← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

وفارَقَ هذا الطلاقَ، ولأنَّه قولٌ يُمْكِنُ إلْغاؤُه بخلافِ القَتْلِ. فأمَّا إن شَرِبَ أو أكَلَ ما يُزِيلُ عَقْلَه غيرَ الخمرِ، على وَجْهٍ مُحَرَّمٍ، فإن زالَ عَقْلُه بالكُلِّيَّةِ، بحيثُ صار مَجْنُونًا، فلا قِصاصَ عليه، وإن كان يَزُولُ قريبًا ويعودُ من غير تَدَاوٍ، فهو كالسُّكْرِ، على ما فُصِّلَ فيه. ١٤٢٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ، وإنْ سَفَلَ) وجملتُه أنَّ الأبَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه، والجَدُّ لا يُقْتَلُ بوَلَدِ وَلَدِه، وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُه، وسَواءٌ في ذلك وَلَدُ البَنِينِ أو ولدُ البَناتِ. وممَّن نُقِلَ عنه أنَّ الوالدَ لا يقتلُ بولدِه، عمرُ بن الخَطَّابِ، ﵁. وبه قال رَبِيعةُ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعيُّ، والشَّافِعيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وقال ابن نافعٍ، وابنُ عبدِ الحَكَمِ، وابنُ المُنْذِر: يُقْتَلُ به؛ لظاهرِ آيِ الكتابِ، والأخبارِ المُوجِبَةِ للقِصاصِ، ولأنَّهما حُرَّانِ مُسلمانِ من أهلِ القِصاصِ، فوَجَبَ أن يُقْتَلَ كلُّ واحدٍ منهما بصاحِبِه، كالأجْنَبِيَّيْنِ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: قد رَوَوْا في هذا البابِ (١) أخْبارًا. وقال مالكٌ: إن قَتَله حَذْفًا بالسيفِ ونحوِه، لم يُقْتَلْ به، وإن ذَبَحه، أو قَتَلَه قَتْلًا لا يُشَكُّ في أنَّه عَمَدَ إلى قَتْلِه دُونَ تَأْدِيبِه، أُقِيدَ به. ولَنا، ما رَوَى عمرُ بن الخَطَّابِ، وابنُ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يُقْتَلُ وَالِدٌ بوَلَدِه". أخْرَج النَّسائيُّ حديثَ عمرَ (٢)، ورَوَاهما ابنُ ماجه (٣)، وذكرهما ابنُ عبدِ البَرِّ، وقال: هو حديثٌ مشهورٌ عندَ أهلِ العلمِ بالحِجازِ والعراقِ، مُسْتَفِيضٌ عندَهم، يُسْتَغْنَى بشُهْرَتِه وقَبُولِه والعَمَلِ به عن الإِسْنادِ فيه، حتى يكونَ الإِسْنادُ في مثلِه مع شُهْرَتِه تَكَلُّفًا. ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "أنْتَ ومَالُكَ لأَبِيكَ" (٤). وقَضِيَّةُ هذه

стр. 6022

الإِضافةِ تَمْلِيكُه إيَّاه، فإذا لم تَثْبُتْ حقيقةُ المِلْكِيَّة، بَقِيَتِ الإضافةُ شُبْهةً في دَرْءِ (٥) القِصاصِ؛ لأنَّه يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّه سَبَبُ إيجادِه، فلا يَنْبَغِى أن يتَسَلّطَ بسَبَبه على إعْدامِه. وما ذكرْناه يَخُصُّ العُمُوماتِ، ويُفارِقُ الأبُ سائرَ الناسِ، فإنَّهم لو قَتَلُوا بالحَذْفِ بالسَّيْفِ، وَجَبَ عليهم القِصاصُ، والأبُ بخلافِه. فصل: والجَدُّ وإن عَلَا كالأبِ في هذا، وسواءٌ كان من قِبَلِ الأبِ أو من قِبَلِ الأُمِّ، في قولِ أكثرِ مُسْقِطِي القِصاصِ عن الأبِ. وقال الحسنُ بنُ حَيّ: يُقْتَلُ به. ولَنا، أنَّه والدٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ النَّصِّ؛ ولأنَّ ذلك حُكْمٌ يتَعَلَّقُ بالوِلادةِ، فاسْتَوى فيه القريبُ والبعيدُ، كالمَحْرَمِيَّةِ، والعِتْقِ إذا مَلَكَه، والجَدُّ من قِبَلِ [الأُمِّ كالجَدِّ من قبل الأبِ] (٦)؛ لأنَّ ابْنَ البِنْتِ يُسَمَّى ابْنًا، قال النَّبِيُّ ﷺ [في الحَسَنِ] (٧): "إنَّ ابْنِي هذَا سَيِّدٌ" (٨). ١٤٢٦ - مسألة؛ قال: (والأُمُّ فِي ذلِكَ كَالْأَبِ) هذا الصحيحُ من المذهبِ، وعليه العَمَلُ عند مُسْقِطِي الْقِصاصِ عن الأبِ. ورُوِيَ عن أحمدَ، ﵀، ما يدلُّ على أنَّه لا يَسْقُطُ عن الأُمِّ، فإنَّ مُهَنَّا نقَل عنه، في أُمِّ ولدٍ قَتَلَتْ سَيِّدَها عَمْدًا: تُقْتَلُ. قال: مَنْ يَقْتُلُها؟ قال: وَلَدُها. وهذا يدلُّ على إيجابِ الْقِصاصِ على الأُمِّ بقَتْلِ وَلَدِها. وخَرّجَها أبو بكرٍ على رِوَايتَيْن؛ إحداهما، أنَّ الأُمَّ تُقْتَلُ بوَلدِها؛ لأنَّه لا وِلايةَ لها عليه، فتُقْتَلُ به، كالأخِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِ النّبِيِّ ﷺ : "لا يُقْتَلُ والدٌ بوَلَدِه" (١). ولأنَّها أحدُ الوالِدَيْنِ، فأشْبَهتِ الأبَ، ولأنَّها أَوْلَى بالبِرِّ، فكانتْ أوْلَى بنَفْيِ القِصاصِ عنها، والوِلايةُ غيرُ مُعْتَبرةٍ؛ بدليلِ انْتِفاءِ

стр. 6023

القِصاصِ عن الأبِ بقَتْلِ الكبيرِ الذي لا وِلايةَ (٢) عليه، وعن الجَدِّ، ولا وِلايةَ له، وعن الأبِ المُخالِفِ في الدِّينِ، أو الرَّقِيقِ. والجَدَّةُ وإن عَلَتْ في ذلك كالأُمِّ، وسواءٌ في ذلك من قِبَلِ الأبِ، أو من قِبَلِ الأُمِّ؛ لما ذكرْنا في الجَدِّ. فصل: وسواءٌ كان الوالدُ مُساوِيًا للولدِ في الدِّينِ والحُرِّيَّةِ، أو مُخالِفًا له (٣) في ذلك؛ لأنَّ انْتِفاءَ القِصاصِ لِشَرَفِ الأُبُوَّةِ، وهو مَوْجودٌ في كلِّ حالٍ، فلو قَتَلَ الكافرُ ولَدَه (٤) المسلمَ، أو قَتَلَ المُسْلمُ أباه الكافِرَ، أو قَتَلَ العَبدُ ولَدَه الحُرَّ، أو قتلَ الحُرُّ ولَدَه (٥) العبدَ، لم يجب القِصاصُ لشَرَفِ الأبُوَّةِ فيما إذا قَتَلَ ولَدَه، وانْتِفاء المُكافأةِ فيما إذا قَتَلَ والِدَه. فصل: وإذا [تَدَاعَى نَفْسانِ] (٦) نَسَبَ صغيرٍ مَجْهولِ النَّسَبِ، ثم قَتَلاه قبلَ إلْحاقِه بواحدٍ منهما، فلا قِصاصَ عليهما؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ ابنَ كلِّ واحدٍ منهما أو ابْنَهما. وإن ألْحَقَتْه الْقافةُ بأحَدِهما، ثم قَتَلاه، لم يُقْتَلْ أبُوه، وقُتِلَ الآخرُ؛ لأنَّه شَرِيكُ الأبِ في قَتْلِ ابْنِه. وإن رَجَعا جميعًا عن الدَّعْوَى، لم يُقْبَلْ رُجُوعُهما؛ لأنَّ النَّسَبَ حَقٌّ للوَلَدِ، فلم يُقْبَلْ رُجُوعُهما عن إقْرارِهما به، كما لو أقَرَّا (٧) له بحَقٍّ سِواهُ، أو كما لو ادَّعاه واحدٌ، فأُلْحِقَ به، ثم جَحَدَه. وإن رَجَعَ أحدُهما، صَحَّ رُجوعُه، وثَبَتَ نَسَبُه من الآخَرِ؛ لأنَّ رُجُوعَه لم (٨) يُبْطِلْ نَسَبَه، ويَسْقُطُ القِصاصُ عن الذي لم يَرْجِعْ، ويجبُ على الرَّاجِعِ؛ لأنَّه شارَكَ الأبَ، وإن عُفِيَ عنه، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ، ولو اشْتَرَكَ رَجُلان في وَطْءِ امرأةٍ في طُهْرٍ واحدٍ، وأتَتْ بوَلَدٍ، يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، فقَتَلاه قَبْلَ إلْحاقِه بأحَدِهما، لم

стр. 6024

يجبِ القِصاصُ، وإن نَفَيا نَسَبَه، لم يَنْتَفِ بقَوْلِهما، وإن نَفَاه أحَدُهما، لم يَنْتَفِ بقَوْلِه؛ لأنَّه لَحِقَه بالفِرَاشِ، فلا يَنْتَفِى إلَّا باللِّعانِ. وفارَقَ التي قبلَها من وَجْهَيْنِ؛ أحدهما [أنَّ أحدَهما] (٩) إذا رَجَعَ عن دَعْواه، لَحِقَ الآخَرَ، وههُنا لا يَلْحَقُ بذلك. والثاني، أنَّ ثُبُوتَ نَسَبِه ثَمَّ بالاعْتِرافِ، فيَسْقُطُ بالجَحْدِ، وههُنا يثْبتُ (١٠) بالاشْتِراكِ في الوَطْءِ، فلا يَنْتَفِى بالجَحْدِ. ومذهبُ الشافعيِّ في هذا ال فصلِ كما قُلْنا، سَواءً. فصل: ولو قَتَلَ أحدُ الأبَوَيْنِ صاحِبَه، ولهما ولدٌ، لم يجبِ القِصاصُ؛ لأنَّه لو وَجَبَ لوَجَبَ لوَلَدِه، ولا يجبُ للولدِ قِصاصٌ على والدِه؛ لأنَّه إذا لم يَجِبْ بالجِنايةِ عليه، فلأَن لا يَجِبَ له بالجنايةِ على غيرِه أَوْلَى، وسَواءٌ كان الولدُ ذكرًا أو أُنْثَى، أو كان للمَقْتُولِ ولدٌ سِواهُ، أو مَنْ يُشارِكُه في الميراثِ، أو لم يكُنْ؛ لأنَّه لو ثَبَتَ القِصاصُ، لَوَجَبَ له جزءٌ منه، ولا يُمْكِنُ وُجُوبُه، وإذا لم يَثْبُتْ بعضُه، سَقَطَ كلُّه؛ لأنَّه لا يتَبَعَّضُ، وصار كما لو عَفَا بعضُ مُسْتَحِقِّ القِصاصِ عن نَصِيبِه منه. فإن لم يكُنْ للمَقْتُولِ ولدٌ منهما، وَجَبَ القِصاصُ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عمرُ بن عبد العزيزِ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وقال الزُّهْرِيُّ: لا يُقْتَلُ الزَّوْجُ بامْرأتِه؛ لأنَّه مَلَكَها (١١) بعَقْدِ النكاحِ، فأشْبَهَ الْأَمَةَ. ولَنا، عُموماتُ النَّصِّ، ولأنَّهما شَخْصانِ مُتكافئانِ، يُحَدُّ كلُّ واحدٍ منهما بقَذْفِ صاحِبِه، فيُقْتَلُ به، كالأجْنَبِيَّيْنِ. وقولُه: إنَّه مَلَكَها. غيرُ صحيحٍ، فإنَّها حُرَّةٌ، وإنما مَلَكَ منفعةَ الاسْتِمْتاعِ، فأشْبَهَ المُسْتَأْجرةَ، ولهذا تجبُ دِيَتُها عليه، ويَرِثُها وَرَثَتُها، ولا يَرِثُ منها إلَّا قَدْرَ مِيراثِه، ولو قَتَلَها غيرُه، كانت دِيَتُها أو القِصاصُ لوَرَثَتِها، بخلافِ الْأَمَةِ. فصل: ولو قَتَلَ رجلٌ أخاه، فوَرِثَه ابْنُه، أو أحدًا (١٢) يَرِثُ ابنُه منه شيئًا من مِيراثِه،

стр. 6025

لم يَجِب الْقِصاصُ؛ لما ذكرْنا. ولو قَتَلَ خالَ ابْنِه، فوَرِثَتْ أُمُّ ابْنِه القِصاصَ [أو جُزْءًا منه، ثم ماتتْ بقَتْلِ الزوجِ أو غيرِه، فوَرِثَها ابنُه، سَقَطَ القِصاصُ] (١٣)؛ لأنَّ ما مَنَعَ مُقارِنًا أسْقَطَ طارِئًا، وتَجِبُ الدِّيةُ. ولو قَتَلَتِ المرأةُ أخا زَوْجِها، فصار القِصاصُ أو جُزْءٌ منه لابْنِها، سَقَطَ القِصاصُ، سواءٌ صار إليه ابتداءً، أو انتقلَ إليه من أبِيه أو من غيرِه؛ لما ذكرْنا. فصل: وإذا قَتَلَ أحدُ أبَوَيِ المُكاتَبِ المُكاتبَ (١٤)، أو عبدًا له، لم يَجِب القِصاصُ؛ لأنَّ الوالدَ لا يُقْتَلُ بوَلَدِه، ولا يَثْبُتُ للولدِ على والدِه قِصاصٌ. وإن اشْتَرى المُكاتَبُ أحدَ أبَوَيْه، ثم قتَلَه، لم يَجِبْ عليه قِصاصٌ؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يُقْتَلُ بعَبْدِه. فصل: ابنانِ قَتَلَ أحدُهما أباه، والآخرُ أُمَّه، فإن كانت الزَّوْجِيَّةُ بينهما مَوْجودةً حالَ قَتْلِ الأوَّلِ، فالقِصاصُ على قاتلِ الثاني دُونَ الأوَّلِ؛ لأنَّ القَتِيلَ الثاني وَرِثَ جزءًا من دَمِ الأوَّلِ، فلما قُتِلَ وَرِثَه قاتِلُ الأوَّلِ، فصار له جزءٌ من دَمِ نَفْسِه، فسَقَطَ القِصاصُ عنه، ووَجَبَ له القِصاصُ على (١٥) أخِيه، فإن قَتَلَه، وَرِثَه إن لم يكُنْ له وارثٌ سواهُ؛ لأنَّه قَتَل (١٦) بِحَقٍّ، وإن عَفَا عنه إلى الدِّيَةِ، وَجَبَتْ، وتَقَاصَّا بما بينهما، وما فَضَلَ لأحَدِهما فهو له عَلى أخِيه. وإن لم تكُن الزَّوْجِيَّةُ بين الأبَوَيْنِ قائمةً، فعلى كلِّ واحدٍ منهما القِصاصُ لأخيه؛ لأنَّه وَرِثَ الذي قَتَلَه أخوه وحدَه دُونَ قاتِلِه، فإن بادَرَ أحدُهما فقَتَلَ صاحِبَه، فقد اسْتَوْفَى حَقَّه، وسَقَطَ القِصاصُ عنه؛ لأنَّه يَرثُ أخاه؛ [لكَوْنِه قَتْلًا] (١٧) بحَقٍّ، فلا يَمْنَعُ الميراثَ، إلَّا أن يكونَ للمَقْتُولِ ابنٌ، أو ابنُ ابنٍ يَحْجُبُ القاتِلَ، فيكون له قَتْلُ عَمِّه، ويَرِثُه إن (١٨) لم يكُنْ له وارثٌ سِواهُ. وإن تَشَاحَّا في المُبْتَدِئ

