من نَفْسِها، فوَجَبَ على زَوْجِها نَفقَتُها، كالحُرَّةِ، وإن كان زَوْجُها مَمْلوكًا، فالنَّفقةُ واجبةٌ لزَوْجَتِه لذلك. قال ابنُ المُنذرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ أحْفَظُ (٤) عنه من أهلِ العلمِ، على أنَّ على العَبْدِ نَفقةَ زَوْجَتِه. هذا قولُ الشَّعْبِيِّ، والحَكَمِ، والشافعيِّ. وبه قال أصحابُ الرَّأْىِ إذا بَوّأَها بَيْتًا. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه قال: ليس عليه نفقَتُها؛ لأنَّ النَّفقةَ مُواساةٌ، وليس هو من أهْلِها، ولذلك لا تجبُ عليه نفقةُ أقارِبِه، ولا زَكاةُ مالِه. ولَنا، أنَّها عِوَضٌ واجبٌ في النِّكاحِ، فوَجَبَتْ على العبدِ، كالمَهْرِ، والدليلُ على أنَّها عِوَضٌ، أنَّها تجبُ في مُقَابلةِ التَّمْكينِ، ولهذا تَسْقُطُ عن الحُرِّ بفَوَاتِ التَّمْكِينِ، وفارَقَ نفقةَ الأقارِبِ. إذا ثَبَتَ وُجُوبُها على العبدِ، فإنَّها تَلْزَمُ سَيِّدَه؛ لأنَّ السَّيِّدَ أذِنَ (٥) في النكاحِ المُفْضِى إلى إيجابِها. وقال ابنُ أبي موسى: فيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّها تجبُ في كَسْبِ العبدِ. وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم (٦) يُمْكِنْ إيجابُها في ذمَّتِه، ولا رَقَبَتِه، ولا ذِمَّةِ سيِّدِه، ولا إسْقاطُها، فلم يَبْقَ إلَّا أن تتَعَلَّقَ بكَسْبِه. وقال القاضي: تتَعَلَّقُ برَقَبَتِه؛ [لأنَّ الوَطْءَ في النكاحِ بمنزلةِ الجِنايَةِ، وأرْشُ جِنَايَةِ العبدِ يَتَعلَّقُ برَقَبَتِه] (٧)، يُباعُ فيها، أو يَفْدِيه سَيِّدُه. وهذا قولُ أصْحابِ الرّأْيِ. ولَنا، أنَّه دَيْنٌ أَذِنَ السَّيِّدُ فيه، فلَزِمَ (٨) ذِمَّتَه، كالذى اسْتَدانَه وَكِيلُه. وقولُهم: إنَّه في مُقابَلةِ الوَطْءِ. غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّه يجبُ من غيرِ وَطْءٍ، ويجبُ للرَّتْقاءِ، والحائضِ، والنُّفَسَاءِ، وزَوْجةِ المَجْبُوبِ والصغيرِ، وإنَّما يجبُ بالتَّمْكِينِ، وليس ذلك بجنايةٍ ولا قائمٍ مَقامَها. وقولُ مَنْ قال: إنه تَعَذَّرَ إيجابُه في ذِمَّةِ السَّيِّدِ. غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّه لا مانِعَ من إيجابِه، وقد ذكَرْنا وُجُودَ مُقْتَضِيه، فلا مَعْنَى لدَعْوَى التَّعَذُّرِ.

стр. 5929

١٣٨٨ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَتْ أَمَةً تَأْوِى بِاللَّيلِ عِنْد الزَّوْجِ، وبِالنَّهَارِ عِنْدَ الْمَوْلَى، أَنْفَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَهُ) هذه المسألةُ قد تقَدّمَتْ (١)، وذكَرْنا أنَّ النَّفَقةَ في مُقَابلةِ التَّمْكِينِ، وقد وُجِدَ منها في اللَّيْلِ، فتَجِبُ على الزَّوجِ النَّفقةُ فيه، والباقِي منها على السَّيِّدِ، بحُكْمِ أنَّها مَمْلُوكَتُه لم تجبْ لها نفقةٌ على غيرِه في هذا الزمنِ، فيكونُ على هذا على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ النَّفقةِ. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ. وقال في الآخَرِ: لا نَفَقةَ لها على الزَّوجِ؛ لأنَّها لم تُمَكِّنْ من نَفْسِها في جميعِ الزَّمانِ، فلم يَجبْ لها شيءٌ من النَّفقةِ، كالحُرَّةِ إذا بَذَلَتْ نَفْسَها في أحدِ الزَّمانَيْنِ دُونَ الآخَرِ. ولَنا، أنَّه وُجِدَ التَّمْكِين الواجِبُ بعَقْدِ النكاحِ، فاسْتحقَّتِ (٢) النَّفَقةَ، كالحُرَّةِ إذا مَكَّنَتْ (٣) من نَفْسِها في غيرِ أوقاتِ الصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ، والصَّوْمِ الواجِبِ، والحجِّ المَفْرُوضِ. وفارَقَ الحُرَّةُ إذا امْتَنَعَتْ في أحَدِ الزَّمانينِ، فإنَّها لم تَبْذُلِ الواجبَ، فتكونُ ناشِزًا، وهذه ليست ناشِزًا ولا عاصِيَةً. ١٣٨٩ - مسألة؛ قال: (فَإنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ، لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقةُ وَلَدِهِ، حُرًّا كَانَ أوْ عَبْدًا، وَنَفَقَتُهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ) يعني الأمَةَ ليس على زَوْجِها نَفقةُ [ولَدِه منها] (١)، وإن كان حُرًّا؛ لأنَّ وَلَدَ الأمَةِ عبدٌ لسّيِّدِها، فإنَّ الولَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ في الرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فتكونُ نفقَتُهم على سَيِّدِهم دون أبِيهِم، فإنَّ العَبْدَ أخَصُّ بسَيِّدِه من أبِيه، ولذلك لا ولايةَ بينَه وبين أبِيه، ولا مِيراثَ، ولا إنفاقَ، وكلُّ ذلك للسَّيِّدِ، وقد رُوِيَتْ عن أبي عبدِ اللَّه، ﵀، [رِوايةٌ أُخْرَى] (٢)، أنَّ وَلَدَ

стр. 5930

العَرَبِىِّ يكونُ حُرًّا، وعلى أبِيه فِداؤُه. فعلَى هذا تكونُ نفَقَتُهم عليه. ولو أعْتَقَ الوَلدَ سَيِّدُه، أو عَلَّقَ عِتْقَه بوِلادتِهِ (٣)، أو تزَوَّجَ الأمَةَ على أنَّها حُرَّةٌ، فولَدُه منها أحرارٌ، وعلى أبِيهم نفقَتُهم في هذه المواضِعِ كلِّها، إذا كان حُرًّا، وتحَقَّقَتْ فيه شَرائطُ الإِنْفاقِ. فصل: وإذا (٤) طَلَّقَ الأمَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا، فلها النَّفقةُ في العِدَّةِ؛ لأنَّها زوجةٌ. وإن أبَانَها وهى حائِلٌ، فلا نفقةَ لها؛ لأنَّها لو كانت حُرَّةً، لم يكُنْ لها نفقةٌ، فالأمَةُ أوْلَى، وإن كانت حاملًا، فلها النَّفقةُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٥). نَصَّ على هذا أحمدُ. وبه قال إسْحاقُ. وقد رُوِيَتْ (٦) عن أبي عبدِ اللَّه، ﵀، في نفَقةِ الحاملِ (٧)، هل هي للحَمْلِ أو للحامِلِ بسَبَبِه؟ روايتان؛ إحْداهما، هي للحَمْلِ. فعلَى هذا لا تجبُ للمَمْلوكَةِ الحاملِ البائنِ نَفقةٌ؛ لأنَّ الحَمْلَ مَمْلُوكٌ لسَيِّدِها، فنفَقَتُه عليه. وللشافعيِّ في هذا قَوْلان، كالرِّوايتَيْنِ. فصل: وإن طَلَّقَ العَبْدُ زَوْجَتَه الحامِلَ طَلاقًا بائِنًا، انْبَنَى على وُجُوبِ النَّفقةِ، على الرِّوايتَيْن في النَّفقةِ، هل هي للحَمْلِ أو للحاملِ؟ فإن قُلْنا: هي للحَمْلِ. فلا نَفَقةَ على العَبْدِ. وبه قال مالكٌ. ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِيِّ؛ لأنَّه لا تجبُ عليه نفقةُ ولَدِه. وإن قُلْنا: هي للحاملِ بسَبَبِه. وجَبَتْ لها النَّفقةُ. وهذا قولُ الأوْزَاعيِّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ولأنَّها حامِلٌ، فوَجَبَتْ لها النَّفقةُ، كما لو كان زَوْجُها حُرًّا. فصل: والمُعْتَقُ بعضُه، عليه مِن نَفَقَةِ امْرَأتِه بقَدْرِ ما فيه من الحُرِّيَّةِ، وباقِيها على سَيِّدِه، أو في ضَرِيبَتِه، أو في رَقَبَتِه، على ما ذكَرْنا في العَبْدِ. والقَدْرُ الذي يجبُ عليه بالحُرِّيَّةِ، يُعْتَبَرُ فيه حالُه؛ إن كان مُوسِرًا فنفَقةُ المُوسِرِينَ، وإن كان مُعْسِرًا فنفقةُ

