لأنَّه لو أوْضَحَ وكسرَ، لَوجَبتْ (٧) عشرٌ؛ خمسٌ في الإِيضاحِ، وخمسٌ في الكَسْرِ، فإذا وُجِدَ الكسْرُ دونَ الإيضاحِ، وجبَ خمسٌ. والثاني: تحبُ حُكومةٌ؛ لأنَّه كَسْرُ عَظْمٍ لا جُرْحَ معه، فأشْبَهَ كَسْرَ قَصَبةِ الأنْفِ.
فصل: فإنْ أوْضَحه مُوضِحَتَيْنِ، هَشَمَ العَظْمَ في كلِّ واحدةٍ منهما، واتَّصَلَ الهَشْمُ في الباطنِ، فهما هاشِمَتان؛ لأنَّ الهشْمَ إنَّما يكونُ تَبَعًا للإِيضاحِ، فإذا كانتا مُوضِحَتيْنِ، كان الهَشْمُ هاشِمَتَيْنِ، بخلافِ المُوضِحَةِ، فإنَّها ليست تَبَعًا لغيرِها، فَافْتَرقا.
١٥٠٦ - مسألة؛ قال: (وَفِي المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، وَهِى الَّتي تُوضِحُ وتُهْشِمُ وتَسْطُو حَتَّى تَنْقُلَ عِظَامَهَا)
المُنَقِّلَةُ: زائدةٌ على الهاشِمَةِ، وهي التي تكْسِرُ العظامَ وتُزِيلُها عن مَواضِعِها، فيَحْتاجُ إلى نَقْلِ العَطمِ ليَلْتَئِمَ. وفيها خمسَ عشرةَ منَ الإِبلِ. بإجماعٍ من أهلِ العلمِ. حكاه ابنُ المُنْذِرِ. وفي كتابِ النَّبيِّ ﷺ لعمْروِ بنِ حَزمٍ: "وَفِي المُنَقِّلَةِ خَمْسَ (١) عَشرَةَ مِنَ الْإِبِلِ" (٢). وفي تَفصِيلها ما في تَفْصِيلِ المُوضِحَة والهاشِمَةِ، على مَا مضى.
١٥٠٧ - مسألة؛ قال: (وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثلثُ الدِّيَةِ، وَهِي الَّتي تَصِلُ إِلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَفِي الْآمَّةِ (١) مِثلُ مَا فِي المَأْمُومَةِ)
المَأْمُومةُ والآمَّةُ شيءٌ واحدٌ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أهلُ العراقِ يقولونَ لها: الآمَّةُ. وأهلُ
стр. 6302
الحجاز: المَأْمُومَةُ. وهي الجراحةُ الوَاصِلةُ إلى أُمِّ (٢) الدِّماغِ، [وهي جِلْدةٌ فيها الدِّماغُ] (٣)؛ سُمِّيَتْ أُمَّ الدِّماغِ؛ لأنَّها تَحُوطُه وتَجْمعُه، فإذا وَصَلَت الجِراحةُ إليها سُمِّيَتْ آمَّةً ومَأْمُومةً. يُقالُ: أَمَّ الرَّجلَ آمَّةً ومَأْمُومةً، وأرْشُها ثُلثُ الدِّيَة. في قوْلِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا مَكحُولًا. فإنَّه قال: إنْ كانتْ عمدًا. ففيها ثُلثَا الدِّيَةِ، وإن كانت خطَأً ففِيها ثُلثُها. ولَنا، قولُ النَّبيِّ ﷺ ، في كتابِ عَمْرو بن حَزْمٍ: "وَفِي المأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ" (٤). وعن ابن عمرٍو (٥)، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثْل ذلك. ورُوِيَ نحوُه عن عليٍّ (٥). ولأنَّها شَجَّةٌ فلم يخْتَلِفْ أَرْشُها بالعَمْدِ والخطَإِ في المِقْدارِ، كسائر الشِّجاجِ.
فصل: وإنْ خَرَقَ جِلْدةَ الدِّماغِ، فهي الدَّامِغَةُ، وفيها ما في المَأْمُومةِ. قال القاضي: لم يذْكُرْ أصحابُنا الدَّامِغةَ، لمُساواتِها المأْمُومةَ في أَرْشِها، وقيل: فيها مع (٦) ذلك حُكومةٌ؛ لخَرْقِ جِلْدةِ الدِّماغ. ويَحْتَمِلُ أنَّهم تَركُوا ذِكْرَها [لكَوْنِ صاحبِها لا يَسْلَمُ] (٧) في الغالبِ.
فصل: فإنْ أَوْضَحَه رجلٌ، ثُمَّ هشَمَه (٨) الثَّاني، ثم جعَلها الثالثُ مُنَقِّلَةً، ثُمَّ جعلها الرابعُ مَأْمُومةً، فعلى الأوَّلِ أرْشُ مُوضِحَةٍ (٩)، وعلى الثَّاني خَمْسٌ، تَمامُ أرْشِ الهاشِمَةِ، وعلى الثَّالثِ خَمْسٌ، تَمام أرْشِ المُنَقِّلَةِ، وعلى الرَّابعِ ثمانيةَ عشرَ وثُلُثٌ، تَمامُ أرْش المَأْمومةِ.
стр. 6303
١٥٠٨ - مسألة؛ قال: (وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِى الَّتي تَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ)
وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، منهم أهلُ المدينةِ، وأهلُ الكوفةِ، وأهلُ الحديثِ، وأصحابُ الرَّأْيِ، إلَّا مَكْحولًا، قال فيها: في الْعمدِ ثُلثَا الدِّيَةِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ في كِتاب عَمْرو بن حَزْم: "وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلْثُ الدِّيةِ" (١). وعن ابن عمرَ، عن النَّبِيِّ ﷺ مثلُ ذلك (٢). ولأنَّها جِرَاحةٌ فيها مُقَدَّرٌ، فلم يخْتلِفْ قدْرُ أَرْشِها بالعَمْدِ والخَطَإِ، كالمُوضِحَة، ولا نعلمُ في جِرَاح البَدَنِ الخاليةِ عن قَطْعِ الأعْضاءِ وكسْرِ العِظامِ مقدَّرًا غيرَ الجائفةِ، والجائفةُ: ما وصل إلى الجَوْفِ من بَطْنٍ، أو ظَهْرٍ، أو صَدْرٍ، أو ثَغْرةِ نَحْرٍ، أو وَرِكٍ، أو غيرِه. وذكرَ ابنُ عبد البَرِّ، أنَّ مالكا، وأبا حنيفةَ، والشَّافعيَّ، والْبَتِّيَّ، وأصْحابَهم، اتَّفَقُوا على أن الجائفةَ لا تكونُ إلَّا في الجَوْف. قال ابنُ القاسِم: الجائفةُ ما أفْضَى إلى الجَوْفِ ولو بمَغْرِزِ إبْرَةٍ، فأمَّا إنْ خَرَقَ شِدْقَه. فوصل إلى باطِنِ الفَمِ، فليس بجائفةٍ؛ لأنَّ داخلَ الفَمِ حُكْمُه حُكْمُ الظَّاهرِ، لا حُكْمُ الباطنِ. وإنْ طَعنَه في وَجْنَتِه، فكسرَ العَظْمَ، ووصَلَ إلى فِيهِ، فليس بجائفةٍ؛ لما ذكرْنَا. وقال الشَّافعيُّ، في أحدِ قوليْهِ: هو جائفةٌ؛ لأنَّه قد وصل إلى جَوْفٍ. وهذا ينْتَقِضُ بما إذا خَرَق شِدْقَه. فعلى هذا يكونُ عليه دِيَةُ هاشمةٍ، لكَسْرِ العظمِ، وفيما زادَ حُكومةٌ. وإنْ جَرَحَه في أَنْفِه فأنْفَذَه، فهو كما لو جَرَحَه في وَجْنَتِه فأنْفَذَه إلى فِيهِ، في الحُكْمِ والخلافِ. وإنْ جَرَحَه في ذَكَرِه، فوصلَ إلى مَجْرَى البَوْلِ مِن (٣) الذَّكَر، فليس بجائِفة؛ لأنَّه ليس بجَوْفٍ يُخافُ التَّلَفُ من الوُصولِ إليه، بخلاف غيرِه.
فصل: وإن أجافَه جائفَتَيْنِ، بينهما حاجِزٌ، فعليه ثُلثا الدِّيَةِ. وإنْ خَرَقَ
стр. 6304
الجاني ما بينهما، أو ذهبَ بالسَّرَايةِ، صار جائفةً واحدةً، فيها (٤) ثُلثُ الدِّيَةِ لا غيرُ. وإن خَرقَ ما بينهما أجْنَبِيٌّ، أو المَجْنِيُّ عليه، فعلى الأوَّل ثُلثا الدِّيَةِ، وعلى الأجْنَبِيِّ الثَّاني ثُلثُها، ويسْقُطُ ما قابلَ فِعْلَ المَجْنِيِّ عليه. وإن احْتاجَ إلى خَرْق ما بينهما للمُداواةِ، فخَرقها المَجْنِيُّ عليه أو غيرُه بأمْرِه، أو خرقها وَلِيُّ المَجْنِيِّ عليه لذلك، أو الطَّبِيبُ بأمْرِه، فلا شىءَ في خَرْق الحاجزِ، وعلى الأوَّل ثُلثَا الدِّيَةِ. وإن أجافَه رجلٌ، فوسَّعَها آخَرُ، فعلى كلِّ واحدٍ منهما أرْشُ جائفةٍ؛ لأنَّ فعلَ كُلِّ واحدٍ منهما لو انْفَردَ كانَ جائفةً، فلا يسْقُطُ حُكْمُه بانْضمامِه إلى فعلِ غيرهِ، لأنَّ (٥) فعلَ الإِنسان لا يَنْبَنِى على فِعْلِ غيرِه. وإن وسَّعها الطبيبُ بإذنِه، أو إذْنِ وَلِيِّه لمصلحتِه، فلا شىءَ عليه. وإن وَسَّعها جانٍ آخَرُ، في الظَّاهر دُونَ الباطنِ، أو في الباطنِ دُونَ الظاهرِ، فعليه حُكومةٌ؛ لأنَّ جِنايتَه لم تبلُغ الجائفةَ. وإنْ أدخلَ السِّكِّينَ في الجائفةِ ثم أخْرجَها، عُزِّرَ، ولا أرْشَ عليه. وإنْ كان قد خاطَها، فجاءَ آخَرُ، فقَطَع الخُيوطَ، وأدخلَ السِّكِّينَ فيها قبلَ أنْ تلْتَحِمَ، عُزِّرَ أشدَّ من التَّعْزيرِ (٦) الذي قبلَه، وغَرِمَ (٧) ثمنَ الخُيوطِ وأُجْرةَ الخَيَّاطِ، ولم يَلْزَمْه أرْشُ جائفَةٍ؛ لأنَّه لم يُجِفْهُ. وإن فعلَ ذلك بعدَ الْتحامِها، فعليه أرْشُ الجائفةِ وثمنُ الخُيوطِ؛ لأنَّه بالالْتِحامِ عادَ إلى الصِّحَّةِ، فصار كالذي لم يُجْرَحْ. وإن الْتَحمَ بعضُها دونَ بعضٍ، ففتَقَ بَعْضَ (٨) ما الْتَحَمَ، فعليه أرْشُ جائفةٍ؛ لما ذكرْنا. وإن فتَق غيرَ ما الْتَحمَ (٩)، فليس عليه أرْشُ الجائفةِ، وحكْمُه حكمُ مَنْ فعلَ مثلَ فِعْله قبلَ أن يلْتَحِمَ منها شيءٌ. وإن فتَقَ بعضَ ما الْتَحَم في الظَّاهرِ دونَ الباطنِ، أو الباطنِ دُون الظاهرِ، فعليه حكومةٌ، كما لو وسَّعَ جُرْحَه كذلك.
стр. 6305
فصل: وإنْ جَرحَ فَخِذَه، ومدَّ السِّكِّينَ حتى بلغَ الوَرِكَ، فأجافَ (١٠) فيه، أو جرَح الكَتِفَ، وجرَّ السِّكِّين حتى بلَغ الصَّدرَ، فأجافَه فيه، فعليْه أرْشُ الجائفةِ وحكومةٌ في الجِراحِ؛ لأنَّ الجِراحَ في غير مَوْضِعِ الجائفةِ، فانْفَردَتْ بالضَّمانِ، كما لو أوْضَحَه في رأسهِ وجَرَّ السِّكِّينَ حتى بلغَ الْقَفا، فإنَّه يَلْزَمُه أرْشُ مُوضِحَةٍ وحُكومةٌ لجرْحِ الْقَفا.
فصل: فإنْ أدخلَ حَدِيدةً أو خَشَبةً، أو يدَه، في دُبُرِ إنسانٍ، فخَرقَ حاجِزًا في الباطن، فعليه حُكومةٌ، ولا يلْزَمُه أرْشُ جائفةٍ؛ لأنَّ الجائفةَ ما خَرقَتْ من الظَّاهرِ إلى الجَوْفِ، وهذه بخلافِه. وكذلك لو أدْخَل السِّكِّينَ في جائفةِ إنسانٍ، فخَرقَ شيئًا في الباطنِ، فليس ذلك بجائفةٍ؛ لما ذكرْنا.
١٥٠٩ - مسألة؛ قال: (فَإنْ جَرَحَه فِي جَوْفِه، فَخَرَجَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَهُمَا (١) جَائِفَتَانِ)
هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، ومُجاهدٌ، وقتادةُ، ومالكٌ، والشَّافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. قال ابنُ عبدِ البرِّ: لا أعلمُهم يخْتلفون في ذلك. وحُكِيَ عن بعضِ أصْحابِ الشَّافعيِّ، أنَّه قال: هي جَائفةٌ واحدةٌ. وحُكِيَ أيضًا عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الجائفةَ هي التي تَنْفُذُ من ظاهرِ البدنِ إلى الجَوْفِ، وهذه الثانية إنَّما نفَذَتْ من الباطنِ إلى الظَّاهِرِ (٢). ولَنا، ما رَوى سعيدُ بنُ المُسيَّبِ، أنَّ رَجُلًا رَمى رَجُلًا بسَهْم، فأنْفَذَه، فقضَى أبو بكرٍ، ﵁، بثُلثَيِ الدِّيَةِ. ولا مُخالِفَ له، فيكون إجْماعًا. أخْرجَه سعيدُ بنُ منصورٍ في "سُنَنِه" (٣). وروى عن عمرو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن
стр. 6306
جَدِّه، أنَّ عُمرَ، ﵁، قضَى فِي الجائفةِ إذا أنفذَتِ (٤) الجَوْفَ، بأرْشِ جائِفَتَيْنِ (٥). لأنَّه أنْفَذَه من مَوْضِعَيْن، فكانَ جائفَتَيْنِ كما لو أنْفَذَه بضَرْبتَيْن. وما ذكَروهُ (٦) غيرُ صحيحٍ، فَإنَّ الاعْتبارَ بوصولِ الجُرْحِ إلى الجَوف، لا بكَيْفيَّةِ إيصالِه (٧)، إذْ لا أثرَ لصُورةِ الفعْلِ مع التَّساوى في المعنَى، ولأنَّ مَا ذكرُوه من الكَيْفيَّةِ ليس بمَذْكورٍ في خَبَرٍ، وإنما العادةُ في الغالبِ وُقوعُ الجائفةِ هكذا، فلا يُعْتَبَرُ، كما أنَّ العادةَ في الغالبِ حُصولُها بالحديدِ، ولو حصَلَتْ بغيرِه لَكانَتْ جائفةً. ثُمَّ يَنْتَقِضُ ما ذكرُوه بما لو أدْخلَ يدَهُ في جائفةِ إنْسانٍ، فخَرقَ بَطْنَه مِن مَوْضِعٍ آخَرَ، فإنَّهُ يَلْزَمُهُ أرْشُ جائفةٍ بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه. وكذلك يُخَرَّجُ في مَنْ أوْضَحَ إنْسانًا في رأْسِه، ثم أخْرَج رأْسَ السِّكِّين من مَوْضعٍ آخرَ، فهي مُوضِحَتان. فإن هَشَمَهُ هَاشِمَةً لها مَخْرَجان، فهي هاشِمتانِ. وكذلك ما أشْبَههُ.
