← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

للاسْتِيفاءِ، أُمِرُوا بتَوْكِيلِ أحَدِهم، أو واحدٍ من غيرهم، ولم يَجُزْ أن يتَوَلَّاه (٥٧) جَمِيعهُمْ؛ لما فيه من تَعْذِيبِ الجانِى، وتَعَدُّدِ أفْعالِهم. فإن لم يَتَّفِقُوا على واحدٍ، وتَشاحُّوا، وكان كلُّ واحدٍ منهم يُحْسِنُ الاسْتِيفاءَ، أُقْرِعَ بينهم؛ لأنَّ الحُقُوقَ إذا تساوَتْ وعُدِمَ التَّرْجِيحُ، صِرْنا إلى القُرْعةِ، كما لو تَشَاحُّوا في تَزْويجِ مُوَلِّيَتِهم، فمن خَرَجَتْ له القُرْعةُ، أُمِرَ الباقُونَ بتَوْكِيله، ولا يجوزُ له الاسْتِيفاءُ بغيرِ إذْنِهِم؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فلا يجوزُ اسْتيفاؤُه بغيرِ إذْنِهِم. وإن لم يَتّفِقُوا على تَوكيلِ واحدٍ، مُنِعُوا الاسْتِيفاء حتى يُوَكِّلُوا. ١٤٣٨ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَانَتِ الْجِرَاحُ بَرَأَتْ قَبْلَ قَتْلِه، فَعَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ ثَلَاثُ دِيَاتٍ، إلَّا أنْ يُرِيدُوا الْقَوَدَ، فيُقِيدُوا (١) وَيأْخُذُوا مِنْ مَالِهِ دِيَتَيْنِ) أمَّا إذا قَطَعَ يَدَيْه ورِجْلَيْه فَبَرَأتْ جِراحُه، ثم قَتَلَه، فقد اسْتَقَرَّ حُكْمُ القَطْعِ، ولِوَلِىِّ القَتِيلِ الخِيارُ، إن شاء عَفَا وأَخَذَ ثَلاثَ دِياتٍ؛ دِيَةً لنَفْسِه، ودِيَةً ليَدَيْه، ودِيَةً لِرِجْلَيْهِ، وإن شاء قَتَلَه قِصاصًا بالقَتْلِ، وأخذ دِيَتَيْنِ لأَطْرافِه. وإن أحَبَّ قَطَعَ أَطْرافَه الأرْبعةَ، وأخَذَ دِيةً لنَفْسِه. وإن أحَبَّ قَطَعَ يَدَيْه، وأخَذَ دِيَتَيْنِ لنَفْسِه ورِجْلَيْه. وإن أحبَّ قَطَعَ رجْلَيْه، وأخذَ دِيَتَيْنِ لنَفْسِه ويَدَيْه. وإن أحَبَّ قَطَعَ طَرَفًا واحدًا، وأخذ دِيَةَ الباقِى. وإن أحبَّ قَطَعَ ثلاثةَ أطْرافٍ، وأخَذَ دِيَةَ الباقِى. وكذلك سائرُ فُرُوعِها؛ لأنَّ حُكْمَ القَطْعِ اسْتَقَرَّ قبلَ القَتْلِ بالانْدِمالِ، فلم يتغَيَّرْ حُكْمُه بالقَتْلِ الحادِث بعدَه، كما لو قَتَلَه أجْنَبِىٌّ، ولا نعلمُ في هذا مُخالِفًا. فصل: فإن اختلَفَ الجانِى والوَلِىُّ في انْدِمالِ الجُرْحِ قبلَ القَتْلِ، وكانت المُدَّةُ بينهما يَسِيرةً، لا يَحْتَمِلُ انْدِمالَه في مثلِها، فالقولُ قولُ الجانِى بغيرِ يَمِينٍ. وإن اختلَفا في

стр. 6057

مُضِىِّ المُدَّةِ، فالقولُ قولُ الجانِى مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ مُضِيِّها، وإن كانت المُدَّةُ ممَّا يَحْتَمِلُ البُرْءَ فيها، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ مع يَمِينِه؛ لأنَّه قد وُجِدَ سَبَبُ (٢) وَجُوبِ دِيَةِ اليَدَيْنِ بقَطْعِهِما، والجانى يَدَّعِى سُقُوطَ دِيَتِهما بالقَتْلِ، والأصلُ عَدَمُ ذلك. فإن كانت للجانِى بَيِّنَةٌ ببَقَاءِ المَجْنِىِّ عليه ضَمِنًا حتى قَتَلَه، حُكِمَ له ببَيِّنَتِهِ، وإن كانتْ (٣) للولىِّ بَيِّنَةٌ ببُرْئِه، حُكِمَ له أيضًا، وإن تعارَضَتا، قُدِّمَتْ بَيِّنةُ الوَلِىِّ؛ لأنَّها مُثْبِتةٌ للبُرْءِ. ويَحْتَمِلُ أن يكون القولُ قولَ الجانِى، إذا لم يكُنْ لهما بَيِّنَةٌ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الجِراحةِ، وعَدَمُ انْدِمالِها. وإن قَطَعَ أطْرافَه فمات، واختلَفا، هل بَرَأَ قبلَ المَوْتِ، أو مات بسِرَايةِ الجُرْحِ؟ أو قال الوَلِىُّ: إنَّه مات بسَبَبٍ آخرَ، كأنَّه (٤) لُدِغَ، أو ذَبَحَ نَفسَه، أو ذَبَحه غيرُه. فالحكمُ فيما إذا مات بغيرِ سببٍ آخَرَ، كالحكمِ فيما إذا قَتَلَه، سَواءً. وأمَّا إذا مات بقَتْلٍ أو سَبَبٍ آخرَ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، تقديمُ قولِ الْجانِى؛ لأنَّ الظاهِرَ بَقاءُ الجِنايةِ، والأصْلُ عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ، فيكونُ الظَّاهِرُ معه. والثانى، القولُ قولُ وَلِىِّ الجِنايةِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الدِّيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وُجِدَ سَبَبُهما، حتى يُوجَدَ ما يُزِيلُهما. فإن كانتْ دَعْواهُما بالعَكْسِ، فقال الولىُّ: مات من سِرَايةِ قَطْعِكَ، فعليك القِصاصُ في النَّفْسِ. فقال الجانِى: بل انْدَمَلَتْ جِراحُه قبلَ مَوْتِهِ. أو ادَّعَى مَوْتَه بسببٍ آخَرَ، فالقولُ قولُ الوَلِىِّ مع يَمِينِه؛ لأنَّ الجُرْحَ سَبَبٌ للموتِ، وقد تحقَّقَ، والأصلُ عَدَمُ الانْدِمالِ، وعَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ يَحْصُلُ الزُّهُوقُ به، وسَواءٌ كان الجُرْحُ فيما يَجِبُ به القِصاصُ في الطَّرَفِ، كقَطْعِ اليَدِ من مَفْصِلٍ أو لا (٥) يُوجِبُه، كالجائِفَةِ والْقَطْعِ من غير مَفْصِلٍ. وهذا كلُّه مذهبُ الشافعىِّ. ١٤٣٩ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ رَمَى، وَهُوَ مُسْلِمٌ كَافِرًا عَبْدًا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ

стр. 6058

السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وأسْلَمَ، فَلَا قَوَدَ، وَعَلَيْه دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ، إذَا مَاتَ مِن الرَّمْيَةِ (١)) هذا قولُ ابنِ حامدٍ، ومذهبُ الشافعىِّ. وقال أبو بكرٍ: يَجِبُ القَوَدُ؛ لأنَّه قَتَل (٢) مُكافِئًا له ظُلْمًا عَمْدًا، فوَجَبَ القِصاصُ، كما لو كان حُرًّا مسلمًا حَالَ الرَّمْىِ، يُحَقِّقُه أنَّ الاعْتبارَ بحالِ الإِصابةِ (٣)، بدليلِ ما لو رَمَى مُسْلِمًا حَيًّا، فلم يَقَعْ به السَّهْمُ حتى ارْتَدَّ أو ماتَ، لم يَلْزَمْه شيءٌ، ولو رَمَى عبدًا كافرًا، فلم يَقَعْ به السَّهْمُ حتى عَتَقَ وأسْلَمَ، فعليه دِيَةُ حُرٍّ مسلمٍ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه في العبدِ دِيَةُ عَبْدٍ لمَوْلاه؛ لأنَّ الإصابةَ ناشِئةٌ عن إرْسالِ السَّهْمِ، فكان الاعْتبارُ بها، كحالةِ الجرْحِ. فأمَّا الكافرُ، فمَذْهَبُه أنَّ دِيَتَه دِيَةُ المسلمِ، وأنَّه يُقْتَلُ به المُسْلِمُ، وكذلك يُقْتَلُ الحُرُّ بالعَبْدِ. ولَنا على دَرْءِ الْقِصاصِ، أنَّه لم يَقْصِدْ (٤) إلى نفسٍ مُكافِئةٍ (٥) له حالَ الرَّمْىِ، فلم يَجِبْ عليه قِصاصٌ، كما لو رَمَى حَرْبِيًّا أو مُرْتَدًّا فأسلمَ. وعلى أبى حنيفةَ، أنَّه أتلَفَ حُرًّا، فضَمِنَه ضَمانَ الأحْرارِ، كما لو قَصَدَ صَيْدًا. وما قاله يَبْطُلُ بما إذا رَمَى حَيًّا فأصَابَه مَيّتًا، أو صَحِيحًا فأصابَه مَعِيبًا. ولَنا على أن دِيَتَه تجبُ لوَرَثَتِه دُونَ سَيِّدِه، أنَّه إذا أسْلَمَ تَجِبُ دِيَتُه لوَرَثَتِه المسلمينَ دُون الكُفَّارِ، إنْ (٦) مات مُسْلِمًا حرًّا، فكانت دِيَتُه لوَرَثَتِه المسلمينَ، كما لو كان كذلك حالَ رَمْيِه، ولأنَّ المِيراثَ إنَّما يُسْتَحَقُّ بالمَوْتِ، فتُعْتَبَرُ حالُه حينئذٍ، لا حينَ سَبَبِ المَوْتِ، بدَليلِ ما لو مَرِضَ وهو عبدٌ كافرٌ، ثم أسلمَ ومات بتلك العِلَّةِ، والواجبُ بَدَلُ المَحَلِّ، فيُعْتبَرُ بالمَحَلِّ الذي فات بها، فيَجِبُ بقَدْرِه، وقد فات بها نَفْسُ حُرٍّ مسلمٍ، والقِصاصُ جَزاءُ الفِعْلِ، فيُعْتَبَرُ الفِعْلُ فيه والإِصابةُ معًا؛ لأنَّهما طَرَفَاه، فلذلك، لم يَجِب القِصاصُ بقَتْلِه.

стр. 6059

فصل: ولم يُفَرِّق الْخِرَقِىُّ بين كَوْنِ الكافرِ ذِمِّيًّا أو غيرَه، إلَّا أنَّه يتَعَيَّنُ التَّفْريقُ فيه، فمتى رَمَى إلى حَرْبِىٍّ في دار الحَرْبِ، فأسْلَم قبلَ وُقُوعِ الرَّمْيةِ به، فلا دِيَةَ له، وفيه الكَفَّارةُ؛ لأنَّه رَمْىٌ مَنْدُوبٌ إليه، مأْمورٌ به، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَه في دارِ الحربِ يَظُنُّه حَرْبِيًّا، وكان قد أسلمَ وكَتَم إسلامَه. وفيه روايةٌ أُخْرَى، أنَّ فيه الدِّيَةَ على عاقِلةِ الْقاتلِ؛ لأنَّه نَوْعُ خَطَإٍ، فكذلك ههُنا. ولو رَمَى مُرْتَدًّا في دارِ الإِسلامِ، فأسْلمَ ثم وَقَعَ السهمُ به، ضَمِنَه؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ بإرْسالِ سَهْمِه عليه؛ لأنَّ قَتْلَ المُرْتَدِّ إلى الإِمامِ، لا إلى آحادِ الناسِ، وقَتْلُه بالسَّيْفِ لا بالسَّهْمِ. فصل: ولو رَمَى حَرْبِيًّا، فتَتَرّسَ بمُسْلِمٍ، فأصَابَه فقَتَلَه، نَظَرْنا؛ فإن (٧) تتَرَّسَ به بعدَ الرَّمْىِ، ففيه الكَفَّارةُ، وفى الدِّيَةِ على عاقِلَةِ الرامِى رِوايتان، كالتى قبلَها، وإن تترَّسَ به قبلَ الرَّمْىِ، لم يَجُزْ رَمْيُه، إلَّا أن يخَافَ على المسلمينَ، فيَرْمِىَ الكافِرَ، ولا يَقْصِدُ المُسْلِمَ، فإذا قَتَلَه، ففى دِيَتِه أيضًا رِوَايتان، وإن رَمَاهُ من غيرِ خَوْفٍ على المسلمين (٨) فقَتَلَه، فعليه دِيَتُه؛ لأنَّه لم يَجُزْ له رَمْيُه. فصل: ولو قَطَعَ يَدَ عبدٍ، ثم أُعْتِقَ ومات، أو يَدَ ذِمِّىٍّ، ثم أسْلَمَ ومات، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، الواجبُ دِيَةُ حُرٍّ مسلمٍ، لوَرَثَتِه ولِسَيِّدِه منها أقلُّ الأمْرَينِ من دِيَتِه أو أرْشِ جِنايَتِه، اعتبارًا بحالِ اسْتِقْرارِ الجِنايةِ. وقال القاضي، وأبو بكرٍ: تجبُ قيمةُ العَبْدِ بالِغةً ما بَلَغَتْ، مَصْرُوفةً إلى السَّيِّدِ، اعْتبارًا بحالِ الجِنايةِ؛ لأنَّها المُوجِبَةُ (٩) للضَّمانِ، فاعْتُبِرَتْ حالَ وُجُودِها. ومُقْتَضَى قولِهما ضَمانُ الذِّمِّىِّ الذي أسْلَمَ بدِيَةِ ذمِّىٍّ، ويَلْزَمُهُما على هذا أن يَصْرِفاها إِلى وَرَثَتِه من أهلِ الذِّمَّةِ، وهو غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الدِّيَةَ لا تَخْلُو من أن تكونَ مُسْتَحَقّةً للمَجْنِىِّ عليه، أو لوَرَثَتِه؛ فإن كانت له، وَجَبَ أن تكونَ

стр. 6060

لوَرَثَتِه المسلمينَ (١٠)، كسائرِ أموالِه وأمْلاكِه، وكالذى (١١) كَسَبه بعد جرْحِه، وإن كانت تَحْدُثُ على مِلْكِ وَرَثَتِه، فوَرَثَتُه هم المسلمونَ دُونَ الكُفَّارِ. فصل: وإذا قَطَعَ أنْفَ عَبْدٍ قِيمَتُه أَلْفُ (١٢) دِينارٍ، فانْدَمَلَ، ثم أعْتَقَه السَّيِّدُ. وَجَبَتْ قِيمَتُه بكمالِها للسَّيِّدِ. وإن أعْتَقه ثم انْدَمَلَ، فكذلك؛ لأنَّه إنَّما اسْتَقَرَّ بالانْدمالِ ما وَجَبَ بالجِنايةِ، والجِنايةُ كانتْ في مِلْكِ سَيِّدِه. وإن مات من سِرايةِ الجُرْحِ، فكذلك في قولِ أبى بكرٍ والقاضى. وهو قولُ المُزَنِىِّ؛ لأنَّ الجِنايةَ يُراعَى فيها حالُ وُجُودِها. وذكر القاضي، أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في رِوايةِ حَنْبلٍ، في مَن فَقَأَ عَيْنَىْ عَبْدٍ، ثم أُعْتِقَ ومات، ففيه قِيمَتُه لا الدِّيَةُ. ومقتضى قولِ الْخِرَقِىِّ، أنَّ الواجِبَ فيه دِيَةُ حُرٍّ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ اعتبارَ الجِنايةِ بحالةِ الاسْتِقْرارِ، وقد ذكَرْناه. وتُصْرَفُ إلى السَّيِّدِ؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ أقَلَّ الأمْرَينِ من دِيَتِه أو أَرْشِ الجُرْحِ، والدِّيَةُ ههُنا أقَلُّ الأمْرَينْ. وما ذكرُوه يَنْتَقِضُ بما إذا قَطَعَ يَدَيْه ورِجْلَيْه، فمات بسِرَايةِ الجُرْحِ؛ فإنَّ الواجِبَ دِيَةُ النَّفْسِ، لا دِيةُ الجُرْحِ. فصل: وإن قَطَعَ يَدَ عبدٍ، فأُعْتِقَ، ثم عادَ فقَطَعَ رِجْلَه، وانْدَمَل القَطْعانِ، فلا قِصاصَ في اليَد؛ لأنَّها قُطِعَتْ في حالِ رِقِّه، ويَجِبُ فيها نِصْفُ قِيمَتِه، أو ما نَقَصَه القَطْعُ لِسَيِّده، ويَجِبُ القِصاصُ في الرِّجْلِ التي قَطَعها حالَ حُرِّيتِه، أو نِصْفُ الدِّيَةِ إن عَفَا عن القِصاصِ لوَرَثَتِه. وإن انْدَمَلَ قَطْعُ اليَدِ، وسَرَى قَطْعُ الرِّجْلِ إلى نَفْسِه، ففى اليَد نِصْفُ القِيمةِ لسَيِّدِه، وعلى القاطِعِ القِصاصُ في النفسِ، أو الدِّيَةُ كاملةً لوَرَثَتِه. وإن انْدَمَلَ قَطْعُ الرِّجْلِ، وسَرَى قَطْعُ اليدِ، ففى الرِّجْلِ القِصاصُ بقَطْعِها، أو نِصْفُ الدِّيَةِ لوَرَثَتِه، ولا قِصاصَ في اليَدِ، ولا في سِرَايتِها، وعلى الجانِى دِيَةُ حُرٍّ، لسَيِّدِه منها أقَلُّ الأمْرَيْنِ من أرْشِ القَطْعِ أو دِيَةُ الحُرِّ، على قولِ ابنِ حامدٍ. وعلى قولِ أبى بكرٍ