стр. 5931

المُعْسِرِينَ، والباقى تجبُ فيه نفقةُ المُعْسِرِينَ؛ لأنَّ النَّفقةَ ممَّا يتَبَعَّضُ، وما يتَبعَّضُ بَعَّضْناه في حَقِّ المُعْتَق بعضُه كالميراثِ والدِّياتِ، ومالا يتَبَعَّضُ، فهو فيه كالعَبْدِ، ولأنَّ (٨) الحُرِّيَّةَ إمَّا شَرْطٌ فيه، أو سَبَبٌ له، ولم (٩) يَكْمُلْ. وهذا اخْتِيَارُ المُزَنِيِّ. وقال الشافعيُّ: حُكْمُه حكمُ القِنِّ في الجَمِيعِ، إلْحاقًا لأحَدِ الحُكْمَيْنِ بالآخَرِ. ولَنا، أنَّه يَمْلِكُ بنِصْفِه الحُرِّ مِلْكًا تامًّا، ولهذا يُورَثُ عنه، ويُكَفِّرُ بالإِطْعامِ، ويجبُ فيه نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ، فوَجَبَ أن تتَبَعَّضَ نفَقَتُه؛ لأنَّها من جُمْلةِ الأحْكامِ القابلةِ للتَّبْعِيضِ، فأمَّا نفَقةُ أقَارِبِه، فيَلْزَمُه منها بقَدْرِ مِيراثِه؛ لأنَّ النَّفقةَ تَنْبَنِى على المِيراثِ. [وعندَ المُزَنِيِّ,] (١٠) تَلْزَمُه كلُّها؛ لأنَّها لا تتَبَعَّضُ. وعند الشافعيِّ، لا يَلْزَمُه شيءٌ؛ لأنَّ حُكْمَه حكمُ العَبِيدِ. وقد سَبَقَ الكلامُ في هذا. ١٣٩٠ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ نَفَقَةُ (١) وَلَدِه، حُرَّةً كَانَتِ الزَّوْجَةُ أَوْ أَمَةً) أما إذا كانتْ زوجةُ العَبْدِ حُرّةً، فولَدُها أحرارٌ؛ لأنَّ الولَدَ يَتْبَعُ الأُمَّ في الرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، ليس على العَبْدِ نفقةُ أقارِبِه الأحْرَارِ (٢)؛ لأنَّ نفَقَتَهُم تجبُ على سَبِيلِ المُوَاساةِ، وليس هو من أهْلِها. وأمَّا إذا كانتْ زَوْجَتُه مَمْلوكةً، فولَدُها عَبِيدٌ لسيِّدِها؛ لأنَّهم يَتْبَعُونها، فتكونُ نفقَتُهم على سَيِّدِهم. فصل: وحُكْمُ المُكاتَبِ، في نَفقةِ الزَّوْجاتِ والأولادِ والأقارِبِ، حكمُ العَبْدِ القِنِّ؛ لأنَّه عبدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ، إلَّا أنَّه إذا كانتْ له زَوجةٌ أنْفَقَ عليها من كَسْبِه؛ لأنَّ نفَقَةَ الزَّوجةِ واجبةٌ بحُكْمِ المُعاوَضةِ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، ولذلك وجَبَتْ على العَبْدِ،

стр. 5932

فعلى المُكاتَبِ أَوْلَى، ولأنَّ نَفقةَ المرأةِ لا تَسْقُطُ عن أحدٍ من الناسِ، إذا لم يُوجَدْ منها ما يُسْقِطُ نفَقَتَها، ولا يُمْكِنُ إيجابُها على سَيِّدهِ؛ لأنَّ نَفقةَ المُكاتَبِ لا تَجِبُ على سَيِّدِه، فنَفقةُ امْرَأتِه أَوْلَى. فأمَّا نَفقةُ أولادِه وأقاربِه الأحْرارِ، فلا تجبُ عليه؛ لأنَّها تجبُ على سَبِيلِ المُواساةِ، وليس هو من أهْلِها، ولذلك لا تجبُ عليه الزَّكاةُ في مالِه، ولا الفِطْرَةُ في بَدَنِه، فإن كانتْ زَوْجَتُه حُرَّةً، فنَفقةُ أوْلادِها عليها؛ لأنَّهم يتْبَعُونَها في الحُرِّيَّةِ. وإن كان لهم أقارِبُ أحْرارٌ، كجَدٍّ حُرٍّ وأخٍ حرٍّ مع الأُمِّ، أنْفَقَ كلُّ واحدٍ منهم بحَسَبِ مِيراثِه، والمُكاتَبُ كأنَّه مَعْدُومٌ بالنِّسْبةِ إلى النَّفقةِ. ١٣٩١ - مسألة؛ قال: (وَعَلَى الْمُكَاتَبةِ نَفَقَةُ وَلِدهَا دُونَ أبِيه المُكاتَبِ) وجملتُه أنَّ المُكاتَبَ إذا كان له ولدٌ، [لم يَخْلُ] (١)؛ إمَّا أن يكونَ من زَوْجَةٍ (٢) أو من أَمةٍ (٣)، فإنْ كان من زَوْجةٍ (٢)، وكانت مُكاتَبةً، فولَدُها يتْبَعُونها في الكِتابةِ، ويكونُون مَوْقُوفِينَ على كِتَابَتِها؛ إن رَقَّتْ رَقُّوا، وإن عَتَقَتْ بالأداءِ عَتَقُوا، فتكون نفقَتُهم عليها ممَّا في يَدَيْها (٤)؛ لأنَّهم في حُكْمِ نَفْسِها، ونفَقَتُها ممَّا في يَدَيْها، فكذلك على ولَدِها. وأمَّا زَوْجُها المُكاتَبُ، فليس عليه نفقَتُهم؛ لأنَّهم عَبِيدٌ لسَيِّدِ المُكاتَبةِ. وإن كانت، زَوْجَتُه حُرّةً أو أمةً، فقد بَيَّنَّا حُكْمَهم. وإن أراد المُكاتَبُ التَّبَرُّعَ بالإِنْفاقِ على ولَدِه، وكان من أمَةٍ أو مُكاتَبةٍ لغيرِ سَيِّدِه (٥)، أو حُرَّةٍ، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا بمالِ سَيِّدِه، وإن كان من أمَةٍ لسَيِّدِه، [جاز؛ لأنَّه مَمْلوكٌ لسَيِّدِه] (٦)، فهو يُنْفِقُ عليه من المالِ الذي تعَلَّقَ به حَقُّ سَيِّدِه، وإن كان من مُكاتَبةٍ لسَيِّدِه، احْتَمَلَ الجوازَ؛ لأنَّه في

стр. 5933

الحالِ بمَنْزلةِ أُمِّه، وأمُّه مَمْلوكةٌ لسَيِّدِها. ويَحْتَملُ أن لا يجوزَ؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا، إذ لا يَحْتَمِلُ أنَّ يَعْجِزَ هو، وتُؤَدِّىَ المُكاتَبة، فيَعْتِقُ ولَدُها، فيَحْصُلُ الإِنْفاقُ عليه (٧) من مالِ سَيِّدِه، ويَصِيرُ حُرًّا. ١٣٩٢ - مسألة؛ قال: (وَعَلَى الْمُكاتَبِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ) أمَّا ولَدُ المُكاتَبِ من أمَتِه، فنفَقَتُهم عليه؛ لأنَّ ولَدَه من أمَتِه تابِعٌ له، يَرِقُّ برِقِّه، ويَعْتِقُ بعِتْقِه، فجَرَى مَجْرَى نَفْسِه في النَّفقةِ، فكَما أنَّ المُكاتَبَ يُنْفِقُ على نَفْسِه، فكذلك على ولَدِه الذي هذا حالُه، ولأنَّ هذا الوَلَدَ ليس له مَنْ يُنْفِقُ عليه سِوَى أبِيه، فإنَّ أُمَّه أمَةٌ للمُكاتَبِ، وليس له من الأحْرارِ أقارِبُ، فيتَعَيَّنُ على المُكاتَبِ الإِنْفاقُ عليه، كأُمِّه، ولأنَّه لا ضَرَرَ على السَّيِّدِ في إنْفاقِ المُكاتَبِ على ولَدِه من أمَته؛ لأنَّه إن أدَّى وعَتَقَ، فقد وَفَّى مالَ الكِتابةِ، وليس للسَّيِّدِ أكثرُ منها، وإن عَجَزَ ورَقَّ، عادَ إليه المُكاتَبُ ووَلَدُه الذي أنْفَقَ عليه، فكأنَّه إنَّما أنْفَقَ على عَبْدِه، وتَصِيرُ نفَقَتُه عليه كنفَقَتِه على سائرِ رَقِيقِه. فصل: وليس للمُكاتَبِ أنَّ يتَسَرَّى بأمَتِه إلَّا بإذْنِ سيدِه؛ لأنَّ مِلْكَه غيرُ تامٍّ، وعلي السَّيِّدِ ضَرَرٌ في تَسَرِّيهِ بها؛ لما فيه من التَّغْرِيرِ بها. وإن أذِنَ له سَيِّدُه في ذلك، جاز؛ لأنَّ المَنْعَ لِحَقِّه، فجاز بإذْنِه، كما لو أذِنَ لعَبْدِه القِنِّ. وإن وَطِئَ بغيرِ إذْنِه، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطِئَ مَمْلُوكَتَه، فإن أوْلَدَها في المَوْضِعَيْنِ، صارت أُمَّ ولَدٍ له، ليس له بَيْعُها، ولا بَيْعُ ولَدِه، فإن عَتَقَ، عَتَقَ ولدُها، وصارت الأمَةُ أُمَّ ولَدٍ، تَعْتِقُ بمَوْتِه، وإن رَقَّ، رَقَّتْ هي ووَلَدُها، وصارت أمةً لسَيِّدِه، والمُكاتَبُ ووَلَدُه عَبْدانِ له. ويَلْزَمُ المُكاتَبَ الإِنفاقُ على عَبِيدِه، وإمائِه، وأُمَّهاتِ أوْلادِه؛ لأنَّهم (١) مِلْكٌ له، فلَزِمَه الإِنْفاقُ عليهم، كبَهائِمِه.

стр. 5934

باب الحال التي تجبُ فيها النَّفَقةُ على الزَّوجِ ١٣٩٣ - مسألة؛ قال، ﵀: (وَإذَا تزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِثلُهَا يُوطَأُ، فلم تَمْنَعْهُ نَفْسَهَا، وَلَا مَنَعَهُ أَوْليَاوُهَا، لَزِمَتْه النَّفَقَةُ) وجملةُ ذلك أنَّ المرأةَ تَسْتَحِقُّ النَّفقةَ على زَوْجِها بشَرْطينِ؛ أحدهما، أنَّ تكونَ كبيرةً يُمْكِنُ (١) وطؤُها، فإن كانتْ صغيرةً لا تَحْتَمِلُ الوَطْءَ، فلا نفقةَ لها. وبهذا قال الحسنُ، وبكرُ بن عبد اللَّه الْمُزَنِيُّ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وهو المَنْصوصُ (٢) عن الشافعيِّ. وقال في موضعٍ: لو قيل: لها النَّفَقةُ. كان مَذْهَبًا، وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ؛ لأنَّ تَعَذُّرَ الوَطْءِ لم يكُنْ بفِعْلِها، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ النَّفقةِ لها، كالمَرَضِ. ولَنا، أنَّ النَّفقةَ تحبُ بالتَّمْكِينِ من الاسْتِمْتاعِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك مع تَعَذُّرِ الاسْتِمْتاعِ، فلم تَجِبْ نفقَتُها، كما لو مَنَعَه أولياؤُها من تَسْلِيمِ نَفْسِها، وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرُوه، ويفارِقُ المَرِيضةَ، فإنَّ الاسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما نَقْصَ بالمَرَضِ، ولأنَّ مَنْ لا تُمَكِّنُ الزَّوجَ من نَفْسِها، لا يَلْزَمُ الزَّوْجَ نَفَقَتُها، فهذه أَوْلَى؛ لأنَّ تلك يُمْكِنُ الزَّوْجَ قَهْرُها، والاسْتِمْتاعُ منها (٣) كُرْهًا، وهذه لا يُمْكِنُ ذلك فيها بحالٍ. الشَّرْط الثاني، أن تَبْذُلَ التَّمْكِينَ التَّامَّ من نَفْسِها لزَوْجِها، فأمَّا إن مَنَعَتْ نفسَها، أو مَنَعَها أولياؤُها، أو تَساكَتَا بعدَ العَقْدِ، فلم تَبْذُلْ ولم يَطْلُبْ، فلا نَفقةَ لها، وإن أقامَا زَمَنًا، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ تزَوَّجَ عائشةَ، ودَخَلَتْ عليه بعدَ سَنَتَيْنِ، ولم يُنْفِقْ إلَّا بعدَ دُخُولِه، ولم يَلْتَزِمْ (٤) نفقَتها لما مَضَى (٥)