فصل: فإن أدْخَلَ إصْبَعَه في فَرْجِ بِكْرٍ، فأذْهبَ بَكارَتَها، فليس بجَائفَةٍ، لأنَّ ذلك ليس بجَوْفٍ.
١٥١٠ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ وَطِئَ زَوْجَتَه، وَهِىَ صَغِيرَةٌ، فَفَتَقَهَا، لَزِمَهُ ثُلثُ الدِّيَةِ) .
مَعْنى الْفَتْق، خَرْقُ ما بين مَسْلَكِ البَوْلِ والْمَنِيِّ. وقيل: بل مَعْناه خَرْقُ ما بين القُبُلِ والدُّبُر، إلَّا أنَّ هذا بعيدٌ؛ لأنَّه يبْعُدُ أنْ يذهبَ بالوَطْءِ ما بينهما من الحاجزِ، فإنَّه حاجِزٌ
стр. 6307
غَليظٌ قَوِيٌّ. والكلامُ في هذهِ (١) المسألة في فَصْلين؛ أحدهما، في أصلِ وُجوبِ الضَّمانِ. والثاني، في قدْرِه:
أما الأوَّلُ، فإنَّ الضَّمانَ إنَّما يجبُ بوَطْءِ الصغيرةِ أو النَّحيفةِ التي لا تَحْتَمِلُ (٢) الوَطْءَ، دُونَ الكبيرةِ المُحْتَمِلةِ له. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافعيُّ: يجبُ الضَّمانُ في الجميعِ؛ لأنَّه جِنايةٌ، فيجب الضَّمانُ به، كما لو كان في أجْنَبِيَّةٍ. ولَنا، أنَّه وَطءٌ مُسْتَحَقٌّ، فلم يجبْ ضَمانُ ما تَلِفَ به كالبَكارةِ، ولأنَّه فِعْلٌ مَأْذونٌ فيه ممَّن يصحُّ إذْنُه، فلم يُضْمَنْ ما تَلِفَ بسِرَايتِه، كما لو أذِنَتْ في مُداواتِها بما يُفْضِي إلى ذلك، وكقَطْعِ السارقِ، أو اسْتيفاءِ القِصاص، وعَكْسُه الصغيرةُ والمُكْرَهةُ على الزِّنَى. إذا ثبت هذا، فإنَّه يَلْزَمُه المهرُ المُسَمَّى في النِّكاحِ، مع أرْشِ الجناية، ويكونُ أرْشُ الجنايةِ في مالِه، إنْ كانَ عمدًا مَحْضًا، وهو أن يعْلمَ أنَّها لا تُطِيقُه، وأنَّ وَطْأَه يُفْضِيها. فأمَّا إنْ لم يَعْلَمْ ذلك، وكان ممَّا يَحْتَمِلُ أنْ لا يُفضِىَ إليه، فهو عمْدُ الخَطَإِ، فيكونُ على عاقلتِه، إلَّا على قولِ مَن قال: إنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ عَمْدَ الخطإِ، فإنَّه يكونُ في مالِه.
الفصلُ الثَّانِي: فِي قدْرِ الواجبِ، وهو ثُلْثُ الدِّيَة. وبهذا قال قَتادةُ، وأبو حنيفةَ. وقال الشَّافعيُّ: تجبُ الدِّيَةُ كاملةً. ورُوى ذلك عن عمرَ بنِ عبد العزيز؛ لأنَّه أتْلَفَ مَنْفعةَ الوَطْءِ، فلزِمَتْه الدِّيَةُ، كما لو قَطَعَ إسْكَتَيْها. ولَنا، ما رُوِيَ عن عمرَ بن الخطَّاب، ﵁، أنَّه قضَى في الإِفْضاءِ بثُلثِ الدِّيَةِ (٣). ولم نَعْرفْ له في الصحابةِ مُخالِفًا. ولأنَّ هذه جنايَةٌ (٤) تَخْرِقُ الحاجزَ بين مَسْلَكِ البولِ والذَّكَرِ، فكان موُجَبُها ثُلْثَ الدِّيَةِ، كالجائفةِ. ولا نُسلِّمُ أنَّها تَمْنَعُ الوَطْءَ، وأمَّا قَطْعُ الإِسْكَتَيْنِ، فإنَّما أوْجبَ الدِّيَةَ؛ لأنَّه قطْعُ عُضْوَيْن فيهما نَفْعٌ وجمالٌ، فأشْبَهَ قَطْعَ الشّفتَينِ.
стр. 6308
فصل: وإن اسْتطْلَقَ بَوْلُها مع ذلك، لَزِمَتْه دِيَةٌ مِنْ غيرِ زيادةٍ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافعيُّ: تجبُ دِيَةٌ وحُكومةٌ؛ لأنَّه فَوَّتَ مَنْفَعَتَيْنِ، فلزمَه أرشُهما، كما لو فوَّتَ كلامَه وَذَوْقَه. ولَنا، أنَّه [إتْلافُ عُضوٍ واحدٍ] (٥)، فلم يفُتْ غيرُ مَنافعِه، فلم يَضْمَنْه بأكثرَ من دِيَةٍ واحدةٍ، كما لو قطَعَ لسانَه فذهبَ ذَوْقُه وكلامُه. وما قالَه لا يصِحُّ؛ لأنَّه لو أوْجبَ دِيَةَ المَنْفَعتَيْنِ، لأَوْجبَ دِيتَيْنِ؛ لأنَّ اسْتِطْلاقَ البَوْلِ مُوجِبٌ لِدِيَةٍ (٦)، والإِفْضاءُ عندَه مُوجِبٌ للدِّيةِ (٧) مُنْفرِدًا، ولم يقُلْ به، وإنَّما أوْجبَ الحُكومةَ، ولم يُوجَدْ مُقْتضِيها، فإنَّنا لا نَعْلَمُ أحدًا أوْجبَ في الإِفْضاءِ حُكومةً.
فصل: وإن انْدمَلَ الحاجِزُ، وانْسَدَّ، وزالَ الإِفْضاءُ، لم يجِبْ ثُلثُ الدِّيَةِ، ووجَبَتْ حُكومةٌ، لجَبْرِ ما حصَلَ من النَّقْص.
فصل: وإنْ أكْرَه امرأةً على الزِّنَى، فأفْضاها، لَزِمَه ثُلْثُ دِيَتِها، ومَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّه حصلَ بوَطْءٍ غيرِ مُسْتَحَقٍّ، ولا مَأْذونٍ فيه، فلَزِمَه ضَمانُ ما تَلِفَ (٨) به، كسائرِ الجنايات. وهل يَلْزَمُه أرْشُ البَكارةِ مع ذلك؟ [فيه رِوايتان؛ إحداهما، لا يَلْزَمه؛ لأنَّ أرشَ البَكارةِ] (٩) داخلٌ في مَهْرِ المِثْلِ، فإنَّ مهرَ البكْرِ أكثرُ من مَهْرِ الثَّيِّبِ، فالتَّفاوُتُ بينهما هو عِوَضُ أرْشِ البَكارةِ، فلم يَضْمَنْه مَرَّتَين، كما في حقِّ الزَّوجةِ. والثانية، يَضْمَنُه؛ لأنَّه مَحلٌّ أتْلَفَه بعُدْوانِه، فلَزِمَه أرْشُه، كما لو أتْلفَه بإصْبَعِه. فأمَّا المُطاوِعةُ على الزِّنَى، إذا كانَتْ كبيرةً ففتَقَها، فلا ضَمانَ عليه في فَتْقِها. وقال الشَّافعيُّ: يضْمَنُ؛ لأنَّ المأْذونَ فيه الوَطْءُ دُونَ الفَتْقِ، فأشْبَهَ ما لو قطَعَ يَدَها. ولَنا، أنَّه ضَرَرٌ حصلَ من فعلٍ مَأْذونٍ فيه، فلم يَضْمَنْه، كأرْشِ بَكارَتِها، ومَهْرِ مِثْلِها، وكما لو أذِنَتْ في قَطْعِ
стр. 6309
يدِها، فسَرَى القَطْعُ إلى نَفْسِها. وفارق ما إذا أذِنَت في وَطْئِها، فقطَع يدَها؛ لأنَّ ذلك ليس من المَأْذونِ فيه، ولا مِنْ ضَرُورَتِه.
فصل: وَإنْ وَطِئَ امرأةً بشُبْهةٍ فأفضَاها، فعليه أرْشُ إفْضائِها، مع مَهْرِ مثلِها؛ لأنَّ الفِعْلَ إنَّما أُذِنَ فيه اعْتقادًا أنَّ المُسْتَوْفِيَ له هو المُسْتَحِقُّ، فإذا كان غيرُه، ثبَتَ في حقِّه وُجوبُ الضَّمانِ لما أتْلَفَ، كما لو أذِنَ في أخْذِ الدَّيْنِ لمن يعْتقِدُ أنَّه مُسْتحِقُّه، فبَانَ أنَّه غيرُه. وبهذا قال الشَّافِعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يجب لها أكثرُ الأمْرَيْن من مَهْرِ مثلِها أو أرْشِ إفْضائِها؛ لأنَّ الأرْشَ لإِتْلافِ العُضْو، فلا يُجْمَعُ بين ضَمانِه وضَمانِ مَنْفَعتِه، كما لو قلَع عَيْنًا. ولَنا، أنَّ هذه جنايةٌ تَنْفَكُّ (١٠) عن الوَطْءِ، فلا (١١) يدْخُلُ بدَلُه فيها، كما لو كسرَ صَدْرَها. وما ذكَرَهُ (١٢) غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ المهرَ يجبُ لاسْتيفاءِ مَنْفَعةِ البُضْعِ، والأرْشُ يجبُ لإِتْلافِ الحاجزِ، فلا تدْخلُ المَنْفَعةُ فيه.
فصل: وإن اسْتَطْلقَ بَوْلُ المُكْرَهةِ على الزِّنَى، والمَوْطُوءةِ بشُبْهةٍ، مع إفْضائِهما، فعليه دِيَتُهما والمهرُ. وقال أبو حنيفةَ في المَوْطوءةِ بشُبْهةٍ: لا يُجْمَعُ بينهما، ويجب أكثرُهما. وقد سَبقَ الكلامُ معه في ذلك.
١٥١١ - مسألة؛ قال: (وَفِي الضِّلَعِ بَعِيرٌ، وَفِي التَّرْقُوَةِ بَعِيرَانِ)
ظاهرُ هذا أنَّ في كُلِّ تَرْقُوةٍ بَعِيرَيْنِ، فيكونُ في التَّرْقُوَتَينِ أربعةُ أبْعِرَةٍ. وَهذا قولُ زيدِ بن ثابتٍ (١). والتَّرْقُوَةُ: هو العظْمُ المُسْتَديرُ حولَ العُنُقِ من النَّحْرِ إلى الكَتِفِ. ولِكُلِّ واحدٍ تَرْقُوَتانِ، فَفِيهما أربعةُ أبْعِرَةٍ، في ظاهرِ قولِ الْخِرَقِيِّ. وقال القاضِي:
стр. 6310
المرادُ بقولِ الْخِرَقِيِّ التَّرْقُوتان مَعًا، وَإنَّما اكْتَفَى بلَفْظِ الواحدِ لإِدْخالِ (٢) الألف واللَّام المُقْتَضِيَةِ للاسْتِغْراقِ، فيكونُ في كُلِّ تَرْقُوَةٍ بعيرٌ. وهذا قولُ عمرَ بنِ الخطَّابِ (٣). وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهدٌ، وعبدُ الملكِ بنُ مَرْوان، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وقَتادةُ، وإسْحاقُ. وهو قولٌ للشّافعيِّ، والمشهورُ من قولَيْه (٤) عندَ أصحابِه، أنَّ في كُلِّ واحدٍ ممَّا ذكرْنا حكومةً، وهو قَوْلُ مَسْروقٍ، وأبي حنيفةَ، ومالكٍ، وابنِ المُنْذِر؛ لأنَّه عَظْمٌ باطنٌ، لا يخْتَصُّ بجمالٍ ومَنْفعةٍ، فلم يجبْ فيه (٥) أرْشٌ مُقدَّرٌ، كسائرِ أعْضاءِ البدنِ، ولأنَّ التَّقْديرَ إنَّما يكونُ بتَوْقيفٍ أو قياسٍ صَحيحٍ، وليس في هذا تَوْقيفٌ ولا قياسٌ. ورُوى عن الشَّعْبِيِّ، أنَّ في التَّرْقُوَةِ أربعينَ دينارًا، وقال عمرو بن شُعَيْبٍ: في التَّرْقُوَتَيْنِ الدِّيَةُ، وفي [إحْداهما نصفُها] (٦)؛ لأنَّهما عُضْوان فيهما جَمالٌ ومَنْفعةٌ، وليس في البدنِ غيرُهما من جِنْسِهما، فكمَلَتْ فِيهما الدِّيَةُ، كاليَدَيْنِ. ولَنا، قولُ عمرَ، ﵁، وزيد بن ثابت. وما ذكرُوه ينْتَقِضُ بالهاشِمَةِ؛ فإنها كَسْرُ عظامٍ باطنةٍ، وفيها مُقَدَّرٌ. ولا يصحُّ قولُهم: إنَّها لا تخْتَصُّ بجَمالٍ ومَنْفعةٍ. فإنَّ جمالَ هذه العظامِ ونَفْعِها لا يُوجَدُ في غيرِها، ولا مُشاركَ لها فيه. وأمَّا قولُ عمرو بنِ شُعَيْبٍ، فمخالِفٌ للإجْماعِ، فإنَّنا لا نعلمُ أحدًا قبلَه ولا بعدَه وَافقَه فيه.
١٥١٢ - مسألة؛ قال: (وَفِي الزَّنْدِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ؛ لأنَّهُ عَظْمَانِ)
قال القاضِي: يعني بِه الزَّنْديْنِ فيهما أربعةُ أبْعِرَةٍ؛ لأنَّ فيهما أربعةَ عِظامٍ، فَفي كُلِّ
стр. 6311
عَظْمٍ بَعيرٌ. وهذا يُرْوَى عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، ﵁، وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشَّافعيُّ: فيه حُكومةٌ؛ لما تقدَّمَ. ولَنا، ما رَوَى سعيدٌ، ثنا هُشَيمٌ، ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عَمرو بنِ شُعَيْبٍ، أنَّ عَمْرو بنَ العاصِ كتبَ إلى عُمرَ في أحدِ الزَّنْدَيْنِ إذا كُسِرَ، فكتبَ إليه (١) عمرُ: إنَّ فيه بَعِيرَيْنِ، وإذا كَسَرَ الزَّنْدَيْنِ ففيهما أربعةٌ مِنَ الإِبلِ (٢). ورَواه أيضًا من طريقٍ آخرَ مثلَ ذلك. وهذا لم يظْهَرْ له مُخالِفٌ في الصَّحابةِ، فكان إجْماعًا.