стр. 6061

والقاضى، تَجِبُ قيمةُ العبدِ لسَيِّدِه، اعْتبارًا بحالِ جِنايَتِه. وإن سَرَى الجُرْحانِ، لم يجبِ القِصاصُ في النفسِ ولا اليَدِ؛ لأنَّه مات من جُرْحَيْنِ مُوجِبٍ وغيرِ موجبٍ، فلم يجبِ القِصاصُ، كما لو جَرَحَه جُرْحَيْنِ عَمْدًا وخطأً، ولكن يجبُ القِصاصُ في الرِّجْلِ؛ لأنَّه قَطَعَها من حُرٍّ، فإن اقْتصَّ منه، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه مات من جنايتِه، وقد اسْتَوْفَى منه ما يُقابلُ نِصْفَ الدِّيَةِ، وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأمْرينِ من نصفِ القِيمةِ أو نصفِ الدِّيَةِ، فإن زاد نِصْفُ الدِّيَةِ على نصفِ القِيمةِ، كان الزَّائدُ للوَرَثَةِ، وإن عَفَا ورَثَتُه عن القِصاصِ، فلهم أيضًا نِصْفُ الدِّيَةِ. وان كان قاطِعُ الرِّجْلِ غيرَ قاطعِ اليَدِ، وانْدَمَلَ الجُرْحانِ، فعلى قاطعِ اليَدِ نصفُ القِيمةِ لسَيِّدِه، وعلى قاطعِ الرِّجْلِ القِصاصُ فيها أو نِصْفُ الدِّيَةِ. وإِن سَرَى الجُرْحانِ إلى نَفْسِه، فلا قِصاصَ على الأوَّلِ؛ لأنَّه قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ، وعليه نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ؛ لأنَّ المَجْنِىَّ عليه حُرٌّ في حالِ قَرارِ الجِنايةِ، وعلى الثاني القِصاصُ في النفسِ إذا [كانَا عَمَدَا] (١٣) القَطْعَ؛ لأنَّه شارَكَ في القَتْلِ عَمْدًا عُدْوانًا، فهو كشَرِيكِ الأبِ. ويتَخَرَّجُ [أن لا قِصاصَ] (١٤) عليه في النَّفْسِ؛ لأنَّ الرُّوحَ خَرَجتْ من سِرايةِ قَطْعَيْنِ؛ مُوجِبٍ وغيرِ مُوجِبٍ، بِناءً على شَرِيكِ الأبِ. وإن عَفَا عنه إلى الدِّيَةِ، فعليه نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ. وان قُلْنا بوُجُوبِ القِصاصِ في النَّفْسِ، خُرِّجَ في وُجُوبِه في الطَّرَفِ رِوايتان، وان قُلْنا: لا تجبُ في النَّفْسِ. وَجَبَ في الرِّجْلِ. فصل: وإن قَلَعَ عينَ عَبْدٍ، ثم أُعْتِقَ، ثم قَطَعَ آخرُ يَدَه، ثم قَطَعَ آخرُ رِجْلَه، فلا قَوَدَ على الأوَّلِ، سواءٌ انْدَمَلَ جُرْحُه أو سَرَى، وأمَّا الآخَرَانِ، فعليهما القَوَدُ في الطَّرَفَيْنِ [إن وَقَفَ] (١٥) قَطْعُهما، أو دِيَتُهما إن عَفَا عنهما. وإن سَرَتِ الجِراحاتُ كلُّها، فعليهما القِصاصُ في النَّفْسِ؛ لأنَّ جِنَايَتَهما صارت نَفْسًا. وفى ذلك وفى القِصاصِ في الطَّرَفِ اخْتلافٌ وقد ذكَرْناه، وإن عَفَا عنهما، فعليهم الدِّيَةُ أثْلاثًا، وفيما يَسْتَحِقُّه

стр. 6062

السَّيِّدُ وَجْهان؛ أحدهما، أقَلُّ الأمْرَينِ من نِصْفِ القِيمةِ أو ثُلُثِ الدِّيَةِ. هذا قياسُ قولِ أبى بكرٍ؛ لأنَّه بالقَطْعِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ القِيمةِ، فإذا صارت نَفْسًا، وَجَبَ فيها ثُلُثُ الدِّيَةِ، فكان له أقَلُّ الأمْرَيْنِ (١٦). [والثانى، له] (١٧) أقَلُّ الأمْرَيْنِ من ثُلُثِ القيمةِ أو ثُلُثِ الدِّيَةِ؛ لأنَّ الجِنايةَ إذا صارتْ نَفْسًا، كان الاعْتبارُ بما آلَتْ إليه، ألا تَرَى أنَّه لو جَنَى الجانيان الآخَرَان قبلَ العِتْقِ أيضًا، لم يكُنْ على الأوَّلِ إلَّا ثُلُثُ القِيمَةِ، فلا يَزِيدُ حَقُّه بالعِتْقِ، كما لو قَلَعَ رَجُلٌ عَيْنَه، ثم باعه سَيِّدُه، ثم قَطَعَ آخرُ يَدَه، وآخرُ رِجْلَه، ثم مات، فإنَّه يكون للأوَّلِ ثُلُثُ القِيمةِ. وإن كان أرْشُ الجنايةِ نِصْفَ القِيمةِ، فإذا قُلْنا بالوَجْهِ الأوَّلِ، فلو كان الأوَّلُ قَطَعَ إصْبَعَيْه (١٨)، أو هَشَمَه، والجانِيَانِ في الحُرِّيَّةِ قَطَعا يَدَه (١٩)، فالدِّيةُ عليهم أثلاثًا، للسَّيِّدِ منها أقَلُّ الأمْرَينِ من أرْشِ الإِصْبَعِ وهو عُشْرُ القِيمةِ أو ثُلثِ الدِّيَةِ. ولو كان الجانى في حالِ الرِّقِّ قَطَعَ يَدَيْه، والجانِيَانِ في الحُرِّيَّةِ قَطَعَا رِجْلَيْه، وَجَبَتِ الدِّيَةُ أثْلاثًا، وكان للسَّيِّدِ منها أقلُّ الأمْرينِ من جميعِ القيمةِ (٢٠) أو ثُلُثِ الدِّيَةِ. وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ له في الفَرْعَيْنِ أقَلُّ الأمْرَيْنِ من ثُلُثِ القيمةِ أو ثُلثِ الدِّيَةِ. فصل (٢١): فإن كان الجانِيَانِ في حالِ الرِّقِّ، والواحدُ في حالِ الحُرِّيَّةِ، فمات، فعليهم الدِّيَةُ، وللسَّيِّدِ من ذلك، في أحدِ الوَجْهينِ، أقَلُّ الأمْرَيْنِ من أرْشِ الجنايتَيْنِ أو ثُلُثَيِ الدِّيَةِ، وعلى الآخَرِ أقَلُّ الأمْرَيْنِ من ثُلُثَيِ القِيمَةِ أو ثُلُثَيِ الدِّيَةِ. فصل: وإن كان الجُناةُ أرْبعةً؛ واحدٌ في حالِ (٢٢) الرِّقِّ، وثلاثةٌ في الحُرِّيَّةِ،

стр. 6063

ومات، كان للسَّيِّدِ في أحَدِ الوَجْهينِ، الأقَلُّ من أرْشِ الجِنايةِ أو رُبْعِ الدِّيَةِ، وعلى الآخَرِ الأقلُّ من رُبْعِ القِيمةِ أو رُبْعِ الدِّيَةِ. وإن كان الثلاثةُ في الرِّقِّ، والواحدُ في الحُرِّيَّةِ، كان للسَّيِّد أقلُّ الأمْرَينِ من أرْشِ الجِناياتِ أو ثلاثةِ (٢٣) أرْباعِ الدِّيَةِ، في أحَدِ الوَجْهينِ، وفى الآخَرِ الأقَلُّ من ثلاثةِ أرْباعِ القِيمَةِ أو ثلاثةِ أرْباعِ الدِّيَةِ. ولو كانوا عَشرةً، واحدٌ في الرِّقِّ، وتسعةٌ في الحُرِّيَّةِ، فالدِّيةُ عليهم، وللسَّيِّدِ فيها بحِسابِ ما ذكرْنا، على اخْتلافِ الوَجْهينِ. فصل: فإن قَطَعَ يَدَه، ثم أُعْتِقَ، فقَطَعَ آخرُ رِجْلَه، ثم عاد الأوَّلُ فقَتَلَه بعدَ الانْدِمالِ، فعليه القِصاصُ للوَرَثةِ، ونِصْفُ القيمةِ للسَّيِّدِ، وعلى الآخَرِ القِصاصُ للوَرثةِ في الرِّجْلِ أو نِصْفُ الدِّيَةِ. فإن كان قبلَ الانْدِمالِ، فعلى الجانِى الأوَّلِ القِصاصُ في النَّفْسِ دُونَ [الْيَدِ؛ لأنَّه قَطَعَها في رِقِّه. فإن اخْتارَ الورثةُ القِصاصَ في النَّفْسِ] (٢٤)، سَقَطَ حقُّ السَّيِّدِ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُسْتَحَقَّ عليه النَّفْسُ وأَرْشُ الطَّرَفِ قبلَ الانْدِمالِ، فإنَّ الطَّرَفَ داخِلٌ في النَّفْسِ في الأرْشِ. وإن اختارُوا العَفْوَ، فعليه الدِّيَةُ دُونَ أرْشِ الطَّرَفِ؛ لأنَّ أرْشَ الطَّرَفِ يَدْخُلُ في النَّفْسِ، وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأمْرَيْنِ من نِصْفِ القِيمَةِ أو أرْشِ الطَّرفِ، والباقى للورثةِ، وأمَّا الثاني، فعليه (٢٥) القِصاصُ في الرِّجْلِ؛ لأنَّ القَّتْلَ قَطَعَ سِرايَتَها، فصار كما لو انْدَمَلَتْ. فإن عَفَا عنه [فعليه نصفُ الدِّيَةِ. وإن كان الثاني هو الذي قَتَلَ قبلَ الانْدِمالِ] (٢٦)، فعليه القِصاصُ في النَّفْسِ. وهل يُقْطَعُ طَرَفُه؟ على رِوَايتَيْنِ. فإن عَفَا الوَرثَةُ، فعليه دِيَةٌ واحدةٌ. وأمَّا الأوَّلُ، فعليه نِصْفُ القِيمَةِ للسَّيِّدِ، ولا قِصاصَ عليه. وإن كان القاتلُ ثالِثًا، فقد اسْتَقَرَّ القَطْعانِ، ويكونُ على الأوَّلِ نِصْفُ القِيمَةِ لسَيِّدِه، وعلى الثاني القِصاصُ في الرِّجْلِ، أو نِصْفُ (٢٧) الدِّيَةِ

стр. 6064

لوَرَثَتِه، وعلى الثالثِ القِصاصُ في النَّفْسِ أو الدِّيَةُ. فصل: وإذا قَطَعَ رجلٌ يَدَ عَبْدِه، ثم أعْتَقَه، ثم انْدَمَلَ جُرْحُه، فلا قِصاص عليه ولا ضَمانَ؛ لأنَّه إنَّما قَطَعَ يَدَ عَبْدِه، وإنَّما استقرَّ بالانْدِمالِ ما وَجَبَ بالجِراحِ. وإن مات بعدَ العِتْقِ بسِرَايةِ الجُرْحِ، فلا قِصاصَ فيه؛ لأنَّ الجِنايةَ كانت على مَمْلُوكِه. وفى وُجُوبِ (٢٨) الضَّمان وَجْهان؛ أحدهما، لا يجبُ شيءٌ؛ لأنَّه مات بسِرَايةِ جُرْحٍ غيرِ مَضْمُونٍ، أشْبَهَ ما لو مات بسِرَايةِ القَطْعِ في الحَدِّ وسِرَايةِ القَوَدِ، ولأنَّا تبيَّنَّا أنَّ القَطْعَ كان قَتْلًا، فيكون (٢٩) قاتِلًا لعَبْدهِ، فلا يَلْزَمُه ضَمانُه، كما لو لم يَعْتِقْه. [وهذا بمُقْتَضَى قَولِ أبى بكرٍ] (٣٠). والثانى، يَضْمَنُه بما زاد على أرْشِ القَطْعِ من الدِّيَةِ؛ لأنَّه مات وهو حُرٌّ بسِرَايةِ قَطْع عُدْوانٍ، فيَضْمَنُ، كما لو كان القاطِعُ أجْنَبِيًّا، لكن يَسْقُطُ أرْشُ القَطْعِ؛ لأنَّه في مِلْكِه، ويجبُ الزَّائِدُ لوَرَثَتِه، فإن لم يكُنْ له وارِثٌ سِوَاهُ، وجَبَ لبيتِ المالِ، ولا يَرِثُ السَّيِّدُ شيئًا؛ لأنَّ القاتِلَ لا يَرِثُ. ١٤٤٠ - مسألة؛ قال: (وَإذَا قَتَلَ رَجُلٌ اثْنَيْنِ، واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، فاتَّفَقَ أوْلِيَاءُ الْجَمِيعِ عَلَى الْقَوَدِ، أُقِيدَ لَهُمَا. وَإنْ أرَادَ وَلِىُّ الأَوَّلِ القَوَدَ، والثَّانِى الدِّيَةَ، أُقِيدَ لِلْأَوَّلِ، وأُعْطِىَ أوْلِياءُ الثَّانِى الدِّيَةَ مِنْ مَالِهِ. وكَذلِكَ إنْ أرَادَ أوْلِياءُ الأَوَّلِ الدِّيَةَ، والثَّانِى الْقَوَدَ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا قَتَلَ اثنَيْنِ، فاتَّفَقَ أولياؤُهما على قَتْلِه بهما، قُتِلَ بهما. وإن أراد أحَدُهما القَوَدَ، والآخَرُ الدِّيَةَ، قُتِلَ لمن اخْتارَ (١) القَودَ، وأُعْطِىَ أوْلِياءُ (٢) الثاني الدِّيَةَ من مالِه، سواءٌ كان المُخْتارُ للقَودِ الثانىَ أو الأوَّلَ، وسواءٌ قَتَلَهُما دَفْعةً واحدةً، أو