стр. 6026

منهما بالقَتْلِ، احْتَمَلَ أن يُبْدَأَ بقَتْلِ القاتلِ الأوَّلِ؛ لأنَّه أسْبَقُ، واحْتَمَلَ أن يُقْرَعَ بينهما. وهذا قولُ القاضِي، ومذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّهما تساوَيا في الاسْتِحقاقِ، فيَصِيرَا (١٩) إلى القُرْعةِ، وأيُّهما قَتَلَ صاحِبَه أوَّلًا، إمَّا بمُبادَرةٍ (٢٠) أو قُرْعةٍ، وَرِثَه، في قياسِ المذهبِ، إن لم يكنْ له وارثٌ سِوَاهُ، وسَقَطَ عنه القِصاصُ، وإن كان مَحْجُوبًا عن مِيراثه كلِّه، فلِوَارِثِ القتيلِ قَتْلُ الآخَرِ. وإن عَفَا أحدُهما عن الآخَرِ، ثم قَتَلَ المَعْفُوُّ عنه العافِيَ، وَرِثَه أيضًا، وسَقَطَ عنه ما وَجَبَ عليه من الدِّيَةِ. وإن تعافَيَا جميعًا على الدِّيَةِ، تَقَاصَّا بما اسْتَوَيا فيه، ووَجَبَ لقاتِلِ (٢١) الأُمِّ الفَضْلُ على قاتلِ الأبِ؛ لأنَّ عَقْلَ الأُمِّ نِصْفُ عَقْلِ الأبِ. ويتَخَرَّجُ أن يَسْقُطَ القِصاصُ عنهما؛ لِتَساوِيهِما في اسْتِحقاقِه، كسُقوطِ (٢٢) الدِّيَتيْنِ إذا تَساوَتَا، ولأنَّه لا سَبِيلَ إلى اسْتِيفائِهِما معًا (٢٣)، واسْتِيفاءُ أحَدِهما دُونَ الآخَرِ حَيْفٌ، فلا يَجوزُ، فتعَيَّنَ السُّقُوطُ. وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما ابنٌ يَحْجُبُ عَمَّه عن (٢٤) ميراثِ أبِيه، فإذا قَتَلَ أحدُهما صاحِبَه، وَرِثَه ابنُه، ثم لِابْنِه أن يَقْتُلَ عَمَّه، ويَرِثُه ابنُه، ويَرِثُ كلُّ واحدٍ من الابْنَيْنِ مالَ أبِيه ومالَ جَدِّه الذي قَتَلَه عَمُّه دُونَ الذي قتَلَه أَبُوه. وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بنتٌ (٢٥)، فقَتَلَ أحَدُهما صاحِبَه، سَقَطَ القِصاصُ عنه؛ لأنَّه وَرِثَ نصفَ مالِ أخِيه ونصفَ قِصاصِ نَفْسِه، فسَقَطَ عنه القِصاصُ، ووَرِثَ مالَ أبِيه الذي قتَلَه أخُوه ونِصْفَ مالِ أخِيه ونصفَ مالِ أبيه الذي قَتَلَه هو، ووَرِثَتِ البنتُ التي قُتِلَ أبُوها نِصْفَ مالِ أبيها ونصفَ مالِ جَدِّها الذي قتَلَه عَمُّها، ولها على عَمِّها نصفُ دِيَةِ قَتِيلِه.

стр. 6027

فصل: أرْبعةُ إخْوةٍ، قَتَلَ الأوَّلُ الثانِي، والثالثُ الرابعَ، فالقِصاصُ على الثالثِ؛ لأنَّه لمَّا قَتَلَ الرابعَ، لم يَرِثْه، ووَرِثَه الأوَّلُ وَحْدَه (٢٦)، وقد كان للرَّابعِ نِصْفُ قِصاصِ الأوَّل، فرَجَعَ نصفُ قِصاصِه إليه، فسَقَطَ، ووَجَبَ للثالثِ نصفُ الدِّيَةِ، وكان للأوَّلِ قَتْلُ الثالثِ؛ لأنَّه لم يَرِثْ من دَمِ نفْسِه شيئًا، فإن قتَلَه، وَرِثَه في ظاهرِ المذهبِ، ويَرِثُ ما يَرِثُه عن أخِيه الثاني، وإن عَفَا عنه إلى الدِّيَةِ، وجَبَتْ عليه بكمالِها يُقاصّه بنِصْفِها. وإن كان لهما وَرَثةٌ، كان فيها من التَّفْصيلِ مثلُ [الذي في] (٢٧) التي قَبْلَها. ١٤٢٧ - مسألة؛ قال: (ويُقْتَلُ الوَلَدُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا) هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وحَكَى أصحابُنا عن أحمدَ، روايةً ثانيةً، أنَّ الابنَ لا يُقْتَلُ بأبِيه؛ لأنَّه ممَّن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له بحَقِّ النَّسَبِ، فلا يُقْتَلُ به، كالأبِ مع ابْنِه. والمذهبُ أنَّه يُقْتَلُ به؛ للآياتِ، والأخْبارِ، ومُوافقةِ القياسِ، ولأنَّ الأبَ أعْظَمُ حُرْمةً وحَقًّا من الأجْنَبِيِّ، فإذا قُتِلَ بالأجْنَبِيِّ، فبالأبِ أَوْلَى، ولأنَّه يُحَدُّ بقَذْفِه، فيُقْتَلُ به، كالأجْنَبِيِّ. ولا يَصِحُّ قِياسُ الابنِ على الأبِ؛ لأنَّ حُرْمةَ الوالدِ على الوَلَدِ آكَدُ، والابنُ مُضافٌ إلى أبِيه بلامِ التَّمْليكِ، بخِلافِ [الوالدِ مع الولدِ] (١). وقد ذكر أصْحابُنا حديثيْنِ مُتعارِضَيْنِ عن سُراقةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ؛ أحدهما، أنَّه قال: "لَا يُقَادُ الْأبُ مِن ابْنِهِ، وَلَا الابْنُ مِنْ أَبِيه". والثاني أنَّه كان يُقيدُ الأبَ مِنَ ابْنِه، ولا يُقيدُ الابْنَ من أبِيه. رواه الترمِذِيُّ (٢). وهذان الحديثان؛ (٣) الحديثُ الأوَّلُ لا نَعْرِفُه، ولم نَجِدْه في كُتُبِ السُّنَنِ المشهورةِ، ولا أظُنُّ له

стр. 6028

أصْلًا، وإن كان له أصلٌ فهما مُتعارِضانِ مُتَدافِعانِ، يجبُ اطِّرَاحُهُما، والعملُ بالنُّصوصِ الواضِحَةِ الثَّابتةِ، والإِجماعِ الذي لا تجوزُ مُخالَفَتُه. ١٤٢٨ - مسألة؛ قال: (ويُقْتَلُ الجَماعةُ بالواحدِ) وجملتُه أنَّ الجماعةَ إذا قَتَلُوا واحدًا، فعلى كلِّ واحدٍ منهم القِصاصُ، إذا كان كلُّ (١) واحدٍ منهم لو انْفَرَدَ بفِعْلِه وَجَبَ عليه القِصاصُ. رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، والمُغِيرةِ بنِ شُعْبةَ، وابنِ عباسٍ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، وأبو سَلَمةَ، وعطاءٌ، وقَتادةُ. وهو مذهبُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ وأصْحابِ الرَّأْيِ. [وحُكِيَ عن] (٢) أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، لا يُقْتَلُونَ به، وتجِبُ عليهم الدِّيَةُ. وهذا قولُ ابن الزُّبَيْرِ، والزُّهْريِّ، وابنِ سِيرِينَ، وحَبِيبِ بن أبي ثابتٍ، وعبدِ الملك، ورَبِيعةَ، وداودَ، وابنِ المُنْذِرِ. وحكاه ابن أبي مُوسَى عن ابنِ عبَّاسٍ. ورُوِيَ عن مُعاذِ بن جَبَلٍ، وابن الزُّبَيْرِ، وابن سِيرِينَ، والزُّهْرِيِّ، أنَّه يُقْتَلُ منهم واحدٌ، ويُؤْخَذُ من الباقين حِصَصُهُم من الدِّيَةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم مُكافِئٌ له، فلا تُسْتَوْفَى أبْدالٌ بمُبْدَلٍ واحدٍ، كما لا تجبُ دِياتٌ لمقْتولٍ واحدٍ، ولأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (٣). وقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٤). فمُقْتَضاه أنَّه لا يُؤْخَذُ بالنَّفْسِ أكثرُ من نَفْسٍ واحدةٍ، ولأنَّ التَّفاوُتَ في الأوْصافِ يَمْنَعُ، بدليلِ أنَّ الحُرَّ لا يُؤْخَذُ بالعَبْدِ، والتَّفاوُتُ في العَدَدِ أَوْلَى. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا حُجَّةَ مع مَنْ أوْجَبَ قَتْلَ جماعةٍ بواحدٍ. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ، ﵃، رَوَى سعيدُ بن المُسَيَّبِ، أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، قَتَلَ سَبْعةً من أهلِ صَنْعاءَ قَتَلُوا رَجُلًا،

стр. 6029

وقال: لو تَمَالَأَ عليه أهلُ صَنْعاءَ لقَتَلْتُهُم جميعًا (٥). وعن عليٍّ ﵁، أنَّه قَتَلَ ثلاثةً قتلُوا رَجُلًا (٦). وعن ابن عبَّاسٍ أنَّه قَتَلَ جماعةً بواحدٍ (٦)، ولم يُعْرَفْ لهم في عَصْرِهِم مُخالِفٌ، فكان إجماعًا، ولأنَّها عُقوبةٌ تجبُ [للواحدِ على الواحدِ، فوَجَبَتْ للواحدِ] (٧) على الجماعةِ، كحَدِّ القَذْفِ. ويُفارِقُ الدِّيَةَ، فإنَّها تتَبَعَّضُ، والقِصاصُ لا يتبعَّضُ، ولأنَّ القِصاصَ لو سَقَطَ بالاشْتِراكِ، أدَّى إلى التَّسارُعِ إلى القَتْلِ به، فيُؤَدِّي إلى إسْقاطِ حِكْمةِ الرَّدْعِ والزَّجْرِ. فصل: ولا يُعْتَبرُ في وُجُوبِ القِصاصِ على المُشْتَركِينَ التَّساوِى في سَبَبه، فلو جَرَحَه رجلٌ جُرْحًا والآخرُ مائةً، أو جَرَحَه أحدُهما مُوضِحَةً والآخَرُ آمَّةً، أو أحدُهما جائِفةً والآخرُ غيرَ جائفةٍ، فمات، كانا سَواءً في القِصاصِ والدِّيَةِ؛ لأنَّ اعتبارَ التَّساوِى يُفْضِي إلى سُقُوطِ القِصاصِ عن المُشْتركِينَ، إذْ لا يكادُ جُرْحانِ يتَسَاويانِ من كلِّ وَجْهٍ، ولو احْتَمَلَ التَّساوِيَ لم يَثْبُتِ الحُكْمُ؛ لأنَّ الشَّرْطَ يُعْتَبرُ العِلْمُ بوُجُودِه، ولا يُكْتَفَى باحْتمالِ الوُجُودِ، بل الجَهْلُ بوُجُودِه كالعِلْمِ بعَدَمِه في انْتِفاءِ الحُكْمِ، ولأنَّ الجُرْحَ الواحدَ يَحْتَمِلُ أن يموتَ منه دون المائةِ، كما يَحْتَمِلُ أن يموتَ من المُوضِحَةِ دونَ الآمَّةِ، ومن غير الجائِفَةِ دون الجائفةِ، ولأنَّ الجِراحَ إذا صارت نَفْسا سَقَطَ اعْتِبارُها، فكان حكمُ الجماعةِ كحكمِ الواحدِ، ألا تَرَى أنَّه لو قَطَعَ أطْرافَه كلَّها فمات، وَجَبَتْ دِيَةٌ واحدةٌ، كما لو قَطَعَ طَرَفَه فماتَ. فصل: إذا اشتَرَكَ ثلاثةٌ في قَتْلِ رَجُلٍ، فقَطَعَ أحدُهُم يَدَه، والآخرُ رِجْلَه، وأَوْضَحَه الثالثُ، فماتَ، فللوَلِيِّ قَتْلُ جَمِيعِهِم، والعفوُ عنهم إلى الدِّيَةِ، فيأخذُ من كلِّ واحدٍ ثُلُثَهَا، وله أن يَعْفُوَ عن واحدٍ، فيأخذَ منه ثُلُثَ الدِّيَةِ، ويَقْتُلَ الآخَرَينِ، وله أن يَعْفُوَ عن اثنَيْنِ، فيأخذَ منهما ثُلُثَيِ الدِّيَةِ، ويقتلَ الثالثَ، فإن بَرَأتْ

стр. 6030

جِراحةُ أحَدِهِم، ومات من الجُرْحَيْنِ الآخَرَينِ، فله أن يَقْتَصَّ من الذي بَرَأَ جُرْحُه بمثل جُرْحِه، ويَقْتُلَ الآخَرَيْنِ، أو يَأْخُذَ منهما دِيَةً كاملةً، أو يَقْتُلَ أحَدَهُما ويأخذَ من الآخرِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وله أن يَعْفُوَ عن الذي بَرَأَ جُرْحُه، ويَأْخُذَ منه دِيَةَ جُرْحِه. فإن ادَّعَى المُوضِحُ أنَّ جُرْحَه بَرَأَ قبل مَوْتِه، وكَذَّبَه شَرِيكاه، نظَرْتَ في الوَلِيِّ، فإن صَدَّقَه ثَبَتَ حكمُ البُرْءِ بالنِّسْبةِ إليه، فلا يَمْلِكُ قَتْلَه، ولا مُطَالَبَتَه بثُلُثِ الدِّيَةِ، وله أن يَقْتصَّ منه مُوضِحةً، أو يأخُذَ منه أَرْشَها، ولم يُقْبَلْ قولُه في حَقِّ شَرِيكَيْه (٨)؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ البُرْءِ فيها، لكنْ ان اخْتارَ الوَلِيُّ القِصاصَ، فلا فائدةَ لهما في إنْكارِ ذلك؛ لأنَّ له أن يَقْتُلَهما، سَواءٌ بَرَأَتْ أو لم تَبْرَأْ. وإن اخْتارَ الدِّيَةَ، لم يَلْزَمْهُما أكثرُ من ثُلُثَيْها. وإن كَذَّبَه الوَليُّ، حَلَفَ، وله الاقْتِصاصُ منه، أو مُطَالَبَتُه بثُلُثِ الدِّيَةِ، ولم يكُنْ له مُطالَبةُ شَرِيكَيْه (٨) بأكثرَ من ثُلُثَيها (٩). فإن شَهِدَ له شَرِيكاه بِبُرْئِها، لَزِمَهُما الدِّيَةُ كاملةً؛ لإِقْرارِهما بوُجُوبِها، وللوَلِيِّ أخْذُها منهما إن صَدّقَهُما، وإن لم يُصَدِّقْهما، وعَفَا إلى الدِّيَةِ، لم يكُنْ له أكثرُ من ثُلُثَيْها؛ لأنَّه لا يَدَّعِي أكثرَ من ذلك. وتُقْبَلُ شَهادَتُهما له، ان كانا قد تَابَا وعُدِّلَا؛ لأنَّهما لا يَجُرَّانِ إلى أَنْفُسِهِما بذلك نَفْعًا، فيَسْقُطُ القِصاصُ عنه، ولا يَلْزَمُه أكثرُ من أرْشِ مُوضِحَةٍ. فصل: إذا قَطَعَ رَجُلٌ يَدَه من الكُوعِ، ثم قَطَعها آخَرُ من المَرْفِقِ، ثم مات، نَظَرْتَ؛ فإن كانت جِراحةُ الأوَّلِ بَرَأتْ قبلَ قَطْعِ الثاني، فالثاني هو القاتلُ وحدَه، وعليه القَوَدُ، أو الدِّيَةُ كاملةً، إن عَفَا عن قَتْلِه، وله قَطْعُ يَدِ الأوَّلِ، أو نِصْفُ (١٠) الدِّيَةِ، وإن لم تَبْرَأْ، فهما قاتِلانِ، وعليهما القِصاصُ في النَّفْسِ، وإن عَفَا إلى الدِّيَةِ، وجَبَتْ عليهما. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: [القاتلُ هو] (١١) الثاني وحدَه،