فصل: ولا مُقَدَّرَ (٣) في غيرِ هذهِ العظامِ، في ظاهرِ كلام الْخِرَقِيِّ. وهو قولُ أكثَرِ أهلِ العِلْمِ. وقال القاضي: في عَظْم السَّاقِ بَعِيرانِ، وفي السَّاقينِ أربعةُ أبْعِرَةٍ، وفي عَظْمِ الفَخذِ بَعِيرانِ، وفي الفَخِذَيْنِ أربعةٌ، فهذه تِسْعةُ عِظامٍ فيها مُقَدَّرٌ؛ الضِّلَعُ، والتَّرْقُوَتان؛ والزَّنْدان، والسَّاقان، والفَخِذان، وما عداها لا مُقَدَّرَ فيه. وقال ابنُ عَقِيل، وأبو الخطَّابِ، وجماعةٌ من أصحابِ القاضي: في (٤) كُلِّ واحدٍ من الذِّراعِ والعَضُدِ بَعِيرانِ. وزادَ أبو الخَطَّابِ عَظْمَ القَدَمِ؛ لما روَى سليمان بن يَسارٍ، أنَّ عمرَ، ﵁، قَضَى في الذِّراعِ والعَضُدِ والفَخِذِ والسَّاق والزَّنْدِ (٥)، إذا كُسِرَ واحدٌ منها فجَبَرَ، ولم يكُنْ به دُحورٌ - يعني عِوَجًا - بَعِيرٌ، وإن كان فيها دُحُورٌ، فبِحسَابِ ذلك (٦). وهذا الخبرُ، إنْ صَحَّ، فهو مُخالِفٌ لما ذهَبُوا إليه، فلا يَصِحُّ (٧) دَليلًا عليه. والصَّحيحُ، إنْ شاءَ اللَّه، أنَّه لا تَقْدِيرَ في غيرِ الخَمْسةِ؛ الضِّلَعِ، والتَّرْقُوَتَيْنِ، والزَّنْدَيْنِ؛ لأنَّ التَّقْديرَ إنَّما يثْبُتُ بالتَّوْقيفِ، ومُقْتضَى الدَّليلِ وُجوبُ الحُكومةِ في هذه العِظَامِ الباطنةِ كلِّها، وإنَّما
стр. 6312
خالَفْناه في هذه العِظامِ لقَضاءِ عُمرَ، ﵁، فَفِيما عَداها (٨) يَبْقَى على مُقْتَضَى الدَّليلِ، ومَا عدَا هذه العظامَ، كعَظْمِ الظَّهْرِ وغيرِه، ففيه الحُكومةُ، ولا نَعْلَمُ فيها (٩) مُخالِفًا، وإنْ خالفَ فيها مُخالِفٌ، فهو قولٌ شاذٌّ لا يسْتَنِدُ إلى دليلٍ يُعْتَمَدُ عليه، ولا يُصارُ إليه.
١٥١٣ - مسألة؛ قال: (والشِّجَاجُ الَّتِي لَا تَوْقِيتَ فِيهَا، أوَّلُهَا الْحَارِصَةُ، وَهِيَ التي تحْرُصُ الْجِلْدَ)
يعني تشُقُّه قليلًا. وقال بعضُهم: هي الحارِصَةُ، ثُمَّ الباضِعَةُ، وهي التي تشُقُّ اللَّحْمَ بعدَ الجِلْدِ، ثم البازِلةُ، وهي التي يَسِيلُ منها الدَّمُ، ثم المُتَلاحِمَةُ، وهي التي (١) أخَذَت في اللَّحْمِ، ثمَّ السِّمْحَاقُ، وهي التي بيْنَها وبينَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ، ثم المُوضِحَةُ. هكذا وقعَ في النُّسَخِ التي وصلَتْ إلينا: الحارِصَة، ثم الباضِعَة. ثم البازِلَة. ولعلَّه مِنْ غَلَطِ الكاتبِ، والصّوابُ: الحارِصة، ثم البازِلة، ثم الباضِعةُ، هكذا رَتَّبها سائرُ منْ عَلِمْنا قولَه من أهلِ العلم. ولأنَّ الباضِعةَ (٢) التي تشُقُّ اللَّحْمَ بعدَ الجِلْدِ، فلا يُمْكِنُ وُجودُها قبلَ البازِلة التي يَسِيلُ منها الدَّمُ، وتُسَمَّى الدَّامِعَة، لقلَّة سَيلانِ دَمِها، تشْبِيهًا له بخُروجِ الدَّمْعِ من العَيْنِ، والتى تشُقُّ اللحمَ بعدَ الجلْدِ يَسيلُ منها دمٌ كثيرٌ في الغالبِ، فكيفَ يصِح جَعْلُها سابقةً على ما لا يَسِيلُ (٣) منها إلَّا دَمٌ يَسِيرٌ كَدَمْع العين! ويدُلُّ على صِحَّةِ ما ذكرْناهُ أنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ، جَعل في البازِلةِ بعيرًا، وفي الباضِعَةِ بَعِيرَيْنِ (٤). وقولُ الْخِرَقِيِّ: الشِّجاجُ. يعني: جِراحَ الرَّأْسِ والوَجْهِ؛ فإنَّه يُسَمَّى
стр. 6313
شِجَاجًا خاصَّةً، دُونَ جِراحِ سائرِ البدن. والشِّجاجُ المسمَّاةُ عشرٌ؛ خَمْسٌ منها أرْشُها مُقَدَّرٌ، وقد ذكرنَاها، وخَمْسٌ لا تَوْقيتَ فيها. قال الأصْمَعِيُّ: أوَّلُها الحارِصَةُ، وهي التي تَشُقُّ الجِلْدَ قليلًا. يعني تَقْشِرُ شَيئًا يَسِيرًا من الجلدِ، لا يظْهَرُ منه دَمٌ، ومنه: حَرَصَ القَصَّارُ الثَّوبَ. إذا شَقَّهُ قليلًا. ثم البازِلةُ، وهي التي ينْزِلُ منها الدَّمُ. أي يَسِيل. وتُسَمَّى الدَّامِيَةَ أيضًا، والدَّامِعةَ، ثمَّ الباضِعةُ، وهي التي تشُقُّ اللَّحْمَ بعدَ الجِلْدِ. ثم المُتَلاحِمَةُ، وهي التي أخَذَتْ في اللَّحمِ، يعني دخَلَتْ فيه دُخولًا كثيرًا يَزيدُ على الباضِعة، ولم تبلُغ السِّمْحاقَ. ثم السِّمْحاقُ، وهي التي تَصِل إلى قِشْرةٍ رَقيقةٍ فوقَ العَظْمِ، تُسَمَّى تلك القِشْرةُ سِمْحاقًا، وسُمِّيَت الجراحُ الواصلةُ إليها بها، ويُسَمِّيها أهلُ المدينةِ المَلْطَا والمَلْطاةَ، وهي التي (٥) تأخذُ اللَّحمَ كلَّه حتّى تَخْلُصَ منه. ثم المُوضِحَةُ، وهي التي تَقْشِرُ تلك الجلدةَ، وتُبْدِي وَضَحَ العَظْمِ، أي (٦) بَياضَه، وهي أوَّلُ الشِّجاجِ المُوَقَّتَةِ، وما قَبْلَها من الشِّجاجِ الخمسِ فلا تَوْقِيتَ فيها، في الصَّحيحِ مِنْ مَذهبِ أحمدَ. وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ. يُرْوَى ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيز، ومالكٍ، والأوْزاعيِّ، والشَّافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ. ورُوِيَ عن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّ في الدَّامِيَةِ بَعِيرًا، وفي الباضِعَةِ بَعِيرَيْنِ، وفي المُتلَاحِمَةِ ثلاثةً، وفي السِّمْحاقِ أربعةَ أبْعِرَةٍ؛ لأنَّ هذا يُرْوَى (٧) عن زيدِ بنِ ثابتٍ (٨). ورُوى عَن عليٍّ، ﵁، في السِّمْحاقِ مثلُ ذلك (٨). رواه سعيدٌ عنهما. وعن عمرَ وعثمانَ، ﵄، فيها نِصفُ أرْشِ المُوضِحَةِ (٩). والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّها جِراحاتٌ لم يَرِدْ فيها تَوْقِيتٌ في الشَّرعِ، فكانَ الواجبُ فيها حكومةً، كجراحاتِ البدَنِ. رُوِيَ عن مَكحُولٍ، قال: قضَى النَّبِيُّ
стр. 6314
- ﷺ في المُوضِحَةِ بخَمْسٍ من الإِبلِ (١٠)، ولم يقْضِ فيما دُونَها، ولأنَّه لم يثبُتْ فيها مُقَدَّرٌ بتَوْقيفٍ، ولا لَه قِياسٌ يصحُّ، فوجبَ الرُّجوعُ إلى الحُكومةِ، كالحارِصَةِ. وذكرَ القاضي، أنَّه متى أمْكَنَ اعْتبارُ هذه الجراحاتِ من المُوضِحَةِ، مثل أن يكونَ في رأْسِ المَجنِيِّ عليه مُوضِحَةٌ إلى جانِبها، قُدِّرَتْ هذه الجراحةُ منها، فإنْ كانَتْ بِقَدْرِ النِّصْفِ، وجبَ نصفُ (١١) أرْشِ المُوضِحَةِ، وإنْ (١٢) كانَتْ بقَدْرِ الثُلْثِ، وجَبَ ثُلُثُ الأرْشِ. وعلى هذا، إلَّا أنْ تزيدَ الحُكومةُ على قَدْرِ ذلك، فتُوجِبُ ما تُخْرِجُه الحُكومةُ، فإذا كانتِ الجراحةُ قَدْرَ نصفِ المُوضِحَةِ، وشَيْنُها ينْقُصُ قَدْرَ ثُلُثَيْها، أوجبْنَا ثُلْثَيْ أرْشِ الموضِحَةِ، وإنْ نقَصَتِ الحُكومةُ أقلَّ من النِّصفِ، أوْجَبْنا النصفَ، فنُوجبُ الأكثرَ ممَّا تُخْرِجُه الحُكومةُ، أو قدْرَها من المُوضِحَةِ؛ لأنَّه اجْتَمعَ سببانِ مُوجِبان؛ الشَّيْنُ وقدرُها من المُوضِحة، فوجبَ بها أكثرُهما؛ لوُجودِ سَبَبِه. والدَّليلُ على إيجابِ المِقْدارِ، أنَّ هذا اللَّحمَ فيه مُقَدَّرٌ، فكان في بعضِه بقَدْرِه (١٣) منْ دِيَتِه، كالمارِنِ والحشَفَةِ والشَّفَةِ والجَفْنِ. وهذا مذهبُ الشَّافعي. وهذا لا نَعْلَمُه مذهبًا لأحمدَ ولا (١٤) يقْتَضِيه مَذْهبُه، ولا يصِحُّ؛ لأنَّ هذه جِراحةٌ تجِبُ فيها الحُكومةُ، فلا يجبُ فيها مُقَدَّرٌ. كجراحاتِ البدَنِ، ولا يصحُّ قياسُ هذا على ما ذكروهُ (١٥)، فإنَّه لا تجبُ فيه الحُكومةُ، ولا نعلمُ لما ذكَرُوه نَظِيرًا.
١٥١٤ - مسألة؛ قال: (وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنَ الْجِرَاحِ تَوْقِيْتٌ، وَلَمْ يَكُنْ نَظِيرًا لِمَا وُقِّتَتْ دِيَتُهُ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ (١))
أمَّا الذي فيه تَوْقيتٌ، فهو الذي نَصَّ النَّبِيُّ ﷺ على أرْشِه، وبيَّنَ قَدْرَ دِيَتِه،
стр. 6315
كقوله: "فِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ" (٢). وقد ذكرْناه. وأمَّا نَظِيرُه، فهو ما كان في مَعْناه، ومَقِيسًا عليه، كالألْيَتَيْنِ، والثَّدْيَيْن، والحاجِبَيْنِ. وقد ذكرْنا ذلك أيضًا، فما لم يكُنْ من المُوَقَّتِ، ولا ممَّا يُمْكِنُ قِياسُه عليه، كالشِّجاجِ التي دُونَ المُوضِحَةِ، وجِرَاحِ البدنِ سِوَى الجائفةِ، وقَطْعِ الأعضاءِ، وكسْرِ العظامِ المذكورةِ؛ فليس فيه إلَّا الحُكومةُ.
١٥١٥ - مسألة؛ قال: (وَالْحُكُوْمَةُ أنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ به، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ، فَمَا نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ، فَلَهُ مِثلُهُ مِنَ الدِّيَةِ، كَأَنْ تَكُونَ قِيْمَتُهُ وَهُوَ عَبْدٌ صَحِيحٌ عَشْرَةً، وَقِيْمَتُهُ وَهُوَ عَبْدٌ بِهِ الْجِنَايَةُ تِسْعَةً، فَيَكُونَ فِيهِ عُشْرُ دِيَتِهِ)
هَذا الّذي ذَكَره الْخِرَقيُّ، ﵀، فِي تفسيرِ الحُكومةِ، قولُ أهلِ العلمِ كُلِّهم، لا نعلمُ بينهم فيه خلافًا. وبه قال الشافعيُّ، والعَنْبَرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وغيرُهم. قال ابنُ المُنْذِرِ: كلُّ مَن نَحفظُ عنه من أهل العلم يَرى أنَّ معنى قولِهم: حُكومةٌ، أنْ يُقالَ إذا أُصيبَ الإِنسانُ بِجُرْحٍ لا عقلَ له معلوم: كم قيمةُ هذا المجْروحِ؟ لو كان عَبْدًا لم يُجْرحْ هذا الجُرْحَ، فإذا قيلَ: مائةُ دِينارٍ. قيل: وكم قِيمَتُه وقد أصابَه هذا الجُرْحُ، وانْتَهَى بُرْؤُه؟ قيل: خمسةٌ وتِسُعونَ. فالذى يجبُ على الجاني نِصفُ عُشْرِ الدِّيَةِ. وإن قالوا: تِسعُون. فعُشْر الدِّيَةِ. وإنْ زادَ أو نقصَ، فعلى هذا المِثالِ. وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ جُمْلتَه مَضْمونةٌ بالدِّيَةِ، فأجْزاؤُه مَضْمونةٌ منها، كما أنَّ المِبيعَ لمَّا كان مَضْمونًا على البائعِ بالثَّمنِ، كان أرشُ عَيْبِه مُقَدَّرًا من الثَّمنِ، فيُقالُ: كم قِيمتُه لا عيبَ فيه؟ قالُوا (١): عشرةٌ. فيُقال: كم قِيمَتُه وفيه العَيْبُ؟ فإذا قيل: تسعةٌ، عُلِمَ أنَّه نقَصَ عُشْرُ قِيمَتِه، فيجبُ أن نَرُدَّ من الثَّمنِ عُشْرَه، أيَّ قَدْرٍ كان، ونُقَدِّرَه (٢)
стр. 6316
[عبدًا ليُمْكِنَ تَقْويمُه] (٣)، ونَجعَلَ العبدَ أصْلًا للحُرِّ فيما لا مُوَقِّتَ فيه، والحرَّ أصلًا للعبدِ فيما فيه تَوْقِيتٌ.