стр. 6065

دَفْعتَيْنِ. فإن بادَرَ أحَدُهما فقَتَلَه، وَجَبَ (٣) للآخَرِ الدِّيَةُ في مالِه، أيّهما كان. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يُقْتَلُ بالْجماعةِ، ليس لهم إلَّا ذلك، وإن طَلَبَ بعضُهم الدِّيَةَ، فليسَ له، وإن بادَرَ أحَدُهم (٤) فقَتَلَهُ (٥)، سَقَطَ حقُّ الباقِينَ؛ لأنَّ الجماعةَ لو قَتَلُوا واحدًا قُتِلُوا به، فكذلك إذا قَتَلَهُم واحدٌ قُتِلَ بهم، كالواحدِ بالواحدِ. وقال الشافعيُّ: لا يُقْتَلُ إلَّا بواحدٍ، سواءٌ اتَّفَقُوا على [طَلَبِ القِصَاصِ] (٦) أو لم يَتَّفِقُوا؛ لأنَّه إذا كان لكلِّ واحدٍ اسْتِيفاءُ القِصاصِ، فاشْتِراكُهُم في المُطالبةِ لا يُوجِبُ تَدَاخُلَ (٧) حُقُوقِهِم، كسائرِ الحُقوقِ. ولَنا على أبى حنيفةَ، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ؛ إنْ أحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أحَبُّوا أخَذُوا العَقْلَ" (٨). فظاهِرُ هذا أنَّ أهلَ كلِّ قتيلٍ يَسْتَحِقُّونَ ما اخْتارُوه من القَتْلِ أو الدِّيَةِ، فإذا اتَّفَقُوا على القَتْلِ وَجَبَ لهم، وإن اخْتارَ بعضُهم الدِّيَةَ، وَجَبتْ (٩) له بظاهِرِ الخَبَرِ، ولأنَّهما جِنَايتانِ لا يتداخَلانِ إذا كانَتا خَطأً أو إحْداهما (١٠)، فلم يتَداخَلا في العَمْدِ، كالجِناياتِ على الأطْرافِ، وقد سَلَّمُوها. ولَنا على الشافعىِّ، أنَّه مَحَلٌّ تعَلَّقَ به حَقَّانِ، لا يَتَّسِعُ لهما معا، رَضِىَ المُسْتَحِقَّانِ به عنهما، فيُكْتَفَى به، كما لو قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدَيْنِ خطأً فرَضِىَ بأَخْذِه عنهما، ولأنَّهما رَضِيَا. بدُونِ حَقِّهِما فجاز، كما لو رَضِىَ صاحبُ الصَّحِيحةِ بِالشَّلَّاءِ، أو وَلِىُّ (١١) الحُرِّ بالعَبْدِ، ووَلِىُّ المسلمِ بالكافرِ. وفارَقَ ما إذا كان القَتْلُ خطأً؛ فإن الجنايةَ تجبُ في الذِّمَّةِ، والذِّمَّة تَتَّسِعُ لحُقُوقٍ كثيرةٍ. وما ذكَرَه مالكٌ وأبو حنيفةَ فليس بصحِيحٍ؛ فإنَّ

стр. 6066

الجماعةَ قُتِلُوا بالواحدِ، لئَلَّا يُؤَدِّىَ الاشْتراكُ إلى إسْقاطِ القِصاصِ، تَغْلِيظًا للقِصاصِ، ومُبالغةً في الزَّجْرِ، وفي مسأَلَتِنا يَنْعَكِسُ هذا، فإنَّه إذا عَلِمَ أنَّ القِصاصَ واجبٌ عليه بقَتْلِ واحدٍ، وأَنَّ قَتْلَ الثاني والثالثِ لا يَزْدَادُ به عليه حَقٌّ، بادَرَ إلى قَتْلِ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَه، وفَعَلَ ما يَشْتَهِى فِعْلَه، فيَصِيرُ هذا كإسْقاطِ القِصاصِ عنه ابتداءً مع الدِّيَةِ. فصل: وإن طَلَبَ كلُّ وَلِىٍّ قَتْلَه بوَلِيِّه، مُسْتَقِلًّا من غيرِ مُشارَكةٍ، قُدِّمَ الأوَّلُ؛ لأنَّ حَقَّه أسْبَقُ، ولأنَّ المَحَلَّ صار مُسْتَحَقًّا له (١٢) بالقَتْلِ الأوَّلِ. فإن عَفَا ولىُّ الأوَّلِ، فلوَلِىِّ الثاني قَتْلُه. وإن طالَبَ ولىُّ الثاني قبلَ طَلَبِ الأوَّلِ، بَعَثَ الحاكمُ إلى وَلِىِّ الأوَّلِ فأعْلَمَه. وإن بادَرَ الثاني فقَتَلَه، أساءَ، وسَقَطَ حَقُّ الأوَّلِ إلى الدِّيَةِ. وإن كان وَلِىُّ الأوَّلِ غائبًا أو صغيرًا أو مجنونًا، انْتُظِرَ. وإن عَفَا أوْلياءُ الجميعِ إلى الدِّياتِ، فلهم ذلك. وإن قَتَلَهُم دَفْعةً واحدةً، وتَشاحُّوا في المُسْتَوْفِى، أُقْرِعَ بينهم، فقُدِّمَ من تَقَعُ له القُرْعةُ؛ لتَساوِى حُقُوقِهم. وإن بادَرَ غيرُه فقَتَلَه، اسْتَوْفَى حَقَّه، وسقَط (١٣) حَقُّ الباقِينَ إلى الدِّيَةِ. وإن قَتَلَهُم مُتَفَرِّقًا، وأشْكَلَ الأوَّلُ، أو ادَّعَى كلُّ ولىٍّ أنَّه الأوَّلُ، ولا بَيِّنَةَ لهم، فأقَرَّ القاتلُ لأحَدِهم، قُدِّمَ بإقْرارِه، وإن لم يُقِرَّ، أقْرَعْنا بينهم؛ لِاسْتِواءِ حُقُوقِهِم. فصل: وإن قَطَعَ يُمْنَى رَجُلَيْنِ، فالحكمُ فيه كالحُكْمِ في الأَنْفُسِ، على ما ذكرْنا من التَّفْصِيلِ والاخْتلافِ، إلَّا أنَّ أصحابَ الرَّأْىِ قالوا: يُقَادُ لهما حميعًا، ويَغْرَمُ لهما دِيةَ الْيَد في مالِه نِصْفَيْنِ. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى إيجابِ القَوَدِ في بعضِ العُضْوِ والدِّيَةِ في بَعْضِه، والجَمْعِ بين البَدَلِ والمُبْدَلِ في مَحَلٍّ واحدٍ، ولم يَرِد الشَّرْعُ به، ولا نَظِيرَ له يُقاسُ عَليه.

стр. 6067

فصل: وإن قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، ثم قَتَلَ آخَرَ، ثم سَرَى القَطْعُ إلى نفس المَقْطوعِ فمات، فهو قاتِلٌ لهما، فإذا تشاحَّا في المُسْتَوْفِى للقَتْلِ، قُتِلَ بالذى قَتَلَه؛ لأنَّ وُجُوبَ القَتْلِ عليه أسْبَقُ، فإنَّ القَتْلَ بالذى قَطَعه إنَّما وَجَبَ عندَ السِّرايةِ، وهى مُتأخِّرةٌ عن قَتْلِ الآخَرِ، وأمَّا القَطْعُ، فإن قُلْنا: إنَّه يُسْتَوْفَى منه مثلُ ما فَعَلَ. فإنَّه يُقْطَعُ له أوّلًا، ثم يُقْتَلُ للذى (١٤) قَتَلَه، ويجبُ للأوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ. وإن قُلْنا: لا يُسْتَوفَى القَطْعُ. وجَبَتْ له الدِّيَةُ كاملةً، ولم يُقْطَعْ طَرَفُه. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ له القَطْعُ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ القَطْعَ إنَّما يدخُلُ في القتلِ عندَ اسْتِيفاءِ القَتْلِ. فإذا تعذَّرَ اسْتيفاءُ القتلِ، وجَبَ اسْتيفاءُ الطَّرَفِ لوُجودِ (١٥) مُقْتَضِيه، وعَدَمِ المانعِ من اسْتِيفائِه، كما لو لم يَسْرِ. ولوكان قَطْعُ اليَدِ لم يَسْرِ إلى النَّفْسِ، فإنَّه تُقْطَعُ يَدُه أوَّلًا، ثم يُقْتَلُ، وسواءٌ تقَدَّمَ القَطْعُ أو تأخَّرَ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ. وقال مالكٌ: يُقْتَلُ ولا يُقْطَعُ؛ لأنَّه إذا قُتِلَ تَلِفَ الطَّرَفُ، فلا فائِدةَ في القَطْعِ، فأشْبَهَ ما لو كانا لواحدٍ. ولَنا، أنَّهما جِنايتانِ على رَجُلَيْنِ، فلم يتدَاخَلَا، كقَطْعِ يَدَىْ رَجُلَيْنِ. وما ذكَره من القياسِ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّه قد قال: لو قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، ثم قَتَلَه يَقْصِدُ المثْلَةَ به، قُطِعَ وقُتِلَ. ونحن نُوافِقُه على هذا في روايةٍ، فقد حَصَلَ الإِجماعُ منَّا ومنه (١٦) على انْتِفاءِ التَّداخُلِ في الأصْلِ، فكيف يَقِيسُ عليه! ولكنَّه يَنْقَلِبُ دليلًا عليه، فنقولُ: قَطَعَ وقَتَلَ، فيُسْتَوْفَى منه مثلُ ما فَعَلَ، كما لو فَعَلَه برَجُلٍ واحدٍ يَقْصِدُ المُثْلةَ به (١٧)، ويَثْبُتُ الحُكْمُ في مَحَلِّ النِّزاعِ بطريقِ التَّنْبِيه، فإنَّه إذا لم يَتَدَاخَلْ حَقُّ الواحدِ، فحقُّ الاثْنَيْنِ أَوْلَى، ويَبْطُلُ بهذا ما قالَه من المَعْنَى. فصل: وإن قَطَعَ إصْبَعًا من يمينِ رَجُلٍ، ويَمِينًا لآخَرَ، وكان قَطْعُ الإِصْبَعِ أسْبَقَ، قُطِعَتْ إصْبَعُه قِصاصًا، وخُيِّرَ الآخَرُ (١٨) بينَ العَفْوِ إلى الدِّيَةِ، وبينَ القِصاصِ وأَخْذِ دِيَةِ

стр. 6068

الإِصْبَعِ. ذكره القاضي، وهو اختيارُ ابنِ حامدٍ، ومذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه وَجَدَ بعضَ حَقِّه، فكان له اسْتِيفاءُ المَوْجُودِ، وأخْذُ بَدَلِ المفقودِ، كمَن أتْلَفَ مِثْلِيًّا لِرَجُلٍ، فوَجَدَ بعضَ المِثْلِ. وقال أبو بكر: يَتَخَيَّرُ (١٩) بين القِصاصِ ولا شىءَ له معه، وبين الدِّيَةِ. هذا قياسُ قولِه، وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يُجْمَعُ في عُضْوٍ واحدٍ بين قِصاصٍ ودِيَةٍ كالنَّفْسِ. وإن كان قَطْعُ اليَدِ سابقًا على قَطْعِ الإِصْبَعِ، قُطِعَتْ يَمِينُه قِصاصًا، ولصاحبِ الإِصْبَعِ أَرْشُها. ويفارِقُ هذا ما إذا قَتَلَ رَجُلًا، ثم قَطَعَ يَدَ آخرَ، حيثُ قَدَّمنا اسْتِيفاءَ القَطْعِ مع تأَخُّرِه؛ لأنَّ قَطْعَ اليَدِ لا يَمْنَعُ التَّكافُؤَ في النَّفْسِ، بدليل أنَّا نأْخُذُ كاملَ الأطْرافِ بناقِصِها، وأنَّ دِيَتَهُما واحدةٌ، ونَقْصُ الإِصْبَعِ يَمْنَعُ التَّكافُؤَ في اليَدِ، بدليل أنَّا لا نأخُذُ الكامِلةَ بالناقصةِ، واختلافِ دِيَتِهما، وإن عَفَا صاحبُ اليَدِ، قُطِعَتِ الإِصْبَعُ لصاحِبِها، إن (٢٠) اخْتارَ قَطَعَها. ١٤٤١ - مسألة؛ قال: (وإذَا جَرَحَه جُرْحًا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِلَا حَيْفٍ، اقْتُصَّ مِنْهُ) وجملةُ ذلك أنَّ القِصاصَ يَجْرِى فيما دُونَ النَّفْسِ من الجُرُوحِ، إذا أمْكَنَ؛ للنَّصِّ والإِجماعِ؛ أمَّا النَّصُّ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١). ورَوَى أنسُ بن مالكٍ، أنَّ الرُّبَيِّعَ بنتَ النَّضرِ بن أنسٍ، كَسَرَتْ ثَنِيّةَ جاريةٍ، فعَرَضُوا عليهم الأرْشَ، فأبَوْا إلَّا القِصاصَ، فجاء أخُوها أنَسُ بنُ النَّضْرِ فقال: يا رَسُولَ اللَّه تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ! والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ لا تُكْسَرُ ثنيَّتُها. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "يَا أنَسُ، كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ". قال: فعَفَا القَوْمُ، فقال النبيُّ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى

стр. 6069

اللهِ لأَبَرَّهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وأجْمَعَ المسلمونَ على جَرَيانِ القِصاصِ فيما دُونَ النَّفْسِ إذا أمْكَنَ، ولأنَّ ما دون النَّفْسِ كالنَّفْسِ في الحاجةِ إلى حِفْظِه بالقِصاصِ، فكان كالنَّفْسِ في وُجُوبِه. فصل: ويُشْتَرَطُ لوُجُوبِ القِصاصِ في الجُروحِ ثلاثةُ أشياء؛ أحدها، أن يكونَ عَمْدًا مَحْضًا، فأمَّا الخطأُ فلا قِصاصَ فيه إجماعًا، ولأنَّ الخطأ لا يُوجِبُ القِصاصَ في النَّفْسِ، وهى الأصْلُ، ففيما دُونَها أوْلَى. ولا يَجِبُ بعَمْدِ الخَطإِ، وهو أن يَقْصِدَ ضَرْبَه بما لا يُفْضِى إلى ذلك غالِبًا، مثل أن يَضْرِبَه بحَصاةٍ لا يُوضِحُ مِثْلُها، فتُوضِحَه، فلا يَجِبُ به القِصاصُ؛ لأنَّه شِبْهُ العَمْدِ، ولا يجبُ القِصاصُ إلَّا بالعَمْدِ المَحْضِ. وقال أبو بكر: يجبُ به القِصاصُ، ولا يُرَاعَى فيه ذلك؛ لعُمومِ الآية. الثاني، التَّكافؤُ بين الجارِحِ والمَجْرُوحِ، وهو أن يكونَ الجانِي يُقَادُ من المَجْنِى عليه لو قَتَلَه، كالحُرِّ المُسْلِم مع الحرِّ المسلمِ، فأمَّا مَنْ لا يُقْتَلُ بقَتْلِه، فلا يُقْتَصُّ منه فيما دُونَ النَّفْسِ له، كالمسلمِ مع الكافرِ، والحُرِّ مع العَبْدِ، والأبِ مع ابْنِه؛ لأنَّه لا تُؤْخَذُ نَفْسُه بنَفْسِه، فلا يؤخذُ طَرَفُه بطَرَفِهِ، ولا يُجْرَحُ بجُرْحِه، كالمسلمِ مع المُسْتَأْمنِ. الثالث، إمْكانُ الاسْتِيفاءِ من غير حَيْفٍ ولا زِيادةٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٣). وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى

стр. 6070

عَلَيْكُمْ﴾ (٤). ولأنَّ دَمَ الجانِى مَعْصُومٌ إلَّا في قَدْرِ جِنايَتِه، فما زاد عليها يَبْقَى على العِصْمةِ، فيَحْرُمُ استِيفاؤُه بعدَ الجِنايةِ، كتَحْرِيمه قبلَها، ومن ضَرُورَةِ المَنْعِ من الزِّيادةِ المَنْعُ من القِصاصِ؛ لأنَّها من لَوازِمه، فلا يُمْكِنُ المَنْعُ منها إلَّا بالمَنْعِ منه. وهذا لا خِلافَ فيه نَعْلَمُه. وممَّن مَنَعَ القِصاصَ فيما دُونَ المُوضِحَةِ الحسنُ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ومَنَعَه في العظامِ عمرُ بن عبد العزيزِ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. إِذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الجُرْحَ الذي يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُه من غيرِ زِيادةٍ، هو كلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ، كالمُوضِحَةِ في الرَّأْسِ والوَجْهِ، ولا نعلمُ في جَوازِ القِصَاصِ في المُوضِحَةِ خِلافًا، وهى كلُّ جُرحٍ يَنْتَهِى إلى العَظْمِ في الرَّأْسِ والوَجْهِ؛ وذلك لأنَّ اللَّه تعالى [نَصَّ على] (٥) القِصاصِ في الجُرُوحِ، فلو لم يَجِبْ ههُنا، لَسَقَطَ حكمُ الآية، وفي معنى المُوضِحَةِ كلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِى إلى عَظْمٍ فيما سِوَى الرَّأْسِ والوَجْهِ، كالسَّاعِدِ، والعَضُدِ، والسَّاقِ، والفَخِذِ، في قولِ أكثر أهلِ العلمِ. وهو مَنْصُوصُ الشافعىِّ. وقال بعضُ أصحابِه: لا قِصاصَ فيها؛ لأنَّه لا مُقَدَّرَ (٦) فيها. وليس بصَحِيحٍ، لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. ولأنَّه أمْكَنَ اسْتِيفاؤُها بغيرِ حَيْفٍ ولا زيادةٍ، لِانْتِهائِها إلى عَظْمٍ، فهى كالمُوضِحَةِ، والتَّقْدِيرُ في المُوضِحَةِ ليس هو المُقْتَضِى للقِصاصِ، ولا عَدَمُه مانعًا، وإنَّما كان التَّقْدِيرُ في المُوضِحَةِ لِكثرةِ شَيْنِها، وشَرَفِ مَحَلِّها، ولهذا (٧) قُدِّرَ ما فَوْقَها من شِجَاجِ الرَّأْسِ والوَجْهِ، ولا قِصاصَ فيه، وكذلك الجائِفةُ أَرْشُها مُقَدّرٌ، ولا (٨) قِصاصَ فيها (٩). فصل: ولا يُسْتَوْفَى القِصاصُ فيما دُونَ النَّفْسِ بالسَّيْفِ، ولا بآلَةٍ يُخْشَى منها