стр. 6031

ولا قِصاصَ على الأوَّل في النّفْسِ؛ لأنَّ قَطْعَ الثاني قَطْعُ سِرَايَةٍ، قَطَعهُ ومات بعدَ زَوالِ جِنَايَتِه، فأشْبَهَ ما لو انْدَمَلَ جُرْحُه. وقال مالك: إن قَطَعَه الثاني عَقِيبَ قَطْعِ الأوَّلِ، قُتِلا جميعًا، وإن عاش بعدَ قَطْعِ الأوَّلِ حتى أكَلَ وشَرِبَ، ومات عَقِيبَ قطعِ الثاني، فالثاني هو القاتلُ وحدَه، وإن عَاش بعدَهما حتى أكَلَ وشَرِبَ، فللأَوْلياءِ أن يُقْسِمُوا على أَيِّهِما شاءُوا ويَقْتُلُوه. ولَنا، أنَّهما قَطْعانِ لو مات بعدَ كلِّ واحدٍ منهما وحدَه، لوَجَبَ عليه القِصاصُ، فإذا مات بعدَهما، وجَبَ عليهما القِصاصُ، كما لو كان في يَدَيْنِ، ولأنَّ القَطْعَ الثانيَ لا يَمْنَعُ جِنايَتَه بعدَه، فلا يَسْقُطُ حُكْمُ ما قبلَه، كما لو كان في يَدَيْنِ، ولا نُسَلِّمُ زَوَالَ جنايَتِه، ولا قَطْعَ سِرَايَتِهِ، فإنَّ الألمَ الحاصِلَ بالقَطْعِ الأوَّلِ لم يَزُلْ، وإنَّما انْضَمَّ إليه الألَمُ الثاني، فضَعُفَتِ (١٢) النَّفْسُ عن احْتِمالهما (١٣)، فزَهَقَتْ بهما، فكان (١٤) القَتْلُ بهما، ويُخالِفُ الانْدِمالَ؛ فإنَّه لا يَبْقَى معه الألمُ الذي حَصَلَ في الأعْضاءِ الشَّرِيفةِ، فاخْتَلَفا. فإن ادَّعَى الأوَّلُ أنَّ جُرْحَه انْدَمَلَ، فصَدَّقَه الولِيُّ، سَقَطَ عنه القتلُ، ولَزِمَه القِصاصُ في اليَدِ أو نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن كَذَّبَه شَرِيكُه، واخْتارَ الوَلِيُّ القِصاصَ، فلا فائِدةَ له في تَكْذِيبهِ؛ لأنَّ قَتْلَه واجِبٌ، وإن عَفَا عنه إلى الدِّيَةِ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ولا يَلْزَمهُ أكثرُ من نِصْفِ الدِّيَةِ. وإن كَذَّبَ الوليُّ الأوَّلَ، حَلَفَ، وكان له قَتْلُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ما ادَّعاه. ولو ادَّعَى الثاني انْدِمالَ جُرْحِه، فالحكمُ فيه كالحُكْمِ في الأوَّلِ إذا ادَّعَى ذلك. ١٤٢٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا قَطَعُوا يَدًا (١)، قُطِعَتْ نَظِيرَتُهَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمْ) وجملتُه أنَّ الجماعةَ إذا اشْتَرَكُوا في جُرْحٍ مُوجِبٍ للقِصاصِ، وَجَبَ القِصاصُ على

стр. 6032

جَمِيعِهِم. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وابنُ المُنْذِرِ: لا تُقْطَعُ يَدانِ بيَدٍ واحدةٍ. ويتَعَيّنُ ذلك وَجْهًا في مذهبِ أحمدَ؛ لأنَّه رُوِيَ عنه أنَّ الجماعةَ لا يُقْتَلُونَ بالواحدِ. وهذا تَنْبِيهٌ على أنَّ الأطْرافَ لا تُؤْخَذُ بطَرَفٍ واحدٍ؛ لأنَّ الأطرافَ يُعْتَبرُ التَّساوِي فيها، بدَلِيلِ أنَّا لا نأْخُذُ الصَّحِيحةَ بالشَّلَّاءِ، ولا كامِلَةَ الأصابِعِ بنَاقِصَتِها، ولا أصْلِيَّةً بزائدةٍ، ولا زائدةً بأصْليَّةٍ، ولا يَمِينًا بيَسارٍ، ولا يَسارًا بيَمِينٍ، ولا نُساوِي بينَ الطَّرَفِ والأطْرافِ، فوَجَبَ امْتِناعُ القِصاصِ بينهما، ولا يُعْتَبَرُ التَّساوِي في النَّفْسِ، فإنَّنا نأخذُ الصَّحِيحَ بالمَرِيضِ (٢)، وصَحِيحَ الأطرافِ بمَقْطُوعِها وأشَلِّها، ولأنَّه يُعْتبَرُ في القِصاصِ في الأطْرافِ التَّساوِي في نَفْسِ القَطْعِ، بحيث لو قطَع كلُّ واحدٍ من جانبٍ، لم يجبِ القِصاصُ، بخلافِ النَّفْسِ، ولأنَّ الاشْتراكَ المُوجِبَ للقِصاصِ في النفسِ يَقَعُ كثيرًا، فوَجَبَ القِصاصُ زَجْرًا عنه، كيْلا يُتَّخَذَ وَسِيلةً إلى كَثْرةِ القَتْلِ، والاشتراكُ المُخْتَلَفُ فيه لا يَقَعُ إلَّا في غايةِ النُّدْرَةِ، فلا حاجةَ إلى الزَّجْرِ عنه، ولأنَّ إيجابَ القِصاصِ على المُشْترِكِينَ في النَّفْسِ يَحْصُلُ به الزَّجْرُ عن كلِّ اشْتراكٍ، أو عن (٣) الاشْتِراكِ المُعْتادِ، وإيجابُه على (٤) المُشْترِكينَ في الطَّرَفِ، لا يحْصُلُ به الزَّجْرُ عن الاشْتِراكِ المُعْتادِ، ولا عن شيءٍ من الاشْتِراكِ، إلَّا عن (٥) صُورَةٍ نادرةِ الوُقُوعِ، بعيدةِ الوُجُودِ، يُحْتاجُ في وُجُودِها إلى تَكَلُّفٍ، فإيجابُ القِصاصِ للزَّجْرِ عنها يكونُ مَنْعًا لشىءٍ مُمْتَنِعٍ بنَفسِه لصُعُوبَتِه، وإطْلاقًا في القَطْعِ السَّهْلِ المُعْتادِ بنَفْيِ القِصاصِ عن فاعِلِه، وهذا لا فائِدةَ فيه، بخلافِ الاشْتِراكِ في النَّفْسِ، يُحَقِّقُه أنَّ وُجُوبَ القِصاصِ على (٦) الجماعةِ بواحدٍ في النَّفْسِ والطَّرَفِ على خلافِ الأصْلِ، لكَوْنِه يَأْخُذُ في الاسْتِيفاءِ زِيادَةً على ما فوَّتَ

стр. 6033

عليه (٧)، ويُخِلُّ بالتماثُلِ المَنْصُوصِ على النَّهْيِ عمَّا عَدَاه، وإنَّما خُولِفَ هذا الأصلُ في الأنْفُسِ، زَجْرًا عن الاشْتراكِ الذي يَقَعُ القَتْلُ به غالِبًا، ففيما عَدَاه يَجِبُ البقاءُ على أصْلِ التَّحْريمِ، ولأنَّ النَّفسَ أشْرَفُ من الطَّرَفِ، ولا يَلْزَمُ من المُحافظةِ عليها بأَخْذِ الجماعةِ بالواحدِ، المَحافَظةُ على ما دُونَها بذلك. ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ شاهِدَيْنِ شَهِدا عندَ عليٍّ، ﵁، على رَجُلٍ بالسَّرِقةِ، فقَطَعَ يَدَه، ثم جاءَا بآخَرَ، فقالا (٨): هذا هو السَّارِقُ، وأخْطَأْنا في الأوَّلِ. فرَدَّ شَهادَتَهُما على الثاني، وغَرَّمَهُما دِيَةَ يَدِ (٩) الأوَّلِ، وقال: لو عَلِمْتُ أنَّكما تَعَمّدْتُما، لَقَطَعْتُكُما (١٠). فأخْبَرَ أن القِصاصَ على كلِّ واحدٍ منهما لو تَعَمَّدَا قَطْعَ يَدٍ (١١) واحدةٍ. ولأنَّه أحدُ نَوْعَيِ القِصاصِ، فتُؤْخَذُ الجماعةُ بالواحدِ كالأنْفُسِ، وأمَّا اعتبارُ التَّساوِي، فمِثْلُه في الأنْفُسِ، فإنَّنا نَعْتَبِرُ التَّساوِىَ فيها، فلا نأخُذُ مُسْلِمًا بكافرٍ، ولا حُرًّا بعَبْدٍ، وأمَّا أخْذُ صحيحِ الأطْرافِ بمَقْطُوعِها، فَلأنَّ الطَّرَفَ ليس هو (١٢) من النَّفْسِ المُقْتَصِّ (١٢) منها، وإنما يفُوتُ تَبَعًا، ولذلك كانت دِيَتُهُما (١٣) واحدةً، بخلافِ اليَدِ النَّاقصةِ والشَّلَّاءِ مع الصَّحِيحةِ، فإنَّ دِيَتَهُما (١٣) مُخْتلِفةٌ. وأمَّا اعْتبارُ التَّساوِي في الفِعْل، فإنَّما اعْتُبِرَ في الْيَدِ لأنَّه يُمْكِنُ مُباشَرَتُها بالقَطْعِ، فإذا قَطَعَ كلُّ واحدٍ منهما (١٤) من جانبٍ، كان فِعْلُ كلِّ واحدٍ منهما مُتَمَيِّزًا عن فِعْلِ صاحِبهِ، فلا يجبُ على إنْسانٍ قَطْعُ مَحَلٍّ لم يقْطَعْ مثلَه، وأمَّا النَّفْسُ، فلا يُمْكِنُ مُباشَرَتُها بالفعلِ، وإنما أفْعالُهم في البَدَنِ، فيُفْضِي ألَمُه إليها فتَزْهَقُ، ولا يتَمَيّزُ ألمُ فِعْلِ أحَدِهما من ألَمِ فِعْلِ الآخَرِ، فكانا كالْقاطِعَيْنِ في مَحَلٍّ واحدٍ،

стр. 6034

ولذلك (١٥) لا يُسْتَوْفَى من الطَّرَفِ إلَّا في المَفْصِلِ الذي قَطَعَ الجانِي منه، ولا يجوزُ تَجاوُزُه، وفي النَّفْسِ لو قَتَلَه بجُرْحٍ في بَطْنِه أو جَنْبِه أو غيرِ ذلك، كان الاسْتِيفاءُ من العُنُقِ دون المَحَلِّ الذي وقَعَتِ الجِنايةُ فيه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يَجِبُ القِصاصُ على المُشْتركينَ في الطَّرَفِ، إذا اشترَكُوا فيه على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ فِعْلُ أحَدِهم عن فِعْلِ الآخَرِ؛ إمَّا بأن يشْهدُوا عليه بما يُوجِبُ قَطْعَه، فيُقْطَعُ، ثم يَرْجِعُونَ عن الشَّهادةِ، أو يُكْرِهُوا إنسانًا على قَطْعِ طَرَفٍ، فيَجِبُ قَطْعُ المُكْرِهِينَ كلِّهم والمُكْرَه، أو يُلْقُوا صَخْرةً على طَرَفِ إنسانٍ، فيَقْطَعه، أو يَقْطَعُوا يَدًا، أو يَقْلَعُوا عَينًا، بضَرْبةٍ واحدةٍ، أو يَضَعُوا حَدِيدةً على مَفْصِلٍ، ويتَحامَلُوا عليها جميعًا، أو يَمُدُّوهَا، فتَبِينُ، فإن قَطَعَ كلُّ واحدٍ منهم من جانبٍ، أو قَطَعَ أحدُهم بعضَ المَفْصِلِ، وأتَمَّه غيرُه، أو ضَرَبَ كلُّ واحدٍ ضَرْبةً، أو وَضَعُوا مِنْشارًا على مَفْصِلِه، ثم مَدَّه كلُّ واحدٍ إليه مَرَّةً (١٦) حتى بانَتِ الْيَدُ، فلا قِصاصَ فيه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم (١٧) لم يَقْطَع اليَدَ، ولم يُشارِكْ في قَطْعِ جَمِيعِها، وإن كان فِعْلُ (١٨) واحدٍ منهم يُمْكِنُ الاقْتِصاصُ بمُفْرَدِه، اقْتُصَّ منه. وهذا مذهبُ الشافِعيِّ. ١٤٣٠ - مسألة؛ قال: (وَإذَا قَتَلَ الْأَبُ وغَيْرُهُ عَمْدًا، قُتِلَ مَنْ سِوَى الْأَبِ) وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وعن أحمدَ، رِوايةٌ أُخْرَى، لا قِصاصَ على واحدٍ منهما. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْيِ؛ لأنَّه قَتْلٌ تَرَكَّبَ من مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِبٍ، فلم يُوجِبْ، كقَتْلِ العامِدِ والخاطىءِ، والصَّبِيِّ والبالغِ، والمَجْنُونِ والعاقِلِ. ولَنا، أنَّه شارَكَ في القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ مَن (١) يُقْتَلُ به لو انْفَرَدَ بقَتْلِه، فوَجَبَ عليه القِصاصُ،

стр. 6035

كشَرِيكِ الأجْنَبِيِّ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ فِعْلَ الأبِ غيرُ مُوجِبٍ؛ فإنَّه يَقْتَضِي الإِيجابَ لكَوْنِه تمَحَّضَ عَمْدًا عُدْوانًا، والجِنايةُ به أعْظَمُ إثْمًا، أكثرُ جُرْمًا، ولذلك خَصَّه اللهُ تعالى بالنَّهْيِ عنه، فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أوْلَادَكُمْ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٢). ولما سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عن أعْظَمِ الذَّنْبِ، قال: "أنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، ثُمَّ أنْ تَقتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ" (٣). فجَعَلَه أعْظَمَ الذُّنُوبِ بعدَ الشِّرْكِ، ولأنَّه قَطَعَ الرَّحِمَ التي أَمَرَ اللهُ تعالى بصِلَتِها، ووَضَعَ الإِساءةَ مَوْضِعَ الإِحْسانِ، فهو أوْلَى بإيجابِ العُقُوبةِ والزَّجْرِ عنه، وإنما امْتَنَعَ الوُجُوبُ في حَقِّ الأب لمعنًى مُخْتَصٍّ بالمَحَلِّ، لا لِقُصُورٍ في السَّببِ المُوجِبِ، فلا يَمْتَنِعُ عَمَلُه في المَحَلِّ الذي لا مانِعَ فيه، وأمَّا شَرِيكُ الخاطِىءِ، فلَنا فيه مَنْعٌ، ومع التَّسْليمِ فامْتِناعُ الوُجُوبِ فيه لقُصُورِ السَّبَبِ عن الإِيجابِ، فإنَّ فِعْلَ الخاطىءِ غيرُ مُوجِبٍ للقِصاصِ، ولا صالحٍ له، والقَتْلُ منه ومن شَرِيكه غيرُ مُتَمَحِّضٍ عَمْدًا؛ لوُقُوعِ الخَطَإِ في الفِعْلِ الذي حَصَلَ به زُهُوقُ النَّفْسِ، بخلافِ مَسْألَتِنا. فصل: وكلُّ شَرِيكَيْنِ امْتَنَعَ القِصاصُ في حَقِّ أحَدِهما، لمعنًى فيه من غيرِ قُصُورٍ في السَّبَبِ، فهو في وُجُوبِ القِصاصِ على شَرِيكِه كالأبِ وشَرِيكِه، مثل أن يَشْتَرِكَ مسلمٌ وذِمِّيٌّ في قَتْلِ [ذِمِّيٍّ، أو حُرٍّ وعبدٍ في قَتْلِ] (٤) عَبْدٍ، عَمْدًا عُدْوانًا، فإنَّ القِصاصَ لا