١٥١٦ - مسألة؛ قال: (وعلى هَذَا مَا زادَ مِنَ الْحُكُومَةِ أَوْ نَقَصَ، إلَّا أنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ فِي رَأْسٍ أوْ وَجْهٍ، فَيَكُونَ أَسْهَلَ مِمَّا وُقِّتَ فِيه، فَلَا يُجَاوَزُ بِهِ أرْشُ الْمُوَقَّتِ)
يعني لو نقَصَتْه الجنايةُ أكثرَ من عُشْرِ قِيمَتِه، لَوجَبَ أكثرُ من عُشْرِ دِيَتِه، ولو نَقَصَتْه أقلَّ من العُشر، مثل أن نَقَصَتْه نصفَ عُشْرِ قِيمَتِه؛ لوَجَب نصفُ عُشْرِ دِيَتِه، إلَّا إذا شَجَّهُ دُونَ المُوضِحَة، فبلغَ أرْشُ الجِراحِ بالحُكومةِ أكثرَ من أرْشِ المُوضِحَةِ، لم يجبِ الزَّائدُ، فلو جرَحَه في وَجْهِه سِمْحاقًا، فنقصَتْه عُشْرَ قِيمَتِه، فمُقْتضَى الحُكومةِ وُجوبُ عَشْرٍ من الإِبلِ، وَدِيَةُ المُوضِحةِ خمسٌ، فههُنا يُعْلَمُ غلَطُ المُقَوِّمِ؛ لأنَّ الجراحةَ لو كانتْ مُوضِحَةً، لم تزِدْ على خَمْسٍ، [مع أنَّها سِمْحاقٌ وزيادةٌ عليها؛ فلَأَنْ لا يجبَ في بعضِها زيادةٌ على خَمْسٍ] (١) أوْلَى. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وبه يقول الشَّافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه يجبُ ما تُخْرِجُه الحُكومةُ، كائنًا ما كانَ؛ لأنَّها جِراحَةٌ لا مُقَدَّرَ فيها، فوجبَ فيها ما نقَصَ، كما لو كانت في سائرِ البدَنِ. ولَنا، أنَّها بعضُ المُوضِحَةِ؛ لأنَّه لو أوْضَحَه، لَقطعَ ما قطَعتْهُ هذه الجراحَةُ، ولا يجوزُ أنْ يجبَ في بعضِ الشىءِ أكثرُ ممَّا يجبُ فيه، ولأنَّ الضَّررَ في المُوضِحَةِ أكثرُ، والشَّيْنَ أعظمُ، والمَحَلَّ واحدٌ، فإذا لم يزِدْ أرشُ المُوضِحَةِ على خَمْسٍ، كان ذلك تَنْبيهًا على أنْ لا يزيدَ ما دونَها عليها. وأمَّا سائرُ البدَنِ، فما كان فيه مُوَقَّتٌ، كالأعْضاءِ، والعِظَامِ المعْلُومةِ، والجائفَةِ، فلا يُزادُ جُرْحُ عَظْمٍ على دِيَتِه، مثالُه، جَرَحَ أُنْمُلَةً، فبلَغ أرْشُها بالحُكومةِ خَمْسًا مِن الإِبلِ، فإنَّه يُرَدُّ إلى دِيَةِ الأُنْمُلَةِ. وإنْ جَنى عليه في جَوْفِه دُونَ
стр. 6317
الجائفة، لم يَزِدْ على أرْشِ الجائفةِ، وما لم يكُنْ كذلك، وجبَ ما أخْرَجَتْه الحُكومةُ؛ لأنَّ المَحَلَّ مُخْتلِفٌ. فإن قِيلَ: فقد وجبَ في بعض البدَنِ أكثرُ ممَّا وجبَ في جميعِه، ووَجبَ في مَنافعِ اللِّسانِ أكثرُ من الواجبِ فيه؟ قُلْنا: إنَّما وجَبتْ دِيَةُ النَّفْسِ عِوَضًا عن الرُّوحِ، وليستِ الأطْرافُ بعضَها، بخلافِ مَسْألتِنا هذه. ذكَره القاضي. ويَحْتَمِلُ كلامُ الْخِرَقِيِّ أن يَخْتَصَّ امْتناعُ الزِّيادةِ بالرأسِ والوَجْهِ؛ لقوله: إلَّا أنْ تكونَ الجنايةُ في رأسٍ أو وَجْهٍ، فلا يُجاوَزُ به أرشُ المُوَقَّتِ.
فصل: وإذا أخْرجَتِ الحُكومةُ في شِجاج الرَّأْسِ التي دُونَ المُوضِحَةِ قَدْرَ أرْشِ المُوضِحَةِ، أو زيادةً عليه، فظاهرُ كلامِ الْخِرَقِيِّ أنَّه يجبُ أرشُ المُوضِحَةِ. وقال القاضي: يجبُ أن تَنْقُصَ عنها شيئًا، على حسَبِ ما يُؤَدِّى إليه الاجتهادُ. وهذا مذهبُ الشَّافعيِّ؛ لئلَّا يجبَ في بعضِها ما يجبُ في جميعِها. ووَجْهُ قولِ الْخِرَقِيِّ، أنَّ مُقْتَضَى الدَّليلِ وُجوبُ ما أخْرَجتْهُ الحُكومةُ، وإنَّما سقَطَ الزَّائدُ على أرْشِ المُوضِحَةِ؛ لمُخالَفتِه النَّصَّ (٢)، أو تَنْبِيهَ النَّصِّ، ففِيما لم يَزدْ، يجبُ البَقاءُ على الأصل، ولأنَّ ما ثَبتَ بالتَّنْبِيهِ، يجوزُ أنْ يُساوِيَ المَنْصُوصَ عليه في الحُكْمِ، ولا يَلْزَمُ أَنْ يَزِيدَ عليه، كما أنَّه لمَّا نَصَّ على وُجوبِ فِدْيةِ الأذَى في حقِّ الْمَعْذورِ، لمْ (٣) تَلْزَمْ زيادتُها في حَقِّ مَن (٤) لا عُذْرَ له، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يجبَ في البَعْضِ ما يجبُ في الكُلِّ، بدليلِ وُجوبِ دِيَةِ الأصابعِ؛ مثلَ دِيَةِ الْيَدِ كلِّها، وفي حَشَفَة الذَّكَرِ مثلُ ما في جميعِه. فإنْ قِيل: هذا وجَبَ بالتَّقْديرِ الشَّرْعِيِّ، لا بالتَّقْويمِ. قُلْنا: إذا ثَبتَ الحُكْمُ بنَصِّ الشَّارعِ، لم يَمْتَنِعْ ثُبوتُ مِثْلِه بالقياسِ عليه، والاجتهادِ المُؤدِّي إليه. وفي الجملةِ، فالحُكومةُ دليلُ تَرْكِ العملِ بها في الزَّائدِ لمعنًى مَفْقودٍ في المُسَاوِي، فيجبُ العملُ فيه بها لِعَدَمِ المُعارِضِ ثَمَّ، وإنْ صحَّ ما
стр. 6318
ذكَرُوه، فيَنْبغِي أنْ يَنْقُصَ أدْنَى ما تَحْصُلُ به المُساواةُ المحْذُورةُ، ويجبُ الباقي، عَمَلًا بالدَّليلِ المُوجِبِ له. واللهُ أعلمُ.
فصل: ولا يكون التَّقْويمُ إلَّا بعدَ بُرْءِ الجُرْحِ؛ لأنَّ أرْشَ الجُرْحِ المُقَدَّرَ إنَّما يسْتَقِرُّ بعدَ بُرْئِه، فإنْ لم تَنْقُصْه الجنايةُ شيئًا بعدَ البُرْءِ، مثل أن قطَعَ إصْبَعًا أو يَدًا زائدةً، أو قلَعَ لِحْيَةَ امرأةٍ، فلم يَنْقُصْهُ ذلك، بل زادَه حُسْنًا، فلا شىءَ على الجانِي؛ لأنَّ الحُكومةَ لأجلِ جَبْرِ النَّقْصِ، ولا نَقْصَ ههُنا، فأشْبَهَ ما لو لطَمَ وَجْهَه فلم يُؤَثِّرْ، وإن زادَتْهُ الجنايةُ حُسْنًا، فالجاني مُحْسِنٌ بجنايَتِه، فلم يَضْمَنْ، كما لو قطَعَ سَلْعَةً أو ثُؤْلُولًا، أو بَطَّ (٥) خُرَاجًا (٦). ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَ. قال القاضي: نَصَّ أحمدُ على هذا؛ لأنَّ هذا جُزْءٌ من (٧) مَضْمُونٍ، فلم يَعْرَ عن ضَمانٍ، كما لو أتْلَفَ مُقَدَّرَ الأرْشِ فازْدادَ به جمالًا، أو لم يَنْقُصْه شيئًا، فعلى هذا يُقَوَّمُ في أقْرَبِ الأحْوالِ إلى البُرْءِ؛ لأنَّه لما سَقطَ اعْتبارُ قِيمَتِه بَعْدَ (٨) بُرْئِه، قُوِّمَ في أقْربِ الأحْوالِ إليه، كولدِ المَغْرُورِ، لمَّا تَعَذَّرَ تَقْويمُه في البطنِ، قُوِّمَ عندَ الوَضْعِ؛ لأنَّه أقْرَبُ الأحْوالِ التي أمْكَنَ تَقْوِيمُه إلى كَوْنِه في البَطْنِ. وإنْ لم يَنْقُصْ في تلكَ الحالِ، قُوِّمَ والدَّمُ جَارٍ؛ لأنَّه لا بُدَّ من نَقْصٍ للخَوْفِ عليه. ذكَره القاضي. ولأصْحابِ الشَّافعىِّ وَجْهانِ، كما ذكرْنا. وتُقوَّمُ لِحْيَةُ المرأةِ كأنَّها لِحْيَةُ رجُلٍ في حالٍ يَنْقُصُه ذَهابُ لِحْيَتِه. وإنْ أتْلَفَ سِنًّا زائدةً، قُوِّمَ وليس له سِنٌّ زائدةٌ (٧)، ولا خلَفها أصْلِيَّةٌ، ثمَّ يُقَوَّمُ وقدْ ذهبت الزَّائدةُ. فإنْ كانت المرأةُ إذا قدَّرْنَاها ابنَ عشرين نَقَصَها ذَهابُ لِحْيَتِها يَسِيرًا، وإنْ قَدَّرْناها ابنَ أربعينَ نقَصَها كثيرًا، قَدَّرْناها ابنَ عشرين؛ لأنَّه أقْرَبُ الأحْوالِ إلى حالِ الْمَجْنِيِّ عليه، فأشْبَهَ تَقْوِيمَ الجُرْحِ الذي لا يَنْقُصُ بعدَ الانْدِمالِ، فإنَّا نُقَوِّمُه في أقْرَبِ [الأحْوَالِ إلى] (٩) النَّقْصِ إلى حالِ الانْدِمالِ.
стр. 6319
والأوَّلُ أصَّحُّ، إن شاءَ اللهُ، فإنَّ هذا لا مُقَدَّرَ فيه، ولم يَنْقُصْ شيئًا، فأشْبَهَ الضَّرْبَ، وتَضْمِينُ النَّقْصِ الحاصلِ حالَ جَرَيانِ الدَّمِ، إنَّما هو تَضْمِينُ الْخَوفِ عليه، وقد زالَ، فأشْبَهَ ما لو لَطَمهُ فاصْفَرَّ لَوْنُه حالَ اللَّطْمةِ، أو احْمَرَّ، ثُمَّ زالَ ذلك. وتَقْديرُ المرأةِ رَجُلًا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ اللِّحْيَةَ زَيْنٌ للرَّجُلِ، وعَيْبٌ فيها، وتَقْدِيرُ ما يَعِيبُ بما يَزِينُ لا يَصِحُّ. وكذلك تَقْدِيرُ السِّنِّ في حالةِ إيرَادِ زَوالِهَا، بحالةٍ تُكْرَهُ، لا يجوزُ؛ فإنَّ الشىءَ يُقَدَّرُ بنَظِيرِه، ويُقاسُ على مِثْلِه، لا على ضِدِّه، ومَن قالَ بهذا الوَجْهِ، فإنَّما يُوجِبُ (١٠) أدْنَى ما يُمْكِنُ إيجابُه، وهو أقلُّ نَقْصٍ يُمْكِنُ تَقْدِيرُه.
فصل: وإنْ لطَمَه على وَجْههِ، فلم يُؤَثِّرْ في وَجْهِه، فلا ضَمانَ عليه (١١)؛ لأنَّه لم يَنقُصْ به جمالٌ ولا مَنْفَعةٌ، ولم يكنْ له حالٌ يَنْقُصُ فيها، فلم يَضْمَنْه، كما لو شَتَمَه. وإنْ سوَّدَ وَجْهَه أو خَضَّرهُ، ضَمِنَه بدِيَتِه؛ لأنَّه فوَّتَ الجمالَ على الكمالِ، فضَمِنَه بدِيَتِه، كما لو قطعَ أُذُنَي الْأَصمِّ، وأنْفَ الأخْشَمِ. وقال الشافعيُّ: ليس فيه إلَّا حُكومةٌ؛ لأنَّه لا مُقَدَّرَ فيه، ولا هو نَظِيرٌ لِمُقَدَّرٍ. وقد ذكرْنا أنَّه نَظِيرٌ لقَطْعِ الأُذنَيْنِ في ذَهابِ الجمالِ، بل هو أعْظَمُ في ذلك، فيكونُ بإيجابِ الدِّيَةِ أوْلَى. وإنْ زالَ السَّوادُ، رَدَّ (١٢) ما أخذَه؛ لزَوالِ سَبَبِ الضَّمانِ. وإنْ زالَ بعضُه، وجَبَتْ فيه حُكومةٌ، ورَدَّ الباقِيَ. وإنْ صَفَّرَ وجْهَه أو حَمَّرَه، فَفِيه حُكومةٌ؛ لأنَّ الجمالَ لم يذْهَبْ على الكمالِ، وهذا يُشْبِهُ ما لو سوَّدَ سِنَّه، أو غَيَّرَ لَوْنَها (١٣)، على ما ذكَرْنا من التَّفصيلِ فيها.