стр. 6071

الزِّيادةُ، سواءٌ كان الجُرْحُ بها أو بغيرِها؛ لأنَّ القَتْلَ إنَّما اسْتُوْفِىَ (١٠) بالسَّيْفِ لأنَّه آلَتُه، وليس ثَمَّ (١١) شيءٌ يُخْشَى التَّعَدِّى إليه، فيَجِبُ أن يُسْتَوْفَى ما دون النَّفْس بآلَتِه (١٢)، ويُتَوقَّى ما يُخْشَى منه الزِّيادةُ إلى مَحَلٍّ لا يجوزُ اسْتيفاؤُه، ولأنَّنا مَنَعْنا القِصاصَ بالكُلِّيَّة (١٣) فيما يُخْشَى الزِّيادةُ في اسْتيفائِه. فَلأَنْ نَمْنَعَ الآلَةَ التي يُخْشَى منها ذلك أَوْلَى. فإن كان الجُرْحُ مُوضِحةً أو ما أشْبَهها، فبِالمُوسَى أو حَدِيدةٍ ماضِيةٍ مُعَدَّةٍ لذلك، ولا يَسْتَوْفِى ذلك إلَّا مَنْ له عِلْمٌ بذلك، كالجَرَائِحِى ومن أشْبَههُ، فإن لم يكُنْ للوَلِىِّ عِلْمٌ بذلك، أُمِرَ بالاسْتِنابةِ، وإن كان له عِلْمٌ، فقال القاضي: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يُمَكَّنُ منه؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فيُمَكَّنُ من اسْتِيفائِه إذا كان يُحْسِنُ، كالقَتْل. ويَحْتَمِلُ أن لا يُمَكَّنَ من اسْتِيفائِه بنَفْسِه، ولا يَلِيه إلَّا نائبُ الإِمامِ، أو من يَسْتَنِيبُه وَلِىُّ الجِنايَةِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ مع العَداوةِ وقَصْدِ التّشَفِّى [أن يَحِيفَ] (١٤) في الاسْتِيفاءِ بما لا يُمْكِنُ تَلَافِيه، وربَّما أفْضَى إلى النِّزَاعِ والاخْتلافِ، بأن يَدَّعِىَ الجانِى الزِّيادةَ ويُنْكِرَها المُسْتَوْفِى. فصل: وإذا أراد الاسْتِيفاءَ من مُوضِحَةٍ وشِبْهِها، فإن كان على مَوْضِعِها شَعَرٌ حَلَقَه، ويَعْمِدُ إلى مَوْضِعِ الشَّجَّةِ من رَأْسِ المَشْجُوجِ، فيَعْلَمُ منه طُولَها بخَشَبةٍ أو خَيْطٍ، ويَضَعُها على رأسِ الشَّاجِّ، ويُعْلِمُ طَرَفَيْهِ بخَطٍّ بسَوادٍ أو غيرِه، ويأخُذُ حَدِيدةً عَرْضُها كعَرْضِ الشَّجَّةِ، فيَضَعُها في أوَّلِ الشَّجَّةِ، ويَجُرُّها إلى آخرِها، ويأخذُ (١٥) مثل الشجةِ طُولًا وعَرْضًا، ولا يُراعِى العُمْقَ؛ لأنَّ حَدَّهُ العَظْمُ، ولو رُوعِىَ العُمْقُ لَتَعَذَّرَ الاسْتيفاءُ؛ لأنَّ الناسَ يختلفونَ في قِلَّةِ اللَّحْمِ وكَثْرَتِه، وهذا كما يُسْتَوفَى في الطَّرَفِ

стр. 6072

بمِثْلِه (١٦) وإن اخْتَلَفا في الصِّغَرِ والكِبَرِ، والدِّقَّةِ والغِلَظِ، ويُراعِى الطُّولَ والعَرْضَ؛ لأنَّه مُمْكِنٌ، فإن كان رأسُ الشَّاجِّ والمَشْجُوجِ سواءً، اسْتَوْفَى قَدْرَ الشَّجَّةِ، وإن كان رأسُ الشاجِّ أصْغَرَ، لكنَّه يتَّسِعُ للشَّجَّةِ، اسْتُوفِيَتْ وإن (١٧) اسْتَوعَب (١٨) رَأْسَ الشَّاجِّ كلَّه وهى في (١٩) بعضِ رَأْسِ المَشْجُوجِ؛ لأنَّه اسْتَوفاها بالمِسَاحةِ، ولا يَمْنَعُ الاسْتِيفاءَ زِيادَتُها على مثلِ مَوْضِعِها من رأْسِ الجانِى؛ لأنَّ الجميعَ رَأْسٌ (٢٠). وإن كان قَدْرُ الشَّجَّةِ يَزِيدُ على رأسِ الجانِى، فإنَّه يَسْتَوْفِى الشَّجَّةَ في (٢١) جميعِ رأسِ الشَّاجِّ، ولا يجوزُ أن يَنْزِلَ إلى جَبْهَتِه؛ لأنَّه يَقْتَصُّ في عُضْوٍ آخرَ غيرِ العُضْوِ الذي جَنَى عليه. وكذلك لا يَنْزِلُ إلى قَفَاه؛ لما ذكرناه. ولا يَسْتَوْفِى بقِيَّةَ الشَّجَّةِ في موضعٍ آخَرَ من رأسِه؛ لأنَّه يكونُ مُسْتَوْفِيًا لمُوضِحَتَيْنِ، وواضعًا للحديدةِ في غيرِ المَوْضعِ الذي وضَعَها فيه الجانِى. واخْتَلَفَ أصحابُنا في ماذا يَصْنَعُ؟ فذكَر (٢٢) القاضي أنَّ ظاهِرَ كلامِ أبى بكرٍ، أنَّه لا أرْشَ له فيما بَقِىَ؛ كيلا يَجْتَمِعَ قِصاصٌ ودِيَةٌ في جُرْحٍ واحدٍ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. فعلى هذا يتَخَيَّرُ بينَ الاسْتيفاءِ في جميعِ رأسِ الشَّاجِّ ولا أرْشَ له، وبين العَفْوِ إلى دِيَةِ مُوضِحَةٍ. وقال أبو عبدِ اللَّه ابنُ حامدٍ، وبعضُ أصحابِنا: له أَرْشُ ما بَقِىَ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ القِصاصُ فيما جَنَى عليه، فكان له أرْشُه، كما لو تعَذّرَ في الجميعِ. فعلى هذا، تُقَدَّرُ شَجَّةُ الجانِى من الشَّجَّةِ في رأسِ المَجْنِى عليه، ويَسْتَوْفِى أرْشَ الباقِى، فإن كانت بقَدْرِ ثُلُثِها (٢٣) فلَه ثلثُ أرْشِ مُوضِحَةٍ، وإن زادتْ أو نَقَصَتْ عن هذا فبالحِسابِ من أرْشِ المُوضِحَةِ. ولا يجبُ له أرْشُ مُوضِحةٍ كاملةٍ؛ لئلَّا يُفْضِىَ إلى إيجابِ القِصاصِ ودِيَةِ مُوضِحةٍ في مُوضِحةٍ واحدةٍ، فإن أوْضَحَه في جميعِ رأسِه، ورأسُ

стр. 6073

الجانِى أكبرُ، فلِلْمَجْنِىِّ عليه أن يُوضِحَ منه بقَدْرِ مِساحةِ مُوضِحَتِه من أىّ الطَّرَفينِ شاء؛ لأنَّه جَنَى عليه في ذلك المَوْضِعِ كلِّه، وإذا اسْتَوْفَى قَدْرَ مُوضِحَتِه، ثم تجاوَزَهَا، واعْتَرفَ أنَّه عَمَدَ ذلك، فعليه القِصاصُ في ذلك القَدْرِ، فإذا انْدَمَلَتْ مُوضِحَتُه، اسْتُوفِىَ منه القِصاصُ في مَوْضعِ الانْدِمالِ؛ لأنَّه موضعُ الجِنايةِ، وإن ادَّعَى الخطأَ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ، وهو أعْلَمُ بقَصْدِه، وعليه أرْشُ مُوضِحَةٍ. فإن قِيلَ: فهذه المُوضِحَةُ كلُّها لو كانت عُدْوانًا لم يَجِبْ فيها إلَّا دِيَةُ مُوضِحَةٍ، فكيف يَجِبُ في بعضِها دِيَةُ مُوضِحَةٍ؟ قُلْنا: لأنَّ المُسْتَوْفَى، لم يكُنْ جِنايةً، إنَّما الجِنايةُ الزَّائدُ، والزائدُ لو انْفَرَدَ لَكان مُوضِحةً، فكذلك إذا كان معه ما ليس بجِنايةٍ، بخِلافِ ما إذا كانتْ كلُّها عُدْوانًا؛ فإنَّ الجميعَ جنايةٌ واحدةٌ. فصل: وإذا أَوْضَحَه في جميعِ رأسِه، ورأسُ الجانِى أكبرُ، فأحَبَّ أن يَسْتَوْفِىَ القِصاصَ بعضَه من مُقَدَّمِ الرَّأسِ وبعضَه (٢٤) من مُؤَخَّرِه، احْتَمَلَ أن يُمْنَعَ منه؛ لأنَّه يَأْخُذُ مُوضِحَتَيْنِ بواحدةٍ، ودِيَتُهما مختلفةٌ، واحْتَمَلَ الجَوازَ؛ لأنَّه لا يُجاوِزُ مَوْضِعَ الجِنايةِ ولا قَدْرَها، إلَّا أن يقولَ أهلُ الخِبْرةِ: إنَّ في ذلك زِيادةَ ضَرَرٍ أو شَيْنٍ، فلا يَفْعَلُ. ولأصْحابِ الشافعىِّ كهذَيْنِ. فإن كان رأسُ المَجْنِىِّ عليه أكبرَ، فأَوْضَحَه الجانِى في مُقَدَّمِه ومُؤَخَّرِه مُوضِحَتَيْنِ، قَدْرُهما جميعُ رأسِ الجانِى، فله الخِيارُ بين أن يُوضِحَه مُوضِحةً واحدةً في جميعِ رأسِه، أو يُوضِحَه مُوضِحَتَيْنِ، يَقْتَصِرُ في كلِّ واحدةٍ منهما على (٢٥) قَدْرِ مُوضِحَتِه، ولا أرْشَ لذلك، وَجْهًا واحدًا؛ لأَنَّه تَرَكَ الاسْتيفاءَ مع إمْكانِه. وإن عَفَا إلى الأرْشِ، فله أرْشُ مُوضِحَتَيْنِ، وإن شاء اقْتَصَّ من إحْدَاهما (٢٦)، وأخَذَ دِيَةَ الأُخْرَى. فصل: وإذا كانت الجِنايةُ في غيرِ الرَّأْسِ والوَجْهِ، فكانتْ في ساعِدٍ، فزادَتْ على ساعدِ الجانِى، لم يَنْزِلْ إلى الكَفِّ، ولم يَصْعَدْ إلى العَضُدِ، وإن كانتْ

стр. 6074

في السَّاقِ، لم ينزلْ إلى القَدَمِ، ولم يَصْعَدْ إلى الفَخِذِ؛ لأنَّه عُضْوٌ آخَرُ، فلا يَقْتَصُّ منه، كما لم ينْزِلْ من الرأسِ إلى الوَجْهِ، ولم يَصْعَدْ من الوَجْهِ إلى الرَّأْسِ. فصل: وإذا شُجَّ في مُقَدَّمِ رأسِه أو مُؤَخَّرِه عَرْضًا شَجّةً لا يَتَّسِعُ لها مثلُ ذلك المَوْضِعِ من رأسِ الشَّاجِّ، فأراد أن يَسْتَوْفِىَ من وَسَطِ الرأسِ، فيما بين الأُذُنَيْنِ، لكَوْنِه يَتّسِعُ لمثلِ تلك المُوضِحةِ، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا يجوزُ؛ لأنَّه غيرُ المَوْضعِ الذي شَجَّه فيه (٢٧)، فلم يَجُزْ له الاسْتِيفاءُ منه، كما لو أمْكَنَه اسْتِيفاءُ حقِّه من مَحَلِّ الشَّجَّةِ (٢٨). واحْتَمَلَ أن يجوزَ؛ لأنَّ الرَّأْس عُضْوٌ واحدٌ، فإذا لم يُمْكِنْه اسْتِيفاءُ حَقِّه من مَحَلِّ الشَّجَّةِ (٢٩)، جاز من غيرِه، كما لو شَجَّه في مُقَدَّمِ رأسِه شجةً قَدْرُها جَمِيعُ رأسِ الشاجِّ، جازَ إتْمامُ اسْتيفائِها في مُؤَخَّرِ رأسِ الجانِى. وهذا منصوصُ الشافعىِّ. وهكذا يُخَرَّجُ فيما إذا كان الجُرْحُ في موضعٍ من السَّاقِ والقَدَمِ والذِّراعِ والعَضُدِ. وإن أمْكَنَ الاسْتِيفاءُ من مَحَلِّ الجنايةِ، لم يَجُز العُدولُ عنه، وَجْهًا واحدًا. ١٤٤٢ - مسألة؛ قال: (وَكَذلِكَ إذَا قَطَعَ مِنْهُ طَرَفًا مِنْ مَفْصِلٍ، قَطَعَ مِنْهُ مِثْلَ ذلِكَ الْمَفْصِلِ، إذَا كَانَ الْجَانِى يُقَادُ مِنَ المَجْنِىِّ عَلَيْه لَوْ قَتَلَهُ) أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على جَرَيانِ القِصاصِ في الأطْرافِ، وقد ثَبَتَ ذلك بقولِه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١). وبخَبَرِ الرُّبَيِّعِ بنتِ النَّضرِ بن أنسٍ (٢)، ويُشْتَرَطُ لجَرَيانِ القِصاصِ فيها شُروطٌ خَمْسةٌ؛ أحدُها، أن يكونَ عَمْدًا، على ما أسْلَفْناه. والثانى، أن يكونَ المَجْنِىُّ

стр. 6075

عليه مُكافِئًا للجانى بحيثُ يُقادُ به لو قَتَلَه. والثالث، أن يكونَ الطَّرَفُ مُساوِيًا (٣) للطَّرَفِ، فلا يُؤْخَذُ صَحِيحٌ بأشَلَّ، ولا كاملِةُ الأصابِعِ بناقِصَةٍ، ولا أصْلِيةٌ بزائدةٍ، ولا يُشْتَرَطُ التَّساوِى في الدِّقَّةِ والغِلَظِ، والصِّغَرِ والكِبَرِ، والصِّحّةِ والمَرَضِ؛ لأنَّ اعتبارَ ذلك يُفْضِى إلى سُقُوطِ القِصاصِ بالكُلِّيةِ. والرابع، الاشْتِراكُ في الاسْمِ الخاصِّ، فلا تُؤْخَذُ يَمِينٌ بيَسارٍ، ولا يسارٌ بيمينٍ، ولا إصْبَعٌ بمُخالفةٍ لها، ولا جَفْنٌ أو شَفَةٌ إلَّا بمثلِها. والخامس، إمْكانُ الاسْتِيفاءِ من غير حَيْفٍ، وهو أن يكونَ القَطْعُ من مَ فْصِلٍ ، فإن كان من غيرِ مَفْصِلٍ فلا قِصاصَ فيه من موضعِ القَطْعِ، بغير خِلافٍ نَعْلَمُه. وقد رَوَى [نِمْرَانُ ابن جَارِيَةَ] (٤)، عن أبيه، أنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رجلًا على ساعِدِه بالسَّيْفِ، فقَطَعَهما من غير مَفْصِلٍ، فاسْتَعْدَى عليه النَّبِىَّ ﷺ ، فأمَرَ له بالدِّيَةِ، فقال (٥): إنِّي أُرِيدُ القِصاصَ. قال: "خُذِ الدِّيَةَ، بارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا". ولم يَقْضِ له بالقِصاصِ. رَوَاه ابنُ ماجَه (٦). فصل: وفى قَطْعِ اليَد ثمانِ مسائلَ؛ أحدها، قَطع الأصابع من مَفاصِلِها، فالقِصاصُ واجبٌ؛ لأنَّ لها مَفاصِلَ، ويُمْكِنُ القِصاصُ من غير حَيْفٍ، وإن اخْتار الدِّيةَ فله نِصْفُها؛ لأنَّ في كلِّ إصْبَعٍ عُشْرَ الدِّيةِ. الثانية، قَطعها من نِصْفِ الكَفِّ، فليس له القِصاصُ من موضعِ القَطْعِ؛ لأنَّه ليس بمَفْصِلٍ، فلا يُؤْمَنُ الحَيْفُ فيه. وإن أراد قَطْعَ الأصابعِ ففيه وَجْهان؛ أحدهما، ليس له ذلك. وهذا اخْتيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّه يَقْتَصُّ من غيرِ مَوْضعِ الجِنايةِ، فلم يَجُزْ، كما لو كان القَطْعُ من الكُوعِ، يُحَقِّقُه أنَّ امْتِناعَ قَطْعِ الأصابعِ إذا قَطَعَ من الكُوعِ، إنَّما كان لعَدَمِ المُقْتَضِى، أو وُجُودِ مانعٍ، وأَيُّهما كان فهو مُتَحَقِّقٌ إذا كان القَطْعُ من نِصْفِ الكَفِّ. والثانى، له قَطْعُ الأصابعِ. ذكَره أصحابُنا. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يأخُذُ دون حَقِّه لعَجْزِه عن