стр. 6036

يَجِبُ على المسلمِ والحُرِّ، ويجبُ على الذِّمِّيِّ والعبدِ، إذا قُلْنا بوُجُوبِه على شَرِيكِ الأبِ؛ لأنَّ امْتِناعَ القِصاصِ عن المسلمِ لإِسْلامِه، وعن الحُرِّ لحُرِّيَّتِه، وانْتفاءِ مُكافأةِ المَقتُولِ له، وهذا المعنى لا يتَعَدَّى إلى فِعْلِه، ولا إلى شَرِيكِه، فلم يَسْقُطِ القِصَاصُ عنه. وقد نقَلَ عبدُ اللَّه بن أحمدَ، قال: سألتُ أبِي عن حُرٍّ وعبدٍ قَتَلَا عَبْدًا عَمْدًا، قال: أمَّا الحُرُّ فلا يُقْتَلُ بالعَبْدِ، وعلى الحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ العَبْدِ في مالِه، والعَبْدُ إن شاء سَيِّدُه أسْلَمَه، وإلَّا فَدَاه بنِصْفِ قِيمَةِ العَبْدِ. وظاهرُ هذا أنَّه لا قِصاصَ على العبدِ، فيُخَرَّجُ مثلُ ذلك في كلِّ قَتْلٍ شارَكَ فيه مَنْ لا يَجِبُ عليه القِصاصُ. ١٤٣١ - مسألة؛ قال: (وإذَا اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ صَبِيٌّ ومَجْنُونٌ وبَالِغٌ، لَم يُقْتَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وعَلَى الْعَاقِلِ ثُلُثُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ، وعَلَى عاقِلَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الصَّبِيِّ والْمَجْنُونِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وعِتْقُ رقَبَتَيْنِ في أمْوَالِهِما؛ [لِأَنَّ عَمْدَهُمَا خطَأٌ] (١)) أمَّا إذا شارَكَ (٢) في القَتْلِ مَن لا قِصاصَ عليه لمَعْنًى في فِعْلِه (٣)؛ كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، فالصَّحِيحُ في المذهبِ أنَّه لا قِصاصَ عليه. وبهذا قال الحسنُ، والأوْزَاعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه. وهو أحدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ. وعن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّ القَوَدَ يجبُ على البالغِ العاقلِ. حَكاها ابنُ (٤) المُنْذِرِ عن أحمدَ. وحُكِيَ ذلك عن مالكٍ. وهو القوُل الثاني للشافعيِّ. ورُوِي ذلك عن قَتادةَ، والزُّهْرِيِّ، وحَمَّادٍ؛ لأنَّ القِصاصَ عُقُوبةٌ تَجِبُ عليه جَزاءً لِفِعْلِه، فمتى كان فِعْلُه عَمْدًا عُدْوانًا، وجَبَ القِصاصُ عليه، ولا نَظَرَ (٥) إلى فِعْلِ شَرِيكِه بحالٍ، ولأنَّه شارَكَ في القَتْلِ عَمْدًا عُدْوانًا، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، كشَرِيكِ الأجْنَبِيِّ، وذلك لأنَّ الإِنْسانَ إنَّما

стр. 6037

يُؤَاخَذُ (٦) بفِعْلِه لا بفِعْلِ غيرِه. فعلى هذا، يُعْتَبرُ فِعْلُ الشَّرِيكِ مُنْفَرِدًا، فمتى تمَحَّضَ عَمْدًا عُدْوانًا، وكان المقتولُ مُكافِئًا له، وَجَبَ عليه القِصاصُ. وبَنَى الشافِعيُّ قولَه على أنَّ فِعْلَ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ إذا تعَمَّدَاه عَمْدٌ؛ لأنَّهما يَقْصِدان القَتْلَ، وإنَّما سُقُوطُ القِصاصِ عنهما لمعنًى فيهما، وهو عَدَمُ التَّكْليفِ، فلم يَقْتَضِ سُقُوطَه عن شَرِيكِهِما، كالأُبُوَّةِ. ولَنا، أنَّه شَارَكَ مَنْ لا مَأْثَمَ عليه في فِعْلِه، فلم يَلْزَمْه قِصاصٌ، كشَرِيكِ الخاطئِ, ولأنَّ الصَّبِيَّ والمَجْنونَ لا قَصْدَ لهما صحيحٌ، ولهذا لا يَصِحُّ إقْرارُهما، فكان حكمُ فِعْلِهِما حُكْمَ الخطإِ، وهذا معنى قولِ الخِرَقِيِّ: عَمْدُهما خَطَأٌ. أي في حُكْمِ الخَطَإِ في انْتِفاءِ القِصاصِ عنه (٧)، ومِقْدارِ (٨) دِيَتِه، وحَمْلِ عاقِلَتِهِما إيَّاها، ووُجُوبِ الكَفَّارةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عليهم أثْلاثًا، على كلِّ واحدٍ منهم ثُلُثُها؛ لأنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ المَحَلِّ، ولذلك اخْتلَفَتْ باخْتِلافِه، والمَحَلُّ المُتْلَفُ واحدٌ، فكانت دِيَتُه واحدةً، ولأنَّها تتَقَدَّرُ بقَدْرِه، أمَّا القِصاصُ، فإنَّما كَمَلَ في كلِّ واحدٍ لأنَّه جَزَاءُ الفِعْلِ، وأفْعالُهُم مُتَعَدِّدةٌ، فتَعَدَّدَ (٩) في حَقِّهِم، وكَمَلَ في حَقِّ كلِّ واحدٍ، كما لو قَذَفَ جماعةٌ واحدًا، إلَّا أنَّ الثُّلُثَ الواجبَ على المُكَلَّفِ يَلْزَمُه (١٠) في مالِه حالًّا؛ لأنَّ فِعْلَه عَمْدٌ، والعاقِلَةُ لا تَحْمِلُ العَمْدَ، وما يَلْزَمُ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ، فعلى عاقِلَتِهِما؛ لأنَّ عَمْدَهُما خطأٌ، والعاقِلةُ تَحْمِلُ جِنايةَ الخَطَإِ إذا بَلَغَتْ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وتكونُ مُؤَجَّلَةً عامًا، فإنَّ الواجِبَ متى كان ثُلثَ الدِّيةِ، كان أجَلُه عامًا، ويَلْزَمُ كلَّ واحدٍ منهما الكفَّارَةُ في (١١) مالِه؛ لأنَّ فِعْلَهُما خطأٌ، والقاتِلُ الخاطِئُ والمُشارِكُ في القَتْلِ خَطَأً، يَلْزَمُه كَفّارَةٌ؛ لأنَّها لا تجبُ بَدَلًا عن المَحَلِّ، ولهذا لم تخْتلِفْ، وإنَّما

стр. 6038

وجَبَتْ تَكْفِيرًا للفِعْلِ، ومَحْوًا لأَثَرِه، فوَجَبَ (١٢) تَكْمِيلُها، كالقِصَاصِ. ١٤٣٢ - مسألة؛ قال: (ويُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى، والْأُنْثَى بِالذَّكَرِ) هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم النخعيُّ، والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وعمرُ بن عبد العزيزِ، ومالكٌ، وأهلُ المدينةِ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وغيرُهمِ. ورُوِيَ عن عليٍّ، ﵁، أنَّه قال: يُقْتَلُ الرجلُ بالمرأةِ، ويُعْطَى أولياؤُه نِصْفَ الدِّيَةِ. أخْرَجه سعيدٌ (١). ورُوِيَ مثلُ هذا عن أحمدَ. وحُكِيَ ذلك عن الحسنِ، وعطاءٍ. وحُكِيَ عنهما مثلُ قَوْلِ الجماعةِ. ولَعَلَّ مَنْ ذَهَبَ إلى القولِ الثاني يَحْتَجُّ بقولِ عليٍّ، ﵁، ولأنَّ عَقْلَها نِصْفُ عَقْلِه، فإذا قُتِلَ بها بَقِيَ له بَقِيَّةٌ، فاسْتُوفِيَتْ ممَّن قَتَلَه. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢). وقولُه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (٣). مع عُمومِ سائرِ النُّصوصِ، وقد ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ يَهُودِيًّا رَضَّ رأسَ جارِيةٍ من الأنْصارِ (٤)، ورَوَى أبو بكرِ بن محمدِ بن عمرِو بن حَزْمٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كَتَبَ إلى أهلِ الْيَمَنِ بكتابٍ فيه الفرائضُ والأسْنانُ، وأنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بالمرأةِ (٥). وهو كِتابٌ مشهورٌ عند أهلِ العلمِ، مُتَلَقَّى بالقَبُولِ عندَهم، ولأنَّهما شَخْصانِ يُحَدُّ كلُّ واحدٍ منهم (٦) بقَذْفِ صاحِبِه، فقُتِلَ كلُّ واحدٍ منهما بالآخَرِ،

стр. 6039

كالرَّجُلَيْنِ، ولا يجبُ مع القِصاصِ شيءٌ؛ لأنَّه قِصاصٌ واجبٌ، فلم يَجِبْ (٧) معه شيءٌ على المُقْتَصِّ، كسائرِ القِصاصِ، واخْتِلافُ الأبْدالِ لا عِبْرةَ به في القِصاصِ، بدليلِ أنَّ الجماعةَ يُقْتَلُونَ بالواحدِ، والنَّصْرانِيَّ يُؤْخَذُ بالمَجُوسِيِّ، مع اخْتلافِ دِينَيْهِما، ويُؤْخَذُ العَبْدُ بالعبدِ، مع اخْتلافِ قِيمَتِهِما. فصل: ويُقْتَلُ كلُّ واحدٍ من الرجلِ والمرأةِ بالخُنْثَى، ويُقْتَلُ بهما؛ لأنَّه لا يَخْلُو من أن يكونَ ذكَرًا أو أُنْثَى. ١٤٣٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْسِ قِصَاصٌ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا فِي الْجِرَاحِ) وجملتُه أنَّ كلَّ شَخْصينِ جَرَى بينهما القِصاصُ في النَّفْسِ، جَرَى القِصاصُ بينهما في الأَطْرافِ، فيُقْطَعُ الحُرُّ المسلمُ بالحُرِّ المسلمِ، والعَبْدُ بالعبدِ، والذِّميُّ بالذِّمِّيِّ، والذَّكرُ بالأُنْثَى، والأُنْثَى بالذَّكَرِ، ويُقْطَعُ النَّاقِصُ بالكاملِ، كالعبدِ بالحُرِّ، والكافرِ بالمسلمِ. ومَنْ لا يُقْتَلُ بقَتْلِه، لا يُقْطَعُ طَرَفُه بطَرَفِه، فلا يُقْطَعُ مسلمٌ بكافرٍ، ولا حُرٌّ بعبدٍ، ولا والدٌ (١) بولدٍ. وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وإسحاقُ، وابنُ المُنذِرِ. وقال (٢) أبو حنيفةَ: لا قِصاصَ في الطَّرَفِ بين مُخْتَلِفي البَدَلِ، فلا يُقْطَعُ الكاملُ بالناقصِ، ولا النَّاقصُ بالكاملِ، ولا الرَّجُلُ بالمرأةِ، ولا المرأةُ بالرَّجُلِ، ولا الحرُّ بالعبدِ، ولا العبدُ بالحُرِّ (٣)، ويُقْطَعُ المسلمُ بالكافرِ، والكافُر بالمسلمِ؛ لأنَّ التَّكافُؤَ مُعْتَبرٌ في الأطْرافِ، بدليلِ أنَّ الصَّحِيحةَ لا تُؤْخَذُ بالشَّلَّاءِ، ولا الكاملةَ بالنَّاقصةِ، فكذا لا يُؤْخَذُ طَرَفُ الرجلِ بطَرَفِ المرأةِ، ولا يُؤْخَذُ طَرَفُها بطَرَفِه،

стр. 6040

كما لا تؤخذُ اليُسْرَى باليُمْنَى. ولَنا، أنَّ مَنْ جَرَى بينهما القِصاصُ في النفسِ (٤)، جَرَى (٥)، في الطَّرَفِ، كالحُرَّيْنِ، وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بالقِصاصِ في النَّفْسِ، فإنَّ التَّكافُؤَ مُعْتَبرٌ، بدليلِ أنَّ المسلمَ لا يُقْتَلُ بمُسْتَأْمنٍ، ثم يَلْزَمُه أن يَأْخُذَ النَّاقِصةَ بالكاملةِ؛ لأنَّ المُماثلةَ قد وُجِدَتْ وزيادَةٌ، فوَجَبَ أخْذُها بها إذا رَضِيَ المُسْتَحِقُّ، كما تُؤْخَذُ ناقِصةُ الأصابعِ بكاملةِ الأصابعِ، وأمَّا اليَسارُ واليمينُ، فيَجْرِيانِ مَجْرَى النَّفْسَيْنِ (٦)، لِاختلافِ مَحَلَّيْهِما، ولهذا استوَى بَدَلُهما، فعُلِمَ أنَّها ليست ناقِصةً عنها شَرْعًا، ولا العِلَّةُ فيهما (٧) ذلك. ١٤٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا قَتَلَاهُ، وأحَدُهُمَا مُخْطِئُ، والْآخَرُ مُتَعَمِّدٌ، فَلَا قَوَدَ عَلَى وَاحدٍ مِنْهُمَا، وعَلَى الْعَامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ، وعَلَى عَاقِلَةِ المُخْطِئِ نِصْفُهَا، وعَلَيْهِ فِي مَالِهِ عِتْقُ رَقَبةٍ مُؤْمِنَةٍ) أمَّا المُخْطِيءُ، فلا قِصاصَ عليه، للكِتَاب والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، أمَّا الكتابُ فقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (٢). وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَإِ والنِّسْيانِ" (٣). وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّه لا قِصاصَ عليه، وأمَّا شَرِيكُه فأكْثَرُ أهلِ العلمِ لا يَرَوْنَ عليه قِصاصًا. وبه قال النَّخَعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ عليه