١٥١٧ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ مِمَّا لَيْسَ فِيه شيءٌ مُوَقَّتٌ فِي الْحُرِّ، فَفِيه مَا نَقَصَهُ بَعْد الْتِئَامِ الْجُرْحِ، وَإنْ كَانَ فِيمَا جَنى عَلَيْهِ شَىْءٌ
стр. 6320
مُوَقَّتٌ فِي الْحُرِّ، فَهُوَ مُوَقَّتٌ فِي الْعَبْدِ، فَفِي يَدِه نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ ذلِكَ أَوْ أَكْثَرَ، وَهَكَذَا الْأَمَةُ)
وجُمْلتُهُ أنَّ الجنايةَ على العبدِ يجبُ ضَمانُها بما نَقَصَ من قِيمَتِه؛ لأنَّ الواجبَ إنَّما وجبَ جَبْرًا لما فاتَ بالجنايةِ، ولا ينْجَبِرُ إلَّا بإيجابِ ما نَقَصَ من القِيمَةِ، فيجبُ ذلك، كما لو كانَتِ الجنايةُ على غَيْرِه من الحيواناتِ وسائرِ المالِ، ولا يجبُ زيادةٌ على ذلك؛ لأنَّ حقَّ المَجنِيِّ عليه قد انْجَبرَ، فلا يجبُ له زيادةٌ على ما فَوَّتَه الجَانِي عليه. هذا هو الْأَصْلُ، ولا نعلم فيه خِلافًا فيما ليس فيه مُقَدَّرٌ شَرْعِيٌّ. فإن كان الفائِتُ بالجنايةِ مُوَقَّتًا في الْحُرِّ، كيَدِه، ومُوضِحَتِه، ففيه عن أحمدَ روَايتانِ؛ إحداهما، أنَّ فيه أيضًا ما نَقَصَه، بالغًا ما بلَغ. وذكر أبو الخَطَّابِ أنَّ هذا اخْتيارُ الخَلَّالِ. ورَوى الْمَيْمُونيُّ عن أحمدَ، أنَّه قال: إنَّما يأْخُذُ قِيمَةَ مَا نَقَص منه على قول ابن عبَّاسٍ. ورُوىَ هذا عن مالكٍ، فيما عَدَا مُوضِحَتَه، ومُنَقِّلَتَه، وهاشِمَتَه، وجائِفتَه؛ لأنَّ ضمانَه ضَمانُ الأمْوالِ، فيجبُ فيه ما نقَصَ كالْبهائمِ، ولأنَّ ما ضُمِنَ بالقِيمَةِ بالغًا ما بلغَ، ضُمِنَ بعضُه بما نقَصَ، كسائرِ الأموالِ، ولأنَّ مُقْتَضَى الدَّليلِ ضَمانُ الفائتِ بما نَقَصَ، خالَفْناه فيما وُقِّتَ في الحُرِّ، كما خالَفْناه في ضَمانِ بَقيَّتِه بالدِّيَة المُؤَقَّتَة، ففى العبدِ يَبْقَى فيهما على مُقْتَضَى الدَّليلِ. وظاهرُ المذهبِ أنَّ ما كان مُوقَّتًا في الحُرِّ، فهو مُوَقَّتٌ في العبدِ، [مِن قيمَتِه] (١)؛ ففى يَدِه، أو عَيْنهِ، أو أُذُنِه، أو شَفَتِه، نِصفُ قِيمَتِه، وفي مُوضِحَتِه نصفُ عُشْرِ قِيمَتِه، وما أوْجَبَ الدِّيَةَ في الحُرِّ، كالأنْفِ، واللِّسانِ، واليَدَيْنِ، والرِّجْلين، والعَيْنَيْن، والأُذُنَيْنِ، أوْجَبَ قِيمَةَ العبدِ، مع بَقاءِ مِلكِ السَّيِّدِ عليه. رُويَ هذا عن عليٍّ، ﵁ (٢). ورُويَ نحوُه عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ (٣). وبه قالَ ابنُ سِيرينَ؛ وعمرُ بنُ عبدِ العزيز، والشافعيُّ، والثَّوْرِيُّ. وبه قال أبو حنيفةَ. قال أحمدُ: هذا قولُ
стр. 6321
سعيدِ بنِ المُسَيَّب. وقال آخرون: ما أُصِيبَ به العبدُ فهو على ما نَقَصَ من قِيمَتِه. والظَّاهرُ أن هذا لو كان قولَ عليٍّ لَما احْتَجَّ أحمدُ فيه إلَّا به دُونَ غيرِه. إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ والثَّوْرِيَّ قالا: ما أوْجَبَ الدِّيَةَ من (٤) الحُرِّ، يتَخيَّرُ سَيِّدُ العبدِ فيه، بين أنْ يُغْرِمَه قِيمَتَه، ويصيرَ مِلْكًا للجاني، وبينَ أنْ لا يُضَمِّنَه شيئًا، لِئلَّا يُؤَدِّىَ إلى اجْتماعِ البَدَلِ والمُبْدَلِ لرجلٍ واحدٍ. ورُوِيَ عن إياس بن مُعاويةَ، في مَن قطَعَ يَدَ عبدٍ عَمدًا، أو فَقَأَ عَيْنَه، هو له، وعليه ثَمَنُه. ووَجْهُ هذه الرِّوايةِ، قولُ عليٍّ، ﵁، ولم نَعْرِفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفًا، ولأنَّه آدَمِيٌّ يُضْمَنُ بالْقِصاصِ والكَفَّارةِ، فكانَ في أطْرافِه مُقَدَّرٌ كالْحُرِّ، ولأنَّ أطْرافَه فيها مُقَدَّرٌ من الحُرِّ، فكان فيها مُقَدَّرٌ من العبدِ، كالشِّجاج الأرْبعِ عندَ مالكٍ، وما وجبَ في شِجاجِه مُقَدَّرٌ، وجبَ في أطْرافِه مُقَدَّرٌ (٥) كالحُرِّ. وعلى أبي حنيفةَ، قولُ عليٍّ، وأنَّ (٦) هذه الأعْضاءَ فيها مُقَدَّرٌ، فوجبَ ذلك فيها مع بَقاءِ مِلْكِ السَّيِّدِ في العبدِ، كاليَدِ الواحدةِ، وسائرِ الأعضاءِ، ولأنَّ مَن ضُمِنَتْ يَدُه بمُقَدَّرٍ، ضُمِنَت يَداهُ بمِثْلَيْه، من غيرِ أنْ يَمْلِكَه، كالحُرِّ. وقولُهم: إنَّه اجْتَمعَ البدلُ والمبْدَلُ لواحدٍ. ليس (٧) بصحيحٍ؛ لأنَّ القِيمَةَ ههُنا بَدَلُ العُضْوِ وَحْدَه، ولو كان بدَلًا عن الجُمْلةِ، لَكان بدلُ اليَد الواحدةِ بَدَلًا عن نِصْفِه، وبدَلُ تِسْعِ أصابِعَ بدَلًا عن (٨) تسعةِ أعْشارهِ، والأمرُ بخلافِه. والأمَةُ مثْلُ العبدِ في ذلك، إلَّا أنَّها تُشَبَّهُ بالحُرَّةِ، وإذا (٩) بلَغتْ ثُلثَ قِيمَتِها، احْتَمَلَ أنَّ جنايتَها تُرَدُّ إلى النِّصفِ، فيكونُ في ثلاثِ أصابعَ ثلاثةُ أعْشارِ قِيمَتِها، وفي أربعةِ أصابعَ خُمْسُها، كما أنَّ المرأةَ تُساوِي الرجلَ في الجِرَاحِ إلى ثُلثِ
стр. 6322
دِيَتِها، فإذا بلغَتِ الثُّلثَ، رُدَّتْ إلى النِّصْفِ، والأمةُ امرأةٌ، فيكونُ (١٠) أرشُها على خِلافِ الأصْلِ؛ لكَوْنِ الأصلِ زيادةَ الأرْشِ بزِيادةِ الجنايةِ، وأنَّه كُلَّما زادَ نَقْصُها وضَرَرُها، زادَ في ضَمانِها، فإذا خُولِفَ هذا في الحُرَّةِ، بَقِينَا في الْأمَةِ على وَفْقِ الأصْلِ.
فصل: وإذا جُنِيَ على العبدِ في رَأْسٍ أو وَجْهٍ دُونَ المُوضِحَةِ، فنَقصَتْه أكثرَ من أرْشِها، وجَبَ ما نقَصتْهُ (١١). ويَحْتَمِلُ أن يُرَدَّ إلى نصفِ عُشْر قِيمَتِه، كالحُرِّ إذا زاد أرْشُ شَجَّتِه التي دون المُوضِحَةِ على نصفِ عُشْرِ دِيَتِه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ هذه جِراحةٌ لا مُوَقَّتَ فيها، فكانَ الواجبُ فيها ما نَقَصَ، كما لو كانتْ في غيرِ رأسهِ، ولأنَّ الأصْلَ وُجوبُ ما نَقَصَ، خُولِفَ في المُقَدَّر، ففى هذا يَبْقَى على الأَصْلِ.
١٥١٨ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُوْلُ خُنْثَى مُشْكِلًا، فَفِيهِ نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍ، ونِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى)
وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْيِ. وقال الشَّافعيُّ: الواجبُ دِيَةُ أُنْثَى؛ لأنَّها اليَقِينُ، فلا يجبُ الزَّائدةُ بالشَّكِّ. ولَنا: أنَّه يَحْتَمِلُ الذُّكورِيَّةَ والأُنوثِيَّةَ احْتمالًا واحدًا، وقد يَئسْنَا من انْكِشَافِ حالِه، فيجبُ التَّوسُّطُ بينهما، والعملُ بِكلا الاحْتمالَينِ.
فصل: فأمَّا جِراحُه، فما لم يبْلُغْ ثُلثَ الدِّيَةِ، ففيه ديَةُ جُرْحِ الذَّكرِ؛ لاسْتواءِ الذَّكرِ والأُنْثَى في ذلك، وإنْ زادَ على الثُّلثِ، مثل أن (١) قَطَعَ يَدَهُ، ففيه ثلاثةُ أرْباعِ دِيَةِ يَدِ الذَّكَرِ، سبعةٌ وثلاثون بَعِيرًا ونصفٌ، ويُقادُ به الذَّكَرُ والأُنْثَى؛ لأنَّهما لا يخْتلِفانِ في القَوَدِ، ويُقادُ هو بكلِّ واحدٍ منهما.
стр. 6323
١٥١٩ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ نِصْفُهُ حُرٌّ، [وَنِصْفُهُ عَبْدٌ] (١)، فَلَا قَوَدَ، وعَلَى الْجَانِي إنْ كَانَ عَمْدًا نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ وَنِصْفُ قِيمَتِهِ، وَهَكَذَا فِي جِرَاحِهِ، وَإنْ كَانَ خطَأً، فَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وعَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ)
يعني لا قَوَدَ على قاتلِه إذا كان نصفُه حُرًّا؛ لأنَّه ناقِصٌ بالرِّقِّ، فلم يُقْتَلْ به الحُرُّ، كما لو كان كلُّه رَقيقًا. وإنْ كان قاتلُه عبدًا، قُتِل به؛ لأنَّه أكْمَلُ من الجانِي. وإنْ كان نصفُ القاتلِ حُرًّا، وجبَ القَوَدُ؛ لتسَاويهما، وإنْ كانتِ الحُرِّيَّةُ في القاتلِ أكثرَ، لم يجبِ القَوَدُ؛ لعدمِ المُساواةِ بينهما. وفي ذلك كُلِّه إذا لم يكُنِ القاتلُ عبدًا فعليه نصفُ دِيَةِ حُرٍّ، ونصفُ قِيمَتِه, إذا كانَ عَمْدًا؛ لأنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ العَمْدَ، وإن كانَ خطأً ففي مالِه نصفُ قيمَتِه؛ لأنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ العبدَ، وعلى عاقلتِه نصفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّها دِيَةُ حُرٍّ في الخطأ، والعاقلةُ تَحْمِلُ ذلك. وهكذا الحكمُ في جِراحِه إذا كان قَدْرُ الدِّيَةِ من أرْشِها يَبْلُغُ ثلثَ الدِّيَةِ، مثل أنْ يقْطَعَ أنْفَه أو يدَيْه. وإن قطَعَ إحْدَى يَدَيْه، فعَقْلُ جميعِها على الجانِي في مالِه؛ لأنَّ (٢) عليه نصفَ دِيَةِ اليَدِ، وهو رُبْعُ دِيَتِه؛ لأجلِ حُرِّيَّةِ نِصْفِه، وذلك دُونَ ثُلثِ الدِّيَةِ، وعليه رُبْعُ قِيمَتِه.
فصل: وَدِيَةُ الأعضاءِ كدِيَةِ النَّفْسِ، فإنْ كان الواجبُ من الذَّهبِ أو الوَرِقِ، لم يختلفْ بعَمْدٍ ولا خطإٍ، وإنْ كانَ من الإِبلِ، وجبَ في العَمْدِ أرْباعًا، على إحْدَى الرِّوايتَيْن، وفي الأُخْرَى يجبُ خُمْسٌ وعُشْرٌ منها حِقاقٌ، وخُمْسٌ وعُشْرٌ جِذَاعٌ، وخُمْساها خَلِفات، وفي الخطإِ يجبُ أخْماسًا، فإنْ لم يُمْكِنْ قِسْمَتُه (٣)، مثل أن يُوضِحَه عَمْدًا، فإنَّه يجبُ أربعةٌ أرْباعًا، والخامسُ من أحَدِ الأجْناسِ الأربعةِ، قِيمَتُه رُبْعُ
стр. 6324
قِيمَةِ الأرْبعِ. وإنْ قُلْنا بالرِّوايةِ الأُخْرَى، وجبَ خَلِفَتانِ، وحِقَّةٌ، وجَذَعةٌ، وَبعِيرٌ قِيمتُه نصفُ قِيمَةِ حِقَّةٍ ونصفُ قِيمةِ جَذَعَةٍ. وإن كان خَطأً، وجبَ الخَمْسُ من الأجْناسِ الخَمْسَةِ. من كُلِّ جِنْسٍ بَعيرٌ. وإن كان الواجبُ دِيَةَ أُنْمُلَةٍ، وقُلْنا: يجبُ من ثلاثةِ أجْناسٍ، وجبَ بعيرٌ وثُلثٌ من الخَلِفَاتِ، وحِقَّةٌ، وجَذَعة. وإن قُلْنا: أرْباعًا، وجبَ ثلاثةٌ وثُلثٌ، قيمتُها نصفُ قِيمَةِ الأربعةِ وثُلثِها. وإنْ كان خطأً، فقِيمتُها ثُلثا قِيمَة الخَمْس. وعندَ أصْحابِنا (٤)، قيمةُ كلِّ بعيرٍ مائةٌ وعشرون درهمًا، أو عشرةُ دنَانِيرَ. ولا فائدةَ في تَعْيِينِ أسْنانِها، فإن اخْتَلفَتْ قِيمَةُ الدَّنانيرِ والدَّراهمِ، مثل أن كانَتِ العشرةُ دَنانِيرَ تُسَاوي مائةَ درهم، فقِياسُ قَوْلِهم، أنَّه إذا جاءَ بما قيمتُه عشرةُ دنانيرَ، لزِمَ الْمَجْنِيَّ عليه قَبولُه؛ لأنَّه لو جاءَه بالدَّنانيرِ، لَزِمَه قَبُولُها، فيَلْزَمُه قَبولُ ما يُساوِيها. واللهُ أعلمُ.
стр. 6325
باب الْقَسامَة
القَسامةُ: مصدرُ أقْسَمَ قَسَمًا وقَسَامةً. ومعناه حَلَفَ حَلِفًا والمرادُ بالقَسامةِ ههُنا الأيْمانُ المُكرَّرةُ في دعَوْى القتْلِ. قال القاضي: هي الأيْمانُ إذا كَثُرتْ على وَجْهِ المُبالغةِ. قال: وأهلُ اللُّغةِ يذهبون إلى أنَّها القومُ الذين يحْلِفون؛ سُمُّوا باسمِ المصدرِ، كما يُقالُ: رَجلٌ زُورٌ وعَدْلٌ ورِضًى. وأيُّ الأمْرَيْنِ كان، فهو من القَسَمِ الذي هُو الحَلِفُ. والأصلُ في القَسامةِ ما روَى يحيى بنُ سعيد الأنْصَارِيُّ، عن بَشِيرِ بنِ يَسَارٍ، عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ، ورَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، أنَّ مُحَيِّصَةَ بنَ مسعودٍ وعبدَ اللهِ بنَ سَهْلٍ انْطلَقا إلى خَيْبَرَ، فتَفَرَّقا في النَّخِيلِ، فقُتِلَ عبدُ اللَّه بنُ سَهْلٍ، فاتَّهَمُوا اليهودَ، فجاءَ أَخُوه عبدُ الرحمنِ، وابْنَا عَمِّهِ حُويِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ إلى (١) النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَكَلَّمَ عبدُ الرحمنِ في أَمْرِ أَخِيه، وهو أصْغَرُهم. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "كَبِّرِ الْكُبْرَ" (٢). أَوْ قَال: "لِيَبْدَإِ الْأَكْبَرُ". فَتَكَلَّمَا في أَمْرِ صاحِبِهما. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فيُدْفَعُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ" فَقَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْه، كيف نَحْلِفُ؟ قال: "فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ " قالوا: يا رسولَ اللهِ، قومٌ كُفَّارٌ ضُلَّالٌ. قالَ: فوَداهُ رسولُ اللهِ ﷺ مِنْ قِبَلِه. قال سهلٌ: فدخلْتُ مِرْبَدًا لهم، فرَكَضَتْنِي نَاقةٌ مِن تلك الإِبلِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣).