стр. 6076

اسْتِيفاءِ حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو شَجَّه هاشِمةً، فاسْتَوْفَى مُوضِحةً. ويفارِقُ ما إذا قَطَعَ من الكُوعِ؛ لأنَّه أمْكَنَه اسْتِيفاءُ حَقِّه، فلم يَجُزْ له العدولُ إلى غيرِه. وهل له حكُومةٌ في نِصْفِ الكَفِّ؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، ليس له ذلك؛ لأنَّه يَجْمَعُ بين القِصاصِ والأرْشِ في عُضْوٍ واحدٍ، فلم يَجُزْ، كما لو قَطَعَ من الكُوعِ. والثانى، له أرْشُ نِصْفِ الكَفِّ؛ لأنَّه حَقٌّ له تعَذَّرَ اسْتيفاؤُه، فوَجَبَ أرْشُه، كسائرِ ما هذا حالُه. وإن اختارَ الدِّيةَ، فله نِصْفُها، لأنَّ قَطْعَ اليَدِ من الكُوعِ لا يُوجِبُ أكثرَ من نِصْفِ الدِّيَةِ، فما دُونَه أَوْلَى. الثالثة، قَطع من الكُوعِ، فله قَطْعُ يَدِه من (٧) الكُوعِ، لأنَّه (٨) مَفْصِلٌ، وليس له قَطْعُ الأصابعِ؛ لأنَّه غيرُ مَحَلِّ الجِنايةِ (٩)، فلا يَسْتَوْفِى منه مع إمْكانِ الاسْتيفاءِ من مَحَلِّها. الرابعة، قَطع من نِصْفِ الذِّراعِ، فليس له أن يَقْطَعَ من ذلك الموضعِ؛ لأنَّه ليس بمَفْصِلٍ، وقد ذكرنا الخبرَ الوارِدَ فيه، وله نِصْفُ الدِّيَةِ، وحُكومةٌ في المَقْطُوعِ من الذِّراعِ. وهل له أن يَقْطَعَ من الكُوعِ؟ فيه وَجْهان، كما ذكرْنا في مَن قَطَعَ مِن نِصْفِ الكَفِّ. ومن جَوَّزَ له القَطْعَ من الكُوعِ، فعندَه في وُجُوبِ الحكومةِ لِما قُطِعَ من الذِّراعِ وَجْهان. ويُخَرَّج أيضًا في جَوازِ (١٠) قَطْعِ الأصابعِ وَجْهانِ. فإن قَطَعَ منها، لم يكُنْ له حكومةٌ في الكَفِّ؛ لأنَّه أمْكَنَه أخْذُه قِصاصًا، فلم يكُنْ له طَلَبُ أرْشِه، كما لو كانت الجِنايةُ من الكُوعِ. الخامسة، قَطع من المَرْفِقِ، فله القِصاصُ منه؛ لأنَّه مَفْصِلٌ، وليس له القَطْعُ من الكُوعِ؛ لأنَّه أمْكَنَه اسْتيفاءُ حَقِّه بكمالِه، والاقْتِصاصُ من مَحَلِّ الجِنايةِ عليه، فلم يَجُزْ له العُدُولُ إلى غيرِه. وإن عَفَا إلى الدِّيَةِ، فله دِيَةُ اليَدِ، وحكومةٌ للسَّاعِدِ. السادسة، قَطعها من العَضُدِ، فلا قِصاصَ فيها، في أحدِ الوَجْهينِ، وله دِيَةُ اليَدِ، وحُكومةٌ للسَّاعِدِ وبعض العَضُدِ. والثانى، له القِصاصُ من الْمَرْفِقِ. وهل له حُكومةٌ في الزَّائدِ؟ على وَجْهين. وهل له القَطْعُ من الكُوعِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهينِ.

стр. 6077

السابعة، قَطع من المَنْكِبِ، فالواجبُ القِصاصُ؛ لأنَّه مَفْصِلٌ، وإن اختارَ الدِّيَةَ، فله دِيَةُ اليَدِ، وحُكومةٌ لما زادَ. الثامنة، خَلع عَظْم المَنْكِبِ، ويقال له: مِشْطُ الكَتِفِ (١١)، فيَرْجِعُ فيه إلى اثْنَيْنِ من ثِقَاتِ أهْلِ الخبرةِ، فإن قالوا: يُمْكِنُ الاسْتِيفاءُ من غيرِ أن تَصِيرَ جائِفةً (١٢). اسْتَوْفَى، وإلَّا صار الأمْرُ إلى الدِّيَةِ. وفى جواز الاسْتِيفاءِ من المَرْفِقِ أو ما دُونَه مثلُ ما ذكَرْنا في نظائِرِه. ومثلُ هذه المسائل في الرِّجْلِ، فالسَّاقُ (١٣) كالذِّرَاعِ، والفَخِذُ كالعَضُدِ، والوَرِكُ كعَظْمِ الكَتِفِ، والقَدَمُ كالكَفِّ. ١٤٤٣ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ فِي المَأْمُومَةِ، وَلَا في الْجائِفَةِ قِصَاصٌ) المَأْمُومةُ: شجَاجُ الرأسِ، وهى التي تَصِلُ إلى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وتُسَمَّى تلك الْجِلدةُ أُمَّ الدِّماغِ؛ لأنَّها تَجْمَعُه، فالشَّجّةُ الواصِلةُ إليها تُسَمَّى مَأمُومةً وآمّةً، لوُصُولِها إلى أُمِّ الدِّمَاغِ (١). والجائِفةُ في البَدَنِ، وهى التي تَصِلُ إلى الجَوْفِ. وليس فيهما (٢) قِصاصٌ عندَ أحدٍ من أهلِ العلمِ نَعْلَمُه، إلَّا ما رُوِى عن ابنِ الزُّبيْرِ أنه قَصَّ (٣) من المَأمُومةِ، فأنْكَرَ الناسُ عليه، وقالوا: ما سَمِعْنا أحدًا قَصَّ (٤) منها قبلَ ابنِ الزُّبَيْرِ (٥). وممَّن لم يَرَ في ذلك قِصاصًا مالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه: لا قِصاصَ في المأمُومةِ (٦). وقالَه مَكْحُولٌ، والزُّهْرِىُّ، والشَّعْبِىُّ. وقال عَطاءٌ،

стр. 6078

والنَّخَعِىُّ: لا قِصاصَ في الجائفةِ. ورَوَى ابن ماجَه، في "سُنَنِه" (٧)، عن العباسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا قَوَدَ في الْمَأْمُومَةِ، وَلَا في الْجَائِفَةِ، ولا في المُنَقِّلَةِ (٨) ". ولأنَّهما جُرْحانِ لا تُؤْمَنُ الزِّيادةُ فيهما، فلم يَجِبْ فيهما (٩) قِصاصٌ، ككَسْرِ العِظَامِ. فصل: وليس في شىءٍ من شِجَاجِ الرَّأسِ قِصاصٌ سِوَى المُوضِحةِ، سواءٌ (١٠) في ذلك ما دون المُوضِحَةِ، كالحارِصَةِ، والبَازِلةِ، والباضِعَةِ، والمُتَلَاحِمَةِ، والسِّمْحاقِ، وما فَوْقَها، وهى الهاشِمةُ والمُنَقِّلَةُ والآمَّةُ (١١) وبهذا قال الشافعيُّ. فأمَّا ما فوقَ المُوضِحَةِ، فلا نَعْلَمُ أحدًا أَوْجَبَ فيها القِصاصَ، إلَّا ما رُوِىَ عن ابن الزُّبَيْرِ، أنَّه أقَادَ من المُنَقِّلَةِ، وليس بثابِتٍ عنه. وممَّن قال به؛ عَطاءٌ، وقَتادةُ، وابْنُ شُبْرُمَةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ المنذرِ: لا أعلمُ أحَدًا خالَفَ ذلك. ولأنَّهما جِراحَتَانِ لا تُؤْمَنُ الزِّيادةُ فيهما، أشْبَها المَأْمُومةَ والجائِفَةَ. وأمَّا ما دُونَ المُوضِحَةِ، فقد رُوِىَ عن مالكٍ وأصْحابِ الرَّأْىِ، أنَّ القِصاصَ يَجِبُ في الدَّامِيَةِ والباضِعَةِ والسِّمْحاقِ. ولَنا، أنَّها جراحةٌ لا تَنْتَهِى إلى عَظْمٍ، فلم يَجِبْ فيها قِصاصٌ، كالمَأْمُومةِ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ فيها الزِّيادةُ، فأشْبَهَ كَسْرَ العِظامِ، وبيانُ ذلك، أنَّه إن اقْتَصَّ من غيرِ تَقْدِيرٍ، أفْضَى إلى أن يَأْخُذَ أكْثَرَ من حَقِّه، وإن اعْتَبَرَ مِقْدارَ العُمْقِ، أفْضَى إلى أن يَقْتَصَّ من الباضِعَةِ والسِّمْحاقِ مُوضِحةً، ومن الباضِعَةِ سِمْحاقًا؛ لأنَّه قد يكون لَحْمُ المشْجُوجِ كثيرًا، بحيثُ يكونُ عُمْقُ باضِعَتِه [كعُمْقِ مُوضحَةٍ الشَّاجِّ] (١٢)، أو سِمْحاقِه، ولأنَّنا لم نَعْتبِرْ في المُوضِحَةِ قدْرَ عُمْقِها، فكذلك في غيرِها. وبهذا قال الحَسَنُ، وأبو عُبَيْدٍ.

стр. 6079

فصل: وإن كانت الشَّجَّةُ فوقَ المُوضِحَةِ، فأَحَبَّ أن يَقْتَصَّ مُوضِحةً، جاز ذلك (١٣) بغيرِ خلافٍ بين أصْحابِنا. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يقْتَصِرُ (١٤) على بعض حَقِّه (١٥)، ويَقْتَصُّ من مَحَلِّ جِنايَتِه، فإنَّه إنَّما يَضَعُ السّكِّينَ في مَوْضِع وضَعَها الجانِى؛ لأنَّ سِكِّينَ الجانِى وصَلَتْ إلى العَظْمِ، ثم تجاوَزَتْه، بخلافِ قاطِعِ السَّاعدِ، فإنَّه لم يَضَعْ سِكِّينَه في الكُوعِ. وهل له أرْشُ ما زاد على المُوضِحَةِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، ليس له ذلك. وهو اختيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّه جُرْحٌ واحدٌ، فلا يُجْمَعُ فيه بين قِصاصٍ ودِيَةٍ، كما لو قَطَعَ الشَّلَّاءَ بالصَّحِيحةِ، وكما في الأنْفُسِ إذا قُتِلَ الكافِرُ بالمُسْلِمِ، والعَبْدُ بالحُرِّ. والثاني، له أرْشُ ما زاد على المُوضِحةِ، اختارَه ابنُ حامدٍ، وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه تعَذَّرَ القِصاصُ فيه، فانْتَقَلَ إلى البَدَلِ، كما لو قَطَعَ إصْبَعَيْه ولم يُمْكِن الاسْتِيفاءُ إلَّا من واحدةٍ، وفارَقَ الشَّلَّاءَ بالصَّحِيحةِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ ثَمَّ من حيثُ المعنى، وليست مُتَميِّزةً، بخلافِ مسأَلتِنا. ١٤٤٤ - مسألة؛ قال: (وتُقْطَعُ الْأُذُنُ بِالْأُذُنِ) أجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الأُذُنَ تُؤْخَذُ بِالأُذُنِ، وذلك لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ (١). ولأنَّها تَنْتَهِى إلى حَدٍّ فاصلٍ، فأشْبَهَتِ اليَدَ. وتُؤْخَذُ الكبيرةُ بالصَّغيرةِ، وتُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بأُذُنِ السَّمِيعِ [وأُذُنِ الأصَمِّ] (٢)، وتؤخذُ أذنُ الأصَمِّ بكلِّ واحدةٍ منهما؛ لتَساوِيهما، فإنَّ ذهاب السَّمْعِ نَقْصٌ في الرَّأْسِ، لأنَّه مَحَلُّه، وليس بنَقْصٍ فيهما. وتُؤْخَذُ الصَّحِيحةُ بالمَثْقُوبةِ؛ لأنَّ الثَّقْبَ ليس بعَيْبٍ، وإنَّما يُفْعَلُ في العادةِ للقُرْطِ والتَّزَيُّنِ به، فإن كان الثَّقْبُ في غير مَحَلِّه، أو كانت مَخْرُومةً، أُخِذَتْ

стр. 6080

بالصَّحيحةِ، ولم تُؤْخَذ الصَّحِيحةُ بها؛ لأنَّ الثُّقْبَ إذا انْخَرَم صار نَقْصًا فيها، والثَّقْبُ في غير محلِّه عَيْبٌ، ويُخيَّرُ المَجْنِىُّ عليه بين أخْذِ الدِّيَةِ إلَّا قَدْرَ النَّقْصِ، وبينَ أن يَقْتَصَّ فيما سِوَى المَعِيبِ ويَتْرُكَه من أُذُنِ الجانِى. وفى وُجُوبِ الحكومةِ له في قَدْرِ النَّقْصِ (٣) وَجْهان. وإن قُطِعَتْ بعضُ أُذُنِه، فله أن يَقْتَصَّ من أُذُنِ الجانِى [بقَدْرِ ما قُطِعَ مِن أُذُنِه] (٤)، ويُقَدَّرُ (٥) ذلك بالأجْزاءِ، فيُؤْخَذُ النِّصْفُ بالنِّصْفِ، والثلثُ بالثلثِ، وعلى حِسابِ ذلك. وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: لا يُجْزِئُ القِصاصُ في البَعْضِ؛ لأنَّه لا يَنْتَهِى إلى حَدٍّ. ولَنا، أنَّه يُمْكِنُ تَقْدِيرُ المَقْطُوعِ، وليس فيها كَسْرُ عَظْمٍ، فجَرَى القِصاصُ في بعضِها (٦)، كالذكرِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذكروهُ (٧). فصل: وتُؤْخَذُ الْأُذُنُ المُسْتَحْشفَةُ (٨) بالصَّحِيحةِ. وهل تُؤْخَذُ الصَّحِيحةُ بها؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُؤْخَذُ بها؛ لأنَّها ناقِصةٌ مَعِيبةٌ، فلم تُؤْخَذْ بها الصَّحِيحةُ، كاليَدِ الشَّلَّاءِ وسائرِ الأعْضاءِ. والثانى، تُؤْخَذُ بها؛ لأنَّ المقْصودَ منها (٩) جَمْعُ الصَّوْتِ، وحِفْظُ مَحَلِّ السَّمْعِ، والْجمالُ، وهذا يَحْصُلُ بها كحُصُولِه بالصَّحِيحةِ، بخلافِ سائِرِ الأعْضاءِ. فصل: وإن قَطَعَ أُذُنَه فأَبَانَها، فألْصَقَها صاحِبُها فالْتَصَقَتْ وثَبَتَتْ، فقال القاضي: يَجِبُ القِصاصُ. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّه وَجَبَ بالإِبانةِ، وقد وُجدَتِ الإِبانةُ. وقال أبو بكر: لا قِصاصَ فيها. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّها لم تَبِنْ على الدَّوامِ، فلم يَسْتَحِقَّ إبانةَ أُذُنِ الجانِى دَوَامًا. وإن سَقَطَتْ بعَد ذلك قريبًا أو بعيدًا، فله القِصاصُ، ويَرُدُّ ما أخَذَ. وعلى قولِ أبى بكرٍ، إذا لم تَسْقُطْ: له دِيَةُ