стр. 6041

القِصَاصَ. وحكى ذلك [عن مالكٍ] (٤)؛ لأنَّه شارَكَ في القَتْلِ عَمْدًا عُدْوانًا، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، كشَرِيكِ العامِدِ، ولأنَّ مُؤاخَذَتَه بفِعْلِه، وفِعْلُه عَمْدٌ وعُدْوانٌ (٥) لا عُذْرَ له فيه. ولَنا، أنَّه قَتْلٌ لم يتَمَحَّضْ عَمْدًا، فلم يُوجِبِ القِصَاصَ، كشِبْهِ العَمْدِ، وكما لو قَتَلَه واحدٌ بجُرْحَيْنِ عَمْدًا وخَطَأً، ولأنَّ كلَّ واحدٍ من الشَّرِيكَيْنِ مُباشِرٌ ومُتَسَبِّبٌ (٦)، فإذا كانا عامِدَيْنِ، فكلُّ واحدٍ مُتَسَبِّبٌ إلى فِعْلٍ مُوجِبٍ للقِصاصِ، فقام فِعْلُ شَرِيكهِ مَقامَ فِعْلِه لِتَسَبُّبِه إليه، وههُنا إذا أقَمْنا المُخْطِئَ مُقامَ (٧) العامدِ، صار كأنَّه قَتَلَه بعَمْدٍ وخَطإٍ، وهذا غيرُ مُوجِبٍ. فصل: وهل يجبُ القِصاصُ على شَرِيكِ نَفْسِه وشَريكِ السَّبُعِ؟ فيه وَجْهان، ذكَرهما أبو عبدِ اللَّه بنُ حامدٍ، وصورةُ ذلك، أن يَجْرَحَه سَبُعٌ، ويَجْرَحَه إنسانٌ عَمْدًا، إمَّا قبلَ ذلك أو بعدَه، فيموتَ منهما، أو يجرحَ نَفْسَه عمدًا، ثم يجْرَحَه (٨) غيرُه عمدًا، فيموتَ منهما، فهل يجبُ على المُشارِكِ له قِصاصٌ؟ فيه وَجْهان. واخْتلَف (٩) عن الشافعيِّ فيه. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: لا قِصاصَ عليه؛ لأنَّه شارَكَ مَنْ لا يجبُ القِصاصُ عليه، فلم يَلْزَمْه قِصاصٌ، كشَرِيكِ الخاطئِ، ولأنَّه قَتْلٌ تَرَكّبَ من مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِبٍ، فلم يُوجبْ، كالقَتْلِ الحاصِلِ من عَمْدٍ وخَطَإٍ، ولأنَّه إذا لم يجبْ على شَرِيكِ الخاطئِ وفِعْلُه مَضْمُونٌ، فَلأَنْ لا يَجِبَ على شَرِيكِ مَنْ لا يُضْمَنُ فِعْلُه أَوْلَى. والوَجْهُ الثاني، عليه القِصاصُ. وهو قولُ أبي بكرٍ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا جَرَحَه رَجُلٌ، ثم جَرَحَ الرَّجُلُ نَفْسَه، فمات، فعلى شَرِيكِه القِصاصُ؛ لأنَّه قَتْلٌ عَمْدٌ مُتَمَحِّضٌ، فوَجَبَ القِصاصُ على الشَّرِيكِ فيه، كشَرِيكِ الأبِ، فأمَّا إن جَرَحَ الرَّجُلُ

стр. 6042

نَفْسَه خطأً، كأنَّه أراد ضَرْبَ جارِحةٍ، فأصاب نَفْسَه، أو خاطَ جُرْحَه، فصادَفَ اللَّحْمَ الحَيَّ، فلا قِصَاصَ على شَرِيكِه، في أصَحِّ الوَجْهينِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ عليه القِصاصَ، بِناءً على الرِّوايتَيْنِ في شرِيكِ الخاطئِ. فصل: فإن جَرَحَه إنسانٌ، فتَداوَى بسُمٍّ فمات، نَظَرْتَ؛ فإن كان سُمَّ ساعةٍ يَقْتُلُ (١٠) في الحالِ، فقد قَتَلَ نَفْسَه، وقَطَعَ سِرايةَ الجُرْحِ، وجَرَى مَجْرَى مَنْ ذَبَحَ نَفْسَه بعدَ أن جُرِحَ، ونَنْظُرُ في الجُرْحِ، فإن كان مُوجِبًا للقِصاصِ، فلِوَليِّه اسْتِيفاؤُه، وإن لم يكُنْ مُوجِبًا له، فلِوَلِيِّه الأرْشُ، وإن كان السُّمُّ لا يَقْتُلُ في الغالِبِ، وقد يَقْتُلُ، ففِعْلُ (١١) الرَّجُلِ في نَفْسِه عَمْدُ خطإٍ، والحكمُ في شَرِيكه كالحُكْمِ في شَرِيكِ الخاطئِ، وإذا لم يَجِبِ القِصاصُ، فعلى الجارِحِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن كان السُّمُّ يَقْتُلُ غالبًا بعدَ مُدَّةٍ، احْتَمَلَ أن يكونَ عَمْدَ الخَطِإِ أيضًا؛ لأنَّه لم يَقْصدِ القَتْلَ، إنَّما قَصَدَ التَّدَاوِي، فيكونُ كالذي قَتَلَه، واحْتَمَلَ أن يكونَ في حُكْمِ العَمْدِ، فيكونَ في شَرِيكِه الوَجْهان المذكُوران في الفَصْلِ الذي قبلَه. وإن جُرِحَ رَجُلٌ، فَخاطَ جُرْحَه، أو أمرَ غيرَه فخاطَه له، وكان ذلك ممَّا يجوزُ أن يَقْتُلَ، فحكمُه حكمُ ما لو شَرِبَ سُمًّا يجوزُ أن يَقْتُلَ، على ما مَضَى فيه. وإن خاطَه غيرُه بغيرِ إذْنِه كُرْهًا، فهما قاتِلان عليهما القَوَدُ. وإن خاطَه وَلِيُّه، أو الإِمامُ، وهو ممَّن لا وِلايةَ عليه، فهما كالأجْنَبِيِّ، وإن كان لهما عليه وِلايةٌ، فلا قَوَدَ عليهما؛ لأنَّ فِعْلَهُما جائزٌ لهما، إذْ لهما مُداواتُه، فيكونُ ذلك خطأً. وهل على الجارِحِ القَوَدُ؟ فيه وَجْهان، بِناءً على شَرِيكِ الخاطئِ. ١٤٣٥ - مسألة؛ قال: (ودِيَةُ الْعَبْدِ قِيمَتُهُ، وإنْ بَلَغَتْ دِيَاتٍ) أجمعَ أهلُ العلمِ على (١) أنَّ في العَبْدِ، الذي لا تَبْلُغُ قِيمَتُه دِيَةَ الحُرِّ، قِيمَتَه. وإن

стр. 6043

بَلَغَتْ قِيمَتُه دِيَةَ الحُرِّ أو زادتْ عليها، فذهب أحمدُ، ﵀، إلى أنَّ فيه (٢) قِيمَتَه، بالغةً ما بَلَغَتْ، وإن بلغتْ دِياتٍ، عَمْدًا كان القتلُ أو خطأً، سواءٌ ضَمِنَ بالْيَدِ أو بالجِنايةِ. وهذا قولُ سعيدِ بن المُسَيَّبِ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وعمرَ بن عبد العزيزِ، وإيَاسِ بن مُعاوِيةَ، والزُّهْرِيِّ، ومَكْحُولٍ، ومالكٍ، والأوْزاعيِّ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأبي يوسفَ. وقال النَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ: لا تَبْلُغُ به دِيَةَ الحُرِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَنْقُصُ (٣) عن دِيَةِ الحُرِّ دينارًا (٤)، أو عَشْرةَ دَرَاهِمَ، القَدْرَ الذي يُقْطَعُ به السارِقُ، هذا (٥) إذا ضمِنَ بالجِنايةِ، وإن ضَمِن بالْيَدِ، بأن يَغْصِبَ عبدًا فيَمُوتَ في يَدِه، فإنَّ قِيمَتَه تَجِبُ وإن زادتْ على دِيَةِ الحُرِّ. واحْتَجُّوا بأنَّه ضَمانُ آدَمِيٍّ، فلم يَزِدْ على دِيَةِ الحُرِّ، كضَمانِ الحُرِّ؛ وذلك لأنَّ اللَّه تعالى لمَّا أَوْجَبَ في الحُرِّ دِيَةً لا تَزِيدُ، وهو أشْرَفُ لِخُلُوِّه (٦) من نَقِيصةِ الرِّقِّ، كان تَنْبِيهًا على دِيَةِ (٧) العَبْدِ المنقوصِ لا يُزادُ عليها، فنَجْعَلُ مالِيَّةَ العَبْدِ مِعْيارًا للقَدْرِ الواجبِ فيه، ما لم يَزِدْ على الدِّيَةِ، فإذا زاد، عَلِمْنا خَطأَ ذلك، فنَرُدُّه إلى دِيَةِ الحُرِّ، كأَرْشِ ما دُونَ المُوضِحةِ، يَجِبُ فيه ما تُخْرِجُه الحكومةُ، ما لم يَزِدْ على أرْشِ المُوضِحَةِ، فنَرُدُّه إليها. ولَنا، أنَّه مالٌ مُتَقَوَّمٌ، فيُضْمَنُ بكمَالِ قِيمَتِه بالغةً ما بَلَغَتْ، كالفَرَسِ، أو مَضْمُونٌ بقِيمَتِه، فكانتْ جميعَ القِيمةِ، كما لو ضَمِنَه باليَد، ويخالفُ الحُرَّ، فإنَّه ليس بمَضْمونٍ بالقِيمةِ، وإنَّما ضُمِنَ بما قَدَّرَه الشَّرْعُ، فلم يتجاوَزْه، ولأنَّ ضَمانَ الحُرِّ ليس بضَمانِ مالٍ، ولذلك لم يختلفْ باخْتلافِ صِفَاتِه، وهذا ضمانُ مالٍ، يَزِيدُ بزِيادةِ المالِيَّةِ، ويَنْقُصُ بنُقْصانِها، فاخْتَلَفا. وقد حَكَى أبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ، ﵀، رِوَايةً أُخْرَى، أنَّه لا يُبْلَغُ بالعَبْدِ دِيَةُ الحُرِّ. والمذهبُ الأوَّلُ.

стр. 6044

باب القَوَدِ القَوَدُ: القِصَاصُ. ولعَلَّه إنَّما سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّ المُقْتَصَّ منه في الغالبِ يُقَادُ بشيءٍ يُرْبَطُ فيه أو بِيَدِه إلى القَتْلِ، فَسُمِّيَ القَتْلُ قَوَدًا لذلك. ١٤٣٦ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ شَقَّ بَطْنَهُ، فَأَخْرَجَ حِشْوَتَهُ، فَقَطَعَهَا، فَأبَانَهَا مِنْهُ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فالْقاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ. ولَوْ شَقَّ بَطْنَه، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ؛ لأنَّ الأَوَّلَ لا يَعِيشُ مِثْلُهُ، والثَّانِيَ قَد يَعِيشُ مِثْلُهُ (١)) وجملتُه أنَّه إذا جَنَى عليه اثنان جِنايَتَيْنِ، نَظَرْنا؛ فإن كانت الأُولَى أخْرَجَتْه من حُكْمِ الحياةِ، مثل قَطْعِ حِشْوَتهِ، أي ما في بَطْنِه، وإبانَتِها منه، أو ذَبْحِهِ، ثم ضَرَبَ عُنُقَه الثاني فالأوَّلُ هو القاتلُ؛ لأنَّه لا يَبْقَى مع [جِنايَتِه حياةٌ] (٢)، والقَوَدُ عليه خاصَّةً، وعلى الثاني التَّعْزِيرُ، كما لو جَنَى على مَيِّتٍ. وإن عَفَا الوَلِيُّ إلى الدِّيَةِ، فهي على الأوَّلِ وحْدَه. وإن كان جُرْحُ الأوَّلِ (٣) يَجوزُ بقاءُ الحياةِ معه (٤)، مثل شَقِّ البَطْنِ من غيرِ إبانَةِ الحِشْوَةِ، أو قَطْعِ طَرَفٍ، ثم ضَرَبَ عُنُقَه آخَرُ، فالثاني هو (٤) القاتلُ؛ لأنَّه لم يَخْرج الأَوَّلُ من حُكمِ الحياةِ، فيكونُ الثاني هو المُفَوِّتُ لها، فعليه القِصاصُ في النَّفْسِ، والدِّيَةُ كاملةً إن عَفَا عنه. ثم نَنْظُرُ في جُرْحِ الأوَّلِ، فإن كان مُوجِبًا للقِصاصِ، كقَطْعِ الطَّرَفِ، فالوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بينَ قَطْعِ طَرَفِه والعَفْوِ على (٥) دِيَتِه [أو العَفْوِ] (٦) مُطْلَقًا، وإن كان لا

стр. 6045

يُوجِبُ القِصاصَ، كالجائِفَةِ ونحوِها، فعليه الأَرْشُ. وإنَّما جَعَلْنا عليه القِصاصَ؛ لأنَّ فعْلَ الثاني قَطَعَ سِرَايةَ جِراحِه، فصار كالمُنْدَمِلِ الذي لا يَسْرِي. وهذا مذهبُ الشافعيِّ، ولا أعلمُ فيه مخالِفًا. ولو كان جُرْحُ الأوَّلِ يُفْضِي إلى الموتِ لا مَحالةَ، إلَّا أنَّه لا يَخْرُجُ به من حُكْمِ الحياةِ، وتَبْقَى معه الحياةُ المُسْتَقِرَّةُ، مثل خَرْقِ الْمِعَى، أو أُمِّ الدِّماغِ، فضَرَبَ الثاني عُنُقَه، فالقاتلُ هو الثاني؛ لأنَّه فَوَّتَ حياةً مُسْتَقِرَّةً. وقيل: (٧) هو في حُكْمِ الحياةِ، بدليلِ أن عمرَ، ﵁، لما جُرِحَ دَخَلَ عليه الطبيبُ فسَقَاه لَبَنًا، فخَرَجَ يَصْلِدُ (٨)، فعَلِمَ الطبيبُ أنَّه مَيِّتٌ، فقال: اعْهَدْ إلى الناسِ. فعَهِدَ إليهم، وأَوْصَى، وجَعَلَ الخِلافةَ إلى أهْلِ الشُّورَى، فقَبِلَ الصحابةُ عَهْدَه، وأجْمَعُوا على قَبُولِ وَصَاياهُ وعَهْدِه (٩). فلمَّا كان حكمُ الحياةِ باقِيًا، كان الثاني مُفَوِّتًا لها، فكان هو القاتلَ، كما لو قَتَلَ عَلِيلًا لا يُرْجَى بُرْءُ عِلَّتِه. فصل: إذا أُلْقِيَ رجلٌ (١٠) من شاهِقٍ، فتَلَقَّاه آخَرُ بسَيْفٍ فقَتَلَه، فالقِصاصُ على مَن قَتَلَه؛ لأنَّه فَوَّتَ حياتَه قبلَ المَصِيرِ إلى حالٍ يُئِسَ (١١) فيها من حَياتِه، فأشْبَهَ ما لو رَمَاه إنسانٌ بسَهْمٍ قاتلٍ، فقَطَعَ آخرُ عُنُقَه قبلَ وُقُوعِ السَّهْمِ به، أو ألْقَى عليه صَخْرةً، فأطارَ آخَرُ رَأسَه بالسَّيْفِ قبلَ وُقُوعِها عليه. وبهذا قال الشافعيُّ إن رَمَاه من مكانٍ يجوزُ أن يَسْلَمَ منه، وإن رَماه من شاهِقٍ لا يَسْلَمُ منه الواقعُ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، كَقْولنا. والثاني، الضمانُ عليهما بالقِصاص والدِّيَةِ عندَ سُقُوطِه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما سَبَبٌ للإِتْلافِ. ولَنا، أنَّ الرَّمْيَ سَبَبٌ والقَتْلَ مُباشَرَةٌ، فانْقَطَعَ حكمُ السَّبَبِ، كالدافعِ مع