стр. 6326
١٥٢٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم، ﵀: (وإذَا وُجِدَ قَتِيلٌ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى قَوْمٍ لَا عَدَاوَةَ بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُمْ بِيَمِينٍ، وَلَا غَيْرِهَا)
الكلامُ فِي هذه المسألةِ في فَصْليْنِ:
الأولُ: في أنَّه إذا وُجِدَ قتيلٌ في مَوْضِعٍ، فادَّعَى أوْلياؤُه قَتْلَه على رجلٍ، أو جماعةٍ، ولم تكُنْ بينهم عداوةٌ، ولا لَوْثٌ (١)، فهي كسائرِ الدَّعاوَى، إن كانتْ لهم بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لهم بها، وإلَّا فالقولُ قولُ المُنْكِرِ. وبهذا قال مالكٌ، والشَّافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ وأصْحابُه: إذا ادَّعَى أَوْلياؤُه قَتْلَه على أهلِ المَحَلَّةِ، أو على مُعَيَّنٍ، فلِلْوَلِيِّ أن يخْتارَ من المَوْضِعِ خمسينَ رجلًا، يحْلِفونَ خمسينَ يَمِينًا: واللهِ ما قَتَلْناه، ولا عَلِمْنا قاتِلَهُ. فإنْ نَقصُوا على الخمسينَ، كُرِّرَتِ الأيْمانُ عليهم حتى تَتِمَّ، فإذا حَلَفُوا، وجَبتِ الدِّيَةُ على باقي الخِطَّةِ، فإن لم يكُنْ، وجَبتْ على سُكَّانِ المَوْضعِ، فإن لم يَحْلِفُوا، حُبِسُوا حتى يَحْلِفُوا أو يُقِرُّوا؛ لما رُوِىَ، أنَّ رَجُلًا وُجِد قتيلًا بين حَيَّيْن، فحلَّفهم عمرُ، ﵁، خمسينَ يَمِينًا، قضَى بالدِّيَةِ على أقْرَبِهما. يعْني أقْربَ الحَيَّيْن، فقالوا: واللهِ ما وَقَتْ أيمانُنا أمْوالَنَا، ولا أمْوالُنا أيْمانَنا، فقال عمرُ: حَقَنْتُم بأمْوالِكم دِماءَكم (٢). ولَنا، حديثُ عبدِ اللهِ بنِ سَهْلٍ (٣)، وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَوْ أُعْطِيَ الْنَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَومٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأمْوَالَهُمْ، وَلَكِن الْيَمينَ عَلَى الْمُدَّعَى
стр. 6327
عَلَيْهِ". روَاه مسلمٌ (٤). وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" (٥). [ولأنَّ الأصلَ في المدَّعَى عليه] (٦) بَراءةُ ذِمَّتِه، ولم يظْهَرْ كَذِبُه، فكان القولُ قَوْلَه، كسائرِ الدَّعاوَى، [ولأنَّه مُدَّعًى عليه، فلم تَلزَمْه اليَمِينُ والغُرْمُ، كسائرِ الدَّعاوَى] (٧)، وقولُ النَّبِيِّ ﷺ أوْلَى من قولِ عمرَ، وأحَقُّ بالاتِّباعِ، ثم قِصَّةُ (٨) عمرَ يَحتَمِلُ أنَّهم اعْتَرفوا بالقَتْلِ خطَأً، وأنكرُوا العَمْدَ، فأُحْلِفُوا على العَمْدِ، ثم إنَّهم لا يَعْملون بخَبرِ النّبِيِّ ﷺ المُخالِفِ للأُصولِ، وقد صارُوا ههُنا إلى ظاهرِ قولِ عمرَ المُخالِفِ للأُصولِ، وهو إيجابُ الأيْمانِ على غيرِ المُدَّعَى عليه، وإلْزامُهُم الغُرْمَ مع عَدَمِ الدَّعْوَى عليهم، والجمعُ بينَ تحْلِيفِهم وتَغْرِيمهم وحَبْسِهم على الأيْمان. قال ابنُ المُنْذِرِ: سَنَّ النَّبِيُّ ﷺ البَيِّنَةَ عَلى المدَّعِي، واليَمينَ عَلى المدَّعَى علَيهِ، وسنَّ القَسامةَ في القَتِيلِ الذي وُجِدَ بخَيْبَرَ، وقولُ أصحابِ الرَّأْيِ خارِجٌ عن هذِه السُّنَنِ.
فصل: ولا تُسْمَعُ الدَّعْوَى على غيرِ المُعَيَّنِ، فلو كانت الدَّعوَى على أهلِ مدينةٍ أو مَحَلَّةٍ، أو واحدٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، أو جماعةٍ منهم بغيرِ أعْيانِهِم، لم تُسْمَعِ الدَّعْوَى. وبهذا قال الشَّافعيُّ. وقال أصْحابُ الرَّأْي: تُسْمَع، ويُسْتَحْلَف خَمْسونَ منهم؛ لأنَّ الأنْصارَ ادَّعُوا القتلَ على يَهُودِ خَيْبَرَ، ولم يُعَيِّنُوا القاتلَ، فسَمِعَ رسولُ اللَّه ﷺ دَعْواهم. ولَنا، أنَّها دَعْوَى في حَقٍّ، فلم تُسْمَعْ على غيرِ مُعَيَّنٍ، كسائرِ الدَّعاوَى. فأمَّا الخبرُ، فإنَّ دَعْوَى الأنصارِ التي سَمِعها رسولُ اللَّه ﷺ لم تَكُنْ الدَّعْوَى التي بينَ الخَصْمَين المُخْتَلَفِ فيها، فإنَّ تلك من شَرْطِها حُضورُ المُدَّعَى عليه عندَهم، أو تَعَذُّرُ حُضُورِه عندَنا، وقد بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ الدَّعْوَى لا تَصِحُّ إلَّا على واحدٍ، بقوله: "تُقْسِمُونَ عَلَى
стр. 6328
رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ". وفي هذا بَيانٌ أنَّ الدَّعْوَى لا تَصِحُّ على غيرِ مُعَيَّنٍ.
فصل: فأمَّا إنِ ادَّعَى القتلَ مِنْ غيرِ وُجودِ قَتِيلٍ (٩) ولا عَداوةٍ، فحكْمُها حكمُ سائرِ الدَّعاوَى، في اشْتراطِ تَعْيِينِ المُدَّعَى عليهِ، وأنَّ القولَ قولُه. لا نعلمُ فيهِ خلافًا.
الفصل الثاني: أنَّه إذا ادَّعَى القتلَ، ولم تَكُنْ عَداوةٌ، ولا لَوْثٌ، ففيه عن أحمدَ رِوَايتان؛ إحداهما، لا يَحْلِف المُدَّعَى عليهِ، ولا يُحْكَمُ عليه بشيءٍ، ويُخْلَى سبيلُه. هذا الذي ذكرَه الْخِرَقِيُّ ههُنا، وسواءٌ كانتِ الدَّعْوَى خطَأً أو عَمْدًا؛ لأنَّها دَعْوَى فيما لا يجوزُ بَذْلُه، فلم يُسْتَحْلَفْ فيها، كالحُدودِ، ولأنَّه لا يُقْضَى في هَذه الدَّعْوَى بالنُّكُولِ، فلم يُسْتَحْلَفْ فيها، كالحُدودِ. والثانية، يُسْتَحْلَفُ. وهو الصَّحِيحُ، وهو قولُ الشَّافعيِّ؛ لعُمومِ قولِه ﵇: "الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". وقولِ النَّبِيِّ ﷺ "لَوْ يُعْطَى الْنَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأمْوَالَهُمْ، وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". ظاهرٌ في إيجابِ الْيَمِينِ [ههُنا لوَجْهينِ؛ أحدُهما، عُمومُ اللَّفظِ فيه. والثاني، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكَرَه في صَدْرِ الخبرِ بقولِه: "لَادَّعى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ] (١٠) ". ثم عقَّبَه بقولِه: "وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ". فيعودُ إلى المُدَّعَى عليه المذكورِ في الحديثِ، ولا يجوزُ إخْراجُه منه إلَّا بدليلٍ أقْوَى منه، ولأنَّها دَعْوَى في حَقٍّ لآدَمِيٍّ (١١)، فيُسْتَحْلَفُ فيها، كدَعْوَى المالِ، ولأنَّها دَعْوَى لو أقَرَّ بها لم يُقْبَلْ رُجوعُه عنها، فتجِبُ اليَمِينُ فيها، كالأصْلِ المذكورِ. إذا ثبتَ هذا، فالمشْروعُ يَمِينٌ واحدةٌ. وعن أحمدَ، أنَّه يُشْرَعُ خمسونَ يَمِينًا؛ لأنَّها دَعْوَى في القَتْلِ، فكان المشروعُ فيها خمسينَ يَمِينًا، كما لو كان بينهم لَوْثٌ. وللشافعىِّ قَوْلان في هذا، كالرِّوايتَيْنِ. ولَنا، أنَّ قولَه ﵇: "وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". ظاهرٌ
стр. 6329
في أنَّها يَمِينٌ واحدةٌ من وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّه وحَّد (١٢) اليَمِينَ، فيَنْصَرِفُ إلى واحدةٍ. والثاني، أنَّه لمْ يُفرِّقْ في (١٣) اليَمِينِ المشْروعةِ، فيَدُلُّ على التَّسْوِيَةِ بين المَشْروعةِ في الدَّمِ والمالِ، ولأنَّها يَميِنٌ يَعْضُدُها الظاهرُ والأصْلُ، فلمْ تُغَلَّظْ، كسائرِ الأيْمانِ، ولأنَّها يَمِينٌ مَشْروعةٌ في جَنَبةِ المدَّعَى عليه ابْتِدَاءً، فلم تُغَلَّظْ بالتَّكْريرِ، كسائرِ الأيْمانِ، وبهذا فارقَ ما ذكَرُوه. فإنْ نَكَلَ المُدَّعَى عليه عنِ اليَمِينِ، لم يجب القِصاصُ، بغيرِ خلافٍ في المذهبِ. وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: إنْ نَكَلَ المُدَّعَى عليه، رُدَّتِ اليَمِينُ على المُدَّعِى، فحلَفَ خمسينَ يَمِينًا، واسْتَحَقَّ القِصاصَ إنْ كانتِ الدَّعْوَى عَمْدًا، والدِّيةَ (١٤) إنْ كانتْ مُوجَبًا (١٥) للقَتْلِ؛ لأنَّ يَمِينَ المُدَّعِي مع نُكُولِ المُدَّعَى عليه كالبَيِّنَةِ أو الإِقْرارِ، والقصاصُ يجبُ بكلِّ واحدٍ منهما. ولَنا، أنَّ القَتلَ لم يثْبُتْ ببَيِّنَةٍ ولا إقْرارٍ، ولم يَعْضُدْه لَوْثٌ، فلم يَجب القِصاصُ، كما لو لمْ يَنْكُلْ، ولا يَصحُّ إلْحاقُ الأيْمانِ مع النُّكُولِ ببَيِّنَةٍ ولا إقْرارٍ؛ لأنَّها أضْعَفُ منها، بدليلِ أنَّه لا يُشْرَعُ إلَّا عنَد عَدَمِهما، فيكونُ بَدلًا عنهما، والبدلُ أضْعَفُ من المُبْدَلِ، ولا يَلْزَمُ من ثُبوتِ الحُكْم بالأقْوَى، ثُبوتُه بالأضْعَفِ، ولا يَلْزَمُ من وُجوبِ الدِّيَةِ، وُجوبُ القصاصِ؛ لأنَّه لَا يَثْبُتُ بشهادةِ النِّساءِ مع الرِّجالِ، ولا بالشَّاهدِ (١٦) واليَمِينِ، ويُحْتَاطُ له، ويُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والدِّيَةُ بخلافِه. فأمّا الدِّيَةُ فتَثْبُتُ بالنُّكُولِ عنَد من يُثْبِتُ المالَ به، أو تُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِى، فيَحْلِفُ يَمِينًا واحدةً، ويَسْتَحِقُّها، كما لو كانت الدَّعْوَى في مالٍ، واللهُ أعلمُ.
١٥٢١ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَلَوْثٌ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى وَاحِدٍ، حَلَفَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى قَاتِلِهِ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَاسْتَحَقُّوا دَمَهُ إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى عَمْدًا)
الكلامُ في هذه المسألَةِ في فصولٍ أربعةٍ:
стр. 6330
الأوَّلُ: في اللَّوثِ المُشْتَرَطِ في القَسَامَةِ، واخْتَلَفَتِ الرِّوَايةُ عَنْ أحمدَ فيه، فَرُوِيَ عنه أنَّ اللَّوْثَ هو العَداوَةُ الظَّاهِرَةُ بينَ المقْتُولِ والمدَّعَى عليه، كَنَحْوِ ما بينَ الأنصارِ ويهودِ خَيْبَرَ، وما بينَ القبائل، والأَحْياءِ، وأَهْلِ القُرَى الذين بينَهمُ الدِّماءُ وَالحُروبُ، وما بين [أهْلِ البَغْي و] (١) أهْل العَدْلِ، وما بينَ الشُّرَطَةِ واللُّصُوصِ، وَكُلِّ مَن بَيْنَه وبينَ المقْتُولِ ضِغْنٌ يَغْلِبُ على الظَّنِ أنَّه قَتَلَه. نقل مُهَنَّا عن أحمدَ، في مَن وُجِدَ قَتِيلًا في الْمَسْجدِ الحرامِ، يُنْظَرُ مَن بينه وبينه في حياتِهِ شيءٌ. يعني ضِغْنًا يُؤْخَذُون به. ولم يَذْكُرِ القاضي في اللَّوْثِ غَيرَ الْعَداوَةِ، إلَّا أنَّه قد (٢) قال في الفَرِيقَيْنِ يَقْتَتِلَانِ؛ فينْكَشِفُون عن قتيلٍ، فَاللَّوْثُ على الطَّائِفَةِ [التي القَتِيلُ من غيرِها، سواءٌ كان القَتْلَى بالْتِحَامٍ، أو مُراماةً بالسِّهامِ، وإن لم تبْلُغِ السِّهامُ، فاللَّوْثُ] (٣) على طائفةِ القَتيلِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ مع العدَاوةِ أنْ لا يكونَ في المَوْضِعِ الذي به القتيلُ غيرُ العَدُوِّ. نَصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ مُهَنَّا التي ذَكَرْناها. وكَلامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عليه أيضًا. واشْتَرَطَ القاضي أنْ (٤) يُوجَدَ القتيلُ في مَوْضِع عَدُوٍّ لا يخْتَلِطُ بهم غيرُهم. وهذا مذْهبُ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّ الأنْصارِيَّ قُتِلَ [في خَيْبَرَ] (٥) ولم يكُنْ فيها إلَّا اليهودُ، وجميعُهم أعداءٌ. ولأنَّه مَتى اخْتلَطَ بهم غيرُهم، احْتَمَلَ أنْ يكونَ القاتلُ ذلك الغَيْرَ. ثم ناقَضَ القاضي قولَه، فقال في قومٍ ازْدَحَمُوا في مَضِيقٍ، فافْتَرقُوا عن قَتيلٍ: إنْ كان في القومِ مَنْ بينَه وبَيْنَه (٦) عداوةٌ، وأمْكَنَ أَنْ يكونَ هو قَتَلَه؛ لكَوْنِه بقُرْبِه، فهو لَوْثٌ. فجعلَ العَداوةَ لَوْثًا مع وجُودِ غيرِ العَدُوِّ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَسْأَلِ الأنْصارَ: هل كانَ بِخَيْبَرَ غيرُ اليهودِ أم لا؟ مع أنَّ الظاهرَ وُجودُ غيرِهم فيها؛ لأنَّها كانتْ أمْلاكًا للمسلمين، يقصِدُونها لأَخْذِ غَلَّاتِ أمْلاكِهم
стр. 6331
منها، وعمارَتِها، والاطِّلاعِ عليها، والْامْتيارِ منها، ويبْعُدُ أنْ تكونَ مدينةٌ على جَادَّةٍ تخْلُو من غيرِ أهلِها. وقولُ الأنصارِ: ليس لنا بخَيْبَرَ عَدُوٌّ إلَّا يَهودُ. يَدُلُّ على أنَّه قد كانَ بها غَيرُهم ممَّنْ ليس بعَدُوٍّ؛ ولأَنَّ اشْتراكَهم في العَداوةِ، لا يَمْنَعُ مِن وُجودِ اللَّوْثِ في حقِّ واحدٍ، وتخْصيصِه بالدَّعْوَى مع مُشاركةِ غيرِه في احْتمالِ قَتْلِه؛ فلأَنْ لا (٧) يَمْنَعَ ذلك وُجودُ مَنْ يَبْعُدُ منه القَتْلُ أوْلَى. وما ذكرُوه من الاحْتمالِ، لا يَنْفِى اللَّوْثَ، فإنَّ اللَّوْثَ لا يُشْتَرطُ فيه يَقِينُ القتلِ من المُدَّعَى عليه، ولا يُنافِيه الاحْتمالُ، ولو تُيُقِّنَ القتلُ من المدَّعَى عليه، لَما احْتيجَ إلى الأيْمانِ، ولو اشْتُرِطَ نَفْيُ الاحْتمالِ؛ لَما صَحَّتِ الدَّعوَى على واحدٍ من جماعةٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ القاتلَ غيرُه، ولا على الجماعةِ كلِّهم؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنْ لا يشْترِكَ الجميعُ في قَتْلِه. والرِّوايةُ الثانيةُ، عن أحمدَ، أنَّ اللَّوْثَ ما يُغَلِّبُ على الظَّنِّ صِدْقَ المُدَّعِي، وذلك [في دارٍ] (٨) [أو غيرها] (٩)، من وُجوهٍ؛ أحدها، العداوةُ المذكورةُ. والثاني، أن يتَفَرَّقَ جماعةٌ عن قتيلٍ، فيكونَ ذلك لَوْثًا في حقِّ كلِّ واحدٍ منهم، فإن ادَّعَى الوَلِيُّ على واحدٍ فأنْكَرَ كَوْنَه مع الجماعةِ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه. ذكَره القاضي. وهو مذهبُ الشافعي؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ ذلك، إلَّا أن يثْبُتَ ببَيِّنَةٍ. الثالث، أن يزْدَحِمَ الناسُ في مَضِيقٍ، فيُوجدَ (١٠) فيهم قتيلٌ، فظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ هذا ليس بلَوْثٍ، فإنَّه قال في من ماتَ بالزِّحامِ يومَ الجمعةِ: فَدِيَتُه في بيتِ المالِ. وهذا قولُ إسْحاقَ. ورُوِيَ ذلك عن عمرَ وعليٍّ؛ فإنَّ سعيدًا رَوَى في "سُنَنِه"، عن إبراهيمَ، قال: قُتِلَ رجلٌ في زحامِ الناسِ بعَرفةَ، فجاءَ أهلُه إلى عمرَ، فقالَ: بَيِّنتُكم على مَنْ قتلَه. فقالَ عليٌّ: يا أميرَ المؤمنين، لا يُطَلُّ دَمُ امْرئٍ مسلمٍ، إِن عَلِمْتَ قاتلَه، وإِلَّا فأعْطِ (١١)