стр. 6081

الأُذُنِ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْىِ. وكذلك قولُ الأوَّلِين إذا اخْتارَ الدِّيَةَ. وقال مالكٌ: لا عَقْلَ لها إذا عادَتْ مَكانَها، فأمَّا إن قَطَعَ بعضَ أُذُنِه فالْتَصَقَ، فله أرْشُ الجُرْحِ، ولا قِصاصَ فيه. وإن قَطَعَ أذُنَ إنسانٍ، فاسْتَوْفَى منه، فأَلْصَقَ الجانِى أُذُنَه فالْتَصَقَتْ، وطَلَبَ المَجْنِىُّ عليه إبانَتَها، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ الإِبانةَ قد حَصَلَتْ، والقِصاصُ قد اسْتُوفِىَ، فلم يَبْقَ له قِبَلَه حَقٌّ. فأمَّا إن كان المَجْنِىُّ عليه لم يَقْطَعْ جَمِيعَ الأذُنِ، إنَّما قَطَعَ بعضَها فالْتَصَقَ، كان للمَجْنِىِّ عليه قَطْعُ جَمِيعِها؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ إبانةَ جَمِيعِها، ولم يكُنْ (١٠) إبانةٌ. والحكمُ في السِّنِّ كالحُكْمِ في الأذُنِ. فصل: ومَنْ ألْصَقَ أُذُنَه بعدَ إبانَتِها، أو سِنَّهُ، فهل تَلْزَمُه إبَانَتُها؟ فيه وَجْهان، مَبْنيَّانِ على الرّوايتَيْنِ، فيما بانَ من الآدَمِىِّ، هل هو نَجِسٌ أو طاهِرٌ؟ إن قُلْنا: هو نَجِسٌ. لَزِمَتْه إزالَتُها، [ما لم يَخَفِ الضَّرَرَ بإزَالَتِها، كما لو جَبَرَ عَظْمَه بعَظْمٍ نَجِسٍ. وإن قُلْنا بطَهارَتِها. لم تَلْزَمْه إزالَتُها] (١١). وهذا اختيارُ أبى بكرٍ، وقولُ عَطاءِ بن أبي رباحٍ، وعَطاءٍ الخُراسانىِّ، وهو الصحيحُ؛ لأنَّه جُزْءُ آدَمِىٍّ طاهِرٍ في حياتِه ومَوْتِه، فكان طاهِرًا كحالةِ اتِّصالِه، فأمَّا إن قَطَعَ بعضَ أذُنِه فالْتصَقَتْ (١٢)، لم تَلْزَمْه إبانَتُها؛ لأنَّها طاهِرَةٌ على الرّوايتَيْن جَميعًا، لأنَّها لم تَصِرْ مَيْتَةً، لعَدَمِ إبانتِها. ولا قِصاصَ فيها. قالَه القاضي. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ المُماثَلةُ في المَقْطُوعِ منها. ١٤٤٥ - مسألة؛ قال: (وَالْأَنْفُ بِالْأَنْفِ) وأجْمَعُوا على جَرَيانِ القِصَاصِ في الأنْفِ أيضًا؛ للآيةِ والمَعْنَى. ويُؤْخَذُ الكبيرُ بالصَّغيرِ، والأَقْنَى (١) بالأَفْطَسِ، وأنْفُ الأَشَمِّ بأَنْفِ الأَخْشَمِ الذي لا يَشُمُّ؛ لأنَّ ذلك لِعِلَّةٍ في الدِّمَاغِ والأَنْفُ صَحِيحٌ. كما تُؤْخَذُ أذنُ السَّمِيعِ بأُذُنِ الأصَمِّ. وإن كان

стр. 6082

بأنْفِه جُذَامٌ، أخِذَ به الأنْفُ الصَّحِيحُ، ما لم يَسْقُطْ منه شيءٌ؛ لأنَّ ذلك مَرَضٌ، فإن سَقَطَ منه شيءٌ، لم يَقْطَعْ به الصَّحِيحَ، إلَّا أن يكونَ من أحدِ جانِبَيْه. فَيأْخُذَ من الصحيحِ مثلَ ما بَقِىَ منه، أو يَأْخُذَ أرْشَ ذلك. والذي يَجِبُ فيه القِصاصُ أو الدِّيةُ هو المارِنُ، وهو مالَانَ منه، دُونَ قَصَبةِ الأنْفِ؛ لأنَّ ذلك حَدٌّ يَنْتَهِى إليه، فهو كاليَدِ، يَجِبُ القِصاصُ فيما انْتَهَى إلى الكُوعِ. وإن قَطَعَ الأنْفَ كلَّه مع القَصَبةِ، فعليه القِصاصُ في المارِنِ، وحُكومةٌ للقَصَبةِ. هذا قولُ ابن حامدٍ، ومذهبُ الشافعىِّ. وفيه وجهٌ آخرُ، أنَّه لا يَجِبُ مع القِصاصِ حكومةٌ؛ كَيْلا يَجْتَمِعَ (٢) في عُضْوٍ واحدٍ (٣) قِصاصٌ ودِيَةٌ. وقياسُ قولِ أبى بكرٍ، أنَّه لا يجبُ القِصاصُ ههُنا؛ لأنَّه يَضَعُ الحَدِيدَةَ في غير الموضعِ الذي وَضَعَها الجانِى فيه، فلم يَمْلِكْ ذلك، كقولِه في مَن قَطَعَ اليَدَ من نِصْفِ الذراعِ أو الكَفِّ. وذكر القاضي ههُنا كقولِ أبى بكرٍ، وفى نظائِرِه مثلَ قولِ ابنِ حامدٍ، ولا يَصِحُّ التَّفْريقُ مع التَّساوِى. وإن قَطَعَ بعضَ الأنْفِ، قُدِّرَ بالأجْزاءِ، وأُخِذَ منه بقَدْرِ ذلك، كقَوْلنا في الأُذُنِ، ولا يُؤْخَذُ بالمساحةِ، لئلَّا يُفْضِىَ إلى قَطْعِ جَمِيعِ أنْفِ الجانِى لصِغَرِه ببعضِ أنْفِ المَجْنِىّ عليه لكِبَرِه، ويُؤْخَذُ المَنْخِرُ الأيْمَنُ بالأيْمَنِ، والأيْسَرُ بالأيْسَرِ، ولا يُؤْخَذُ أيْمَنُ بأيْسَرَ، ولا أيْسَرُ بأيْمَنَ، ويُؤْخَذُ الحاجِزُ بالحاجزِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ القِصاصُ فيه، لِانْتهائِه إلى حَدٍّ. ١٤٤٦ - مسألة؛ قال: (والذَّكَرُ بِالذَّكَرِ) لا نعلمُ بين أهلِ العلمِ خلافًا في أن القِصاصَ يَجْرِى في الذَّكَرِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١). ولأنَّ له حَدًّا يَنْتَهِى إليه، ويُمْكِنُ القِصاصُ فيه من غيرِ حَيْفٍ، فوَجَبَ فيه القِصاصُ، كالأَنْفِ. ويَسْتَوِى في ذلك ذَكَرُ الصغِيرِ والكبيرِ،

стр. 6083

والشيخِ والشابِّ، والذَّكَرُ الكبيرُ والصغيرُ، والصحيحُ والمريضُ؛ لأنَّ ما وَجَبَ فيه القِصاصُ من الأطْرافِ لم يَخْتَلِفْ بهذه المعانى، كذلك الذكرُ. ويُؤْخَذُ كلُّ واحدٍ من المَخْتُونِ والأَغْلَفِ بصاحِبِه؛ لأنَّ الغُلْفةَ زِيادةٌ تَسْتَحِقُّ إزالَتَها، فهى كالمَعْدُومةِ. وأمَّا ذكرُ الخَصِىِّ والعِنِّينِ، فَذَكَرَ الشَّرِيفُ أنَّ غيرَهما لا يُؤْخَذُ بهما. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه لا مَنْفَعةَ فيهما، لأنَّ العِنِّينَ لا يَطَأُ ولا يُنْزِلُ، والخَصِىُّ لا يُولَدُ له ولا يُنْزِلُ، ولا يَكادُ يَقْدِرُ على الوَطْءِ، فهما كالأشَلِّ، ولأنَّ كلَّ واحدٍ منهما ناقِصٌ، فلا يُؤْخَذُ به الكامِلُ، كاليَدِ الناقصةِ بالكاملةِ. وقال أبو الخَطَّابِ: يُؤْخَذُ غيرُهما بهما، في أحدِ الوَجْهَيْنِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّهما عُضْوانِ صحيحانِ، ينْقَبِضان (٢) ويَنْبَسِطَانِ، فيُؤْخَذُ بهما غيرُهما، كذَكَرِ الفَحْلِ غيرِ العِنِّينِ، وإنَّما عَدَمُ الإِنْزالِ لذَهابِ الخُصْيَةِ، والعُنَّةُ لعِلَّةٍ في الظَّهْرِ، فلم يَمْنَعْ ذلك (٣) من القِصاصِ بهما، كأذُنِ الأصَمِّ وأنْفِ الأخْشَمِ. وقال القاضي: لا يُؤْخَذُ ذكَرُ الفَحْلِ بالخَصِىِّ؛ لتَحَقُّقِ نَقْصِه، والإِيَاسِ من بُرْئِه. وفى أخْذِه بذَكَرِ العِنِّينِ وَجْهان؛ أحدهما، يُؤْخَذُ به غيرُه؛ لأنَّه غيرُ مَأْيُوسٍ من زَوَالِ عُنَّتِه، ولذلك يُؤَجَّلُ سَنةً، بخِلافِ الخَصِىِّ (٤). والصحيحُ الأوَّلُ؛ [فإنَّه إذا] (٥) تَرَدّدَتِ الحالُ بين كَوْنِه مُساوِيًا للآخَرِ وعَدَمِه، لم يَجِبِ القِصاصُ، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه، فلا يجبُ بالشَّكِّ، سِيَّما وقد حَكَمْنا بانْتِفاءِ التَّساوِى، لقِيامِ الدليلِ على عُنَّتِه، وثُبُوتِ عَيْبه. ويُؤْخَذُ كلُّ واحدٍ من الخَصِىِّ والعِنِّينِ بمثلِه؛ لتَساوِيهما، كما يُؤْخَذُ العَبْدُ بالعبدِ، والذِّمِّىُّ بالذِّمِّىِّ. فصل: ويُؤْخَذُ بعضُه ببَعْضِه (٦)، ويُعْتَبَرُ ذلك بالأجْزاءِ دُونَ المِساحةِ، فيُؤْخَذُ

стр. 6084

النَّصْفُ بالنِّصْفِ، والرُّبعُ بالرُّبعِ، وما زاد أو نَقَصَ فبحسابِ (٧) ذلك، على ما ذكَرْناه في الأَنْفِ والأذُنِ. ١٤٤٧ - مسألة؛ قال: (والأُنْثَيَانِ بِالْأُنْثَيَيْنِ) ويَجرِى القِصاصُ في الأُنْثَيَيْنِ؛ لما ذكرْنا من النَّصِّ والمعنى. ولا (١) نعلمُ فيه خلافًا، فإن قَطَعَ إحداهُما، وقال أهلُ الخِبْرةِ، إنَّه مُمْكِنٌ أخْذُها مع سلامةِ الأُخْرَى. جاز. فإن قالوا: لا يُؤْمَنُ تَلَفُ الأُخْرَى. لم تُؤْخَذْ خَشْيةَ الحَيْفِ، ويكون فيها نِصْفُ الدِّيَةِ. وإن أُمِنَ تَلَفُ الأُخْرَى، أُخِذَتِ اليُمْنَى باليُمْنَى، واليُسْرَى باليُسْرَى؛ لما ذكرْناه في غيرِهما. فصل: وفى القِصاصِ في شَفْرَىِ المرأةِ وَجْهان؛ أحدهما (٢)، لا قِصاصَ فيهما؛ لأنَّه لَحْمٌ لا مَفْصِلَ له يَنْتَهِى إليه، فلم يَجِبْ فيه قِصاصٌ، كلَحْمِ الفَخِذَيْنِ. هذا قولُ القاضِى. والثاني، فيهما القِصاصُ؛ لأنَّ انْتهاءَهُما معروفٌ، فأشْبَها الشَّفَتَيْنِ وجَفْنَىِ العَيْنَيْن (٣). وهذا قولُ أبى الخَطَّابِ. ولأصحابِ الشافعىِّ وَجْهان، كهذَيْن. فصل: إن قَطَعَ ذكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ، أو أُنْثَيَيْه، أو شَفْرَيْه، فاختارَ القِصاصَ، لم يكُنْ له قِصاصٌ في الحالِ، ويَقِفُ الأمرُ حتى يتَبَيَّنَ حالُه؛ لأنَّنا لا نعلمُ أنَّ المَقْطُوعَ عُضْوٌ أصْلِىٌّ. وإن اختارَ الدِّيَةَ، وكان يُرْجَى انْكِشافُ حالِه، أعْطَيْناه اليَقِينَ، فيكونُ له حكومةٌ في المَقْطُوعِ. وإن كان قد قَطَعَ جَمِيعَها، فله دِيةُ امرأةٍ في الشَّفْرَيْنِ، وحُكومةٌ في الذَّكَرِ والأُنْثَيَينِ. وإن يُئِسَ من انْكشافِ حالِه، أُعْطِىَ نِصْفَ دِيَةِ الذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ، ونِصْفَ دِيَةِ الشَّفْرَيْنِ، وحُكومةً في نِصْفِ ذلك كلِّه.

стр. 6085

فصل: يجبُ القِصاصُ في الأَلْيَتَيْنِ الناتِئتَيْنِ بينَ الفَخِذَيْنِ والظَّهْرِ بجانِبَىِ الدُّبَرِ. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ. وقال المُزَنِىُّ: لا قِصاصَ فيهما؛ لأنَّهما لَحْمٌ مُتَّصِلٌ بلَحْمٍ، فأشْبَهَ لحمَ الفَخِذِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٤). ولأنَّ لهما حَدًّا ينْتَهِيان إليه، فَجَرَى القصاصُ فيهما، كالذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ. ١٤٤٨ - مسألة؛ قال: (وتُقْلَعُ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على القِصاصِ في العَيْنِ، وممَّن بَلَغَنا قولُه في ذلك مَسْرُوقٌ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه. والأصلُ فيه قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (١). ولأنَّها تَنْتَهِى إلى مَفْصِلٍ، فَجَرَى القِصاصُ فيها كاليَدِ. وتُؤْخَذُ عينُ الشابِّ بعَيْنِ الشَّيْخِ (٢) المريضةِ، وعينُ الكبيرِ بعَيْنِ الصَّغيرِ والأَعْمَشِ، ولا تُؤْخَذُ صَحِيحةٌ بقائمةٍ؛ لأنَّه يَأخُذُ أكثرَ من حَقِّه. فصل: فإن قَلَعَ عَيْنَه بإصْبَعِه، لم يَجُزْ أن يَقْتَصَّ بإصْبَعِه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ المُماثلةُ فيه. وإن لَطَمَهُ فذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِه، لم يَجُزْ أن يَقْتَصَّ منه (٣) باللَّطْمةِ؛ لأنَّ المُماثلةَ فيها غيرُ مُمْكِنةٍ، ولهذا لو انْفَرَدَتْ من إذْهابِ الضَّوْءِ، لم يَجِبْ فيها قِصاصٌ، ويجبُ القِصاصُ في البَصَرِ (٤)، فيُعالَجُ بما يَذْهَبُ ببَصَرِه من غيرِ أن يَقْلَعَ عَيْنَه، كما رَوَى يحيى ابن جَعْدةَ، أنَّ أعْرابِيًّا قَدِمَ بحَلُوبةٍ (٥) له إلى الْمَدِينةِ، فساوَمَهُ فيها مَوْلًى لعثمانَ بن عَفّان، رَضِىَ اللَّه عنه، فنازَعَه، فلَطَمَه، ففَقَأَ عَيْنَه، فقال له عثمانُ: هل لك أن