стр. 6046

الحافرِ، والجارِحِ مع الذَّابحِ، وكالصُّوَرِ التي ذكرْناها (١٢). وما ذكَرُوه باطِلٌ بهذه الأُصُولِ المذكورةِ. ١٤٣٧ - مسألة؛ قال: (وَإذَا قَطَعَ يَديْهِ ورِجْلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أنْ تَنْدَمِلَ جِرَاحُهُ، قُتِلَ، ولَمْ تُقْطَعْ يَدَاهُ (١) ولَا رِجْلَاهُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أبِى عَبْدِ اللهِ، ﵀. والرِّوَايَةُ الأُخْرَى، قَالَ: إنَّه لأَهْلٌ أنْ يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ. فإنْ عَفَا عَنْهُ الْوَلِىُّ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ) وجملةُ ذلك أنَّ الرَّجُلَ إذا جَرَحَ رجلًا، ثم ضَرَبَ عُنُقَه قبلَ انْدِمالِ الجُرْحِ، فالكلامُ في المسألةِ في حالَيْنِ؛ أحدهما، أن يَخْتارَ الوَلِىُّ القِصَاصَ، فاخْتلَفتِ الرِّواية عن أحمدَ في كَيْفِيَّةِ الاسْتِيفاءِ؛ فرُوِى عَنه؛ لا يُسْتَوفَى إلَّا بالسَّيْفِ في العُنُقِ. وبه قال عطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ". روَاه ابن ماجَه (٢). ولأنَّ القِصاصَ أحَدُ بَدَلَىِ النَّفْسِ، فدَخَلَ الطَّرَفُ في حُكْمِ الجُمْلةِ، كالدِّيَةِ، فإنَّه لو صار الأمْرُ إلى الدِّيَةِ، لم تَجِبْ إلَّا دِيَةُ النَّفْسِ، ولأنَّ القَصْدَ من القِصاصِ في النّفْسِ تَعْطِيلُ الكُلِّ، وإتلافُ الجُمْلةِ، وقد أمْكَنَ هذا بضَرْبِ العُنُقِ، فلا يجوزُ تَعْذِيبَهُ بإتْلافِ أطْرافِه، كما لو قَتَلَه بسيفٍ كَالٍّ (٣)، فإنَّه لا يُقْتَلُ بمِثْلِه. والرِّواية الثانية عن أحمدَ، قال (٤): إنَّه لأَهْلٌ أن يُفْعَلَ به كما فَعَلَ. يعني أنَّ للمُسْتَوفِى أن يَقْطَعَ أطْرافَه، ثم يَقْتُلَه. وهذا مذهبُ عمرَ بن عبد العزيز، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى

стр. 6047

حنيفةَ، وأبى ثَوْرٍ؛ لقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٥). وقولِه سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٦). ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَضَخَ (٧) رأسَ يَهُودِىٍّ لِرَضْخِه (٨) رأسَ جارِيةٍ من الأنصارِ بين حَجَرَيْنِ (٩). ولأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (١٠). وهذا قد قَلَعَ عَيْنَه، فيَجِبُ أن تُقْلَعَ عَيْنُه، للآية. ورُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ" (١١). ولأنَّ القِصاصَ مَوْضُوعٌ على المُماثلةِ، ولَفْظُه مُشْعِرٌ به، فوَجَبَ (١٢) أن يُسْتَوْفَى منه مثلُ ما فَعَلَ، كما لو ضَرَبَ العُنُقَ آخَرُ غيرُه. فأمَّا حديث: "لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ". فقال أحمدُ: ليس إسْنادُه بجَيِّدٍ. الحال الثاني، أن يَصِيرَ الأمْرُ إلى الدِّيَةِ، إمَّا بعَفْوِ (١٣) الوَلِىِّ، أو كَوْنِ الفِعْلِ خَطأً، أو شِبْهَ عَمْدٍ، أو غيرَ ذلك، فالواجبُ دِيَةٌ واحدةٌ. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ. وقال بعضُهم: تَجِبُ دِيَةُ الأطْرافِ المَقْطُوعةِ ودِيةُ النَّفْسِ؛ لأنَّه لمَّا قُطِعَ سِرَايَةُ (١٤) الجُرْحِ بقَتْلِه صار كالمُسْتَقِرِّ، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَه غيرُه، ولهذا لم يَسْقُط القِصاصُ فيه. ولَنا، أنَّه قاتِلٌ قبلَ اسْتِقْرارِ الجُرْحِ، قَدَخَلَ أَرْشُ الجِراحةِ في أَرْشِ النَّفْسِ، كما لو سَرَتْ إلى نَفْسِه، والقِصاصُ في الأطْرافِ على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ لا يَجِبُ، وإن وَجَبَ فإنَّ القِصاصَ لا يُشْبِهُ الدِّيَةَ؛ لأنَّ سِرَايةَ الجُرْحِ لا تُسْقِطُ القِصاصَ فيه، وتُسْقِطُ دِيَتَه.

стр. 6048

فصل: ومتى قُلْنَا: له أن يَسْتَوْفِىَ بمثلِ ما فَعَلَ بوَلِيِّه. فأحَبَّ أن يَقْتَصِرَ (١٥) على ضَرْبِ عُنُقِه، فله ذلك، وهو أفْضَلُ. وإن قَطعَ أطْرافَه التي قَطَعَها الجانِى، أو بعضَها، ثم عَفَا عن قَتْلِه، فكذلك؛ لأنَّه تارِكٌ بَعْضَ حَقِّه. وإن قَطَعَ بعضَ أطْرافِه، ثم عَفَا إلى الدِّيَةِ، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ جميعَ ما فَعَلَ بوَلِيِّه لا يَجِبُ به إلَّا دِيَةٌ واحِدَةٌ، فلا يجوزُ أن يَسْتَوْفِىَ بعضَه ويَسْتَحِقَّ كمالَ الدِّيَةِ، فإن فَعَلَ فله ما بَقِىَ من الدِّيَةِ، فإن لم يَبْقَ منها شيءٌ، فلا شىءَ له. وإن قُلْنا: ليس له أن يَسْتَوْفِىَ إلَّا بضَرْبِ العُنُقِ. فاسْتَوْفَى منه بمثلِ ما فَعَلَ، فقد أساءَ، ولا شىءَ عليه سِوَى المَأْثَمِ؛ لأنَّ فِعْلَ الجانِى في الأطْرافِ لم يُوجِبْ عليه شيئًا يَخْتَصُّ بها، فكذلك فِعْلُ المُسْتَوْفِى، إن قَطعَ (١٦) طَرَفًا واحدًا، ثم عَفَا إلى الدِّيَةِ، لم يكُنْ له إلَّا تَمامُها، وإن قَطعَ ما تَجِبُ به الدِّيَةُ، ثم عَفَا، لم يكُنْ له شيءٌ، وإن قَطعَ ما يَجِبُ به أكثرُ من الدِّيَةِ، ثم عَفَا، احْتَمَلَ أن يَلْزَمَه ما زادَ على الدِّيَةِ؛ لأنَّه لا يَسْتَحِقُّ أكثرَ من دِيَةٍ، وقد فَعَلَ ما يُوجِبُ اكثرَ منها، فكانت الزِّيادةُ عليه. واحْتَمَلَ أن لا يَلْزَمَه شيءٌ؛ لأنَّه لو قَتَلَه لم يَلْزَمْه شيءٌ، فإذا تَرَكَ قَتْلَه، وعفا عنه، فأَوْلَى أن لا يَلْزَمَه شيءٌ، ولأنَّه فَعَلَ بعضَ ما فَعَلَ بوَلِيِّه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو قُلْنا: إنَّ له أن يَسْتَوْفِىَ مثلَ ما فَعَلَ به. فصل: فإن قَطعَ يَدَيْه ورِجْلَيْه، أو جَرَحَه جُرْحًا يُوجِبُ القِصاصَ إذا انْفَرَدَ، فسَرَى إلى النَّفْسِ، فله القِصاصُ في النَّفْسِ. وهل له أن يَسْتَوْفِىَ (١٧) القَطْعَ قبلَ القَتْلِ؟ على رِوَايتَيْنِ، ذكَرَهما القاضي، وبَناهُما على الرِّوايتَيْنِ المذكورتَيْنِ في المسألةِ؛ وإحداهما (١٨)، ليس له قَطْعُ الطَّرفِ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى الزِّيادةِ على ما جَنَاه الأوَّلُ، والقِصاصُ يَعْتَمِدُ المُماثلةَ، فمتى خِيفَ فيه الزِّيادةُ سَقَطَ،

стр. 6049

كما لو قَطَعَ يَدَه من نِصْفِ الذِّراعِ. والثانية، يَجِبُ القِصاصُ في الطَّرَفِ، فإن مات به، وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لما ذكرْناه (١٩) في أوَّلِ المسألةِ. وذكر أبو الخَطَّابِ، أنَّه لا يقْتَصُّ منه في الطَّرفِ، رِوَايةً واحدةً، وأنَّه لا يَصِحُّ تَخْرِيجُه (٢٠) على الرِّوايتَيْنِ في المسألةِ؛ لإِفْضاءِ هذا إلى الزيادةِ، بخلافِ المسألةِ. والصحيحُ تَخْرِيجُه على الرِّوايتَيْنِ، وليس هذا بزيادةٍ؛ لأنَّ فَواتَ النَّفْسِ بسِرَايةِ فِعْلِه، وسِرَايةُ فِعْلِه كفِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو قَطَعَه ثم قَتَلَه، ولأنَّ زِيادةَ الفِعْلِ في الصورةِ مُحْتمِلٌ في الاسْتِيفاءِ، كما لو قَتَلَه بضَرْبةٍ، فلم يُمْكِنْ قَتْلُه في الاسْتيفاءِ إلَّا بضَرْبَتَيْنِ. فصل: وإن جَرَحَه جُرْحًا لا قِصاصَ فيه، ولا يَلْزَمُ فَواتُ الحياةِ به، مثل أن أجَافَه، أو أَمَّه، أو قَطَعَ يَدَه من نِصْفِ ذِرَاعِه، أو رِجْلَه من نِصْفِ ساقِه، فمات منه، أو قَطَعَ يدًا ناقصةَ الأصابعِ، أو شَلَّاءَ، أو زائِدةً، ويَدُ القاطعِ أصْلِيَّة صَحِيحة، فالصحيحُ في المَذْهَبِ أنَّه ليس له فِعْلُ [مِثْلِ ما فَعَلَ] (٢١)، وليس له أن يَقْتَصَّ إلَّا في العُنُقِ بالسَّيْفِ. ذكره أبو بكرٍ، والقاضى. وقال غيرُهما: فيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّ (٢٢) له (٢٣) أنْ يَقْتَصَّ بمثلِ (٢٤) فِعْلِه، لأنَّه صار قَتْلًا، فكان له القِصاصُ بمثلِ فِعْلِه، كما لو رَضَّ (٢٥) رَأسَه بحَجَرٍ فقَتَلَه به. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ هذا لو انْفَرَدَ لم يكُنْ فيه قِصاصٌ، فلم يَجُزِ القِصاصُ فيه مع القَتْلِ، كما لو قَطَعَ يَمِينَه ولم يكُنْ للقاطعِ يَمِينٌ، لم يكُنْ له أن يَسْتَوْفِىَ من يَسارِه. وفارَقَ ما إذا رَضَّ رأسَه (٢٦) فمات؛ لأنَّ ذلك الفِعْلَ قَتْلٌ مُفْرَدٌ، وههُنا قتلٌ وقَطْعٌ، والقطعُ لا يُوجِبُ قِصاصًا، فبَقِىَ مُجَرَّدُ القَتْلِ، فإذا جَمَعَ المُسْتَوْفِى بينهما،

стр. 6050

فقد زاد قَطْعًا لم يَرِدِ الشَّرْعُ باسْتِيفائِه، فيكونُ حرامًا، وسواءٌ (٢٧) في هذا ما إذا قَطَعَ ثم قَتَلَ عَقِيبَه، وبينَ ما إذا قَطَعَ فسَرَى إلى النَّفْسِ. فصل: فأمَّا إن (٢٨) قَطَعَ اليُمْنَى ولا يُمْنَى للقاطعِ، أو اليَدَ ولا يَدَ له، أو قَلَعَ العَيْنَ ولا عَيْنَ له، فمات المَجْنِى عليه، فإنَّه يُقْتَلُ بالسَّيْفِ في العُنُقِ، ولا قِصاصَ في طَرَفِه. لا (٢٩) أعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ القِصاصَ إنَّما يكونُ من مثلِ العُضْوِ المُتْلَفِ، وهو ههُنا مَعْدُومٌ، ولأنَّ القِصاصَ فِعْلُ مِثْلِ ما فَعَلَ الجانِى (٣٠)، ولا سَبِيلَ إليه، ولأنَّه لو قَطَعَ ثم عَفَا عن القَتْلِ، لَصار مُسْتَوْفِيًا رِجْلًا ممَّن لم يَقْطَعْ له مثلَها، أو أُذُنًا بدَلًا عن عَيْنٍ، وهذا غيرُ جائزٍ. وهذا يَدُلُّ على فَسادِ الوَجْهِ الثاني في الفَصْلِ الذي قبلَه. فصل: وإن قَتَلَه بغيرِ السَّيفِ، مثل أن قَتَلَه بحَجَرٍ، أو هَدْمٍ، أو تَغْرِيقٍ، أو خَنْقٍ، فهل يَسْتَوْفِى القِصاصَ بمثلِ فِعْلِه؟ فيه رِوايتان؛ إحداهما، له ذلك. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ. والثانية، لا يَسْتَوْفِى إلَّا بالسَّيْفِ في العُنُقِ. وبه قال أبو حنيفةَ، فيما إذا قَتَلَه بِمُثَقَّلِ الحَدِيدِ، على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ عندَه، أو جَرَحَه فمات. ووَجْهُ الرِّوايتَيْنِ ما تَقَدَّمَ في أوَّلِ المسألةِ، ولأنَّ هذا لا تُؤْمَنُ معه الزِّيادهُّ على ما فَعَلَه الجانِى، فلا يجبُ القِصاصُ بمثلِ آلَتِه، كما لو قَطَعَ الطرفَ بآلةٍ كالَّةٍ، أو مَسْمُومةٍ، أو بالسَّيْفِ، فإنَّه لا يَسْتَوْفِى بمثلِه، ولأنَّ هذا لا يُقْتَلُ به المُرْتَدُّ، فلا يُسْتَوْفَى به القِصاصُ، كما لو قَتَلَه بتَجْرِيع الخَمْرِ، أو بالسِّحْرِ (٣١)، ولا تَفْرِيعَ على هذه الروايةِ. فأمَّا على الرِّوايةِ الأُخْرَى، فإنَّه إذا فَعَلَ به مثلَ فِعْلِه فلم (٣٢) يَمُتْ، قَتَلَه بالسيفِ. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ. والقولُ الثاني، أنَّه يُكَرِّرُ عليه ذلك الفِعْلَ حتى يَمُوتَ به؛ لأنَّه قَتَلَه بذلك، فله قَتْلُه بمثلِه.