стр. 5935

ولأنَّ النَّفقةَ تجبُ في مُقابَلةِ التَّمْكِينِ المُسْتَحَقِّ بعَقْدِ (٦) النِّكاحِ، فإذا وُجِدَ اسْتُحِقَّتْ، وإذا فُقِدَ لم تَسْتَحِقَّ شيئًا، ولو بذَلَتْ تَسْلِيمًا غيرَ تامٍّ، بأن تقولَ: أُسَلِّمُ إليك نَفْسِى في مَنْزِلِى دُون غيرِه. أو في المَوْضِعِ الفُلَانِيِّ دُونَ غيرِه. لم تَسْتَحِقَّ شيئًا، إلَّا أن تكونَ قد اشْتَرَطَتْ (٧) ذلك في العَقْدِ؛ لأنَّها لم تَبْذُلِ التَّسْليمَ الواجِبَ بالعَقْدِ، فلم تَسْتَحِقَّ النَّفقةَ، كما لو قال البائعُ: أُسَلِّمُ إليك السِّلْعةَ على أن تَتْرُكَها في مَوْضِعِها، أو في مكانٍ بعَيْنِه. وإن شَرَطَتْ دارَها أو بَلَدَها، فسَلَّمَتْ نفسَها في ذلك، اسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ؛ لأنَّها سَلمَت التَّسْلِيمَ الواجبَ عليها، ولذلك لو سَلَّمَ السَّيِّدُ أمَتَه المُزَوَّجَةَ ليلًا دُونَ النهارِ، اسْتَحَقَّتِ النَّفَقةَ، وفارَقَ الحُرَّةَ، فإنَّها لو بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِها في بعضِ الزَّمانِ، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنَّها لم تُسَلِّم التَّسْليمَ الواجبَ بالعَقْدِ. وكذلك إن أمْكَنَتْه من اسْتِمْتاعٍ (٨)، ومَنَعَتْه اسْتِمْتاعًا، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا لذلك. فصل: وإن غاب الزَّوجُ بعَد تَمْكِينِها ووُجُوبِ نَفَقَتِها عليه، لم تَسْقُطْ عنه، بل تجبُ عليه في زَمَنِ غَيْبَتِه؛ لأنَّها اسْتَحَقَّتِ النَّفقةَ بالتَّمْكِينِ، ولم يُوجَدْ منها ما يُسْقِطُها. وإن غاب قبلَ تَمْكِينِها، فلا نفقةَ لها عليه؛ لأنَّه لم يُوجَد المُوجِبُ لها (٩). فإن بَذَلَتِ التَّسْليمَ وهو غائبٌ، لم تَسْتَحِقَّ نَفَقَةً (١٠)؛ لأنَّها بذَلَتْه في حالٍ لا يُمْكِنُه التَّسْليمُ فيه، لكن إنْ مَضَتْ إلى الحاكمِ، فبَذَلَتِ التَّسْليمَ، كَتَبَ الحاكمُ إلى حاكمِ البلدِ الذي هو فيه لِيَسْتَدْعِيَه ويُعْلِمَه ذلك، فإن سار إليها، أو وَكَّلَ من يُسَلِّمُها إليه، فوَصَلَ، وتسَلَّمها (١١) هو أو نائبُه، وجَبَتِ النَّفقةُ حينئذٍ، وإن لم يَفْعَلْ، فَرَضَ الحاكمُ عليه نفَقَتَها من الوقتِ الذي كان يُمْكِنُ الوُصولُ إليها وتَسَلُّمُها فيه؛ لأنَّ الزَّوجَ امْتَنَعَ

стр. 5936

من تَسَلُّمِها مع إمْكانِ ذلك، وبَذْلِها إيَّاهُ له، فلَزِمَتْه نفقَتُها، كما لو كان حاضرًا. وإن كانت الزَّوجة صغيرةً، يُمْكِنُ وطْؤُها، أو مَجْنونةً، فسَلَّمَتْ نفسَها إليه، فتَسَلَّمها، لَزِمَتْه نفقَتُها كالكبيرةِ، وإن لم يتَسَلَّمْها، لمَنْعِها نفْسَها، أو مَنْعِ أوْلِيائِها، فلا نَفقةَ لها عليه. وإن غاب الزَّوجُ، فبَذَلَ وَلِيُّها تَسْلِيمَها، فهو كما لو بذَلَتِ المُكَلَّفَةُ التَّسْلِيمَ، فإنَّ وَلِيَّها يقومُ مَقامَها. وإن بذَلَتْ هي دُونَ وَلِيِّها، لم يَفْرِض الحاكمُ النَّفقةَ لها؛ لأنَّها (١٢) لا حُكْمَ لكَلَامِها. ١٣٩٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كَانَتْ بِهذِهِ الْحَالِ الَّتِى وَصَفْتُ، وَزوْجُها (١) صَبِيٌّ، أُجْبِرَ وَلِيُّهُ عَلَى نَفَقَتِهَا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَاختَارَتْ فِرَاقَهُ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُما) يعني إذا كانت المرأةُ كبيرةً، يُمْكِنُ الاسْتِمْتاعُ بها، فمَكَّنَتْ مِن نَفْسِها، أو بَذَلَتْ تَسْلِيمَها، ولم تَمْنَعْ نفسَها، ولا مَنَعَها أولياؤُها، فعلى زَوْجِها الصَّبِىِّ نَفقَتُها. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بن الحسنِ، والشافعيُّ في أحدِ قَوْلَيْه. وقال في الآخَرِ: لا نَفقةَ لها. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ الزَّوجَ لا يتَمَكَّنُ من الاسْتِمْتاعِ بها، فلم تَلْزَمْه نَفقَتُها، كما لو كانت غائِبةً أو (٢) صَغِيرةً. ولَنا، أنَّها سَلَّمَتْ نفسَها تسليمًا صحيحًا، فوجَبَتْ لها النَّفقةُ، كما لو كان الزَّوْجُ كبيرًا، ولأنَّ الاسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما تعَذَّرَ من جِهَةِ الزَّوجِ، كما لو تعَذَّرَ التَّسْليمُ لمَرَضِه أو غَيْبَتِه، وفارَقَ ما إذا غابَتْ، أو كانت صغيرةً، فإنَّها لم تُسَلِّمْ نفسَها تَسْليمًا صحيحًا، ولم تَبْذُلْ ذلك، فعلى هذا يُجْبَرُ الوَلِيُّ على نَفَقَتِها من مالِ الصَّبِيِّ؛ لأنَّ النَّفقةَ على الصَّبِيِّ، وإنَّما الوَلِيُّ يَنُوبُ عنه في أداءِ الواجباتِ عليه، كما يُؤدِّى أُرُوشَ جِنَاياتِه، وقِيَمَ مُتْلَفاتِه، وزَكَواتِه. وإن لم يَكُنْ له مالٌ،

стр. 5937

فاختارَتْ فِراقَه، فَرَّقَ الحاكمُ بينهما، كما ذكرْنا في حَقِّ الكبيرِ. فإنَّ كان له مالٌ، وامْتَنَعَ الوَلِيُّ من الإِنْفاقِ، أجْبَرَه الحاكمُ بالحَبْسِ، فإن لم يُنْفِقْ، أخَذَ الحاكمُ من مالِ الصَّبِيِّ، وأنفقَ عليها، فإن لم يُمْكِنْه، وصَبَرَ الوَلِيُّ على الحَبْسِ، وتعَذَّرَ الإِنْفاقُ، فَرّقَ الحاكمُ بينهما، إذا طَلَبَتْ ذلك، على ما ذكَرْنا في حَقِّ الكبير. وذكر القاضي في الكبيرِ، أنَّه لا يُفَرِّقُ بينهما، فكذلك ههُنا مثلُه؛ لأنَّهما سواءٌ في وُجُوبِ الإِنْفاقِ عليهما، فكذلك في أحْكامِه. فصل: وإن بَذَلَتِ الرَّتْقاءُ، أو الحائِضُ، أو النُّفَساءُ، أو النِّضْوةُ الخَلْقِ التي لا يُمْكنُهُ (٣) وَطْؤُها، أو المَرِيضةُ، تَسْلِيمَ نَفْسِها، لَزِمَتْه نفقَتُها، وإن حَدَثَ بها شيءٌ من ذلك، لم تَسْقُطْ نفقَتُها؛ لأنَّ الاسْتِمْتاعَ مُمْكِنٌ، ولا تَفْرِيطَ من جَهَتِها. وإن مَنَعَ من الوطءِ، ويفارِقُ الصَّغيرةَ، فإنَّ لها حالًا يتَمَكَّنُ من الاسْتِمْتاعِ بها فيها اسْتِمْتاعًا تامًّا، والظَّاهرُ أنَّه تزَوَّجَها انتظارًا لتلك الحال، بخِلافِ هؤلاء، ولذلك لو طَلَبَ تَسْليمَ هؤلاء وَجَبَ تَسْلِيمُهُنَّ، ولو طَلَبَ تَسْليمَ الصغيرةِ لم يَجِبْ. فإن قيل: فلو بَذَلَتِ الصَّحِيحةُ الاسْتِمْتاعَ بما دُونَ الوَطْءِ، لم تجبْ لها النَّفقةُ، فكذلك هؤلاء. قُلْنا: لأنَّ تلك مَنَعَتْ ممَّا يَجِبُ عليها، وهؤلاء لا يجبُ عليهنَّ التَّمْكِينُ ممَّا فيه ضَرَرٌ. فإن ادَّعَتْ أنَّ عليها ضررًا في وَطْئِه؛ لضِيقِ فَرْجِها، أو قُرُوحٍ به، أو نحوِ ذلك، [وأنْكَرَ هو] (٤)، أُرِيَت امرأةً ثِقَةً، وعُمِلَ بقولِها. وإن ادَّعَتْ عَبالةَ ذَكَرِه وعِظَمَه، جاز أن تَنْظُرَ المرأةُ إليهما حالَ اجتماعِهِما؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ، ويجوزُ النَّظَرُ إلى العَوْرَةِ للحاجةِ والشَّهادةِ. ١٣٩٥ - مسألة؛ قال: (وَإنْ طَالَبَ الزَّوْجُ بِالدُّخُولِ، وَقَالَتْ: لَا أُسَلِّمُ نَفْسِى حَتَّى أَقْبِضَ صَدَاقِى. كَانَ ذلِك لَهَا، ولَزِمَتْهُ النَّفَقةُ إلَى أنْ يَدْفَعَ إلَيْهَا صَدَاقَهَا)