стр. 6086

أُضَعِّفَ لك الدِّيةَ، وتَعْفُوَ عنه؟ فأبَى، فرَفَعَهُما إلى عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، فدَعَا علىٌّ بمِرآةٍ فأحْماها، ثم وَضَعَ القُطْنَ على عيْنِه الأُخْرَى، ثم أخَذَ المرآةَ بكَلْبتَيْنِ، فأدْناها من عَيْنِه حتى سالَ إنسانُ عَيْنِه. وإن وَضَعَ فيها كافورًا يَذْهَبُ بضَوْئِها من غيرِ أن يَجْنِىَ على الحَدَقَةِ، جاز، وإن لم يُمْكِنْ إلَّا بالجِنايةِ على العُضْوِ، سَقَطَ القِصاصُ؛ لتَعَذُّرِ المُماثلةِ. وذكر القاضي أنَّه يَقْتَصُّ منه باللَّطْمةِ، فيَلْطِمُه المَجْنِىُّ عليه مثلَ لَطْمَتِه، فإن ذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِه، وإلَّا كان له أن يُذْهِبَه بما ذكَرْنا. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّ اللَّطْمةَ لا يُقْتَصُّ منها مُنْفَرِدةً، فلا يُقْتَصُّ منها إذا سَرَتْ إلى العَيْنِ، كالشَّجَّةِ إذا (٦) كانت دُونَ المُوضِحَةِ، ولأنَّ اللَّطْمةَ إذا لم تكُنْ في العَيْنِ، لا يُقْتَصُّ منها بمثْلِها مع الأمْنِ من إفْسادِ العُضْوِ، ففى (٧) العينِ مع (٨) خَوْفِ ذلك أَوْلَى، ولأنَّه قِصاصٌ فيما دُونَ النَّفْسِ، فلم يَجُزْ بغيرِ الآلةِ المُعَدَّةِ له (٩)، كالمُوضِحَةِ. وقال القاضي: لا (١٠) يجبُ القِصاصُ، إلَّا أن تكونَ اللَّطمةُ تَذْهَبُ بذلك غالِبًا، فإن كانت لا تَذْهَبُ به غالبًا فذَهَبَ، فهو شِبْهُ عَمْدٍ لا قِصاصَ فيه. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه فِعْلٌ لا يُفْضِى إلى الفَوَاتِ غالبًا، فلم يَجِبْ به القِصاصُ، كشِبْهِ العَمْدِ في النَّفْسِ. وقال أبو بكرٍ: يجبُ القِصاصُ بكلِّ حالٍ؛ لعمومِ قوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾. ولأنَّ اللَّطْمةَ إذا أسَالَتْ إنْسانَ العَيْنِ، كانت بمَنْزِلةِ الجُرْحِ، ولا يُعْتَبَرُ في الجُرْحِ الإِفْضاءُ إلى التَّلَفِ غالبًا. فصل: فإن (١١) لَطَمَ عَيْنَه، فذَهَبَ بَصَرُها، وابْيَضَّتْ، وشَخَصَتْ، فإن أمْكَنَ مُعَالجةُ عَيْنِ الجانِى حتى يَذْهَبَ بصَرُها وتَبْيَضَّ وتَشْخَصَ، من غيرِ جِنايةٍ على الحَدَقةِ،

стр. 6087

فَعَلَ ذلك، وإن لم يُمْكِنْ إلَّا ذهابُ بعضِ ذلك، مثل ذهابِ (١٢) البَصَرِ دونَ أن تَبْيَضَّ وتَشْخَصَ، فعليه حُكومةٌ للذى لم يُمْكِن القِصاصُ فيه، كما لو جَرَحَه (١٣) هاشِمةً، فإنَّه يَقْتَصُّ مُوضِحَةً، ويأْخُذُ أرْشَ باقِى جرْحِه. وعلى قولِ أبى بكرٍ، لا يُسْتَحَقُّ مع القِصاصِ أَرْشٌ. وقال القاضي: إذا اقْتَصَّ منه - يعني لَطَمَه مثلَ لَطْمَتِه - فذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِه، ولم تَبْيَضَّ، ولم تَشْخَصْ، فإن أمْكَنَ مُعَالَجَتُها حتى تَبْيَضَّ وتَشْخَصَ، من غيرِ ذَهابِ الحَدَقةِ، فَعَلَه، وإن تعَذَّرَ ذلك، فلا شىءَ عليه، كما لو انْدَمَلَتَ مُوضِحَةُ المَجْنِىِّ عليه وَحِشَةً قَبِيحةَ، ومُوضِحةُ الجانِى حَسَنةً جميلةً، لم يجب شيءٌ، كذلك ههُنا، وهذا بَنَاهُ على أن اللَّطْمةَ حَصَلَ بها القِصاصُ، كما حَصَلَ بجُرْحِ المُوضِحَةِ، وقد بَيَّنَّا فَسادَ هذا. فصل: وإن شَجَّهُ شَجّةً دون المُوضِحَةِ، فأذْهَبَ ضَوْءَ عينِه، لم يَقْتَصَّ منه مثلَ شَجَّتِه، بغيرِ خلافٍ نَعْلمُه؛ لأنَّها لا قِصاصَ فيها إذا لم يَذْهَبْ ضَوْءُ العينِ، فكذلك إذا ذَهَبَ، ويُعالجُ ضَوْءُ العَيْنِ بمثل ما ذكَرْنا في (١٤) اللَّطْمةِ. وإن كانت الشَّجَّةُ فوقَ المُوضِحَةِ، فله أن يَقْتَصَّ مُوضِحَةً. وهل له أرْشُ الزِّيادةِ عليها؟ فيه وَجْهان. وإن ذَهَبَ ضَوْءُ العَيْنِ، وإلَّا اسْتَعْمَلَ فيه ما يُزِيلُه من غيرِ أن يَجْنِىَ على الحَدَقةِ. وإن شَجَّه مُوضِحَةً، فله أن يَقْتَصَّ منها. وحُكْمُ القِصاصِ في البَصَرِ على ما ذكرْنا من قبلُ. واخْتَلَف أصحابُ الشافعىِّ في القِصاصِ في البَصَرِ، في هذه المواضعِ كلِّها، فقال بعضُهم: لا قِصاصَ فيه؛ لأنَّه لا يَجِبُ بالسِّرَايةِ، كما لو قَطَعَ إصْبَعَه، فسَرَى القَطْعُ إلى التي تَلِيها، فأذْهَبَها عندهم. وقال بعضُهم: يجبُ القِصاصُ ههُنا، قولًا واحدًا؛ لأنَّ ضَوْءَ العَيْنِ لا تُمْكِنُ مُباشَرَتُه بالجنايةِ، فيَقْتَصُّ منه بالسِّرَايةِ، كالنَّفْسِ، فيَقْتَصُّ من البَصَرِ بما (١٥) ذكرنا فيما قبلَ هذا.

стр. 6088

فصل: إذا قَلَعَ الأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ، فلا قَوَدَ، وعليه دِيَةٌ كاملةٌ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنهما (١٦). وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ. وقال الحسنُ والنَّخَعِىُّ: إن شاء اقْتَصَّ وأعْطاه نِصْفَ دِيَةٍ. وقال مالكٌ: إن شاء اقْتَصَّ، وإن شاء أخَذَ دِيَةً كاملةً. وقال مَسْرُوقٌ والشَّعْبِىُّ، وابنُ سِيرِينَ، وابنُ مَعْقِلٍ (١٧)، والثَّوْرِيُّ، والشَّافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ: له القِصاصُ، ولا شىءَ عليه. وإن عَفَا، فله نِصْفُ الدِّيةِ، لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾. وجَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ في العَيْنَينِ الدِّيَةَ (١٨). ولأنَّها إحْدَى شَيْئَيْنِ فيهما الدِّيَةُ، فوَجَبَ القِصاصُ ممَّن له واحدةٌ، أو نِصْفُ الدِّيَةِ، كما لو قَطَعَ الأَقْطَعُ يَدَ مَنْ له يَدَانِ. ولَنا، قولُ عمرَ وعثمانَ، رَضِىَ اللَّه عنهما، [ولم نَعْرِفْ لهما مُخالِفًا] (١٩) في عَصْرِهما، ولأنَّه لم يَذْهَبْ بجَميعِ (٢٠) بَصَرِه، فلم يَجُزْ له الاقْتِصاصُ منه بجميعِ بَصَرِه، كما لو كان ذا عَيْنَيْنِ. وأمَّا إذا قَطَعَ يَدَ الأَقْطَعِ، فلَنا فيه مَنْعٌ، ومع التَّسْليمِ، فالفَرْقُ بينهما أنَّ يَدَ الأقْطَعِ لا تَقُومُ مَقامَ اليَدَيْنِ في النَّفْعِ الحاصلِ بهما، بخلافِ عَيْنِ الأعْوَرِ، فإنَّ النفعَ الحاصِلَ بالعَيْنَيْنِ حاصِلٌ بها، كلُّ حُكْمٍ يتعَلَّقُ بصَحِيحِ العينينِ، يَثْبُتُ في الأعْوَرِ مثلُه، ولهذا صَحَّ عِتْقُه في الكَفَّارةِ دُونَ الأَقْطَعِ. فأمَّا وُجُوبُ الدِّيَةِ كامِلةً عليه، وهو قولُ مالكٍ، فلأنَّه لمَّا دُفِعَ عنه القِصاصُ مع إمْكانِه لفَضِيلَتِه، ضُوعِفَتِ الدِّيَةُ عليه، كالمُسْلمِ إذا قَتَلَ ذِمِّيًّا عَمْدًا. ولو قَلَعَ الأعْورُ إحْدَى عَيْنَىِ الصَّحِيحِ خطأً، لم يَلْزَمْه إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ، بغيرِ اخْتلافٍ؛ لعَدَمِ المعنى المُقْتَضِى لتَضْعِيفِ الدِّيَةِ.

стр. 6089

فصل: ولو قَلَعَ الأعْوَرُ عَيْنَ مثلِه، ففيه القِصاصُ، بغيرِ خلافٍ؛ لِتَسَاوِيهِما من كلِّ وَجْهٍ، إذا كانت العَيْنُ مثلَ العينِ، في كونِها يَمِينًا أو يَسارًا. وإن عَفَا إلى الدِّيَةِ، فله جَمِيعُها، وكذلك إن قَلَعَها خطأً، أَو عَفَا بعضُ مُسْتَحِقِّى القِصاصِ؛ لأنَّه ذَهَبَ بجميعِ بَصَرِه، فأشْبَهَ ما لو قَلَعَ عَيْنَىْ صَحِيحٍ. فصل: وإن قَلَعَ الأعورُ عَيْنَىْ صحيحٍ، فقال القاضي: هو مُخَيَّرٌ، إن شاء اقْتَصَّ ولا شىءَ له سِوى ذلك؛ لأنَّه قد أخَذَ جَمِيعَ بَصَرِهِ [بجميعِ بَصَرِهِ] (٢١)، فإن اختارَ الدِّيَةَ، فله دِيَةٌ واحدةٌ؛ لقَوْلِ النَّبِي ﷺ : "وَفِى الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ". ولأنَّه (٢٢) لم يتَعذَّرِ القِصاصُ، فلم تَتضاعَفِ الدِّيةُ، كما لو قَطَعَ الأَشَلُّ يَدَ صَحِيحٍ، أو كان رأسُ الشاجِّ أَصْغَرَ، أو يَدُ القاطعِ أنْقَصَ. وقال القاضي: يَقْتَضِى الفِقْهُ أن يَلْزَمَه دِيَتَانِ، إحداهما لِلعَيْنِ التي تُقابِلُ عَيْنَه، والدِّيَةُ الثانية لأجْلِ العَيْنِ الناتِئَةِ؛ لأنَّها عَيْنُ أعْوَرَ. والصَّحِيحُ ما قُلْنا، وهو قولُ أكثر أهلِ العلمِ، وأشَدُّ مُوافَقةً للنُّصُوصِ، وأصَحُّ في المَعْنَى. فصل: وإن قَلَعَ صحيحُ العَيْنَيْنِ عَيْنَ أعْوَرَ، فله القِصاصُ من مِثْلِها، ويأْخُذُ نِصْفَ الدِّيَةِ. نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه ذَهَبَ بجميعِ بَصَرِه، وأذْهَبَ الضَّوْءَ الذي بَدَلُه دِيَةٌ كاملةٌ، وقد تعَذَّرَ اسْتِيفاءُ جميعِ الضَّوْءِ، إذْ لا يُمْكِنُ أخْذُ عَيْنَيْنِ بعَيْنٍ واحدةٍ، ولا أخْذُ يَمِينٍ بيُسْرَى، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ ببَدَلِ نِصْفِ الضَّوْءِ. ويَحْتَملُ أنَّه ليس له إلَّا القِصاصُ من غيرِ زِيادةٍ، أو العَفْوُ إلى (٢٣) الدِّيَةِ، كما لو قَطَعَ الأشَلُّ يَدًا صحيحةً، ولأنَّ الزيادةَ ههُنا غيرُ مُتَمَيِّزةٍ، فلم يكُنْ لها بَدَلٌ، كزِيادةِ الصَّحِيحةِ على الشَّلَّاءِ، هذا مع عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾.

стр. 6090

فصل: وإن قَطَعَ الأقْطَعُ يَدَ مَنْ له يَدَانِ، فعليه القِصاصُ. وإن قُطِعَتْ رِجْلُ الأَقْطَعِ أو يَدُه، فله القِصاصُ أو نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّ يَدَ الأقْطَعِ لا تقومُ مَقامَ يَدَيْه في الانْتِفاعِ والبَطْشِ، ولا يُجْزِئُ في العِتْقِ عن الكَفَّارَةِ، بخلافِ عَيْنِ الأعْوَرِ، فإنَّها تقومُ مَقامَ عَيْنَيْه جميعا. وقال القاضي: إن كانت المَقْطُوعةُ أوّلًا قُطِعَتْ ظُلْمًا أو قِصاصًا، ففى الباقيةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، رِوايةً واحدةً، وإن كانت الأُولَى قُطِعَتْ في سَبِيلِ اللَّه، ففى الثانية رِوايتَان؛ إحداهما، نِصْفُ الدِّيَةِ، والثانية دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّه عَطَّلَ مَنافِعَه من العُضْوَيْنِ جملةً، وأمَّا إن قَطَعَ الأقْطعُ يَدَ مَنْ ليس بأقْطَعَ، فإن قُلْنا: إنَّ في يَدِ الأقْطَعِ دِيةً كاملةً. فلا قِصاصَ. وإن قُلْنا: لا تَكْمُلُ فيها الدِّيَةُ. فالقِصاصُ واجبٌ فيها. واللائقُ بالفِقْهِ ما ذكَرْناه أوَّلا، والتَّعْليلُ بتَفْوِيتِ مَنْفَعةِ العُضْوَيْنِ يَنْتَقِضُ بما إذا قُطِعَتِ الأُولَى قِصاصًا، والقياسُ على عَيْنِ الأعْوَرِ غيرُ صحيحٍ؛ لما بينهما من الفَرْقِ. فأمَّا إن قُطِعَتْ أذُنُ مَنْ قد (٢٤) قُطِعَتْ إحْدَى أذُنَيْه، فليس له إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ، روايةً واحدةً. وإن قَطَعَ هو أذُنَ ذِى أُذُنَيْنِ، وَجَبَ عليه القِصاصُ، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه، لا في المَذْهَبِ ولا في غيرِه؛ لأنَّ نَفْعَ كلِّ أذُنٍ لا يتَعَلَّقُ بالأُخْرَى. فصل: ويُؤْخَذُ الجَفْنُ بالجَفْنِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢٥). ولأنَّه يُمْكِنُ القِصاصُ فيه، لِانْتهائِه إلى مَفْصِلٍ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ويُؤْخَذُ جَفْنُ البَصِيرِ بجَفْنِ البَصِير والضَّريرِ، وجَفْنُ الضَّرِيرِ بكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّهما تَساوَيَا في السَّلامةِ من النَّقْصِ، وعَدَمُ البَصَرِ نَقْصٌ في غيرِه، لا (٢٦) يَمْنَعُ أخْذَ أحَدِهما بالآخرِ، كالأذُنِ إذا عُدِمَ السَّمْعُ منها. ١٤٤٩ - مسألة؛ قال: (والسِّنُّ بِالسِّنِّ)