стр. 6332
دِيَتَه من بيتِ المالِ (١٢). وقال (١٣) أحمدُ، في مَن وُجِدَ مقتولًا في المسجدِ الحرامِ: يُنْظَرُ مَنْ كان بينَه وبينَه شيءٌ في حياتِه - يَعْنِي عداوةً - يُؤْخَذونَ. فلم يجْعَل الحضورَ لَوثًا، وإنَّما جعلَ اللَّوْثَ العداوةَ. وقال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ، في مَن ماتَ في الزِّحامِ: دِيَتُه على مَن حضَرَ؛ لأنَّ قَتْلَه حصلَ منهم. وقالَ مالكٌ: دَمُه هَدْرٌ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ له قاتلٌ، ولا وُجِدَ لَوْثٌ؛ فَيُحْكَمُ بالقَسامةِ فيه (١٤). وقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنَّه كُتِبَ إليه في رجلٍ وُجِدَ قتيلًا، لم يُعْرَفْ قاتلُه، فكَتبَ إليهمْ: إنَّ من القَضايَا قضَايَا لا يُحْكَم فيها إلَّا في الدَّارِ الآخِرةِ، وهذا منها. الرابعُ، أنْ يُوجَدَ قتيلٌ لا يُوجَدُ بقُرْبِه إلَّا رجلٌ معه سيفٌ أو سِكِّينٌ مُلَطَّخٌ بالدَّمِ، ولا يُوجَدُ غيرُه مِمَّن يغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّه قتلَة، مثل أنْ يَرَى رجلًا هاربًا يَحْتَمِلُ أنَّه القاتلُ أو سَبُعًا يَحْتَمِلُ ذلك فيه. الخامسُ، أن يقْتَتِلَ فِئتانِ، فيفْتَرِقون عن قتيلٍ من إحْداهما، فاللَّوْثُ على الأخْرَى. ذكرَه القاضي. فإن كانوا بحيثُ لا تَصِلُ سهامُ بعضهِم بعضًا، فاللَّوْثُ على طائفةِ القتيلِ. هذا قولُ الشافعيِّ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ عَقْلَ القتيلِ على الذين نازَعُوهم فيما إذا اقْتتَلت الفِئَتانِ، إلَّا أنْ يَدَّعُوا على واحدٍ بعَيْنِه. وهذا قولُ مالك. وقال ابنُ أبي ليلى: عَقْلُه (١٤) على الفَريقَيْن جميعًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه ماتَ من فِعْلِ أصحابِه، فاسْتَوى الجميعُ فيه. وعن أحمدَ في قومٍ اقْتَتلُوا، فَقُتِلَ بعضُهم، وجُرِحَ بعضُهم: فدِيَةُ المَقْتُولِين على المجْرُوحين، تَسْقُطُ منها دِيَةُ الجِرَاحِ. وإن كان فيهم مَنْ لا جُرْحَ فيه، فهل عليه من الدِّياتِ شيءٌ؟ على وَجْهَين، ذكرَهما ابنُ حامد. السادسُ، أنْ يشْهدَ بالقتلِ عَبِيدٌ أو نساءٌ (١٥)، فهذا فيه عن أحمد رِوَايتانِ؛ إحداهما، أنَّه لَوْثٌ؛ لأنَّه يُغَلِّب على الظَّنِّ صِدْقَ المُدَّعِى في دَعْوَاه، فأشْبَهَ العَداوةَ. والثانية، ليس بلَوْثٍ؛ لأنَّها شهادةٌ مَرْدُودةٌ، فلم تكُنْ لَوْثًا، كما لو شَهِدَ به كُفَّارٌ. وإن
стр. 6333
شَهِدَ به فُسَّاقٌ أو صبْيانٌ، فهل يكونُ لَوْثًا؟ على وَجْهَيْن؛ أحدهما، ليس بلَوْثٍ؛ لأنَّه لا يتعَلَّقُ بشهادتِهم حكمٌ، فلا يثْبُتُ اللَّوثُ بها، كشهادةِ الأطْفالِ والْمَجانِين. والثاني، يثْبُتُ بها اللَّوثُ؛ لأنَّها شهادةٌ تُغَلِّبُ على الظَّنِّ صِدْقَ المُدَّعِى، فأشْبَهَ شهادةَ النِّساءِ والعَبِيدِ، وقولُ الصِّبْيانِ مُعْتبَرٌ في الإِذْنِ في دخولِ الدَّارِ، وقَبولِ الهديَّةِ، ونحوِها. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. ويُعْتَبَرُ أن يجِىءَ الصِّبْيانُ مُتفرِّقين؛ لئلَّا يتطَرَّقَ إليهم التَّواطُؤُ على الكذبِ. فهذه الوُجوهُ قد ذُكِرَ عن أحمدَ، أنَّها لَوْثٌ؛ لأنَّها تُغَلِّبُ على الظَّنِّ صِدْقَ المُدَّعِى، أشْبَهتِ العداوَةَ. وَرُوِيَ أنَّ هذا ليس بلَوْثٍ، وهو ظاهرُ كلامِه في الذي قُتِلَ في الزِّحام؛ لأنَّ اللَّوثَ إنَّما يَثْبُتُ بالعداوَةِ بقَضِيَّةِ الأنْصارِيِّ القتيلِ بخَيْبَرَ، ولا يجوزُ القياسُ عليها؛ لأنَّ الحكمَ ثَبتَ بالمَظِنَّةِ، ولا يجوزُ القياسُ في الْمَظانِّ؛ لأنَّ الحكمَ إنَّما (١٦) يتَعدَّى بتَعدِّي سَبَبِه، والقياسُ في الْمَظانِّ جمعٌ بمُجَرَّدِ الحِكْمةِ وغَلبةِ الظُّنونِ، والحِكَمُ والظُّنونُ تخْتلِفُ ولا تأْتلِفُ، وتنْخَبطُ ولا تَنْضَبطُ، وتخْتلِفُ (١٧) باخْتلافِ القرائنِ والأحْوالِ والأشْخاصِ، فلا يُمْكِنُ رَبْطُ الحُكْمِ بها، ولا تَعْدِيَتُه بتَعْدِّيها، ولأنَّها يُعْتَبرُ في التعْدِيَةِ والقياس التَّساوِي بينَ الأصْلِ والفرع في المُقْتضِى، ولا سبيلَ إلى يَقينِ التَّساوِى بينَ الظَّنَّيْنِ مع كثرةِ الاحتمالاتِ وترَدُّدِها، فعلى هذه الرِّواية، حكمُ هذه الصُّوَرِ حكمُ غيرِها، ممَّا لا لَوْثَ فيه.
فصل: وإن شَهِدَ رجُلانِ على رجلٍ، أنَّه قَتَلَ أحدَ هذين القتيلَيْن. لم تثْبُتْ هذه الشهادةُ، ولم يكُنْ لَوْثًا عندَ أحدٍ عَلِمْنَا (١٨) قوله. وإن شَهِدَ أنَّ هذا القتيلَ قتلَه أحدُ هذين الرَّجُلَيْن، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّ هذا قتلَه، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه أقر بقَتْلِه، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّه (١٩) قَتَلَه بسيفٍ، وشَهِدَ الآخرُ أنَّه قتَلَه بسِكِّينٍ، لم تثْبُتِ الشَّهَادةُ، ولم تكُنْ
стр. 6334
لَوْثًا. هذا قولُ القاضي واختيارُهُ. والمنْصوصُ عن أحمدَ، فيما إذا شهدَ أحدُهما بقَتْلِه، والآخَرُ بالإِقْرارِ بقَتْلِه، أنَّه يثْبُتُ القتلُ. واختارَ أبو بكرٍ ثُبوتَ القتلِ ههُنا، وفيما إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَتلَه بسيفٍ وشَهِدَ الآخرُ أنَّه قَتلَه بسِكِّينٍ؛ لأنهما اتَّفقا على القتلِ، واخْتلَفا في صفَتِه. وقال الشافعيُّ: هو لَوْثٌ في هذه الصُّورةِ، في أحدِ القَوْلَيْن، وفي الصُّورَتَيْن اللَّتَيْن قبلَها هو لَوْثٌ؛ لأنَّها شَهادةٌ تُغَلِّبُ على الظَّنِّ صِدْقَ المدَّعِي، أشْبَهتْ شهادةَ النِّساءِ والعبيدِ. ولَنا، أنَّها شهادةٌ مَرْدُودةٌ؛ للاخْتلافِ فيها، فلم تكُنْ لَوْثًا، كالصُّورةِ الأولى.
فصل: وليس من شَرْط اللَّوْثِ أن يكونَ بالقتيلِ أثَرٌ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ. وعن أحمدَ: أنَّه شَرْطٌ. وهذا قولُ حمادٍ، وأبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ؛ لأنَّه إذا لم يكُنْ به أثَرٌ، احْتَمَلَ أنَّه ماتَ حَتْفَ أنْفِه. ولَنا؛ أنَّ النَّبِي ﷺ لم يسْألِ الأنصارَ، هل كان بقَتيلِهم أثرٌ أو لا؟ ولأنَّ القتلَ يَحْصُلُ بما لا أَثرَ له، كغَمِّ الوَجْهِ، والخَنْقِ، وعَصْرِ الخُصْيتَيْن، وضَرْبةِ (٢٠) الفُؤادِ، فأشْبَهَ مَن به أثَرٌ، ومَن به أثرٌ قد يموتُ حَتْفَ أنْفِه؛ لسَقْطَتِه، أو صَرْعِهِ (٢١)، أو يقتُلُ نفسَه. فعلى قولِ (٢٢) مَن اعْتبرَ الأثرَ، إن خرجَ الدَّمُ من أُذُنِه، فهو لَوْثٌ؛ لأنَّه لا يكونُ إلَّا لِخَنْقٍ (٢٣) له، أو أمرٍ أُصِيبَ به، وإن خَرجَ من أنْفِه، فهل يكونُ لَوْثًا؟ على وَجْهَين.
الفصل الثاني: أنَّ القَسامةَ لا تثْبُتُ ما لم يتَّفِقِ الأوْلياءُ على الدَّعْوَى، فإن كَذَّبَ بعضُهم بعضًا، فقال أحدُهم: قَتَلَه هذا. وقالَ الآخَرُ: لم يقْتُلْه هذا. أو قال: بل قتَلَه هذا الآخرُ، لم تثْبُتِ القَسامةُ. نصَّ عليه أحمدُ. وسواءٌ كان المكذِّبُ عَدْلًا أو فاسقًا.
стр. 6335
وذُكِرَ عن الشافعيِّ أنَّ القَسامةَ لا تبْطُلُ بتكْذيبِ الفاسِقِ؛ لأنَّ قولَه غيرُ مَقْبولٍ. ولَنا، أنَّه مُقِرٌّ على نفسِه بتَبْرئةِ مَن ادَّعَى عليه أخوه، فقُبِلَ، كما لو ادَّعَى دَيْنًا لهما، وإنَّما لا يُقْبَلُ قولُه على غيرِه، فأمَّا على نفسِه، فهو كالعَدْلِ؛ لأنَّه لا يُتَّهَمُ في حقِّها؛ فأمَّا إنْ لم يُكذِّبْه، ولم يُوافِقْه في الدَّعْوَى، مثل إنْ قال أحدُهما: قتَلَه هذا. وقالَ الآخرُ: لا نعلمُ قاتِلَه. فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّ القَسامةَ لا تثْبُتُ؛ لاشْتراطِه ادِّعاءَ الأوْلياءِ على واحدٍ. وهذا قولُ مالكٍ. وكذلك إن كان أحدُ الوَلِيَّيْن غائبًا، فادَّعَى الحاضرُ دُونَ الغائبِ، أو ادَّعَيا جميعًا على واحدٍ، ونَكَلَ أحدُهما عن الأيْمانِ، لم يثْبُتِ القتلُ، في قياسِ قولِ الْخِرَقِيِّ. ومُقتضَى قولِ أبي بكرٍ والقاضِي، ثُبوتُ القَسامةِ. وكذلك مذهبُ الشافعِيِّ؛ لأنَّ أحدَهما لم يُكذِّبِ الآخَرَ، فلم تبْطُلِ القَسامةُ، كما لو كان أحدُ الوارثَيْن امرأةً أو صغيرًا، فعلى قولِهم، يَحْلِفُ المُدَّعِى خمسين يَمِينًا، ويَسْتَحِقُّ نصفَ الدِّيَةِ؛ لأنَّ الأيْمانَ ههُنا بمنزلةِ البَيِّنَةِ، ولا يثْبُتُ شيءٌ من الحَقِّ إلَّا بعدَ كَمالِ البَيِّنَةِ، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَى أحدُهما دَيْنًا لأبيهما، فإِنَّه لا يسْتَحِقُ نَصيبَه من الدَّيْن إلَّا أن يُقِيمَ بَيِّنَةً كاملةً. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ، فيما إذا كان أحدُهما غائبًا، أنَّ الأوَّلَ فيه وَجْهان؛ أحدهما، أنَّه يَحْلِفُ خمسةً (٢٤) وعشرين يَمِينًا، وهذا قولُ ابنِ حامدٍ؛ لأنَّ الأيْمانَ مَقْسومةٌ عليه وعلى أخيهِ، بدليل ما لو كانا حاضِريْن مُتَّفِقَيْنِ في الدَّعْوى، ولا يَحْلِفُ الإِنسانُ عن غيرِه، فلا (٢٥) يَلْزَمُه أكثرُ من حِصَّتِه، فإذا حضرَ الغائبُ أقْسَم خمسةً وعشرين يَمِينًا وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه يَبْنِي على أيْمانِ أخِيه. وذكرَ أبو بكرٍ والقاضى في نَظِيرِ هذه المسألةِ؛ أنَّ الأوَّل يَحْلِفُ خمسين يَمِينًا، وهل يَحْلِفُ الثاني خمسين أو خمسةً وعشرين؟ على وَجْهَين؛ أحدهما (٢٦)، يَحْلِفُ خمسين؛ لأنَّ أخاه لم يَسْتَحِقَّ إلَّا
стр. 6336
بخَمْسِين، فكذلك هو. ولنا، أنَّهما لم يتَّفِقَا في الدَّعْوَى، فلم تثْبُتِ القَسامةُ، كما لو كَذَّبَه؛ ولأنَّ الحقَّ في مَحَلِّ الوفاقِ، إنَّما يثْبُتُ بأيْمانِهما التي أُقِيمتْ مُقامَ البَيِّنَة، ولا يجوزُ أنْ يقومَ أحدُهما مَقَامَ الآخَرِ في الأيْمانِ، كما في سائرِ الدَّعاوَى. فعلى هذا، إن قَدِمَ الغائبُ، فوافَقَ أخاه، أو عادَ من لم يَعْلَمْ، فقال: قد عَرَفْتُه، هو الذي عَيَّنَه أخِي. أقسَما حينئذٍ. وإن قال أحدُهما: قتَلَه هذا. وقالَ الآخَرُ: قتَلَه هذا وفلانٌ (٢٧). فعلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، لا تثْبُتُ القسَامةُ؛ لأنَّها لا تكونُ إلَّا على واحدٍ. وعلى قولِ غيرهِ، يحْلِفان على مَن اتَّفقَا عليه، ويَسْتحِقَّانِ نصفَ الدِّيَة، ولا يجبُ القَوَدُ؛ لأنَّه إنَّما يجبُ في الدَّعْوَى على واحدٍ، ويَحْلِفان جميعًا على هذا الذي اتَّفَقا عليه على حَسَبِ دَعواهما، ويستَحِقَّانِ نصفَ الدِّيَةِ، ولا يجبُ أكثرُ من نصفِ الدِّيَة؛ لأنَّ أحدَهما يُكَذِّبُ (٢٨) الآخَرَ في النصفِ الآخَرِ، فَبَقِيَ اللَّوْثُ في حَقِّه في نصفِ الدَّمِ الذي اتَّفَقا عليه، ولم يَثْبُتْ في النِّصْفِ الذي كَذَّبه أخُوه فيه، ولا يَحْلِفُ الآخَرُ على الآخَرِ؛ لأنَّ أخاه كَذَّبَه في دَعْواه عليه. وإنْ قال أحدُهما: قَتَلَ أبي زيدٌ وآخرُ لا أعرِفُه. وقال الآخرُ: قتلَه عمرو وآخرُ لا أعرِفُه. لم تثْبُتِ القَسامةُ، في ظاهرِ قولِ الْخِرَقِيِّ؛ لأنَّها لا تكونُ إلَّا على واحدٍ، ولأنَّهما ما اتَّفَقا في الدَّعْوَى على واحدٍ، ولا يُمْكِنُ أنْ يحْلِفا على مَن لم يَتَّفِقَا على (٢٩) الدَّعْوَى عليه، والحقُّ إنَّما ثبَتَ في مَحَلِّ الوِفاقِ بأيْمانِ الجميعِ، فكيف يثْبُتُ في الفَرْعِ بأيْمانِ البعضِ! وقال أبو بكرٍ والقاضي: تثْبُتُ القَسامةُ. وهذا مذهبُ الشافعي؛ لأنَّه ليس ههُنا تكْذِيبٌ، فإنَّه يجوزُ أن يكونَ الذي جَهِلَه كلُّ واحدٍ منهما، هو الذي عرَفه أخُوه، فيَحْلِفُ كلُّ واحدٍ منهما على الذي عَيَّنَه خمسين يَمِينًا، ويسْتَحِقُّ رُبْعَ الدِّيَةِ، فإن عادَ كلُّ واحدٍ منهما، فقالَ: قد عَرَفْتُ الذي جَهِلْتُه (٣٠)، وهو الذي عَيَّنه أخِي.