стр. 5938

وجملتُه، أنَّ للمرأةِ أن تَمْنَعَ نفسَها حتى تَتَسَلَّمَ صَداقَها؛ لأنَّ تَسْليمَ نَفْسِها قبلَ تَسْليمِ صَداقِها يُفْضِي إلى أن يَسْتَوْفِىَ مَنْفَعَتَها (١) المَعْقُودَ عليها بالوَطْءِ، ثم لا يُسَلِّمَ صَداقَها، فلا يُمْكِنُها الرُّجوعُ فيما اسْتَوْفَى منها، بخلافِ المَبِيعِ إذا تَسَلَّمه المُشْترِى ثم أعْسَرَ بالثَّمنِ، فإنَّه يُمْكِنُه الرُّجوعُ فيه، فلهذا ألْزَمْناهُ تَسْليمَ صَداقِها أَوّلًا، وجَعَلْنا لها أن تَمْتَنِعَ من تَسْليمِ نَفْسِها حتى تَقْبِضَ صَداقَها؛ لأنَّه إذا سَلَّمَ إليها الصَّداقَ ثم امْتَنَعَتْ مِن تَسْليمِ نفسِها، أمْكَنَ الرُّجوعُ فيه، فإذا ثَبَتَ هذا، فمتى امْتَنَعَتْ من تَسْليمِ نفسِها لتَقْبِضَ صدَاقَها، فلها نفَقَتُها (٢)؛ لأنَّها امْتنعَتْ بحَقٍّ (٣). فإن قيل: فلو امْتنَعتْ لصِغَرٍ أو مَرَضٍ، لم يَلْزَمْه نفقَتُها. قُلْنا: الفَرْقُ بينهما أنَّ امْتِناعهَا لمَرَضٍ لمعنًى من جِهَتِها، وكذلك الامْتِناعُ للصِّغَرِ، وههُنا الامْتِناعُ لمعنًى من جِهَةِ الزَّوجِ، وهو مَنْعُه لما وَجَبَ لها (٤) عليه، فأشْبَهَ ما لو تعَذَّرَ الاسْتمْتاعُ لصِغَرِ الزَّوجِ، فإنَّه لا تَسْقُطُ نفقَتُها عنه، ولو تعَذّرَ لصِغَرِها، لا تَلْزَمُه نفَقَتُها. فصل: إذا سافَرَتْ زوجتُه بغيرِ إذْنِه، سَقَطَتْ نفَقَتُها عنه؛ لأنَّها ناشِزٌ. وكذلك إن انتَقَلَتْ من منزِله بغير إذْنِه. وإن سافرتْ بإذْنِه، في حاجَتِه، فهى على نفَقَتِها؛ لأنَّها سافَرَتْ في شُغْلِه ومُرادِه، وإن كان في (٥) حاجةِ نفسِها، سَقَطَتْ نفقَتُها؛ لأنَّها فَوَّتَتِ التَّمْكِينَ لحَظِّ نفسِها، وقضاءِ حاجَتِها، فأشْبَهَ ما لو اسْتَنْظَرَتْه قبلَ الدُّخولِ مُدّةً فأنْظَرَها، إلَّا أن يكونَ مُسافِرًا معها، مُتَمَكِّنًا من اسْتِمْتاعِها، فلا تسقطُ نفقَتُها؛ لأنَّها لم تُفَوِّت التَّمْكِينَ، فأشْبَهتْ غيرَ المُسافِرَةِ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ نفقَتُها، وإن لم يكُنْ معها؛ لأنَّها مُسافِرَةٌ بإذْنِه، أشْبَهَ ما لو سافَرَتْ في حاجَتِه، وسواءٌ كان سَفَرُها لتِجارةٍ، أو حجِّ تَطَوُّعٍ، أو زِيارةٍ. ولو أحْرَمَتْ بحجِّ تَطَوُّعٍ بغيرِ إذْنِه، سَقَطَتْ نفقَتُها؛ لأنَّها في معنَى المُسافِرَةِ. وإن أحْرَمَتْ به بإذْنهِ، فقال القاضي: لها النَّفَقةُ.

стр. 5939

والصَّحِيحُ أنَّها كالمُسافِرَةِ؛ لأنَّها بإحْرامِها مانِعةٌ له من التَّمْكِينِ، فهى كالمُسافرةِ لحاجةِ نَفْسِها، على ما ذكرْناه. وإن أحْرَمَتْ بالحجِّ الواجبِ، أو العُمْرةِ الواجبةِ، في الوقتِ الواجبِ، من المِيقَاتِ، فلها النَّفقةُ؛ لأنَّها فَعَلَت الواجبَ عليها بأصْلِ الشَّرْعِ في وَقْتِه، فلم تَسْقُطْ نفقَتُها، كما لو صامَتْ رَمضانَ. وإن قَدّمَتِ الإِحْرامَ على المِيقاتِ، أو قبلَ الوقتِ، خُرِّجَ فيها من القَوْلِ ما في المُحْرِمةِ بحَجِّ التَّطَوُّعِ؛ لأنَّها فَوَّتَتْ عليه التَّمْكِينَ بشيءٍ مُسْتَغْنًى (٦) عنه. فصل: فإن اعْتَكَفَتْ، فالقياسُ أنَّه كسَفَرِها، إن كان بغير إذْنِه فهى ناشِزٌ؛ لخُرُوجِها من منزلِ زَوْجِها [بغيرِ إذْنِه] (٧) فيما ليس بواجبٍ بأصْلِ الشرعِ، وإن كان بإذْنِه، فلا نَفقةَ لها في (٨) قولِ الْخِرَقِيِّ. وقال القاضي: لها النفقةُ. وإن صامتْ رمضانَ، لم تسقُطْ نفقَتُها؛ لأنَّه واجبٌ مُضَيَّقٌ بأصْلِ الشرعِ، لا يَمْلِكُ مَنْعَها منه، فلم تَسْقُطْ نفقَتُها، كالصَّلاةِ، ولأنَّه يكونُ صائِمًا معها، فيَمْتَنِعُ الاسْتِمْتاعُ لمعنًى وُجِدَ فيه، وإن كان تَطَوُّعًا، لم تسْقُطْ نفقَتُها؛ لأنَّها لم تَخْرُجْ عن قَبْضَتِه (٩)، ولم تأتِ بما يَمْنَعُه من الاسْتِمْتاعِ بها، فإنَّه يُمْكِنُه تَفْطِيرُها ووَطْؤُها، فإن أراد ذلك منها فمَنَعَتْه (١٠)، سَقَطَتْ نفقَتُها بامْتِناعِها من التَّمْكِينِ الواجبِ. وإن كان صَوْمًا مَنْذُورًا مُعَلَّقًا بوقتٍ مُعَيَّنٍ، فقال القاضي: لها النَّفقةُ؛ لأنَّ أحمدَ نَصَّ على أنَّه ليس له مَنْعُها. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان نَذْرُها قبلَ النكاحِ، أو كان النَّذْرُ بإذْنِه، لم تسْقُطْ نفقَتُها؛ لأنَّه كان واجبًا عليها بحَقٍّ سابقٍ على نكاحِه، أو واجبٍ أذِنَ في سَبَبه، وإن كان النَّذْرُ في نِكاحِه بغيرِ إذْنِه، فلا نَفقةَ لها؛ لأنَّها فوَّتَتْ عليه حَقَّه من الاسْتِمْتاعِ باخْتِيارِها بالنَّذْرِ الذي لم يُوجِبْه (١١)

стр. 5940

الشَّرْعُ عليها، ولا نَدَبَها إليه. وإن كان النَّذْرُ مُطْلَقًا، أو كان صَوْمَ كَفَّارةٍ، فصامَتْ بإذْنِه، فلها النَّفقةُ؛ لأنَّها أدَّتِ الواجبَ بإذْنِه، فأشْبَهَ ما لو صامَتِ المُعَيَّنَ في وَقْتِه، وإن صامتْ بغيرِ إذْنِه، فقال القاضي: لا نَفقةَ لها؛ لأنَّها يُمْكِنُها تأْخِيرُه، فإنَّه على التَّرَاخِى، وحَقُّ الزَّوجِ على الفَوْرِ. وإن كان قَضَاءَ رمضانَ قبلَ ضِيقِ وَقْتِه، فكذلك، وإن كان وَقْتُه مُضَيَّقًا، مثل أن قَرُبَ رمضانُ الآخَرُ، فعليه نفقَتُها؛ لأنَّه واجبٌ مُضَيَّقٌ بأصْلِ الشَّرْعِ، أشْبَهَ أداء رمضانَ. ١٣٩٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا لَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ، فَلَا سُكْنَى لَهَا، وَلَا نَفَقَةَ، إلَّا أنْ تَكُونَ حَامِلًا) [وجملةُ الأمرِ] (١)، أنَّ الرجلَ إذا طَلَّقَ امرأتَه طلاقًا بائِنًا، فإمَّا أن يكونَ ثلاثًا، أو بخُلْعٍ، أو بانَتْ بفَسْخٍ، وكانت حامِلًا فلها النَّفَقةُ والسُّكْنَى، بإجْماعِ أهلِ العلمِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢). وفي بعض أخبارِ فاطمةَ بنت قيس: لا نفَقَةَ لك إلَّا أنْ تَكُونِى حامِلًا (٣). ولأنَّ الحَمْلَ ولَدُه، فيَلْزَمُه الإِنْفاق عليه، ولا يُمْكِنُه النَّفقةُ (٤) عليه، إلَّا بالإِنْفاقِ (٥) عليها، فوَجَبَ، كما (٦) وَجَبَتْ أُجْرَةُ الرَّضاعِ. وإن كانت حائِلًا، فلا نَفقةَ لها. وفي السُّكْنَى رِوَايتان؛ إحداهما، لها