стр. 6091

أجْمَعَ أهلُ العلمِ على القِصاصِ في السِّنِّ؛ للآيةِ وحَدِيثِ الرُّبَيِّعِ (١)، ولأنَّ القِصاصَ فيها مُمْكِنٌ، لأنَّها مَحْدُودةٌ في نَفْسِها، فوَجَبَ فيها القِصاصُ كالعَيْنِ. وتُؤْخَذُ الصَّحيحةُ بالصَّحيحةِ، وتُؤْخَذُ المَكْسُورةُ بالصَّحيحةِ؛ لأنَّه يَأْخُذُ بعضَ حَقِّه، وهل يأخذُ مع القِصاصِ أرْشَ الباقِى؟ فيه وَجْهان، ذكَرْناهما فيما مَضَى. فصل: ولا يُقْتَصُّ إلَّا من سِنِّ مَنْ أثْغَرَ، أي سَقَطَتْ رَوَاضِعُه، ثم نَبَتَتْ. يقال لمن سَقَطَتْ رَواضِعُه: ثُغِرَ، فهو مَثْغُورٌ. فإذا نَبَتَتْ قِيلَ: أثْغرَ. لُغَتان. وإن قُلِعَ سِنُّ مَنْ لم يُثْغِرْ، لم يُقْتَصَّ من الجانِى في الحالِ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّها تَعُودُ بحُكْمِ العادةِ، فلا يُقْتَصُّ منها كالشَّعْرِ، ثم إن عادَ بَدَلُ السِّنِّ في مَحَلِّها مثلُها على صِفَتِها، فلا شىءَ على الجانِى، كما لو قَلَعَ شَعْرةً ثم نَبَتَتْ. وإن عادَتْ مائلةً عن مَحَلِّها، أو مُتَغيِّرةً عن صِفَتِها، كان عليه حُكومةٌ؛ لأنَّها لو لم تَعُدْ ضَمِنَ السِّنَّ، فإذا عادت ناقصةً ضَمِنَ ما نَقَصَ. [وإن عادتْ قصيرةً، ضَمِنَ مَا نَقَصَ] (٢) منها بالحِسابِ، ففى ثُلُثِها ثُلثُ دِيَتِها، وفي رُبْعِها رُبْعُها، وعلى هذا. وإن عادَتْ والدَّمُ يَسِيلُ، ففيها حُكومةٌ؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَلَ بفِعْلِه. وإن مَضَى زَمَنُ عَوْدِها ولم تَعُدْ، سُئِلَ أهلُ العلمِ بالطِّبَّ، فإن قالوا: قد يُئِسَ من عَوْدِها. فالمَجْنِىُّ عليه بالخِيارِ بينَ القِصاصِ أو دِيَةِ السِّنِّ. فإن مات المَجْنِىُّ عليه قبلَ الإِيَاسِ من عَوْدِها، فلا قِصاصَ؛ لأنَّ الاسْتِحْقاقَ له غيرُ مُتَحَقِّقٍ، فيكونُ ذلك شُبْهةً في دَرْئِهِ، وتجبُ الدِّيَةُ؛ لأنَّ القَلْعَ مَوْجودٌ، والعَوْدَ مشكوكٌ فيه. ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا مات قبلَ مَجِىءِ وَقْتِ عَوْدِها، أنْ (٣) لا يَجِبَ شيءٌ؛ لأنَّ العادةَ عَوْدُها، فأشْبَه ما لو حَلَقَ شَعْرَه فماتَ قبلَ نَباتِه. فأمَّا إن قَلَعَ سِنَّ مَنْ قد أثْغَرَ، وَجَبَ القِصاصُ له في الحالِ؛ لأنَّ الظاهِرَ عَدَمُ عَوْدِها. وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ. وقال القاضي: يُسْأَلُ أهْلُ الخِبْرةِ، فإن قالوا: لا تَعُودُ. فله

стр. 6092

القِصاصُ في الحالِ، وإن قالوا: يُرْجَى عَوْدُها. إلى وقتٍ ذكَرُوه، لم يُقْتَصَّ حتى يَأْتِىَ ذلك الوقتُ. وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّها تَحْتَمِلُ العَوْدَ، فأشْبَهَتْ سنَّ مَنْ لم يُثْغِرْ. وإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّها [إن لم] (٤) تَعُدْ بعدُ (٥)، فلا كَلامَ، وإن عادَتْ، لم يَجِبْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قولَىِ الشافعىِّ. وقال في الآخَرِ: لا يَسْقُطُ الأرْشُ؛ لأنَّ هذه السِّنَّ لا تُسْتَخْلَفُ عادةً، فإذا عادَتْ كانت هِبَةً مُجَدَّدَةً، ولذلك لا يُنْتَظَرُ عَوْدُها في الضَّمانِ. ولَنا، أنَّها سِنٌّ عادَتْ، فسَقَطَ الأرْشُ، كسِنِّ مَنْ لم يُثْغِرْ، ونُدْرَةُ وُجُودِها لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِها إذا وُجِدَتْ، فعلَى هذا إن كان أخَذَ الأرْشَ، رَدَّه، وإن كان اسْتَوْفَى القِصاصَ، لم يَجُزْ قَلْعُ هذه قِصاصًا؛ لأنَّه لم يَقْصِد العُدْوانَ. وإن عادَتْ سِنُّ الْجانِى دُونَ سِنِّ المَجْنِىِّ عليه، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا تُقْلَعُ؛ لئَلَّا يَأْخُذَ سِنَّيْنِ بسِنٍّ واحدةٍ، وإنَّما قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (٦). والثانى، تُقْلَعُ وإن عادَتْ مَرَّاتٍ؛ لأنَّه قَلَعَ سِنَّه وأعْدَمَهَا، فكان له إعْدامُ سِنِّه. ولأصحابِ الشافعىِّ وَجْهان، كهذَيْنِ. فصل: وإن قَلَعَ سِنًّا، فاقْتَصَّ منه، ثم عادت سِنُّ الْمجنِىِّ عليه، فقَلَعَها الجانِى ثانيةً، فلا شىءَ عليه؛ لأنَّ سِنَّ المجْنِىِّ عليه لمَّا عادَتْ، وَجَبَ للجانِى عليه دِيَةُ سِنِّه، فلما قَلَعَها، وَجَبَ [على الجانى] (٧) دِيَتُها للمَجْنِىِّ عليه، فقد وَجَبَ لكلِّ واحدٍ منهما دِيَةُ سِنٍّ، فيتَقَاصَّانِ. ١٤٥٠ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَسَرَ بَعْضَهَا، بَرَدَ مِنْ سِنِّ الْجَانِى مِثْلَهُ) وجملتُه أنَّ القِصاصَ جارٍ في بعضِ السِّنِّ؛ لأنَّ الرُّبَيِّعَ كَسَرَتْ سِنَّ جاريةٍ، فأمَرَ النَّبِىُّ

стр. 6093

- ﷺ بالقِصاصِ (١). ولأنَّ ما جَرَى القِصاصُ في جُمْلَتِه، جَرَى في بعضِه إذا أمْكنَ، كالأُذُنِ، فيُقَدَّرُ ذلك بالأجْزاءِ، فيُؤْخَذُ النِّصْفُ بالنِّصْفِ والثُّلثُ بالثُّلثِ، وكلُّ جُزْءٍ بمثلِه، ولا يُؤْخَذُ ذلك بالمِساحةِ، كيْلا يُفْضِىَ إلى أخْذِ جميعِ سِنِّ الجانِى ببعض سِنِّ المَجْنِىِّ عليه، ويكونُ القِصاصُ بالمِبْرَدِ؛ ليُؤْمَنَ أخْذُ الزِّيادةِ، فإنَّا لو أخَذْناها بالكَسْرِ، لم نَأْمَنْ أن تَنْصَدِعَ، أو تَنْقَلِعَ، أو تَنْكَسِرَ من غير موضِعِ القِصاصِ. ولا يُقْتَصُّ حتى يقولَ أهلُ الخِبْرةِ: إنَّه يُؤْمَنُ انْقِلاعُها، أو السَّوادُ (٢) فيها؛ لأنَّ تَوَهُّمَ الزِّيادةِ يَمْنَعُ القِصاصَ في الأعْضاءِ، كما لو قُطِعَتْ يَدُه من غيرِ مَ فْصِلٍ . فإن قيل: فقد أجَزْتُم القِصاصَ في الأطْرافِ مع تَوَهُّم سِرَايَتِها إلى النَّفْسِ، فَلِمَ مَنَعْتُمْ منه لِتَوَهُّمِ السِّرَايَةِ إلى بعضِ العُضْوِ؟ قُلْنا: وَهَمُ السِّرَايةِ إلى النَّفْسِ لا سَبِيلَ إلى التَّحَرُّزِ منه، فلو اعْتَبَرْناه في المَنْعِ، لَسَقَطَ القِصاصُ في الأطْرافِ بالكُلِّيَّةِ، فسَقَطَ اعْتِبارُه، وأمَّا (٣) السِّرايةُ إلى بعضِ العُضْوِ، فتارةً نقولُ إنَّما يَمْنَعُ (٤) القِصاصَ فيها احتمالُ الزِّيادةِ في الفِعْلِ، لا في السِّرايةِ، مثل مَنْ يَسْتَوْفِى من (٥) بعضِ الذِّراعِ، فإنَّه يَحْتَملُ أن يَفْعَلَ أكثرَ ممَّا فُعِلَ به، وكذلك من كَسَرَ سِنًّا ولم يَصْدَعْها، فكَسَرَ المُسْتَوْفِى سِنَّهُ وصَدَعَها، أو قَلَعَها، أو كَسَرَ أكثرَ ممَّا كَسَرَ، فقد زاد على المِثْلِ، والقِصاصُ يَعْتَمِدُ المُماثلةَ. وتارةً نقولُ: إنَّ السِّرَايةَ في بعضِ العُضْوِ إنَّما تمْنَعُ (٦) إذا كانت ظاهرةً، ومثل هذا يَمْنَعُ في النَّفْسِ، ولهذا مَنَعْناه من الاسْتيفاءِ بآلةٍ كالَّةٍ، أو مَسْمُومةٍ، وفى وَقْتِ إفْراطِ الحَرارةِ أو البُرُودةِ (٧)، تَحَرُّزًا من السِّرَايةِ. فصل: ومَنْ قَلَعَ سِنًّا زائدةً، وهى التي تَنْبُتُ فَضْلةً في غيرِ سَمْتِ الأسْنانِ، خارِجةً

стр. 6094

عنها، إمَّا إلى داخلِ الفَمِ، وإمَّا إلى الشَّفَةِ، وكانت (٨) للجانى مثلُها في مَوْضِعِها، فللمَجْنِىِّ عليه القِصاصُ، أو أخْذُ حُكومةٍ في سِنِّه. وإن لم يكُنْ له مثلُها في مَحَلِّها، فليس للمَجْنِىِّ عليه إلَّا الحُكومةُ. وإن كانت إحْدَى الزَّائِدَتينِ أكبرَ من الأخْرَى، ففيه وَجْهان؛ أحدهما، لا تُؤْخَذُ الكُبْرَى بالصُّغْرَى؛ لأنَّ الحُكومةَ فيها أكبرُ، فلا يُقْلَعُ بها ما هو أقَلُّ قيمةً منها. والثانى، تُؤْخَذُ بها؛ لأنَّهما سِنَّانِ (٩) مُتَساوِيانِ (١٠) في الموضعِ، فتُؤْخَذُ كلُّ واحدةٍ منهما بالأُخْرَى، كالأصْلِيَّتَيْنِ، ولأنَّ قولَ اللَّه تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (١١). عامٌّ، فيَدْخُلُ فيه مَحَلُّ النِّزاعِ. وإن قُلْنا: يَثْبُتُ القِياسُ (١٢) في الزَّائدتَيْنِ بالاجْتِهادِ، فالثابتُ بالاجْتِهادِ مُعْتَبَرٌ بما ثَبَتَ بالنَّصِّ، واختلافُ القِيمَةِ لا يَمْنَعُ القِصاصَ، بدليلِ جَرَيانِه بين العَبِيِد، وبين الذَّكَرِ والأُنْثى، في النَّفسِ والأطْرافِ، على أنَّ كِبَرَ السِّنِّ لا يُوجِبُ كَثْرةَ قِيمَتِها، فإنَّ السِّنَّ الزَّائدةَ نَقْصٌ وعَيْبٌ، وكثرةُ العيبِ زِيادةٌ في النَّقْصِ، لا فى القِيمَةِ، ولأنَّ كِبَرَ السِّنِّ الأصْلِيَّة لا يَزيدُ قِيمَتَها، فالزائدةُ كذلك. فصل: ويُؤْخَذُ اللِّسانُ باللِّسانِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١١). ولأنَّ له حَدًّا يَنْتَهِى إليه، فاقْتُصَّ منه، كالعَيْنِ. ولا نعلمُ في هذا خِلافًا. ولا يُؤْخَذُ لِسانُ ناطِقٍ بلسانِ أخْرَسَ؛ لأنَّه أفْضَلُ منه. ويُؤْخَذُ الأخْرَسُ بالنَّاطقِ؛ لأنَّه بعضُ حَقِّه. ويُؤْخَذُ بعضُ اللِّسانِ ببعضٍ؛ لأنَّه أمْكَنَ القِصاصُ في جَمِيعه، فأمْكَنَ في بعضِه، كالسِّنِّ، ويُقَدَّرُ ذلك بالأجْزاءِ، ويُؤْخَذُ منه بالحِسابِ. فصل: وتُؤْخَذُ الشَّفَةُ بالشَّفَةِ، وهى ما جاوَزَ الذَّقَنَ والخَدَّيْنِ عُلْوًا وسُفْلًا (١٣)؛ لقولِ

стр. 6095

اللَّه تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. ولأنَّ له حدًّا يَنْتَهِى إليه، يُمْكِنُ القِصاصُ منه، فوَجَبَ، كاليَدَيْنِ. ١٤٥١ - مسألة؛ قال: (ولَا تُؤْخَذُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ، ولَا يَسَارٌ بِيَمِينٍ) هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن ابنِ سِيرِينَ، وشَرِيكٍ، أنَّ إحْداهما تُؤْخَذُ بالأُخْرَى؛ لأنَّهما يَسْتَوِيانِ في الخِلْقةِ والمَنْفَعَةِ. ولَنا، أنَّ كلَّ واحدةٍ منهما تَخْتَصُّ باسمٍ، فلا تُؤْخَذُ إحْداهما بالأُخْرَى، كاليَد مع الرِّجْلِ. فعلَى هذا كلُّ ما انْقَسَمَ إلى يَمِينٍ ويَسارٍ، كاليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والأذُنَيْنِ والمَنْخِرَيْنِ والثَّدْيَيْنِ والأَلْيَتَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ، لا تُؤْخَذُ إحْداهما بالأُخْرَى. فصل: وما انْقَسَمَ إلى أعْلَى وأسْفَلَ، كالجَفْنَيْنِ والشَّفَتَيْنِ، لا يُؤْخَذُ الأعْلَى بالأسْفَلِ، ولا الأسْفَلُ بالأعْلَى؛ لما ذكرْنا. ولا تُؤْخَذُ إصْبَعٌ بإصْبَعٍ، إلَّا أن يَتَّفِقَا في الاسمِ والمَوْضِعِ. ولا تؤخذُ أْنْمُلَةٌ بأْنْمُلةٍ، إلَّا أن يَتَّفِقا في ذلك. ولا تُؤْخَذُ عُلْيَا بسُفْلَى ولا وُسْطَى، والوُسْطَى والسُّفْلَى لا تُؤْخَذَان بغيرِهما. ولا تُؤْخَذُ السِّنُّ بالسنِّ إلَّا أن يتَّفِقَ مَوْضِعُهما واسْمُهما. ولا تُؤْخَذُ إصْبَعٌ ولا سِنٌّ أصْلِيَّةٌ بزائدةٍ، ولا زائدةٌ بأصْلِيَّةٍ، ولا زَائدةٌ بزائدةٍ في غيرِ مَحَلِّها؛ لما ذكرْناه. فصل: وما لا يَجوزُ أخْذُه قِصاصًا، لا يجوزُ بتَرَاضِيهما واتِّفاقِهما عليه (١)؛ لأنَّ الدِّماءَ لا تُسْتَباحُ بالإِباحةِ (٢) والبَذْلِ، ولذلك لو بَذَلَها له ابتداءً، لا يَحِلُّ له (٣) أخْذُها، ولا يَحِلُّ لأحدٍ قَتْلُ نَفْسِه، ولا قَطْعُ طَرَفِه، فلا يَحِلُّ لغيرِه ببَذْلِه، فلو ترَاضَيا على قَطْعِ إحْدَى اليَدَيْنِ بَدَلًا عن الْأُخْرَى، فقَطَعها المُقْتَصُّ، سَقَطَ القَوَدُ؛ لأنَّ القَوَدَ سَقَطَ في الأُولَى بإسْقاطِ صاحِبها، وفى الثانية بإذْنِ صاحِبها في قَطْعِها، ودِياتُهما مُتَساوِيةٌ. وهذا
следующие страницы →