стр. 6051

ولَنا، أنَّه قد فَعَلَ به مثلَ فِعْلِه، فلم يَزِدْ عليه، كما لو جَرَحَه جُرْحًا، أو قَطَعَ منه طَرَفًا، فاسْتَوْفَى منه الوَلِىُّ مثلَه فلم يَمُتْ به، فإنَّه لا يُكَرِّرُ عليه الجرْحَ، بغيرِ خلافٍ، ويَعْدِلُ إلى ضَرْبِ عُنُقِه، فكذا ههُنا. فصل: وإن قَتَلَه بما لا يَحِلُّ لِعَيْنِه، مثل أن لَاطَ به فقَتَلَه، أو جَرَّعَه خَمْرًا أو سَحَره، لم يُقْتَلْ بمثلِه اتِّفاقًا، ويُعْدَلُ إلى القَتْلِ بالسَّيْفِ. وحَكَى أصْحابُ الشافعىِّ، في مَن قَتَلَه باللِّوَاطِ وتَجْرِيعِ الخَمْرِ، وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يُدْخِلُ في دُبُرِه خَشَبةً يَقْتُلُه بها، ويُجَرِّعُه الماءَ حتى يَمُوتَ. ولَنا، أنَّ هذا مُحَرَّمٌ لِعَيْنِه، فوَجَبَ العُدُولُ عنه إلى القَتْلِ بالسَّيْفِ، كما لو قَتَلَه بالسِّحْرِ. وإن حَرَّقَه، فقال بعضُ أصحابِنا: لا يُحَرَّقُ؛ لأنَّ التَّحْرِيقَ مُحَرَّمٌ (٣٣) لحقِّ اللَّه تعالى؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ" (٣٤). ولأنَّه داخلٌ في عمومِ الخبرِ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. وقال القاضي: الصَّحِيحُ أنَّ فيه روايتَيْنِ، كالتَّغْرِيقِ؛ إحْداهما، يُحَرَّقُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لما روَى الْبَراءُ بن عازِبٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، ومَنْ غَرَّقَ غَرَّقْناهُ". وحَمَلُوا الحديثَ الأوَّلَ على غيرِ القِصَاصِ في المُحَرَّقِ. فصل: إذا زاد مُسْتَوْفِى القِصاصِ في النَّفْسِ على حَقِّه، مثل أن يُقْتَلَ وَلِيُّه، فيَقْطَعَ المُقْتَصُّ أطْرَافَه أو بعضَها، نَظَرْنا؛ فإن عَفَا عنه بعدَ قَطْعِ طَرَفِه، فعليه ضَمانُ ما أتْلَفَ بدِيَتِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأبو يوسُفَ، ومحمدٌ: لا ضَمانَ عليه، ولكن قد أسَاءَ، ويُعَزّرُ، وسواءٌ عَفَا عن القاتلِ أو قَتَلَه؛ لأنَّه قَطَعَ طَرَفًا من جُمْلةٍ اسْتَحَقَّ إتْلافَها، فلم يَضْمَنْه، كما لو قَطَعَ أُصْبُعًا من يَدٍ يَسْتَحِقُّ قَطْعَها. ولَنا، أنَّه قَطَعَ طَرَفًا له قِيمةٌ حالَ القَطْعِ بغيرِ حَقٍّ، فوَجَبَ عليه ضَمانُه، كما لو

стр. 6052

عَفَا عنه ثم قَطَعَه، أو كما لو قَطَعَه أجْنَبِىٌّ، فأمَّا إن قَطَعَه ثم قَتَلَه، احْتَمَل أن يَضْمَنَه أيضًا؛ لأنَّه يَضْمَنُه إذا عَفَا عنه، فكذلك إذا لم يَعْفُ عنه, لأنَّ العَفْوَ إحسانٌ، فلا يكون مُوجِبًا للضَّمانِ، واحْتَمَلَ أن لا يَضْمَنَه. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لو قَطَعَ مُتَعَدِّيًا ثم قَتَلَ، لم يَضْمَنِ الطَّرَفَ، [فَلأن لا] (٣٥) يَضْمَنَه إذا كان القَتْلُ مُسْتَحَقًّا أَوْلَى. فأمَّا القِصاصُ، فلا يَجِبُ في العُرْفِ بحَالٍ. ولا نعلمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّ القِصاصَ عُقُوبةٌ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والشُّبْهةُ ههُنا مُتَحَقِّقةٌ، لأنَّه مُسْتَحِقٌّ (٣٦) لإِتْلافِ هذا الطَّرَفِ ضِمْنًا لِاسْتِحقاقِه إتْلافَ الجُمْلةِ، ولا يَلْزَمُ من سُقُوطِ القِصَاصِ أن لا تَجِبَ الديةُ، بدليلِ امْتِناعِه لعَدَمِ المُكافأةِ (٣٧). فأمَّا إن كان الجانِى قَطَعَ طَرَفَه ثم قَتَلَه، فاسْتَوْفَى منه بمثلِ فِعْلِه، فقد ذكرْناه فيما مَضَى. وإن قَطَعَ طَرَفًا غيرَ الذي قَطَعَه الجانِى، كان الجانى قَطَعَ يَدَه، فقَطَعَ (٣٨) المُسْتَوفِى رِجْلَه، احْتَمَلَ أن يكونَ بِمَنْزِلةِ ما لو قَطَعَ يَدَه؛ لأنَّ دِيَتَهُما واحدةٌ، واحْتَمَلَ أن تَلْزَمَه دِيَةُ الرِّجْلِ؛ لأنَّ الجانِىَ لم يَقْطَعْها، فأشْبَهَ ما لو لم يَقْطَعْ يَدَهُ. فصل: فأمَّا إن كانت الزِّيادةُ في الاسْتِيفاءِ من (٣٩) الطَّرَفِ، مثل إن اسْتَحقَّ قَطْعَ إصْبَعٍ، فقَطَعَ اثْنَتَيْنِ، فحُكْمُه حكمُ القاطعِ ابْتداءً، إن كان عَمْدًا (٤٠) من مَفْصِلٍ، أو شَجَّةٍ يَجِبُ في مِثْلِها القِصاصُ، فعليه القِصاصُ في الزِّيادةِ، وإن كان خَطأً أو جُرْحًا لا يوجبُ القِصاصَ، مثل مَنْ يَسْتَحِقُّ مُوضِحَةً فاسْتَوْفَى (٤١) هاشِمةً، فعليه أَرْشُ الزِّيادةِ، إلَّا أن يكونَ ذلك بسَببٍ من الجانِى، كاضْطِرابِه حالَ الاسْتِيفاءِ، فلا شىءَ على

стр. 6053

المُقْتَصِّ؛ لأنَّه حَصَلَ بفعلِ الجانِى. فإنْ اخْتَلَفَا هَلْ فَعَلَه خطأً أَو عَمْدًا؟ فالقولُ قولُ المقْتَصِّ مع يَمِينِه؛ لأنَّ هذا ممَّا يُمْكِن الخَطأُ فيه، وهو أعْلَمُ بقَصْدِه، وإن قال المُقْتَصُّ: حَصَلَ هذا باضْطِرابِكَ، أو فِعْلٍ من جِهَتِكَ. فالقولُ قولُ المُقْتَصِّ منه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ. فإن سَرَى الاسْتِيفاءُ الذي حَصَلتْ فيه الزِّيادةُ إلى نَفْسِ المُقْتَصِّ منه، فمات، أو إلى بعض أعْضائِه، مثل أن قَطَعَ إصْبَعَه (٤٢)، فسَرَى إلى جميع يَدِه، أو اقْتَصَّ منه بآلَةٍ كالَّةٍ أو مَسْمُومةٍ، أو في حَالِ حَرٍّ مُفْرِطٍ، أو بَرْدٍ شديدٍ، فسَرَى، فقال القاضي: على المُقْتَصِّ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه تَلِفَ بفِعْلَيْنِ؛ جائزٍ ومُحَرَّمٍ، ومَضْمونٍ وغيرِ مَضْمونٍ، فانْقَسَم الواجبُ عليهما نِصْفَيْنِ، كما لو جَرَحَه جُرْحًا في حالِ رِدَّتِه وجُرْحًا بعدَ إسْلامِه، فمات منهما. وهذا كلُّه مذهبُ الشافعىِّ. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه ضَمانُ السِّرايَةِ كلِّها، فيما إذا اقْتَصَّ بآلَةٍ مَسْمومةٍ أو كالَّةٍ؛ لأنَّ الفِعْلَ كلَّه يَحْرُمُ (٤٣)، بخلافِ قَطْعِ الإِصْبَعَيْنِ، فإنَّ أحَدَهُما مُباحٌ. فصل: قال القاضي: ولا يجوزُ اسْتيفاءُ القِصاصِ إلَّا بحَضْرَةِ السُّلْطانِ. وحكاه عن أبى بكرٍ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه أمْرٌ يَفْتَقِرُ إلى الاجْتِهادِ ويَحْرُمُ الحَيْفُ فيه، فلا يُؤْمَنُ الحَيْفُ مع قَصْدِ التَّشَفِّى. فإن اسْتَوْفاه (٤٤) من غيرِ حَضْرةِ (٤٥) السُّلطانِ، وقَعَ المَوْقِعَ، ويُعَزَّرُ؛ لِافْتِياتِه بفِعْل ما مُنِعَ فِعْلُه. ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ الاسْتِيفاءُ بغير حَضْرةِ (٤٦) السلطانِ، إذا كان القِصاصُ في النَّفسِ؛ لأنَّ رَجُلًا أتَى النَّبِىَّ ﷺ بِرَجُلٍ يَقُودُه بنِسْعَةٍ (٤٧)، فقال: إنَّ هذا قَتَلَ أخِى. فاعْتَرَفَ بقَتْلِه. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "اذْهَبْ، فاقْتُلْهُ". روَاه مسلمٌ بمَعْناه (٤٨). ولأنَّ اشتراطَ حُضُورِ السُّلطانِ لا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أو

стр. 6054

إجْماعٍ أو قياسٍ، ولم يَثْبُتْ ذلك. ويُسْتَحَبُّ أن يُحْضِرَ شاهِدَيْنِ، لئلَّا يَجْحَدَ المَجْنِىُّ عليه الاسْتِيفاءَ. وإذا أراد الوَلِىُّ (٤٩) الاسْتِيفاءَ، فعلى السُّلطانِ أن يتَفَقَّدَ الآلةَ التي يَسْتَوْفِى بها، فإن كانت كالَّةً مَنَعَه الاسْتِيفاءَ بها، لئلَّا يُعَذِّبَ المَقْتُولَ. وقد رَوَى شَدَّادُ بن أوْسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ، فَإذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ (٥٠)، ولْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" (٥١). وإن كانتْ مَسْمُومةً، مَنَعَه الاسْتِيفاءَ بها؛ لأنَّها تُفْسِدُ البَدَنَ، وربَّما مَنَعَتْ غُسْلَه. وإن عَجَّلَ فاسْتَوْفَى بآلَةٍ كالَّةٍ أو مَسْمُومةٍ، عُزِّرَ. وإن كان السَّيْفُ صارمًا غيرَ مَسْمُومٍ، نَظَرَ في الوَلِىِّ؛ فإن كان يُحْسِنُ الاسْتيفاءَ، ويُكْمِلُه بالقُوَّةِ والمَعْرِفةِ، مَكَّنَه منه، لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (٥٢). وقال ﵇: "مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، إنْ (٥٣) أحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا الدِّيَةَ" (٥٤). ولأنَّه حَقٌّ له مُتَمَيِّزٌ، فكان له اسْتيفاؤُه بنَفْسِه

стр. 6055

إذا أَمْكَنَه، كسائِرِ الحُقُوقِ، وإن لم يُحْسِن الاسْتيفاءَ، أمَرَهُ بالتَّوْكيلِ؛ لأنَّه عاجِزٌ عن اسْتيفاءِ حَقِّه، فإن ادَّعَى الوَلِىُّ المعرفةَ بالاسْتيفاءِ، فأمْكَنه السُّلطانُ مِن ضَرْبِ عُنُقِه، فَضَرَبَ عُنُقَه فأبَانَه، فقد اسْتَوْفَى حَقَّه (٥٥)، وإن أصابَ غيرَه، وأقَرَّ بتَعَمُّدِ ذلك، عُزِّرَ. وإن قال: أخْطَأْتُ. وكانت الضَّرْبةُ في مَوْضعٍ قريبٍ من العُنُقِ، كالرَّأْسِ والمَنْكِبِ، قُبِلَ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ هذا ممَّا يجوزُ الخَطَأُ في مِثْلِه، وإن كان بَعِيدًا، كالوَسَطِ والرِّجْلينِ، لم يُقْبَلْ قولُه؛ لأنَّ مثلَ هذا لا يَقَعُ الخطأُ فيه. ثم إن أراد العَوْدَ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يُمَكَّنُ منه؛ لأنَّه تبَيَّنَ منه أنَّه لا يُحْسِنُ الاسْتِيفاءَ، ويَحْتَمِلُ العَوْدَ إلى مثلِ فِعْلِه. والثانى، يُمَكَّنُ منه. قاله القاضي: لأنَّ الظَّاهِرَ تَحَرُّزُه عن مثلِ ذلك ثانيًا. وإن كان الوَلِىُّ لا يُحْسِنُ الاسْتيفاءَ، أمَرَه بالتَّوْكِيلِ فيه؛ لأنَّه حَقُّه، فكان له التَّوكيلُ في اسْتيفائِه، كسائرِ حُقُوقِه. فإن لم يَجِدْ مَنْ يُوَكِّلُه إلَّا بعِوَضٍ، أخَذَ العِوَضَ من بيتِ المالِ. قال بعضُ أصحابِنا: يُرْزَقُ من بيتِ المالِ رَجُلٌ يَسْتَوْفِى الحُدُودَ والقِصاصَ؛ لأنَّ هذا من المصالحِ العامَّةِ. فإن لم يَحْصُلْ ذلك، فالأُجْرَةُ على الجانِى؛ لأنَّها أُجْرَةٌ لإِيفاءِ الحقِّ الذي عليه، فكانت عليه، كأُجْرَةِ الكَيَّالِ في بَيْعِ المَكِيلِ. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ على المُقْتَصِّ؛ لأنَّه وَكِيلُه، فكانت الأُجْرةُ على مُوَكِّلِه، كسائرِ المواضعِ، والذي على الجانِى التَّمْكينُ دُونَ الفِعْلِ، ولهذا لو أراد أن يَقْتَصَّ من نَفْسِه، لم يُمَكَّنْ منه، ولأنَّه لو كانتْ عليه أُجْرةُ التَّوْكِيلِ، لَلَزِمَتْه أُجْرةُ الوَلِىِّ إذا اسْتَوْفَى بنَفْسِه. وإن قال الجانى: أنا أقْتَصُّ لك من نَفْسِى. لم يَلْزَمْ تَمْكِينُه، ولم يَجُزْ ذلك له؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥٦). ولأنَّ معنى القِصاصِ أن يَفْعَلَ به كما فَعَلَ، ولأنَّ القِصاصَ حَقٌّ عليه لغيرِه، فلم يَجُزْ أن يكونَ هو المُسْتَوْفِىَ له، كالبائعِ لا يَسْتَوْفِى من نَفْسِه. فصل: وإن كان القِصاصُ لجماعةٍ من الأوْلِياءِ، وتَشاحُّوا في المُتَوَلِّى منهم

стр. 6056

للاسْتِيفاءِ، أُمِرُوا بتَوْكِيلِ أحَدِهم، أو واحدٍ من غيرهم، ولم يَجُزْ أن يتَوَلَّاه (٥٧) جَمِيعهُمْ؛ لما فيه من تَعْذِيبِ الجانِى، وتَعَدُّدِ أفْعالِهم. فإن لم يَتَّفِقُوا على واحدٍ، وتَشاحُّوا، وكان كلُّ واحدٍ منهم يُحْسِنُ الاسْتِيفاءَ، أُقْرِعَ بينهم؛ لأنَّ الحُقُوقَ إذا تساوَتْ وعُدِمَ التَّرْجِيحُ، صِرْنا إلى القُرْعةِ، كما لو تَشَاحُّوا في تَزْويجِ مُوَلِّيَتِهم، فمن خَرَجَتْ له القُرْعةُ، أُمِرَ الباقُونَ بتَوْكِيله، ولا يجوزُ له الاسْتِيفاءُ بغيرِ إذْنِهِم؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فلا يجوزُ اسْتيفاؤُه بغيرِ إذْنِهِم. وإن لم يَتّفِقُوا على تَوكيلِ واحدٍ، مُنِعُوا الاسْتِيفاء حتى يُوَكِّلُوا. ١٤٣٨ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَانَتِ الْجِرَاحُ بَرَأَتْ قَبْلَ قَتْلِه، فَعَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ ثَلَاثُ دِيَاتٍ، إلَّا أنْ يُرِيدُوا الْقَوَدَ، فيُقِيدُوا (١) وَيأْخُذُوا مِنْ مَالِهِ دِيَتَيْنِ) أمَّا إذا قَطَعَ يَدَيْه ورِجْلَيْه فَبَرَأتْ جِراحُه، ثم قَتَلَه، فقد اسْتَقَرَّ حُكْمُ القَطْعِ، ولِوَلِىِّ القَتِيلِ الخِيارُ، إن شاء عَفَا وأَخَذَ ثَلاثَ دِياتٍ؛ دِيَةً لنَفْسِه، ودِيَةً ليَدَيْه، ودِيَةً لِرِجْلَيْهِ، وإن شاء قَتَلَه قِصاصًا بالقَتْلِ، وأخذ دِيَتَيْنِ لأَطْرافِه. وإن أحَبَّ قَطَعَ أَطْرافَه الأرْبعةَ، وأخَذَ دِيةً لنَفْسِه. وإن أحَبَّ قَطَعَ يَدَيْه، وأخَذَ دِيَتَيْنِ لنَفْسِه ورِجْلَيْه. وإن أحبَّ قَطَعَ رجْلَيْه، وأخذَ دِيَتَيْنِ لنَفْسِه ويَدَيْه. وإن أحَبَّ قَطَعَ طَرَفًا واحدًا، وأخذ دِيَةَ الباقِى. وإن أحبَّ قَطَعَ ثلاثةَ أطْرافٍ، وأخَذَ دِيَةَ الباقِى. وكذلك سائرُ فُرُوعِها؛ لأنَّ حُكْمَ القَطْعِ اسْتَقَرَّ قبلَ القَتْلِ بالانْدِمالِ، فلم يتغَيَّرْ حُكْمُه بالقَتْلِ الحادِث بعدَه، كما لو قَتَلَه أجْنَبِىٌّ، ولا نعلمُ في هذا مُخالِفًا. فصل: فإن اختلَفَ الجانِى والوَلِىُّ في انْدِمالِ الجُرْحِ قبلَ القَتْلِ، وكانت المُدَّةُ بينهما يَسِيرةً، لا يَحْتَمِلُ انْدِمالَه في مثلِها، فالقولُ قولُ الجانِى بغيرِ يَمِينٍ. وإن اختلَفا في