стр. 5941

ذلك. وهو قولُ عمرَ، وابْنِه، وابنِ مسعودٍ، وعائشةَ، وفُقَهاءِ المدينةِ السَّبْعة، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ للآية. والرواية الثانية، لا سُكْنَى لها، ولا نفقةَ. وهى ظاهِرُ المَذْهَبِ، وقولُ (٧) عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وعَطاءٍ، وطَاوُسٍ، والحسنِ، وعِكْرِمةَ، ومَيْمُونِ بن مِهْرانَ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وداود. وقال أكثرُ الفُقَهاءِ العِرَاقِيِّينَ: لها السُّكْنَى. والنَّفقةُ. وبه قال ابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبي لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، والحَسَنُ بن صالحٍ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والْبَتِّىُّ، والعَنْبَرِىُّ؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ. ولأنَّها مُطَلَّقَةٌ، فوَجَبَتْ لها النَّفَقةُ والسُّكْنَى، كالرَّجْعِيَّةِ. ورَدُّوا خَبَرَ فاطمةَ بنت قيسٍ بما رُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قال: لا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنا، وسُنَّةَ نَبِيِّنَا، لقولِ امرأةٍ (٨). وأنْكَرَتْه عائشةُ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، وتَأَوّلُوه. وَلنا، ما رَوَتْ فاطمةُ بنت قيسٍ، أنَّ زَوْجَها طَلَّقهَا الْبَتَّةَ وهو غائبٌ، فأرْسَلَ إليها وَكِيله بشَعِيرٍ، فتَسَخَّطَتْهُ (٩)، فقال: واللَّه مالكِ عليْنا من شيءٍ. فجاءتْ رسولَ اللَّه ﷺ فذكرتْ (١٠) ذلك له، فقال: "لَيْسَ لَكِ (١١) عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى". فأمَرَها أن تَعْتَدَّ في بيت أُمِّ شريكٍ. مُتَّفَقٌ عليه (١٢). وفى لَفْظٍ: فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "انْظُرِى يَا ابْنةَ قَيْسٍ، إنَّما النَّفَقةُ لِلْمَرْأةِ عَلَى زَوْجِها مَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ، فَإذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَليهَا الرَّجْعَةُ، فَلَا نَفَقَةَ (١٣) ولا سُكْنَى". روَاه الإِمامُ أحمدُ، والأثْرَمُ، والحُمَيْدِىُّ، وغيرُهُم (١٤). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: من طَرِيقِ الحُجَّةِ وما يَلْزَمُ منها، قولُ أحمدَ ابن حَنْبلٍ

стр. 5942

ومَنْ تابَعَه أصَحُّ وأحَجُّ؛ لأنَّه ثَبَتَ عن النَّبِيِّ ﷺ نَصًّا صَرِيحًا، فأىُّ شيءٍ يُعارِضُ هذا إلَّا مثلُه عن النَّبِيِّ ﷺ ، الذي (١٥) هو المُبَيِّنُ عن اللَّه مُرَادَه؟ ولا شىءَ يَدْفَعُ ذلك. ومَعْلُومٌ أنَّه أعْلَمُ بتَأْوِيلِ قولِ اللَّه تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. وأمَّا قولُ عمرَ، ومَنْ وافَقَه، فقد خالَفَه علىٌّ وابنُ عباسٍ، ومَنْ وافَقَهُما، والحُجّةُ مَعَهم، ولو لم يُخالِفْه أحَدٌ منهم، لَما قُبِلَ قولُه المخالِفُ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فإنَّ قولَ رسولِ اللَّه ﷺ حُجّةٌ على عمرَ وعلَى غيرِه، ولم يَصِحَّ عن عمرَ أنَّه قال: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا، وسُنَّةَ نَبِيِّنا، لقولِ امرأةٍ. فإنَّ (١٦) أحمدَ أنْكَرَه، وقال: أمَّا هذا فلا، ولكن قال: لا نَقْبَلُ في دِينِنَا قولَ امرأةٍ. وهذا أمْرٌ يَرُدُّه (١٧) الإِجْماعُ على قبولِ قولِ المرأةِ في الرِّوايةِ، فأى حُجّةٍ في شيءٍ يُخالِفُه الإِجماعُ، وتَرُدُّه السنةُ، ويُخالِفُه فيه علماءُ الصحابةِ. قال إسماعيلُ بن إسحاقَ: نحنُ نَعْلَمُ أن عمرَ لا يقول: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا إلَّا لما هو مَوْجُودٌ في كِتابِ اللَّه. والذي في الكِتابِ أنَّ لها النَّفقةَ إذا كانت حامِلًا، بقولِه سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وأمَّا غيرُ ذَواتِ الحَمْلِ [فلا يَدُلُّ] (١٨) الكِتابُ إلَّا على (١٩) أنَّهُنَّ لا نَفقةَ لهُنَّ؛ لاشْتِراطِه (٢٠) الحَمْلَ في الأمْرِ بالإِنْفاقِ. وقد رَوَى أبو داودَ، وغيرُه من الأئِمَّةِ، بإِسْنادِهم عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: ففَرَّقَ رسولُ اللَّه ﷺ بينهما - يعني المُتَلَاعِنَيْنِ - وقَضَى أن لا بَيْتَ لها عليه ولا قُوتَ (٢١). ولأن هذه مُحَرَّمةٌ عليه تَحْرِيمًا لا تُزِيلُه الرَّجْعَةُ، فلم يكُنْ لها سُكْنَى ولا نفقةٌ، كالمُلاعِنَةِ أو كالأجْنَبِيَّةِ، وفارقَتِ الرَّجْعِيَّةَ في ذلك. وأمَّا الرَّجْعِيَّةُ، فلها السُّكْنَى والنَّفقةُ؛ للآيةِ والخبَرِ والإِجماعِ، ولأنَّها زَوْجةٌ يَلْحَقُها طَلَاقُه وظِهَارُه وإيلاؤُه.

стр. 5943

فصل: فأمَّا المُلاعِنةُ فلا سُكْنَى لها، ولا نفقةَ، إن كانتْ غيرَ حامِلٍ، للخبرِ. وكذلك إن كانت حاملًا فنَفَى حَمْلَها، وقُلْنا: إنَّه يَنْتَفِى [عنه. أو قُلْنا: إنَّه ينْتَفِى] (٢٢) بزَوَالِ الفِرَاشِ. وإن قُلْنا: لا ينْتَفِى بنَفْيِه. أو لم يَنْفِه، وقُلْنا: إنَّه يَلْحَقُه نَسَبُه. فلها السُّكْنَى والنَّفقةُ؛ لأنَّ ذلك للحَمْلِ، أو لها بسَبَبِه، وهو موجودٌ (٢٣)، فأَشْبَهتِ المُطلَّقةَ البائنَ. فإن نَفَى الحَمْلَ، فأنْفَقَتْ أُمُّه، وسَكَنَتْ من غيرِ الزَّوْجِ، وأَرْضَعَتْ، ثم اسْتَلْحَقَه المُلاعِنُ، لَحِقَه، ولَزِمَتْه النَّفقةُ وأُجْرةُ (٢٤) المَسْكنِ والرَّضَاع؛ لأنَّها فَعَلَتْ ذلك على أنَّه لا أبَ له، فإذا ثَبَتَ له أبٌ، لَزِمَه ذلك، ورُجِعَ به عليه. فإن قيل: النَّفقةُ لأجْلِ الحَمْلِ نَفَقةُ الأقارِبِ، وهى تَسْقُطُ بمُضِىِّ الزَّمانِ، فكيف تَرْجِعُ عليه بما يَسْقُطُ عنه؟ قُلْنا: بل النَّفقةُ للحاملِ من أجْلِ الْحَملِ، فلا تسْقُطُ، كنَفَقَتِها في الحياةِ، وإن سَلَّمْنا أنَّها للحَمْلِ (٢٥)، إلَّا أنَّها مَصْرُوفةٌ إليها، ويتَعَلَّقُ بها حَقُّها، فلا تَسْقُطُ بمُضِىِّ الزَّمانِ، كنَفَقَتِها. فصل: فأمَّا المُعْتَدَّةُ من الوَفاةِ، فإن كانت حائِلًا، فلا سُكْنَى لها ولا نَفَقةَ؛ لأنَّ النكاحَ قد زال بالمَوْتِ، وإن كانت حامِلًا، ففيها رِوَايتان؛ إحداهما، لها السُّكْنَى والنَّفقةُ؛ لأنَّها حامِلٌ من زَوْجِها، فكانت لها السُّكْنَى والنَّفقةُ، كالمُفارِقَةِ في الحياةِ. والثانية، لا سُكْنَى لها ولا نَفقةَ؛ لأنَّ المالَ قد صار للوَرَثةِ، ونفقةُ الحاملِ وسُكْناها إنَّما هو للحَمْلِ أو من أجْلِه، ولا يَلْزَمُ ذلك الوَرثةَ؛ لأنَّه إن كان للمَيِّتِ مِيراثٌ، فنَفقةُ الحملِ من نَصِيبِه، وإن لم يكُنْ له مِيراثٌ، لم يَلْزَمْ وارِثَ المَيِّتِ الإِنْفاقُ على حَمْلِ امرأتِه، كما بعدَ الوِلادةِ. قال القاضي: وهذه الرِّوايةُ أصَحُّ. فصل: وهل تَجِبُ نَفَقةُ الحَمْلِ (٢٦) للحاملِ من أجْلِ الحملِ أو للحَمْلِ، فيه