стр. 6337
حَلَفَ أيضًا على الذي حَلَفَ عليه أخُوه، وأخَذَ منه رُبْعَ الدِّيَةِ، ويحلِفُ خَمسْةً وَعشرين يَمِينًا؛ لأنَّه يَبْنِى على أيْمانِ أخيه، فلم يَلْزَمْه أكثرُ من خمسةٍ وعشرين، كما لو عرَفَه ابتداءً. وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه يَحْلِفُ خمسين يَمِينًا؛ لأنَّ أخاه حَلَفَ خمسين يَمِينًا، وللشافعيِّ في هذا قَوْلانِ، كالوَجْهَيْن. وَيجِىءُ في المسألةِ وَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الأوَّلَ لا يَحْلِفُ أكثرَ من خمسة وعشرين يَمِينًا؛ لأنَّه إنَّما يحْلِفُ على ما يَسْتَحِقُّه، والذي يسْتَحِقُّه النِّصْفُ، فيكونُ عليه نصفُ الأَيمانِ، كما لو حَلَفَ أخُوه معه. وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: الذي كنتُ جَهِلْتُه غيرُ الذي عَيَّنَه أخي. بَطَلَتِ القَسامةُ التي أقْسَماها؛ لأنَّ التَّكْذِيبَ يَقْدَحُ في اللَّوثِ؛ فيَرُدُّ كلُّ واحدٍ منهما ما أخَذَ من الدِّيَةِ. وإن كَذَّبَ أحدُهما أخاه، ولم يُكذِّبْه الآخَرُ، بَطَلَتْ قَسامةُ المُكَذِّبِ دونَ الذي لم يُكَذِّبْ.
فصل: وإذا (٣١) قال الوَلِيُّ بعدَ القَسامةِ: غَلِطْتُ، ما هذا الذي قتَلَه. أو: ظَلَمْتُه بدَعْوَايَ القتلَ عليه. أو قال: كان هذا المُدَّعَى عليه في بلَدٍ آخَرَ يومَ قَتْلِ وَلِيِّي، وكان بينهمَا بُعْدٌ لا يُمْكنُ أنْ يقْتُلَه إذا كان فيه. بَطَلَتِ القَسامةُ، ولَزِمَه رَدُّ ما أخذَه؛ لأنَّه مُقِرٌّ على نفسِه، فقُبِلَ إقْرارُه. وإن قال: ما أَخَذْتُه حرامٌ. سُئِلَ عن ذلك، فإن قال: أرَدْتُ أنَّنِي كَذَبْتُ في دَعْوايَ عليه. بَطَلَتْ قَسامتُه أيضًا. وإن قال: أرَدْتُ أنَّ الأيْمانَ تكونُ في جَنَبةِ المُدَّعَى عليه، كمذهبِ أبي حنيفةَ. لم تَبْطُلِ القَسامةُ؛ لأنَّها ثَبتت باجْتهادِ الحاكمِ، فيُقَدَّمُ على اعْتقادِه، وإن قال: هذا (٣٢) مَغْصوبٌ. وأقرَّ بمَن غصَبَ منه (٣٣)، لَزِمَه رَدُّه عليه، ولا يُقْبَلُ قولُه على مَن أخذَه منه؛ لأنَّ الإِنسانَ لا يُقْبَلُ إقْرارُه على غيرِه. وإن لم يُقِرَّ به لأحَدٍ، لم تُرْفَعْ يدُه عنه؛ لأنَّه لم يتَعَيَّنْ مُسْتَحِقُّه. وإن اخْتلَفا في مُرادِه بقولِه، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه أعْرَفُ بقَصْدِه.
стр. 6338
فصل: وان أقامَ المُدَّعَى عليه بَيِّنةً أنَّه كان يومَ القتلِ في بلدٍ بعيدٍ من بلدِ المقْتُولِ، لا يُمْكِنُ مَجيئُه منه إليه في يومٍ واحدٍ، بَطَلَتِ الدَّعْوَى. وإن قالتِ البَيِّنَةُ: نَشْهدُ أنَّ فلانًا لم يقْتُلْه. لم تُسمَعْ هذه الشهادةُ؛ لأنَّه نَفْيٌ مُجرَّدٌ. فإن قالا: ما قتَلَه فلانٌ، بل قتلَه فلانٌ. سُمِعَت؛ لأنَّها شَهِدَتْ بإثْباتٍ تَضَمَّنَ النَّفْىَ، فسُمِعَتْ، كما لو قالتْ: ما قتَلَه فلانٌ؛ لأنَّه كان (٣٤) يومَ القتلِ في بلَدٍ بَعِيدٍ.
فصل: فإن جاءَ رجلٌ، فقال: ما قَتلَه هذا المُدَّعَى عليه، بل أنَا قَتلتُه. فكَذَّبَه الوَلِيُّ، لم تَبْطُلْ دَعْواه، وله القَسامةُ، ولا يَلْزَمُه رَدُّ الدِّيَةِ إن كان أخَذها؛ لأنَّه قولٌ واحدٌ، ولا يلْزَمُ المُقِرَّ شيءٌ؛ لأنَّه أقَرَّ لمن يُكَذِّبُه. وإن صَدَّقَه الوَلِيُّ، أو طالبَه بمُوجَبِ القَتْلِ، لَزِمَهُ رَدُّ ما أخذَه (٣٥)، وبَطَلَتْ دَعْوَاه على الأوَّلِ؛ لأنَّ ذلك جَرَى مَجْرَى الإِقْرارِ ببُطْلانِ الدَّعْوَى. وهل له مُطالبةُ المُقِرِّ؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، له مُطالبتُه؛ لأنَّه أقرَّ له بحَقٍّ، فمَلَكَ مُطالبتَه به، كسائرِ الحقوقِ. والثاني، ليس له مُطالبتُه؛ لأنَّ دَعْوَاه على الأوَّلِ انْفرادَه بالقتلِ؛ إبْراءٌ لغيرِه، فلا يَمْلِكُ مُطالبةَ مَنْ أبْرَأَه. والمنصوصُ عن أحمدَ، ﵀، أنَّه يَسْقُطُ القَوَدُ عنهما، وله مُطالبةُ الثاني بالدِّيَةِ، فإنَّه قال، في رجلٍ شَهِدَ عليه شاهِدانِ بالقَتْلِ، فأُخِذَ لِيُقادَ (٣٦) منه، فجاءَ رجلٌ، فقال: ما قتَلَه هذا، أنا قَتَلْتُه: فالقَوَدُ يسَقُطُ عنهما، والدِّيَةُ على الثاني. ووَجْهُ ذلك ما رُوِيَ، أنَّ رجلًا ذبَحَ رجلًا في خَرِبَةٍ، وَتَرَكَه وهَرَبَ، وكان قَصَّابٌ قد ذبحَ شاةً، وأرادَ ذَبْحَ أُخْرَى، فهَرَبَتْ منه إلى الخَرِبَةِ، فتَبِعَها حتى وقفَ على القتيلِ، والسِّكِّينُ بيَدِه مُلَطَّخَةٌ بالدَّمِ، فأخِذَ على تلك الحالِ، وجىءَ به إلى عمرَ، ﵁، فأمرَ بقَتْلِه، فقال القاتلُ في نفسِه: يا وَيْلَه، قتلتُ نفسًا، ويُقتَلُ بسَببي آخَرُ. فقام فقال: أنا قَتَلتُه، ولم
стр. 6339
يَقْتُلْه هذا. فقال عمرُ: إن كان قد قتلَ نفسًا فقد أَحْيَى نَفْسًا. ودَرأَ عنه القِصاصَ (٣٧). ولأنَّ الدَّعْوَى على الأوَّلِ شُبْهَةٌ في دَرْءِ القِصاصِ عن الثاني، وتجبُ الدِّيةُ عليه؛ لإِقْرارِه بالقَتْلِ المُوجِبِ لها. وهذا القولُ أصَحُّ وأعدلُ، مع شَهادةِ الأثَرِ بصِحَّتِه.
الفصلُ الثالثُ: أنَّ الأوْلياءَ إذَا ادَّعَوُا القتلَ على مَن بينَه وبينَ القتيلِ لَوْثٌ، شُرِعَتِ اليَمينُ في حقِّ المُدَّعِين أوَّلًا، فَيَحْلِفُونَ خمسين يَمِينًا على المُدَّعَى عليه أنَّه قَتَلَه، وثَبتَ حقُّهم قِبَلَه، فإنْ لم يحلِفُوا، استُحْلِفَ المُدَّعَى عليه خمسين يَمِينًا، وبُرِّئَ. وبهذا قال يحيى بنُ سعيد، ورَبِيعةُ، وأبو الزِّنادِ، واللَّيْثُ (٣٨)، ومالكٌ، والشافعيُّ. وقال الحسنُ: يُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى علهم أوَّلًا خمسين يَمِينًا، ويُبَرَّءُونَ. فإنْ أَبَوا أن يَحْلِفُوا، استُحْلِفَ خمسون من المُدَّعِين، أنَّ حَقَّنا قِبَلَكم، ثم يُعْطَوْن الدِّيَةَ؛ لقولِ النَّبِي ﷺ : "وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ". روَاه مسلمٌ (٣٩). وفي لفظٍ: "الْبَيِّنَةُ علَى المُدَّعِى، واليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ". روَاه الشافعيُّ، في "مُسْنَدِه" (٤٠). ورَوى أبو داودَ (٤١)، بإسْنادِه عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن رجالٍ من الأنصار، أنَّ النبيَّ ﷺ قال ليَهُود (٤٢)، وبدأَ بهم: "يَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا". فَأَبَوا، فقال للأنْصارِ: "اسْتَحِقُّوا" قالوا: نَحْلِفُ على الغَيْبِ يا رسولَ اللهِ. فجعَلَها رسولُ اللهِ ﷺ على اليَهُودِ؛ لأنَّه وُجِدَ بينَ أظْهُرِهم؛ ولأنَّها يَمِينٌ في دَعْوَى، فوجَبَتْ في جانبِ المُدَّعَى عليه ابتداءً كسائرِ الدَّعاوَى. وقال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعيُّ، والثَّوْريُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ: يُسْتَحْلَفُ خمسون رجلًا من أهْلِ المَحَلَّةِ التي وُجِدَ فيها القتيلُ، باللهِ ما قَتَلْنَاه، ولا عَلِمْنا
стр. 6340
قاتلًا، ويُغَرَّمون الدِّيَةَ؛ لقَضاءِ عمرَ، ﵁، بذلك (٤٣). ولم نَعْرفْ له في الصحابةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا. وتكَلَّمُوا في حديثِ سهلٍ بما روَى أبو داودَ (٤٤)، عن محمدِ بن إبراهيم بن الحارثِ التَّيْمِيِّ، عن عبد الرحمن بن (٤٥) بُجَيْدِ (٤٦) ابن قَيْظِيِّ (٤٧)، أحدِ بني حارثةَ؛ قال محمدُ بن إبراهيم: وأيمُ اللهِ، ما كان سَهْلٌ بأعْلمَ منه، ولكنَّه كانَ أسنَّ منه، قال: واللهِ ما قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "احْلِفُوا على ما لا عِلْمَ لَكم به"، ولكنَّه كتبَ إلى يهود حينَ كلَّمتْه الأنصارُ: "إنَّه وُجِدَ بَيْنَ أبْيَاتِكُمْ قَتِيلٌ فَدُوهُ". فكتَبُوا يحْلِفُون باللهِ ما قتَلُوه، ولا يَعْلَمُون له قاتلًا، فوَدَاه رُسولُ اللَّه ﷺ من عِنْدِه. ولَنا، حديثُ سهلٍ (٤٨)، وهو صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه، ورَواه مالكٌ، في "مُوَطإِهِ"، وعَمِلَ به. وما عارضَه من الحديثِ لا يصحُّ لوُجوهٍ؛ أحدُها، أنَّه نَفْيٌ، فلَا يُرَدُّ بِه قولُ المُثْبِتِ. والثاني، أنَّ سَهْلًا من أصحابِ رسول اللَّه ﷺ ، شاهدَ القِصَّةَ، وعَرَفَها، حتى إنَّه قال: ركَضَتْني ناقةٌ من تلكَ الإِبلِ. والآخَرَ يقولُ برأْيِه وظَنِّهِ، من غيرِ أن يَرْوِيَه عن أحَدٍ، ولا حضرَ القِصَّةَ. والثالثُ، أنَّ حديثَنا مُخرجٌ في الصَّحِيحَيْن، مُتَّفَقٌ عليه، وحديثُهم بخلافِه. الرابعُ، أنَّهم لا يعْمَلُون بحديثِهم، ولا حَديثِنا، فكيف يحْتَجُّونَ بما هو حُجَّةٌ عليهم فيما خالَفُوه فيه! وحديثُ سليمانَ بنِ يسارٍ، عن رجالٍ من الأنْصارِ، ولم يذكُرْ لهم صُحْبةً، فهو أدْنَى حالًا (٤٩) من حديثِ محمدِ بن إبراهيم، وقد خالفَ الحديثَيْن جميعًا، فكيفَ يجوزُ أنْ يُعْتَمدَ عليه! وحديثُ: "الْيَمينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ". لم تُرَدْ به هذه القضِيَّةُ (٥٠)؛ لأنَّه يدُلُّ على أنَّ الناسَ لا يُعْطَوْن بدَعْوَاهم،