стр. 6057

مُضِىِّ المُدَّةِ، فالقولُ قولُ الجانِى مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ مُضِيِّها، وإن كانت المُدَّةُ ممَّا يَحْتَمِلُ البُرْءَ فيها، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ مع يَمِينِه؛ لأنَّه قد وُجِدَ سَبَبُ (٢) وَجُوبِ دِيَةِ اليَدَيْنِ بقَطْعِهِما، والجانى يَدَّعِى سُقُوطَ دِيَتِهما بالقَتْلِ، والأصلُ عَدَمُ ذلك. فإن كانت للجانِى بَيِّنَةٌ ببَقَاءِ المَجْنِىِّ عليه ضَمِنًا حتى قَتَلَه، حُكِمَ له ببَيِّنَتِهِ، وإن كانتْ (٣) للولىِّ بَيِّنَةٌ ببُرْئِه، حُكِمَ له أيضًا، وإن تعارَضَتا، قُدِّمَتْ بَيِّنةُ الوَلِىِّ؛ لأنَّها مُثْبِتةٌ للبُرْءِ. ويَحْتَمِلُ أن يكون القولُ قولَ الجانِى، إذا لم يكُنْ لهما بَيِّنَةٌ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الجِراحةِ، وعَدَمُ انْدِمالِها. وإن قَطَعَ أطْرافَه فمات، واختلَفا، هل بَرَأَ قبلَ المَوْتِ، أو مات بسِرَايةِ الجُرْحِ؟ أو قال الوَلِىُّ: إنَّه مات بسَبَبٍ آخرَ، كأنَّه (٤) لُدِغَ، أو ذَبَحَ نَفسَه، أو ذَبَحه غيرُه. فالحكمُ فيما إذا مات بغيرِ سببٍ آخَرَ، كالحكمِ فيما إذا قَتَلَه، سَواءً. وأمَّا إذا مات بقَتْلٍ أو سَبَبٍ آخرَ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، تقديمُ قولِ الْجانِى؛ لأنَّ الظاهِرَ بَقاءُ الجِنايةِ، والأصْلُ عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ، فيكونُ الظَّاهِرُ معه. والثانى، القولُ قولُ وَلِىِّ الجِنايةِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الدِّيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وُجِدَ سَبَبُهما، حتى يُوجَدَ ما يُزِيلُهما. فإن كانتْ دَعْواهُما بالعَكْسِ، فقال الولىُّ: مات من سِرَايةِ قَطْعِكَ، فعليك القِصاصُ في النَّفْسِ. فقال الجانِى: بل انْدَمَلَتْ جِراحُه قبلَ مَوْتِهِ. أو ادَّعَى مَوْتَه بسببٍ آخَرَ، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ مع يَمِينِه؛ لأنَّ الجُرْحَ سَبَبٌ للموتِ، وقد تحقَّقَ، والأصلُ عَدَمُ الانْدِمالِ، وعَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ يَحْصُلُ الزُّهُوقُ به، وسَواءٌ كان الجُرْحُ فيما يَجِبُ به القِصاصُ في الطَّرَفِ، كقَطْعِ اليَدِ من مَفْصِلٍ أو لا (٥) يُوجِبُه، كالجائِفَةِ والْقَطْعِ من غير مَفْصِلٍ. وهذا كلُّه مذهبُ الشافعىِّ. ١٤٣٩ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ رَمَى، وَهُوَ مُسْلِمٌ كَافِرًا عَبْدًا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ

стр. 6058

السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وأسْلَمَ، فَلَا قَوَدَ، وَعَلَيْه دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ، إذَا مَاتَ مِن الرَّمْيَةِ (١)) هذا قولُ ابنِ حامدٍ، ومذهبُ الشافعىِّ. وقال أبو بكرٍ: يَجِبُ القَوَدُ؛ لأنَّه قَتَل (٢) مُكافِئًا له ظُلْمًا عَمْدًا، فوَجَبَ القِصاصُ، كما لو كان حُرًّا مسلمًا حَالَ الرَّمْىِ، يُحَقِّقُه أنَّ الاعْتبارَ بحالِ الإِصابةِ (٣)، بدليلِ ما لو رَمَى مُسْلِمًا حَيًّا، فلم يَقَعْ به السَّهْمُ حتى ارْتَدَّ أو ماتَ، لم يَلْزَمْه شيءٌ، ولو رَمَى عبدًا كافرًا، فلم يَقَعْ به السَّهْمُ حتى عَتَقَ وأسْلَمَ، فعليه دِيَةُ حُرٍّ مسلمٍ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه في العبدِ دِيَةُ عَبْدٍ لمَوْلاه؛ لأنَّ الإصابةَ ناشِئةٌ عن إرْسالِ السَّهْمِ، فكان الاعْتبارُ بها، كحالةِ الجرْحِ. فأمَّا الكافرُ، فمَذْهَبُه أنَّ دِيَتَه دِيَةُ المسلمِ، وأنَّه يُقْتَلُ به المُسْلِمُ، وكذلك يُقْتَلُ الحُرُّ بالعَبْدِ. ولَنا على دَرْءِ الْقِصاصِ، أنَّه لم يَقْصِدْ (٤) إلى نفسٍ مُكافِئةٍ (٥) له حالَ الرَّمْىِ، فلم يَجِبْ عليه قِصاصٌ، كما لو رَمَى حَرْبِيًّا أو مُرْتَدًّا فأسلمَ. وعلى أبى حنيفةَ، أنَّه أتلَفَ حُرًّا، فضَمِنَه ضَمانَ الأحْرارِ، كما لو قَصَدَ صَيْدًا. وما قاله يَبْطُلُ بما إذا رَمَى حَيًّا فأصَابَه مَيّتًا، أو صَحِيحًا فأصابَه مَعِيبًا. ولَنا على أن دِيَتَه تجبُ لوَرَثَتِه دُونَ سَيِّدِه، أنَّه إذا أسْلَمَ تَجِبُ دِيَتُه لوَرَثَتِه المسلمينَ دُون الكُفَّارِ، إنْ (٦) مات مُسْلِمًا حرًّا، فكانت دِيَتُه لوَرَثَتِه المسلمينَ، كما لو كان كذلك حالَ رَمْيِه، ولأنَّ المِيراثَ إنَّما يُسْتَحَقُّ بالمَوْتِ، فتُعْتَبَرُ حالُه حينئذٍ، لا حينَ سَبَبِ المَوْتِ، بدَليلِ ما لو مَرِضَ وهو عبدٌ كافرٌ، ثم أسلمَ ومات بتلك العِلَّةِ، والواجبُ بَدَلُ المَحَلِّ، فيُعْتبَرُ بالمَحَلِّ الذي فات بها، فيَجِبُ بقَدْرِه، وقد فات بها نَفْسُ حُرٍّ مسلمٍ، والقِصاصُ جَزاءُ الفِعْلِ، فيُعْتَبَرُ الفِعْلُ فيه والإِصابةُ معًا؛ لأنَّهما طَرَفَاه، فلذلك، لم يَجِب القِصاصُ بقَتْلِه.

стр. 6059

فصل: ولم يُفَرِّق الْخِرَقِىُّ بين كَوْنِ الكافرِ ذِمِّيًّا أو غيرَه، إلَّا أنَّه يتَعَيَّنُ التَّفْريقُ فيه، فمتى رَمَى إلى حَرْبِىٍّ في دار الحَرْبِ، فأسْلَم قبلَ وُقُوعِ الرَّمْيةِ به، فلا دِيَةَ له، وفيه الكَفَّارةُ؛ لأنَّه رَمْىٌ مَنْدُوبٌ إليه، مأْمورٌ به، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَه في دارِ الحربِ يَظُنُّه حَرْبِيًّا، وكان قد أسلمَ وكَتَم إسلامَه. وفيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّ فيه الدِّيَةَ على عاقِلةِ الْقاتلِ؛ لأنَّه نَوْعُ خَطَإٍ، فكذلك ههُنا. ولو رَمَى مُرْتَدًّا في دارِ الإِسلامِ، فأسْلمَ ثم وَقَعَ السهمُ به، ضَمِنَه؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ بإرْسالِ سَهْمِه عليه؛ لأنَّ قَتْلَ المُرْتَدِّ إلى الإِمامِ، لا إلى آحادِ الناسِ، وقَتْلُه بالسَّيْفِ لا بالسَّهْمِ. فصل: ولو رَمَى حَرْبِيًّا، فتَتَرّسَ بمُسْلِمٍ، فأصَابَه فقَتَلَه، نَظَرْنا؛ فإن (٧) تتَرَّسَ به بعدَ الرَّمْىِ، ففيه الكَفَّارةُ، وفى الدِّيَةِ على عاقِلَةِ الرامِى رِوايتان، كالتى قبلَها، وإن تترَّسَ به قبلَ الرَّمْىِ، لم يَجُزْ رَمْيُه، إلَّا أن يخَافَ على المسلمينَ، فيَرْمِىَ الكافِرَ، ولا يَقْصِدُ المُسْلِمَ، فإذا قَتَلَه، ففى دِيَتِه أيضًا رِوَايتان، وإن رَمَاهُ من غيرِ خَوْفٍ على المسلمين (٨) فقَتَلَه، فعليه دِيَتُه؛ لأنَّه لم يَجُزْ له رَمْيُه. فصل: ولو قَطَعَ يَدَ عبدٍ، ثم أُعْتِقَ ومات، أو يَدَ ذِمِّىٍّ، ثم أسْلَمَ ومات، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، الواجبُ دِيَةُ حُرٍّ مسلمٍ، لوَرَثَتِه ولِسَيِّدِه منها أقلُّ الأمْرَينِ من دِيَتِه أو أرْشِ جِنايَتِه، اعتبارًا بحالِ اسْتِقْرارِ الجِنايةِ. وقال القاضي، وأبو بكرٍ: تجبُ قيمةُ العَبْدِ بالِغةً ما بَلَغَتْ، مَصْرُوفةً إلى السَّيِّدِ، اعْتبارًا بحالِ الجِنايةِ؛ لأنَّها المُوجِبَةُ (٩) للضَّمانِ، فاعْتُبِرَتْ حالَ وُجُودِها. ومُقْتَضَى قولِهما ضَمانُ الذِّمِّىِّ الذي أسْلَمَ بدِيَةِ ذمِّىٍّ، ويَلْزَمُهُما على هذا أن يَصْرِفاها إِلى وَرَثَتِه من أهلِ الذِّمَّةِ، وهو غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الدِّيَةَ لا تَخْلُو من أن تكونَ مُسْتَحَقّةً للمَجْنِىِّ عليه، أو لوَرَثَتِه؛ فإن كانت له، وَجَبَ أن تكونَ

стр. 6060

لوَرَثَتِه المسلمينَ (١٠)، كسائرِ أموالِه وأمْلاكِه، وكالذى (١١) كَسَبه بعد جرْحِه، وإن كانت تَحْدُثُ على مِلْكِ وَرَثَتِه، فوَرَثَتُه هم المسلمونَ دُونَ الكُفَّارِ. فصل: وإذا قَطَعَ أنْفَ عَبْدٍ قِيمَتُه أَلْفُ (١٢) دِينارٍ، فانْدَمَلَ، ثم أعْتَقَه السَّيِّدُ. وَجَبَتْ قِيمَتُه بكمالِها للسَّيِّدِ. وإن أعْتَقه ثم انْدَمَلَ، فكذلك؛ لأنَّه إنَّما اسْتَقَرَّ بالانْدمالِ ما وَجَبَ بالجِنايةِ، والجِنايةُ كانتْ في مِلْكِ سَيِّدِه. وإن مات من سِرايةِ الجُرْحِ، فكذلك في قولِ أبى بكرٍ والقاضى. وهو قولُ المُزَنِىِّ؛ لأنَّ الجِنايةَ يُراعَى فيها حالُ وُجُودِها. وذكر القاضي، أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في رِوايةِ حَنْبلٍ، في مَن فَقَأَ عَيْنَىْ عَبْدٍ، ثم أُعْتِقَ ومات، ففيه قِيمَتُه لا الدِّيَةُ. ومقتضى قولِ الْخِرَقِىِّ، أنَّ الواجِبَ فيه دِيَةُ حُرٍّ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ اعتبارَ الجِنايةِ بحالةِ الاسْتِقْرارِ، وقد ذكَرْناه. وتُصْرَفُ إلى السَّيِّدِ؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ أقَلَّ الأمْرَينِ من دِيَتِه أو أَرْشِ الجُرْحِ، والدِّيَةُ ههُنا أقَلُّ الأمْرَينْ. وما ذكرُوه يَنْتَقِضُ بما إذا قَطَعَ يَدَيْه ورِجْلَيْه، فمات بسِرَايةِ الجُرْحِ؛ فإنَّ الواجِبَ دِيَةُ النَّفْسِ، لا دِيةُ الجُرْحِ. فصل: وإن قَطَعَ يَدَ عبدٍ، فأُعْتِقَ، ثم عادَ فقَطَعَ رِجْلَه، وانْدَمَل القَطْعانِ، فلا قِصاصَ في اليَد؛ لأنَّها قُطِعَتْ في حالِ رِقِّه، ويَجِبُ فيها نِصْفُ قِيمَتِه، أو ما نَقَصَه القَطْعُ لِسَيِّده، ويَجِبُ القِصاصُ في الرِّجْلِ التي قَطَعها حالَ حُرِّيتِه، أو نِصْفُ الدِّيَةِ إن عَفَا عن القِصاصِ لوَرَثَتِه. وإن انْدَمَلَ قَطْعُ اليَدِ، وسَرَى قَطْعُ الرِّجْلِ إلى نَفْسِه، ففى اليَد نِصْفُ القِيمةِ لسَيِّدِه، وعلى القاطِعِ القِصاصُ في النفسِ، أو الدِّيَةُ كاملةً لوَرَثَتِه. وإن انْدَمَلَ قَطْعُ الرِّجْلِ، وسَرَى قَطْعُ اليدِ، ففى الرِّجْلِ القِصاصُ بقَطْعِها، أو نِصْفُ الدِّيَةِ لوَرَثَتِه، ولا قِصاصَ في اليَدِ، ولا في سِرَايتِها، وعلى الجانِى دِيَةُ حُرٍّ، لسَيِّدِه منها أقَلُّ الأمْرَيْنِ من أرْشِ القَطْعِ أو دِيَةُ الحُرِّ، على قولِ ابنِ حامدٍ. وعلى قولِ أبى بكرٍ
следующие страницы →