стр. 5944

رِوَايتان؛ إحداهما: تجبُ للحَمْلِ. اخْتارها أبو بكرٍ؛ لأنَّها تجبُ بوُجُودِه، وتَسْقُطُ عندَ انْفِصالِه، فدَلَّ على أنَّها له. والثانية، تجبُ لها من أجْلِه؛ لأنَّها تجبُ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، فكانتْ له كنفَقةِ الزَّوْجاتِ، ولأنَّها لا تسْقُطُ بمُضِىِّ الزمانِ، فأشْبَهَتْ نفقَتَها في حياتِه. وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايتَيْنِ. ويَنْبَنِى على هذا الاختلافِ فُرُوعٌ؛ منها، أنها إذا كانت المُطَلَّقةُ الحاملُ (٢٧) أمَةً، وقُلْنا: النَّفقةُ للحَمْلِ. فنَفَقَتُها على سَيِّدِها؛ لأنَّه مِلْكُه. وإن قُلْنا: لها. فعلى الزَّوجِ؛ لأنَّ نفَقَتَها عليه. وإن كان الزَّوجُ عَبْدًا، وقُلْنا: هي للحَمْلِ. فليس عليه نَفَقَةٌ (٢٨)؛ لأنَّه لا تَلْزَمُه نَفقةُ ولَدِه. وإن قُلْنا: لها. فالنَّفقةُ عليه؛ لما ذكرْناه. وإن كانت حامِلًا من نكاحٍ فاسِدٍ، أو وَطْءِ شُبْهةٍ، وقُلْنا: النَّفقةُ للحَمْلِ. فعَلى الزَّوجِ والْوَاطىءِ؛ لأنَّه ولَدُه، فلَزِمَتْه نفقَتُه كما بعدَ الوَضْعِ. وإن قُلْنا: للحاملِ. فلا نَفَقةَ عليه (٢٩)؛ لأنَّها ليستْ زَوجةً يَجِبُ الإِنْفاقُ عليها. وإن نَشَزَت امرأةُ إنْسانٍ، وهى حامِلٌ، وقُلْنا: النَّفقةُ للحَمْلِ. لم تَسْقُطْ نَفَقَتُها؛ لأنَّ نفقةَ ولَدِه لا تسْقُطُ بنُشُوزِ أُمِّه. وإن قُلْنا: لها. فلا نَفقةَ لها؛ لأنَّها ناشِزٌ. فصل: ويَلْزَمُ الزَّوْجَ دَفْعُ نَفقةِ الحاملِ المُطَلَّقةِ إليها يومًا فيومًا، كما يَلْزَمُه دَفْعُ نَفقةِ الرَّجْعِيَّةِ. وقال الشافعيُّ، في أحد قَوْلَيْه: لا يَلْزَمُه دَفْعُها إليها حتى تَضَعَ؛ لأنَّ الحَمْلَ غيرُ مُتَحَقِّقِ، ولهذا: أوْقَفْنا (٣٠) المِيراثَ. وهذا خِلَافُ قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ولأنَّها مَحْكومٌ لها بالنَّفقةِ، فوَجَبَ دَفْعُها إليها، كالرَّجْعِيَّةِ. وما ذكَرَهُ (٣١) غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ الحَمْلَ يَثْبُتُ بالأماراتِ، وَتَثْبُتُ أحكامُه في (٣٢) النكاحِ، والحَدِّ، والقِصاصِ، وفَسْخِ البيعِ في الجاريةِ

стр. 5945

المَبِيعةِ، والمَنْعِ من الأخْذِ في (٣٣) الزَّكاةِ، ووُجُوبِ الدَّفْعِ في الدِّيَةِ، فهو كالمُتَحَقِّقِ، ولا يُشْبِهُ هذا الميراثَ؛ فإنْ كان (٣٤) الميراثُ لا يَثْبُتُ (٣٥) بمُجَرَّدِ الحَمْلِ، فإنَّه يُشْتَرَطُ له الوَضْعُ والاسْتِهلالُ بعدَ الوَضْعِ، ولا يُوجَدُ ذلك قبلَه، ولأنَّنا لا نَعْلَمُ صِفَةَ الحَمْلِ وقَدْرَه ووُجُودَ شَرْطِ (٣٦) تَوْرِيثِه، بخلافِ (٣٧) مَسْأَلَتِنا، فإنَّ النَّفقةَ تجبُ بمُجَرَّدِ الحَمْلِ، ولا تختلفُ باخْتِلافِه، فإذا ثَبَتَ هذا، فمتى ادَّعَتِ الحَمْلَ فصَدّقَها، دَفَعَ إليها، فإنْ كان حَمْلًا, فقد اسْتَوْفَتْ حَقَّها، وإن بانَ أنَّها ليستْ حامِلًا، رَجَعَ عليها، سَواءٌ دَفَعَ (٣٨) إليها بحُكْمِ الحاكمِ أو بغيرِه، وسواءٌ شَرَطَ (٣٩) أنَّها نَفَقةٌ أو لم يَشْتَرِطْ. وعنه: لا يَرْجِعُ. والصَّحِيحُ أنَّه يَرْجِعُ؛ لأنَّه دَفَعَه على أنَّه واجبٌ، فإذا بانَ أنَّه ليس بواجِبٍ، اسْتَرْجَعَه، كما لو قَضَاها دَينًا، فبانَ أنَّه لم يكنْ عليه دَيْنٌ. وإن أنْكَرَ حَمْلهَا، نَظَرَ النِّساءُ الثِّقاتُ، فَرُجِعَ إلى قَوْلِهِنَّ، [ويُقْبَلُ قولُ المرأةِ] (٤٠) الواحدةِ إذا كانتْ من أهْلِ الخِبْرةِ والعَدالةِ؛ لأنَّها شهادَةٌ على ما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، أشْبَهَ الرَّضاعَ، وقد ثَبَتَ الأصْلُ بالخَبَرِ. فصل: ولا تجِبُ النَّفقةُ على الزَّوجِ في النِّكاحِ الفاسدِ؛ لأنَّه ليس بينهما نِكاحٌ صحيحٌ، فإن طَلَّقَها أو فُرِّقَ بينهما قبلَ الوَطْءِ، فلا عِدَّةَ عليها، وإن كان بعدَ الوَطْءِ، فعليها العِدَّةُ، ولا نَفقةَ لها ولا سُكْنَى، إن كانتْ حائِلًا؛ لأنَّه إذا لم يَجِبْ (٤١) ذلك قبلَ التَّفْرِيقِ، فبعدَه أَوْلَى، وإن كانت حامِلًا، فعلَى ما ذكَرْنا من قبلُ؛ فإن قُلْنا: لها النَّفقةُ

стр. 5946

إذا كانت حامِلًا. فلها ذلك قبل التَّفْريقِ؛ لأنَّه إذا وَجَبَ بعدَ التَّفْريقِ، فَقبلَه أَوْلَى. ومتى أَنْفَقَ عليها قبلَ مُفَارَقَتِها أو بعدَها، لم يَرْجِعْ عليها بشيءٍ (٤٢)؛ لأنَّه إن كان عالِمًا بعَدَمِ الوُجُوبِ، فهو مُتَطَوِّعٌ به، وإن لم يكُنْ عالِمًا فهو مُفَرِّطٌ، فلم يَرْجِعْ به (٤٣)، كما لو أنْفَقَ على أجْنَبِيَّةٍ. وكلُّ مُعْتَدَّةٍ من الوَطْءِ في غيرِ نكاحٍ صَحيحٍ، كالمَوْطُوءةِ بشُبْهةٍ وغيرِها، إن كان يَلْحَقُ الواطئَ نَسَبُ ولَدِها، فهى كالمَوْطُوءةِ في النِّكاحِ الفاسدِ، وإن كان لا يَلْحَقُه نَسَبُ ولَدِها، كالزَّانِى، فليس عليه نفقَتُها، حامِلًا كانتْ أو حائلًا؛ لأنَّه لا نِكاحَ بينهما، ولا بينهما ولَدٌ يُنْسَبُ إليه. ١٣٩٧ - مسألة؛ قال: (وَإذَا خالَعَتِ الْمَرأةُ زَوْجَهَا، وأَبْرَأَتْهُ مِنْ حَمْلِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ، وَلَا لِلْوَلَدِ، حَتَّى تَفْطِمَهُ) أمَّا إذا خالَعَتْه ولم تُبْرِئْه مِن حمْلِها، فلها النَّفَقةُ، كما لو طَلَّقهَا ثلاثًا وهى حامِلٌ؛ لأنَّ الحَمْلَ ولَدُه، فعليه نَفقَتُه، وإن أَبْرَأَتْه من الحملِ عِوَضًا في الخُلْعِ، صَحَّ، سَواءٌ كان العِوَضُ كلَّه أو بعضَه، وقد ذكَرْناه في الخُلْعِ (١)، ويَبْرَأُ حتَّى (٢) تَفْطِمَه، إذا كانتْ قد أبْرَأتْه من نَفَقةِ الْحَمْلِ وكَفالةِ الوَلَدِ إلى ذلك، أو أطْلَقَتِ (٣) البَرَاءةَ من نَفقةِ الحَمْلِ وكَفالَتِه؛ لأنَّ البَراءةَ المُطْلَقةَ تَنْصَرِفُ إلى المُدَّةِ التي تَسْتَحِقُّ المرأةُ العِوَضَ عليه فيها، وهى مُدَّةُ الحَمْلِ والرَّضَاعِ، لأنَّ المُطْلَقَ إذا كان له عُرْفٌ، انْصَرَفَ إلى العُرْفِ. وإن اخْتَلَفَا في مُدَّةِ الرَّضَاعِ، انْصَرَفَ إلى حَوْلَيْنِ؛ لقولِه سبحانه: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ

стр. 5947

أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٥). ثم قال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٥). فدَلَّ على أنَّه لا يَجُوزُ فِصالُه قبلَ العامَيْنِ (٦) إلَّا بتَراضٍ منهما وتَشَاوُرٍ. وإن قَدَّرَا مُدَّةَ البَراءةِ بزَمَنِ الحَمْلِ، أو بعامٍ، أو نحوِ ذلك، فهو على ما قَدَّرَاه، وهو أحْسَنُ؛ لأنَّه أقْطَعُ للنِّزاعِ، وأبْعَدُ من اللَّبْسِ والاشْتِباه. ولو أبْرَأَتْه من نَفقةِ الحَمْلِ، انْصَرَفَ ذلك إلى زمنِ الحَمْلِ قبلَ وَضْعِه. قال القاضي: إنَّما صَحَّ مُخالَعتُها على نَفقةِ الوَلَدِ، وهى للوَلَدِ دُونَها؛ لأنَّها في حُكْمِ المالِكَة لها، لأنَّها هي القابِضَةُ لها، المُسْتَحِقَّةُ لها (٧)، المُتَصَرِّفةُ فيها، فإنَّها في مُدَّةِ الْحَمْلِ هي الآكِلَةُ لها (٨)، المُنْتَفِعةُ بها، وبعدَ الوِلادةِ هي أجْرُ رَضاعِها له (٩)، وهى الآخِذَةُ لها، المُتَصَرِّفةُ فيها أيضًا، فصارَتْ كمِلْكٍ من أمْلاكِها، فصَحَّ جَعْلُها عِوَضًا. فأمَّا النَّفقةُ الزائدةُ على هذا، من كُسْوَةِ الطِّفْلِ ودُهْنِه، ونحوِ ذلك فلا يَصِحُّ أن يُعاوضَ به في الخُلْعِ، لأنَّه ليس هو لها، ولا هو في حُكْمِ ما هُوَ لها. ١٣٩٨ - مسألة؛ قال: (وَالنَّاشِزُ لَا نَفَقَةَ لَهَا، فَإنْ كَانَ لَهَا مِنْهُ ولَدٌ, أعْطَاهَا نَفَقَةَ وَلَدِهَا) معنى النُّشوزِ مَعْصِيَتُها لزَوْجِها فيما له عليها، ممَّا أوْجَبَه له (١) النِّكاحُ (٢)، وأصلُه من الارْتفاعِ، مَأْخوذٌ من النَّشْزِ، وهو المكانُ المُرْتفِعُ، فكأنَّ الناشِزَ ارْتَفعتْ عن طاعةِ زوْجِها، فسُمِّيتْ ناشِزًا. فمتى امْتنَعتْ من فِرَاشِه، أو خَرَجَتْ من منزلِه بغيرِ إذْنِه، أو امتنعتْ من الانْتِقالِ معه إلى مَسْكَنِ مثلِها، أو من السَّفَرِ معه، فلا نَفقةَ لها ولا

стр. 5948

سُكْنَى، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشَّعْبِىُّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والأوْزَاعىُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الحَكَمُ: لها النفقةُ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعلمُ أحدًا خالَفَ هؤلاء إلَّا الحَكمَ، ولعله يَحْتَجُّ بأنَّ نُشُوزَها لا يُسْقِطُ مَهْرَها، فكذلك نفَقَتُها. ولَنا، أنَّ النَّفقةَ إنَّما تجبُ في مُقابلةِ تَمْكِينِها، بدليلِ أنَّها لا تجبُ قبلَ تَسْلِيمِها إليه، وإذا مَنَعَها النَّفقةَ كان لها (٣) مَنْعُه التَّمْكِينَ، فإذا منَعَتْه التَّمْكِينَ كان له مَنْعُها من النَّفقةِ، كما قبلَ الدُّخُولِ. وتخالِفُ المَهْرَ؛ فإنَّه يجبُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، ولذلك لو مات أحَدُهما قبلَ الدُّخولِ وجَبَ المهرُ دُونَ النَّفقةِ. فأمَّا إذا كان له (٤) منها ولَدٌ، فعليه نَفَقةُ ولَدِه؛ لأنَّها واجبةٌ له، فلا يَسْقُطُ حَقُّه بمَعْصِيَتِها، كالكبيرِ، وعليه أن يُعْطِيَها إيَّاها إذا كانتْ هي الحاضِنَةَ (٥) له، أو المُرْضِعةَ له، وكذلك أجْرُ رَضاعِها، يَلْزَمُه تَسْلِيمُه (٦) إليها؛ لأنَّه أجْرٌ مَلَكَتْه عليه بالإِرْضاعِ (٧)، لا في مُقَابلةِ الاسْتِمْتاعِ، فلا يَزُولُ بزَوَالِه. فصل: وإذا سَقَطَتْ نفقةُ المرأةِ بنُشُوزِها، فعادت عن النُّشُوزِ والزوجُ حاضرٌ، عادتْ نفَقَتُها؛ لزوالِ المُسْقِطِ لها، ووُجُودِ التَّمْكِينِ المُقْتَضِى لها. وإن كان غائبًا، لم تَعُدْ نفقَتُهَا حتى يَعُودَ التَّسْليمُ بحُضُورِه، أو بحُضورِ (٨) وَكِيلِه، أو حُكْمِ الحاكِم بالوُجُوبِ إذا مَضَى زَمَنُ الإِمْكانِ. ولو ارْتَدَّتْ امرأتُه، سَقَطَتْ نفَقَتُها، فإن عادَتْ إلى الإِسلامِ، عادتْ نفقَتُها بمُجَرَّدِ عَوْدِها؛ لأنَّ المُرْتَدَّةَ إنَّما سَقَطَتْ نفَقَتُها بخُرُوجِها (٩) عن الإِسْلامِ، فإذا عادتْ إليه، زال المَعْنَى المُسْقِطُ، فعادتِ النَّفقةُ،

стр. 5949

وفى النُّشوزِ، سقَطَتِ النفقةُ بخُروجِها عن يَدِه، أو مَنْعِها (١٠) له من التَّمْكِينِ المُسْتَحَقِّ عليها، ولا يزولُ ذلك إلَّا بعَوْدِها إلى يَدِه، وتَمْكِينِه منها، ولا يَحْصُلُ ذلك في غَيْبَتِه، ولذلك لو بذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِها قبلَ دُخُولِه بها في حال غَيْبَتِه، لم تَسْتَحِقَّ النَّفقةَ بمُجَرَّدِ البَذْلِ، كذا ههُنا، واللَّه أعلمُ.

стр. 5950

باب مَن أحَقُّ بكَفالةِ الطِّفْلِ كَفالةُ الطِّفْلِ وحَضانَتُه واجبةٌ؛ لأنَّه يَهْلِكُ بتَرْكِه، فيجِبُ حِفْظُه عن الهلاكِ، كما يجبُ الإِنفاقُ عليه، وإنْجاؤُه من المَهالِكِ. ويتَعَلّقُ بها حَقٌّ لقَرابَتِه، [لأنَّ فيها] (١) وِلايةً على الطِّفْلِ واسْتِصْحابًا (٢) له، فتَعَلَّقَ (٣) بها الحقُّ، ككَفالةِ اللَّقِيطِ. ولا تَثْبُتُ الحَضانةُ لطفلٍ، ولا مَعْتُوهٍ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ عليها، وهو مُحْتاجٌ إلى مَنْ يَكْفُلُه، فكيف يَكْفُلُ غيرَه! ولا فاسقٍ (٤)؛ لأنَّه (٥) غيرُ مَوْثُوقٍ به في أداءِ الواجبِ من الحضانةِ، ولا حَظَّ للوَلَدِ في حَضانَتِه، لأنَّه يَنْشَأُ على طَرِيقَتِه، ولا الرَّقِيقِ. وبهذا قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ، في حُرٍّ له ولَدٌ حرٌّ من أمَةٍ: الأُمُّ أحَقُّ به، إلَّا أن تُباعَ فتُنْقَلَ، فيكونَ الأبُ أحَقَّ به؛ لأنَّها أمٌّ مُشْفِقَةٌ، فأشْبَهتِ الحُرَّةَ، ولَنا، أنَّها لا تَمْلِكُ مَنافِعَها التي تَحْصُلُ الكَفالةُ (٦) بها، لكَوْنِها مَمْلوكةً لسَيِّدِها، فلم يكُنْ لها حَضانةً، كما لو بِيعَتْ ونُقِلَتْ. ولا تَثْبُتُ لكافرٍ على مُسْلمٍ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وسَوَّارٌ، والعَنْبَرِىُّ. وقال ابنُ القاسمِ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: تثْبُتُ له؛ لما رُوِىَ عن عبدِ الحميد بن جعفرٍ، عن أبيه، عن جَدِّه رافع بن سِنَانٍ، أنَّه أسْلَمَ، وأبَتِ امرأتُه أن تُسْلِمَ، فأتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فقالتْ: ابْنَتِى. وهى فَطِيمٌ، أو شِبْهُهُ، وقال رافع: ابْنَتِى. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "اقْعُدْ نَاحِيةً"، وقال لها: "اقعُدِى نَاحِيَةً"، وقال: "ادْعُوَاهَا".

стр. 5951

فمالَتِ الصَّبِيَّةُ إلى أُمِّها، فقال النَّبِىُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ اهْدِهَا". فمالَتْ إلى أبِيها، فأخَذَها. روَاه أبو داودَ (٧). ولَنا، أنَّها وِلايةٌ، فلا تَثْبُتُ لكافرٍ على مُسْلِمٍ، كولايةِ النِّكاحِ والمالِ، ولأنَّها إذا لم تثْبُتْ للفاسقِ، فالكافرُ أوْلَى، فإنَّ ضَرَرَه أكثرُ، فإنَّه يَفْتِنُه عن دينِه، ويُخْرجُه عن الإِسلامِ بتَعْلِيمِه (٨) الكُفْر، وتَزْيينِه له، وتَرْبِيَتِه عليه، وهذا أعظمُ الضَّرَرِ. والحَضانةُ إنَّما تثْبُتُ لحَظِّ الولَدِ، فلا تُشْرَعُ على وَجْهٍ يكونُ فيه (٩) هَلاكُه وهَلاكُ دِينِه. فأمَّا الحديثُ، فقد رُوِىَ على غيرِ هذا الوَجْهِ، ولا يُثْبِتُه أهلُ النَّقْلِ، وفى إسنادِه مَقالٌ. قالَه (١٠) ابنُ المُنْذرِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلِمَ أنَّها تخْتارُ أبَاها بدَعْوَتِه، فكان ذلك خاصًّا في حَقِّه. فأمَّا مَنْ بعضُه حُرٌّ، فإن لم يكُنْ بينَه وبينَ سَيِّدِه مُهايأةٌ، فلا حَضانةَ له؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ عليها، لكَوْنِ مَنافِعِه مُشْتَركةً بَينَه وبينَ سَيِّدِه، وإن كان بينهما مُهايأةٌ، فقياسُ قولِ أحمدَ، أنَّ له الحَضانةَ في أيَّامِه؛ لأنَّه قال: كلُّ ما يتَجَزَّأُ، فعليه النِّصْفُ من كلِّ شيءٍ. وهذا اخْتِيارُ أبى بكرٍ. وقال الشافعيُّ: لا حضانةَ له. لأنَّه كالقِنِّ عندَه. وهذا أصلٌ قد تقَدَّمَ. ١٣٩٩ - مسألة؛ قال (١): (وَالْأُمُّ أَحَقُّ بِكَفَالَةِ الطِّفْلِ وَالْمَعْتُوهِ، إذَا طَلُقَتْ) وجملتُه أنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا افتَرَقا، ولهما ولدٌ طفلٌ أو مَعْتُوهٌ، فأمُّه أوْلى الناسِ بكَفالَتِه إذا كَمَلَتِ الشَّرائِطُ فيها، ذكَرًا كان أو أنْثَى. وهذا قولُ يحيى الأنْصارىِّ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، ولا نَعْلَمُ أحدًا خالَفَهُم. والأصلُ فيه ما رَوَى عبدُ اللَّه بن عمرِو بن العاصِ، أنَّ امرأةً قالتْ:

стр. 5952

يا رسولَ اللَّه، إن ابْنِى هذا كان بَطْنِى له وِعاءً، وثَدْيِى له سِقاءً، وحِجْرِى له حِواءً، وإنَّ أباه طَلَّقَنِى، وأراد أن يَنْزِعَه مِنِّى. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أنْتِ أحَقُّ بِهِ مَا لَم تَنْكِحِى". روَاه أبو داودَ (٢). ويُرْوَى أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، حَكَمَ على عمرَ بن الخَطَّابِ بعاصمٍ لأُمِّه أُمِّ عاصِمٍ، وقال: رِيحُها وشمُّها ولُطْفُها، خَيْرٌ له منك. روَاه سعيدٌ، في "سُنَنِه" (٣). ولأنَّها أقْرَبُ إليه، وأشْفَقُ عليه، ولا يُشارِكُها في القُرْبِ إلَّا أبُوه، وليس له مثلُ شَفَقَتِها، ولا يَتَولَّى الحَضانةَ بنَفْسِه، وإنَّما يَدْفَعُه إلى امرأتِه، وأُمُّه أوْلَى به من امْرأةِ أَبِيه. فصل: فإن لم تكُنِ الأمُّ من أهْلِ الحَضانةِ، لِفُقْدانِ الشُّروطِ التي ذكرْنا فيها (٤)، أو بعضِها، فهى كالمَعْدُومةِ، وتَنْتَقِلُ (٥) إلى مَنْ يَلِيها في الاسْتِحْقاقِ. ولو كان الأبَوانِ مِن غيرِ أهلِ الحَضانةِ، انتقلتْ إلى من يَلِيهِمَا؛ لأنَّهما كالمَعْدُومَيْنِ. فصل: ولا تثْبُتُ الحضانةُ إلَّا على الطِّفْل والمَعْتُوهِ (٦)، فأمَّا البالغُ الرَّشِيدُ، فلا حضانةَ عليه، وإليه الخِيَرَةُ [في الإِقَامةِ] (٧) عند مَنْ شاءَ من أبَوَيْه، فإن كان رَجُلًا، فله الانْفِرادُ بنَفْسِه، لِاسْتِغنائِه عنهما، ويُسْتَحَبُّ أن لا يَنْفَرِدَ عنهما، ولا يَقْطَعَ بِرَّه عنهما، وإن كانتْ جارِيةً لم يكُنْ لها الانْفرادُ، ولأَبِيها مَنْعُها منه؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَدْخُلَ عليها مَنْ يُفْسِدُها، ويُلْحِقُ العارَ بها وبأهْلِها، وإن لم يكنْ لها أبٌ، فلِوَلِيِّها وأهْلِها مَنْعُها من ذلك.

стр. 5953

١٤٠٠ - مسألة؛ قال: (وَإذَا بَلَغ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ، خُيِّرَ بَيْنَ أبَوَيْهِ، فَكَانَ مَعَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا) وجملتُه أنَّ الغلامَ إذا بَلَغ سَبْعًا، وليس بمَعْتُوهٍ، خُيِّرَ بين أبَوَيْه، إذا تنازَعا فيه، فمَن اختارَ (١) منهما، فهو أَوْلَى به. قضَى بذلك عمرُ، وعلىٌّ، وشُرَيْحٌ. وهو مذهبُ الشافعىِّ، وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُخَيَّرُ. لكنْ قال أبو حنيفةَ: إذا اسْتَقَلَّ بنَفْسِه، فأكَلَ بنَفْسِه، ولَبِسَ بنفسِه، واسْتَنْجىَ بنفسِه، فالأبُ أحَقُّ به. ومالكٌ يقول: الأمُّ أحَقُّ به حتى يُثْغِرَ (٢)، وأمَّا التَّخْييرُ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ الغُلامَ لا قَوْلَ له، ولا يَعْرِفُ حَظَّه، وربَّما اختارَ مَنْ يَلْعَبُ عندَه ويَتْرُكُ تَأْدِيبَه، ويُمَكِّنُهُ من شَهَواتِه، فيُؤَدِّى إلى فَسادِه، ولأنَّه دُونَ البُلُوغِ، فلم يُخَيَّرْ، كمَن دُونَ السَّبْعِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرةَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَيَّرَ غُلامًا بين أبِيه وأُمِّه. روَاه سعيدٌ، بإسْنادِه، والشافعيُّ (٣). وفى لفظٍ عن أبي هُرَيْرةَ، قال: جاءتِ امرأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقالتْ: يا رسولَ اللَّه، إنَّ زَوْجى يريدُ أن يَذْهَبَ بابْنِى، وقد سَقَانِى من بِئْرِ أبى عِنَبَةَ (٤)، وقد نَفَعَنِى. فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "هذَا أبُوكَ، وهذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أيِّهِمَا شِئْتَ". فأخَذَ بيدِ أُمِّه, فانْطَلَقَتْ به. روَاه أبو داودَ (٥)، ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، فرُوِىَ عن عمرَ، أنَّه خَيَّرَ

стр. 5954

غلامًا بين أبِيه وأُمِّه. روَاه سعيدٌ (٦)، ورُوِىَ عن (٧). عُمارةَ الجَرْمِىِّ، أنَّه قال: خَيَّرنِى علىٌّ بين عَمِّى وأُمِّى، وكنتُ ابنَ سَبْعٍ أو ثمانٍ (٨). ورُوِىَ نحوُ ذلك عن أبي هُرَيرْةَ. وهذه قِصَصٌ في مَظِنَّةِ الشُّهْرةِ، ولم تُنْكَرْ، فكانت إجماعًا، ولأنَّ التَّقْديمَ في الحَضانةِ لِحَقِّ (٩) الوَلدِ، فيُقَدَّمُ (١٠) مَنْ هو أشْفَقُ؛ لأنَّ حَظَّ الوَلَدِ عندَه أكثرُ، واعْتَبرْنا الشَّفقةَ بمَظِنَّتِها إذا لم يُمْكِنِ اعْتِبارُها بنَفْسِها، فإذا بَلَغ الغلامُ حَدًّا يُعْرِبُ عن نَفْسِه، ويُمَيِّزُ بينَ الإِكْرامِ وضِدِّه، فمالَ إلى أحدِ الأبَوَيْنِ، دَلَّ على أنَّه أرْفَقُ به، وأشْفَقُ عليه، فقُدِّمَ بذلك. وقَيَّدْناه بالسَّبْعِ؛ لأنَّها أوَّل حالٍ أمَرَ الشرعُ فيها بمُخَاطَبَتِه بالأمْرِ بالصَّلاةِ، ولأنَّ الأُمَّ قُدِّمَتْ في حالِ الصِّغَرِ، لحاجَتِه إلى حَمْلِه، ومُباشَرةِ خِدْمَتِه، لأنَّها أعْرَفُ بذلك، وأقْوَمُ به، فإذا اسْتَغْنَى عن ذلك، تَساوَى والِدَاه، لقُرْبهِما منه، فرَجَّحَ باخْتِيارِه. فصل: ومتى اخْتارَ أحَدَهما فسُلِّمَ إليه، ثم اختارَ الآخرَ، رُدَّ إليه، فإن عادَ فاختارَ الأوَّلَ، أُعِيدَ إليه، هكذا أبدًا كلَّما اخْتارَ أحَدَهُما صارَ إليه؛ لأنَّه اخْتِيارُ شَهْوةٍ، لحَظِّ نَفْسِه، فأُتْبِعَ ما يَشْتَهيه، كما يُتْبَعُ ما يَشْتَهِيهِ في المأْكولِ والمَشْروبِ، وقد يَشْتَهِى المُقامَ عند أحَدِهما في وقتٍ، وعندَ الآخَرِ في وقتٍ، وقد يَشْتَهِى التَّسْوِيَةَ بينهما، وأن لا يَنْقَطِعَ عنهما. وإن خَيَّرناه، فلم يَخْتَرْ واحدًا منهما، أو اختارَهما معًا، قُدِّمَ أحَدُهما بالقُرْعةِ؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على صاحِبِه، ولا يُمْكِنُ اجْتِماعُهما على حَضانَتِه،

стр. 5955

فقُدِّمَ أحَدُهما بالقُرْعةِ، فإذا قُدِّمَ بها، ثم اخْتارَ الآخَرَ، رُدَّ إليه؛ لأنَّنا قَدَّمْنا اخْتِيارَه الثاني على الأوَّلِ، فعلى القُرْعةِ التي (١١) هي بَدَلٌ أَوْلَى. فصل: فإن كان الأبُ مَعْدُومًا، أو من غيرِ أهْلِ الحَضانةِ، وحَضَرَ غيرُه من العَصَباتِ، كالأخِ والعَمِّ وابْنِه، قامَ مَقامَ الأبِ، فيُخَيَّرُ الغلامُ بين أُمِّه وعَصَبَتِه؛ لأنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، خَيَّرَ عُمارةَ الجَرْمِىَّ بين أُمِّه وعَمِّه. ولأنَّه عَصَبةٌ، فأشْبَهَ الأبَ. وكذلك إن كانت الأُمُّ (١٢) مَعْدومةً، أو من غيرِ أهلِ الحَضانةِ، فسُلِّمَ (١٣) إلى الجَدَّةِ، خُيِّرَ الغلامُ بينها وبينَ أبِيه، أو مَنْ يقومُ مَقامَه من العَصَباتِ، فإن كان الأبَوانِ مَعْدومَيْنِ، أو من غيرِ أهلِ الحضانةِ، فسُلِّمَ إلى امْرأةٍ، كأُخْتِه أو عَمَّتِه (١٤) أو خالَتِه، قامتْ مقامَ أُمِّه، في التَّخْيِيرِ بينها وبينَ عَصَباتِه، للمعنى الذي ذكَرْناه في الأبوَيْنِ. فإن كان الأبوان رَقِيقَيْنِ، وليس له أحَدٌ من أقارِبه سِواهُما، فقال القاضي: لا حَضانةَ لهما عليه، ولا نفقةَ له عليهما، ونفَقَتُه في بيتِ المالِ، ويُسَلَّمُ إلى من يَحْضُنُه من المسلمين. فصل: وإنَّما يُخَيَّرُ الغلامُ بشَرْطَيْنِ؛ أحدهما، أن يكوَنا جميعًا من أهلِ الحضانةِ، فإن كان أحَدُهما من غيرِ أهلِ الحضانةِ، كان كالمَعْدُومِ، ويُعَيَّنُ الآخرُ. الثاني، أن لا يكونَ الغلامُ مَعْتُوهًا، فإن كان مَعْتُوهًا كان عندَ الأُمِّ، ولم يُخَيَّرْ؛ لأنَّ المَعْتُوهَ بمنزلةِ الطِّفْلِ وإن كان كبيرًا، ولذلك كانت الأُمُّ أحَقَّ بكفالةِ ولَدِها المَعْتُوهِ بعدَ بُلُوغِه. ولو خُيِّرَ الصَّبِىُّ، فاختار أباه، ثم زال عَقْلُه، رُدَّ إلى الأُمِّ، وبَطَلَ اختيارُه؛ لأنَّه إنما خُيِّرَ حين اسْتَقَلَّ بنَفْسِه، فإذا زال اسْتِقْلالُه بنفسِه، كانت الأُمُّ أوْلَى؛ لأنَّها أشْفَقُ عليه، وأقْوَمُ بمَصالِحِه (١٥)، كما في حالِ طُفُولِيَّتِه.
следующие страницы →